← Джавами‘

Джавами‘ · id 20642

جمهرة مقالات أحمد شاكر

أحمد شاكر

Полный текст (928 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وفي ٩ ربيع الثاني سنة ١٣٢٧ (٢٩ إبريل سنة ١٩٠٩) صدرت الإرادة السَّنية بتعيينه وكيلًا لمشيخة الأزهر، فسار فيه سيرته في الإصلاح، ومهّد لذلك برحلة واسعة إلى الصعيد، صدر بها إليه أمرٌ عالٍ، زار فيها مدن الصعيد وكثيرًا من قُراه، يستطلع أحوال الدراسة الدينية في مساجده، تمهيدًا لإنشاء معاهد علمية فيه، تكون فروعًا من الأزهر، كما تحقق أخيرًا بإنشاء معهد أسيوط وقنا. ثم صدر قانون النظام في الأزهر سنة ١٩١١ وأنشئت فيه (هيئة كبار العلماء) فكان في الفوج الأول منها إلى أن مات. وعهد إليه بتطبيق هذا القانون، فأنشأ القسم الأوَّلي، وعُين شيخًا له مع عمله في وكالة الأزهر، وكانت في القانون بعض نظم لا يرضاها، وضعت على الرغم من معارضته، فكان يبذل جهده في التخفيف من أخطاء القانون، وله في ذلك مواقف معروفة مشهورة، لا يسع المقام تفصيلها. وفي سنة ١٩١٣ أنشئت الجمعية التشريعية، وكان في السابعة والأربعين من عمره، وليس بمستطيع أن يطلب الإحالة إلى المعاش قانونًا وهو في تلك السن، وكان من قانون الجمعية أن الموظف إذا انتخب أو عين عضوًا فيها خُيّر بينها وبين عمله الحكومي، فإن اختارها أحيل إلى المعاش، وكان له الحق في العودة إلى منصبه، فرأى الفرصة سانحة لطرح أغلال المناصب الحكومية، والتفلت من إسارها، وما يحاك حوله فيها، في الأزهر وخارج الأزهر، فرغب إلى أخيه وصديقه وصفيّه المغفور له (محمد سعيد باشا)، وكان ناظر

стр. 667

النظار إذ ذاك، أن يكون عضوًا معينًا في الجمعية، فأجاب طلبه؛ وبذلك ترك المناصب الرسمية، وأبى أن يعود إلى شيء منها، ولم يخضع بعد ذلك لشيء من مغرياتها، بل فضَّل أن يعيش حرَّ الرأي والعمل والقلب والقلم. وعاش في حريته كما عاش في مناصبه، للناس لا لنفسه، ما قصده طالب حاجة إلَّا بذل له من نفسه وماله وجاهه، يعمل الخير للخير، ولوجه الله. وكانت له في كبريات الصحف، وفي المقطم خاصةً، أثناء الحرب العظمى، جولات صادقة ومقالات نيرة، لا يزال صداها يدوي في آذان كثير ممن عُنُوا بالشؤون السياسية في ذلك الوقت: إذ كان مرمى كتاباتِه كلها إلى الدفاع عن بيضة الإسلام، وردِّ كيد المهاجمين، من المعتدين والخائنين، خشية أن يكون ما كان، من تقطع أوصال الأمة الإسلامية، وتفرقها أممًا متباينة، ببدعة القوميات التي اخترعتها أوربة، لتفرّق بها كلمة المسلمين، وتضربَ بعضَهم ببعضٍ، ولتفتنهم عن المبدأ السياسيّ والاجتماعيّ السليم الذي شرعهُ الله لهم، وأمرهم باتباعهِ والعضّ عليه بالنواجذ: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [سورة الأنبياء آية ٩٢، وسورة المؤمنون آية ٥٢]. ثم قامت الثورة المصرية في سنة ١٩١٩، فضرب فيها بسهمٍ وافرٍ، وتبعهُ أهل الأزهر قاطبة، فكان هو الروحَ الوثابةَ فيهم، وكان هو القائدَ، وكان هو الزعيم.

стр. 668

وكتب في الشؤون السياسية المصرية عشرات من المقالات في الصحف، أبانت عن بعد نظره، وصدق فراسته، حتى لقد توقع فيها كثيرًا مما كان بعد سنين، إذ درس مرامي السياسة الإنكليزية، في شؤون الأمة المصرية والأمة الإسلامية، وعرف كيف يسعون إلى نيل مقاصدهم حتى لقد كنا في العهد القريب، إذا ادْلهمَّ الخطبُ، واضطربت الأمور رجعنا إلى مقالاته في الظروف المشابهة لها، فوجدنا أنهُ يكاد يصف ما نحن فيه، وكأنهُ يكتبهُ حين قرأناه وكأنهُ ينظر إليه بنور الله. ولم يفكر يومًا واحدًا في خوض معترك الأحزاب المصرية، بل كان يترفَّع عن أن يُسلم مَقادَه إلى أحدٍ من الناس، كائنًا من كان، كما أَبَى من قبلُ أن يعودَ إلى إسارِ المناصب الحكومية، وكان يقول للزعماء والقادة قولة الحقّ، فينقد خطأ المخطئ ويمدح صواب المصيب، وعن ذلك كان يظنُّ كثيرٌ من الناس أنَّ لهُ هوًى أو ضلعًا مع بعض الأحزاب أو الزعماء؛ إذ كان يكثرُ خطأ المخطئ، فيُكْثرُ من نقده والنصيحة لهُ، فيظنُّ المنتقَدُ أو أنصارُه وأتباعُه أن الناقد من خصومه، أو من أنصار خصومه. وبجانب هذا لم يَدَعْ مسألة شرعية أو اجتماعية أثيرت في الصحف، بما يتعلق بشؤون الإسلام والمسلمين، إلَّا قال فيها ما يراهُ حقًّا وصوابًا، وصَدَعَ بما أمر الله به الدعاة والهداة، وأعْرَضَ عن المنكرين، ثقةً بربّهِ، وتوكلًا عليهِ؛ إذ كان أبرزُ سجاياه، أنهُ صُلْبٌ في

стр. 669

دينه، صلبٌ في عقيدته، صلبٌ في رأيه، شجاعٌ غير جبانٍ، لا يرهب أحدًا من الناس، ولا يخشى إلَّا الله. * * * أما الناحية العلمية منهُ فإنهُ كان عالمًا بكتاب الله يفقههُ ويعرفهُ، ويداوم مدارسته والغوص على أسراره، وكانت له في التفسير نظرات دقيقة، وقد قرأ لنا التفسير مرتين: مرة في تفسير البغوي، وأخرى في تفسير النسفي. وله في السُّنَّة اطلاعٌ جيدٌ وفقهٌ سليمٌ، وقرأ لنا صحيح مسلم، وسنن الترمذي، والشمائل، وسنن النسائي، وبعض صحيح البخاري. وقرأ لنا فقه الحنفية في كتاب الهداية، على طريقة السلف، في استقلال الرأي وحرية الفكر، ونبذ العصبية لمذهب معين، وكثيرًا ما خالف مذهب الحنفية عند استعراض الآراء وتحكيم الحجة والبرهان، ورجح ما نصره الدليل الصحيح، وقرأ لنا في الأصول جمع الجوامع وشرح الإسنوي على المنهاج، وفي المنطق شرح الخبيصي، وشرح القطب على الشمسية وغيرهما، وفي البيان الرسالة البيانية، إلى غير ذلك من الرسائل الصغيرة في علوم مختلفة. وكان في العلوم العقلية آيةً من الآيات، بل هو أقوى رجل ظهر في الأزهر فيها؛ ولذلك لم يكن يصمُد لهُ أحد في مناظرة أو جدال، لإبداعه في إقامة الحجة وإفحام المناظر؛ لخصب ذهنه وتسلسل أفكاره، وانتظامهما على قواعد المنطق الصحيح السليم، ولست أقول هذا فخرًا أو غلوًّا، بل أشهد به عن يقين وخبرةٍ، وقد تلقيتُ عنهُ

