الأقل لا أذكر أنني قرأت مثلها في التصريح بما ينون ويعتزمون.
وإن كنت واثقًا منذ عقلت الدين، وفقهت الأوضاع السارية في بلدنا أن هذا هو المرمى والمآل من قبل أن نولد، بل من قبل أن يولد آباؤنا.
ثم جاءت هذه الدعوى، تضع الأمر كله على المنصة بين يدي القضاء، تعرض الموضوع من أوله (هل تقوم في مصر حكومة دينية؟ وهل الحكومة القائمة تطبق المبادئ الشرعية حقًّا وصدقًا؟ أو هل يعيش المصريون في مجتمع شرعي تطبق فيه أحكام الدين الحنيف؟ )
وهذه أسئلة في الصميم، لا تستطيع المدعية ولا محاميها، بل لا يستطيع من هو أكبر منهما وأعلم من رجال القانون وغيرهم أن يجيبوا إلا بالسلب، بل أنا لا أستطيع أن أجيب إلا بالسلب! فليس في مصر حكومة دينية، والحكومة القائمة - أعني نظم الدولة - لا تطبق المبادئ الشرعية حقًّا وصدقًا، بل لا تطبقها كذبًا وزورًا، بل أقول أكثر من هذا: إن النص في الدستور على أن دين الدولة الإسلام لا يمثل حقيقة واقعة، إنما هو خيال ووهم كبعض ما اقتبسنا من سخافات أوربة في الخيال والتمثيل، والمصريون لا يعيشون في مجتمع شرعي تطبق فيه أحكام الدين الحنيف.
ذلك بأن المبشرين والمستعمرين وأتباعهم وأنصارهم ربوا فينا أجيالًا متتابعة، ينزع الدين منها تدريجيًّا، وتقلب حقائقه في النفوس والعقول، على مبادئ الثورة الفرنسية وغيرها من مبادئ الهدم والإلحاد، حتى لقد وضعوا على ألسنة العلماء أنفسهم أنهم (رجال
стр. 597
الدين) يضاهئون بذلك (رجال الدين) هناك، ليمكن يومًا ما أن يقال ما قالته هذه المدعية (فإذا كانت الإجابة على هذه الأسئلة بالسلب، حق على وزارة العدل أن تتورع عن الزج بالدين في الأمور الاجتماعية البحتة)! ! وليمكنها أن تقول أيضًا: (وقد أخطأت وزارة العدل السبيل حين توجهت إلى رجال الدين تستفتيهم في مسألة اجتماعية لا تتعلق بالدين في كثير أو قليل)! ! بل ليمكنها أن تدعي أن مثل هذا يكون سببًا لأن (تتخلف عن السير في ركب الحضارة)! !
فالمدعية ومحاميها وأمثالهما، وكبراؤهم وزعماؤهم، يرون ما تراه أوربة، أو يرون ما فهموا أنه رأي أوربة، بل يغلون في ذلك أكثر من غلو سادتهم، فيزعمون أن دخول الدين في الحكم والمسائل الاجتماعية تخلف عن ركب الحضارة! ! فيجهلون بديهيات الإسلام ومزايا دينهم القويم، ويرون أنهم إذا تمسكوا به وخضعوا لأحكامه تخلفوا عن ركب الحضارة! فلا يكون هناك خمر ولا رقص ولا سفور ولا فجور، ولا اختلاط الشبان والشابات في المدارس والجامعات، والقهاوي والندوات، والصيد والقنص، والخلوات في الصحاري والسيارات! فإذا فقدوا هذا وأمثاله، فماذا بقي لهم من مقومات الحضارة؟ !
وأعجب من ذلك وأغرب: أن المدعية بلسان محاميها، تسب دينها هذا السب المقذع، ثم تصفه بأنه (الحنيف) ولم تكن بها حاجة إلى هذا التكلف والتناقض، وكان أقرب إلى منطق كلامها أن تصفه
стр. 598
بوصف يناسب دينًا يتخلف المستمسك به عن ركب الحضارة! !
ثم كان من المغالطات الكبرى أنهم بما أودع في نفوسهم من معارف ملتوية، وبما أشربته قلوبهم من فقه لدين أوربة ووثنيتها وثورتها، بل وحضارتها، أنهم فهموا الإسلام على غير وجهه، وظنوه دين عقيدة وعبادة فقط، بل ليتهم أخذوا به على المعنى الذي فهموا، وإن كان خطأ أو نقصًا، إذن لسار بهم الدين (الإسلامي الحنيف) في سبيل الحق والهدى، حتى يعرفهم بما استمسكوا به من عقيدة وعبادة - لو كانتا - بأنه ليس كما رأوا عند أوربة ودرسوا، ولعرفهم أنه (دين ودولة) وحكم وسياسة وقضاء وولاية) وإذن لعرفوا معنى ما نقلناه عن الحافظ ابن كثير في الكلمة الماضية، أن من قدم أي قانون أو أي رأي على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله (فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير) (١)، وهذا شيء بديهي معلوم من دين الإسلام بالضرورة لا يعذر بجهله أحد، أيًّا كانت منزلته من العلم أو الجهل ومن الرقي أو الانحطاط.
وليس هذا الخطأ من المدعية أو محاميها، وممن وراءهما من رجال ونساء قاصرًا على بلادنا، إنه ليكاد يكون عامًّا في أكثر المتعلمين المثقفين في بلاد الإسلام خصوصًا البلاد التي خضعت لسيطرة المستعمرين يدفعهم المبشرون، وعامًّا في البلاد التى سايرت (ركب الحضارة) الإفرنجية المتعصبة ضد الإسلام، فتجد في بعض ما
стр. 599
يقول الكبراء التناقض العجيب المدهش، كمثل ما نقلت إحدى الصحف الأُسبوعية في عددها الصادر يوم الجمعة ٧ صفر ١٣٧٠ (١٧ نوفمبر ١٩٥٠) عن ضيف كبير من ضيوف مصر، هو (سعادة السيد تمييز خان رئيس التأسيسية بالباكستان) نقلت عنه تلك المجلة أنه قال: (إن الباكستان دولة إسلامية، ولكنها ليست دولة دينية؛ لأن الدولة التي تقوم على تعاليم الدين الإسلامي غير الدولة التي يتولى الحكم فيها رجال الدين).
فهذا رجل عظيم من أمة إسلامية عظيمة، أعرف أنا أنها تحرص على أن يكون تشريعها من دينها الحنيف، دين الإسلام، سواء أصابت في التطبيق أم أخطأت، فكل إنسان عرضة للخطأ، وهذا الرجل العظيم لم يسبق لي التعرف إليه حتى أحكم في شأنه حكمًا صحيحًا، ولكني أظن أنه أعلم بدينه وقوانين أوربة من المدعية وأمثالها، وها هو ذا يخطئ في مثل هذه الدقائق - إذا صح ما نقلته عنه المجلة فيعقد فرقًا بين (الدولة الإسلامية) و (الدولة الدينية) وهو فرق باطل كأنه فرق اصطلاحي فقط فإن كل مسلم يعرف أن (الإسلام دين) بل يعتقد المسلمون بنص ما أنزل الله عليهم في كتابه أن الدين عند الله الإسلام ويظن سعادته - تقليدًا لاصطلاح إفرنجي - أن في الإسلام شيئًا يسمى (رجال الدين)! !
ولطالما حاولتُ نقضَ هذه الأسطورة؛ أسطورة وجود شيء في الإسلام يدعى (رجال الدين)! ! من ذلك ما قلته في محاضرة أعددتها
стр. 600
لألقيها يوم ٦ ربيع الأول سنة ١٣٦٠ (٣ أبريل ١٩٤١) ومنعني من إلقائها الوزير القائم على الأحكام العرفية الإنجليزية إذ ذاك، وهو حسين سري باشا رئيس الوزراء، وكان مما قلت فيها عن آثار القوانين الإفرنجية في نفوس متعلميها:
"كان لها أثر بيِّنٌ بارز في التعليم، فقسمت المتعلمين المثقفين منا قسمين أو جعلتهم معسكرين: فالذين علموا تعليمًا مدنيًّا، وربوا تربية أجنبية، يعظمون هذه القوانين وينتصرون لها، ولما وضعت من نظم وقواعد ومبادئ، يرون أنهم أهل العلم والمعرفة والتقدم، وكثير منهم يسرف في العصبية لها، والإنكار لما خالفها من شريعته الإسلامية، حتى ما كان منصوصًا محكمًا قطعيًّا في القرآن، وحتى بديهيات الإسلام المعلومة من الدين بالضرورة، ويزدري الفريق الآخر ويستضعفهم، واخترعوا له اسمًا اقتبسوه مما رأوا أو سمعوا في أوربة المسيحية، فسموهم (رجال الدين) وليس في الإسلام شيء يسمى رجال الدين، بل كل مسلم يجب عليه أن يكون رجل الدين والدنيا" (١).
