Полный текст (928 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
ويصدقوه ويقتدوا به كما اقتدى أئمتهم الأنبياء، ودخلت إمامتهم في إمامته إلى يوم القيامة، فهو إمام الأئمة، وهو الإمام الأعظم، فمن آمن به من أتباع الأنبياء فقد آمن بهم، ومن لم يؤمن به فلم يؤمن بواحد منهم، ومصداق ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [آل عمران: ٨١]. وقوله ﷺ حين جاءه عمر بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه عليه: "والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني".
أيها السادة:
إن الإسراء والمعراج حادثان من أبرز الحوادث في السيرة المحمدية الشريفة، وقد دُعيت لأن أتحدث إليكم في شأنهما، وما أراني أهلًا لهذا المقام الخطير، ولكني على ثقة من إغضائكم عن قصوري وتقصيري عفوًا منكم وفضلًا.
والكلام في شأنهما يدور على أنحاء شتى من القول، أوقن أني عاجز عن الإحاطة بها واستيعابها، وحسبي أن أقصر قولي على النحو الذي أرجو أن يكون لي به علم، والذي أظن أنه لي به علم شيء من الاختصاص، وهو البحث في إثباتهما من الوجهة التاريخية، وأعني بذلك الوجهة الحديثية؛ إذ إن نسبة أي قول أو فعل إلى النبي ﷺ مما يدخل على المحدث، وهو الذي يرجع إليه في إثباته أو نفيه، بعد
стр. 702
تحديد موضوعات العلوم وخصوص كل صنف من العلماء بما أحسنوه من العلم.
والقواعد التي سار عليها علماء هذا الفن - فن الحديث - هي أصح القواعد للإثبات التاريخي وأعلاها وأدقها، وإن أعرض عنها كثير من الناس وتحاموها بغير علم ولا بينة، بل إنا لنجد بعض الباحثين يعرضون لإثبات الأحاديث ونفيها بآرائهم وأهوائهم، فمهما رأوا من شيء نسب إلى النبي ﷺ وكان موافقًا لرأي ينصرونه فهو الحديث الصحيح عندهم، وإن كان مكذوبًا موضوعًا، ومهما رأوا من حديث صحيح ثابت وكان مخالفًا لما تنصره أهواؤهم فهو الحديث الضعيف أو المكذوب، وإن كان إسناده من أقوى الأسانيد وأصحها وأثبتها عند العارفين بها، ولعلهم لم يقرؤوا طول حياتهم إسنادًا صحيحًا أو ضعيفًا، ولم يعلموا قليلًا ولا كثيرًا مما بذله علماء الحديث من الجهد في التحري والتوثق والتتبع لأحوال الرواية وألفاظ الأحاديث ومعانيها، وما ألفوا في ذلك من الدواوين الكبار والمعاجم الموسوعة من منتصف القرن الثاني للهجرة إلى أوائل القرن العاشر.
أيها السادة:
قد عني المسلمون بحفظ أسانيد شريعتهم من الكتاب والسنة بما لم تعنَ به أمة قبلهم؛ فحفظوا القرآن ورووه عن رسول الله ﷺ متواترًا، آية آية، كلمة كلمة، وحرفًا حرفًا، حفظًا في الصدور، وإثباتًا بالكتابة في المصاحف، حتى رووا أوجه نطقه بلهجات
стр. 703
القبائل، ورووا طرق رسمه في الصحف، وألفوا في ذلك كتبًا؛ لو حدثتكم عن شيء منها لأخذكم العجب، ولعل بعضكم يكون أعلم بها مني، وحفظ المسلمون أيضًا عن نبيهم كل أقواله وأفعاله وأحواله، وهو المبلغ عن ربه والمبين لشرعه والمأمور بإقامة دينه، وكل أقواله وأفعاله بيان للقرآن.
وهو الرسول المعصوم والأسوة الحسنة، اسمعوا قوله - تعالى - في صفته: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣ - ٤]، وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. [النحل: ٤٤]، وقوله أيضًا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقد كان عبد الله بن عمرو بن العاص يكتب كل شيء يسمعه من رسول الله ﷺ فنهته قريش، فذكر ذلك للرسول، فقال: "اكتب، فوالذي نفسي بيده، ما خرج مني إلّا حق". ففهم المسلمون من كل هذا أنه يجب عليهم أن يحفظوا عن رسولهم كل شيء، وقد فعلوا وأدوا الأمانة على وجهها، ورووا الأحاديث عنه، وبعضها متواتر: إما لفظًا ومعنى، وإما معنى فقط، وبعضها مشهور، وبعضها بالأسانيد الصحيحة الثابتة، مما يسمى على قواعد المصطلح: الحديث الصحيح والحديث الحسن، ولم يحتجوا في دينهم بغير هذه الأنواع التي لا يعارض فيها إلا جاحد أو مكابر.
وقد بين الإمام الحافظ أبو محمد بن حزم هذه الأنواع في كتاب
стр. 704
المِلَل والنِّحَل، وقال عن النوع الأخير - المسمى عند علماء المصطلح بالآحاد -: إنه هو ما رواه الثقة عن الثقة كذلك حتى يبلغ إلى النبي ﷺ ، يخبر كل واحد منهم باسم الذي أخبره ونسبه، وكلهم معروف الحال والعين والعدالة والزمان والمكان، على أن أكثر ما جاء هذا المجيء فإنه منقول نقل الكوافّ، إما إلى رسول الله ﷺ من طرق جماعة من الصحابة ﵃ وإما إلى الصاحب، وإما إلى التابع، وإما إلى إمام أخذ عن التابع، يعرف ذلك من كان من أهل المعرفة بهذا الشأن، والحمد لله رب العالمين.
وهذا نقل خص الله - تعالى - به المسلمين دون سائر أهل الملل كلها، وأبقاه عندهم غضًّا جديدًا حديثًا على قديم الدهور منذ أربعمائة وخمسين عامًا، في المشرق والمغرب والجنوب والشمال، يرحل في طلبه من لا يحصي عددهم إلا خالقهم إلى الآفاق البعيدة، ويواظب على تقييده، قد تولى الله - تعالى - حفظه عليهم والحمد لله رب العالمين، فلا تفوتهم زلة في كلمة فما فوقها في شيء من النقل إن وقعت لأحدهم، ولا يمكن فاسقًا أن يقحم فيه كلمة موضوعة، ولله تعالى الشكر.
أيها السادة:
هذه صورة مصغرة، بل لمحة خاطفة على المجهود الهائل الذي بذل سلفنا الصالح - رضوان الله عليهم - للمحافظة على آثار نبيهم ﷺ طاعة لما أمر به أصحابه في حجة الوداع: "أَلَا فَلْيُبْلِغِ الشَّاهِدُ
стр. 705
الغائبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِن سامِعٍ".
أفيجوز بعد ذلك لكل من ركب رأسه، وأعجبه عقله، ورضي عن نفسه، أن يقول هذا حديث صحيح وهذا حديث غير صحيح؟ ! أولا يعلم أنه حين يردُّ حديثًا صحيحًا - إما بنفي ثبوته وإما بتأويله عن غير وجهته - يرمي رجالًا من الثقات الأثبات والعلماء الحافظين، بأنهم كاذبون أو جاهلون، وهو لا يعرف شيئًا من أخبارهم ولا أحوالهم، وأنه يرميهم في دينهم وأمانتهم وصدقهم، وأنه حين يرضى عن حديث مفترى؛ فيزعم أنه صحيح ثابت، يشارك من افتراه في فريته، ويدخل تحت قوله ﷺ : "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين".