стр. 670

أكثر العلوم العالية، ولازمت دروسه أكثر من ثمان سنين، في الصباح والمساء، كما يعرف ذلك ويشهد به إخواني في الدرس والطلب، وكما يقر به المنصفون من أقرانه من أهل العلم. وأخلاقهُ كانت أخلاق العلماء الأولين، كان رجلًا مسلمًا يخاف الله ويرجو رحمته، ولا يخاف غيره ولا يرجوه، يعمل ما يعمل، أو يقول ما يقول، خالصًا لله، أذكر أنهُ في أوائل الثورة المصرية، كتب نداءً شديد اللهجة، يزيد في وقود الثورة، ثم دعاني أنا وأخي السيد علي، وقرأه علينا، يطلب رأينا، فأعجبنا به، وقلت له: ولكن بعده الاعتقال، فما عبأ بذلك، وأذاعَهُ على الناس في الصحف. ولم تكن الدنيا من همه في شيءٍ، وقد كانت تجري على يديه، وكان له من النفوذ في الدولة ما يمكن له من الغنى لو أراد، وكان دائمًا مقربًا إلى العرش، بل أتى عليه حينٌ من الدهر كان أقرب الناس إليه زلفى، فعصمه زهده وعفته وإباؤه، ولقد حدثني واحد من شيوخي حفظهُ الله، منذ أكثر من خمس وعشرين سنة؛ أنهُ حاوره مرة ليحمله على شراء دار لأولاده، فأبى ﵀، وقال له: إنما أُحسن تربيتهم وتعليمهم، ولهم رزقهم عند الله، وكان يضع الميزانية سنويًّا لمعهد إسكندرية ثم في الأزهر، وكان يقرر فيها ما يستحقه العلماء والموظفون من علاوات ونحوها، فكان يكتب لنفسه أمام اسمه ما لا يخطر على بال أي رئيس أو عامل أن يصنعه، كان يكتب بخطه لنفسه (لا يستحق شيئًا) ولو أراد لنفسه عرض المال لاستحق شيئًا كثيرًا. * * *

стр. 671

ومنذ سنة ١٩٣١ اعتزل الدنيا، ثم أقعده المرض في المنزل، وألزمه الفراش؛ إذ أصابه الفالج، فاحتمله صابرًا محتسبًا، راضيًا عن ربه وعن نفسه، موقنًا أنهُ قضى دَيْنَه، فقام بما وجب عليه خير قيامٍ، نحو دينه ونحو أمته، منتظرًا دعوة ربه لعباده الصالحين: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾. إلى أن جاءتهُ الدعوةُ فأجاب، هادئًا راضيًا مطمئنًا، فقبضهُ الله إليه في منتصف الساعة الثامنة من صباح يوم الخميس ١١ جمادى الأولى سنة ١٣٥٨ (٢٩ يونيه سنة ١٩٣٩). ونسأل الله أن يلحقهُ بآبائه الطيبين الطاهرين، وإخوانه الصالحين السابقين: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. * * *

стр. 672

محاضرة: نابغة الشباب الأستاذ رياض محمود مفتاح (*) تقدمة بين يدي المحاضرة (١) أرى من الواجب عليَّ أن أعرّف الأستاذ إلى إخواني أعضاء الجماعة وقراء المجلة. وأنا الذي عرفته إلى رئيسنا الأخ الشيخ محمد حامد الفقي، وإلى إخواننا الذين سمعوا المحاضرة، بل لعلي أكون أول من كشف الستار عن عبقرية هذا الشاب ونبوغه، وأفخر بأن نظرتي إليه كانت صادقة شبيهة بالإلهام. ولا أزال أحمد الله في كل حين على هذا التوفيق. ولمعرفتي به قصة طريفة: وأول ذلك يوم مبارك لا ينسى على الدهر، عصر يوم الخميس غرة السنة الحاضرة، اليوم الأول من شهر المحرم سنة ١٣٦٢ (٧ يناير سنة ١٩٤٣)، ولم أكن أعرف عن الأستاذ شيئًا ولا سمعتُ به، فكنت جالسًا في مكتبة الخانجي بمصر، فرأيت كتابًا بجواري لم أره من قبل، فنظرت فيه فإذا عنوانه (الحرب الحديثة وما تلقيه على مصر والشرق العربي من دروس) فلمحت فيه لمحات، وتصفحت منه

стр. 673

صفحات، فوجدتُ فيه كلمات نفيسة في الدين والسياسة والاجتماع توافق كثيرًا مما ندعو إليه من الآراء للنهوض بالأمة العربية وسائر الشعوب الإسلامية ولنصر الإسلام وإعلاء كلمته، فعجبت لهذا الكتاب، ولم أجد فيه شيئًا عن مؤلفه إلَّا اسمه (رياض محمود مفتاح المحامي)، وزاد عجبي أن الكتاب مطبوع في أغسطس سنة ١٩٤٠، وأني لم أسمع به ولم أره من قبل، وأخذت الكتاب وقرأته كله، فكنت كلما قرأتُ فيه ازداد سموًّا في نظري، وازداد مؤلفه نبلًا وقدرًا حتى قرأته كله، ثم كتبت على نسختي ما نصه (أتممت قراءته عصر يوم الثلاثاء ١٣ محرم سنة ١٣٦٢ (١٩ يناير سنة ١٩٤٣)، واستفدت منه علمًا جمًّا وآراء نافعة. فلله در مؤلفه العظيم. إنه شاب ينظر بنور الله وأرجو أن يكون له من الأثر في العالم الإسلامي ما لأكبر المصلحين، نفع الله به، ووفقه وأيده). فهو في كتابه يدعو المسلمين إلى أن يتمسكوا بدينهم، وأن لا يفتنهم عنه ما يرون من المدنية الأوربية الزائفة، وأن يهيمن الإيمان في القلب على كل أعمال المسلم؛ من عبادة ومعاملة وسياسة واجتماع، وأن يحافظ المسلم على العبادة التي أمر بها لله وحده ليكون ذلك هاديًا له في كل شأن من شؤونه في حياته، وأن يقوم المسلمون بدعوة العالم كله إلى الأخذ بشريعة الإسلام، وإن ذلك هو السبيل الوحيد لحل المشكلات الدولية التي تثير الحروب الماحقة في فترات متقاربة.

