(ج ٧ ص ٣٧٣) نحوه من طريق ابن سيرين عن عمران بن حصين، وإسناده عند أبي داود إسناد صحيح كما قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام (ص ٢٢٨).
وروى البيهقي بإسناد صحيح عن نافع قال: "طلق ابن عمر امرأته صفية بنت أبي عبيد تطليقة أو تطليقتين، فكان لا يدخل عليها إلا بإذن، فلما راجعها أشهد على رجعتها ودخل عليها".
فعبد الله بن عمر فهم من الآية أن الأمر بالإشهاد راجع إلى الرجعة؛ ولذلك أشهد على رجعة مطلقته، وعمران بن حصين فهم ذلك أيضًا، وأنكر على من طلق ولم يشهد وراجع ولم يشهد واعتبره مخالفًا للسنة؛ إذ خالف ما أمر به في القرآن، وهما عربيان يفهمان لغتهما بالفطرة السليمة، قبل فساد الألسنة، ودخول العجمة على الناس.
وأنا إذ أحتجُّ بأقوال من نقلتُ قولَهم من الصحابة والتابعين والمفسرين، فإنما أحتج بها من وجهة الدلالة العربية وفهم مناحي الكلام في الآيات الكريمة، لا من جهة الرأي الفقهي الاستنباطي، فقد اختلفوا فيه اختلافًا كثيرًا، فبعضهم يرى وجوب الإشهاد على الطلاق وحده ويجعله شرطًا في صحتها، وبعضهم يراه مستحبًّا على الرجعة وحدها ويجعله شرطًا في صحتها، وبعضهم يراه مستحبًّا فقط في الأمرين، وبعضهم يراه واجبًا فيهما ولا يراه شرطًا في صحة واحد منهما، كما يفهم من كلام عمران بن حصين.
стр. 632
وأما الذي أراه وأذهب إليه، فهو وجوب الإشهاد في الأمرين جميعًا وأنه شرط في صحة كل منهما؛ لأنه ثبت من دلالة الآيتين في أول سورة الطلاق أن الله سبحانه أمر الرجلين بالإشهاد عند الطلاق وعند المراجعة؛ والأمر في حقيقته دائمًا للوجوب، ولا يدل على الندب إلا دلالة مجازية؛ والمجاز لا يراد من الكلام إلا بوجود قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي، ولا قرينة هنا أبدا تمنع إرادة المعنى الحقيقي، وإن ادعى الشوكاني في نيل الأوطار ذلك؛ إذ قال (ج ٧ ص ٤٣ - ٤٤): "ومن الأدلة على عدم الوجوب؛ أنه قد وقع الإجماع على عدم وجوب الإشهاد في الطلاق، كما حكاه الموزعي في تيسير البيان". وما أكثر دعوى العلماء الإجماع، خصوصًا في مسائل الطلاق! ! وهي دعوى عريضة، يدعونها في كثير من المواطن إذا ما غلبتهم الحجة وأعوزهم البرهان، وليس لهم عليها أي دليل! كما قلت في (نظام الطلاق) وبينت هناك المعنى الصحيح للإجماع "لكثرة إرجاف المرجفين بدعوى الإجماع في الطلاق، ليرعبوا العلماء المجتهدين الصادقين المخلصين، ويصرفوهم عن البحث فيه، أو يؤلبوا عليهم العامة والغوغاء، فتحاماه أكثرهم وأحجموا عنه، إلا من ثبّت الله قلبه وأيده بروح من عنده" (ص ٩٦ - ١٠٣).
* * *
стр. 633
بين عالمين
نظام الطلاق في الإسلام (*)
[بقية المقال المنشور في العدد السابق]
هذا عن الدليل على وجوب الإشهاد في الطلاق وفي الرجعة، وأما الدليل على أنه شرط في صحتهما، وأن من طلق أو راجع بغير إشهاد فقد بطل طلاقه وبطلت رجعته، ولم يصح واحد منهما، فإن الطلاق عمل استثنائي صرف، يخالف القواعد العامة في العقود والفسوخ، وكذلك الرجعة؛ لأن كلًّا منهما تصرف في عقد بين اثنين، يقوم به أحد طرفي العقد وحده، وهو الرجل من غير اختيار، أو مشاركة له فيه من الطرف الآخر، وهو المرأة، أذن بهما الشارع الحكيم، في حدود معينة، وبنظام خاص، وليسا مما يملكه الرجل وحده بطبيعة التعاقد؛ لأن الزواج عقد كسائر العقود، لا يملك أحد طرفي العقد التصرف فيه بالإلغاء أو الإنهاء وحده، لولا ما أذن به الله للرجل من حق الانفراد بالطلاق، وكذلك الرجعة هي إعادة للعقد الذي نسخه الرجل وحده، بما جعل الله له من الحق في ذلك، وهي إنما يملك الرجل الانفراد بها - دون الطرف الثاني من العقد بما أذن الله له فيها، ولو لم يأذن الله بالطلاق وبالرجعة للرجل، لم يكن له أن ينفرد بواحد منهما من غير رضا الطرف الآخر في العقد.
стр. 634
وقد أذن الله في شريعته للرجل بالاستقلال بإيقاع الطلاق، وبالانفراد برد المطلقة إلى عصمته، بصفات معينة، وفي أوقات خاصة، فتكون كلها شروطًا في صحة ما يفعله المطلق حين طلاقه، والمراجع حين رجعته، فإذا تجاوز الصفات التي رسمت له فيهما، أو الأوقات التي أقتت له، كان عمله باطلا؛ لأنه خرج عن الحد الذي ملك فيه الانفراد بالتصرف بالأذن من الشارع الحكيم.
ولذلك قلنا ببطلان الطلاق لغير العدة، وببطلان الطلاق من غير إشهاد، وببطلان سائر أنواع الطلاق الذي يسمى (الطلاق البدعي) وقلنا أيضًا ببطلان الرجعة من غير إشهاد، وببطلانها إذا قصد بها المضارة، ولم يقصد بها الإصلاح، كما قال الفقهاء جميعًا ببطلان الرجعة إذا كانت بعد انقضاء العدة، وببطلانها إذا كانت بعد الطلقة الثالثة وهكذا.
وهذا المعنى قد أوضحته مرارًا في كتاب (نظام الطلاق في الإسلام)، فمما قلته (ص ٦٠ - ٦٣):
"وليس المقصود من الطلاق اللعب واللهو، حتى يزعم الرجل لنفسه أنه يملك الطلاق كما شاء، وكيف شاء، ومتى شاء، وأنه إن شاء أبان المرأة بتة، وإن شاء جعلها معتدة يملك عليها الرجعة".
"كلا، ثم كلا، بل هو تشريع منظم دقيق من لدن حكيم عليم، شرعه الله لعباده ترفيهًا لهم، ورحمة بهم، وعلاجًا شافيًا لما يكون في الأسرة بين الزوجين من شقاق وضرار، ورسم قواعده، وحد
стр. 635
حدوده بميزان العدالة الصحيحة التامة، ونهي عن تجاوزها، وتوعد على ذلك؛ ولهذا تجد في آيات الطلاق تكرار ذكر حدود الله، والنهي عن تعديها وعن المضارة: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾.
"وهو تشريع تقطعت دونه أعناق الأمم قبل الإسلام وبعده، وهأنت ذا ترى الأمم العظيمة التي تزعم لنفسها المدنية، ويزعمها لها الناس، تحاول إصلاح نظام الأسرة، وتشريع القوانين لديها للطلاق، فلا تصل إلى شيء معقول، بل تتخبط في الظلمات، وتأتي بالبلايا والمضحكات، وذلك أنها تصدر في تشريعها عن العقل الإنساني القاصر، أما التشريع الإسلامي فإنه وحي إلهي كريم، أرسل به أعظم رجل وأعقل رجل ظهر في هذا الوجود، وأمره أن يفسره للناس ويبينه لهم، ثم يحملهم على طاعته والعمل به".
"وإنما المقصود من الطلاق في هذه الشريعة النقية الواضحة الكاملة: أن بين الزوجين عقدًا - كسائر العقود - على المعايشة والمعاشرة بالمعروف، فإن هما فعلا تحقق المقصد الصحيح من الزواج وطاب عيشهما، وإن هما تباغضا وتنافرا وخافا ألا يقيما حدود الله، ورغبا في الفراق، فهما كغيرهما من كل متعاقدين: لهما أن يتفقا على الانفصال في مقابل عوض من المرأة للرجل، كما
стр. 636
تعاقدا في أصل النكاح في مقابل الصداق من الرجل للمرأة، وبذلك جاء نص القرآن الكريم: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. فشرع لهما الخلع والمبارأة، وكانت المرأة به بائنًا تملك أمر نفسها، وليس للرجل عليها حق المراجعة إلا بعقد جديد واتفاق آخر، ولم يكن عليه للمرأة حقوق أخرى من حقوق العقد، كالصداق والنفقة وغيرهما، إلا أن يتشارطا على شيء: فالمسلمون عند شروطهم".
