← Джавами‘

Джавами‘ · id 20642

جمهرة مقالات أحمد شاكر

أحمد شاكر

Полный текст (928 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

تعليق أحمد شاكر: هذه الفروع المذكورة هنا هي مذهب علماء الحنفية في الأغلب، وعبارة الكاتب غير واضحة، ونص ما قاله الأحناف: "يصح إقرار الرجل بالولد، بشرط أن يكون المقر له بحال يولد مثله لمثله، وأن لا يكون المقر له ثابت النسب من غيره، وأن يصدق المقر له المقر في إقراره إذا كانت له عبارة صحيحة، وبالوالد إذا كان المقر يولد لمثله، وأن لا يكون المقر ثابت النسب من غيره، وأن يصدق المقر في إقراره إذا كانت له عبارة صحيحة، وبالمرأة إذا صدقته وكانت خالية عن زوج وعدة، وأن لا تكون تحت المقر أختها ولا أربع سواها ... ولا يصح إقراره بما عدا هؤلاء، نحو الأخ والعم والخال ومن أشبههم. وتفسير صحة الإقرار فيما يلزم المقر والمقر له من الحقوق، وفيما يلزم غيرهما، حتى إنه إذا أقر بالابن مثلًا، فالابن المقر له يرث مع سائر ورثة المقر، وإن جحد سائر الورثة نسبه، ويرث أيضا من أبي المقر وهو جد المقر له، وإن جحد الجد نسبه. وتفسير عدم صحة الإقرار بمن ذكرنا عدم اعتبار إقراره فيما يلزم غير المقر والمقر له من الحقوق، أما فيما يلزمهما من الحقوق فإقراره صحيح معتبر، حتى إن من أقر مثلا بأخ وله ورثة سواه يجحدون أخوته فمات المقر لا يرثه الأخ مع سائر ورثته، وكذلك لا يرث من أبي المقر إذا كان الأب يجحد نسبه، وإنما يستحق النفقة على المقر حال حياته". انظر الفتاوى الهندية (ج ٤ ص ١٦٣).

стр. 737

المادة: الله الجزء: ٢/ الصفحة: ٥٨٧ تعليق أحمد شاكر على مادة (الله) في دائرة المعارف: يبدو لمن قرأ هذا المقال أن كاتبه لم يطلع على الآيات القرآنية التي فيها أسماء الله وصفاته، وإنما أخذ أرقامها من الفهارس فقط، أو لعله قرأها ولم يتدبرها ولم يفقه معانيها، وقد يكون له في هذا شيء من العذر؛ فإنه يقرأ في لغة لم يتقنها ولم يمرن عليها لسانه ولا تفكيره، فلا يصل إلى شيء من أسرار معانيها وبلاغتها، أضف إلى ذلك سمو القرآن في عبارته إلى أعلى درجات البلاغة والإعجاز، مما كان سببًا في اختلاف كثير من علماء الإسلام: أهل اللغة وأبناء العربية. وظاهرة أخرى نشير إليها إشارة سريعة على مضض، وهي أن روح المقال يشعر منه القارئ بأن الكاتب لا يؤمن بالله ولا بشيء من صفاته المعروفة لأرباب الأديان السماوية؛ فهو ينقد كثيرًا من عقائد المسلمين التي تتفق مع عقائد اليهود والنصارى في صفات الله بعبارات فيها ألوان من التلاعب بالأفهام والعقول، وقد تكفل الكاتبون الكرام، والعلماء الكبار: السيد محمد عاشور الصدفي، والشيخ محمد حامد الفقي، والشيخ محمد أحمد عرفه، والأستاذ محمد جاد المولى بك، وهم الذين تفضلوا بالتعليق على هذا المقال؛ تكفلوا بنقد كثير من أخطاء الكاتب، وبيان وجه الحق فيما عمد إلى العدول به عن

стр. 738

وجهه الصحيح، فجزاهم الله أحسن الجزاء. وبقي مما هاجم به الكاتب الشريعة الإسلامية، أن عمد إلى أساس من أقوى دعائمها - وهو الأحاديث النبوية - يحاول هدمه بالتشكيك فيه. وقد كان الرأي تأخير هذا الرد ليكتب في موضعه، عند الكلام على الحديث، ولكن رأى إخواني أن أبادر بالكتابة في هذه المناسبة، احتياطًا من الأثر السيئ لكتابة الكاتب عند نشر أقواله باللغة العربية، وذيوع آرائه بين أبناء العروبة في مختلف الأقطار الإسلامية، وقد كان ضررها قاصرًا على من يقرأ الدائرة باللغات الأجنبية وحدها. لم يأت الكاتب بأي دليل يؤيد طعنه على صحة الأحاديث وثبوتها إلا رأيه ورأي أخ له هو المستشرق (جولدزيهر) ثم إثارة الشكوك بكلمات جوفاء لا طائل تحتها؛ كادعائه أن من الواضح أن هناك أحاديث كثيرة لا يمكن أن تكون صدرت عن النبي ﷺ ، وأن محاولة وجود شيء في الحديث يمكن القطع بصحة نسبته إليه تاريخيًّا - محاولة فاشلة، وأن الفرق الإسلامية لما اختلفت في الآراء أخذ كل فريق منها يضع أحاديث يؤيد بها رأيه، وأن الأحاديث التي فيها مشابهة لما ورد في القرآن مشكوك فيها أيضًا، وكدعوى جولدزيهر: "أن الأحاديث ليست في الواقع إلا سجلًّا للجدل الديني في القرون الأولى، ومن ثم كانت قيمتها التاريخية، لكن هذا السجل مضطرب كثير الأغلاط التاريخية، وفيه معلومات