ولقد أخطأ هذا الرجل الكبير (رئيس الجمعية التأسيسية بالباكستان) خطأ آخر - إن صدق ما نقلته عنه تلك المجلة - أخطأ في ظنه أن الدولة الدينية هي التي يتولى الحكم فيها رجال الدين! !
стр. 601
فما أظن أن أحدًا يقصد إلى هذا أو يرمي إليه، حتى ممن يسمونهم غلطًا (رجال الدين)؛ لأن غاية كل مسلم يفقه الإسلام ويعرف حدوده وحقائقه، أن يحكم المسلمون بتشريعهم، بل أن يجاهدوا في سبيل الله حتى يحكموا به العالم كله إذا استطاعوا، وأن يعملوا على نشره في الأمم الإسلامية أولًا على حقيقته النيرة النقية، وأن يتعلمه الذين يملكون السيطرة على شؤون الدولة في بلاد الإسلام، والذين يَلُون فيهم الأحكام، فإذا ما كان ذلك كانوا أيضًا (رجال الدين) أيًّا كان لونهم من أنواع العلوم الأخرى، حتى هذه القوانين الآثمة التي ضربت على المسلمين لإذلالهم ومحو دينهم في عقر دارهم، فإن المعرفة بها إذ ذاك لا تضر، بل لعلها قد تنفع في الموازنة بين التشريع المبني على الوحي الصحيح الصادق من عند الله، وبين الأهواء والأكاذيب بل السخافات (في بعض الأحيان) التي تبنى عليها القوانين الوثنية الملحدة، ! ! ولقد صدق الله ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (١).
وقد أوضحت هذا المعنى وما إليه، بأقوى ما أستطيع من بيان في تلك المحاضرة المصادرة إذ ذاك، وكانت للدعوة إلى أن (الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين في مصر) وهذا هو عنوانها وموضوعها الذي أعدت من أجله فقلت فيها:
"وأريد أولًا أن أقول كلمةً تَرفع شبهةً عن دعوتنا، فإني عُرِفتُ بين
стр. 602
إخواني ومعارفي بالدفاع عن العلماء عامة، وعن القضاء الشرعي خاصة، فقد يبدو لبعض الناس أن يؤول دعوتي إلى نحو من هذا المقصد.
"كلا فإن الأمر أخطر من ذلك، ومقصدنا أسمى من أن نجعله تنازعًا بين طائفتين، أو تنحارًا بين فريقين، إنما نريد رفع ما ضرب على المسلمين من ذل، وما لقيت شريعتهم من إهانة بوضع هذه القوانين الأجنبية".
"إنما ندعوكم بدعوة الله، ندعو الأمة أن تعود إلى حظيرة الإسلام، ندعو إلى وحدة القضاء، وإلى التشريع بما حكم الله ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ (١). ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ (٢).
"ضعوا القوانين على الأساس الإسلامي، الكتاب والسنة، ثم افعلوا ما شئتم فليحكم بها فلان أو فلان. لسنا نريد إلَّا وجه الله" (٣). هذا ما قلته ولا أزال أقوله، وأعتقد أن كل داع إلى العمل بالشريعة الإسلامية يقوله: وأظن أنه يرفع كل شبهة عن دعوتنا الحقة الصادقة المخلصة، ولا يدع مجالًا لمن يعادي التشريع الإسلامي، ممن
стр. 603
أُشرِبوا عقائد الإفرنج أن يظنوا حالنا كحال أوربة قبل موجة الإلحاد، التي قامت هناك لتدمير سلطان رجال الدين عندهم وطغيانهم، ثم لا يَدَعُ مجالًا لأن يقول ما قالته المدعية وما قاله أمثالها من قبل، من الفرق في الإسلام بين شؤون الاجتماع وشؤون الحكم وشؤون المعاملة وغيرها وبين الدين، فكل ما يفعل الناس وما يرون وما يعتقدون، وما يأخذون وما يدعون، داخل في حكم الإسلام وخاضع لسلطانه، رضي هؤلاء وساداتهم من المستعمرين والمبشرين أم أبوا؛ فالإسلام واضح بين لكل من أراد الهُدى، وهو كما قلت في تلك المحاضرة (لا يرضى من متبعيه إلا أن يأخذوه كله، ويخضعوا لجميع أحكامه، فمن أبي من الرضا ببعض أحكامه فقد أباه كله) (١).
ولذلك صارَحْتُ الأمةَ كلَّها حينذاك ورجالَ القانون خاصة، بالدعوة إلى وضع تشريع جديد على مبادئ الكتاب والسنة وفي حدود قواعدها، متعاونين متساندين جميعًا وصارحت رجال القانون بأننا سنعمل بالطريق السلمي للوصول إلى الحكم دونهم إذا أبوا أن يضعوا لهذه الدعوة الحقة لإعادة سلطان الإسلام في بلاد المسلمين، وبأني سأدعو العلماء عامة، من رجال الأزهر، ورجال مدرسة القضاء، ورجال دار العلوم (وسيستجيبون لي وسيحملون عبء هذا العمل العظيم وسيرفعون راية القرآن بأيديهم القوية، التي حملت مصباح العلم في أقطار الإسلام ألف عام) وبينت لهم السبيل الذي نسلكه أنه
стр. 604
(السبيل الدستوري السلمي: أن نبث في الأمة دعوتنا، ونجاهد فيها ونجاهر بها، ثم نصاولكم عليها في الانتخاب، ونحتكم فيها إلى الأمة، ولئن فشلنا مرة فسنفوز مرارًا. بل سنجعل من إخفاقنا إن أخفقنا في أول أمرنا مقدمة لنجاحنا، بما يحفز من الهمم ويوقظ من العزم، وبأنه سيكون مبصرًا لنا مواقع خَطْوِنا، ومواضع خَطَئِنا، وبأن عملنا سيكون خالصًا لله وفي سبيل الله) (١).
وهأنذا قد صارحتهم بذلك منذ عشر سنين أو نحوها، وما أظنهم صارحونا بقريب مما فعلنا، فيما أعلم، إلا النفاق والمداورة، ومدح الإسلام والتظاهر بالدفاع عنه والغيرة عليه مع تنحية أحكامه عن كل شيء في الدولة، أو تغيير أحكامه بالتأويل الكاذب، والفهم الباطل، ليقربوه من أروبة التي هم لها خاضعون، حتى يكون (إسلامًا إفرنجيًّا)! !
حتى جاءت هذه المدعية فكشفت عن الأمر كله، لتقرر علنًا وصراحة أن هذا البلد ليس بلدًا إسلاميًّا، وأنه لا يجوز أن ينظر فيه إلى (المسائل الاجتماعية) زعمت! ! نظرة إسلامية. وعن ذلك أعجبتني دعواها هذه الواضحة الصريحة حتى يعرف المسلمون ماذا يراد بدينهم، من غير أقلامنا، ومن غير أشخاصنا.
وأما شأن المدعية نفسها، فيما تطلب من المحكمة أن تحكم لها به، فلا أعبأ به، ولا يهمني في قليل أو كثير ولا من قريب ولا من بعيد، أن يحكم لها بما طلبت، فتدخل في مناصب القضاء، أو
стр. 605
ترفض دعواها! لأني قلت من قبل إن ولاية الرجال أنفسهم هذا القضاء (باطلة بطلانًا أصليًّا، لا يلحقه التصحيح ولا الإجازة) (١) فلا يزيده بطلانًا - في نظري - أن تتولاه امرأة، أو يتولاه شخصًا ما أيًّا كان لونه أو صفته، فالأمر عندي فيه سواء.