"واختار الله لعباده - لحكمة سامية - أن يستثنى النكاح من القاعدة العامة في فسخ العقود، فأباح للرجل أن ينفرد بفسخ هذا العقد بإرادته وحده، بشرائط خاصة ونظام واضح (١)، ورتب لكل من المتعاقدين حقوقًا قبل صاحبه، لا يجوز لأحدهما أن يتهرب منها، فمن وقف عند حدود الله وفسخ عقد النكاح الذي بينه وبين زوجه في دائرة الحدود والتي حد الله له، كان قد استعمل حقًّا يملكه بتمليك الله إياه، وجاز عمله، وترتبت عليه آثاره، ومن تجاوز حدود الله، واجترأ على حل عقدة النكاح على غير المنهج المرسوم له، وكان
стр. 637
عابثًا، وكان عمله باطلًا لغوًا، كما إذا انفرد أحد المتعاقدين بإلغاء عقد البيع أو عقد الرهن مثلًا، فإن عمله لاغ لا أثر له في العقد، فكذلك المطلق في غير الحدود التي أذن فيها".
وقلت أيضًا (ص ٧١): "إذن، فقد منح الله الرجل حق الانفراد بالطلاق، وهو حل لعقدة النكاح: بين الزوجين عقد كسائر العقود، وهو عقد الزواج، فإذا أراد أن يطلق بمحض إرادته وحده، فلن يملك من ذلك إلا أن يتبع أمر ربه الذي شرع له هذا الحق وأذن به".
فهذا التفسير لمعنى الطلاق ولمعنى الرجعة، هو المطابق كل المطابقة لنصوص القرآن الكريم، ولمقاصد الشارع الحكيم، ولقواعد العقل السليم، وللفقه الصحيح في الدين، وليس من المعقول أن ترك هذه الشريعة الدقيقة - شريعة الطلاق والرجعة - لأهواء الناس وآرائهم وألاعيبهم في الألفاظ إنما هي مقاصد سامية، تتعلق بأدق الشؤون الاجتماعية، وأشدها خطرًا في حياة الإنسان، وأشرف الروابط بين الناس، وأعلاها وأنفعها للنوع الإنساني، وهي رابطة الحياة الزوجية، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١].
فلم يكن الطلاق - في الشريعة الإسلامية - حقًّا مطلقًا للرجل من غير قيد، كما يفعل ذلك أكثر الناس، بل عامتهم، وإنما هو مقيد بقيود كثيرة، بعضها قيود في نفس إنشائه وإيقاعه، وهي شروط في صحته عندي، وفي رأي بعضها قيود تعلق بحال المطلق وظروف
стр. 638
طلاقه، وهي تعليم من الشارع وتأديب؛ لأنها ترجع إلى أمور نفسية وأحوال دقيقة في المعايشة والمعاشرة، لا تدخل تحت القواعد القضائية التي تكاد تكون مادية، فجعل الرجل فيها أمين نفسه، ورقيبًا على أعماله، أو جعلت تحت رقابة ضميره - كما يعبر الكتاب من أهل هذا العصر - فإن اتبع في ذلك أوامر الله في كتابه وفي سنة رسوله، ووقف عند حدود الله: كان طلاقه صحيحًا، وبرئ من إثم العدوان في الطلاق، وإن لم يتبع ما أمر به، ولم يجعل طلاقه في الحدود التي حدت لإنشائه وإيقاعه، فكأنه لم يعمل شيئًا ولم يوقع طلاقًا، وإنما كسب خطيئة وإثمًا بمخالفة أمر ربه.
وإن جعل طلاقه في الحدود التي حدت للإنشاء والإيقاع، ولكنه تجاوز في القيود الأخرى التي تتعلق بحاله وظروف طلاقه، كان طلاقه واقعًا، ولكنه كان آثمًا بمخالفته وعدوانه؛ لأن هذه الشؤون ليست مما يدخل تحت سلطان الحاكم وتقدير القاضي، وإنما يحاسب عليها بين يدي ربه يوم القيامة.
لأن الشريعة الإسلامية يمتزج فيها - دائما - التشريع القانوني القضائي بالشؤون الدينية النفسية والخلقية التهذيبية وتجمع في أحكامها بين الوجوب أو الإباحة أو الندب أو الكراهة أو الحل أو الحرمة: وبين الصحة أو البطلان أو الفساد، وهكذا فهي شريعة ودين معًا.
وكذلك الرجعة: ليست من حقوق الرجل بإطلاق من غير قيد،
стр. 639
بل هي مقيدة بقيود كالطلاق، ولكنها أقل قيودًا منه، تيسيرًا من الشارع الحكيم، وترغيبًا في وصل ما انقطع من علائق الزوجية؛ فمن قيودها ما هو راجع لأصل إيقاع الفعل وإنشائه، فيكون شرطًا في صحته، وكلها منصوص عليه في القرآن نصًّا، فمن ذلك ما اتفق عليه أهل العلم ولم ينقل فيه خلاف عن أحد منهم، وهو أن تكون المطلقة مدخولًا بها، وألا يكون ذلك بعد الطلقة الثالثة، وأن تكون الرجعة وهي في عدة المطلق أيضًا.
ومن ذلك ما اختلف فيه، واخترنا أنه شرط في صحة الخلع أيضًا ونصرنا القول به، وهو أن تكون الرجعة بإشهاد شاهدين على ما بينا آنفًا ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. وأن يريد برجعتها إصلاح ما أفسد الطلاق، وإصلاح حاله وحالها ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾. لا يقصد بها الإضرار والعدوان ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾.
وقد بينا ذلك في كتابنا بوضوح (ص ١٢١، ١٢٤) ومما قلنا هناك: "إن الطلاق والرجعة بإرادة الرجل وحده عملان مستثنيان من القواعد العامة، أذنه الله بهما بصفات خاصة، فلا يملك منهما إلا ما أذن به، والشأن هنا في الرجعة أقوى؛ لأن الله سبحانه يجعل الرجل أحق بها بشرط صريح، وهو إرادة الإصلاح، فإذا تخلف الشرط لم يكن الرجل أحق بردها فصار لا يملك هذا الحق".
وهذا الذي اخترناه وذهبنا إليه لا ينافي ما ذكره أستاذنا شيخ
стр. 640
الشريعة "مما هو أدق وأحق بالاعتبار، من حيث الحكمة الشرعية، والفلسفة الإسلامية، وشموخ مقامها، وبعد نظرها في أحكامها"؛ لأن القيود التي قيد بها حق الطلاق أوثق وأقوى مما اشترط في صحة الرجعة "على القاعدة المعروفة من أن الشيء إذا كثرت قيوده، عز أو قل وجوده".
وما اشترط في صحة الرجعة، إنما اشترط ضمانًا لبقاء الحياة الزوجية صحيحة سالمة من إرادة العبث بها، بعدًا بها عن مواطن الشبهات، وعن الإضرار بالمرأة عن إرادة النكول والجحد لإضاعة حقها.
ولست أظن أني بحاجة إلى بيان وجه "الحكمة الشرعية والفلسفة الإسلامية" فاشتراط إرادة الإصلاح في صحتها؛ إذًا هو واضح بالبداهة، وصريح من نص الكتاب الكريم.
وأما اشتراط الإشهاد فإنه ليس قيدًا به مقصد الشارع في تقليل وقوع الطلاق والفرقة، وفي إرادة التعجيل بالرجعة وإنما هو شرط يقيد في ضمان ثباتها وبقائها، وفي حفظ عزة المرأة وكرامتها، فالرجل حين يطلق يشهد على طلاقه، وهو إعلان له وإثبات، ثم يذهب فيراجع سِرًّا من غير حضرة الشاهدين، ولعله قد يبدو له أن يندم على رجعته، أو يرى له فائدة مادية حقيرة في إنكار ما فعله وجحده، وتعجز المرأة عن إثبات حقها وإثبات إجرامه، ولا ترى لها شاهدًا ولا دليلًا، وقد يفعل ذلك ورثته إذا مات قبل إعلان
стр. 641
رجعته، فيضيع في الحالين حقها، وتهدر كرامتها، ويمس عرضها، وهي عاجزة في أول أمرها وآخره.