أيها السادة:
أرجو أن تعذروني إذا أطلت القول في ذلك؛ فإنه بسبيل مما نعرض من إثبات حديث الإسراء والمعراج، ولأن الجرآء من الناس استرسلوا في العبث بالسنة الشريفة عدوًا وبغيًا.
فلم يكتفوا بتكذيب الرواة الثقات والأئمة الأثبات، بل زادوا عدوانًا وطغيانًا، اجترؤوا على تكذيب بعض أصحاب رسول الله ﵊ وهم رسله إلى من بعدهم، والأمناء على دينه وشريعته، وهم الذين أثنى الله عليهم في القرآن بما لم يثن على غيرهم من أصحاب الأنبياء، وهم السابقون المقربون، رضي الله عنهم ورضوا عنه.
стр. 706
أيها السادة:
إن حديث الإسراء والمعراج من الأحاديث الثابتة الصحيحة، وقد جاء بروايات كثيرة متواترة، منها المطول ومنها المختصر، ألفاظه مختلفة، وكلها تدل في مجموعها على صحة هذه الحادثة وعلى ثبوتها التاريخي، مما يسميه العلماء (التواتر المعنوي) وقد ورد من حديث أنس بن مالك، ومن حديث غيره من الصحابة، ونقل الحافظ ابن كثير في تفسيره (٥/ ٢٤٣) عن الحافظ أبي الخطاب عمر ابن دِحْية أنه ذكره من حديث أنس، ثم قال: وقد تواترت الروايات في حديث الإسراء عن عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وأبي ذر ومالك بن صعصة وأبي هريرة وأبي سعية وابن عباس وشداد بن أوس وأبيّ بن كعب وعبد الرحمن بن قرط وأبي حية وأبي ليلى الأنصاريين وعبد الله بن عمرو وجابر وحذيفة وبريدة وأبي أيوب وأبي أمامة، وسمرة بن جندب وأبي الحمراء وصهيب الرومي وأم هانئ وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق، ﵃ أجمعين، منهم من ساقه بطوله، ومنهم من اختصره على ما وقع في المسانيد.
وإن لم تكن رواية بعضهم على شرط الصحة، فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون وأعرض عنه الزنادقة والملحدون: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢)﴾ [التوبة: ٣٢]. فهؤلاء ستة وعشرون صحابيًّا رووا حديث الإسراء، وقد جمع الحافظ ابن كثير أكثر رواياتهم بأسانيدها
стр. 707
في تفسيره (ج ٥، ص ١٩٧ - ٢٤٣) على معرفة مواطنها من كتب الحديث الصحاح الستة وغيرها، وسأحدثكم ببعض الروايات الصحيحة فيها:
روينا بالإسناد الصحيح المتصل عن إمام المحدثين أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل في مسنده قال: حدثنا حسن بن موسى حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "أُتيت بالبراق، وهو دابة أبيض، فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، فركبته فسار بي حتى أتيت بيت المقدس، فربطت الدابة بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخلت فصليت فيه ركعتين ثم خرجت، فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن، وقال جبريل: أصبت الفطرة. ثم عرج بنا إلى السماء الدنيا، فاستفتح جبريل، فقيل: ومن أنت. قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: وقد أرسل إليه؟ قال: أرسل إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بآدم، فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل، فقيل: ومن أنت؟ قال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه. قال: ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى، فرحبا ودعوا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ . فقيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف
стр. 708
- ﵇ وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحب ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: قد أرسل إليه؟ قال: وقد أرسل إليه. ففتح الباب، فإذا أنا بإدريس، فرحب ودعا لي بخير. [قال] ثم يقول الله : ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: ٥٧] ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: قد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بهارون، فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: قد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بموسى، فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: قد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بإبراهيم ﷺ وإذا هو مستند إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن يصفها من حسنها. قال: فأوحى الله إلي ما أوحى، وفرض علي في كل يوم وليلة خمسين صلاة، فنزلت حتى انتهيت إلى
стр. 709
موسى، فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قال: قلت: خمسين صلاة في كل يوم وليلة. قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك، وإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم. قال: فرجعت إلى ربي فقلت: أي رب خفف عن أمتي. فحَط عني خمسًا، فرجعت إلى موسى، فقال: ما فعلت؟ قلت: حط عني خمسًا. قال: إن أمتك لا تُطيق ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. قال: ولم أزل أرجع بين ربي وبين موسى ويحط عني خمسًا، حتى قال: يا محمد، هي خمس صلوات في كل يوم وليلة بكلٍّ عشر، فتلك خمسون صلاة، ومَنْ هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبت حسنة، فإن عملها كتبت عشرًا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئًا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة. فنزلت حتى انتهيت إلى موسى، فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك. فقال رسول الله ﷺ : لقد رجعت إلى ربي حتى لقد استحييت".
هذه الرواية إحدى روايات الحديث، وهي أجودها وأنقاها، وقد رجحها كثير من الحفاظ على غيرها، وإن كان فيها شيء من الاختصار في بعض المواضع، وقد رواها مسلم بن الحجاج في صحيحه (١ - ٩٩): حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك. وإسنادها من الأسانيد التي نص أئمة الحديث على أنها أصح الأسانيد، وروى الإمام أحمد أيضًا
стр. 710
عن عبد الرزاق عن عمر عن قتادة عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ أُتي بالبراق ليلة أسري به ملجمًا ليركبه، فاستصعب عليه، وقال جبريل: ما يحملك على هذا؟ والله ما ركبك أحد قط أكرم على الله منه. قال: فارفضَّ عرقًا. وروي أيضًا بنفس هذا الإسناد عن أنس أن النبي ﷺ قال: "رفعت لي سدرة المنتهى في السماء السابعة، نبقها مثل قلال هجر، وورقها مثل آذان الفيلة، يخرج من ساقها نهران ظاهران، ونهران باطنان، فقلت: يا جبريل، ما هذان؟ قال: أما الباطنان ففي الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات". وهذان أيضًا حديثان صحيحان رواتهما أئمة ثقات إثبات.
أيها السادة:
ومما ورد من الأحاديث الصحيحة ما رواه الإمام أحمد، ومسلم في صحيحه من طريق معمر عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال: النبي ﷺ : "حين أسري بي لقيت موسى ﵇". فنعته النبي ﷺ : "فإذا رجل ضَرِب، رَجِل الرأس كأنه من رجال شنوءة". قال: "فلقيت عيسى". فنعته النبي ﷺ : "فإذا ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس - يعني حمامًا -". قال: "ورأيت إبراهيم - صلوات الله عليه - وأنا أشبه ولده به". قال: "فأُتيت بإناءين في أحدهما لبن، وفي الأخرى خمر، فقيل لي: خذ أيهما شئت. فأخذت اللبن فشربته، فقال: هديت الفطرة - أو أصبت الفطرة - أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك".