стр. 739

مضللة لم تؤخذ من مصادرها الأولى" إلى آخر ما ألقاه من دعاوي، وما أثاره من شكوك. وقد عني المسلمون بحفظ أسانيد شريعتهم من الكتاب والسنة، بما لم تعن به أمة قبلهم، فحفظوا القرآن، ورووه عن رسول الله ﷺ متواترًا، آية آية، وكلمة كلمة، وحرفًا حرفًا، حفظًا في الصدور، وإثباتًا بالكتابة في المصاحف حتى رووا أوجه نطقه بلهجات القبائل، ورووا طرق رسمه في الصحف، وألفوا في ذلك كتبًا مطولة وافية، وحفظ المسلمون أيضًا عن نبيهم كل أقواله وأفعاله وأحواله، وهو المبلغ عن ربه والمبين لشرعه، والمأمور بإقامة دينه، وكل أقواله وأفعاله بيان للقرآن، وهو الرسول المعصوم، والأسوة الحسنة، قال تعالى في صفته: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤] وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] وقال أيضًا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يكتب كل شيء يسمعه من رسول الله ﷺ فنهته قريش، فذكر ذلك للرسول فقال: "اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق". ففهم المسلمون من كل هذا أنه يجب عليهم أن يحفظوا عن رسولهم كل شيء، وقد فعلوا وأدوا الأمانة على وجهها، ورووا الأحاديث عنه، بعضها متواتر إما لفظًا ومعنى، وإما معنى فقط، وبعضها بالأحاديث الصحيحة الثابتة، مما يسمى الحديث الصحيح والحديث الحسن، ولم يحتجوا في دينهم بغير هذه الأنواع، التي لا

стр. 740

يعارض فيها إلا جاحد أو مكابر. ومعنى "المتواتر" عند علماء المصطلح والأصول وغيرهم؛ أنه خبر يرويه جمع من الناس يمتنع اتفاقهم وتواطؤهم على الكذب، عن جمع كثير مثلهم، وهكذا طبقة بعد أخرى، حتى يصل إلى النبي ﷺ فهذا لا يمكِّن أحدًا أن يشك في صحته وثبوته، اللهم إلا أمثال الكاتب من المستشرقين وأتباعهم، وهذا النوع من المتواتر كثير جدًّا في السنة، والقليل منه متواتر بلفظه ومعناه، وأكثره متواتر بالمعنى، كعدد الصلوات الخمس، وعدد الركعات في كل صلاة، ومثل كثير من معجزات النبي ﷺ ، وإن حاول بعض الناس في هذا العصر إنكار المعجزات المادية. ومعنى "المشهور" أنه حديث يرويه رواة ثقات صادقون، طبقة عن طبقة حتى يصل إلى النبي ﷺ ، على أن لا يقل عدد الرواة في كل طبقة عن ثلاثة، وهذا أيضًا كثير جدًّا في السُّنة، باللفظ وبالمعنى، وفي الحقيقة أن المتواتر قسم من هذا النوع - المشهور - ولكنه أعلى أقسامه في الثبوت، فجعل نوعًا على حدة. وباقي الأحاديث الصحيحة بعد ذلك يسمى "آحادًا" في اصطلاحهم، وهو الحديث الذي رواه الراوي الثقة الصادق عن مثله طبقة بعد طبقة، حتى يصل إلى النبي ﷺ ، يخبر كل واحد من هؤلاء الرواة باسم الذي أخبره ونسبه، وكلهم معروف الحال والعين والعدالة والزمان والمكان، ليس في أحد منهم مغمز في دينه،

стр. 741

ولا مطعن في صدقه وأمانته، مع التحري والضبط لما رووه كلمة كلمة، وحرفًا حرفًا، وإن كان مرويًّا بالمعنى، ثم وصلت هذه الأحاديث الصحيحة، المعروف نقلتها، الموثوق برواتها، إلى أئمة هذا الفن الذين تفرغوا لدرسها ونقدها، فنقدوا أحوال الرواة وتراجمهم واحدًا واحدًا، ونفوا رواية كل من كانت روايته موضع شك، ومن كان صدقه وأمانته موضع ريبة، مهما ضؤلت، وجمعوا هذه الأحاديث في الكتب، ورواها الناس عنهم رواية مستفيضة منتشرة، تبلغ حد التواتر إليهم، وأكثر هذه الأحاديث منقول بنقل الكافة من الناس عن مثلهم إلى أن يصل إلى رسول الله ﷺ فهو داخل في المتواتر أو في المشهور، وإما إلى أحد، الصحابة، وإما إلى أحد التابعين، وإما إلى أحد الأئمة الأعلام الذين أخذوا عن التابعين أو الذين أخذوا عن أتباع التابعين، وكلهم موضع الصدق والثقة، لا مغمز في واحد منهم، وكما قال الإمام أبو محمد بن حزم: "هذا نقل خص الله تعالى به المسلمين دون سائر أهل الملل كلها، وأبقاه عندهم غضًّا جديدًا على قديم الدهور ... فلا تفوتهم زلة في كلمة فما فوقها في شيء من النقل، إن وقعت لأحدهم، ولا يمكن فاسقًا أن يقحم فيه كلمة موضوعة، ولله تعالى الشكر". وقد كتب في (الملل والنحل) فصلًا بديعًا طريفًا في هذا البحث، أفاض فيه القول كعادته (ج ٢ ص ٨١ - ٨٤)، وقارن فيه بين طرق الإثبات التاريخي لأسانيد الشريعة الإسلامية وبين طرق الإثبات لأسانيد غيرها، ولو