стр. 674

وسأنقل لكم هنا بعض فقرات من هذا الكتاب النفيس المدهش: يقول في (ص ٢٢): (وهنا تكون الكلمة للشرق العربي؛ ليؤدي رسالته للعالم في العصر الحديث بالاستمساك بالدين الإسلامي، وتنظيم أحوال البشر على مبادئه السامية؛ من الإيمان والعدالة والتضامن والتسوية والأخوة الإنسانية جمعاء، فهي المبادئ التي لا صلاح للبشر إن خرجوا عليها، وهي المبادئ الخالدة يرجع إليها الناس بعد طول تقلب وتجارب فيجدون فيها الهدى؛ فالبشر اليوم أحوج ما يكونون إلى مبادئ جديدة، وأذهانهم على الأُهبةِ لفحص الجديد من المذاهب والمبادئ، بعد أن فشلت مذاهبهم، وشَكَّكَتْهم التطورات العالمية الأخيرة في قيمتها وصلاحيتها). ويقول (ص ٢٦): (ولست أعني بالحضارة الإسلامية ما كان عليه أهل العواصم الكبرى من الترف والنعيم، وما ازدانت به دار السلام والقاهرة وإستانبول من جميل المناظر فالقصور ووشيها، ومجالس الغناء والندمان، وما فيها من العزف والحبور، ليست من الحضارة الإسلامية في شيء بل فيها مما يخالف الإسلام. دين البساطة والرجولة. أكثر مما يوافقه، وإنما خلود الحضارة الإسلامية في مبادئها الموجهة لمخاطبة البشر كافة؛ فالناس فيما بينهم أخوة كأعضاء الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر. لا يعتبر أحدهما مسلمًا إلّا إذا أحب لأخيه ما يحب لنفسه، وهم

стр. 675

سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على أعجمي منهم إلّا بالتقوى، يهيمن فوق هذه المبادئ مبدأ الإيمان بالله الأحد خالق الدنيا وما فيها من خير وشر، فهو الذي يعبد، ومنه تلتمس الهداية لسلوك طريق الخير ولتطهير النفس من أدران الأثرة والظلم، ولملئها بعوامل المحبة والأخوة والعطف على الفقير، والعدل والإحسان والخضوع لأوامره تعالى. فهذا الإيمان وهذه العبادة للخالق المسير للأمور ابتغاء مرضاته وحسن الجزاء منه في دار الخلود: هذه العبادة هي زاد النفس؛ للتغلب على عوامل الشر، والاهتداء لعوامل الخير في كل المعاملات الإنسانية سواء منها ما كان بين الفرد وأسرته، أو ما كان بين الفرد وأخيه، أو ما كان بين الحكام والمحكومين، أو ما كان بين دولتهم بأكملها والدولات الأجنبية. وهذه المبادئ الخالدة أساسية لكل حضارة، وإلَّا كانت واهية الأساس ينهار بناؤها برمته مرة واحدة، تأمل المدن الأوربية وكيف نسقت، وناطحات السحاب وكيف تعالت، والمصانع الضخمة وكم تنتج في اليوم بل في الساعة. تأمل كل هذا، وتأمل كيف يأكل بعض هذه الحضارة بعضًا؛ فتدك ما شيدت، وتقتل ما ولدت، وتسبب للإنسان من المتاعب أضعاف ما جلبته له من الرفاهية؛ ذلك أنها فقدت عنصر الإيمان الأساسي الذي يطهر النفس، ويملؤها بحب الخير للإنسانية لا لوطن واحد ولا لجنس واحد) إلى أن يقول في

стр. 676

(ص ٢٩): (وكانت نظمنا - نحن المسلمين في الشرق العربي - إلى عهد قريب من ذلك النوع الذي يحوي الكثير من الشر لأنفسنا، والتي ليست مثالًا يحتذى به أو توجه الدعوة للغير للاقتداء به، وخير لنا أن نلتمس علاج أدوائنا في مبادئ شريعتنا الغراء، لا في المذاهب الأوربية الضيقة النطاق). ومما يقول في النظم الاقتصادية بعد أن شرح كثيرًا منها، وتكلم عن الرأسمالية والاشتراكية وغيرهما، قال (ص ١١٦): (غير أن هذا التفكير يجب أن ينأى عن التقليد والاقتباس من المذاهب الأجنبية، فمهما أدى بعضها من نفع، ومهما بدا براقًا، فلا حاجة لنا به، وإنما لدينا نظامنا الإسلامي: (الزكاة) نرجع إليه فنرى فيه علاجًا لعيوبنا الاقتصادية، علاجًا لا يصلح لنا فحسب، بل للإنسانية جمعاء في كل زمان ومكان). إلى آخر هذا البحث النفيس الذي قل أن تجد مثله لباحث. وهو يقول في مزية التشريع الإسلامي (ص ١٧٠): (على أن أبرز خاصية للشريعة الإسلامية، وأميز ما في الثقافة الشرقية بوجه عام، هو قيامها على الإيمان الديني الذي لا يقتصر على تنظيم عبادة المخلوق للخالق، بل يسيطر على كل الأنظمة الاجتماعية للخلق. ذلك ما يقع وجوب تأديته للعالم على مصر والشرق العربي اليوم، لعل فيه الشفاء والإنقاذ من الخراب والفساد) إلى أن قال (ص ٢٠٦): (فالمستقبل فيما نرى للشريعة الإسلامية، وسينتهي العالم إليها بعد أن كاد يضيع

стр. 677

الإيمان من النفوس، وبعد أن أدى ذلك إلى قيام أنظمة تستغل الإيمان استغلالًا وحشيًّا، سينتهي العالم إلى تلك المبادئ المطهرة للنفوس، النازعة منها الشرور والأنانية، والدافعة إياها للتضامن، موجهة للإنسانية بلا تفرقة بين الأجناس، سينتهي العالم إلى تلك المبادئ كأساس لتشريعاتهم) إلى أخر ما قال في الكتاب من أبحاث نيرة موفقة، تسمو عن أكثر ما يكتب الباحثون في هذا العصر، فاقرأه كله واستوعبه، فليس يغني بعضه عن بعض. وكنت أثناء قراءتي الكتاب أسأل كل من لقيت من إخواني وخاصة من المحامين الأهليين، عن مؤلفه، فلم يكن لواحد منهم حظ معرفته، حتى أرشدتني نقابة المحامين، إلى عنوانه، وأنه مقيم في دسوق، وأن اسمه مقيد في جدول المحامين سنة ١٩٣٨، فعرفت أنه شاب ناشئ، فكتبت له كتابًا يوم الإثنين ١٢ محرم سنة ١٣٦٢ (١٨ يناير سنة ١٩٤٣)، ذكرتُ له فيه رأي في كتابه، وإعجابي بآرائه وعلمه، وبفقهه في الإسلام، وإدراكه حقائقه، أكثر مما يدركها كثير من علمائه، وذكرت له أنه كتب في قضية نعمل في سبيلها منذ أكثر من عشرين سنة، حتى لقد كدنا أن نضعف، ودعوته أن يضع يده في يدنا، وأن يكون قائدنا في جهادنا، يبث فينا من عزيمته القوية الفتية، ويرشدنا بما وفقه الله إليه من علم ونور، ثم كانت فترة علمت بعد أنه كان فيه مسافرًا، ثم جاءني جوابه المؤرخ ٢٩ محرم سنة ١٣٩٢ (٥ فبراير ١٩٤٣) فكان جوابًا أقوى روحًا ونفسًا من الكتاب، ثم تواترت

стр. 678

بيننا الكتب، حتى أذن الله باللقاء، فزارني عصر الخميس ١٧ ربيع الثاني (٢٢ أبريل)، ولم أكن بالمنزل، ثم جاء في اليوم التالي ضحوة الجمعة، فكان فوق ما ظننتُ، وكان أكثر مما أملت، وإن أفخر بشيء فإني أفخر بصدق فراستى في هذا الشاب الناشئ النابغة، عن غير خبر ولا معرفة إلَّا من قراءة كتابه، حفظه الله ووفقه وسدد خطواته. وقد عرفته بعد ذلك إلى رئيسنا الأخ الشيخ محمد حامد، وإلى الإخوان، فكان إعجابهم به مثل إعجابي أو أكثر، واتصلت بيننا أسباب المودة المبنية على العلم والنور والإخلاص والحمد لله رب العالمين. وسأجتهد في نشر كتبه الخاصة التي كتبها؛ لما فيها من علم جم، وآراء عظيمة النفع، وقوة روح تبعث في النفوس الحزم والعزم، إن شاء الله. وقد دعوناه ليحاضر جماعتنا (جماعة أنصار السنة المحمدية) فأجاب الدعوة وألقى المحاضرة التي جعلت هذه الكلمة تقدمة بين يديها، وها هي ذه.