ولو رأى الأستاذ - حفظه الله - ما نرى في مجالس القضاء من ألاعيب الناس وحيلهم، وإقدامهم على إضاعة الحقوق، وحرصهم على أكل أموالهم بينهم بالباطل، وجرأتهم على تعدي حدود الله، لعلم أن هذه الشروط ليست قيودًا يعز معها وجود الرجعة أو يقل، ولا يستيقن أنها تطابق الحكمة الشرعية والفلسفة الإسلامية، وتدل على شموخ مقامها، وبعد نظرها في أحكامها.
وبعد .. فإني أرسل تحياتي إلى أستاذي الجليل على صفحات (الرسالة) الغراء، مجددًا ذكرى صداقة لم تزدها الأيام إلا ثباتًا وقوة، مذ كان الأستاذ حفظه الله في مصر، من نحو خمس وعشرين سنة، وكنا نقتبس من بحار علومه، ونقتدي به في مكارم أخلاقه، وكنت له كالتلميذ الخاص، ألازمه في غدواته وروحاته.
بارك الله فيه، ونفع به الإسلام والمسلمين.
وأخيرًا: أدعو المثقفين من المسلمين، وقادتهم من علماء الدين، لينظروا في مسائل الزواج ومشاكله، وهي جمة متوافرة، لا بالنظر التقليدي القديم، ولا بالنظر الإفرنجي الحديث، ولكن بالنظر الإسلامي الصحيح.
* * *
стр. 642
تراجم وأعلام
١ - أستاذنا حجة الإسلام محمد رشيد رضا
٢ - محمد شاكر
٣ - نابغة الشباب الأستاذ رياض محمود مفتاح
стр. 643
أستاذنا الإمام حجة الإسلام السيد محمد رشيد رضا (*)
فقد الإسلام في هذه الأيام عَلَمًا عاليًا من أعلامه، وإمامًا حجةً من أئمة الهدى، ومجاهدًا كبيرًا، ومصلحًا عظيمًا، عاش حميدًا ومات شهيدًا (١).
ولد أستاذنا الإمام (السيد محمد رشيد رضا) ﵁ في يوم الأربعاء ٢٧ جمادى الأولى سنة ١٢٨٢ (١٨ أكتوبر سنة ١٨٦٥) بقرية (القلمون)، وهي قرية من قرى جبل لبنان على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وتبعد عن مدينة (طرابلس الشام) نحو ثلاثة أميال.
وأسرة أبيه من السادة الأشراف الذين ينتهي نسبهم إلى جدّنا الأعلى سيدنا الحسين بن علي ﵉ وهم من أهل العلم
стр. 644
والإرشاد والرياسة، ذوو كرم وكرامة، ودين وتقوى، وعزة نَفْسٍ وتَرَفُّعٍ. وقد عاشرنا في مصر منهم أفرادًا، فكانوا من أنبل الناس خُلُقًا، وأطهرهم قلبًا، وأصدقهم حديثًا. وكان أبوهُ من أعزِّ الرِّجال نفسًا، وأجرئهم جنانًا، وأسخاهم يدًا، وأمهُ: من أسلم النساء فطرة، وأكرمهنَّ أخلاقًا، وأوفاهنَّ لزوج، وأحناهنَّ على ولد، وأسرة أمه ينتهي نسبها إلى سيدنا الحسن بن علي ﵉.
أول ما تعلمَّ ﵀ في كتَّاب قريتهِ، فتعلم قراءة القرآن والخط وقواعد الحساب الأربع، ثم أدخل في (المدرسة الرشدية) بمدينة "طرابلس الشام" وهي مدرسة ابتدائية للدولة العثمانية، يدرس فيها الصرف والنحو والحساب ومبادئ الجغرافية، والعقائد والعبادات، واللغة العربية واللغة التركية، وكان جميع التدريس فيها باللغة التركية (١).
ثم دخل "المدرسة الوطنية الإسلامية" في سنة ١٢٩٩، وهي أرقى من المدرسة الرشدية، وجميع التعليم فيها باللغة العربية، إلَّا اللغتين التركية والفرنسية، وتدرس فيها العلوم العربية والشرعية، والمنطق والرياضيات والفلسفة الطبيعية. وكان أستاذه العلامة الشهير "الشيخ حسين الجسر الأزهري" هو المدير لها، بعد أن كان هو الذي سعى لتأسيسها؛ لأن رأيه أن الأمة الإسلامية لا تصلح ولا رقي إلَّا بالجمع بين علومِ الدِّين وعلوم الدُّنيا على الطريقة العصرية الأوربية، مع
стр. 645
التربية الإسلامية الوطنية، تجاه التربية الأجنبية في مدارس الدول الأوربية والأمريكانية (١).
فلم يدخل المدارس إلَّا بعد تجاوزه الخامسة عشرة من عمره، وكان ذلك عن رأي والده وإرشاده، خوفًا عليه مما يعرض في المدن للناشئين من الفتن، فلما أن وثق من دينه وخلقه ورشده أذن له بالإقامة في مدينة طرابلس الشام لطلب العلم في المدارس.
وكان قبل دخوله المدارس شديد العناية بمطالعة كتب الأدب وكتب التصوف، قال في كتابه "المنار والأزهر" ص ١٤٠: "وكان أعجب كتب التصوف إليَّ إحياء علوم الدين لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي، فهو الذي طالعته كله، وكنت أكثر مراجعته وقراءَة بعض أبوابه عودًا على بدء، ثم صرتُ أقرؤه للناس، وكان له أكبر التأثير في ديني وأخلاقي وعلمي وعملي، وإنهُ لتأثير صالح نافع في أكثره، ضارّ في أقله، وقد عالجتُ الضار منهُ بعد العلم به: فما كان فيه من خطأ علميٍّ فقد رجعت عنهُ بالتدريج، بعد اشتغالي بعلم الحديث، ولا سيما عقيدة الجبر والتأويلات الأشعرية والصوفية والغلوّ في الزهد، وبعض العبادات المبتدعة، وأما تأثيره الوجداني في الزهد واحتقار الدنيا، والمتكالبين عليها وعلى وظائف الحكومة، فلم أستطع الاعتدال فيه، فضلًا عن التفصي منهُ" وقد تلقى العلم عن كثير من العلماء الأعلام، فمنهم العلامة الشهير الشيخ حسين الجسر:
стр. 646
أخذ عنهُ العلوم العربية والشرعية والعقلية، ومنهم شيخ الشيوخ الشيخ محمود نشابه: أخذ عنهُ الحديث وفقه الشافعية، ومنهم العالم المحدث العابد الشيخ محمد القاوقجي الكبير: تلقى عنهُ بعض مؤلفاته في الحديث، ومنهم العلامة الشيخ عبد الغني الرافعي: حضر عليهِ قليلًا من نيل الأوطار للشوكاني، واستفاد كثيرًا من معاشرته في العلم والأدب والتصوف.
ونشأ عابدًا متعبدًا، زاهدًا متنكسًا، يذهب إلى المسجد في السَّحَر، ولا يعود إلى البيت إلَّا بعد ارتفاع الشمس، ويصلي في الليل متهجدًا تحت الأشجار في بساتين آلِه، ورباهُ أهلُه ثُمَّ رَبَّى نفسه على الحياء والصدق والإخلاص والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والشجاعة في ذلك، فلا يخشى إلَّا الله، وكَمَّل نفسه بكثير من العلوم العصرية، ووسع دائرة تفكيره بالاطلاع على شؤون الاجتماع وسياسة العصر؛ فكان يطالع المجلات العلمية، وفي مقدمتها "المقتطف"، والمجلات السياسية وأهمها "العروة الوثقى" التي كان يصدرها في باريس المرحوم الأستاذ السيد جمال الدين الأفغاني والمرحوم الإمام الشيخ محمد عبده. ولقد حدثني صديقي الكاتب الفاضل السيد محيي الدين رضا؛ أنهُ مع عمِّه المرحوم السيد رشيد يعترف بفضل "المقتطف" عليه في توسيع دائرة معارفه في نشأته، وأنه كان يواظب على قراءته ما وجد سعةً من وقتِه.
وأما مجلة (العروة الوثقى) فإنها كان لها أكبر الأثر في توجيه
стр. 647
تفكيره إلى الوجهة الإصلاحية للمسلمين (١)، وإلى وضع منهج واضح يسير عليه في سبيل الإصلاح، وقد اتبع ما رسم لنفسه من خطة لم يحد عنها قيد شعرةٍ حتى لقي الله.
وأوتي موهبة الكتابة العالية في إبان نشأته، ونشر بعض مقالات في جريدة (طرابلس) فكان صحفيًّا بطبعه وفطرته، وما زال يكتب ويحرّر إلى حين وفاته، فكان من أبلغ الكتاب قلمًا، وأوسعهم مجالًا، وأقومهم بِحُجة.