стр. 742

أردنا الدفاع عن شريعتنا بالهجوم على غيرها لنقلنا كلامه كله، ولكننا لا نرضى أن نسير في هذا الطريق. إن أئمة هذا الفن - في الحديث - احتاطوا أشد الاحتياط في النقل، فكانوا يحكمون بضعف الحديث لأقل شبهة في سيرة الناقل الشخصية، أما إذا اشتبهوا في صدقه، وعلموا أنه كذب في شيء من كلامه، فقد رفضوا روايته وسموا حديثه "موضوعًا" أو "مكذوبًا" وإن لم يعرف عنه الكذب في رواية الحديث، مع علمهم بأنه قد يصدق الكذوب. وكذلك توثقوا من حفظ كل راو، وقارنوا رواياته بعضها ببعض، وبروايات غيره، فإن وجدوا منه خطأ كثيرًا، وحفظًا غير جيد ضعفوا روايته، وإن كان لا مطعن عليه في شخصه، ولا في صدقه خشية أن تكون روايته مما خانه فيه الحفظ. وقد حرروا القواعد التي وضعوها لقبول الحديث، وحققوها بأقصى ما في الوسع الإنساني، احتياطًا لدينهم، ونفيًا للخطأ عن سنة نبيّهم، فكانت قواعدهم التي ساروا عليها أصح القواعد للإثبات التاريخي وأعلاها وأدقها، وإن أعرض عنها كثير من الناس وتحاموها بغير علم منهم ولا بينة. ثم جمعوا هم ومن جاء بعدهم كل ما وصل إليهم من روايات في الحديث، صحيحة أو ضعيفة، مع بيان قوتها أو ضعفها في أكثر الأحوال، وبعضهم جمع في كتابه أحاديث صحيحة واقتصر عليها، كالبخاري ومسلم، ﵄، وكتاباهما أصح الكتب ثبوتًا

стр. 743

بعد القرآن، وأحاديثهما لا شك في صحة شيء منها عند العلماء بهذا الشأن وبعض العلماء عني بجمع الأحاديث التي ثبت أنها مكذوبة على نبي الله ﷺ ، ليحذر الناس منها. وجمعوا أيضًا كل ما وصل إلى علمهم من أسماء الرواة وأنسابهم وأحوالهم وتفاصيل تراجمهم؛ ليكون الباحث على بينة من بحثه في صحة الحديث، وألفوا في كل هذا الدواوين الكبار في مئات من المجلدات بل آلاف، مما لا تجد النزر اليسير منه عند أية أمة من سائر الأمم. أفبعد هذا العمل الضخم، والإنتاج الهائل العظيم يأتي أولئك المستشرقون ليسحروا أعين الناس، ويستهووا عقولهم، ويضعوا الغشاء على أبصارهم: فيزعموا أنه ليس في الإمكان التحقق من صحة أي حديث عن النبي ﷺ ثم يثبتوا الأحاديث وينفوها بما تشتهي أنفسهم، وترضى عقائدهم، ثم يلقوا على السُّنة كلها ظلالًا من الشك والريبة، بالهوى والبهتان، وبغير برهان ولا دليل؟ ! إن المطلع على أقوال هؤلاء الناس يراهم يقبلون من الأحاديث أضعفها سندًا وأوهاها رواية، وافق رأيهم وهواهم، وإن كان في كتاب من كتب التاريخ أو السير أو غيرها بدون إسناد، ويحكمون بالكذب والوضع على أكثر الأحاديث الصحاح، بما أجمع المسلمون على صحته وثبوته، ولن تجد لهم قاعدة أو خطة يسيرون عليها في قبول الأحاديث أو رفضها، وكما ترى كاتب هذا المقال: يزعم أن

стр. 744

الأحاديث التي تجد فيها مشابهة لما ورد في القرآن مشكوك فيها! ! وهذا أقبح ألوان الافتراء، وأسقط أنواع الاستدلال، فإن المعقول الواضح أن الحديث الذي يوافق معنى القرآن، ويؤيده القرآن يكون معناه ثابتًا عن النبي ﷺ وإن لم يثبت لفظه ولم يقم إسناده، ولكن القوم لا يرمون إلى التحقيق العلمي، والبحث العقلي وإنما يرمون إلى التشكيك، ثم إلى الشك. ومن الأمثلة الدالة على مقدار علمهم بإثبات الأحاديث ونفيها؛ أن كاتب مقال "أم الولد" الآتي في الدائرة، نقل حديثًا، ثم زعم أنه تأيدت صحته بما ورد في كتاب "كنز العمال" مع أن كنز العمال ليس كتابًا في رواية الحديث، بل هو مجموع لأحد المتأخرين من أهل الهند في النصف الثاني من القرن العاشر الهجري، وهو نفسه كتاب "الجامع الكبير" للسيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ ولكنه مرتب على الأبواب؛ لأن الجامع الكبير فهرس لأكثر كتب السنة، رتب مؤلفه الأحاديث على الحروف الهجائية في أوائل الألفاظ النبوية، وجمع فيه الصحيح والضعيف من غير بيان لقيمة كل واحد منها، ولكنه نسب الأحاديث إلى رواتها من كتب المحدثين، فهل يرى أي عاقل أن نقل الحديث في كنز العمال يؤيد نفس الحديث في مصدره الأصلي؟ ! . ثم ترى نفس كاتب مقال "أم الولد" يجزم بكذب أحاديث صحيحة، وبعضها في الصحيحين "البخاري ومسلم".