أما بعد: فإنه أثناء كتابة هذه الكلمة، نظرت المحكمة هذه القضية بجلسة يوم الأربعاء ١٩ صفر سنة ١٣٧٠ (٢٩ نوفمبر سنة ١٩٥٠) برئاسة المستشار (سعادة السيد علي السيد بك) ولخصت جريدة المصري في اليوم التالي (الخميس (٢٠ صفر) بعض ما دار في الجلسة، فذكرت أنه حضر فيها (سيزا نبراوي وكيلة الاتحاد النسائي، وأعلنت انضمام الاتحاد للمدعية طرفًا ثالثًا في القضية، ووقف محامي الحكومة وطالب برفض انضمام الاتحاد؛ لأنه ليس له مصلحة مباشرة في هذا، ورد رئيس الجلسة بأنه يعتقد أن الاتحاد يرى أن هذه القضية هي قضية الجنس، وأن الحكم فيها يتعلق بمستقبل المرأة المصرية عامة)، ثم ذكرت الجريدة أن القضية أجلت لجلسة ٣٠ يناير سنة ١٩٥١ للمرافعة.
وليس لنا أن نتحدث في قبول ما يُدْعَى (الاتحاد النسائي) خصمًا ثالثًا في الدعوى أو عدم قبوله، فهذا شيء من اختصاص المحكمة وحدها، تفصل فيه بما ترى، بعد سماع المرافعة من طالب الدخول
стр. 606
ومن المعارض فيه، ولكنا نتحدث عما يدل عليه طلب الدخول في ذاته، وأنه يؤيد كل حرف قلناه من قبل، ويكشف عما يراد بالتشريع الإسلامي كشفًا واضحًا.
وإذا كان لي أن أقترح، فإني أقترح على حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر، وهو من نعرفه علمًا ودينًا وتقوى وغيرةً على الإسلام بشخصه أولًا، وبوصفه شيخًا للأزهر ثانيًا، وبوصفه رئيسًا لأكبر هيئة علمية إسلامية رسمية، وهي جماعة (كبار العلماء)، ثالثًا أن يرسل محاميًا يتدخَّل في هذه القضية بلسان فضيلته ولسان الأزهر، خصمًا ثالثًا أيضًا؛ لأنه يرى، فيما نعتقد جميعًا، أن هذه القضية قضيةُ الإسلامِ وشرعتُه قبل أن تكون (قضية الجنس) وليدفع عن الإسلام ما يريده به هؤلاء النسوة، اللائي لا يعرفن من الإسلام إلَّا ما أَخذْنَه عن (الخواجات وأمثال الخواجات)، واللائي يُرِدْن الانطلاق، لا يُرِدْن غيره، وليدفعَ عن الإسلام ما قد يقوله أنصار (النسوان) من نقد أو تأويل بالباطل أو افتراء.
ولست أدري أيلقى اقتراحي هذا قبولًا أم إعراضًا، ولكنني إذا لم أجد لاقتراحي صدًى، فسأفكر في التدخل في القضية بنفسي، خصمًا ثالثًا، بوصفي من العلماء القدماء، بالسن على الأقل، وبوصفي مجاهدًا طول حياتي ضد الحركة النسوية الخاصة، وضد مهاجمي الإسلام والمتلاعبين به عامة، وإن كان هذا التدخّل فوق مقدوري علميًّا وماليًّا، ولكني سأحاول ما استطعت إن شاء الله.
стр. 607
الرقص والطيب للنساء (*)
قرأت إجابة الأستاذ العلامة الشيخ عبد المجيد سليم مفتي الديار المصرية على استفتائكم (مجلة آخر ساعة) عن الرقص الذي ابتليت به بلادنا وأخلاقنا، ثم عجبت إذ قرأت استفتائكم للأستاذ ... الحكيم فيما أفتى به المفتي! وأسفت إذ وجد فيمن يتسمون بالأسماء العربية والأسماء الإسلامية من يكتب مثل ما كتب الأستاذ ... الحكيم.
فإن العلامة المفتي أجاب بما هو معروف معلوم من الدين الإسلامي بالضرورة، وهو ما تقتضيه الفطرة العربية السليمة، من غيرة الرجال وعزة نفوسهم، والمحافظة على أعراض نسائهم، أن تنتهبها الأنظار، وأن لا تمتد إليها الأيدي العابثة، ولن تجد رجلًا سليم الفطرة يرضى أن تحضر ابنته أو أخته، بل أو امرأة أجنبية عنه، رجلًا يدور بها كالحيوان ولو لم يرهما أحد، فضلا عن أن يرضى بذلك في حفل جامع، يجمع العابثين والمنتهكين، تدار فيه الخمور، وتثار فيه النفوس، وتتحكم الشهوات مهما يصور المصورون هذا العمل بصور فنية جميلة، ومهما يدع الداعون إليه بأنه أمارة الرقي، تقليدًا للمدنية الحديثة، زعموا.
стр. 608
والمسلمون جميعًا يعلمون علمًا لا يتطرق إليه الشك؛ أن الله حرم على النساء أن يبدين زينتهن إلا لأزواجهن، ولعدد محدود منصوص عليه من أقاربهن يسمون في العرف الإسلامي "المحارم" وهم يسمعون القرآن يتلى عليهم في كل حين فيسمعون قول الله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ [النور: ٣٠، ٣١] وليس بعد هذا البيان بيان.
فمن آمن بهذا ورضي به وخضع له قولًا وعملًا واعتقادًا فهو المسلم، ومن أبى وزعم أن له أن يفتي في الدين بما شاء له هواه، أو بما شاء له ما رآه في أمم أخرى ودعا إلى ذلك فهو شيء آخر، يجب أن يعرفه المسلمون ويحذروه، وأن ينكروا عليه أن يقول كما قال الأستاذ ... الحكيم: "إن تأمل المرأة الجميلة صلاة لله، واستنشاق العطر الجميل صلاة، عبادة"! يجب أن يقول له الناس: إن تأمل المرأة الجميلة حرام منكر؛ لأن الله أمر الرجال أن يغضوا من أبصارهم، بنص القرآن. وأن يقولوا له: إن الدعوة إلى مخالفة
стр. 609
نص القرآن تخرج المسلم من الإسلام.
أيها المسلمون! يجب أن تقولوا هذا قولًا صريحًا واضحًا لكل من دعاكم إلى انتهاك حرمة دينكم، وأنتم تعرفون من كتابكم أن الله لعن أمة من الأمم بأنهم ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾. [المائدة: ٧٩] وتعرفون أن نبيكم الكريم قال: "إن القوم إذا رأوا المنكر فلم يغيروه عمهم الله بعقاب".
ومن عجب أن يجرؤ الأستاذ ..... الحكيم فيصف تأمل المرأة الجميلة بأنه صلاة، وهو عند المسلمين وفي شرعة الإسلام زنا، وقد قال رسول الله: "زنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه". وما أظن أن مسلما يجهل هذا من دينه.
وأعجب من هذا أن يخطئ الأستاذ ... الحكيم معنى الصلاة في الشريعة الإسلامية، وأنها أقوال وأفعال بصفة وهيئات معروفة وركوع وسجود، ويفهمها على معنى الصلاة التى يقرؤها في الروايات الإفرنجية!
ولستُ أدري ماذا يقولُ المسلمون في شأن هذا الكاتب وهو يستدل بالحديث الشريف: "حُبِّبَ إليَّ مِنْ دُنْياكُمُ النِّساءُ والطِّيبُ، وجَعَلْتُ قُرَّةَ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ".
على إنكار أن يكون تعطر المرأة في غير البيت زنًا وعلى أن تأمل المرأة الجميلة عبادة! بلى إني أدري، وإن الأستاذ ... الحكيم
стр. 610
يدري، وإن كل مسلم يدري، ولكنه وأمثاله يدعون إلى شيء يعملون له جاهدين.