وقد عزم على الاتصال بالمرحوم السيد جمال الدين الأفغاني "لتكميل نفسه بالحكمة والجهاد في خدمة الملة، فلما توفاه الله تعالى إليه، واشتهر أن السياسة الحميدية هي التي قضت عليه، ضاقت عليه المملكة العثمانية بما رحبت، وعزم على الهجرة إلى مصر، لما فيها من حرية العمل واللسان والقلم، ومن مناهل العلم العذبة الموارد، ومن طرق النشر الكثيرة المصادر، وكان أعظم ما يرجوه من الاستفادة في مصر الوقوف على ما استفادهُ الشيخ محمد عبده من الحكمة والخبرة، وخطة الإصلاح التي استفادها من صحبة السيد جمال الدين، وأن يعمل معهُ وبإرشاده في هذا الجوّ الحرّ" (٢).
ثم يسَّر الله لهُ أسباب السفر إلى مصر، ورضي به والداه رحمهما الله، ولما وصل إلى بيروت في طريقهِ إلى مصر عرض عليهِ
стр. 648
عبد القادر أفندي القباني أن يقيم في بيروت، ويتولى رئاسة التحرير لجريدته (ثمرات الفنون). قال السيد ﵀: "فقلتُ لهُ: إن الحرية التي في بيروت لا تسعني. قال: أو تريد أن تنقد جلالة السلطان عبد الحميد أو تخوض في سياسته؟ قلت: إنما أريد إصلاح الأخلاق والاجتماع والتربية والتعليم. قال: إن لك أوسع الحرية في هذا. قلت: إذا أردت أن أكتب في فضيلة الصدق ومضارّ الكذب ومفاسده فأبيّن أن أكبر أسباب فشوّ الكذب في الأمم الحكم الاستبدادي، أتنشر لي ذلك جريدتكم؟ ! قال: لا، لا، عجّل بالذهاب إلى مصر ولا تخبر أحدًا! (١) ".
ويجدر بنا في هذا الموضع أن نصحح خطأ مشهورًا، يظنه أكثر الناس صوابًا، وذلك: أنهم يزعمون أن السيد رشيد ﵀ جاء إلى مصر لإتمام الدراسة العلمية ولذلك تتلمذ للشيخ محمد عبده، والحقيقة أنهُ ﵀ لم يغادر بلاده إلَّا بعد إتمام دراسته، وبعد نيل الشهادة العالمية والأذن له من شيوخه بالتدريس، وكان قد جاوز الثلاثين من عمره، وإنما اتصل بالأستاذ الشيخ محمد عبده كما يتصل العالم الصغير بالعالم الكبير، وبقي تلميذًا لهُ - على هذا المعنى - إلى حين وفاته، كما كان يفعل سلفنا الصالح ﵃ ولو بقي الأستاذ الشيخ محمد عبده حيًّا إلى الآن لبقي السيد رشيد تلميذه إلى الآن، ولوَفَّى لهُ في حياته كما وَفَّى لهُ بعد مماته ﵄.
стр. 649
فكان السيد ﵀ مع الأستاذ الإمام تلميذًا لهُ وصديقًا، وناصحًا ومخلصًا، وكان مستودع أسراره والداعية لآرائه، والمدافع عنهُ في كل معركة من معارك جهاده، بل كان كما وصفهُ الأستاذ الإمام لوالدي الأستاذ الأكبر الشيخ محمد شاكر - حفظه الله - "ترجمان أفكاره".
جاء السيد رشيد إلى مصر وقد وضع نصب عينيه صحبة الأستاذ الإمام، ثم إنشاء صحيفة إصلاحية يستمد فيها من حكمته وخبرته، فوصل إلى الإسكندرية مساء الجمعة ٨ رجب سنة ١٣١٥ "٣٠ يناير سنة ١٨٩٨" فأقام فيها أيامًا ثم انتقل منها إلى طنطا فالمنصورة فدمياط، ثم عاد إلى طنطا وسافر منها إلى القاهرة قبل الظهر من يوم السبت ٢٣ رجب "١٨ يناير سنة ١٨٩٨" وفي ضحوة اليوم الثاني (الأحد ٤ رجب) ذهب إلى زيارة الأستاذ الشيخ محمد عبده في داره بالناصرية، ثم اتصل الأمر بينهما واستشار السيد أستاذه في إنشاء الصحيفة التي يريدها، وشاوره في تسميتها، وذكر له اسم (المنار). مع أسماء أخرى، فاختار الإمام اسم (المنار)، ثم شرع السيد في تحريره، وكتب فاتحة العدد الأول بقلم الرصاص في جامع الإسماعيلي المجاور لدار الأستاذ بالناصرية - وكان ذلك في منتصف شوال سنة ١٣١٥ (مارس سنة ١٨٩٨) - وذهب بها إلى داره وعرضها عليه، فأعجب بها كل الإعجاب، وارتضى كل ما ذكره فيها من المقاصد والأغراض، إلَّا كلمة واحدة: هي تعريف الأمة بحقوق الإمام، والإمام بحقوق الأمة،
стр. 650
قال ما معناه: "إن المسلمين ليس لهم اليوم إمام إلَّا القرآن، وإن الكلام في الإمامة مثار فتنة يخشى ضره ولا يرجى نفعه الآن" فحذف السيد هذه الكلمة عن رأي الأستاذ وإشارته (١).
وقد اقترح السيد على الأستاذ الإمام عقيب اتصاله به - وكان أول اقتراح له عليهِ - أن يكتب تفسيرًا للقرآن ينفخ فيه من روحه التي وجد روحها ونورها في مجلة (العروة الوثقى) فاعتذر الإمام عن ذلك، فاقترح عليهِ أن يقرأ دروسًا في التفسير، فكان يعتذر، ثم لم يزل بهِ حتى أقنعهُ برأيه، فبدأ الأستاذ الإمام في قراءة التفسير بالأزهر الشريف في غرة المحرم سنة ١٣١٧ وانتهى منهُ منتصف المحرم سنة ١٣٢٣ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾. من الآية ١٢٦ من سورة النساء، فقرأ زهاء خمسة أجزاء في ست سنين، ثم توفي الإمام إلى رحمة الله يوم ٨ جمادى الأولى سنة ١٣٢٣ هـ. وكان السيد ﵀ يكتب في أثناء الدرس مذكرات بأهم ما يقوله الأستاذ، ثم بدا لهُ باقتراح بعض الراغبين في الاطلاع على تفسير الإمام: أن ينشر هذا التفسير في المنار، فشرع في ذلك في المحرم سنة ١٣١٨ هـ.
قال السيد ﵀: "وكنت أولًا أطلع الأستاذ الإمام على ما أعده للطبع كلما تيسر ذلك بعد جمع حروفه في المطبعة وقبل طبعه،
стр. 651
فكان ربما ينقح فيه بزيادة قليلة أو حذف كلمة أو كلمات، ولا أذكر أنه انتقد شيئًا مما لم يره قبل الطبع، بل كان راضيًا بالمكتوب بل معجبًا به. على أنه لم يكن كله نقلًا عنهُ ومعزوًّا إليه، بل كان تفسيرًا للكاتب من إنشائه، اقتبس فيهِ من تلك الدرس العالية جل ما استفاده منه" (١).
ثم استقلَّ السيد ﵀ بعبء التفسير وحده بعد أستاذه، فقام به خير قيام، بل فاق في هذا المجال أستاذه الإمام؛ فإن الأستاذ الشيخ محمد عبده إنما كان روحًا وثابًا، وحكيمًا عظيمًا، وقائدًا ماهرًا، ولكن لم يكن مطلعًا على السنة النبوية اطلاعًا كافيًا، ولا يكون المفسر للقرآن مفسرًا حقًّا إلَّا بالتوسع في دراسة الحديث النبوي والتشبع منه؛ لأن رسول الله ﷺ أمر ببيان الكتاب للناس، فقوله وفعله وكل حالاته شرح لهذا الكتاب الكريم.
وقد أتمَّ السيد تفسير اثني عشر جزءًا من أجزاء القرآن، طبعت كلها. وفسر بعض آيات من أول الجزء الثالث عشر، ثم فقدناهُ أحوج ما كنا إليه، ﵀ ورضي عنهُ.