стр. 745

المادة: إمام الجزء: ٢/ الصفحة: ٦١٤ جاء في دائرة المعارف الإسلامية: "ويطلق على كل واحد من واضعي المذاهب الأربعة في الإسلام لقب (الإمام)، أضف إلى ذلك أن أبا حنيفة كان يعرف بين تلاميذه بالإمام الأعظم، ويطلق هذا اللقب كذلك على سوق بالقرب من بغداد كان اسمه أول الأمر الرصافة، وهو المكان الذي دفن فيه أبو حنيفة، ثم أصبح لفظ إمام يخلع على كل العلماء الذين وضعوا المذاهب المختلفة". تعليق أحمد شاكر: كلا، بل إن كلمة (الإمام) من الوجهة العلمية كانت تطلق على كل العلماء العظماء الذين يُقتدى بهم في الدين من المجتهدين، ومنهم الأئمة الأربعة وغيرهم، فلم تكن الكلمة خاصة بهم في أول الأمر، وإنما خصصت بهم أخيرًا بعد شيوع تقليد الأربعة، وصار ذلك اصطلاحًا خاصًّا عند بعض المتأخرين فقط. المادة: أمة الجزء: ٢/ الصفحة: ٦٣١ جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن كلمة (أمة) أنها دخلت لغة العرب في زمن متقدم بعض الشيء، ثم قال:

стр. 746

" .. ومهما يكن من شيء فإن محمدًا أخذ هذه الكلمة واستعملها، وصارت منذ ذلك الحين لفظًا إسلاميًّا أصيلًا". تعليق أحمد شاكر: يزعم كاتب المقال أن هذه المادة دخيلة في اللغة العربية، مأخوذة من العبرية أو الآرامية، وهذه دعوى عريضة يدعيها هؤلاء الناس دائما في كل كلمة عربية يوجد بمعناها كلمة في لغة أخرى وتتفقان في حرفين فأكثر، ولو بتقارب المخارج في الحروف أو مع التصحيف والتحريف، وما نراه بعيدا عنهم أن يدعوا مثل ذلك إن اتفقتا في حرف واحد! وليس من شك في أن الكلمة مستعملة في لغة العرب قبل الإسلام وقبل نزول القرآن، ومع ذلك فإن الكاتب خشي أن يسترسل في ادعائه، فرضي أن يقر باحتمال دخولها في لغة العرب "في زمن متقدم بعض الشيء! ! ". ومن الثابت تاريخيًّا أن اللغة العربية واللغة العبرية متشابهتان أو متقاربتان، ولم يمكن الجزم بأيتهما أسبق وأقدم من الأخرى فتكون المتأخرة فرعًا من السابقة، أو بأنهما كلتيهما فرعان من لغة أخرى أقدم منهما، فلا يسوغ الجزم في أية كلمة بأنها مأخوذة من إحدى اللغتين لأختها، وإن كنا نرجح أن العربية أسبق وأقدم من العبرية، ترجيحًا فقط. وقد كانت في جزيرة العرب أمة ضخمة، حينما جاء إبراهيم ﵇ إلى مكة بأم ولده هاجر ومعهما ابنهما إسماعيل ﵇، (انظر قصص الأنبياء لأستاذنا الشيخ عبد الوهاب

стр. 747

النجار ص ١٣٦ - ١٣٧ من الطبعة الثانية). وقد كانت لهذه الأمة لغة قطعًا، وليس هناك دليل على أنها لغة أخرى غير العربية التي بقيت حية نامية متوارثة فيهم إلى عصر النبوة، ثم إلى عصرنا هذا، ثم إلى ما شاء الله، وما يدرينا لعل إبراهيم اقتبس كثيرًا من ألفاظ هذه اللغة إلى لغته حين كان يزور ابنه في مكة، ويبني معه الكعبة المقدسة بأمر ربه، ولعل جوار الأمتين وتواصلهما بالتجارة ونحوها له أثر في انتقال بعض الكلمات من إحدى اللغتين إلى الأخرى، إن لم تكونا معًا من أصل واحد، وإن لم تكن العبرية فرعًا محرفًا من اللغة العربية، ولسنا نرضى أن نجزم في هذا بشيء، ولكنا ندل على تمحل هؤلاء الناس وتحكمهم في النظريات بغير دليل ولا برهان. المادة: أمة الجزء: ٢/ الصفحة: ٦٣٢ جاء في دائرة المعارف الإسلامية بعد ذكر إطلاقات كلمة (أمة) في القرآن الكريم: " .. وفيما عدا هذا يدل لفظ الأمة دائمًا على جماعات كبيرة، أو على الأقل على جماعات تنطوي في غيرها أكبر منها". تعليق أحمد شاكر: ادعى الكاتب أن كلمة "أمة" التي وردت في آيات القرآن لا يمكن تحديد معناها بالتدقيق، وهذا مما يعذر فيه؛ فإنه يبحث في لغة غير