أرأيتم أيها الناس أعجب من رجل لا يعرف بديهيات الإسلام، ثم يرى نفسه موضعًا للاستدراك على الأستاذ العلامة الحجة الشيخ عبد المجيد سليم مفتي الديار المصرية، ويرى نفسه أهلًا للرد عليه والإفتاء بغير فتواه! ! بل إنه لا يرد على الأستاذ المفتي وإنما يرد على السنة النبوية نفسها؛ لأن الأستاذ العلامة المفتي يقول: "وقد جاء في السنة أن المرأة إذا خرجت من بيتها متعطرة فهى زانية" فيقول الأستاذ ... الحكيم بجرأته: (أنا لا أرى هذا، ولا أعتقد أن الشريعة الإسلامية تقرره؛ لأن في الروائح الزكية نشوة شعرية لا شهوانية) ولكن لعل عذره أنه أخذ الشريعة من باريس إن رسول الله ﷺ يقول: "أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية". فهذه هي السنة التي أشار إليها العلامة المفتي، وهذه هي الشريعة الإسلامية التي جاء بها رسول الله ﷺ ، أفنأخذ بها أم نأخذ بالشريعة التى يريد أن يضعها الأستاذ ... الحكيم وأمثاله؟ ! اللهم غفرًا.
ورحم الله من قال: "لو سكت من لا يعلم عما لا يعلم سقط الاختلاف".
في تعليم النساء وصلاتهن في المساجد
رغب إليَّ أخ كريم أن أكتب كلمة موجزة في تعليم النساء الدين مع الرجال، ومشاركتهن إياهم في الصلوات والتعلم في المساجد
стр. 611
وما إلى ذلك. ورأيت أن الإبانة عن الحق الموافق للشرع في هذا واجبة، بأن كثيرًا من الناس يخطئون فهم شرائع الإسلام في المرأة، ويخدعون بما يتأول بعض الكتاب والدعاة نصوص القرآن والسنة، وما ينكر بعضهم من بديهيات الإسلام المعلومة من الدين بالضرورة، والله المستعان.
فأساس البحث في هذا كله وجوب تعليم المرأة كتعليم الرجل سواء بسواء، والمراد بالتعليم تعليم ما يجب معرفته من شؤون الدين والفقه فيه، حتى يعرف الرجل والمرأة ما يأتي وما يدع وما وجب وما حرم، وكيف يؤدي ما أمره الله بأدائه، وهذا يختلف باختلاف الزمن واختلاف البيئة، ولكن الضروري لكل إنسان مفهوم بداهة، وليس في هذا أدلة خاصة بل هو من عموم الأدلة التي لم تخص رجلًا أو امرأة. وقد وردت أحاديث في تعليم المرأة بهذا المعنى، منها حديث أبي موسى الأشعري في البخاري أن رسول الله قال: "ثلاثة لهم أجران". فذكر منهم "رجل كانت عنده أمة، فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها فله أجران". وحديث ابن عباس في البخاري أيضًا: "أن رسول الله خرج ومعه بلال فظن أنه لم يسمع النساء، فوعظهن وأمرهن بالصدقة" إلخ. وذلك في صلاة العيد في المصلى أي الصحراء. وقد عرف من النساء بالعلم والفتيا كثيرات جدًّا أعظمهن شأنًا عائشة أم المؤمنين، وغيرها من الصحابة كأم الدرداء ومن التابعين وغيرهم. وأما الإجازات العلمية
стр. 612
فإنها لم تكن معروفة، ولكن في تواريخ المحدثين ذكر كثير من النساء العالمات بالحديث الراويات له عن شيوخهن ورواه عنهن تلاميذهن.
وكل هذا مبني على شيء آخر مهم جدًّا وهو الحجاب، أي أن النساء كن يتلقين العلم أو يعلمن غيرهن وهن محجبات، الحجاب الواجب على كل مسلمة، والذي يدل عليه القرآن والحديث والعمل المتواتر، وأما التهتك العصري الذي يريد المجددون - أو المجردون الهدامون - تأويل نصوص الإسلام إليه، فإنه إشاعة للمنكر، ومن دعا إليه وذعن أنه مطابق للإسلام فقد خرج من الإسلام؛ لأنه ينكر الشيء المعلوم من الدين بالضرورة، ونقول هذا ونحن نعرف معناه ونقصده، أيا كان الشخص الذي يطبق عليه، لا نقصد إلى الطعن في أحد بعينه، فلا يجوز لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن يظهر منها غير وجهها وكفيها، ولا يجوز لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يأذن لامرأة له عليها سلطان بغير هذا، ولا أن يرضى للنساء بغير هذا، وفي هذا تتفاضل عزائم الرجال.
والثابت من الأحاديث الصحيحة التي لا خلاف فيها؛ أن النساء كن يصلين الجماعات مع الرجال في المساجد وكذلك الجمعة والعيدان، ولهن مقام خاص بهن في آخر المسجد في صفوف وراء صفوف الرجال، وأنه لا يجوز لهن الصلاة في صفوف الرجال، وكان رسول الله ينهى الرجال عن منعهن من المساجد، ويأمر الرجل أن يأذن لامرأته بالذهاب إلى الصلاة إذا أرادت.
стр. 613
وكن يتلقين العلم في المساجد بالضرورة؛ إذ يسمعن الموعظة في الخطبة في الجمعة والعيدين، كما سبق في حديث ابن عباس. وكن يذهبن إلى المساجد لاستفتاء النبي ثم أصحابه من بعده ثم العلماء، فيما ينوبهن من مواطن السؤال، أما الاختلاط الحديث كما في الجامعة مثلًا، فإنه شيء غير جائز، وليس من دين المسلمين.
وأما الإمامة الكبرى، أعني إمامة الحكم والسلطان وولاية القضاء، فإنها لا تجوز للمرأة أبدًا، وإن خالف في بعض تفصيل ذلك بعض الفقهاء، لقوله ﵇: "لن يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً". وأما الإمامة الصُّغرى أي إمامة الصلاة، فإنه لا يجوز للمرأة أن تؤم الرجال قطعًا، ولكن يجوز لها أن تؤم النساء عند بعض الفقهاء، والأفضل أن يصلين في المساجد في جماعة الرجال في صفوفٍ خاصةٍ بِهِن.
* * *
стр. 614
بين عالمين
نظامُ الطَّلاق في الإسلامِ (*)
منذ بضعة أشهر أخرجتُ كتابي (نظام الطلاق في الإسلام) فتقبله العلماء الأعلام في مصر، وفي سائر الأقطار بقبول حسن والحمد لله، وأكثروا من الثناء عليه وعلى مؤلفه، وجاءتني كتب متواترة من كبار علماء الإسلام في الحجاز والهند والعراق والشأم وغيرها، ومن كبار المستشرقين في أقطار أخرى، ولا أراني أهلًا لكل ما أثنوا به عليَّ، وإنما هو حسن الظن منهم، وقد أعجزني أن أوفيهم حقهم من الشكر على هذا الفضل الجم، وأسأل الله أن يجزل لهم المثوبة على فضلهم.
وفي بعض ما جاءني من الكتب أبحاث قيمة من النقد العالي المبني على الحجة والبرهان، مما يصلح أن يكون مثالًا يُحتذى للباحثين والمجتهدين، في دقة النظر، وعلو الفكر، وأدب القول والتسامي عن العصبية والهوى، والتزام ما ينصره الدليل الصحيح، وهي الخصال التي نرجو أن يسير على نهجها كل عالم مفيد، وكل طالب مستفيد، وخصوصا في علوم الدين وهي الخصال التي جاهد أسلافنا في سبيل حمل الناس على الأخذ بها واتباعها، ثم تبعانها
стр. 615
من بعدهم، فجاهد إخواني وجاهدت معهم في سبيل ذلك جهادًا كثيرًا، منذ نيف وعشرين سنة، ولا نزال - والحمد لله - نسير على هذا النهج القويم والصراط المستقيم.
ومما يجب عليَّ، إحقاقًا للحق، واتباعًا لسبيل الهدى، أن أفكر فيما ورد على كتابي من اعتراض ونقد، وأعيد النظر فيما اخترت ورأيت، وأكشف عن حجة خصمي وعن حجتي لي وللناظرين فإما انتصر قول خصمي ورجعت عن قولي، وأما انتصرت لقول وزدته بيانًا وتأييدًا، لا أبالي أي ذنب كان، وإنما أنا طالب علم، فأي قول أو رأي نصره عندي الدليل، فإنه العلم الذي أطلبه وأسعى إليه، لا أبغي به بدلًا.
ولذلك رأيتُ أن أنشر في الرسالة الغراء مجلة الآداب الرفيعة والثقافة العالية - ما أراه جديرًا بالنشر مما جاءني من نقد واعتراض، وأساجل كاتبيه البحث، أملًا في أن يشترك معنا كثير من العلماء الأعلام في هذا المجال، عَلَّنا نصل إلى الحقيقة فيما كان موضع اختلاف ونظر، وقديمًا قال الناس: الحقيقة بنت البحث.