стр. 711
وروى الإمام أحمد من طريق عوف الأعرابي عن زرارة بن أوفى عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لما كان ليلة أُسري بي وأصبحت بمكة، فظعت بأمري، وعرفت أن الناس مكذبي". فقعد معتزلًا حزينًا. قال: فمر به عدو الله أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه، وقال له كالمستهزئ: هل كان من شيء؟ فقال رسول ﷺ : "نعم". قال: ما هو؟ قال: "إنه أسري بي الليلة". قال: إلى أين؟ قال: "إلى بيت المقدس". قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: "نعم". قال: فلم يُرِ أنه يكذبه مخافة أن يجحده الحديث إذا دعا قومه إليه، قال: أرأيت إن دعوت قومك تحدثهم ما حدثتني؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم". فقال: هيا معشر بني كعب بن لؤي. فانتفضت إليه المجالس، وجاؤوا حتى جلسوا إليهما، قال: حدِّث قومك بما حدثتني. فقال رسول الله ﷺ : "إني أسري بي الليلة". قالوا: إلى أين؟ قلت: "إلى بيت المقدس". قالوا: ثم أصبحت بين ظَهْرَانَيْنَا؟ قال: "نعم". قال: فمن بين مصفق، ومن بين واضع يده على رأسه متعجبًا للكذب زعم". قالوا: وهل تستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ وفي القوم من قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد، فقال رسول الله ﷺ : "فذهبت أنعت، فما زلت أنعت حتى التبس علي بعض النعت". قال: "فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه، حتى وضع دون دار عقال - أو عقيل - فنعتُّه وأنا أنظر إليه" قال: "فقال القوم: أما النعت، فوالله لقد أصاب".
стр. 712
وهذا - أيها السادة - حديث صحيح، أسنده رجال ثقات أثبات، ورواه أيضًا ابن أبي شيبة والنسائي والبزار والضياء في المختارة وغيرهم، وجاء هذا المعنى عن جابر بن عبد الله مختصرًا، قال: قال رسول الله ﷺ : "لما كذبتني قريش حين أسري بي إلى بيت المقدس، قمت في الحجر، فجلَّى الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته، وأنا أنظر إليه". رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي والطبري في تفسيره.
وقال الحافظ: الثقة محمد بن سعد في كتاب الطبقات الكبير (ج ١ - ق ١ - ١٤٤ - ١٤٥): أخبرنا حجين بن المثنى حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألوني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربًا ما كربت مثله قط، فرفعه الله إلي أنظر إليه، ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضرب، جعد، كأنه من رجال شنوءة، وإذا عيسى ابن مريم قائم يصلي، أقرب الناس به شبهًا عروة ابن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم قائم يصلي، أشبه الناس به صاحبكم - يعني نفسه - فحانت الصلاة فأممتهم، فلما فرغت من الصلاة، قال لي قائل: يا محمد، هذا مالك صاحب النار فسلم عليه. فالتفتُّ إليه فبدأني بالسلام".
стр. 713
وهذا أيضًا حديث صحيح ثابت، رواه مسلم في صحيحه عن زهير بن حرب عن حجين بن المثنى شيخ ابن سعد فيه.
هذا قليل من كثير مما ورد من الأخبار الصحيحة في الإسراء والمعراج، وكلها تدل دلالة صريحة واضحة عن أن الإسراء والمعراج كانا بشخصه الكريم ﷺ أي بجسده وروحه، ولا يفهم منها سامعها غير ذلك، وقد بدا لبعض المتأولين من المتقدمين والمتأخرين أن يتأولوا كل النصوص، ويفهموا منها أن الإسراء والمعراج كانا بروحه فقط، وزعم بعضهم أن ذلك كان رؤيا في المنام، ولا تجد لواحد من هذين الفريقين دليلًا يعتمد عليه في نقل دلالة الأخبار عن ظاهرها وصريحها، وهو مدلولها الحقيقي في وضع اللغة، فإنما التأول نوع من المجاز الذي لا يصار إليه في الكلام إلا بدليل أو قرينة واضحة. نعم، قد تجد حديثين عن عائشة ومعاوية، يفهمان أن الإسراء لم يكن بجسده الشريف، وهما حديثان ليسا مما يحتج بمثلهما أهل العلم بالحديث، وقد رواهما ابن إسحاق في السيرة، قال: حدثني بعض آل أبي بكر أن عائشة كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله ﷺ ولكن الله أسرى بروحه.
وقال: حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أن معاوية ابن أبي سفيان كان إذا سئل عن مسرى رسول الله ﷺ قال: كانت رؤيا من الله صادقة. قال ابن إسحاق عقيب ذلك: فلم ينكر ذلك من قولهما لقول الحسن: هذه الآية نزلت في ذلك، [يعني] قول الله
стр. 714
- : ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]. ولقول الله في الخبر عن إبراهيم ﵇، إذ قال لابنه: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] ثم مضى على ذلك، فعرفت أن الوحي من الله يأتي الأنبياء أيقاظًا ونيامًا، وكان رسول الله ﷺ فيما بلغني يقول: "تنام عيني وقلبي يقظان". فالله أعلم أي ذلك كان قد جاءه وعاين فيه ما عاين من أمر الله، على أي حاليه كان: نائمًا أو يقظانًا، كل ذلك حق صدق. هذا كلام ابن إسحاق الذي نقله عنه ابن هشام في تهذيب سيرته، وهو ظاهر في أن ابن إسحاق لما رأى كلمتي عائشة ومعاوية تردد في أنه كان في اليقظة أو في النوم، ولم يستطع أن يجزم بشيء، ولكنه لم يستطع أيضًا أن ينفي ما دلت عليه الأخبار أن ذلك كان يقظة عيانًا بروحه وجسده ﷺ .
أيها السادة:
إن كلمة ابن إسحاق واستدلاله بخبرَي عائشة ومعاوية - في غالب رأينا - هي أول ما نقل عن العلماء المتقدمين من الخلاف في هذه المسألة، ثم جاء بعد من جَزم بما تردد فيه، واستدلال ابن إسحاق بهذين الخبرين غير جيد، فإنهما خبران ضعيفان ليس لهما إسناد صحيح، وقد أطلت البحث عنهما فلم أجد لهما إسنادًا غير ما ذكر ابن إسحاق، أما خبر معاوية، فإنه منقطع؛ لأن راويه يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس لم يدرك معاوية، ولم يدرك أحدًا من
стр. 715
الصحابة أصلًا، وإنما يروي عن التابعين فقط، ومات سنة ١٢٨، ومعاوية مات سنة ٦٠، وأما حديث عائشة فإنه كما ترون لا إسناد له؛ لأن قول ابن إسحاق: حدثني بعض آل أبي بكر. إيهام للراوي، فلا نعرف منه من الذي حدثه، وهل هو ثقة أو ليس بثقة؟ وهل أدرك عائشة أو لم يدركها؟ فكلا الحديثين منقطع الإسناد، مجهول الراوي، لا يحتج بمثله عند أهل العلم.
وقد نقل الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسيره قول ابن إسحاق، ثم رده أبلغ رد؛ فقال: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله أسرى بعبده محمدًا ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كما أخبر الله، حمله على البراق حتى أتاه وصلى هنالك بمن صلى من الأنبياء والرسل، فأراه من الآيات. ولا معنى لقول من قال: أسري بروحه دون جسده؛ لأن ذلك لو كان كذلك لم يكن فيه ما يوجب أن يكون دليلًا على نبوته، ولا حجة له على رسالته، ولا كان الذين أنكروا حقيقة ذلك من أهل الشرك كانوا يدفعون به عن صدقه فيه؛ إذ لم يكن منكَرًا عندهم، ولا عند أحد من ذوي الفطرة الصحيحة من بني آدم أن يرى الرائي منهم في المنام على مسيرة سنة، فكيف ما هو على مسيرة شهر أو أقل؟ !