стр. 748

لغته، ولن يصل إلى تحقيق ألفاظها ومعانيها، وإلَّا فأصل معنى الكلمة محدود، واختلاف المراد بها في الآيات مرجعه إلى القرائن الدالة على المعنى الذي هو داخل في المعنى الأصلي للكلمة، وهاك مثالًا لذلك؛ قول الإمام الراغب الأصفهاني في المفردات ص ٢١: "الأمة: كل جماعة يجمعهم أمر ما: إما دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد، سواء أكان ذلك الأمر الجامع تسخيرا أم اختيارا، وجمعها أمم، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]. أي؛ كل نوع منها على طريقة قد سخرها الله عليها بالطبع، فهي من بين ناسجة كالعنكبوت، وبانية كالسرفة، ومدخرة كالنمل، ومعتمدة على قوت وقته كالعصفور والحمام إلى غير ذلك من الطبائع التي تخصص بها كل نوع، وقوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣]. أي؛ صنفًا واحدًا وعلى طريقة واحدة في الضلال والكفر". ثم قال: وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ١٢٠]. أي؛ قائمًا مقام جماعة في عبادة الله، نحو قولهم: فلان في نفسه قبيلة. وروي أنه يحشر زيد بن عمرو بن نفيل أمة واحدة". قد يستغرب القارئ نقل نص أقوال الراغب؛ إذ إنها تقارب في الجملة ما نقله الكاتب هنا من معاني الكلمة وهذا صحيح، ولكني إنما نقلته لأدل على الفرق بين اللونين من التعبير؛ الراغب: رجل عالم مسلم كبير، فهو يكتب كتابة علمية مبنية على المعروف له من لغة العرب، مما وجده في كتب من سبقه من أئمة اللغة، ومن أقوال

стр. 749

المفسرين وغيرهم، وهم حفظة اللغة والدين، وكاتب هذا المقال: رجل مستشرق، أي؛ أنه يبحث في موضوع متعلق بلغة ليس له إلمام بأسرارها؛ ولذلك فهو يحاول أن يلقي في روع القارئ أن معاني هذه الكلمة في القرآن غير محددة وغير واضحة! ! نحن لا نرغم الكاتب ولا غيره أن يصدق بالإسلام، ولا أن يؤمن بنبوة محمد ﷺ ، ولا أن يعتقد أن القرآن كتاب من عند الله، ولكنا نستطيع أن نحمله على احترام الحقائق التاريخية، وعلى احترام المنطق الصحيح، بالحجة والبرهان. لست أظن أنه هو أو غيره بمستطيع ادعاء أن محمدًا ﷺ لم يكن عربيًّا خالص النسب، وأنه كان في عصر لم تختلط العجمة بألسنة العرب ولغتهم، وأنه كان أفصحهم وأعلمهم باللغة، وقد أتى قومه وهم أساطين البلاغة بهذا الكتاب، وتحداهم بأقصر سورة منه أن يأتوا بمثلها، وخاطبهم بلغتهم التي كانوا بها يفخرون، فآمن منهم من آمن، وكفر من كفر، ولكنا لم نسمع أن واحدًا منهم أنكر عليه شيئًا من لغة القرآن، أو زعم أنه يضطرب في تحديد معنى الكلمات، وأنه خرج عن المعاني المعروفة عندهم للألفاظ المفردة وحدها، أو للألفاظ متحدة مع غيرها في تركيب الجمل، ولو كان شيء من هذا، لكان أهون عليهم أن يردوا به قوله من أن يقولوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. وقد قالوا حين سمعوا القرآن يتلى عليهم:

стр. 750

﴿قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. [الأنفال: ٣١]. ولم يقولوا: إن هذا ليس مما يوافق لغتنا، وأنت تدعي أنه كتاب عربي مبين. المادة: أم الولد الجزء: ٢/ الصفحة: ٦٣٦ جاء في دائرة المعارف الإسلامية: "ولم يحدد القرآن مكانة أم الولد، والمحقق أن النبي ﷺ لم يشرع أي نظام يغير من مكانتها أو مكانة أبنائها، ولا يمكننا أن نتخذ عتقه لمارية عندما ولدت له إبراهيم سنّةً عامّة، وإن كانت هذه الحادثة لها صلة بالأحاديث الخاصة بأم الولد، وقد تكون الرواية التي ذهبت إلى أن النبي ﷺ اعترف بابن مارية بعد تردد طويل، معقولة من ناحية موضوعها، وإن كانت غير معقولة من ناحية الصيغة التي وردت فيها". تعليق أحمد شاكر: نص الرواية في طبقات ابن سعد (ج ٨ ص ١٥٤ - ١٥٥): "عن أنس بن مالك قال: كانت أم إبراهيم سرية للنبي ﷺ في مشربتها، وكان قبطي يأوي إليها ويأتيها بالماء والحطب، فقال الناس في ذلك: علج يدخل على علجة؟ فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأرسل علي بن أبي طالب فوجده علي على نخلة، فلما رأى السيف وقع في نفسه، فألقى الكساء الذي كان عليه، وتكشف، فإذا هو مجبوب، فرجع عليٌّ إلى النبي ﷺ -

