ما لم يَقُلْ، وينسبون إليه ما لم يفعل، بعامل العصبية الجامحة، والحقد الذي ملأَ قلوبهم، مما يطول شرحُه أو تفصيله، ولعلك أعلمُ به منّى، بل أنا أثقُ بذلك.
ولكنّى - فيما قرأتُ، وما أكثرَ ما قرأتُ - لم أجد واحدًا من الناسِ، متقدّميهم ومتأخرّيهم، رَمَى شيخ الإسلام بالكذب فيما يَحْكِى أو يَنْقُل، أو بالوَهم والتخيُّل فيما يَرَى ويَسْمع ويقول. وأعتقد أنك لم تَقَعْ على شيء من ذلك أبدًا، فلقد أخذت مني الدهشة مأخذها - إذَنْ - حين قرأت في مجلة (الهدي النبوي)، في عدد شهريْ رجب وشعبان من المجلد ١٩ سنة ١٣٧٤، في ص ٣١، أثناء فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية، (في الردّ والإنكار على طوائف من الضُّلال) تعليقك على كلام الإمام شيخ الإسلام، حين يقول:
(وأما كونُه لم يتبيَّن له كيفيةُ الجِنّ ومقاماتُهم، فهذا ليس فيه إلا إخبارُه بعدم علمه، لم ينكرْ وجودَهم. إذْ وجودُهم ثابتٌ بطرق كثيرة غير دلالة الكتاب والسنة، فإن من الناس مَنْ رآهم، ومنهم مَنْ رآى من رآهم، وثبت ذلك عندهم بالخبر اليقين، وفي الناس من كلَّمهم وكلَّموه، ومن الناس من يأمرهم وينهاهم ويتصرَّف فيهم، وهذا يكون للصالحين ولغير الصالحين، ولو ذكرتُ ما جَرَى لي ولأصحابي معهم لطال الخطابُ. وكذلك ما جرى لغيرنا).
أدهشني أكبرَ الدهشة، وأنكرتُ أشدَّ الإنكار - تعليقكم في هامش الفتوى، عند قوله (ويتصرّف فيهم)، بما نصه: "ليس ثَمَّ دليل
стр. 387
على صدق أولئك المُخْبِرين، ولعل أكثرَهم كان واهمًا ومُتَخَيِّلًا. وقد قال الله: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧].
فأول ما آخذُه على قولتك هذه، أنها رميٌ صريح لشيخ الإسلام بالكذب والافتراء! أو على الأقل بالغفلة والغباء! ! فإن تراه يزعم أنّ "من الناس من رآهم" و"من الناس من كلَّمهم وكلّموه، ومن الناس من يأمرهم وينهاهم ويتصرف فيهم" ثم يقول: "ولو ذكرتُ ما جرى لي ولأصحابي معهم لطال الخطاب". وليس لهذا الكلام معنى في لغة العرب إلا أن شيخ الإسلام ﵀ كان له مع الجِنّ شيء ممّا حكاه: إمَّا أنه رآهم، وإما أنه كلمهم وكلموه، وإما أنه "يأمرهم وينهاهم ويتصرّف فيهم". فإذا عقَّبْتَ أنت على هذا القول بأنه "ليس ثَمَّ دليلٌ على صدق أولئك المخبرين" لم يكن معناه إلا أنّ هذا الذي حكاه شيخُ الإسلام لم يَقَعْ منه شيءٌ؛ لأنه ليس هناك دليل - عندك - على صدق المخبرين "ولعل أكثرهم كان واهمًا ومتخيلًا"! ! وهؤلاء المخبرون: شيخ الإسلام، فيما زَعَمَ أنه جَرَى له، وغيرُه الذين لم يُسمِّهم "من أصحابه"، وليس لنا شأنٌ بمن لم يُسَمِّه هو من أصحابه، وإن كنّا موقنين من توثقه وتحريه فيما يحكي عنهم ولو إجمالًا، إنما الشأن فيما حكاه هو عن نفسه! !
وأُعيذُك بالله من أن تقصد إلى رمي شيخ الإسلام - عن عَمْدٍ - بما يُفهم من قولك، إذا فُهم بدلالة لسان العرب. وأقصى ما أستطيعُ من حمل كلامك على أحسن محامِله، بحسن الظن بك - أنك رأيت
стр. 388
رأيًا رسخ في قلبك، وغَلَبَك رأيُك فلم تستطعْ له دفعًا، فجرى به قلمُك حين رأيتَ القول بأنّ "من الناس ... ومن الناس ... "، فكتبتَ تعليقك عندَه، قبل أن تقرأ ما جاء بعده، من أن شيخ الإسلام يثبتُ شيئًا كثيرًا من ذلك جَرَى له ولأصحابه مع الجنّ، بل لعلك حين هَدَأتْ نفسُك، واستراح قلبُك بما خَرَج منه، لم تقرأ آخر الكلام، أو قرأتَه غير عابئٍ به، ولا مُلْقٍ له بالًا، ولا مُتَعَمّقٍ فيما وراءه من معنًى ولستُ أدري أيقومُ هذا الاعتذارُ أم ينهار؟ إنما هذا هو الذي صنعتْ يدُك.
* * *
ثم أكثرُ من هذا وأشدُّ خطرًا: أنّ إنكارَك ما أنكرتَ، فيه إنكارٌ لكثير مما ثبت بالسنّة الصحيحة، التي عِشْنَا عُمُرَنا نَدْفَعُ عنها، ونردُّ على منكريها، ونعيبُ متأوّليهما بما يُخرج الكلام عن معناه الصحيح، ولعلك تذكر من هذا الشيء الكثير.
ولستُ الآن بصدد تحقيق الأحاديث الثابتة، في رؤية بعضِ الصحابة - رضوان الله عليهم - للجنّ، وتصديق رسول الله ﷺ لهم، فيما حَكَوا عمّا رَأوْا، فأنا أثق أنك قرأت من ذلك ما قرأت أو أكثر منه، وأنك عرفته حقَّ المعرفة، وإنما يكفي من ذلك الإشارة:
فحديث أبي هريرة في صحيح البخاري (٤: ٣٩٦ - ٣٩٨ من فتح الباري) - فيه قصتُه مع الجنّي الذي كان يأخذُ مما كُلِّف أبو هريرة بحفظه من زكاة رمضان، وأخذه إياه، ثم إنه خلى عنه حين أبدى له
стр. 389
حاجة عياله، وقولُ رسول الله ﷺ لأبي هريرة: "أما إنه قد كَذَبك، وسيعودُ" ... فعل ذلك ثلاث مراتٍ، ثم قال له الجنّي: "دَعْني أُعَلِّمْكَ كلماتٍ ينفعك الله بها"، ثم علَّمه أن يقرأ آية الكرسي، وأنه لن يزالَ عليه من الله حافظٌ ولا يقربه شيطانٌ، حتى يُصْبِح. ثم قال رسول الله ﷺ لأبي هريرة: "أمَا إنه صَدَقَك، وهو كَذُوبٌ. تَعْلَمُ من تخاطبُ مُذْ ثلاثِ ليالٍ يا أبا هريرة؟ قال: لا. قال: ذاك شيطان". وهذا حديث صحيح صريح، لا يحتمل تأويلًا، إلا تأويلَ أهل الأهواء، ممَّن لا يأخذون بالسنة الصحيحة، أو بعبارة صريحةٍ مطابقة لحالهم: "من الذين لا يؤمنون بالغَيْب". وأعيذُك بالله أن تَميل إليهم، أو تأخذ مأْخَذَهم.
وقد أثبت الحافظُ في ذلك الموضع كثيرًا من الأحاديث في هذا المعنى، ثم عَرَض للاحتجاج بالآية التي تأَوَّلْتَها على غير وجهها - فيما كتبتَ - فذَكَر أن قوله تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾. "مخصوص بما إذا كان على صورته التي خلق عليها". وهو تفسير لا بأس به عندي، وأجودُ منه أن يكونَ قولُه تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾. خاصًّا بحالةٍ أو ناحية لا نراهم منها، بدلالة كلمة "من حيثُ"، وأنّ هذا لا ينفي رؤيتهم من نواحي أُخَر.
وأقوى من هذا دلالةً - فيما أرى -: أن الجنّ لم يكونوا، ولن يكونوا أرقى من الملائكة ولا أعظم خلقًا منهم، ورؤية الناس للملائكة ثابتةٌ ثبوت القطع الذي لا شك فيه، حين يتشكَّلون على
стр. 390
صورةٍ تستطاع رؤيتهم بها، ويكفي من هذا حديث جبريل، في سؤالاته عن الإسلام والإيمان والإحسان، الثابت في دواوين الإسلام، والذي لا يَشُكُّ في صحته ولا ثبوته أحدٌ يؤمن بالغيب.