وإن أخوف ما كنتُ أخاف هو هذا الموقف الذي صرنا إليه: مات السيد رشيد ولم يكمل تفسير القرآن. ولقد أذكر أني تحدثتُ إليه في هذا المعنى منذ عشرين سنة تقريبًا، وكنتُ من أقرب الناس إليه وأبرّهم به، فألححت عليه في أن يوجه عزمه وهمته إلى إتمام
стр. 652
التفسير، وأن يدع كل مشاغله الأخرى ويتفرغ لهذا العمل الجليل النافع، الذي لا نعرف أحدًا من العلماء يضطلع به، ولا نرى له أهلًا غيره، ولكن هكذا قُدّر فكان. ولعلنا نجد من علمائنا من يوفق لاقتفاء أثر السيد ﵀ في تفسير القرآن حتى يتمهُ، إن شاء الله.
وبعد: فإن آثار السيد رشيد في دفاعهِ عن الإسلام، وتقريبهِ للأذهان لا يحصيها مقال أو كتاب، فإنهُ رجل مكث قريبًا من أربعين سنة يكتب في مجلتهِ وفي الصحف الأخرى، ويؤلف الكتب والرسائل، كل هذا لله وفي سبيل الله، ولا يخشى في الله لومة لائم. ولكن أعظم آثاره وأنفعها، وأرجاها للمسلمين، وأبقاها على الدهر هو هذا التفسير العظيم.
وإني كنت قد وصفت بعض مزاياه في مقال نشرتهُ في مجلة (المنار) في العدد (٣ من المجلد ٣١ ربيع الآخر سنة ١٣٤٩ سبتمبر سنة ١٩٣٠، ومما قلت فيه: إنهُ "خير تفسير طبع على الإطلاق، ولا أستثني؛ فإنهُ هو التفسير الأوحد الذي يبين للناس أوجه الاهتداء بهدي القرآن على النحو الصحيح الواضح - إذ هو كتاب هداية عامة للبشر - لا يترك شيئًا من الدقائق التي تخفى على كثير من العلماء والمفسرين".
"ثم هو يظهر الناس على الأحكام التي تؤخذ من الكتاب والسنة، غير مقلد ولا متعصب، بل على سنن العلماء السابقين: كتاب الله وسنة رسوله. ولقد أوتي الأستاذ من الاطلاع على السنة
стр. 653
ومعرفة عللها، وتمييز الصحيح من الضعيف منها ما يجعله حجة وثقة في هذا المقام، وأرشده إلى فهم القرآن حق فهمه".
"ثم لا تجد مسألة من المسائل العمرانية أو الآيات الكونية إلَّا وأبان حكمة الله فيها، وأرشد إلى الموعظة بها، وكبت الملحدين والمعترضين بأسرارها، وأعلن حجة الله على الناس؛ فهو يسهب في إزالة كل شبهة تعرض للباحث من أبناء هذا العصر، ممن اطلعوا على أقوال الماديين وطعونهم في الأديان السماوية، ويدفع عن الدين ما يعرض لأذهانهم الغافلة عنهُ، ويظهرهم على حقائقه الناصعة البيضاء، مع البلاغة العالية، والقوة النادرة. لله دره! " ...
"ولقد عرض للكثير من المشكلات الاجتماعية والسياسية التي عرضت في شؤون المسلمين، فأفسدت على كثير من شبانهم هداهم ودينهم، فحللها تحليلًا دقيقًا، وأظهر الداء ووصف الدواء من القرآن والسنة، وأقام الحجة القاطعة على أن الإسلام دين الفطرة، وأنهُ دين كل أمة في كل عصر. ونفى عن الإسلام كثيرًا مما ألصقهُ به الجاهلون، أو دسهُ المنافقون، من خرافات وأكاذيب كانت تصد فئة من أبنائه عن سبيله، وكان أعداؤه يجعلونها مثالب يلعبون بسببها بعقول الناشئة ليضموهم إلى صفوفهم، وينزعوهم من أحضان أمتهم".
"وإنه لكتاب العصر الحاضر يفيد منهُ العالم والجاهل والرجعي والمجدد بل هو الدفاع الحقيقي عن الدين".
стр. 654
"وأنا أرى من الواجب على كل من عرف حقائق هذا التفسير أن يحض إخوانه من الشبان على مطالعته، والاستفادة منهُ وبث ما فيهِ من علم نافع، لعلَّ الله أن يجعل منهُ نواة صالحة لإعادة مجد الإسلام، وأن ينير به قلوبًا أظلمت من ملئها بالجهالات المتكررة".
ولو شئنا أن نطيل في ترجمة السيد رشيد وتعداد مناقبه وفضائله، أو في بيان مزايا تفسيره ونفعه للناس عامة؛ لكان مجال القول أمامنا واسعًا، ولأعجزنا أن نستوعب ما نريد من ذلك. ونسأل الله سبحانهُ أن يجزيه عن المسلمين خير الجزاء، وأن يجعلهُ من السابقين الأولين.
وإن الأخ الفاضل السيد عبد الرحمن عاصم - ابن عم أستاذنا وصهره - أعلم الناس بسيرته الشخصية والاجتماعية، والسياسية الإسلامية والعربية، وقد شهد لهُ بذلك السيد رشيد نفسه في كتاب المنار والأزهر (ص ١٩٤). وأنا أرى أنهُ جدير به أن يكتب ترجمة وافية، أو يعين غيره على كتابتها، وقد عاش معهُ نحوًا من خمس وعشرين سنة، ويخيل إليّ أن هذه الشهادة للسيد عاصم تشير إلى رغبة الأستاذ في ذلك، وكأنها وصية منه ينبغي تحقيقها.
وبعد فإن من أمارات الخير ودلائل التوفيق أن السيد ﵁ ركب السيارة يوم وفاته من السويس، وشرع في قراءة القرآن، ولم ينقطع عن التلاوة حتى قبضهُ الله إليه في مصر الجديدة.
وأخرى: أن آخر ما كتب في تفسير القرآن تحت عنوان (دعاء
стр. 655
يوسف ﵇ بحسن الخاتمة)؛ أنهُ فسر قوله تعالى حكايةً عن النبي يوسف ﵇: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف: ١٠١]. وكتب في آخر تفسيرها: "فنسأله تعالى أن يجعل لنا خير حظًّ منهُ بالموت على الإسلام". فكانت دعوةً استُجِيبت، وكانت - إن شاء الله - أمارةَ حُسْنِ الختام.
* * *
стр. 656
محمد شاكر (*)
شوال سنة ١٢٨٢ - ١١ جمادى الأولى سنة ١٣٥٨
مارس سنة ١٨٦٦ - ٢٩ يونيه ١٩٣٩
فقدت مصرُ وفقد العالم الإسلامي كله عالمًا من كبار العلماء، ومجاهدًا من أعلام المجاهدين وقف حياته على خدمة الوطن، وخدمة الإسلام، وخدمة الشرق في سبيل الله.
وقد رغب إليَّ صديقي الأستاذ فؤاد صرُّوف - محرر المقتطف - أن أترجم له ترجمة موجزة فأحببتُ ثقةً مني أن سيغلبُ الجانبُ العلميُّ فيَّ عاطفة البنوة، وقد مرنتُ نفسي على فنون الحديث والتاريخ ونقد الرجال، وزعمتُ أني مستطيعٌ أن أكتب عنهُ تاريخًا صحيحًا، لا غلوّ فيه ولا إسراف، وإني إن كتبت مدحًا أو ثناءً فإنما هو حقُّ التاريخ عليَّ.
السيد محمد شاكر بن أحمد بن عبد القادر، من آل أبي علياء، وهم أسرة معروفة من أشراف الصعيد، بمدينة جرجا.
ولد بها في منتصف شوَّال سنة ١٢٨٢ (مارس سنة ١٨٦٦) وحفظ القرآن الكريم، وتلقى مبادئ التعليم، ثم رحل إلى القاهرة، إلى
стр. 657
الأزهر الشريف، فتلقى العلم فيه عن كبار الشيوخ في ذلك العهد، وفي ١٥ رجب سنة ١٣٠٧ (٤ مارس سنة ١٨٩٠) عين أمينًا للفتوى، مع أستاذه العظيم، الشيخ العباسيّ المهديّ، مفتي الديار المصرية إذ ذاك. ثم أصهر إلي جدّي لأمي، العلامة الكبير، إمام العربية غير مدافع، الشيخ هارون بن عبد الرازق (المولود بقرية بنجا من قرى مركز طهطا في يوم الخميس ٢٥ جمادى الأولى سنة ١٢٤٩ والمتوفى بالقاهرة في يوم السبت ٢٦ جمادى الأولى سنة ١٣٣٦ ﵁.
ثم ولي منصب "نائب محكمة مديرية القليوبية" وصدر الأمر العالي بذلك في ٧ شعبان سنة ١٣١١ (١٣ فبراير سنة ١٨٩٤) ومكث فيه أكثر من ست سنين.