стр. 751

فأخبره، فقال: يا رسول الله، أرأيت إذا أمرت أحدنا بالأمر، ثم رأى في غير ذلك أيراجعك؟ قال: نعم. فأخبره بما رأى من القبطي. قال: وولدت مارية إبراهيم، فجاء جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم. فاطمأن رسول الله إلى ذلك". وهذا هو الذي يسميه كاتب البحث "ترددًا طويلًا" في اعتراف الرسول بابنه من مارية، كما اعتاد أمثاله أن يتوسعوا في تحميل الكلام مالا يحتمله، وهذا هو الذي دعاه لأن يزعم أن الرواية "غير معقولة في الصيغة التي وردت فيها" وذلك أنه لا يريد أن يسلم بأي شيء يدل على نبوة النبي ﷺ والوحي إليه وخطاب جبريل له. المادة: أم الولد الجزء: ٢/ الصفحة: ٦٣٧ جاء في دائرة المعارف الإسلامية: "والسنة التي استنها عمر تؤيدها عدة روايات، ولو أن تفصيلاتها تختلف فيما بينها، كما أنها مشوبة بالأساطير (انظر بوجه خاص كنز العمال، جـ ٤، ٥١١٨، ٥١٢٢، ٥١٢٤، الصنعاني، سبل السلام، كتاب البيوع، رقم ١١) ". تعليق أحمد شاكر: الأثر عن عمر الذي يزعم الكاتب أنه مشوب بالأساطير رواه الحاكم في المستدرك (ج ٢ ص ٤٥٨) ونصه: "عن عبد الله بن بريدة

стр. 752

عن أبيه قال: كنت جالسًا عند عمر بن الخطاب ﵁ إذ سمع صائحة، فقال: يا يرْفأ، انظر ما هذا الصوت. فانطلق فنظر ثم جاء فقال: جارية من قريش تباع أمها. فقال عمر: ادع لي. أو قال: علي بالمهاجرين والأنصار. قال: فلم يمكث إلا ساعة حتى امتلأت الدار والحجرة. قال: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد؛ فهل تعلمونه كان مما جاء به محمد ﷺ القطيعة؟ قالوا: لا. قال: فإنها قد أصبحت فيكم فاشية. ثم قرأ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ [سورة محمد: ٢٢]. ثم قال: وأي قطيعة أقطع من أن تباع أم امرئ فيكم وقد وسع الله لكم. قالوا: فاصنع ما بدا لك. قال: فكتب في الآفاق: أن لا تباع أم حر، فإنها قطيعة، وإنه لا يحل". وهذا أثر صحيح، صححه الحاكم والذهبي، ونسبه في سبل السلام لابن المنذر وابن عساكر أيضًا. ولست أرى وجهًا لزعم الكاتب أنه مشوب بالأساطير؛ فإنه يحكي قصة لا غرابة في شيء منها. المادة: أم الولد الجزء: ٢/ الصفحة: ٦٤٠ جاء في دائرة المعارف الإسلامية: "وحسبنا أن نقول هنا إن العزل عن الإماء كان جائزًا، ويجوز للسيد أن ينكر أبوته لابنه من أم الولد حتى لا يجعلها أم ولده".

стр. 753

تعليق أحمد شاكر: هذا غير صحيح، ولا يجوز للمسلم أن ينفي ولده الذي تحقق أبوته سواءً أكان من زوجته أم من أمته، ولكنه إذا نفاه وكان من حرة وجب اللعان، وإن كان من أمته فلا يجب اللعان، ولكنه يكون آثمًا إثمًا كبيرًا؛ لأنه رمى امرأة بريئة بالباطل والبهتان، أما إذا وثق أنه ليس ابنه فإنه لا إثم عليه في نفيه عنه، ومرجعه في ذلك إلى دينه وأمانته، والله مطلع على سريرته. المادة: أم الولد الجزء: ٢/ الصفحة: ٦٤٢ جاء في دائرة المعارف الإسلامية: "وبالرغم من تحسن مركز أم الولد خلال تطور الفقه الإسلامي، فقد ظل النفور من زواج الأمة وإيلادها، وهو نفور قديم، قائمًا أمدًا طويلًا. وهناك حديث من الأحاديث التي تذم التسري ظل إلى زمن البخاري، وهذا الحديث لا شك في أن خصوم العباسيين هم الذين وضعوه ثم حُرِّف عن معناه". تعليق أحمد شاكر: انظر إلى كاتب المقال كيف يجزم بأنه لا شك في أن خصوم العباسيين هم الذين وضعوا هذا الحديث؟ ولو ذهبت تسأله عن دليله على ما يقول لسكت، أو لأتى لك