وبعد: فإن الله أخبرنا في كتابه أنه أسرى بعبده، ولم يخبرنا أنه أسرى بروح عبده، وليس جائزًا لأحد أن يتعدى ما قال الله إلى غيره، ولا دلالة تدل على أن مراد الله من قوله: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾.
стр. 716
[الإسراء: ١] أسرى بروح عبده، بل الأدلة الواضحة والأخبار المتتابعة عن رسول الله ﷺ أن الله أسرى به على دابة يقال لها البراق، ولو كان الإسراء بروحه، لم تكن الروح محمولة على البراق؛ إذ كانت الدواب لا تحمل إلا الأجسام، إلا أن يقول قائل إن معنى قولنا أسرى بروحه، رأى في المنام أنه أسري بجسده على البراق، فيكذب حينئذ بمعنى الأخبار التي رويت عن رسول الله ﷺ أن جبريل حمله على البراق؛ لأن ذلك إذا كان منامًا - على قول قائل هذا القول - ولم تكن الروح عنده مما تركب الدواب، ولم يحمل على البراق جسم النبي ﷺ لم يكن النبي ﷺ على قوله حُمل على البراق، لا جسمه ولا شيء منه، وصار الأمر عنده كبعض أحلام النائمين، وذلك دفع لظاهر التنزيل، وما تتابعت به الأخبار عن رسول الله ﷺ وجاءت به الآثار عن الأئمة من الصحابة والتابعين. اهـ.
أيها السادة:
هذا ما قاله الطبري في الرد على ابن إسحاق، وقد رأيتم وهن حجته فيما روى عن عائشة ومعاوية، وقد جاء عن عائشة ما يخالف رواية ابن إسحاق، فروى الحاكم في المستدرك من طريق إبراهيم بن الهيثم البلدي عن محمد بن كثير الصنعاني عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: لما أسري بالنبي ﷺ إلى المسجد الأقصى، أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتد ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه، وسعوا بذلك إلى أبي بكر، فقالوا: هل لك إلى صاحبك؟ يزعم أنه
стр. 717
أسري به الليلة إلى بيت المقدس. قال: أَوَ قال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: لئن كان قال ذلك، فقد صدق. فقالوا: أو تصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم؛ إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه في خبر السماء في غدوة أو روحة. فلذلك سمي أبو بكر الصديق.
وقد رواه البيهقي، عن الحاكم فيما نقله الحافظ ابن كثير، ورواه أيضًا ابن الأثير في أسد الغابة، بإسناده من طريق المفضل بن غسان عن محمد بن كثير الصنعاني، وهذا إسناد صحيح صححه الحاكم ووافقه الحافظ الذهبي، وهو ينقض رواية ابن إسحاق المجهول إسنادها؛ لأن عائشة ﵂ تروي أن خبر الإسراء كان من أثره أن كذب من كذب، وارتد من ارتد، وأن أباها الصديق ﵁ صدق الخبر وأبان عن حجته في التصديق، فلو كانت ترى أن ذلك كان بالروح، أو أنه كان منامًا لما كان هناك معنى عندها للتصديق والتكذيب، ولا فتنة يفتن بها من ضعف يقينه فيرتد عن دينه؛ إذ كان لا غرابة فما يراه النائم، وإذ كان العرب يصدقون الكهان فيما يخبرونهم به عما غاب عن أبصارهم، فلم يكن لهم أن يكذبوا رجلًا يحدثهم عن رحلة روحية تكون أقرب إلى خيالات الأوهام إذا فهموا من كلامه أنه إنما أسري بروحه ثم عرج بها إلى السماء، وإنما المفهوم الواضح أنهم يكذبون من يحدثهم بشيء يرونه غير داخل تحت قدرة البشر، وشيء يعجز الإنسان بجسمه وعقله وبروحه أن يقوم به وحده.
стр. 718
أيها السادة:
قد اجترأ بعض الباحثين من المتقدمين والمتأخرين، فجزموا بما تردد فيه ابن إسحاق، وزعموا أن الإسراء كان بالروح، أو كان منامًا، ولم ينتبهوا إلى أنه لو كان ما زعموا صحيحًا لما جعله الله سبحانه من آيات النبوة لنبيه، ولما أثنى على نفسه بهذه المعجزة الباهرة؛ إذ قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١].
ومن الغرائب أنهم احتجوا بما نقله من غير إسناد عن عائشة، ثم أخطؤوا في نقلهم خطأ ينقض حجتهم، فإن رواية ابن إسحاق عنها: ما فُقد جسد رسول الله. بالبناء للمجهول، فنقلوها: ما فقدت جسد رسول الله. فجعلوا حجتهم تحمل معول هدمها؛ لأن الثابت الصحيح أن الإسراء كان ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول قبل الهجرة بسنة، ولم تكن عائشة إذ ذاك تزيد سنها على السابعة، ولم تكن في بيت رسول الله ﷺ فإنه لم يدخل بها إلا في المدينة بعد الهجرة، فليس من المنطق السليم أن يحكى عن لسانها أنها تقول: ما فقدت جسد رسول الله.
أيها السادة:
نقل بعض المؤلفين عن الحسن بن أبي الحسن البصري القول؛ بأن الإسراء كان منامًا، وهذا أيضًا نقل خاطئ؛ فإنه لم يرو عنه هذا
стр. 719
القول بأي إسناد، والذي يبدو لي أن الذين نقلوا عنه هذا القول قرؤوا كلام ابن إسحاق وفهموه على غير وجهه؛ لأنه نقل روايتي عائشة ومعاوية، ثم احتج لتأييدهما بأنه لم ينكرهما أحد؛ لأن الحسن قال: إن قوله - تعالى -: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]. أنزل في ذلك، أي؛ الإسراء والمعراج، فهو يريد الاحتجاج بكلمة (الرؤيا) لغلبة استعمالها فيما كان منامًا، وبأنه إذا كانت الآية نزلت في هذه الحادثة كان ذلك لا ينفي قول من زعم أن الإسراء والمعراج لم يكونا في اليقظة، ففهم بعض من قرأ قوله: أنه ينقل عن الحسن ما يوافق كلمتي عائشة ومعاوية، وهذا فهم خطأ يظهر خطؤه واضحًا لمن تأمل سياق الكلام ومعناه.
وقوله - تعالى -: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]. نزل في شأن الإسراء والمعراج على القول الراجح عند العلماء، ولكن احتجاج ابن إسحاق بذلك لتأييد كلمتي عائشة ومعاوية غير جيد؛ لأن الرؤيا تستعمل أيضًا في الرؤية بالعين، ففي لسان العرب: قال ابن بري: وقد جاءت الرؤيا في اليقظة:
قال الراعي: فكبر للرؤيا وهش فؤاده وبشر نفسًا كان قبل يلومها وعليه فسر قوله - تعالى -: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠].
وعليه قول أبي الطيب:
ورؤياك أحلى في العيون من الغمضِ
стр. 720
وقد روى الإمام أحمد والبخاري وغيرهما عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به إلى بيت المقدس، وليست برؤيا منام. وفي لفظ: شيء أريه النبي ﷺ في اليقظة، رآه بعينه حين ذُهب به إلى بيت المقدس. وليس أصرح من هذا نص ولا أقوى منه حجة؛ لأن ابن عباس - وهو ترجمان القرآن - يفسر به الآية، ويرى أن الإسراء كان في اليقظة، وينقل - وهو العربي القرشي الهاشمي الفصيح - أن كلمة الرؤيا تكون وهي لغة القرآن بمعنى الرؤية.