وبعدُ: فهذه كلمة عابرة، لإزالةِ شبهةٍ عنك أولًا، وعن أهل العلم بالحديث ثانيًا، أمّا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فإنه أرفع منزلةً عندي وعندك من أن يصل إليه تكذيبٌ أو شكٌ في صدقه فيما يَحْكي أو ينقل، وأنت أولُ من يوافق على ذلك، إن شاء الله.
فآمل منك - إحقاقًا للحق، ورفعًا للشبهة، أن تنشرَ كلمتي هذه كاملةً بنصها، ثم كلُّ الحقّ أن تعلّق عليها أو تَرُدّ بما تشاء. والله سبحانه يتولانا جميعًا بهدايته وتوفيقه.
مساء الثلاثاء ٣ رمضان سنة ١٣٧٤ - ٢٦ أبريل سنة ١٩٥٥.
أحمد محمد شاكر
* * *
стр. 391
مقال الشيخ حامد الفقي بنصه حرفيًّا:
أبرأ إلى الله من سوء الظن بشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ورضي عنه
لست أدري كيف تطرق على ذهن بعض الإخوان اتهامي شيخ الإسلام ابن تيمية بالكذب من تعليقتي في الهدي (عددي رجب وشعبان) التي أقول فيها: "ليس ثَمَّ دليل على صدق أولئك المخبرين". أي؛ ليس ثم دليل من الكتاب والسنة يعتمد عليه في هذه الأمور الغيبية، ونفي الدليل على وقوع ما يذكره الناس من رؤيتهم للجن، لا يعطى مطلقًا رمي شيخ الإسلام بالكذب - حاشاه وبرأه الله - وما كنت أتصور مطلقًا أن يحملها حامل على أني أرمي شيخ الإسلام بالكذب، فهي والله عندي جدُّ عجيبة، ولكني قصدت إلى أن أقطع على الدجالين سبيل اتخاذهم لما يحكى من ذلك حجة لهم على ما يدجلون به على الدهماء، ويستغلونهم به أسوأ استغلال، كما هو شائع قد ابتلى به أكثر العوام وأشباههم، فاستولت عليهم الأوهام والخرافات حتى فسد تفكيرهم، وفسدت نظرتهم إلى كل شأن في الحياة، وترتب على ذلك ما أصيبوا به في هذه الأعصر من التأخر في ميادين الحياة العملية، وانحلال الأخلاق، ووهن العزائم.
وكيف يتوهم متوهم في حامد الفقي الذي وقف حياته على نشر علوم ابن تيمية، وتخصص فيها من يوم أن كان اسم ابن تيمية لا يذكر
стр. 392
إلَّا مقرونًا باللعنة على ألسنة الوثنيين الجاهلين، وما زلت - بحمد الله أصبر على ما ينالني من أذى - حتى أقبل الناس اليوم على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية يقدرونها قدرها، وينتفعون بها ويحرصون عليها. ولقد نفعني الله بكتب شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم نفعًا أعده من أجل نعم الله عليّ، ومن أشد وآكد وصاياي لإخواني أنصار السنة: أن من لم يتضلع من كتب الشيخين، لا يمكن أن يكون سلفيًّا بالمعنى الصحيح، ولكني أحمد الله وأدعو لشيخ الإسلام دائمًا بالمغفرة والرضوان، وأضعه من نفسي أجل موضع: أن تعلمت منه مقت التقليد أشد مقت، لما يفضي إليه - كما عرفت من شيخ الإسلام ابن تيمية - إلى أسوأ العواقب في الدنيا والآخرة للفرد والمجتمع، فلست أقلد ابن تيمية ولا ابن القيم ولا غيرهما، ولا أتخذهم أربابًا من دون الله، بل العلماء عندي بشر يخطؤون ويصيبون.
ونفي صدق الدليل الشرعي: أقصد منه خطأ من يثبت تيسر رؤية الجن، كرؤية المرئيات العادية؛ فإن "الجن" بلا شك من عالم الغيب الذي نؤمن به، على ما صح وثبت عن الله ورسوله ﷺ ولا نزيد بعقلنا ولا بعقل غيرنا، فحديث الشيطان الذي كان يسرق من تمر الصدقة نؤمن به أصدق الإيمان، ونعتقد أنه ليس عامًّا بالنسبة إلى كل الناس، وفي جميع الأوقات، فهو كحادثة الجريدة التي شقها الرسول ﷺ نصفين، ووضع كل واحد من شقيها على قبر من القبرين اللذين كان يعذب أصحابهما وقال: "إن الله يخفف عنهما ما لم ييبسا". أو كما قال. فهي حادثة خاصة، لا تعطي حكمًا عامًّا أبدًا. وقد روى البيهقي في مناقب الشافعي ﵀ عن
стр. 393
الربيع بن سليمان أنه سمع الشافعي يقول "من زعم أنه يرى الجن رددنا شهادته، إلّا أن يكون نبيًّا". وراجع تفسير المنار لقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧].
ومن قديم عودني ربي سبحانه، وله الحمد، على أن أمضي في طريقي ذاهبًا إلى ربي ليهديني، لا أعبأ بما يحاول المعوقون أن يلقوا في طريقي من غبار، أو أشواك، وأن يوهنوا من دعوتي بأنها شذوذ، وتشديد في أمور سهلة، هي التوسل بالأولياء، وترك لما هو أهم، وغير ذلك، فما كان - ولا يزال - يقعقع به المعوقون. فاليوم - وقد قطعت مع شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وإخوانهما من السلفيين القدامى، ﵃، نصف قرن - لا يهمني أن يقعقع حولي بهذه الشنان، فليرح نفسه من يحاول ذلك، ويذهب متتبعًا سقطات، فأين كان يوم نقدت ابن تيمية في رسالة العبودية، وكتاب اقتضاء الصراط المستقيم، وغيرها مما علقت عليه، وأعوذ بالله، وأعيذ إخواني بالله، أن أكون أو يكونوا من الذين يصدرون عن هوى أو شبهة، أو مقاصد لا تتفق وهدي الرسول ﷺ ربنا لا تجعل في قلوبنا غِلًّا للذين آمنوا.
غفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ورضي الله عن شيخ الإسلام ابن تيمية الذي ما أحببته بقدر ما نفعني الله بعلمه وفقهه، فكان حبه سببًا في شديد أذًى صبرت عليه، بفضل الله وتوفيقه، حتى كانت العاقبة الحسنى، وجمعنا الله وإياه مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
стр. 394
التعقيب على مقاله
وقد بدأ الشيخ مقالَه بالبراءة إلى الله من سوء الظنّ بشيخ الإسلام ابن تيمية، ثم ذكر أن تعليقَه الذي أخذناه عليه "لا يعطى مطلقًا رَمْي شيخ الإسلام بالكذب، حاشاه وبرّأه الله".
أما سوءُ الظن بشيخ الإسلام، فما نسبناه إليه قَطُّ، ولا نستطيعُه؛ لأنه من أفعال القلوب، التي لا يطَّلع على حقائقها إلَّا الله تعالى، الذي يعلم ما تكن الأنْفُسُ وما تُخْفِى القلوبُ.
وإنما الكلام فيما يدلُّ عليه تعليقُه - أو يُوهِم - أنه نسبةُ الكذب على شيخ الإسلام، حاشاه الله وبرّأه منه. وإنما الكلام فيما حاوَلْنا أن نبرئ الصديق القديم مما يوهم كلامُه، ورجَوْنا أن يَبْرَأَ منه براءةً صحيحة واضحة صريحة، فأبَى.
وهذا من مواقف الرجال، التي لا يصلح فيها التأوُّلُ ولا الالتواءُ: فإما نفيٌ لما يوهمه الكلامُ نفيًا قاطعًا واعترافٌ بالخطأ في التعبير، وإما التزامٌ لما يقتضيه معنى الكلام، ثم الثبات عليه، أيًّا كانت العواقب، أما التأرجحُ بين النفي والإثبات، وأما المحاورةُ والمداورةُ، فلا تزيد الأمرَ إلَّا شَنَاعةً.