стр. 754

بكلمات جوفاء لا تنطبق على أي قاعدة علمية أو تاريخية، ثم اسأله ما علاقة العباسيين بهذا الحديث حتى يكون تاريخهم أو سيرتهم أو سياستهم دليلًا على وضعه في زعمه؟ إن للحديث النبوي قواعد وضعها أئمة الحفاظ، وهي أوثق القواعد العلمية وأدقها في الإثبات التاريخي، وقد احتاطوا أشد الاحتياط في نقد رواة الأحاديث وفي نقد ما رووه، وإنما يدرك قيمة عملهم ويستوثق منه ويطمئن إليه قلبه من مارس قواعدهم وتشبعت نفسه منها، وصار له فيها ملكة فنية، كما يكون ذلك في كل علم من العلوم. وبعد: فإن الحديث الذي يجزم الكاتب بوضعه حديث صحيح جدًّا، اتفق على روايته البخاري ومسلم في كتابيهما الصحيحين، وهما أصح الكتب بعد القرآن الكريم، وهما اللذان لا مطعن في صحة حديث من أحاديثهما عند العارفين من أهل العلم، وقد رواه غيرهما أيضًا بأسانيد صحيحة، وهو حديث سؤال جبريل ﵇ للنبي ﷺ عن أمور الإسلام والإيمان وعن أشراط الساعة، وفيه أن من أشراطها "أن تلد الأمة ربها" أي؛ تلد المملوكة سيدها. وفي شرح هذا الحديث كلام طويل، والحديث معروف لأكثر المسلمين، فقد رواه البخاري (ج ١ ص ١٠٥ - ١١٥ فتح الباري طبعة بولاق) ومسلم (ج ١ ص ١٨ طبعة بولاق) من حديث أبي هريرة، ورواه مسلم أيضًا (ج ١ ص ١٧ - ١٨) من حديث عمر بن الخطاب، ونقله النووي من حديث عمر في الأربعين النووية، وهو الحديث الثاني منها، وعن ذلك اشتهر عند الكافة حتى العوام، وحديث أبي هريرة رواه البخاري

стр. 755

أيضًا في مواضع أخرى من صحيحه، ورواه أيضًا ابن ماجه، ورواه أبو داود والنسائي من حديث أبي ذر وأبي هريرة وحديث عمر رواه أيضًا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو عوانة وابن خزيمة في صحيحيهما، وكذلك الإمام أحمد في مسنده والطبراني، وقد ورد الحديث أيضًا من رواية أنس بن مالك، رواه البزار بإسناد حسن، ومن حديث جرير بن عبد الله البجلي، رواه أبو عوانة في صحيحه، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث أبي عامر الأشعري، رواهما الإمام أحمد في مسنده، وانظر تفصيل الكلام على طرقه وأسانيده في شرح العيني على البخاري (ج ١ ص ٢٨٣ - ٢٨٤) وفي شرح الأربعين لابن رجب (ص ١٦ - ١٧) وفي كثير من كتب السنة وشروحها، فهؤلاء الرواة الثقات والأئمة والصحابة كلهم في نظر كاتب المقال كذابون وضاعون، لماذا؟ لأنه يعتقد أنهم خصوم للعباسيين. المادة: أم الولد الجزء: ٢/ الصفحة: ٦٤٣ جاء في دائرة المعارف الإسلامية: "وكان فيه آخر صدى للاتجاه الجاهلي القديم، وتغيرت الأحوال الاجتماعية عنه تغيرًا تامًّا، فتقررت المساواة المطلقة بين الأبناء الذين يولدون من زوجة حرة وبين أبناء السرية منذ عهد طويل". تعليق أحمد شاكر: ما يوهمه كلام الكاتب غير صحيح، فإنه يريد أن يزعم أن

стр. 756

الحديث الذي ظل إلى عصر البخاري ومسلم (منتصف القرن الثالث الهجري) وضعه خصوم العباسيين، وأن ذلك دليل على التفرقة في نظر المسلمين في ذلك العصر بين أبناء الحرة وبين أبناء الأمة، وهذا رمي بالقول على عواهنه، لا يؤيده أي نص تاريخي، ولا أي نظر سليم، بل كان المسلمون من أول الإسلام، في عهد النبي ﷺ ، ثم من بعده في سائر عصور الإسلام: لا يفرقون بين أبنائهم من الحرائر والإماء، وآية ذلك أن إبراهيم، كان الابن الوحيد للنبي ﷺ في أواخر حياته، وكان بهذه الصفة معززًا مكرمًا، وقد حزن الرسول والمسلمون أشد الحزن عند موته طفلًا، وأن أكثر الصحابة في عصره وبعد عصره كان لهم أبناء من الحرائر والإماء، ولم نسمع شيئًا في التفرقة بينهم. وانظر تراجمهم في كتاب (الطبقات الكبير) لابن سعد، تجده يذكر في ترجمة كل صحابي أبناءه - إن كان له عقب - ويذكر أم كل واحد منهم، حرة أو أمة، على قدم المساواة، وانظر ترجمة سيد التابعين وسيد المسلمين في عصره، وهو (زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب) في طبقات ابن سعد (ج ٥ ص ١٥٦) وفي ابن خلكان (ج ١ ص ٤٠٣) وفي التهذيب (ج ٧ ص ٣٠٤) وأمه أم ولد، ولم يضع ذلك من شرفه وفضله ونبله شيئًا عند المسلمين، وكذلك الإمامان العالمان الفقيهان: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وغيرهما من السادة الأخيار، والأئمة الأبرار، والله الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 757