وكان في عمله القضائي يفكر في إصلاح المحاكم الشرعية، بل لعله - فيما نعلم - أول من فكر في ذلك، فقد أخبرني ﵁ أنهُ حين كان أمينًا للفتوى جاءت امرأة شابة حكم على زوجها بالسجن مدة طويلة، وهي تخشى الفتنة، وتريد عرض أمرها على المفتي ليرى لها رأيًا في الطلاق من زوجها، حتى تتزوج رجلًا آخر، تعصم به نفسها، فصرفها الوالد ﵀ معتذرًا آسفًا متألمًا إذ كانت الأحكام مقيدة بمذهب أبي حنيفة، والعلماء المقلدون يأبون التفكير في مخالفة مذهبه، بل يكادون يرون في الخروج عن المذهب أكبر المنكرات. وليس في مذهب أبي حنيفة ما يجيز للقاضي أن يطلق على
стр. 658
الزوج المعسر أو المحبوس أو نحو ذلك. ثم عرض الوالد أمرها على شيخه المفتي، واقترح عليه اقتباس بعض الأحكام من مذهب الإمام مالك في مثل هذه المشاكل المعضلة، فأبى الشيخ كل الإباء، واستنكر هذا الرأي أشد استنكار، وكان بين الأستاذ وتلميذه جدال حادٌّ في هذا الشأن، ولكنهُ لم يؤثر في ما كان بينهما من مودة وعطف، وما زال مقتنعًا برأيه، واثقًا بصحتهِ وفائدتهِ للناس.
حتى كانت سنة ١٨٩٩ وقد مكث في المحاكم الشرعية نحو خمس سنوات، وظهر على كثير من عيوبها، وما يرهق الناس من أحكامها، سواء أكان ذلك في التشريع المعمول به، وهو التقيد بمذهب أبي حنيفة، أستغفر الله، بل التقيد بما قال علماء من متأخري اتباعهِ، والتمسك بألفاظهم الحرفية، أم كان في سوء اختيار عمالها، من قضاة وغيرهم، أم كان في إجراءاتها المعقدة المطولة، أم كان في نظمها وحقارة أمكنتها، أم كان في إعراض الحكومات المصرية عن العمل على إصلاحها اتباعًا لسياسة مرسومة في القضاء عليها تقليدًا للإفرنج، ولمن أشربوا آراءهم وعقائدهم، رأى الوالد كل هذا وأكثر منهُ، فوضع تقريرًا نفيسًا قدمهُ لأستاذه الإمام الحكيم الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية - رحمة الله عليه - نقد فيه هذه المحاكم وقضاتها وعمالها وكل حالاتها، وأبان عن أوجه النقصِ والخطأ في اللائحة التي كان معمولًا بها في ذلك الوقت، واقترح طرق الإصلاح تفصيلًا، ومنها اقتباس بعض الأحكام من مذهب
стр. 659
مالك، في التطليق للإعسار، وللضرر، وللغيبة الطويلة، وغير ذلك، وكان ذلك التقرير فاتحة العمل الصحيح في سبيل إصلاح المحاكم الشرعية، والرقي بها إلى مقامها السامي في الإسلام وهذا التقرير لا تزال صورته الأصلية عندنا بخط الوالد، وقد قدمته إلى دار الكتب المصرية فصورتهُ بالتصوير الشمسي، ليكون بها أثرًا علميًّا تاريخيًّا، لمن شاء أن يرجع إليه.
قدَّم الوالد هذا التقرير في أوائل سنة ١٨٩٩، وفي صيف تلك السنة طاف الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده على كثير من محاكم الوجه البحري، واطلع على سَيْر الأعمال فيها، ليصف لها الدواء والعلاج بحكمته، ثم وضع هو أيضًا تقريره المشهور في إصلاح المحاكم في نوفمبر سنة ١٨٩٩، وهو التقرير الذي طبع بمطبعة المنار في شوال سنة ١٣١٧ (سنة ١٩٠٠)، فاتفق رأي الأستاذ الإمام ورأي تلميذه، في كثير من أنواع النقد وطرق الإصلاح.
ولكن يظهر أن الأستاذ الإمام لم يجد الفرصة مواتية لاقتراح أحكام تخالف مذهب الإمام أبي حنيفة، وخاصة في التطليق من القاضي، فترك الكلام في ذلك، وأشار في الكلام في المرافعات إشارة عامة، ودعا إلى الأخذ بشيء من أحكام المذاهب الثلاثة الأخرى (ص ٣٨).
وأظن أن الأستاذ الإمام رأى أن يمكّن للوالد في بعض البلدان حتى ينفذ آراءه في الإصلاح، ولذلك زكَّاه لمنصب قاضي قضاة
стр. 660
السودان، وأخذ وليّ الأمر بتزكية الإمام، فصدر الأمر العالي بإسناد هذا المنصب إليه في يوم ١٠ ذي القعدة سنة ١٣١٧ (١١ مارس سنة ١٩٠٠) وكان ذلك يعقب انتهاء الثورة المهدية، وعودة السودان إلى حظيرة مصر مُلْكًا واحدًا ودولةً واحدةً، وإن فرقت بينهما في المظاهر مقتضيات السياسة.
وكانت بلاد السودان حينئذ كما تكون البلاد بعد الثورات الماحقة، هدمت النظم والقوانين والحكومة، فكأنها كانت بلادًا بكرًا، ينشأ فيها كل شيء من ذلك إنشاءً جديدًا، وكان ذلك أيسر له في وضع النظم للمحاكم هناك على النحو الذي يريد، وتنفيذ آرائه كلها أو أكثرها في الإصلاح والتجديد، على مثال لم يسبق إليه، واقتبس في التشريع من المذاهب الإسلامية ما كانت الحاجة إليه ماسة مما تنصره أدلة الشريعة وفقهها الصحيح، وأشد ذلك ظهورًا للمتصلين بالقضاء الشرعي الحكم بالتطليق للغيبة والإعسار والحبس والضرار ونحوها، مما اقتبس في مصر بالقانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٠ ووضع كثيرًا من القواعد الدقيقة الإجراءات مما اقتبس بعضه في مصر في اللائحة التي صدرت سنة ١٩١٠، فسبق السودان مصر في بعض نواحي الإصلاح بعشر سنين، وفي بعضها بعشرين سنة.
ولولا أن السياسة العامة للدولة المصرية في التشريع والقضاء وضعها ناس لا يعرفون الشريعة الإسلامية ودقائقها، وغرَّهم ما رأوا من ضعف القضاء الشرعي بضعف رجاله في ذلك العهد، واحتكر
стр. 661
تنفيذها ناس جهلوا دينهم فأعرض عنهُ بعضهم وعاداه بعضهم، لولا هذا لسار في القضاء الشرعي سيرة تمكّن لهُ في البلاد أن يكون القضاء العامَّ في الشؤون كلها، من مدنية وجنائية وشخصية، ليكون الحكم في بلاد الإسلام بشريعة الإسلام، كما هو الواجب على كل مسلم أن يعمل لهُ، طاعة لله ورسوله، ولا تزال آثاره في السودان قائمة، يسترشد بها العلماء والقضاة والحكام، ولا يزال أهل السودان - وهم أهلنا وإخواننا - يحفظون لهُ أجمل الذكرى، ويعرفون لهُ مواقفه الحازمة في خدمة البلاد ونصر الإسلام، ويحفظون لهُ أنهُ لم يشغلهُ القضاءُ، ولم يلهه المنصب السامي عن تعليم الناس شؤون دينهم، بالدروس العلمية والخطب والمواعظ، وقرأ لهم صحيح البخاري كله، وهو أصح مصدر للسنَّة النبوية.
* * *
ثم في ٢٦ أبريل سنة ١٩٠٤ صدر الأمر العالي بتعيينه شيخًا لعلماء إسكندرية، فبعث فيها نهضة علمية كانت فاتحة خير، بزغ نورها في أرجاء المملكة المصرية، وقصدها الطلاب من أطراف البلاد، وبث فيهم من روحه الوثابة، فأحياهم حياة أخرى غير ما كانوا يعرفون في المعاهد الدينية، وضع أسس النظم في التعليم، وأحسن اختيار الكتب والمقررات في الدراسة، من العلوم الدينية والعربية وما إليها، ومن العلوم الأخرى التي يحتاج إليها طالب العلم في ثقافته العامة، مما يسميه الناس "العلوم الحديثة" وأكثرها كان
стр. 662
معروفًا في الأزهر يتدارسه أهله، إنما كانت اختيارية لا اختبار فيها، فجعلها إجبارية، واختار لعونه في عمله نوابغ العلماء من الأزهر، والرعيل الأول منهم أربعة: الشيخ عبد الله دراز، والشيخ عبد المجيد الشاذلي، والشيخ عبد الهادي مخلوف ﵏ والشيخ إبراهيم الجبالي شيخ معهد طنطا الآن متعنا الله بحياته. وكانت هذه "العلوم الحديثة" يعلمها للطلاب علماءُ الأزهر أنفسهم.