ومن أشرف ما وصل إليَّ وأعلاه: كتاب كريم من صديقي الكبير وأستاذي الجليل، شيخ الشريعة، وإمام مجتهدي الشيعة بالنجف الأشرف، العلامة الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، فقد تفضل - حفظه الله - بمناقشة رأي في مسألة من مسائل الكتاب، وهي (مسألة اشتراط الشهود في صحة مراجعة الرجل مطلقته) فإنني
стр. 616
ذهبت إلى اشتراط حضور شاهدين حين الطلاق، وأنه إذا حصل الطلاق بغير حضرة الشاهدين لم يكن طلاقًا، ولم يتعد به، وهذا القول وإن كان مخالفًا للمذاهب الأربعة المعروفة إلا أنه يؤيده الدليل، ويوافق مذهب الأئمة أهل البيت والشيعة الإمامية، وذهبت أيضًا إلى اشتراط حضور شاهدين حين المراجعة، وهو يوافق أحد قولين للإمام الشافعي، ويخالف مذهب أهل البيت والشيعة، واستغربت من قولهم أن يفرقوا بينهما والدليل واحد فيهما، فرأي الأستاذ - بارك الله فيه - أن يشرح لي وجهة نظرهم في التفريق بينهما فقال:
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم، وله الحمد والمجد:
من النجف الأشرف ٨ صفر سنة ١٣٥٥ إلى مصر لفضيلة الأستاذ العلامة المتبحر النبيل الشيخ أحمد محمد شاكر المحترم، أيده الله.
سلامة لك وسلام عليك .. وصلتني هديتك الثمينة رسالة (نظام الطلاق في الإسلام)، فأنعمت النظر فيها مرة بل مرتين إعجابًا وتقديرًا لما حوته من غور النظر، ودقة البحث، وحرية الفكر، وإصابة هدف الحق والصواب، وقد استخرجت لباب الأحاديث الشريفة، وأزحت عن محيا الشريعة الوضاءة أغشية الأوهام، وحطمت قيود التقاليد القديمة وهياكل الجمود بالأدلة القاطعة، والبراهين الدامغة، فحياك الله، وحيا ذهنك الوقاد وفضلك الجم.
стр. 617
وأمهات مباحث الرسالة ثلاث:
(١) طلاق الثلاث.
(٢) الحلف بالطلاق والعتاق.
(٣) الإشهاد على الطلاق.
وكل واحدة من هذه المسائل الثلاث قد وفيتها حقها من البحث، وفتحت فيها باب الاجتهاد الصحيح على قواعد الفن ومدارك الاستنباط القويم من الكتاب والسنة، فانتهى بك السير على تلك المناهج القويمة إلى مصاص الصواب، وروح الحقيقة، وجوهر الحكم الإلهي، وفرض الشريعة الإسلامية.
وقد وافقت آراؤك السديدةُ في تلك المسائل ما اتفقت عليه الإمامية من صدر الإسلام إلى اليوم، لم يختلف فيها منهم اثنان، حتى أصبحت عندهم من الضروريات، كما اتفقوا على عدم وجوب الإشهاد في الرجعة، مع اتفاقهم على لزومه في الطلاق، بل الطلاق باطل عندهم بدونه.
وقد ترجح عندك قول من يقول بوجوب الإشهاد فيهما معا فقلت في صفحة (١٢٠) ما نصه: "وذهبت الشيعة إلى وجوب الإشهاد في الطلاق وأنه ركن من أركانه، كما في كتاب شرائع الإسلام .... ولم يوجبوه في الرجعة، والتفريق بينهما غريب ولا دليل عليه". انتهى.
стр. 618
وفي كلامك هذا (أيدك الله) نظر أستميحك السماح في بيانه، وهو أن من الغريب حسب الفن مطالبة النافي بالدليل والأصل معه! وإنما يحتاج المثبت إلى الدليل، ولعلك (ثبتك الله) تقول قد قام الدليل عليه، وهو ظاهر الآية، بناء على ما ذكرته في صفحة (١١٨) حيث تقول: "والظاهر من سياق الآيتين أن قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا﴾. راجع إلى الطلاق وإلى الرجعة معًا" إلى آخر ما ذكرت، وكأنك (أنار الله برهانك) لم تمعن النظر هنا في الآيات الكريمة، كما هي عادتك من الإمعان في غير هذا المقام، وإلا لما كان يخفي عليك أن السورة الشريفة مسوقة لبيان خصوص الطلاق وأحكامه، حتى إنها قد سميت بسورة الطلاق، ولابتداء الكلام في صدرها بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾. ثم ذكر لزوم وقوع الطلاق في صدر العدة أي؛ لا يكون في طهر المواقعة، ولا في الحيض، ولزوم إحصاء العدة وعدم إخراجهن من البيوت، ثم استطرد إلى ذكر الرجعة في خلال بيان أحكام الطلاق، حيث قال عز شأنه: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي؛ إذا أشرفن على الخروج من العدة فلكم إمساكهن بالرجعة، وتركهن على المفارقة، ثم عاد إلى تتمة أحكام الطلاق فقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. أي في الطلاق الذي سيق الكلام كله لبيان أحكامه، ويستهجن عوده إلى الرجعة التي لم تذكر إلا تبعًا واستطرادًا، ألا ترى لو قال القائل: إذا جاءك العالم وجب عليك احترامه وإكرامه وأن تستقبله، سواء جاء وحده أو مع خادمه أو رفيقه، ويجب المشايعة وحسن الموادعة، فإنك لا
стр. 619
تفهم من هذا الكلام إلا وجوب المشايعة والموادعة للعالم، لا له ولخادمه ورفيقه، وإن تأخرا عنه، وهذا لعمري حسب قواعد العربية والذوق السليم جلي واضح، لم يكن ليخفى عليك، وأنت خرِّيتُ العربية، لولا الغفلة (والغفلات تعرض للأديب).
هذا من حيث لفظ الدليل وسياق الآيات الكريمة، وهنالك ما هو أدق وأحق بالاعتبار من حيث الحكمة الشرعية والفلسفة الإسلامية وشموخ مقامها، وبعد نظرها في أحكامها، وهو: أن من المعلوم؛ أنه ما من حلال أبغض إلى الله من الطلاق، ودين الإسلام كما تعلمون - جمعي اجتماعي - لا يرغب في أي نوع من أنواع الفرقة، سيما في العائلة والأسرة، وعلى الأخص في الزيجة، بعد ما أفضى كل منهما إلى الآخر بما أفضى، فالشارع بحكمته العالية يريد تقليل وقوع الطلاق والفرقة، فكثر قيوده وشروطه، على القاعدة المعروفة من أن الشيء إذا كثرت قيوده عز أو قل وجوده، فاعتبر الشاهدين العدلين للضبط أولًا ولحصول الأناة والتأخير ثانيًا، وعسى إلى أن يحضر الشاهدان، أو يحضر الزوجان أو أحدهما عندهما يحصل الندم ويعودان إلى الألفة، كما أشير إليه بقوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. وهذه حكمة عميقة في اعتبار الشاهدين، لا شك أنها ملحوظة للشارع الحكيم مضافًا إلى الفوائد الأخر.
وهذا كله بعكس قضية الرجوع: فإن الشارع يريد التعجل به،
стр. 620
ولعل للتأخير آفات، فلم يوجب في الرجعة أي شرط من الشروط، وتصح عندنا - معشر الإمامية - بكل ما دل عليها من قول أو فعل أو إشارة. ولا يشترط فيها صيغة خاصة، كما يشترط في الطلاق، كل ذلك تسهيلا لوقوع هذا الأمر المحبوب للشارع الرحيم بعباده، والرغبة الأكيدة في ألفتهم وعدم تفرقتهم.
وكيف لا يكفي في الرجعة حتى الإشارة ولمسها ووضع يده عليها بقصد الرجوع، وهي، أي المطلقة الرجعية عندنا، معشر الإمامية، لا تزال زوجة إلى أن تخرج من العدة، ولذا ترثه ويرثها، وتغسله ويغسلها، وتجب عليه نفقتها، ولا يجوز أن يتزوج بأختها وبالخامسة، إلى غير ذلك من أحكام الزوجية.