لقد حكى شيخ الإسلام أنّ من الناس من رأى الجنّ، ومن رأى
стр. 395
من رآهم، ومن الناس من كلّمهم وكلّموه، ثم قال بعد ذلك: "ولو ذكرتُ ما جرى لي ولأصحابي معهم [أي مع الجنّ، ببداهة السياق]، لطال الخطاب". وهذا كلام ليس له معنًى في لغة العرب إلَّا أنّ شيخ الإسلام يحكي أنه جَرَى له نفسه شيء من هذا، كما قلتُ لك في مقالي، فإذا جئتَ أنت وعلَّقْتَ على هذا القول بأنه "ليس ثم دليل على صدق أولئك المخبرين" - الذين منهم شيخ الإسلام، بدلالة صريح الكلام - ألا يُوقع هذا القولُ منك في وَهْم القارئ أن هذا القائل الذي يدعي أنه "جَرَى له" شيء من هذا مع الجنّ - لمْ يَكُ صادقًا، أو على الأقل أنه لم يكن متحريًا للصدق؟ ! ومع هذا فإني برّأتُك بالقول الصريح "من أن تقصد إلى رَمْيِ شيخ الإسلام - عن عَمْدٍ - بما يُفْهم من قولك"!
* * *
وأنا أثقُ كل الثقة، أنك لا تستطيع رميَ شيخ الإسلام ابن تيمية بالكذب والافتراء، ولا تَعمد إلى ذلك قطّ - على كثرة ما يَجْري على لسانك وعلى قلمك من الطعن في الأئمة والعلماء، ورميهم بالكذب والافتراء - لسبب واحد أعرفُه وتعرفُه: وهو أن لشيخ الإسلام ابن تيمية مَنْ يَغْضَبُ له، ويَقْلي شانئيه ومبغضيه، وأنت أحرصُ من أن تقف هذا الموقف، وخاصةً أنْ كنتَ في أول أمرك من مُحِبيه ومُعَظِّميه، وأنا أعرف صاحبي، يا صاحبي.
ولكنك أفلتَتْ منك كلمةٌ عابرةٌ، غَفَلْتَ عن مرماها وما وراءها،
стр. 396
فحين كشفتُ لك غطاءها، ووقَفْتُك على ما وراءها، ثارتْ ثائرتُك، وكبر عليك أن يُكْشَفَ الستارُ عما تُجِنُّ نفسُك، فاندفعتَ - كعادتك - غير متبصرٍ عاقبةَ أمرك، ولا ناظرٍ إلى ما تحت قدميك، وقد نصحتُك فكبُر عليك النصح، وحذَّرتُك - إبقاء عليك - فأسأتَ الظنَ بي، كعادتك مع إخوانك، فسقطتَ في الحفرة بين قدمَيْك، وكنتُ من هذا أخشى عليك.
إنك - في دفاعك المُنْهارِ - تفسر كلمتك "ليس ثم دليل على صدق أولئك المخبرين" بقولك في صدر مقالك: "أي ليس ثم دليل من الكتاب والسنة يعتمد عليه في هذه الأمور الغيبية، ونفيُ الدليل على وقوع ما يذكره الناس من رؤيتهم للجنّ، لا يعطى مطلقًا رمي شيخ الإسلام بالكذب - حاشاه وبرأه الله - وما كنتُ أتصور مطلقًا أن يحملها حامل على أني أرمي شيخ الإسلام بالكذب، فهي والله عندي عجيبة جدُّ عجيبة". ثم بقولك في وسط مقالك: "ونفي صدق الدليل الشرعي: أقصد منه خطأ من يثبت تيسُّر رؤية الجنّ كرؤية المرئيات العادية. فإن الجنّ بلا شك من عالم الغيب الذي نؤمن به، على ما صح وثبت عن الله ورسوله ﷺ ولا نَزِيد بعقلنا ولا بعقل غيرنا"! !
* * *
أين يُذْهَب بك أيها الرجل؟ ! أنحن بصدد إثبات حكم شرعي نتطلَّب الدليل عليه من الكتاب والسنة؟ أم نحن بصدد واقعةٍ أو وقائع معيَّنةٍ، وقعتْ بعد انقضاء الوحي بأكثر من سبعمائة سنة، في عصر
стр. 397
شيخ الإسلام؟ ألا تعرف - وأنت الرجل الذكي العالم - الفرقَ بين الأحكام والقواعد واستنباطها، وبين الوقائع المعيَّنة وثبوتها؟ !
وسأُعَلِّمُك:
لو كان كلامُ شيخ الإسلام مقرَّرًا لوجود الجنّ فقط، لطالبَه مُنَاظِره أو مُجادِله بالدليل على ذلك من الكتاب والسنة، وهذا هو الحكمُ الذي يُطْلَب من أجل إثباته دليلٌ منصوص من الكتاب والسنة، أو دليل مستنبط منهما، ولكنّ شيخ الإسلام ﵀ يرى أن هذا ليس موضعَ الردّ على المردود عليه.
فإنه يقول بالحرف الواحد: "وأمّا كونُه لم يتبيَّنْ له كيفيةُ الجنّ ومقاماتُهم، فهذا ليس فيه إلا إخباره بعدم علمه، لم ينكر وجودهم". فهذا هو الحكمُ بوجود الجنّ: لمَ ينسب شيخُ الإسلام للرجل المردود عليه أنه ينكر وجودهم، حتى يقيم عليه الدلائل من الكتاب والسنة، بل أثبت لخصمه أنه "لم ينكر وجودهم"، ولذلك لم يكتب له في هذا الموضع الدلائل من الكتاب والسنة؛ لأن وجودهم - عن هذه الدلائل - ليس موضعَ الخلاف والردّ على ذاك الرجل.
وقد فهم شيخُ الإسلام من كلام الرجل المردود عليه، أنه ليس فيه إلَّا إخبارُه بعدم علمه بكيفية الجنّ ومقاماتهم، فأراد أن يَحُجَّه بالحال المشاهدة عندَ بعض الناس، ومنهم شيخ الإسلام نفسُه. فقال: "إذْ وجودهم ثابتٌ بطرق كثيرة، غير دلالة الكتاب والسنة؛ فإن من الناس مَنْ رآهم ... ومن الناس من كلَّمهم وكلَّموه ... ولو
стр. 398
ذكرتُ ما جرى لي ولأصحابي معهم لطال الخطاب".
وهذا كلامُ الرجل العالم الفاقِه لما يقول، الواثق من نفسه ومن صدقه، ومن تصديق خصمه له إذا حَكَى ما رأى بعينه وسمع بأذنه. إذْ هو يعلم أنه لا يُدْفَع عن الصدق فيما يقول عما شهده، ولا عن الصدق فيما يَنْقل من العلم، ويعلم أن أحدًا من خصمه لم يَنْبِزْه بالكذب قطّ.
فهذه واقعة - في رؤية شيخ الإسلام للجنّ وكلامه معهم - وقعتْ بعد انقطاع الوحي بأكثر من سبعمائة سنة، فليس لسامعها إلَّا إحدى اثنتين: أن يصدِّقَ راويَها الذي يدَّعي أنها وقعتْ له، بما يعرفه من صدق لهجته، ومن عدالته وأمانته، ومن أنه أهل للشهادة تُقبل شهادتُه، ولا يستطيع أن يَطلب منه دليلًا على صدقه من الكتاب والسنة، فما يُعقل قطّ أن يَطلبَ منه نصًّا من الوحي على أنه صادق في هذه الواقعة أو الوقائع بعينها! ! أو يكذِّب هذا الراوي فيما روى أنه وقع له.
وهذا التكذيب قد يكون للراوي نفسه، بدفعه عن الصدق، بما يعلم الدافعُ من حال الراوي وعدم عدالته؛ فيكون نفيًا خاصًّا قاصرًا على الواقعة أو الوقائع التي يحكيها هذا الراوي.
وقد يكون التكذيبُ عامًّا، غير قاصرٍ على موضع الرواية، بل نفيٌ لأصل المسألة، فكأنه يقول للراوي - حتى لو عَرَفَه بالصدق والعدالة: إن الذي تقول وتحكي لا يُعقل أن يقعَ قطّ؛ لأن دلائل
стр. 399
الكتاب أو السنة الصحيحة تنفيه، وتجعلُ وقوعَه محالًا، فأنت إمّا كاذب مخترع، وإما واهم متخيّل! !
وهذا هو الذي صنعته أنتَ، وحاولتُ أن أبرئك منه، ووضعتُ بين يديك الفرصة لتنفي عن نفسك الشبهةَ! فأبيت.