стр. 679

مناسبات ١ - استقبال شهر رمضان ٢ - تحية المؤتمر العربي في قضية فلسطين ٣ - بمناسبة الإشراف على مجلة الهدي النبوي ٤ - لا علاج لأدواء المسلمين إلا أن يكونوا مسلمين ٥ - في الإسراء والمعراج

стр. 680

استقبال شهر رمضان (*) (١) أيها السادة: لقد أظلكم شهر رمضان، شهر الصيام، شهر العبادة، شهر سمو الروح ونقائها، ويوشك أن تصبحوا غدًا صائمين، أَوْ لا فبعد غد، فهل أعددتم العدة لاستقباله، فحاسبتم أنفسكم على ما أسلفتم من خير تحمدون الله عليه، وتسألونه التوفيق إلى المزيد منه، أو شرٍّ تأسفون عليه وتتوبون وتستغفرون الله منه، وتسألونه أن يحفظكم من العودة إليه. هكذا يستقبل شهر رمضان، وأخشى أن يفهم كثير من الناس أن رمضان يستقبل بالاحتفالات الرسمية، والاستعداد للتأنق في المأكل والمشرب، والاستكثار من ألوان الطعام والشراب، والاستعداد لأصناف من اللهو واللعب في السهرات، ثم لا يفكرون فيما وراء ذلك! ! أيها الناس: إن الله شرع لكم الصيام تطهيرًا لأرواحكم، وحفظًا

стр. 681

لها من طغيان الجسد وشهواته، ولم يشرعه لتقاسوا آلام الجوع والعطش فقط؛ ولذلك يقول رسول الله ﷺ : "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والْعَمَلَ بِهِ، فليس للَّهِ حاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعامَهُ وشَرابَهُ". شرع الله لنا صيام نهار رمضان، وقيام ليله، فجعله شهر عبادة، بذكر الله وقراءة القرآن، والإكثار من الصلاة، وخاصة صلاة الليل، وجعل ثوابه أعظم الثواب، وفي الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ : "كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدمَ يُضاعَفُ، الحسنةُ بَعَشْرِ أمثالِها إلى سبعمائة ضِعْفٍ، قال الله تعالى: إلَّا الصَّوْمَ، فإنَّه لِي وأنا أجزي به، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي: للصائمِ فرحتان: فَرْحَةٌ عِندَ فِطْرِهِ، وفَرْحَةٌ عِندَ لقاءِ رَبِّه، ولَخلوفِ فَمِ الصَّائمِ عِنْدَ اللَّهِ أطيبُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ". أيها السادة إني أرى في كثير مِمّا اتخذنا مِنَ العاداتِ في الصَّوْمِ ما يُنافِي حقيقته، بَلْ ما يُحْبِطُ الأجرَ عليه، بل ما يزيد الإنسان به إثمًا، فَهِمنا أن معنى قيام الليل، سهر الليل، فصرنا نسهر في القهوات والنوادي، لا نفكر إلّا في اللهو واللعب إلى ساعة متأخرة من الليل، ثم نأكل ما شاء الله أن نأكل، ثم نصبح مرهقين متعبين، وقد ضاقت صدورنا، واضطربت أعصابنا، وساءت أخلاقنا، فلا يكاد اثنان يتحدثان، حتى ينفجر الغضب وتثور الثائرة، وتتدفق الألفاظ النابية، إلى ما ترون من حالٍ كلكم تعرفونها، وقد تتعذرون لصاحبها بأنه صائم. ولا أستثني من ذلك أحدًا إلّا من عَصَم اللهُ.

стр. 682

فانظروا وتفكروا، وقارنوا هذه الحال الشاذة الشائعة في الصوم بقول رسول الله ﷺ : "فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو قاتله، فليقل: إني صائمٌ إني صائمٌ". وذلك أن الصائم ينبغي أن يكون هادئ النفس، رضيَّ الخلق يضع نُصْبَ عينيه أن الصيام جُنَّة له من الإثم، جنة له من سوء الخلق، جنة له من المعاصي، جنة له من فحش القول، جنة له من قول الزور والعمل به. والذي ينبغي لكم في هذا الشهر المبارك - إن سمعتم لنصحي - أن تتبعوا شرائعكم في الصيام؛ فتقتصدوا في الطعام والشراب عند الفطور وعند السحور، وأن تجعلوا سهركم إن سهرتم في قراءة القرآن وتدبره، ومن استطاع منكم أن يقوم الليل فليفعل؛ وذلك أن يصلي في بيته أو مسجده ما شاء الله له أن يصلي، وهذه هي صلاة التراويح التي غيرت عن أصلها، فصار المصلون ينقرونها سِراعًا في وقت قصير بعد صلاة العشاء، صلاة لا تنفع ولا تقبل، وإنما الصلاة ما كانت في خشوع وطمأنينة، وكلما أخرها المصلي إلى ما بعد الثلث الأول من الليل كان أفضل، ثم ينام أحدكم ما شاء الله له أن ينام، ثم يقوم قبل الفجر فيطعم طعامًا خفيفًا للسحور، ثم يصلي الفجر، وإن شاء نام بعد ذلك، وإن شاء تصرف في شأنه وعمله. أما الذين يأكلون عند انقضاء سهرتهم ثم ينامون إلى ما بعد طلوع الشمس، فإنهم يخالفون سنة الإسلام في السحور، وأخشى أن يذهب تركهم صلاة الفجر بثواب صيامهم، فلا هم صاموا ولا هم أفطروا،

стр. 683

وليس لله حاجة في أن يدعوا طعامهم وشرابهم؛ إذ لم يطيعوا أمره، ولم يأخذوا بسنة نبيه، وإذ أضاعوا صلاة الفجر عن وقتها عمدًا. أيها السادة: إن الأمم تُصهر الآن في النيران عقابًا لها على ما كفرتْ بأَنْعُم اللهِ، ولعل اللهَ قد صان بلادَ الإسلامِ من كثيرٍ مما يُلاقي غيرها، لحكمةٍ يَعْلَمُها، ومأثرة يدخرها لهم؛ أن يعود للإسلام مجده، وأن يعود المسلمون حكام الدنيا كما كانوا، ولكن هذا إذا كانوا مسلمين، وإذا تمسكوا بدينهم وأقاموا شريعته، واهتدَوْا بهديه والنذُرُ من بين أيديكم ومن خلفكم فاعتبروا واخْشَوْا رَبَّكم، فقد نرى من تهافتِ المسلمين على المنكرات ما نخشى أن يُعَمِّمَ اللهُ بالعقابِ من أجلِه، وها أنتم أولاء تَرَوْنَ المُجاهِرين بالمعاصي لا يخافون الله ولا يستحيون من الناس ولا يخشون عاقبة ما يصنعون. وقد كان مما نرى من مُجاهرتهم ربهم بالحرب أن يجاهروا بالإفطار في رمضان في الطرقات والأماكن العامة، وفي دواوين الحكومة، ويزعمون أنهم يحتمون بما يدعونه الحرية الشخصية، وما هكذا كانت الحرية وما هكذا تكون الأمم في تمسكها بمقوماتها وعاداتها وشعائرها الدينية، وكان هذا العمل يؤذي المسلمين الصادقين في شعورهم ويحرج صدورهم، وقد وفق الله الرجل الصالح: الزعيم الجليل صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس، فأصدر بالأمس القريب كتابًا عظيمًا في هذا الشأن، حفظ على المسلمين كرامتهم وصان لهم شعورهم، ورفع الحرج عن قلوبهم،