فهل في هذا كله مقنع لك في صحة ما ذهبت إليه الإمامية من عدم وجوب الإشهاد في الرجعة بخلاف الطلاق؟ ! فإن استصوبته حمدنا الله وشكرناك، وإلا فأنا مستعد للنظر في ملاحظاتك وتلقيها بكل ارتياح، وما الغرض إلا إصابة الحقيقة، واتباع الحق أينما كان، ونبذ التقليد الأجوف، والعصبية العمياء، أعاذنا الله وإياك منها، وسدد خطواتنا عن الخطأ والخطيئات، إن شاء الله، ونسأله تعالى أن يوفقكم لأمثال هذه الآثار الخالدة، والأثريات اللامعة، والمآثر الناصعة، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابًا وخير أملًا، ولكم في الختام أسنى تحية وسلام من:
محمد الحسن آل كاشف الغطاء
стр. 621
ملاحظة: ومن جملة المسائل التي أجدتَ فيها البحث والنظر: مسألة بطلان طلاق الحائض، وقد غربلت حديث ابن عمر بغربال الدقيق، وهذه الفتوى أيضًا مما اتفقت عليها الإمامية وهي بطلان طلاق الحائض إلا في موارد استثنائية معدودة.
* * *
هذا هو نص كتاب الأستاذ شيخ الشريعة، لم أحذف منه شيئًا إلا كلمة خاصة لا علاقة لها بالموضوع، وإنما هي عن تفضله بإهداء بعض كتبه إلي. وسأحاول أن أبين وجهة نظري وأناقش أستاذي فيما رآه واختاره، بما يصل إليه جهدي في عدد قادم، إن شاء الله.
* * *
стр. 622
بين عالمين
نظام الطلاق في الإسلام (*)
نشرت في الرسالة (العدد ١٥٧ في ٦ يوليو سنة ١٩٣٦) كتاب أستاذنا الكبير العلامة شيخ الشريعة، إمام مجتهدي الشيعة، الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، في نقد ما ذهبت إليه في كتابي (نظام الطلاق في الإسلام) من اشتراط الإشهاد في الطلاق وفي الرجعة، خلافًا لما ذهب إليه أئمة الشيعة من اشتراطه في الطلاق دون الرجعة، وقد انتصر الأستاذ - حفظه الله - لمذهبهم بأبدع بيان، مما لم نجد له نظيرًا فيما بين أيدينا من كتب العلماء من الشيعة الإمامية.
ووعدتُ أن أناقش الأستاذ فيما أرتأى واختار، وأن أبين وجهة نظري، ملتزمًا ما رسمته لنفسي من شرعة الإنصاف في البحث والنظر "فأكشف عن حجة خصمي وعن حجتي، لي وللناظرين: فإما انتصر قول خصمي ورجعت عن قولي، وإما انتصرت لقولي وزدته بيانًا وتأييدًا، لا أبالي أي ذينك كان". ووفاء بما وعدت، أنشر هنا ما قلته في الكتاب (ص ١١٨ - ١٢١):
"قال الله تعالى في أول سورة الطلاق: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ
стр. 623
بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾. [الطلاق: ١، ٢].
والظاهر من سياق الآيتين أن قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا﴾. راجع إلى الطلاق وإلى الرجعة معًا، والأمر للوجوب؛ لأنه مدلوله الحقيقي، ولا ينصرف إلى غير الوجوب - كالندب - إلا بقرينة، ولا قرينة هنا تصرفه إلى غير الوجوب، بل القرائن هنا تؤيد حمله على الوجوب؛ لأن الطلاق عمل استثنائي يقوم به الرجل - هو أحد طرفي العقد - وحده، سواء أوافقته المرأة أم لا، كما أوضحنا ذلك مرارًا، وتترتب عليه حقوق للرجل قِبَل المرأة، وحقوق للمرأة قِبَل الرجل، وكذلك الرجعة، ويخشى فيهما الإنكار من أحدهما، فإشهاد الشهود يرفع احتمال الجحد، ويثبت لكل منهما حقه قبل الآخر، فمن أشهد على طلاقه فقد أتى بالطلاق على الوجه المأمور به، ومن أشهد على الرجعة فكذلك، ومن لم يفعل فقد تعدى حد الله الذي حده له، فوقع عمله باطلًا لا يترتب عليه أي أثر من آثاره".
"وهذا الذي اخترنا هو قول ابن عباس، فقد روى عنه الطبري في التفسير (ج ٢٨ ص ٨٨) قال: إن أراد مراجعتها قبل أن تنقضي عدتها أشهد رجلين، كما قال الله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. عند الطلاق وعند المراجعة. وهو قول عطاء أيضًا، فقد روى عنه
стр. 624
عبد الرزاق وعبد بن حميد قال: النكاح بالشهود، والطلاق بالشهود، والمراجعة بالشهود. نقله السيوطي في الدر المنثور (ج ٦ ص ٢٣٢) والجصاص في أحكام القرآن بمعناه (ج ٣ ص ٤٥٦) وكذلك هو قول السدي، فقد روى عنه الطبري قال: في قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. على الطلاق والرجعة".
"وذهب الشيعة إلى وجوب الإشهاد في الطلاق، وأنه ركن من أركانه، كما في كتاب (شرائع الإسلام ص ٢٠٨ - ٢٠٩ طبعة سنة ١٣٠٢) ولم يوجبوه في الرجعة، والتفريق بينهما غريب، ولا دليل عليه".
"وأما ابن حزم فإن ظاهر قوله في المحلى (ج ١٠ ص ٢٥١) يفهم منه أنه يرى اشتراط الإشهاد في الطلاق وفي الرجعة، وإن لم يذكر هذا الشرط في مسائل الطلاق، بل ذكره في الكلام على الرجعة فقط، قال: فإن راجع ولم يشهد فليس مراجعًا؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. فقرن (١) بين المراجعة والطلاق والإشهاد،
стр. 625
فلا يجوز إفراد بعض ذلك عن بعض، وكان من طلق ولم يشهد ذوي عدل، أو راجع ولم يشهد ذوي عدل: متعديا لحدود الله تعالى، وقال رسول الله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ".
"واشتراط الإشهاد في الرجعة هو أحد قولي الشافعي، قال الشيرازي في المهذب (ج ٢ ص ١١١): لأنه استباحة بضع مقصود، فلم يصح من غير إشهاد كالنكاح، وهو أيضًا أحد قولي الإمام أحمد، انظر المقنع (ج ٢ ص ٢٥٩) والمغني (ج ٨ ص ٤٨٢) والشرح الكبير (ج ٨ ص ٤٧٢ - ٤٧٣".
"والقول باشتراط الإشهاد في صحة الرجعة، يلزم منه أنها لا تصح إلا باللفظ، ولا تصح بالفعل، كما هو ظاهر، وهو مذهب الشافعي".
هذا ما قلته في المسألة، وقد ردَّ عليه الأستاذ شيخ الشريعة من جهتين: من لفظ الدليل وسياق الآيات الكريمة، ومن جهة الحكمة الشرعية والفلسفة الإسلامية، فقال في الوجه الأول: "إن السورة الشريفة مسوقة لبيان خصوص الطلاق وأحكامه، حتى إنها قد سميت بسورة الطلاق، وابتدأ الكلام في صدرها بقوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾. ثم ذكر لزوم وقوع الطلاق في صدر العدة، أي لا يكون في طهر المواقعة ولا في الحيض، لزوم إحصاء العدة وعدم إخراجهن من البيوت، ثم استطرد إلى ذكر الرجعة في خلال بيان أحكام الطلاق، حيث قال عز شأنه: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾.
стр. 626
أي إذا أشرفن على الخروج من العدة فلكم إمساكهن بالرجعة أو تركهن على المفارقة، ثم عاد إلى تتمة أحكام الطلاق فقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. أي في الطلاق الذي سيق الكلام كله لبيان أحكامه، ويستهجن عوده إلى الرُّجعة التي لم تذكر إلا تبعًا واستطرادًا".