وسنَّ حينذاك سُنَّةً حسنة، أن يحتفل في آخر كل عام دراسي احتفالًا رسميَّا بالناجحين من الطلاب، تُعطى لهم المكافآت من الكتب العلمية النفيسة، ويحضره سموّ الخديوي أو نائب عنهُ ويحضره الوزراء والكبراء والعلماء والطلاب، في مسجد أبي العباس، ويخطب فيه شيخ العلماء خطبة تناسب المقام، وهي خطب مشهورة معروفة، ومن أشهرها الخطبة التي ألقاها في الاحتفال يوم السبت ٢٢ رجب سنة ١٣٢٥ (٣١ أغسطس سنة ١٩٠٧) والتي ردَّ فيها على اللورد كرومر بكلمات تعرض فيها للإسلام، وكان من شهود هذا الحفل (أصحاب العطوفة حسين فخري باشا القائم برئاسة مجلس النظار، وناظر الأشغال العمومية، وأحمد مظلوم باشا ناظر المالية، وأصحاب السعادة والعزة محافظ الإسكندرية، ورئيس الديوان العربي الخديوي، ووكيل ديوان عموم الأوقاف) إلى آخر من ذكروا في وصف الاحتفال في (التقرير الرابع عن أعمال مشيخة علماء إسكندرية سنة ١٣٢٤ دراسية المرفوع للحضرة الفخيمة الخديوية) فقام بالواجب
стр. 663
عليه من الذبّ عن الإسلام، في هذا المقام الخطير، خير قيام.
وكان مما قال في هذه الخطبة كلمته المحفوظة السائرة: (ويقولون: "إن هذا الدين يجيز الرق، ويتضمن سننًا وشرائع في علاقات النساء بالرجال تناقض آراء أهل هذا العصر". نعم إن الدين الإسلامي أباح الاسترقاق، كما أباحته كل الشرائع السماوية من قبل، ولكنهُ سوى بين الأرقاء وبين الآباء والأمهات في الوصية بالإحسان، والرفق والحنان، أليس يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦]. أباح الدين الإسلامي استرقاق الأفراد، ولكنه بحمد الله لم يبح استرقاق الشعوب، ولا مصادرة الأمم في مقومات حياتها القومية والاجتماعية أما علاقات النساء بالرجال فليس وراء الشريعة الإسلامية غاية في عدل ولا في مرحمة، ولا في محافظة على الأعراض المصونة، يتطلع إليها أصحاب النفوس الأبية). والمناهج التي رسمها للمعاهد الدينية هي الأسس الثابتة للتعليم الصحيح، الذي يؤتي الثمرة المرجوة منهُ، ولا يزال أكثرها قائمًا إلى الآن، وهي مفصلة في التقارير التي كان يرفعها لولي الأمر في آخر كل عام.
وكانت غايته من التعليم الديني أن يخرج رجالًا كاملين، يعرفون دينهم ويخشون ربهم، يقولون قولة الحق، لا يخافون في الله لومة
стр. 664
لائم، يتصلون بأمتهم أوثق الصلات، فيشعرون بما تشعر، ويحسون ما تحس، في شؤونها الدينية والدنيوية، يهيؤهم علمهم وتربيتهم وثقافتهم لقيادة الأمة إلى طرق المجد، وإلى سبل الإصلاح في الأحوال كلها، اجتماعية كانت أو سياسية. وقد أشار إلى هذا المعنى في مقدمة التقرير الذي رفعه عن أعمال المشيخة سنة ١٣٢٢ قال:
"ومما يجب أن يتنبه له عقلاء الإسلام وعظماء الأمة، أن التعليم الديني قد كاد يكون منحصرًا في طبقات الفقراء، وبعض الطبقات الوسطى من الأمة الإسلامية، دون الطبقات العليا منها، وذلك خطر غير قليل على الجامعة الإسلامية، بمرور الدهور والأعوام، إذا قدر أن ينتهي الأمر بانحصار التعليم الديني في تلك الطبقات، فتكون الرئاسة الدينية منحصرة فيهم لا يتولاها سواهم من الطبقات الأخرى، وبالتالي تكون كل الوظائف الدينية في أيدي أولئك الأقوام ومن خصائصهم، وبعبارة أصرح: تكون الفضائل والمزايا الدينية مجردة عن القوة المالية، والقوة المالية بعيدة عن المزايا الدينية. وبين أيدينا من نتائج هذا التفريق في القوى الفعالة وهذا التدلي في التربية الدينية ما يصلح عبرة لكرام القوم، وخاصة المسلمين وعقلاء الأمة. فلينظر العقلاء وسادات الإسلام إلى موقفهم هذا، فلعلهم إذا فكروا فيه كثيرًا يترجح عندهم أن يتربى أبناؤهم تربية دينية إسلامية محضة، تحت كفالة خيرة العلماء العاملين المرشدين، حتى إذا تخرجوا على هذا المبدأ القويم كانوا أقدر على خدمة دينهم وأمتهم، الخدمة التي
стр. 665
ترجى من أمثالهم، مع الترفع عن الدناءة وعن السقوط في مهاوي الخسران، وإذا شاء عظماء الأمة أن يتربى أبناؤهم هذه التربية فإنهم يساعدون على ترقية التعليم الديني، ويجعلون له المكانة العليا في أفئدة الناس أجمع، وما ذلك على الله بعزيز. نسأله الهداية والتوفيق لأقوم طريق".
وقد بدأ بنفسه في تنفيذ ما دعا الناس إليه، ليكون مثالًا يقتدى به، فأخرجنا - أنا وأخي السيد علي - من المدارس المدنية إلى المعاهد الدينية، وكنت في السنة الرابعة بكلية غردون بالخرطوم، فاستأنفت الدراسة في السنة الأولى بالقسم الأوَّلي من معهد الإسكندرية.
وكان أكثر ما يحرص عليه في طالب العلم أن يكون قويّ الخلُق عزيز النفس مستقل الرأي، تمهيدًا لما كان يرجو، من إخراج رجال يزجّ بهم في معترك الحياة، ويبعث منهم في أعمال الدولة من إدارة وغيرها، وقد كان متفاهمًا على هذا مع ولاة الأمور، كما سمعت منهُ مرارًا، في سبيل الإصلاح العامّ، حتى تُبَثَّ الروح الإسلامية في نظم الدولة، وتقاوم تغلغل النفوذ الأجنبي، الذي كاد يخرج بالدولة وبالأمة عن دينها وعن مقومات حياتها، كان يرجو أن يعيد للإسلام مجده لو تحقق ما كان يرجو.
وفي أواخر سنة ١٣٢٤ ندب للقيام بأعباء منصب مشيخة الجامع الأزهر نيابة عن المرحوم الشيخ عبد الرحمن الشربيني بالإضافة إلى عمله في مشيخة الإسكندرية، أربعة أشهرٍ، من رمضان إلى ذي الحجة.
стр. 666
وفي ٩ ربيع الثاني سنة ١٣٢٧ (٢٩ إبريل سنة ١٩٠٩) صدرت الإرادة السَّنية بتعيينه وكيلًا لمشيخة الأزهر، فسار فيه سيرته في الإصلاح، ومهّد لذلك برحلة واسعة إلى الصعيد، صدر بها إليه أمرٌ عالٍ، زار فيها مدن الصعيد وكثيرًا من قُراه، يستطلع أحوال الدراسة الدينية في مساجده، تمهيدًا لإنشاء معاهد علمية فيه، تكون فروعًا من الأزهر، كما تحقق أخيرًا بإنشاء معهد أسيوط وقنا. ثم صدر قانون النظام في الأزهر سنة ١٩١١ وأنشئت فيه (هيئة كبار العلماء) فكان في الفوج الأول منها إلى أن مات. وعهد إليه بتطبيق هذا القانون، فأنشأ القسم الأوَّلي، وعُين شيخًا له مع عمله في وكالة الأزهر، وكانت في القانون بعض نظم لا يرضاها، وضعت على الرغم من معارضته، فكان يبذل جهده في التخفيف من أخطاء القانون، وله في ذلك مواقف معروفة مشهورة، لا يسع المقام تفصيلها.