стр. 684

فأمر أن لا يُجاهِرَ مُفطرٌ بفطرِه، مُسلمًا كان أو غير مسلم، احترامًا لحق الأمة في الاستمساك بشعائرها وتقاليدها، فكان عمله عمل رجل يعرف ما يريد، ويعرف كيف يضع الأمور مواضعها، مستعينًا بربه متوكلًا عليه. إن الله قد مَنَّ علينا في هذه السنين الشداد بمليكنا الفاروق الملك الحازم النقي، نعم القدوة هو لشباب أمته وكهولها وشيوخها، مُلِئَ قلبُه إيمانًا وحكمة، يقود أمته إلى المجد بخطوات سراع، مهتديًا بهدي الإسلام، متمسكًا بعروته الوثقى. وإنا لنرجو بيُمْنِ طَلْعَتِه أن يكون المستقبل لنا إن شاء الله. * * *

стр. 685

تحية المؤتمر العربي في قضية فلسطين (*) (١) يا حماة الحمى، وقادة الإسلام وزعماء المسلمين. لو كنتُ شاعرًا لنَظَمْتُ في تحية ضيوفنا العظماء الكرام قلائد الدرر، ولو كنتُ خطيبًا لنثرتُ بين أيديهم بدائعَ الزُّهورِ، واعترافي بعجزي أبلغ الأعذار. وإنما مثلت أمامكم أداء لغرض، وقيامًا بواجب، وكم كنت أتمنى أن يقوم في مقامي هذا والدي الأستاذ الشيخ محمد شاكر وكيل الأزهر سابقًا، وما حبسه عن ذلك إلا المرض، فقد ألزمه الفراش منذ بضع سنين، ولولا هذا لسمعتم صوته يجلجل في أنحاء العالم الإسلامي، انتصارًا للمظلومين، ودفاعًا عن فلسطين. وإني أتشرف أن أرحب بنواب الأمم الإسلامية وممثليها باسمه واسم إخوانه الذين جاهدوا معه في الصفوف الأولى لهذه النهضة. وما يكون لي أن أتحدث إليكم في السياسة وأنتم هداتها وأساطينها، ولو بدا لي هذا لأقعدني الخجل والعجز، ولكني أتحدث إليكم بكلمة موجزة في شأن قضية المسلمين من الواجهة العلمية الدينية.

стр. 686

لقد ألقى الإنكليز الحديد والنار على فلسطين، حماية لقضية خاسرة، وانتصارًا لأمة لا تقوم لها قائمة، ولن تكون لها دولة. كُلُّكُم مسلم أو عربي، والمسلم يؤمن بالله وبرسوله وبالقرآن الذي نزل على رسوله، والمَسيحِيُّ العربي يصدق بنبوة محمد، ويعرف أن البشائر التي في القرآن بشائر صدق، وأن آياته كلها حق. والله تعالى يقول في شأن هؤلاء اليهود: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾. آل عمران: ١١٢. ويقول في شأنهم: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤]. ثم الله يحكم عليهم حكمًا أبديًّا ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٧، ١٦٨]. أيها السادة: هذه صواعق من الله تنصبّ على رؤوس أعدائكم، وعلى رؤوس حملتهم، هذا وعد الله لكم بنصركم عليهم، والله منجز وعده، وحسب أعدائكم عهد بلفور، وهو وقومه واليهود أعجز من أن يفوا بعهده، بل هم أعجز من أن يخلفوه؛ لأن الله هو الذي يتولى إخلافه بأيديكم وأيدي أعدائكم. ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [سورة محمد ٣٥].

стр. 687

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ [آل عمران: ١٣٩]. أيها السادة قد أكون أصغر سنًّا من أكثركم، وأظنني أقلكم جميعًا علمًا ومعرفة، ولكني أطمع في تواضعكم إذا قمت في حضرتكم بواجب النصيحة للمسلمين ليكون ذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين. إنكم تمثلون أمة الإسلام، أمة واحدة عربية، لا تفرق بينها فوارق الجنسية، فالأعجمي المسلم عربي الدين واللسان، والعربي عربي مسلمًا كان أو مسيحيًّا وسِمة هذه الأمة عند الله العزة ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾. [سورة المنافقون ٨]، إنكم تناوؤون أمة قد ضربها الله بالذل والصغار، وضمن لكم النصر عليهم وإن استنصروا بسائر أمم الأرض: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ فلا تعطوهم من أنفسكم ما لا مطمع لهم فيه وإن بلغوا أسباب السماء. إن هؤلاء الأذلاء كتب الله عليهم الجلاء، فقد أجلاهم النبي ﷺ عن المدينة وأرباضها، ثم جلاهم الفاروق من الحجاز، ثم سكت عنهم المسلمون، بل حموهم حين رأوهم مضطهدين مستضعفين، فلما عادوا سيرتهم من البغي والعدوان، أعادهم الله سيرتهم من الجلاء، فجلاهم الألمان والطليان عن بلادهم، وستكون عاقبة أمرهم - إن شاء الله - أن يجليهم المسلمون عن كل بلاد الإسلام. إن أوربة لم تتمكن من دول الإسلام في فترة ضعفهم إلا حين أرهبتهم بغول التعصب، حتى صار كل مسلم يتخاذل عن دينه وعن

стр. 688

شريعته، خشية أن يُتهم بالتعصب، ثم ألقت بينهم بدعة القوميات، لتفتنهم عن وَحْدَتهم وقُوَّتِهم. وإني ليُلقى في رَوْعي أن سيكون مؤتمركم هذا فاتحة لعشرات من أمثاله، تبنون فيهما حصن الإسلام، وتذودون عن حوضه، حتى تعود هذه الأمة أمة واحدة، كما أمرها الله ولا تخافوا تهمة التعصب التي يريدون أن يصلوا من ورائها إلى ما يسمونه (حقوق الأقليات) فما كان المسلمون يومًا معتدين ولا ظالمين، وإن كلمة (حقوق الأقليات) لها ما بعدها، من تغلغل النفوذ الأجنبي في كل شأن من شؤون المسلمين. ولقد قال الزعيم الخطير، صاحب المعالي محمد على علوية باشا، بالأمس بالمؤتمر كلمة خالدة أرجو أن تكون على ذكر منا دائما. قال: (وليعلم اليهود أنهم إذا فرحوا اليوم بظفر يستند إلى حراب غيرهم فإنهم سيندمون لا محالة يوم تغيب هذه الحراب عنهم، وأحداث الدهر كثيرة، والفرص آتية لا ريب فيها، ومن أنذر فقد أعذر). وإني أعتقد أن هذه الكلمة مما يلهم الله بعض عباده؛ فهي عبرة لمن شاء أن يعتبر، وهي نذير لمن أراد أن يتدبر النذر. وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 689