أيها السادة:
لما طغت على أوروبا موجة الإلحاد، وارتكس أهلها في عبادة المادة، بعد أن كانوا في ظلمات من الجهالة في دينهم ودنياهم، حتى سموا الحقبة الماضية من تاريخها - حقبة القرون الوسطى - بالعصور المظلمة، ثم ملكوا زمام الصناعات بما فتح لهم من زهرة الدنيا وزينتها، وكانت الأمة الإسلامية قد تخاذلت شعوبها ودب فيها الضعف والانحلال، بما تركت من دينها، وما نسيت من مجدها، وكانت أوروبا لم تنس هزيمتها أمام المسلمين في الحروب الصليبية، انتهزت هذه الفرصة وزحفت على بلاد الإسلام تفتحها بالسيف والمادة، وتفتح عقول أبنائها بعلوم الدنيا، وتنزع منها علوم الدين، وتتغلغل في معتقداتهم لتسلَّها من قلوبهم بما ملك رجالها من السلطان على تربية أبناء المسلمين، وبما وضعوا عليه أيديهم من
стр. 721
شؤون الحكومات، وبما احتكروا من طرق التكسب الحر، واستغلوا الضعف الإنساني بالحاجة إلى طلب العيش، فأخرجوا لنا من صنع أيديهم رجالًا مسلمين تأبى نفوسهم أن تسلم بكثير من عقائد الإسلام، وما ورد في الكتاب والسنة، ويستنكرون بعض التشريعات الإسلامية بخصوصها في الحدود والربا وحجاب النساء والزواج والطلاق والمواريث والأوقاف، وهم يوقنون بأنهم مسلمون، ولا ترضى قلوبهم وضمائرهم أن ترتطم في لجة الردة من الإسلام، فترى فيهم حالة نفسية شاذة، وحيرة روحية غريبة، لا مخلص لهم منها ولا نجاة، ويمنعهم التكبر العلمي أن يخضعوا تفكيرهم لما يخالف ما نشأ عليه معلموهم خطوة خطوة، فلا يجدون أمامهم ليقنعوا أنفسهم ويرضوا ضمائرهم، إلا أن يتأولوا مخالف آرائهم من نصوص القرآن وظواهره، سواء احتملت التأويل أم لم تحتمل، وكان شأنهم في السنة عجبًا، فمنهم من يرفضها كلها ويريد أن يقنع الناس - قبل أن يقنع نفسه - بتكذيب كل الرواة وبوضع كل الأحاديث، ومنهم من يتأول ما أمكنه تأوله ثم يرفض سائرها.
أيها السادة:
كان من آثار هذه التعاليم ومن نتائج هذه الحيرة في كثير من المتعلمين ما ترون من التهالك على التجديد في الدين - زعموا - ومن محاولة إنكار وجود الملائكة والجن، وتأول النصوص الواردة في ذلك، ومن محاولة إنكار الخوارق الكونية التي جعلها الله - سبحانه -
стр. 722
معجزات أيد بها أنبياءه ورسله إلى الناس، بتأويلها إلى ما يخرجها عن وجه الإعجاز ويدخلها تحت مقدور الإنسان، ومن إنكار كل المعجزات الكونية التي أيد الله بها نبينا محمدًا ﷺ والتي ثبتت عند المسلمين بالتواتر طبقة عن طبقة، مما لا يحتمل الشك أو التردد فضلًا عن تكذيبه كله تحكيمًا للعقل فيما يظنون.
أيها السادة:
إن العالم ليس محصورًا فيما يقع تحت الحس الإنساني فقط، ومن زعم ذلك فقد حد من قدرة الله، بل إنه لم يؤمن به؛ ولذلك وصف الله المتقين بأنهم ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]. أي يؤمنون بما أخبرهم به الأنبياء مما خرج من إدراك البشر بقواهم المحدودة، وقد أخبرنا الله - سبحانه - في كتابه بصريح القول أنه أسرى بعبده من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وأخبرنا الرسول ﷺ أنه عُرج به إلى السماوات، وأشار الله - سبحانه - إلى ذلك في القرآن، اقرؤوا قوله - تعالى -: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١ - ١٨].
стр. 723
فليس للمؤمن الذي يؤمن بالغيب مندوحة عن تصديق ما أخبر الله به ورسوله، وإن عجز عقله عن إدراك حقيقة ما آمن به وَكَّل علمه إلى عالمه، كالشأن في المتشابه من القرآن، يقول الله - تعالى -: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧]. فمن حاول تأويل آيات الله التي أيد بها أنبياءه، فما زاد عن أنه يكذب بها وهو يظن أنه يستر تكذيبه.
أيها السادة:
إن الذين زعموا أن الإسراء والمعراج كانا بالروح أو منامًا من المتقدمين، إنما زعموا ذلك استدلالًا بأخبار رأوها في ذلك، وقد بينت لكم أنها أخبار ضعيفة وأن الاستناد إليها خطأ، وأما الذين يزعمون ذلك من المعاصرين، فإنما يدعون أن نبينا محمدًا ﷺ لم تكن له معجزة غير القرآن، وينكرون كل الأخبار المتواترة في المعجزات، ويظنون أن الإسراء والمعراج ينافيان ما اصطلحا على تسميته في هذا العصر (بالعلم)؛ لأن العلوم المادية لم تثبت قدرة الإنسان على نقل الأجسام بمثل هذه الصورة التي حكيت في حديث الإسراء والمعراج، وما أنا بمتعرض الآن لما يثبته العلم وما ينفيه، ولكني أسألهم: هل يؤمنون بما حكى الله في القرآن من قصة سليمان
стр. 724
مع ملكة سبأ؟ ! فقد أخبرنا الله - سبحانه - بما دار بين سليمان وبينها من المراسلة، ثم قال - تعالى -: ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)﴾ [النمل: ٣٨ - ٤٠].
فهذه حادثة لا تحتمل تأويلًا، استطاع فيها رجل من أصحاب سليمان ﵇ بما علَّمه اللهُ من الكتاب، أن ينقل عرش الملكة من اليمن إلى الشام في مثل لمح البصر، ويؤمن بصحتها كل مسلم يصدق القرآن، وهي من نوع الإسراء والمعراج في نقل الأجسام، فماذا تسمون من يؤمن ببعض الآيات وينكر بعضها؟ !
أيها السادة:
قد فشت بدعة منكرة في هذا العصر، وهي بدعة تأويل نصوص القرآن لتطابق ما يسمونه (العلم الصحيح أو العلوم الكونية) تقريبًا إلى متعلمي هذه العلوم، أو تملقًا إلى أساتذتهم المستشرقين، وهم طلائع المبشرين، وسواء عليهم أكانت هذه النظريات العلمية ثابتة بثبوت اليقين، أم كانت من الظنون التي يفترضها العلم افتراضًا ويرجحها؛ لأنه لا يوجد فرض آخر أرجح منها، وإنما الذي يهم هؤلاء المتأولين أن يسميهم الناس مجددين! ! ! ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 725
أيها السادة:
لقد أطلت الكلام فيما عمدت إليه، وأحس أني قد أمللتكم، ومجال القول ذو سعة، وحسبي أن قد تفضلتم بالإصغاء إليَّ، وأستغفر الله لي ولكم.
* * *
стр. 726
أهم تعقبات الشيخ أحمد محمد شاكر على دائرة المعارف
стр. 727
المادة: أسامة بن زيد بن حارثة
الجزء: ٢/ الصفحة: ٧٨
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وكان أسامة يشبه أمه، فقد كان أسود أفطس الأنف، وتوكيد الروايات لحب النبي له يرجع من ناحية إلى الرغبة في التقليل من شأن بيت علي، ومن ناحية أخرى إلى إظهار أن النبي كان ديمقراطيًّا حقًّا بريئًا من التعصب للون".