وفي سنة ١٩١٣ أنشئت الجمعية التشريعية، وكان في السابعة والأربعين من عمره، وليس بمستطيع أن يطلب الإحالة إلى المعاش قانونًا وهو في تلك السن، وكان من قانون الجمعية أن الموظف إذا انتخب أو عين عضوًا فيها خُيّر بينها وبين عمله الحكومي، فإن اختارها أحيل إلى المعاش، وكان له الحق في العودة إلى منصبه، فرأى الفرصة سانحة لطرح أغلال المناصب الحكومية، والتفلت من إسارها، وما يحاك حوله فيها، في الأزهر وخارج الأزهر، فرغب إلى أخيه وصديقه وصفيّه المغفور له (محمد سعيد باشا)، وكان ناظر
стр. 667
النظار إذ ذاك، أن يكون عضوًا معينًا في الجمعية، فأجاب طلبه؛ وبذلك ترك المناصب الرسمية، وأبى أن يعود إلى شيء منها، ولم يخضع بعد ذلك لشيء من مغرياتها، بل فضَّل أن يعيش حرَّ الرأي والعمل والقلب والقلم.
وعاش في حريته كما عاش في مناصبه، للناس لا لنفسه، ما قصده طالب حاجة إلَّا بذل له من نفسه وماله وجاهه، يعمل الخير للخير، ولوجه الله.
وكانت له في كبريات الصحف، وفي المقطم خاصةً، أثناء الحرب العظمى، جولات صادقة ومقالات نيرة، لا يزال صداها يدوي في آذان كثير ممن عُنُوا بالشؤون السياسية في ذلك الوقت: إذ كان مرمى كتاباتِه كلها إلى الدفاع عن بيضة الإسلام، وردِّ كيد المهاجمين، من المعتدين والخائنين، خشية أن يكون ما كان، من تقطع أوصال الأمة الإسلامية، وتفرقها أممًا متباينة، ببدعة القوميات التي اخترعتها أوربة، لتفرّق بها كلمة المسلمين، وتضربَ بعضَهم ببعضٍ، ولتفتنهم عن المبدأ السياسيّ والاجتماعيّ السليم الذي شرعهُ الله لهم، وأمرهم باتباعهِ والعضّ عليه بالنواجذ: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [سورة الأنبياء آية ٩٢، وسورة المؤمنون آية ٥٢].
ثم قامت الثورة المصرية في سنة ١٩١٩، فضرب فيها بسهمٍ وافرٍ، وتبعهُ أهل الأزهر قاطبة، فكان هو الروحَ الوثابةَ فيهم، وكان هو القائدَ، وكان هو الزعيم.
стр. 668
وكتب في الشؤون السياسية المصرية عشرات من المقالات في الصحف، أبانت عن بعد نظره، وصدق فراسته، حتى لقد توقع فيها كثيرًا مما كان بعد سنين، إذ درس مرامي السياسة الإنكليزية، في شؤون الأمة المصرية والأمة الإسلامية، وعرف كيف يسعون إلى نيل مقاصدهم حتى لقد كنا في العهد القريب، إذا ادْلهمَّ الخطبُ، واضطربت الأمور رجعنا إلى مقالاته في الظروف المشابهة لها، فوجدنا أنهُ يكاد يصف ما نحن فيه، وكأنهُ يكتبهُ حين قرأناه وكأنهُ ينظر إليه بنور الله.
ولم يفكر يومًا واحدًا في خوض معترك الأحزاب المصرية، بل كان يترفَّع عن أن يُسلم مَقادَه إلى أحدٍ من الناس، كائنًا من كان، كما أَبَى من قبلُ أن يعودَ إلى إسارِ المناصب الحكومية، وكان يقول للزعماء والقادة قولة الحقّ، فينقد خطأ المخطئ ويمدح صواب المصيب، وعن ذلك كان يظنُّ كثيرٌ من الناس أنَّ لهُ هوًى أو ضلعًا مع بعض الأحزاب أو الزعماء؛ إذ كان يكثرُ خطأ المخطئ، فيُكْثرُ من نقده والنصيحة لهُ، فيظنُّ المنتقَدُ أو أنصارُه وأتباعُه أن الناقد من خصومه، أو من أنصار خصومه.
وبجانب هذا لم يَدَعْ مسألة شرعية أو اجتماعية أثيرت في الصحف، بما يتعلق بشؤون الإسلام والمسلمين، إلَّا قال فيها ما يراهُ حقًّا وصوابًا، وصَدَعَ بما أمر الله به الدعاة والهداة، وأعْرَضَ عن المنكرين، ثقةً بربّهِ، وتوكلًا عليهِ؛ إذ كان أبرزُ سجاياه، أنهُ صُلْبٌ في
стр. 669
دينه، صلبٌ في عقيدته، صلبٌ في رأيه، شجاعٌ غير جبانٍ، لا يرهب أحدًا من الناس، ولا يخشى إلَّا الله.
* * *
أما الناحية العلمية منهُ فإنهُ كان عالمًا بكتاب الله يفقههُ ويعرفهُ، ويداوم مدارسته والغوص على أسراره، وكانت له في التفسير نظرات دقيقة، وقد قرأ لنا التفسير مرتين: مرة في تفسير البغوي، وأخرى في تفسير النسفي. وله في السُّنَّة اطلاعٌ جيدٌ وفقهٌ سليمٌ، وقرأ لنا صحيح مسلم، وسنن الترمذي، والشمائل، وسنن النسائي، وبعض صحيح البخاري. وقرأ لنا فقه الحنفية في كتاب الهداية، على طريقة السلف، في استقلال الرأي وحرية الفكر، ونبذ العصبية لمذهب معين، وكثيرًا ما خالف مذهب الحنفية عند استعراض الآراء وتحكيم الحجة والبرهان، ورجح ما نصره الدليل الصحيح، وقرأ لنا في الأصول جمع الجوامع وشرح الإسنوي على المنهاج، وفي المنطق شرح الخبيصي، وشرح القطب على الشمسية وغيرهما، وفي البيان الرسالة البيانية، إلى غير ذلك من الرسائل الصغيرة في علوم مختلفة.
وكان في العلوم العقلية آيةً من الآيات، بل هو أقوى رجل ظهر في الأزهر فيها؛ ولذلك لم يكن يصمُد لهُ أحد في مناظرة أو جدال، لإبداعه في إقامة الحجة وإفحام المناظر؛ لخصب ذهنه وتسلسل أفكاره، وانتظامهما على قواعد المنطق الصحيح السليم، ولست أقول هذا فخرًا أو غلوًّا، بل أشهد به عن يقين وخبرةٍ، وقد تلقيتُ عنهُ
стр. 670
أكثر العلوم العالية، ولازمت دروسه أكثر من ثمان سنين، في الصباح والمساء، كما يعرف ذلك ويشهد به إخواني في الدرس والطلب، وكما يقر به المنصفون من أقرانه من أهل العلم.
وأخلاقهُ كانت أخلاق العلماء الأولين، كان رجلًا مسلمًا يخاف الله ويرجو رحمته، ولا يخاف غيره ولا يرجوه، يعمل ما يعمل، أو يقول ما يقول، خالصًا لله، أذكر أنهُ في أوائل الثورة المصرية، كتب نداءً شديد اللهجة، يزيد في وقود الثورة، ثم دعاني أنا وأخي السيد علي، وقرأه علينا، يطلب رأينا، فأعجبنا به، وقلت له: ولكن بعده الاعتقال، فما عبأ بذلك، وأذاعَهُ على الناس في الصحف.
ولم تكن الدنيا من همه في شيءٍ، وقد كانت تجري على يديه، وكان له من النفوذ في الدولة ما يمكن له من الغنى لو أراد، وكان دائمًا مقربًا إلى العرش، بل أتى عليه حينٌ من الدهر كان أقرب الناس إليه زلفى، فعصمه زهده وعفته وإباؤه، ولقد حدثني واحد من شيوخي حفظهُ الله، منذ أكثر من خمس وعشرين سنة؛ أنهُ حاوره مرة ليحمله على شراء دار لأولاده، فأبى ﵀، وقال له: إنما أُحسن تربيتهم وتعليمهم، ولهم رزقهم عند الله، وكان يضع الميزانية سنويًّا لمعهد إسكندرية ثم في الأزهر، وكان يقرر فيها ما يستحقه العلماء والموظفون من علاوات ونحوها، فكان يكتب لنفسه أمام اسمه ما لا يخطر على بال أي رئيس أو عامل أن يصنعه، كان يكتب بخطه لنفسه (لا يستحق شيئًا) ولو أراد لنفسه عرض المال لاستحق شيئًا كثيرًا.
* * *