جئت لواقعة أو وقائع يَرْوي شيخ الإسلام - وهو الصادقُ القول، الثابتُ العقل، النيّرُ البصيرة - أنها وقعت له، كما وقعتْ لغيره، فنفيتها نفيًا قاطعًا عامًّا فقلت له: "ليس ثم دليل على صدق أولئك المخبرين، ولعل أكثرهم كان واهمًا ومتخيلًا"!
مَنْ أولئك المخبرون الذين "ليس ثم دليل على صدقهم" أيها العالمُ الذكيّ؟
ليس أمامَنا - في هذا الموضوع بعينه، وفي مقال شيخ الإسلام بعينه - إلّا مخبرٌ واحدٌ، هو شيخ الإسلام ابنُ تيمية، ثم مخبرون آخرون له، لم نعرف من هم، ولكنه هو الذي أخبرنا حاكيًا عنهم. أتريد أن يكون تكذيبُك إنما يقع على أولئك المخبرين له؟ فلنفرضْ هذا، ولكن ماذا عن إخباره هو بأنه جَرَى له مع الجنّ شيء مما حكى؟ أهو صادق فيه أم كاذب؟ أهو واهمٌ فيه ومتخِيَّل، أم ثابتُ العقل مستيقنٌ؟ !
هذا هو الذي تتحدَّثُ فيه، ودَعْ ما عداه!
* * *
ثم أينَ في كلام شيخ الإسلام - في رسالته التي علَّقتَ عليها -
стр. 400
إثباتُ "تَيَسُّر رؤية الجن، كرؤية المرئيات العادية" حتى تدَّعى أنك تقصد بيان خطئه؟ ثم من ذا الذي زعم من العلماء، بل حتّى من المخرفين الأغبياء، من ادّعى "تيسُّرَ رؤية الجن، كرؤية المرئيات العادية"؟ !
ألا تَفْقَهُ ما تقول؟ ! أتكون كلمتي لك مخلصة لوجه الله - سببًا لمثل هذا الهُرَاء، بل سببًا لخطإٍ في التعبير، لم تقصد إليه يقينًا، حين تقول "ونفي صدق الدليل الشرعي"! ! تريد "ونفي وجود الدليل الشرعي"! وأنا أعرف أنك ستزعم أنها غلطةٌ مطبعية، ولكنّ المصحح الذي كنتَ تُلصق به كل الأغلاط في كتبك ترَك العملَ معك منذُ عهد بعيد!
ثم تغالط وتقول عن حديث الشيطان الذي كان يسرق من تمر الصدقة "أنه ليس عامًّا بالنسبة لكل الناس"! ومَنْ ذا الذي زعم لك أنه "عامّ بالنسبة لكل الناس"؟ ! أتريد أن تقوّلني في مقالي ما لم أقل؟ ! إنك تنفي إمكان رؤية الجنّ نفيًا باتًّا عامًّا قاطعًا، وتستدل بالآية على غير وجهها، لتكذّب بها من يدَّعي أنه يراهم في بعض الأحيان، أي تجعل الآية دليلًا على الاستحالة الواقعية، لا الاستحالة العقلية، فهذا العمومُ في النفي يكفي في نقضِه ثبوتُ حادثة واحدة صحيحةٍ، وهذا هو موضع الاستدلال.
* * *
ثم قاصمةُ الظَّهْر، وتلك التي لا شَوَى لها:
إنك منذُ درستَ السُنّة، والتزمت منهاجها الحقّ، كنتَ تأخذ مأخذَ الاجتهاد، وتسيرُ على الطريق السويّ، ولستُ أرمي إلى إنكار
стр. 401
هذا عليك - حتى لا تتأولَ كلامي فتوجَّهَه إلى غير ما أقصد - ولعلي كنتُ من أوائل الدعاة في مصر إلى هذا الصراط المستقيم، وما أظنك تنكر على ذلك، وقد فَخَرْتَ بذلك في مقالك، ونفيتَ عن نفسك تهمة التقليد لابن تيمية أو ابن القيّم أو غيرهما. فانظرْ ماذا فعلتَ؟
نقلتَ عن أحد الكتب، ولستُ أُسَمِّيه لك الآن، أن البيهقي روى في مناقب الشافعي: "عن الربيع بن سليمان، أنه سمع الشافعي يقول: من زعم أنه يرى الجنّ رَدَدْنا شهادتَه، إلا أن يكون نبيًّا".
أفأستطيع أن أفهم من كلامك - بما أخذتَ به نفسَك من مذهب الاجتهاد - أنك لا تقلّد الإمامَ الشافعي في هذا القول، وأنْ قد أدَّاك اجتهادُك إلى مثل قوله، فالتزمتَه قولًا لك، تذهب إليه وترتضيه، وأنك جئت بكلمة الشافعي استئناسًا، لا استدلالًا؟ ! وهذا بديهيٌّ من معنى قولك، ومن سياق حكايتك، لا تستطيع منه تَفصِّيًا، ولا عنه نُكُوصًا.
أفتدري إلامَ ينتهي بك هذا القول وهذا الرأي؟ إنك باختيارك إيّاه قولًا، وبارتضائك. إيَّاه مذهبًا - تحكمُ حكمًا لا رجوعَ لك عنه، ولا مناصَ منه: أن شيخ الإسلام ابن تيمية ممن لا تُقبل شهادتُه عندَك؛ لأنه ادَّعى رؤية الجن والكلامَ معهم، بصريح قوله الذي تتحدث عنه.
وأعيذُ شيخَ الإسلام بالله منك ومن اجتهادك، ومن ادّعائك نصرتَه والذّيادَ عنه، بل هو أرفعُ عندنا قدرًا، وأعلى علمًا، وأصدق قولًا، من أن نأخذه بمثل هذه الكلمة التي نقلت عن الإمام الشافعي ﵁، والذي قاله شيخ الإسلام وحكاه عن نفسه وعن غيره
стр. 402
ممن يثق به، نصدقهُ فيه، ولا نرى من دلالة الآية ما ينفيه، وأمامَنا السُّنةُ الصحيحة تؤيدُه في إمكان الرؤية، لا نقصدُ بذلك إلى العموم الذي تحرف إليه الكلام: "تيسُّر رؤية الجنّ، كرؤية المرئيَّات العادية" مما لم يقل به أحدٌ قطُّ فيما علمنا.
فانظر أين ذهبتْ براءتُك إلى الله من سوء الظن بشيخ الإسلام، وبراءتُك من رميه بالكذب في صدر كلامك؟ !
* * *
ما أجد كلمةً أصف بها عَمَلَكَ هذا، أحسن من كلمة قالها الطبري في تفسيره (١) يصوّر بها تناقض من يردّ عليه، قال: "ثم نَقَضَ ذلك من قوله، فأَسْرَعَ نَقْضَه، وهدَمَ ما بَنى، فأسرع هَدْمَهُ"! !
وتسألني - أيها الصديق القديم - أين كنتُ يومَ نقدتَ ابن تيمية في تعليقاتك على بعض كتبه؟
وسأُجِيبُكَ:
كنتُ حاضرًا، أرى وأسمعُ، وأقرأ وأعجبُ، ولا أزعم أنك كنتَ مخطئًا في كل ما تقول، ولا مصيبًا في كل ما تنقد، وكان الصواب قليلًا نادرًا. وكنتُ أحاول التفاهم معك في بعض الحالات، فكنتَ تستقبلني بالهزء والسخرية، وقلب الجدِّ مزاحًا، كعادتك التي اصطنعتها منذ بضع سنين، وكنتُ أسكتُ، ولا أظنك
стр. 403
تنسى ما كان من اشتراكنا في إخراج تهذيب السنن لابن القيم، وكيف كنتُ أعارضك في كثير مما تكتب من التعليقات، التي أتحرَّجُ من أن تُنْسَب إليّ بحكم اشتراكنا في العمل، حتى اضطُررنا إلى الاتفاق على أن يوقع كل واحد منَّا على ما يكتب، وكنتَ - في بعض الأحيان - إذا لم يعجبْك حديثٌ ثابت صحيح، ولم تستطع الحكم بضعفه، تذهبُ إلى تأويله بما يكاد يخرجه عن دلالة الألفاظ على المعاني، وكنتُ أنصحك بأن هذه الطريقة هي التي ننعاها وينعاها علماء السنة على أهل الرأي، فلم تكن ترجع عن اجتهادك، ثم ازداد الأمر حين كتبتَ هامشة معيَّنة، حاولتُ إقناعك ببطلانها، فأصررتَ على إثباتها، فعزمتُ عليك أن لا تفعل، وأعذرتُ إليك أنها إذا طُبعتْ في الكتاب نفضتُ يدي من الاشتراك في تصحيحه؛ إذْ لا أستطيع وضعَ اسمي على كتاب يُنْشَر فيه مثلُ هذا الكلام، فلم تعبأ بكلامي، فتركتُ العمل فيه.