تعليق أحمد شاكر:
هذه والتي قبلها دسيستان؛ ليشك الناس في صحة رواية الأحاديث، وليظن القارئ أن هذه الروايات إنما وضعها الراوون لمقاصد في أنفسهم، ومن الأسف أننا نرى كثيرين من الذين يسمون بأسماء المسلمين يغترون بمثل هذا الكلام، ويذهبون إلى مثل هذه الآراء، وإنما الأحاديث روايات صحيحة جاءت عن رواة موثوق بهم بعد أن فحصها أئمة الإسلام الكبار، وعرفوا الراوي الثقة والراوي الذي ليس بثقة، فقبلوا ما وثقوا به واطرحوا ما لم يحز عندهم شيئًا من الاطمئنان إليه. وقد تواترت الروايات عن أخلاق الرسول ﷺ وكرمه وتواضعه ومساواته بين المسلمين، ويكفي في هذا أن يصفه الله الذي أرسله في القرآن الكريم بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ ﷺ .
стр. 728
المادة: استحسان
الجزء: ٢/ الصفحة: ٨٤
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن الاستحسان والاستصلاح:
"ولم يتفق العلماء قط على أنهما من القواعد الصحيحة في أصول الفقه".
تعليق أحمد شاكر:
الاستحسان: اصطلاح فقهي عند علماء الأحناف، وقد اضطربت أقوالهم فيه كثيرًا، واختلف الفقهاء في جواز الأخذ به، وذهب الأكثرون إلى أنه دليل باطل لا يعتمد عليه، حتى قال الإمام الشافعي: "من استحسن فقد شرع". قال الشوكاني في إرشاد الفحول (ص ٢٢٤ طبعة السعادة سنة ١٣٢٧): "قال جماعة من المحققين: الحق أنه لا يتحقق استحسان مختلف فيه؛ لأنهم ذكروا في تفسيره أمورًا لا تصلح للخلاف؛ لأن بعضها مقبول؛ اتفاقًا، وبعضها متردد بين ما هو مقبول اتفاقًا، وما هو مردود اتفاقًا، وجعلوا من صور الاتفاق على القبول قول من قال: إن الاستحسان العدول عن قياس إلى قياس أقوى. وقول من قال: إنه تخصيص قياس بأقوى منه. وجعلوا من المتردد بين القبول والرد قول من قال: إنه دليل ينقدح في نفس المجتهد ويعسر عليه التعبير عنه؛ لأنه إن كان معنى
стр. 729
قوله: "ينقدح" أي؛ يتحقق ثبوته والعمل به واجب عليه فهو مقبول اتفاقًا، وإن كان بمعنى أنه شاك فهو مردود اتفاقًا؛ إذا لا تثبت الأحكام بمجرد الاحتمال والشك. وجعلوا من المتردد أيضًا قول من قال: إنه العدول عن حكم الدليل إلى حكم العادة لمصلحة الناس. فقالوا: إن كانت العادة هي الثابتة في زمن النبي ﷺ فقد ثبت بالسنة، وإن كانت هي الثابتة في عصر الصحابة من غير إنكار فقد ثبت بالإجماع. وأما غيرها؛ فإن كان نصًا أو قياسًا مما ثبت حجيته فقد ثبت ذلك به، وإن كان شيئًا آخر لم تثبت حجيته فهو مردود قطعًا". وقد أطال الإمام الشافعي الكلام في إبطال الاستحسان والرد على القائلين به، وألف فيه رسالة خاصة موجودة ضمن كتاب (الأم) (ج ٧، ص ٢٦٧ - ٢٧٧) وانظر في هذا البحث حاشية ابن عابدين على شرح المنار في الأصول طبعة الآستانة سنة ١٣٠٠ (ص ٢٤٤ - ٢٤٥) وشرح العضد على مختصر ابن الحاجب طبعة الخيرية سنة ١٣١٩ (جـ ٢ ص ٢٨٨ - ٢٨٩).
المادة: استسقاء
الجزء: ٢/ الصفحة: ٩٢
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن الطقوس والشعائر التي يستنزل بها المطر في البلاد الإسلامية:
"وتختلف الطقوس والشعائر في البلاد الإسلامية، وهي جميعًا
стр. 730
- حتى ما ورد منها في السنة - متشبعة بالسحر والروحانيات، ويمكن جمعها في عدة معان: الاعتقاد في كرامات الأولياء، والآلام الجسدية والمعنوية التي يفرضها المؤمنون على أنفسهم، والصيغ والأغاني والتراتيل والشعائر المتصلة بنوع من التقديس للمطر، وتسمى في اللغة البربرية (غنجة) أو ما يشابهها، ثم تقديم الضحايا والقرابين، والإتيان بأفعال رمزية يقصد التقرب بها إلى الله".
تعليق أحمد شاكر:
هذا كلام غريب، وما كنا نظن أن رجالًا يزعمون لأنفسهم صفة العلم التي تُنقي الإنسان من أدران العصبية يفترون على الإسلام هذه الأقاويل، فليس في شعائر صلاة الاستسقاء التي وردت في الأحاديث والتي قال بها أئمة الإسلام شيء من السحر أو مما يمت إليه بأية صلة، وإنما هي عبادة شرعها الله سبحانه لعباده المؤمنين: يتضرعون إليه فيها عند الشدة، ويخرجون إلى ربهم متبذلين خاشعين يسألون من فضله ويرجون رحمته، وهذه عاطفة طبيعية في كل نفس إنسانية، بل تراها في الحيوان أيضًا.
وليس في شعائر هذه الصلاة شيء من الأغاني والتراتيل، وليس إلا الصلاة والدعاء - مع تحويل الرداء عنده - والاستغفار والخشوع. ويظهر أن الكاتب تأثر بما في بعض الأديان الأخرى من الأغاني والتراتيل، ولو سمحنا لأقلامنا أن تتعرض لشعائر الأديان الأخرى - كما فعل كاتب هذا المقال - لأظهرنا الفرق بين الإسلام
стр. 731
وبين غيره في هذا المعنى، ومن الغريب جدًّا إشارة هذا الكاتب إلى الضحايا والقرابين في الاستسقاء فهو أمر لا نعرفه ولا يقول به أحد من المسلمين.
مصادر أخرى:
(١) المحلى لابن حزم جـ ٥ ص ٩٣ - ٩٤.
(٢) المجموع للنووي جـ ٥ ص ٦٣ - ٦٨.
(٣) نيل الأوطار للشوكاني جـ ٤ ص ٢٦ - ٤٣.
المادة: استصحاب
الجزء: ٢/ الصفحة: ٩٤
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن حجية الاستصحاب:
"ولا يعترف الأحناف بالاستصحاب إلا في حالة الحق المكتسب، أما الشافعية فيقولون بالاستصحاب حتى عندما يتعلق الأمر بحقوق جديدة، فالغائب مثلًا لا يجعله الأحناف وارثًا شرعيًّا لميراث حل في غيبته، أما الشافعية فيقولون بحقه في الميراث؛ لأنهم يرون أن هذا الغائب يستطيع في غيبته الحصول على حقوق جديدة".