بمناسبة الإشراف على مجلة (الهدي النبوي) (*) الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد عبده ورسوله، سيدنا وسيد الخلق أجمعين، أرسله الله رحمة للعالمين، وهدى وذكرى لقوم يعقلون. وهذه هي السنة الخامسة عشر لمجلة (الهَدْي النبوي) وهي تسير على هُدًى، موفقة إلى الخير بعون الله، داعيةً إلى الحق، إلى كتاب الله وسنة رسوله، متبعةً مذهب السلف الصالح ﵃ لا تَفَرَّقُ بها السُّبُل عن سبيل الله. وقد رأى إخواني أعضاء مجلس الإدارة لجماعة أنصار السنة، ومعهم أخي ورفيقي زميل العمر في الدعوة الحقة، الأستاذ الشيخ محمد حامد الفقي رئيس الجماعة ورئيس تحرير المجلة أن يعهدوا إليّ بالإشراف على تحريرها وإصدارها، تفضلًا منهم، ليكون لي شرف الاشتراك العملي معهم فيما هم بسبيله. ولقد ترددتُ أولًا، خشية أن لا أكون أهلًا لهذا الشرف الذي يُضْفُونه عليّ، ثم قبلتُ متوكلًا على الله مستعينًا به، آملًا أن أكون عند حسن ظنهم.

стр. 690

ثم اتفقنا على استحداث أبواب جديدة في المجلة، تكون ثابتة في كل عدد ما استطعنا ليعُمَّ النفعُ بها، ويزداد الإقبال عليها والرغبة فيها. وهي - كما نشر في العدد الخاتم للسنة الرابعة عشرة، عدد ذي الحجة سنة ١٣٦٩ هـ -: ١ - (باب الكتب للتعريف بنفائس الكتب وجليل الآثار، مما ذخرت به المكتبة الإسلامية في عصورها، منذ بدء الإسلام إلى الآن، مخطوطة كانت أم مطبوعة، ترغيبًا للقراء في الغذاء الروحي الذي لا قوام للعقول بغيره. ولنقد الكتب التي تخرجها المطبعة العربية في أنحاء العالم، في أنواع العلوم من مؤلف قديم أو حديث. ٢ - (باب التاريخ) لنشر تراجم لعظماء المسلمين وأبطالهم وقادتهم قديمًا وحديثًا. ٣ - (باب علوم الحديث) وهو باب فَنِّيٌّ صرف؛ لنشر أبحاث علمية دقيقة في علوم الحديث، مما يتعلق بالسنة وبالمتن، ومما يتعلق بفقه الحديث والتمسك به، ويكون مجالًا لأقلام المحدِّثين في أنحاء العالم. ٤ - (باب "كلمة الحق") خاصًّا بي، أقول (كلمة الحق) في شؤون المسلمين كلها، ما وجدت لقولها سبيلًا. وأملي كبيرٌ في إخواني من أهل العلم والمعرفة، ومن أنصار السُّنَّة ومن الباحثين المدققين المتعمقين، ومن أحرار الرأي والفكر،

стр. 691

أن يستجيبوا لدعوة اللجنة العليا للمجلة فيغذّوها بمقالاتهم وأبحاثهم النفيسة، في هذه الأبواب وغيرها، مما يتصل بالأدب وبالخلق وبالاجتماع، وبالدعوة إلي الحق وإلى الخير، وفي شؤون المسلمين كلها، تعاونًا على البر والتقوى، ودعوة إلى الله وفي سبيل الله. وسأرحب إن شاء الله بكل ما يرد للمجلة من نقد أو توجيه، أدرسه مع إخواني دراسة صحيحة بإخلاص، ثم نأخذ بالنافع منه أيًّا كان قائله، اتباعًا للحق حيث كان. وأسأل الله الهدى والسداد، والحكمة والتوفيق.

стр. 692

لا علاج لأدواء المسلمين إلا أن يكونوا مسلمين (*) (١) أول ما يجب أن نبدأ به، ونحن نستبشر بعام جديد: أن نرفع تحياتنا وتهانينا إلى سيد مضر وموضع فخرها، وإمام المسلمين وقائد نهضتهم، حضرة صاحب الجلالة فاروق الأول، أعز الله الإسلام بتأييده، وهو الذي توسمنا في طلعته الكريمة أن سيبعث الله هذه الأمة الإسلامية على يديه المباركتين بعثًا جديدًا، وأن سيجعل الله لها شأنًا، وأن سيهب لها بيمين نقيبته من بعد ضعف قوة، ومن بعد استكانة عزًّا ومجدًا. وهو الملك الحازم الموفق إن شاء الله. أيها السادة: إنا نستقبل عامًا جديدًا، ونستقبل عهدًا جديدًا، في مُلك مَلِكٍ رشيدٍ، وهذا أول عام يحتفل فيه برأس السنة الهجرية من أعوام ملكه السعيد، إن شاء الله. ومن محاسن المناسبات أن يكون إمامنا "الفاروق" سَمِيَّ أمير المؤمنين "الفاروق"، وقد سماه بذلك رسول الله ﷺ ؛ لأنه فرق الله

стр. 693

به بين الحق والباطل، وأن يكون الفاروق عمر أول من أرخ التاريخ الإسلامي من الهجرة النبوية، وأنه اختار التاريخ منها؛ لأنها فرقت بين الحق والباطل، فكان هذا أمارة لنا، وبشرى تطمئن بها قلوبنا، وتنشرح لها صدورنا، أن وفق الله للمسلمين هذا الفاروق خلفًا للفاروق، يفرق الله به فى عصرنا الحاضر بين الحق والباطل، ويعز به الإسلام كما أعزه بعمر ﵁. أيها السادة: إن أبرز الحوادث وأبعدها أثرًا في تاريخ الإسلام حادثان خطيران، بنى عليهما كل ما قام للإسلام من مجد ودولة: أولهما: هجرة رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، وثانيهما: غزوة بدر الكبرى. الهجرة استنقذت الإسلام من مخالب الكفر، وغزوة بدر بدء الصراع وفاتحة الفتوح بل هي صرعة الضعيف المسكين، للقوي المستطيل. وأقوى الحادثين وأخطرهما في الإسلام: الهجرة؛ إذ صبر المسلمون على ما كانوا عليه فيه من بلاء، واحتملوا ما افتن فيه أعداؤهم من ألوان الأذى والمكروه، حتى أمرهم الله بالهجرة إلى المدينة، ثم أمر رسوله بذلك، فكان بدء الاستقلال للدولة الإسلامية الناشئة، وكانت الهجرة أمرًا عظيمًا، لعلنا لا ندرك الآن ما فيها من شدة وعناء، فإن الله قد حرم على المهاجرين أن ينقضوا هجرتهم، فلا يرجع واحد منهم إلى بلده (مكة) إلا لحج أو عمرة أو نحو ذلك،