ولا أذكر أني كتبت مقالًا، أو نشرتُ شيئًا تتبّعتُ فيه سقَطَاتِكَ، كما زعمتَ ذلك ونسبتَه إليَّ.
ولذلك لم يعجبني قولك عنّي: "فليُرحْ نفسَه من يحاول ذلك، ويذهبُ مُتَتَبعًا سقطات". وكنت أتمنى أن لا تقوله، فإنّ الصدق في غيره.
* * *
وبعدُ:
فما كنتُ يومًا ما من المعوّقين لك، يُلْقُونَ في طريقك الغبار والأشواك! فقد نسبت إليّ ما لم يكن، بل كان غيرُه هو الصحيح،
стр. 404
فكنتُ أنصرُك في أكثر مواقفك، وأدفعُ عنك قادحِيك. وكنتُ - إذا أخذتُ عليك مأخذًا - نصحتُك به مواجهةً صريحةً، غيرَ ملتوية ولا متخاذلة، وكنت في أول أمرك تقبل نصحي، أو تقنعني بخطئي، ثم كانت عاقبةُ أمرك - معي على الأقل - أن لا تقبل نصحًا، وأن تركبَ رأسك، وتَسير في طريقك، فنسكتُ ولا نعوَّقك ولا نُلقي في طريقك غبارًا ولا شوكًا، بل لطالما أسأتَ إليّ، وأنا أعفو وأصفح، وأقابل إساءتك بالوفاء، والحرص على المودة القديمة التي كانتْ قائمة.
ولماذا ألقي في طريقك الغبارَ والأشواك؟ وأنا أراك منذ أكثر من عشر سنوات واقفًا على هُوَّةٍ غطاؤها لا يكاد يَتَمَاسَكُ، مما تُحَمَّله من أعباء، وتصنع به من أحداث. وأنا أدِينُك بخطّك، لا بكلامي ولا بكلام غيري، وقد أحْكَمْتُ لك الحِكْمَةَ وزمامُها بيدي، وكان الظنُّ بك أن لا تضرب هذه اليدَ، إن [لم] يكن وفاءً للصداقة القديمة، فخوفًا أن يُفْلِتَ الزمامُ، ولكنَّك لا تُبْقِي ولا تَذَر.
هدانا الله جميعًا إلى سبل السلام، ووفّقنا للحق فيما نقول ونعمل، وجنَّبنا مواقف الزلل، ومهاويَ الأهواء، ونَزَوَاتِ الشيطان، وجعلنا من الهادين المهديّين، والسلام.
الإثنين، ٨ شوال، سنة ١٣٧٤، ٣٠ مايو، سنة ١٩٥٥.
كتبه
أحمد محمد شاكر
عفا الله عنه بمنه
стр. 405
بيني وبين أخي الشيخ أحمد شاكر (*)
﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ [الشورى: ٤٣]
لقد فزع إخواني - الذين هم إخوان الشيخ أحمد شاكر - أشد الفزع حين قرؤوا ما كتب، وحزنوا أشد الحزن، وسألوني في لهفة وحسرة: ماذا بينك وبين أخي العمر، مما ولد هذه الفتنة؟
فأقول وأؤكد القول، أن الذي بيني وبين أخي العمر: هو الذي عليه عشنا ما عشناه، في ظل هذا الإخاء، المتين العرى، الوثيق الأواصر؛ لأنه نسج - بحمد الله - على نول العلم، وحِيك من خيوط مذهب السلف الصالح ﵃ واليد التي نسجته وحاكته يد الكتاب والسنة، ونحن بحمد الله، ورغم أنف كل حاسد وحاقد - لا نزال نكتسي بهذا الثوب الكريم، وننعم بزينته وتقاه - ونسأل الله سبحانه أن يديم علينا ذلك الثوب سابغًا، حتى نلقاه على ذلك، ولن نترك ثغرة لأي ممن حاول أن يسعى بالوقيعة بتأجيج نار الفتنة.
وأخي الشيخ أحمد شاكر، يعلم علم اليقين: أن أخاه حامد أعرف الناس بفضله، وأشكر الناس لجميله، وأصبرهم على صداقته،
стр. 406
وأحفظهم لعهده، وأحرصهم على وده، وأبعدهم عن مساءته، وأسرعهم إلى مسرته، ومهما نزغ الشيطان بيني وبينه، فالفيئة إلى معقل الود - إن شاء الله - سريعة والإخاء السلفي كفيل بالإسراع بهذه الفيئة، وأرجو من ربي سبحانه أن يجعل هذه خلقي مع كل أخ سلفي ينقدني، مهما طغى قلمه، واشتط نقده، ولن أزكي نفسي، فأزعم - كما زعم عني خطأ - أني أعلم إخواني، أو أفقهم في دين الله؛ فإني أعرف نفسي وأعرف: أنها دائمًّا بحاجة إلى علم جديد، وآداب نبوية جديدة والله عليم بذات الصدور (وكل الناس خطاء وخير الخطائين التوابون).
وعُتبي على أخي الشيخ أحمد شاكر: أنه أساء الظن بأخي العمر في الله، ونسبه إلى ما يعرف هو أنه أبعد الناس عنه، وأكره الناس له - وبالأخص مع أخيه الذي يحفظ عهده، ويحرص على إخائه ووده - فهو يعرف أنى أبغض الظلم، بل لا أستطيعه، ولا أحسنه، فضلًا عن أن أظلم أخي الشيخ أحمد شاكر، فلعله هو الذي ظلم نفسه فتعجل وكتب، وكان الأحرى أن يتريث، وهو القاضي الخبير.
فلقد جاءتني كلمات من غير الواحد من إخواني أنصار السنة، كما جاءني منه، ينبهونني فيها إلى ما نبهني إليه، في شأن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فكتبت كلمتي، وأجملت فيها القول، ليأخذ كل منهم جوابه، ولذا لم أذكر اسم واحد منهم؛ لأنه لا حاجة لأحد منهم إلى ذكر اسمه، فإنما كتبوا للعلم والحق، لا
стр. 407
لأنفسهم، فكانت غضبة - صعيدية - من أخي الشيخ أحمد شاكر - غفر الله لي وله - اتخذ منها الشيطان سبيلًا إلى أن ينزغ بيني وبينه، وقد عرف ذلك أخي فاستغفر. والله يغفر لي وله وللمؤمنين.
وأخيرًا: فليعلم الجميع: أن ليس بيني وبين أخي الشيخ أحمد إلّا الرجوع الدائم - إن شاء الله - إلى الله وإلى رسوله، وأني شديد الحرص على سد الثغور، وتوفير الجهود، وتركيزها لتوجيهها إلى أعداء الله ورسوله؛ فهم أعداؤنا. وبالأخص في هذه الحقبة من حياتنا. وإني لأجل هذا - لحريص أشد الحرص على التحقق يقول الله سبحانه لعباده المؤمنين: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ [الشورى: ٤٣].
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ونسأله سبحانه: الهدى والإيمان والثبات والسداد والرشد، والتواصي بالحق والصبر، وصلى الله وسلم على إمامنا محمد وعلى آله.
* * *
стр. 408
تعقيب لفضيلة الشيخ أحمد محمد شاكر
أما وقد عتب عليَّ الأخ الشيخ حامد الفقي فيما كتبت، فله العتبى، وما كنت لأرضى أن يكون اللدد في الخصومة، بل ما أرضى هذا بيني وبين أي إنسان، وليس من اليسير هدم الصداقة القديمة والأخوة في الله، وفي سبيل نصر الإسلام والحرب على أعدائه.
ولكني أظن، بل أوقن، أن الأخ الشيخ حامد لو نظر للأمر من زاوية أخرى ومن وجهة نظري، ولو استعرض الظروف التي ألجأتني للكتابة، والتي حكمت عليَّ أن أقف منه هذا الموقف. لعذرني بعض العذر، ولعلم أن الأمر لم يكن غضبة (صعيدية)، بل كان دفعًا لظلم ظننته وقع، أما وقد تبرأ منه فالحمد لله على هذا البيان.