تعليق أحمد شاكر:
إطلاق القول بأن الاستصحاب حجة عند الشافعية غير موافق للمعروف؛ فإن الاستصحاب حجة عند الإمام مالك والإمام أحمد
стр. 732
وعند بعض علماء الشافعية؛ مثل المزني والصيرفي وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم. ولبعض علماء الحنفية تفصيل طويل في الأخذ ببعض صوره وعدم الاحتجاج بالبعض الآخر.
المادة: إسماعيل
الجزء: ٢/ الصفحة: ١٧١
جاء في دائرة المعارف الإسلامية الإسلامية:
" .. وتعرف الروايات الإسلامية تلك القصة التي وردت في سفر التكوين (الإصحاح ٢٢) غير أن كثيرًا من علماء الدين يؤكدون أن الذبيح كان إسماعيل وليس بإسحاق .. ".
تعليق أحمد شاكر:
القول الراجح عن أئمة الإسلام وعلمائه أن الذبيح هو إسماعيل؛ لأنه هو أول ولد بشر به إبراهيم، وهو أكبر من إسحاق، وقد أمر إبراهيم بذبح "وحيده" وفي بعض روايات أهل الكتاب "بكره" وهذا لا يصدق إلا على إسماعيل؛ لأن إسحاق ولد بعد إسماعيل بأكثر من عشر سنين. قال الإمام الحافظ ابن كثير في تفسيره (ج ٧ ص ١٤٦): "وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق، وحكي ذلك عن طائفة من السلف حتى نقل عن بعض الصحابة ﵃ أيضًا، وليس ذلك في كتاب ولا سنة، وما أظن ذلك تلقي إلا عن أحبار أهل الكتاب، وأخذ ذلك مسلمًا من غير حجة، وهذا كتاب
стр. 733
الله شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل؛ فإنه ذكر البشارة بغلام حليم وذكر أنه الذبيح، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ [الصافات: ١١٢]. ولما بشرت الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر: ٥٣]. وقال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١]. أي؛ يولد له في حياتهما ولد يسمى يعقوب فيكون من ذريته عقب ونسل، ولا يجوز بعد هذا أن يؤمر بذبحه وهو صغير؛ لأن الله تعالى قد وعدهما بأنه سيعقب ويكون له نسل، فكيف يمكن بعد هذا أن يؤمر بذبحه صغيرًا؟ وإسماعيل وصف ها هنا بالحليم؛ لأنه مناسب لهذا المقام". اهـ.
المادة: الأشعث
الجزء: ٢/ الصفحة: ٢١٧
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
" .. وهزمت جيوش المسلمين الأشعث فلجأ إلى حصن النجير، ولما رأى استحالة نجاته من أيديهم صالحهم بعد أن أمنوه وتسعة من أتباعه على حياتهم وسلم لهم الحصن، ويروى أنه نسي أن يذكر اسمه الصحيح في عقد الأمان، فتعرض بذلك للقتل".
تعليق أحمد شاكر:
قيل: إن الأشعث نسي أن يكتب نفسه في عهد الأمان. وقيل: إنه آثر رجالًا غيره حتى استوفى العدد المحدود للأمان، فلم يجد
стр. 734
لاسمه موضعًا. انظر معجم البلدان (مادة النجير) وتاريخ الطبري (جـ ٣ ص ٢٧٥ طبعة مصر).
المادة: أضحى
الجزء: ٢/ الصفحة: ٢٩١
جاء في دائرة المعارف الإسلامية في بيان بعض أحكام الضحية في الإسلام:
"ولا شك في أن الشرع لا يفرض الضحية على أحد إلا إذا اضطره إلى ذلك نذر أو إثم، وكانت الأنعام التي تساق للهَدْي في هذا العيد تجعل لها علامة بأن تقلد بالنعال القديمة أو بأن يشرّط جلدها".
تعليق أحمد شاكر:
هذا ليس في الضحية، وإنما هو في الهدي الذي يسوقه المحرم بالحج أو العمرة من الحل إلى الحرم، وكان إشعاره بالدم أو تقليده أمارة على أنه مساق ومهدى للبيت الحرام فلا يعتدى عليه.
المادة: اقتباس
الجزء: ٢/ الصفحة: ٤٥٧
جاء في دائرة المعارف الإسلامية في بيان معنى (الاقتباس):
"وفي كتاب (أساس الاقتباس) لاختيار الدين المتوفى عام ٩٢٨ هـ
стр. 735
(بروكلمان جـ ٢، ص ١٠٣) جعل الاقتباس يشمل الأمثال والأشعار والحكايات القصيرة".
تعليق أحمد شاكر:
وهذا أيضًا ليس مطابقًا تمامًا للمراد من المعنى الاصطلاحي، بل إن مؤلف الكتاب - وهو مطبوع في الآستانة سنة ١٢٩٨ ثم طبع بمصر - أتى فيه بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وحكم من الشعر والنثر ونحو ذلك؛ فهو مجموعة أدبية مقتبسة من أصول الأدب، بمعنى الاقتباس اللغوي فقط.
المادة: إقرار
الجزء: ٢/ الصفحة: ٤٦٤
جاء في دائرة المعارف الإسلامية في ذكر بعض فروع (الإقرار):
"ولا قيمة للإقرار ببنوة أبناء السفاح في الشريعة الإسلامية، وإذا شُكّ في أبوة ابن شرعي وجاء الزوج وأقر صراحة بأبوة هذا الابن فلا حاجة بعد هذا الإقرار إلى دليل آخر، ويجب ألا يكون الإقرار مخالفًا للواقع أو الشرع، وفي حالات أخرى يمكن أن يثبت نسب شخص بالإقرار دون حاجة إلى دليل آخر، مثال ذلك إذا أقر مسلم رشيد أن شخصًا ما هو أبوه أو أخوه أو عمه، وإذا كانت القرابة المزعومة تتصل بشخص ما وكان هذا الشخص على قيد الحياة، وجب عليه أن يوافق على الإقرار إلا إذا كان عاجزًا عن ذلك لأنه قاصر أو معتوه".
стр. 736
تعليق أحمد شاكر:
هذه الفروع المذكورة هنا هي مذهب علماء الحنفية في الأغلب، وعبارة الكاتب غير واضحة، ونص ما قاله الأحناف: "يصح إقرار الرجل بالولد، بشرط أن يكون المقر له بحال يولد مثله لمثله، وأن لا يكون المقر له ثابت النسب من غيره، وأن يصدق المقر له المقر في إقراره إذا كانت له عبارة صحيحة، وبالوالد إذا كان المقر يولد لمثله، وأن لا يكون المقر ثابت النسب من غيره، وأن يصدق المقر في إقراره إذا كانت له عبارة صحيحة، وبالمرأة إذا صدقته وكانت خالية عن زوج وعدة، وأن لا تكون تحت المقر أختها ولا أربع سواها ... ولا يصح إقراره بما عدا هؤلاء، نحو الأخ والعم والخال ومن أشبههم. وتفسير صحة الإقرار فيما يلزم المقر والمقر له من الحقوق، وفيما يلزم غيرهما، حتى إنه إذا أقر بالابن مثلًا، فالابن المقر له يرث مع سائر ورثة المقر، وإن جحد سائر الورثة نسبه، ويرث أيضا من أبي المقر وهو جد المقر له، وإن جحد الجد نسبه. وتفسير عدم صحة الإقرار بمن ذكرنا عدم اعتبار إقراره فيما يلزم غير المقر والمقر له من الحقوق، أما فيما يلزمهما من الحقوق فإقراره صحيح معتبر، حتى إن من أقر مثلا بأخ وله ورثة سواه يجحدون أخوته فمات المقر لا يرثه الأخ مع سائر ورثته، وكذلك لا يرث من أبي المقر إذا كان الأب يجحد نسبه، وإنما يستحق النفقة على المقر حال حياته". انظر الفتاوى الهندية (ج ٤ ص ١٦٣).