وأما أن السورة مسوقة لبيان خصوص الطلاق وأحكامه حتى إنها سميت سورة الطلاق: فنعم. ولكن هل معنى هذا أنها مسوقة لأحكام إنشاء الطلاق وإيقاعه: من اشتراط حصوله في قُبُل الْعِدَّة، ومن وجوب الإشهاد عليه، لا غير؟ ! ما أظن أحدًا يرضى أن يدعي ذلك! ولو سميت السورة سورة الطلاق! !
فإن في السورة اثنتي عشر آية فيها نحو من خمسين ومائتي كلمة، لم يذكر فيها من الأحكام الخاصة بإنشاء الطلاق وإيقاعه إلا إحدى عشرة كلمة في الآيتين الأوليين، ثم سيق نصف السورة تقريبًا لبيان الأحكام المتعلقة بالطلاق عامة، من إنشاء وإيقاع، ومن إمساك بمعروف أو مفارقة بمعروف، ومن عدة وإنفاق وإسكان وإخراج وأجرة إرضاع، ومن بيان لحدود الله في الطلاق ووعيد شديد لمن تعداها، ومن ترغيب في تقوى الله والتوكيل عليه، كل أولئك في الآيات السبع الأولى من السورة الكريمة، ثم سيق سائرها لأشياء أخرى ليست لها علاقة بالطلاق.
فهل كل هذا ذكر تبعًا لسبع كلمات في الأحكام الخاصة بإنشاء
стр. 627
الطلاق في الآية الأولى، والأربع كلمات في الآية الثانية؟ ! كلا! أنها سورة الطلاق، ذكر فيها كثير من أحكامه عامة، وسيق نحو نصفها لإرشاد الرجال إلى ما يجب عليهم عند الطلاق وبعده، وكل ذلك أصل مقصود، لم يذكر شيء منه تبعًا ولا استطرادًا.
ولو قرأ القارئ الآيتين الأوليين بأناة وروية، وتأمل فيهما، على ما تقتضيه الفطرة العربية المستقيمة والذوق السليم، لتبين له أن الأمر بالإشهاد راجع إلى الأشياء الثلاثة المذكورة في الآيتين، وهي الطلاق: أي إنشاؤه، والإمساك بالمعروف: أي الرجعة، والمفارقة بالمعروف: أي إنفاذ الطلاق بتسريحها بإحسان عقيب انقضاء عدتها، وأنه لو كان المراد الأمر بالإشهاد عند إنشاء الطلاق فقط لكان موضع ذكره في صدر الآية الأولى عند قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾. أما تأخيره بعد ذكر الإمساك أو المفارقة، فإنه صريح في عودته إلى جميع ما تقدم عليه.
وهذا هو الذي فهمه أكثر العارفين باللغة والمتمكنين منها، ولم يستهجن أحد منهم عوده إلى الرجعة، ولا ادعى أنها ذكرت تبعًا واستطرادًا، فابن عباس وعطاء والسدي وغيرهم فهموا أن الأمر بالإشهاد راجع إلى الطلاق وإلى الرجعة معًا، ولذلك قال ابن حزم: "فقرن بين المراجعة والطلاق والإشهاد، فلا يجوز إفراد بعض ذلك عن بعض".
وكذلك قال الإمام محمد بن إدريس الشافعي، وهو من أعلم
стр. 628
الناس باللغة وأفصحهم، فقد قال في كتاب الأم (ج ٥ ص ٢٢٦): "ينبغي لمن راجع أن يشهد شاهدين عدلين على الرجعة، لما أمر الله به من الشهادة، لئلا يموت قبل أن يقر بذلك؛ أو يموت قبل أن تعلم الرجعة بعد انقضاء عدتها، فلا يتوارثان إن لم تعلم الرجعة في العدة، ولئلا يتجاحدا أو يصيبها فتنزل منه إصابة غير زوجة".
وقال محمد بن جرير الطبري في التفسير (ج ٢٨ ص ٨٨): "وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. وأشهدوا على الإمساك إن أمسكتموهن، وذلك هو الرجعة".
وقال العلامة جار الله الزمخشري في الكشاف (ج ٢ ص ٤٠٣: "وأشهدوا، يعنى عند الرجعة والفرقة جميعًا، وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة، كقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾. وعند الشافعي هو واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة، وقيل: فائدة الإشهاد ألا يقع بينهما التجاحد، وألا يتهم في إمساكها، ولئلا يموت أحدهما فيدعي الباقي ثبوت الزوجية ليرث".
وقال أبو حيان في تفسيره البحر المحيط (ج ٨ ص ٢٨٢): "وأشهدوا: الظاهر وجوب الإشهاد على ما يقع من الإمساك. وهو الرجعة، أو المفارقة وهي الطلاق، وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة، كقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾. وعند الشافعية واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة. وقيل: وأشهدوا، يريد به على الرجعة فقط، والإشهاد شرط في صحتها، فلها منعه من نفسها
стр. 629
حتى يُشْهِدَ. وقال ابن عباس: الإشهاد على الرجعة وعلى الطلاق يرفع من النوازل أشكالًا كثيرة".
وبنحوه قال سائر المفسرين، حتى لقد قال العلامة أمين الدين أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي المفسر من كبار أئمة الشيعة الإمامية، المتوفى سنة ٥٤٨ في تفسيره مجمع البيان (ج ٢ ص ٤٣٠ طبع إيران): ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. قال المفسرون: أمروا أن يشهدوا عند الطلاق وعند الرجعة شاهدي عدل حتى لا تجحد المرأة المراجعة بعد انقضاء العدة، ولا الرجل الطلاق.
وقيل معناه: وأشهدوا على الطلاق صيانة لدينكم، وهو المروي عن أئمتنا، وهذا أليق بالظاهر؛ لأنا إن حملناه على الطلاق كان أمرًا يقتضي الوجوب، وهو من شرائط صحة الطلاق، ومن قال: إن ذلك راجع إلى المراجعة حمله على الندب".
فهذا الإمام الشيعي لا يرى مانعًا من جهة اللغة والسياق، أن يرجع الأمر بالإشهاد إلى الرجعة وإلى الطلاق معًا، ويتأول ذلك أو يدعي أن الظاهر رجوعه إلى الطلاق فقط، انتصارًا لمذهب الأئمة من أهل البيت في اشتراطه الطلاق دون الرجعة.
ومع ذلك فإن مذهب الإمامية أن الإشهاد على الرجعة مندوب إليه مستحب، نص على ذلك في كتبهم في مواضع مختلفة.
وقد ورد في رواياتهم عن أبي جعفر الباقر ﵇ في
стр. 630
بيان طلاق العدة أنه: "إذا أراد الرجل أن يطلق امرأته طلاق العدة، فلينتظر بها حتى تحيض وتخرج من حيضها، ثم يطلقها تطليقة من غير جماع، ويشهد شاهدين عدلين، ويراجعها، يومه ذلك إن أحب، أو بعد ذلك بأيام قبل أن تحيض، ويشهد على رجعتها ... إلخ". نقله الطبرسي في التفسير، وشيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي في التهذيب، والإمام السعيد أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي في كتاب "من لا يحضره الفقيه" وغيرهم، فهذا يدل على أنهم يرون أن الأمر بالإشهاد في الآية راجع إلى الرجعة كما هو راجع إلى الطلاق، وإن كانوا لا يشترطونه في صحة المراجعة، فذاك لشيء آخر وهو اتباع الأئمة من أهل البيت، ولولا أن الأمر راجع إليهما لما كان لديهم دليل على استحباب الإشهاد في الرجعة، ولما قال أبو جعفر الباقر ﵇: "ويشهد على رجعتها". فإنه لم يرد طلب الإشهاد فيها في شيء من القرآن إلا في هذه الآية، ولم يرد أيضًا في شيء من الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ وإن كان قد ورد في أقوال الصحابة والتابعين، كما نقلنا عن ابن عباس وغيره.
وكما روى أبو داود (ج ٢ ص ٢٥٧)، وابن ماجه (ج ١ ص ٣١٩) عن مطرف بن عبد الله: "أن عمران بن حصين سئل عن الرجل يطلق امرأته ثم يقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها؟ فقال: طلقت لغير سنة، ورجعت لغير سنة، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد". وروى البيهقي في السنن الكبرى
стр. 631
(ج ٧ ص ٣٧٣) نحوه من طريق ابن سيرين عن عمران بن حصين، وإسناده عند أبي داود إسناد صحيح كما قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام (ص ٢٢٨).