وكان من عذري فيما رأيت إذا ذاك: أن الحديث دار بيني وبينه في شأن مقالي لينشره في المجلة، وكان منه الإباء. وكان أقصى ما أظن بشأن مقالي، بل أقساه: أن يطويه فلا ينشره: وكان الحديث مناسبة جيدة، بل موجبًا عليه أن يخبرني بأن قد جاءته كلمات أخر من غير واحد من إخواننا في هذا الشأن، إذن لما ظننت شيئًا، ولما فهمت أن مقاله موجه إليّ، أما ولم يفعل، فقد كان في كل العذر إن فهمت أن مقاله موجه إليّ وحدي خصوصًا وأنه رد على كل الأبحاث
стр. 409
التي أشرت إليها في مقالي على ترتيبها تقريبًا، ثم زاد يقيني بذلك أن كنا معًا يوم عيد الفطر مساءً فلم يخبرني عما كتب، مع توافر الدواعي لإخباري، ثم أجد مقاله في المجلة صبيحة اليوم التالي لعيد الفطر (٢ شوال سنة ١٣٧٤) حين جاءت المجلة بالبريد، ثم لم يحدثني بعد ذلك في شأن كلمته، وأنه لا يقصدني وحدي، بل يرد ردًّا عامًّا على ما جاءه فأنى لي العلم بذلك؟ ! ولذلك قلت له، وأنا صادق فيما أقول: لو أنه أخبرني بشيء من هذا ما كتبت، مهما تكن القرائن والدلائل على أنه يرد على كلمتي دون نشرها.
فهذه بعض الملابسات التي حفزتني على الكتابة، ولم يكن قط أن أحدًا حاول أن يسعى بيننا بالوقيعة وتأجيج نار الفتنة، وما كنت أنا ممن يخضع لهذه المؤثرات إن وجدت في هذا الظرف، وهو يعلم علم اليقين أن قد وجدت محاولات من هذا المعني دهرًا طويلًا فلم تؤثر علي، ولم تؤثر عليه، والحمد لله على كل حال، ولو كان لمثل هذا أثر، لما بقيت الصداقة والأخوة بضع سنين. وقد بقيت ثابتة راسخة بضعًا وأربعين سنة، فليطمئن إخواننا على ما بيننا.
وأما الجدل العلمي المبني على اتباع الدليل، وإحقاق الحق، فلا أثر له بين الإخوان مهما تختلف آرائهم ووجهات نظرهم، وكلنا طالب علم، وكلنا باحث عن الحق، وكلنا يهتدي بهدي الكتاب والسنة ما استطاع، وكلنا حسن النية والقصد، إن شاء الله. وما أكثر ما تصاولنا في العلم واختلفنا، وما أكثر ما بحثنا وتشعبت آراؤنا،
стр. 410
لمقصد واحد، وعلى هدي واحد، فمنا المخطئ ومنا المصيب، وكثيرًا ما يكون للمخطئ فيئة؛ إذ يستضيء بنور الله، ويهتدي بهدي كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ .
نسأل الله أن يبصرنا طريق الهدى، وسبيل الرشاد، وأن يوفقنا للاستمساك بما أمرنا به، وأن يجنبنا الزلل، ويعصمنا من الخطل والضلال، وأن يجعلنا هادين مهدين، موفقين للعلم النافع والعمل الصالح؛ إنه سميع الدعاء.
* * *
стр. 411
الدفاع عن الحق
١ - كلمة الحق
٢ - صحف الهلال والدعاية ضد الإسلام
٣ - عبد العزيز فهمي باشا: وعداؤه للعربية
٤ - الإيمانُ قَيْدُ الْفَتْكِ
٥ - على الطريقة الأمريكية
٦ - خطاب مفتوح إلى شيخ الأزهر
٧ - خواطر
٨ - جرأة عجيبة على تكذيب القرآن
стр. 412
كلمة الحق (*)
ما أقل ما قلنا (كلمة الحق) في مواقف الرجال، وما أكثر ما قصرنا في ذلك، إن لم يكن خوفًا فضعفًا، ونستغفر الله وأرى أن قد آن الأوان لنقولها ما استطعنا، كفارة عما سلف من تقصير، وعما أسلفت من ذنوب، ليس لها إلّا عفو الله ورحمته والعمر يجري بنا سريعًا والحياة توشك أن تبلغ منتهاها.
وأرى أن قد آن الأوان لنقولها ما استطعنا، وبلادنا، بلاد الإسلام، تنحدر في مجرى السيل إلى هُوَّةٍ لا قرار لها، هُوَّة الإلحاد والإباحية والانحلال، فإن لم نقف منهم موقف النذير، وإن لم نأخذ بحُجَزِهم عن النار، انحدرنا معهم، وأصابنا من عقابيل ذلك ما يصيبهم، وكان علينا من الإثم أضعاف ما حملوا.
ذلك بأن الله أخذ علينا ميثاق ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (١)، وذلك بأن الله ضرب لنا المثل بأشقى الأمم، ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ (٢).
стр. 413
وذلك بأن الله وصفنا - معشر المسلمين - بأننا خير الأمم ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١). فإن فقدنا ما جعلنا الله به خير الأمم، كنا كمثل أشقاها، وليس من منزلة هناك بينهما.
وذلك بأن الله يقول: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ (٢).
وذلك بأن رسول الله ﷺ قال: "ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده؛ فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق، أو يذكر بعظيم" (٣).
وذلك بأن رسول الله ﷺ قال: "لا يحقرن أحدكم نفسه. قالوا: يا رسول الله، كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: يرى أمرًا لله عليه فيه مقال، ثم لا يقول فيه، فيقول الله له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول: خشية الناس. فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى" (٤).
نريد أن نقول (كلمة الحق) في شؤون المسلمين كلها، نريد أن ننافح عن الإسلام ما استطعنا، بالقول الفصل، والكلمة الصريحة، لا
стр. 414
نخشى فيما نقول أحدًا إلَّا الله؛ إذ نقول ما نقول في حدود ما أذن الله لنا به، بل ما أوجب عليه أن نقوله بهدي كتاب ربنا وسنة رسوله.
نريد أن نحارب الوثنية الحديثة والشرك الحديث، اللذين شاعا في بلادنا وفي أكثر بلاد الإسلام، تقليدًا لأوربة الوثنية الملحدة، كما حارب سلفنا الصالح الوثنية القديمة والشرك القديم.
نريد أن ننافح عن القرآن، وقد اعتاد الناس أن يلعبوا بكتاب الله بين أظهرنا، فمن متناوّل لآياته غير مؤمن به، يريد يقسرها: على غير ما يدل عليه صريح اللفظ في كلام العرب، حتى يوافق ما آمن به، أو ما أشربته نفسه ومن عقائد أوربة ووثنيتها وإلحادها، أو يقربه إلى عاداتهم وآدابهم - إن كانت لهم آداب - ليجعل الإسلام دينًا عصريًّا في نظره ونظر ساداته الذين ارتضع لبانهم أو ربي في أحضانهم.
ومن منكر لكل شيء من عالم الغيب، فلا يفتأ يحاور ويداور، ليجعل عالم الغيب كله موافقًا لظواهر ما رأى من سنن الكون، إن كان يرى أو على الأصح لما فهم أن أوربة ترى! ! نعم، لا بأس عليه - عنده - أن يؤمن بشيء مما وراء المادة إن أثبته السادة الأوربيون، ولو كان من خرافات استحضار الأرواح! !
ومن جاهل لا يفقه في الإسلام شيئًا، ثم لا يستحي أن يتلاعب بقراءات القرآن وألفاظه المعجزة السامية، فيكذب كل الأئمة والحفاظ فيما حفظوا ورووا. تقليدًا لعصبية الإفرنج التي يريدون بها أن يهدموا هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ ليجعلوه مثل ما لديهم من كتب.
стр. 415
وهكذا مما نرى وترون.
نريد أن نحفظ أعراض المسلمين، وأن نحارب، ما أحدث (النسوان) وأنصار (النسوان) من المنكرات الإباحية والمجون والفجور والدعارة، هؤلاء (النسوان) اللائى ليس لهن رجال إلا رجال (يشبهن) الرجال! ! هذه الحركة النسائية الماجنة، التي يتزعمها المجددون وأشباه المجددين، والمخنثون من الرجال، والمترجلات من النساء، التي يهدمون بها كل خلق كريم، يتسابق وأولئك وهؤلاء إلى الشهوات، وإلى الشهوات فقط.