стр. 694

ولم يجز لهم أن يعودوا إلى الإقامة فيها؛ ولذلك لما مرض سيدنا سعد بن أبي وقاص بمكة في حجة الوداع بكي وقال لرسول الله ﷺ : (قد خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها كما مات سعد بن خولة). فدعا له الرسول بالشفاء وقال: "اللهم امض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة". قال ابن أبي وقاص: (يرثي له رسول الله ﷺ أن توفي بمكة). فكان المهاجرون يحجون ويعتمرون، دخلوا مكة فاتحين، وكانوا يدخلونها زائرين، ولم يكن لأحد منهم أن يقيم فيها إلا على قدر حاجته، وهو يرى بلده الذي ولد فيه ونشأ، ويرى أهله وإخوانه، وتتوق نفسه إلى ذكريات صباه، ثم هو يغالب هواه ويطيع أمر ربه فيعود إلى دار هجرته قد باع نفسه وماله إلى الله، وخرج عن كل شيء في الدنيا، إلا أن تكون كلمة الله هي العليا، ولذلك ما قال رسول الله ﷺ للأعرابي الذي سأله عن الهجرة: "ويحك إن الهجرة شأنها شديد". وقال: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا". وقال لمن أراد أن يبايعه على الهجرة: "إن الهجرة قد مضت لأهلها". إن هؤلاء السادة المهاجرين لم يهاجروا ليكونوا رهبانًا في أديار، لا مقصد لهم إلا الصلاة والصيام، وقد كان ذلك ميسورًا لهم في بلدهم وبين قومهم، وإنما هاجروا ليقيموا دولة الإسلام، وليكونوا حكام الأرض وسادة الدنيا، ثقة بما وعدهم ربهم على لسان نبيهم،

стр. 695

من غير أن يكون لواحد منهم مطمع خاص في شيء من محقرات هذه الحياة، ولكن سعيًا وراء الوحدة الإسلامية، التي لا قيام للدول إلا بها: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾ [الأنبياء: ٩٢] ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢)﴾ [المؤمنون: ٥٢]. وقد كانوا بضع مئين، ثم قواهم الله بإخوانهم الذين آووهم ونصروهم من أهل المدينة، فوضعوا الأساس الثابت لاستقلال الدولة الإسلامية: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٨، ٩]. أيها المسلمون: إن الصحابة الذين مات عنهم رسول الله ﷺ كانوا مائة ألف أو يزيدون قليلًا، وهم الذين نشروا الإسلام في أنحاء الأرض، وهم الذين أنشأوا هذا الملك العريض، والمسلمون الآن يعدون أكثر من أربعمائة مليون، أي؛ أن الواحد من الأولين خلفه أكثر من أربعة آلاف من المسلمين الحاليين، فهل فيهم من غناء للإسلام؟ هل حفظوا ما بأيديهم مما ترك لهم هؤلاء الأبطال من مجد وسلطان؟ إني لأخشى - والله - أن يكون قد تحقق في المسلمين قول

стр. 696

رسول الله ﷺ : "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها". فقال قائل: أَوَ مِنْ قِلَّةٍ نحن يومئذ؟ قال: "بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن". فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: "حب الدنيا وكراهية الموت". ليس بالمسلمين علة إلا ترك الاستمساك بدينهم، والعنود عن الخضوع له، والإعراض عن العمل بما أنزل الله في كتابه، وبما بَيَّن عنه رسوله في سنته، سواء أكان ذلك في العبادات، أم في المعاملات، أم في الأخلاق والآداب، كله من شرع الله، وكله من دين الإسلام فمن أعرض عن بعضه فقد أعرض عن جميعه، والإسلام دين حكم وسلطان، كما هو دين خلق وفضائل، وكما هو دين عبادة وترقية للروح، لا يفرق بين شيء من ذلك فيه؛ ولذلك قال أبو بكر الخليفة الأول: لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة. وسَمَّى هو والصحابة مانعيها مرتدين. لا علاج لأدواء المسلمين إلا أن يكونوا مسلمين: يعودون إلى العمل بدين الله الذي ارتضى لهم، ويتمسكون بدين الله وسنة نبيه في شأنهم كله؛ كبيره وصغيره، لا يعرضون عنه عنادًا، ولا يتركونه تَأَوُّلًا، ويدعون أهواءهم، ونزوات رؤوسهم، ويخضعون لأمر ربهم ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠)﴾ [الشورى: ١٠].

стр. 697

إن إثم التقصير في الدعوة إلى العمل بالدين في كل شأن من شؤون المسلمين إثم كبير، كل مسلم مسؤول عن ذلك بين يدي الله ليس لمسلم عذر عند الله في الإعراض عن الدعوة إلى طاعة الله ورسوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٤، ١٠٥]. وكونوا كمن وصفهم الله بأنهم ﴿يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩]. اسمعوا قول رسول الله ﷺ : "لا يحقرَن أحدكم نفسه". قالوا: يا رسول الله كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: "يرى أمرًا لله عليه فيه مقال، ثم لا يقول فيه، فيقول الله له يوم القيامة: "ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ " فيقول: خشية الناس. فيقول: "فإياي كنتَ أحق أن تخشى". رواه ابن ماجه. وإن الرسول ﷺ يقول أيضًا: "ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده؛ فإنه لا يقرب من أجل، ولا يباعد من رزق أن يقول بحق أو يذكر بعظيم". أخرجه أحمد. ويقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب: ٣٦].

стр. 698

ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٥٨ - ٦٥]. ويقول أيضًا ﵎: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى

стр. 699

اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٨ - ٥٠]. إن إيفاء القول في هذا الموضوع الخطير لا يسعه عشرات من المحاضرات والخطب، ولكن أشرت إشارة موجزة، وأرجو أن يحذر المسلمون سنة الله في خلقه فيما وعظهم به من أخبار الأمم السابقة، فإن أمة من الأمم قبلهم خالفت بعض أمر ربهم فكان جزاؤها ما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧)﴾ [الأعراف: ١٦٧]. إن الله تعالى يقول لأصحاب محمد ﷺ يحذرهم مخالفة أمره، وقد كانوا مقيمي أحكام دينه، وهم خيرته من خلقه، وهم الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، ولستم أكرم عليه منهم، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه. يقول الله لهم: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾ [محمد: ٣٨].

стр. 700

في الإسراء والمعراج (*) (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١]. أيها السادة: يجتمع حفلنا هذا المبارك الليلة إشادة بذكرى آية من أعظم آيات النبوة، اختص الله بها عبده محمدًا ﷺ من دون سائر الأنبياء ﵈، وأمره أن يصلي بهم في بيت المقدس، موطن النبوات الأولى، وأمرهم أن يقتدوا به، تشريفًا لقدره وتعظيمًا؛ ولذلك كان يقول ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ؛ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي". وإشارة إلى عموم بعثته، كما قال الله - تعالى - في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [سبأ: ٢٨]. وتعليمًا لأممهم وأتباعهم أن يؤمنوا به

стр. 701

ويصدقوه ويقتدوا به كما اقتدى أئمتهم الأنبياء، ودخلت إمامتهم في إمامته إلى يوم القيامة، فهو إمام الأئمة، وهو الإمام الأعظم، فمن آمن به من أتباع الأنبياء فقد آمن بهم، ومن لم يؤمن به فلم يؤمن بواحد منهم، ومصداق ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [آل عمران: ٨١]. وقوله ﷺ حين جاءه عمر بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه عليه: "والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني". أيها السادة: إن الإسراء والمعراج حادثان من أبرز الحوادث في السيرة المحمدية الشريفة، وقد دُعيت لأن أتحدث إليكم في شأنهما، وما أراني أهلًا لهذا المقام الخطير، ولكني على ثقة من إغضائكم عن قصوري وتقصيري عفوًا منكم وفضلًا. والكلام في شأنهما يدور على أنحاء شتى من القول، أوقن أني عاجز عن الإحاطة بها واستيعابها، وحسبي أن أقصر قولي على النحو الذي أرجو أن يكون لي به علم، والذي أظن أنه لي به علم شيء من الاختصاص، وهو البحث في إثباتهما من الوجهة التاريخية، وأعني بذلك الوجهة الحديثية؛ إذ إن نسبة أي قول أو فعل إلى النبي ﷺ مما يدخل على المحدث، وهو الذي يرجع إليه في إثباته أو نفيه، بعد