стр. 737
المادة: الله
الجزء: ٢/ الصفحة: ٥٨٧
تعليق أحمد شاكر على مادة (الله) في دائرة المعارف:
يبدو لمن قرأ هذا المقال أن كاتبه لم يطلع على الآيات القرآنية التي فيها أسماء الله وصفاته، وإنما أخذ أرقامها من الفهارس فقط، أو لعله قرأها ولم يتدبرها ولم يفقه معانيها، وقد يكون له في هذا شيء من العذر؛ فإنه يقرأ في لغة لم يتقنها ولم يمرن عليها لسانه ولا تفكيره، فلا يصل إلى شيء من أسرار معانيها وبلاغتها، أضف إلى ذلك سمو القرآن في عبارته إلى أعلى درجات البلاغة والإعجاز، مما كان سببًا في اختلاف كثير من علماء الإسلام: أهل اللغة وأبناء العربية. وظاهرة أخرى نشير إليها إشارة سريعة على مضض، وهي أن روح المقال يشعر منه القارئ بأن الكاتب لا يؤمن بالله ولا بشيء من صفاته المعروفة لأرباب الأديان السماوية؛ فهو ينقد كثيرًا من عقائد المسلمين التي تتفق مع عقائد اليهود والنصارى في صفات الله بعبارات فيها ألوان من التلاعب بالأفهام والعقول، وقد تكفل الكاتبون الكرام، والعلماء الكبار: السيد محمد عاشور الصدفي، والشيخ محمد حامد الفقي، والشيخ محمد أحمد عرفه، والأستاذ محمد جاد المولى بك، وهم الذين تفضلوا بالتعليق على هذا المقال؛ تكفلوا بنقد كثير من أخطاء الكاتب، وبيان وجه الحق فيما عمد إلى العدول به عن
стр. 738
وجهه الصحيح، فجزاهم الله أحسن الجزاء.
وبقي مما هاجم به الكاتب الشريعة الإسلامية، أن عمد إلى أساس من أقوى دعائمها - وهو الأحاديث النبوية - يحاول هدمه بالتشكيك فيه.
وقد كان الرأي تأخير هذا الرد ليكتب في موضعه، عند الكلام على الحديث، ولكن رأى إخواني أن أبادر بالكتابة في هذه المناسبة، احتياطًا من الأثر السيئ لكتابة الكاتب عند نشر أقواله باللغة العربية، وذيوع آرائه بين أبناء العروبة في مختلف الأقطار الإسلامية، وقد كان ضررها قاصرًا على من يقرأ الدائرة باللغات الأجنبية وحدها.
لم يأت الكاتب بأي دليل يؤيد طعنه على صحة الأحاديث وثبوتها إلا رأيه ورأي أخ له هو المستشرق (جولدزيهر) ثم إثارة الشكوك بكلمات جوفاء لا طائل تحتها؛ كادعائه أن من الواضح أن هناك أحاديث كثيرة لا يمكن أن تكون صدرت عن النبي ﷺ ، وأن محاولة وجود شيء في الحديث يمكن القطع بصحة نسبته إليه تاريخيًّا - محاولة فاشلة، وأن الفرق الإسلامية لما اختلفت في الآراء أخذ كل فريق منها يضع أحاديث يؤيد بها رأيه، وأن الأحاديث التي فيها مشابهة لما ورد في القرآن مشكوك فيها أيضًا، وكدعوى جولدزيهر: "أن الأحاديث ليست في الواقع إلا سجلًّا للجدل الديني في القرون الأولى، ومن ثم كانت قيمتها التاريخية، لكن هذا السجل مضطرب كثير الأغلاط التاريخية، وفيه معلومات
стр. 739
مضللة لم تؤخذ من مصادرها الأولى" إلى آخر ما ألقاه من دعاوي، وما أثاره من شكوك.
وقد عني المسلمون بحفظ أسانيد شريعتهم من الكتاب والسنة، بما لم تعن به أمة قبلهم، فحفظوا القرآن، ورووه عن رسول الله ﷺ متواترًا، آية آية، وكلمة كلمة، وحرفًا حرفًا، حفظًا في الصدور، وإثباتًا بالكتابة في المصاحف حتى رووا أوجه نطقه بلهجات القبائل، ورووا طرق رسمه في الصحف، وألفوا في ذلك كتبًا مطولة وافية، وحفظ المسلمون أيضًا عن نبيهم كل أقواله وأفعاله وأحواله، وهو المبلغ عن ربه والمبين لشرعه، والمأمور بإقامة دينه، وكل أقواله وأفعاله بيان للقرآن، وهو الرسول المعصوم، والأسوة الحسنة، قال تعالى في صفته: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤] وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] وقال أيضًا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يكتب كل شيء يسمعه من رسول الله ﷺ فنهته قريش، فذكر ذلك للرسول فقال: "اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق". ففهم المسلمون من كل هذا أنه يجب عليهم أن يحفظوا عن رسولهم كل شيء، وقد فعلوا وأدوا الأمانة على وجهها، ورووا الأحاديث عنه، بعضها متواتر إما لفظًا ومعنى، وإما معنى فقط، وبعضها بالأحاديث الصحيحة الثابتة، مما يسمى الحديث الصحيح والحديث الحسن، ولم يحتجوا في دينهم بغير هذه الأنواع، التي لا
стр. 740
يعارض فيها إلا جاحد أو مكابر.
ومعنى "المتواتر" عند علماء المصطلح والأصول وغيرهم؛ أنه خبر يرويه جمع من الناس يمتنع اتفاقهم وتواطؤهم على الكذب، عن جمع كثير مثلهم، وهكذا طبقة بعد أخرى، حتى يصل إلى النبي ﷺ فهذا لا يمكِّن أحدًا أن يشك في صحته وثبوته، اللهم إلا أمثال الكاتب من المستشرقين وأتباعهم، وهذا النوع من المتواتر كثير جدًّا في السنة، والقليل منه متواتر بلفظه ومعناه، وأكثره متواتر بالمعنى، كعدد الصلوات الخمس، وعدد الركعات في كل صلاة، ومثل كثير من معجزات النبي ﷺ ، وإن حاول بعض الناس في هذا العصر إنكار المعجزات المادية.
ومعنى "المشهور" أنه حديث يرويه رواة ثقات صادقون، طبقة عن طبقة حتى يصل إلى النبي ﷺ ، على أن لا يقل عدد الرواة في كل طبقة عن ثلاثة، وهذا أيضًا كثير جدًّا في السُّنة، باللفظ وبالمعنى، وفي الحقيقة أن المتواتر قسم من هذا النوع - المشهور - ولكنه أعلى أقسامه في الثبوت، فجعل نوعًا على حدة.
وباقي الأحاديث الصحيحة بعد ذلك يسمى "آحادًا" في اصطلاحهم، وهو الحديث الذي رواه الراوي الثقة الصادق عن مثله طبقة بعد طبقة، حتى يصل إلى النبي ﷺ ، يخبر كل واحد من هؤلاء الرواة باسم الذي أخبره ونسبه، وكلهم معروف الحال والعين والعدالة والزمان والمكان، ليس في أحد منهم مغمز في دينه،
следующие страницы →