نريد أن ندعو الصالحين من المؤمنين، والصالحات من المؤمنات: الذين بقي في نفوسهم الحفاظ والغيرة ومقومات الرجولة، واللائي بقي في نفوسهن الحياء والعفة والتصون إلى العمل الجدي الحازم على إرجاع المرأة المسلمة إلى خدرها الإسلامي المصون، إلى حجابها الذي أمر الله به ورسوله، طوعًا أو كرهًا.
نريد أن نثابر على ما دعونا وندعو إليه من العودة إلى كتاب الله وسنة رسوله في قضائنا كله، في كل بلاد الإسلام، وهدم الطاغوت الإفرنجي الذي ضرب على المسلمين في عقر دارهم في صورة قوانين، والله تعالى يقول ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ
стр. 416
صُدُودًا (٦١)﴾ (١). ثم يقول: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (٢).
نريد أن نتحدث في السياسة، السياسة العليا للأمم الإسلامية، التي تجعلهم (أمة واحدة، كما وصفهم الله في كتابه، نسموا بها على بدعة القوميات، وعلى أهواء الأحزاب نريد أن نبصر المسلمين وزعماءهم بموقعهم من هذه الدنيا بين الأمم، وتكالب الأمم عليهم بغيًا وعدوًا، وعصبية وكراهية الإسلام أولاً وقبل كل شيء.
نريد أن نعمل على تحرير عقول المسلمين وقلوبهم من روح التهتك والإباحية، ومن روح التمرد والإلحاد، وأن نريهم أثر ذلك في أوربة وأمريكا، اللتين يقلدانهما تقليد القردة، وأن نريهم أثر ذلك في أنفسهم وأخلاقهم ودينهم.
نريد أن نحارب النفاق والمجاملات الكاذبة، التي اصطنعها كتاب هذا العصر أو أكثرهم فيما يكتبون وينصحون! يظنون أن هذا من حسن السياسة، ومن الدعوة إلى الحق (بالحكمة والموعظة الحسنة) اللتين أمر الله بهما! وما كان هذا منهما قط، وإنما هو الضعف والاستخذاء والملق والحرص على عرض الحياة الدنيا.
وما نريد بهذا أن نكون سفهاء أو شتامين أو منفرين معاذ الله
стр. 417
"وليس المؤمن بالطعان ولا اللعان، ولا الفاحش ولا البذيء" كما قال رسول الله ﷺ (١) ولكننا يزيد أن نقول الحق واضحًا غير ملتو، وأن نصف الأشياء بأوصافها الصحيحة، بأحسن عبارة نستطيعها، ولكننا نربأ بأنفسنا وبإخواننا، أن نصف رجل يعلن عداءه للإسلام، أو يرفض شريعة الله ورسوله - مثلًا - بأنه (صديقنا) والله سبحانه نهانا عن ذلك نهيًا حازمًا في كتابه، ونربأ بأنفسنا، أن نضعف ونستخذي فنصف أمة من الأمم تضرب المسلمين بالحديد والنار، وتهتك أعراضهم وتنتهب أموالهم، بأنها أمة (صديقة) أو بأنها أمة (الحرية والنور) إذا كان من فعلها مع إخواننا أنها أمة (الاستعباد والنار)! وأمثال ذلك مما يرى القارئ ويسمع كل يوم، من علمائنا، ومن كبرائنا وزعمائنا ووزرائنا! والله المستعان.
نريد أن نمهد للمسلمين سبيل العزة التي جعلها الله لهم ومن حقهم إذا اتصفوا بما وصفهم به: أن يكونوا (مؤمنين) نريد أن نوقظهم وندعوهم إلى دينهم بهذا الصوت الضعيف صوت مجلتنا هذه المتواضعة، ولكننا نرجو أن يدوي هذا الصوت الضعيف يومًا ما، فيملأ العالم الإسلامي، ويبلغ أطراف الأرض، بما اعتزمنا من نية صادقة، نرجو أن تكون خالصة لله وحده، جهادًا في سبيل الله، إن شاء الله.
فإن عجزنا أو ذهبنا، فلن يعدم الإسلام رجلًا أو رجالًا خير منا، يرفعون هذا اللواء، فلا يزال خفاقًا إلى السماء بإذن الله؟
стр. 418
صُحُف الهِلاَل والدّعَاية ضِد الإسلام (*)
- ١ -
نشرت صحيفة الفكاهة بعددها رقم ٥٠ ما نصه:
"تشاجر اثنان في الزنكلون، فسب أحدهما دين الآخر، وقدم هذا الأخير طلبًا إلى المحكمة الشرعية بأن خصمه قد ارتد. فوافقت المحكمة، وأخرجته من الإسلام وفصلت بينه وبين زوجته.
وهذا اعتداء من المحكمة الشرعية على اختصاص المحاكم الأهلية التي تنظر وتعاقب من يسب الدين، فأي عقاب تعاقب به الحقانية هذا القاضي الشرعي الذي لا يبالي بهدم عائلة، ولو كان هذا العمل من غير اختصاصه".
فلما قرأتها أرسلت لها كلمة أبين فيها خطأها في هذا النقد المستنكر، وطلبت منها نشرها. وبعد أيام ورد لي خطاب خاص بإمضاء صاحبيها، ولم ينشرا مقالي، وهذا حقهما. فرأيت أن أنشر كلمتي والجواب عليها في جريدة (الفتح)؛ ليرى الناس كيف يحترم ضيوفنا عادات هذه البلاد، ودينها الرسمي، وقضاءها الشرعي الذي
стр. 419
هو أصل القضاء في هذا البلد. وهذا نص المقال والكتاب:
حضرة صاحب الفكاهة:
بعد السلام قرأت في العدد ٥٠ بتاريخ ٩ نوفمبر سنة ١٩٢٧ من الفكاهة تعرضًا لحكم زعمت الجرائد؛ أنه صدر من محكمة شرعية بالتفريق بين رجل سب الدين وبين زوجه.
وليس فيما كتبتم شيء من النقد القانوني أو الشرعي، وإنما هو اعتداء صرف على كرامة القضاء واستقلاله، وتعرض بالسخط لأحكام الشريعة الإسلامية في بلد أهله مسلمون ودينه الرسمي الإسلام.
وقد لاحظت مرارًا في صحفكم (الهلال، وكل شيء، والفكاهة) كتابات تمس الدين الإسلامي وتهزأ بعلماء الإسلام، ولاحظ هذا غيري كثير من الناس، وآلمنا أشد الألم لصدوره من جرائد مسيحية، ليس لها أن تتعرض لدين الإسلام، وأظنكم لم تروا جريدة إسلامية في مصر تكلمت بكلمة تمس الدين المسيحي.
نعم إن في بلدنا هذا كثيرًا من الملحدين الذين تسموا بأسماء المسلمين، وهم يقولون كثيرًا، ولكن الناس مهما سكتوا عن أقوالهم أو سفهوا آراءهم فإنهم لا يحتملون المساس بدينهم من غيرهم، هذا من جهة المبدأ في الكتابة.
وأما من جهة الموضوع، فإنه يظهر أن كاتب الكلمة في الفكاهة لا يعرف الشريعة الإسلامية، ولا القوانين الوضعية، ولا قواعد
стр. 420
الاختصاص في المحاكم، ولا يشعر في نفسه بعاطفة احترام القضاء ولو أخطأ.
فالذي يسب الدين الإسلامي هو مرتد وخارج عن الإسلام، ويجب التفريق بينه وبين زوجه في الشريعة، وإذا حكم القاضي الشرعي بذلك، فإنه قد أدى ما وجب عليه ولم يتعد اختصاصه. والعقوبة المفروضة في قانون العقوبات شيء آخر. ولئن كان حكمه خطأ لسبب من الأسباب، فسبيله أن يطعن المحكوم عليه بالطرق الرسمية من معارضة واستئناف وغيرهما. وحتى لو كان القاضي مخطئًا ومتعديًا على اختصاص غيره، فليس للكاتب أي وجه في طلبه أن تعاقب الحقانية القاضي الذي حكم به، إلا إن كان القاضي متأثرًا بأشياء خارجة عن موضوع القضية، والخطأ القضائي المبني على اجتهاد في الرأي لا عقوبة عليه؛ فالقاضي غير معصوم، وها هي المحاكم الشرعية والأهلية والمختلطة كثيرًا ما يتعدى بعضها اختصاصه، وما رأينا ولا سمعنا أن قاضيًا امن قضاتها عوقب لشيء من ذلك، ولم نر جريدة من الجرائد كتبت كلمة تمس قاضيًا أهليًّا أو مختلطًا؛ لخروجه عن دائرة اختصاصه.