وروى البيهقي بإسناد صحيح عن نافع قال: "طلق ابن عمر امرأته صفية بنت أبي عبيد تطليقة أو تطليقتين، فكان لا يدخل عليها إلا بإذن، فلما راجعها أشهد على رجعتها ودخل عليها".
فعبد الله بن عمر فهم من الآية أن الأمر بالإشهاد راجع إلى الرجعة؛ ولذلك أشهد على رجعة مطلقته، وعمران بن حصين فهم ذلك أيضًا، وأنكر على من طلق ولم يشهد وراجع ولم يشهد واعتبره مخالفًا للسنة؛ إذ خالف ما أمر به في القرآن، وهما عربيان يفهمان لغتهما بالفطرة السليمة، قبل فساد الألسنة، ودخول العجمة على الناس.
وأنا إذ أحتجُّ بأقوال من نقلتُ قولَهم من الصحابة والتابعين والمفسرين، فإنما أحتج بها من وجهة الدلالة العربية وفهم مناحي الكلام في الآيات الكريمة، لا من جهة الرأي الفقهي الاستنباطي، فقد اختلفوا فيه اختلافًا كثيرًا، فبعضهم يرى وجوب الإشهاد على الطلاق وحده ويجعله شرطًا في صحتها، وبعضهم يراه مستحبًّا على الرجعة وحدها ويجعله شرطًا في صحتها، وبعضهم يراه مستحبًّا فقط في الأمرين، وبعضهم يراه واجبًا فيهما ولا يراه شرطًا في صحة واحد منهما، كما يفهم من كلام عمران بن حصين.
стр. 632
وأما الذي أراه وأذهب إليه، فهو وجوب الإشهاد في الأمرين جميعًا وأنه شرط في صحة كل منهما؛ لأنه ثبت من دلالة الآيتين في أول سورة الطلاق أن الله سبحانه أمر الرجلين بالإشهاد عند الطلاق وعند المراجعة؛ والأمر في حقيقته دائمًا للوجوب، ولا يدل على الندب إلا دلالة مجازية؛ والمجاز لا يراد من الكلام إلا بوجود قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي، ولا قرينة هنا أبدا تمنع إرادة المعنى الحقيقي، وإن ادعى الشوكاني في نيل الأوطار ذلك؛ إذ قال (ج ٧ ص ٤٣ - ٤٤): "ومن الأدلة على عدم الوجوب؛ أنه قد وقع الإجماع على عدم وجوب الإشهاد في الطلاق، كما حكاه الموزعي في تيسير البيان". وما أكثر دعوى العلماء الإجماع، خصوصًا في مسائل الطلاق! ! وهي دعوى عريضة، يدعونها في كثير من المواطن إذا ما غلبتهم الحجة وأعوزهم البرهان، وليس لهم عليها أي دليل! كما قلت في (نظام الطلاق) وبينت هناك المعنى الصحيح للإجماع "لكثرة إرجاف المرجفين بدعوى الإجماع في الطلاق، ليرعبوا العلماء المجتهدين الصادقين المخلصين، ويصرفوهم عن البحث فيه، أو يؤلبوا عليهم العامة والغوغاء، فتحاماه أكثرهم وأحجموا عنه، إلا من ثبّت الله قلبه وأيده بروح من عنده" (ص ٩٦ - ١٠٣).
* * *
стр. 633
بين عالمين
نظام الطلاق في الإسلام (*)
[بقية المقال المنشور في العدد السابق]
هذا عن الدليل على وجوب الإشهاد في الطلاق وفي الرجعة، وأما الدليل على أنه شرط في صحتهما، وأن من طلق أو راجع بغير إشهاد فقد بطل طلاقه وبطلت رجعته، ولم يصح واحد منهما، فإن الطلاق عمل استثنائي صرف، يخالف القواعد العامة في العقود والفسوخ، وكذلك الرجعة؛ لأن كلًّا منهما تصرف في عقد بين اثنين، يقوم به أحد طرفي العقد وحده، وهو الرجل من غير اختيار، أو مشاركة له فيه من الطرف الآخر، وهو المرأة، أذن بهما الشارع الحكيم، في حدود معينة، وبنظام خاص، وليسا مما يملكه الرجل وحده بطبيعة التعاقد؛ لأن الزواج عقد كسائر العقود، لا يملك أحد طرفي العقد التصرف فيه بالإلغاء أو الإنهاء وحده، لولا ما أذن به الله للرجل من حق الانفراد بالطلاق، وكذلك الرجعة هي إعادة للعقد الذي نسخه الرجل وحده، بما جعل الله له من الحق في ذلك، وهي إنما يملك الرجل الانفراد بها - دون الطرف الثاني من العقد بما أذن الله له فيها، ولو لم يأذن الله بالطلاق وبالرجعة للرجل، لم يكن له أن ينفرد بواحد منهما من غير رضا الطرف الآخر في العقد.
стр. 634
وقد أذن الله في شريعته للرجل بالاستقلال بإيقاع الطلاق، وبالانفراد برد المطلقة إلى عصمته، بصفات معينة، وفي أوقات خاصة، فتكون كلها شروطًا في صحة ما يفعله المطلق حين طلاقه، والمراجع حين رجعته، فإذا تجاوز الصفات التي رسمت له فيهما، أو الأوقات التي أقتت له، كان عمله باطلا؛ لأنه خرج عن الحد الذي ملك فيه الانفراد بالتصرف بالأذن من الشارع الحكيم.
ولذلك قلنا ببطلان الطلاق لغير العدة، وببطلان الطلاق من غير إشهاد، وببطلان سائر أنواع الطلاق الذي يسمى (الطلاق البدعي) وقلنا أيضًا ببطلان الرجعة من غير إشهاد، وببطلانها إذا قصد بها المضارة، ولم يقصد بها الإصلاح، كما قال الفقهاء جميعًا ببطلان الرجعة إذا كانت بعد انقضاء العدة، وببطلانها إذا كانت بعد الطلقة الثالثة وهكذا.
وهذا المعنى قد أوضحته مرارًا في كتاب (نظام الطلاق في الإسلام)، فمما قلته (ص ٦٠ - ٦٣):
"وليس المقصود من الطلاق اللعب واللهو، حتى يزعم الرجل لنفسه أنه يملك الطلاق كما شاء، وكيف شاء، ومتى شاء، وأنه إن شاء أبان المرأة بتة، وإن شاء جعلها معتدة يملك عليها الرجعة".
"كلا، ثم كلا، بل هو تشريع منظم دقيق من لدن حكيم عليم، شرعه الله لعباده ترفيهًا لهم، ورحمة بهم، وعلاجًا شافيًا لما يكون في الأسرة بين الزوجين من شقاق وضرار، ورسم قواعده، وحد
стр. 635
حدوده بميزان العدالة الصحيحة التامة، ونهي عن تجاوزها، وتوعد على ذلك؛ ولهذا تجد في آيات الطلاق تكرار ذكر حدود الله، والنهي عن تعديها وعن المضارة: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾.
"وهو تشريع تقطعت دونه أعناق الأمم قبل الإسلام وبعده، وهأنت ذا ترى الأمم العظيمة التي تزعم لنفسها المدنية، ويزعمها لها الناس، تحاول إصلاح نظام الأسرة، وتشريع القوانين لديها للطلاق، فلا تصل إلى شيء معقول، بل تتخبط في الظلمات، وتأتي بالبلايا والمضحكات، وذلك أنها تصدر في تشريعها عن العقل الإنساني القاصر، أما التشريع الإسلامي فإنه وحي إلهي كريم، أرسل به أعظم رجل وأعقل رجل ظهر في هذا الوجود، وأمره أن يفسره للناس ويبينه لهم، ثم يحملهم على طاعته والعمل به".
"وإنما المقصود من الطلاق في هذه الشريعة النقية الواضحة الكاملة: أن بين الزوجين عقدًا - كسائر العقود - على المعايشة والمعاشرة بالمعروف، فإن هما فعلا تحقق المقصد الصحيح من الزواج وطاب عيشهما، وإن هما تباغضا وتنافرا وخافا ألا يقيما حدود الله، ورغبا في الفراق، فهما كغيرهما من كل متعاقدين: لهما أن يتفقا على الانفصال في مقابل عوض من المرأة للرجل، كما