стр. 702

تحديد موضوعات العلوم وخصوص كل صنف من العلماء بما أحسنوه من العلم. والقواعد التي سار عليها علماء هذا الفن - فن الحديث - هي أصح القواعد للإثبات التاريخي وأعلاها وأدقها، وإن أعرض عنها كثير من الناس وتحاموها بغير علم ولا بينة، بل إنا لنجد بعض الباحثين يعرضون لإثبات الأحاديث ونفيها بآرائهم وأهوائهم، فمهما رأوا من شيء نسب إلى النبي ﷺ وكان موافقًا لرأي ينصرونه فهو الحديث الصحيح عندهم، وإن كان مكذوبًا موضوعًا، ومهما رأوا من حديث صحيح ثابت وكان مخالفًا لما تنصره أهواؤهم فهو الحديث الضعيف أو المكذوب، وإن كان إسناده من أقوى الأسانيد وأصحها وأثبتها عند العارفين بها، ولعلهم لم يقرؤوا طول حياتهم إسنادًا صحيحًا أو ضعيفًا، ولم يعلموا قليلًا ولا كثيرًا مما بذله علماء الحديث من الجهد في التحري والتوثق والتتبع لأحوال الرواية وألفاظ الأحاديث ومعانيها، وما ألفوا في ذلك من الدواوين الكبار والمعاجم الموسوعة من منتصف القرن الثاني للهجرة إلى أوائل القرن العاشر. أيها السادة: قد عني المسلمون بحفظ أسانيد شريعتهم من الكتاب والسنة بما لم تعنَ به أمة قبلهم؛ فحفظوا القرآن ورووه عن رسول الله ﷺ متواترًا، آية آية، كلمة كلمة، وحرفًا حرفًا، حفظًا في الصدور، وإثباتًا بالكتابة في المصاحف، حتى رووا أوجه نطقه بلهجات

стр. 703

القبائل، ورووا طرق رسمه في الصحف، وألفوا في ذلك كتبًا؛ لو حدثتكم عن شيء منها لأخذكم العجب، ولعل بعضكم يكون أعلم بها مني، وحفظ المسلمون أيضًا عن نبيهم كل أقواله وأفعاله وأحواله، وهو المبلغ عن ربه والمبين لشرعه والمأمور بإقامة دينه، وكل أقواله وأفعاله بيان للقرآن. وهو الرسول المعصوم والأسوة الحسنة، اسمعوا قوله - تعالى - في صفته: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣ - ٤]، وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. [النحل: ٤٤]، وقوله أيضًا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقد كان عبد الله بن عمرو بن العاص يكتب كل شيء يسمعه من رسول الله ﷺ فنهته قريش، فذكر ذلك للرسول، فقال: "اكتب، فوالذي نفسي بيده، ما خرج مني إلّا حق". ففهم المسلمون من كل هذا أنه يجب عليهم أن يحفظوا عن رسولهم كل شيء، وقد فعلوا وأدوا الأمانة على وجهها، ورووا الأحاديث عنه، وبعضها متواتر: إما لفظًا ومعنى، وإما معنى فقط، وبعضها مشهور، وبعضها بالأسانيد الصحيحة الثابتة، مما يسمى على قواعد المصطلح: الحديث الصحيح والحديث الحسن، ولم يحتجوا في دينهم بغير هذه الأنواع التي لا يعارض فيها إلا جاحد أو مكابر. وقد بين الإمام الحافظ أبو محمد بن حزم هذه الأنواع في كتاب

стр. 704

المِلَل والنِّحَل، وقال عن النوع الأخير - المسمى عند علماء المصطلح بالآحاد -: إنه هو ما رواه الثقة عن الثقة كذلك حتى يبلغ إلى النبي ﷺ ، يخبر كل واحد منهم باسم الذي أخبره ونسبه، وكلهم معروف الحال والعين والعدالة والزمان والمكان، على أن أكثر ما جاء هذا المجيء فإنه منقول نقل الكوافّ، إما إلى رسول الله ﷺ من طرق جماعة من الصحابة ﵃ وإما إلى الصاحب، وإما إلى التابع، وإما إلى إمام أخذ عن التابع، يعرف ذلك من كان من أهل المعرفة بهذا الشأن، والحمد لله رب العالمين. وهذا نقل خص الله - تعالى - به المسلمين دون سائر أهل الملل كلها، وأبقاه عندهم غضًّا جديدًا حديثًا على قديم الدهور منذ أربعمائة وخمسين عامًا، في المشرق والمغرب والجنوب والشمال، يرحل في طلبه من لا يحصي عددهم إلا خالقهم إلى الآفاق البعيدة، ويواظب على تقييده، قد تولى الله - تعالى - حفظه عليهم والحمد لله رب العالمين، فلا تفوتهم زلة في كلمة فما فوقها في شيء من النقل إن وقعت لأحدهم، ولا يمكن فاسقًا أن يقحم فيه كلمة موضوعة، ولله تعالى الشكر. أيها السادة: هذه صورة مصغرة، بل لمحة خاطفة على المجهود الهائل الذي بذل سلفنا الصالح - رضوان الله عليهم - للمحافظة على آثار نبيهم ﷺ طاعة لما أمر به أصحابه في حجة الوداع: "أَلَا فَلْيُبْلِغِ الشَّاهِدُ

стр. 705

الغائبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِن سامِعٍ". أفيجوز بعد ذلك لكل من ركب رأسه، وأعجبه عقله، ورضي عن نفسه، أن يقول هذا حديث صحيح وهذا حديث غير صحيح؟ ! أولا يعلم أنه حين يردُّ حديثًا صحيحًا - إما بنفي ثبوته وإما بتأويله عن غير وجهته - يرمي رجالًا من الثقات الأثبات والعلماء الحافظين، بأنهم كاذبون أو جاهلون، وهو لا يعرف شيئًا من أخبارهم ولا أحوالهم، وأنه يرميهم في دينهم وأمانتهم وصدقهم، وأنه حين يرضى عن حديث مفترى؛ فيزعم أنه صحيح ثابت، يشارك من افتراه في فريته، ويدخل تحت قوله ﷺ : "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين". أيها السادة: أرجو أن تعذروني إذا أطلت القول في ذلك؛ فإنه بسبيل مما نعرض من إثبات حديث الإسراء والمعراج، ولأن الجرآء من الناس استرسلوا في العبث بالسنة الشريفة عدوًا وبغيًا. فلم يكتفوا بتكذيب الرواة الثقات والأئمة الأثبات، بل زادوا عدوانًا وطغيانًا، اجترؤوا على تكذيب بعض أصحاب رسول الله ﵊ وهم رسله إلى من بعدهم، والأمناء على دينه وشريعته، وهم الذين أثنى الله عليهم في القرآن بما لم يثن على غيرهم من أصحاب الأنبياء، وهم السابقون المقربون، رضي الله عنهم ورضوا عنه.
следующие страницы →