ويظهر أن هذا خاص عندكم بالمحاكم الشرعية لتنفيذها أحكام الشرعية الإسلامية.
ثم إن هذه الواقعة التي رواها مكاتب الأهرام بالزنكلون لم نسمع بحصولها في دائرة مديرية الشرقية، ولا ندري من أين أتى بها
стр. 421
حضرته، وكنا نود من الصحافة الشريفة النابهة أن تتحرى الوقائع قبل نقدها والتعليق عليها.
وإني أرجو أن تنشروا كلمتي هذه بنصها في جريدتكم وأن تتقبلوا مني التحية؟
وهذا نص الجواب الذي جاءني صادرًا من إدارة الهلال:
حضرة الفاضل الأستاذ أحمد محمد شاكر
تحية، واحترامًا. وبعد: ملحوظة فقد أخذت خطابكم وشكرت لكم عنايتكم. على أني قد أسفت لما تبادر إلى ذهنكم من أن مجلاتنا تنشر كتابات عن الدين الإسلامي، وتهزأ بعلماء المسلمين؛ فهذا أبعد شيء عن خطتنا منذ إنشاء الهلال.
على أننا مع رغبتنا الأكيدة في تجنب هذه الموضوعات لا يسعنا - ومجلاتنا تتناول الحوادث الجارية والمباحث الاجتماعية التي يتحدث عنها الناس - إلا أن نشير إلى ما يجرى في هذا البلد، ولما كان معظم محرري مجلاتنا من المسلمين؛ فهم بطبيعة الحال يبدون ما يعنّ لهم من الأفكار في هذه الشؤون كما يفعل الكتاب في جميع الجرائد والمجلات السيارة بصرف النظر عن دين أصحابها. وقد تكون أفكارهم مخالفة لأفكار فريق من رجال الدين فإرضاؤهم جميعًا غير ميسور.
وأنتم تعلمون أن مجال الشرح والتفسير واسع جدًّا يختلف فيه العلماء أنفسهم اختلافًا كبيرًا.
стр. 422
وهذا وأننا نكرر لكم الشكر على ما أبديتم من الملاحظات، كما نكرر ونقرر بعدنا عن كل غرض ورغبتنا الأكيدة في تجنب كل ما يمس الدين أو رجال الدين. وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.
أميل وشكري زيدان
* * *
قال الشيخ:
ولقد ترددت بعد أن جاء هذا الخطاب في نشره ونشر مقالي، ولكني رأيت فيه أشياء تحتاج إلى إيضاح.
وأراد الله أن أجد لي من قلم (الفكاهة) حجة أقيمها عليها، لأُري إخواني الفرق بين نقدها للقضاء الأهلي وبين نقضها القضاء الشرعي الذي يفصل بين الناس بالشريعة الإسلامية الغراء.
فإنها نشرت في العدد ٥١ ما نصه:
القضاء حر فيما يحكم به، ولكن للأحكام آثارها في الجمهور وفي النظام الاجتماعي، وقد حكم بإحالة الأستاذ محمود عزمي المحرر في السياسة إلى محكمة الجنايات لاتهامه بالعيب في ذات الملك" ... إلخ.
إذن فالقاضي الأهلي إذا خالف رأي (الفكاهة) حر فيما يحكم به، وأما القاضي الشرعي فإنه يطلب من وزارة الحقانية عقابه.
ألهذا في نظر العقلاء معنى إلا ما قلناه من أن هذه الصحف لا
стр. 423
تبغي إلا التعرض لما كان مصبوغًا بصبغة الإسلام!
يعتذر أصحاب الصحيفة في كتابهم؛ بأن محرري مجلاتهم من المسلمين! وما لنا ولهذا، إنا لا نرى أمامنا إلا صحفًا بأسمائهم، ويزعمون أنها لا شأن لها بالأديان ولم تكن أنشئت للتبشير، فما بالهم كلما عرض لهم شيء يتعلق بالإسلام نبزوه بألسنتهم وتناولته أقلامهم!
لو أنهم أعلنوا أن صحفهم دينية جعلت للمناظرة بين الأديان، لما عبأنا بالرد عليهم - فنحن أشد الناس مقتًا للجدل حول الأديان - ولما قرأ صحفهم أحد من المسلمين.
والمدهش أن يقارنوا بين بحث في اختصاص القاضي والمحافظة على كرامة القضاء، وبين أفكار محرري صحفهم (وقد تكون مخالفة لأفكار فريق من رجال الدين فإرضاؤهم جميعًا غير ميسور).
لا لا أيها الكُتَّاب، إنما ننعي عليكم طغيان أقلامكم وفلتات ألسنتكم، لا مخالفة آرائكم لآرائنا، ولا نبحث عن رضانا أو رضا غيرنا، وليست هذه المسألة مما يخالف فيه أحد من المسلمين فضلًا عن رجال الدين.
إنا لا نريد من صحف الهلال أن تكون نصيرة للإسلام، ولكنا نرجوها أن تبعد أقلام محرريها عن التعرض له في كتاباتها، وأن تنفذ رغبتهم الأكيدة (في تجنب كل ما يمس الدين أو رجال الدين) كما وعد أصحابها، ونكتفي بهذا الوعد منهم ونطلب منها أن تنشر اعتذارًا عن التعرض للقضاء؛ لأن طلب عقاب القاضي الذي أصدر الحكم
стр. 424
- في ظنهم - يعتبر إهانة للقضاء الشرعي كله، وهذا الذي نصرُّ على طلبه منهم حرصًا منا على كرامة القضاء الإسلامي، وإني أتمنى لو كانت الحادثة وقعت فعلا وحكم فيها القضاء، إذن لكان للقاضي شأن آخر مع (الفكاهة).
* * *
- ٢ -
قال الشيخ (١):
يظهر أن "صحف الهلال" لا يروقها أن ترى في مصر مظهرًا من مظاهر الإسلام، وهي ترى أن لواء الإسلام الآن بيد الأزهر وعلمائه، والمحاكم الشرعية وموظفيها، وأنهم القائمون بإحياء شعائره، والمظهرون سلطانه، والحافظون لما بقي من عزه ومجده في مصر تحت رعاية حضرة صاحب الجلالة نصير الدين ورافع أعلامه "مولانا الملك فؤاد" كبير ملوك الشرق الإسلامي أيده الله بتأييده.
إن صحف الهلال ترى الأزهر والمحاكم الشرعية قذًى في أعين لا ندري كيف تبصر، وشجًى في حلق جمعيات التبشير وصحف الدعاية، فلا تفتأ تناوئهما بالحرب وتنادي - من وجودهما على ظهر الأرض - بالويل والثبور.
стр. 425
فما جاء ذكر للأزهر أو للمحاكم الشرعية إلا وانبرت ألسنتها تفري الأعراض وتزن بالسوء، وحاولت أفواهها أن تطفئ نورَ الله ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ [الصف: ٨]- باسم الإصلاح والغيرة على مرافق البلد ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾ [البقرة: ١١، ١٢]. ولقد كنا نود أن نحبس أقلامنا عن مساجلتهم في ميدان، لولا أن خشينا فتنتهم لشبابنا وناشئتنا، فيملؤون قلوبهم الطاهرة حقدًا وضغنًا على دينهم، وهو عنوان مجدهم، وهاديهم إلى سبيل السعادة في الدنيا والآخرة.
يعتذرون بأن التعرض للدين الإسلامي والعلماء أبعد شيء عن خطتهم منذ إنشاء الهلال. قد يكون هذا حقًّا في حياة مؤسس الهلال، فقد كان فيما نرى حازمًا يحسن البعد عن مزالق الأقدام. ومهما قلنا عن أغلاطه في تاريخ الإسلام وفي كتبه الأخرى، فلن نبيح لأنفسنا الحكم على خفايا الصدور، ولن نتهمه بالقصد إلى ما أخطأ في نسبته من سيئات للمسلمين، مما نبه عليه في حينه كبار رجال العلم في الإسلام.
وأما خَلَفه مِنْ بعده فقد رسموا لأنفسهم طريقًا جديدًا - لأنهم مجددون - ورأوا أن يغيروا ما اختطه سلفهم لنفسه ثم لهم، وأرادوا أن ينشؤوا صحفًا أسبوعية إلى جانب هلالهم تدخل على العاتق في خدرها - حتى تخرجها منه - ويقرؤها الطالب والأستاذ والطفل والشيخ، تستهوي قلوب الناس بما تظهر من صور مكتوبة وأخرى