المادة: أمي الجزء: ٢/ الصفحة: ٦٤٥ تعليق أحمد شاكر على مادة (أُمّي) في دائرة المعارف: كاتب هذا البحث هو كاتب البحث السابق عن كلمة "أمة"، وقد بنى بحثه هنا كما بناه هناك، على أن أصل الكلمة ليس من اللغة العربية، وأن النبي ﷺ لم يحدد معناها بالدقة، بل زاد هنا زعمه أن كلمة "أمي" لم تظهر إلا بعد الهجرة، وأن الكلمة مما أطلقه اليهود على العرب، وأنهم يريدون بـ "الأميين" الوثنيين، وأن النبي ﷺ وصف نفسه بأنه "النبي الأمي"؛ لأنه "ربما لم يكن على بينة مما تدل عليه كلمة أمي عند اليهود، وأنه ربما جعل لهذه الكلمة معنى جديدًا". وهذا الذي زعمه ينهار كله بنقض أساسه، فإن كلمة "الأمي" وصف الله بها نبيه ﷺ في آيتين في سورة الأعراف، وهي مكية، أي؛ أنها نزلت عليه عندما كان بمكة قبل الهجرة، وهي السورة (٣٩) في ترتيب نزول السور، وهي أول السور الطوال نزولًا بمكة، والسور المكية (٨٣) سورة، من (١١٤) عدد سور القرآن. ولم يكن للنبي ﷺ صلة باليهود عندما كان بمكة، حتى يمكن للكاتب أن يزعم أن الكلمة أطلقها اليهود في ذلك الوقت على الوثنيين.

стр. 758

وقد جاءت الكلمة في ست آيات من القرآن الكريم، وها هي بنصها ليظهر المراد منها. قال الله تعالى في سورة الأعراف - وهي مكية -: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾. [١٥٧]. ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [١٥٨]. وقال تعالى في سورة آل عمران - وهي مدنية -: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. [٢٠]. وقال تعالى في هذه السورة: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾. [٧٥]. وقال تعالى في سورة الجمعة - وهي مدنية -: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ

стр. 759

كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾. [٢]. وقال تعالى في سورة البقرة - وهي مدنية - في وصف اليهود: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨)﴾. [٧٨]. ولم تذكر عادة "أمي" في غير هذه الآيات من الكتاب الكريم، وسياقها كلها يدل على أن المراد بالأمي هو من لا يعرف القراءة والكتابة، كما هو المعنى المعروف في لغة العرب، وتجاهل كاتب المقال ذلك لا يؤثر في حقائق اللغة والعلم، والقرآن الكريم أوثق كتاب في الدنيا في ثبوت إسناده التاريخي، فليس من شك عند أحد من الناس أن محمدًا بن عبد الله بن عبد المطلب أتى به وأخبر أن الله أوحى به إليه، لا يخالف في ذلك أحد. وبذلك فسرها أئمة اللغة العارفون بها، فمن ذلك قول محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠ في التفسير (ج ١ ص ٢٩٦ طبعة بولاق): "إن الأمي عند العرب هو الذي لا يكتب. وأرى أنه قيل للأمي أمي: نسبة له بأنه لا يكتب إلى أمه؛ لأن الكتاب كان في الرجال دون النساء، فنسب من لا يكتب ولا يخط من الرجال إلى أمه في جهله بالكتابة دون أبيه، كما ذكرنا عن النبي ﷺ من قوله: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب". والطبري من أعلم العلماء باللغة العربية، وكتابه أقدم كتاب في أيدينا لتفسير القرآن، والحديث الذي استدل به حديث صحيح ثابت، والنبي ﷺ فسر به كلمة "أمي" في لغة قومه، وخاطبهم بذلك وهم يسمعون. وقال أبو حيان الأندلسي المتوفى سنة ٧٥٤ في تفسيره (البحر

стр. 760

المحيط ج ١ ص ٢٦٩): "الأمي: الذي لا يقرأ في كتاب ولا يكتب، نسب إلى الأم؛ لأنه ليس من شغل النساء أن يكتبن أو يقرأن في كتاب، أو لأنه بحال ولدته أمه لم ينتقل عنها، أو نسب إلى الأمة، وهي الخلقة، أو إلى الأمة؛ إذ هي ساذجة قبل أن تعرف المعارف". وأبو حيان هذا من أعلم الناس باللغة وعلومها في القرن الثامن. وما لنا نذهب بعيدًا، وهذا كتاب الله قد وصف محمدًا ﵇ بأنه "أمي" في سورة الأعراف كما قدمنا، ثم فسر معنى هذا الوصف في سورة العنكبوت، وهي سورة مكية أيضًا ما عدا الآيات (من ١ - ١١) منها، فقال في الآية [٤٨]: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾. وهذه السورة نزلت بعد الأعراف بوقت طويل؛ لأنها من آخر السور المكية نزولًا، بل إنه لم ينزل بعدها بمكة إلَّا سورة واحدة. وقد ثبت بالتواتر الذي لا شك فيه أن النبي ﷺ كان أميًّا بمعنى أنه لا يعرف القراءة ولا الكتابة، وأن هذا من آيات نبوته؛ لأنه وهو أمي أتى بكتاب يعجز كل واحد من البشر، ويعجز الإنس والجن مجتمعين من أن يأتوا بسورة من مثله، وكان يتلوه على الناس، ويعاود تلاوته عليهم، لا يتغير منه حرف، ولا يختلف في كلمة ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. فإن الرجل الفصيح إذا ألقى كلامًا مرتجلًا غير مكتوب فلا يمكنه أن يعيده كله ولا أكثره بنصه وحروفه، وإن أمكنه أن يعيد كثيرًا من معانيه بعبارات أخرى، وهذا مشاهد

стр. 761

بديهي، قال السهيلي في (الروض الأنف ج ٢، ص ٢٣٠): "وبكونه أميًّا في أمة أمية قامت الحجة وأفحم الجاحد، وانحسمت الشبهة". وبذلك يظهر بطلان ما ادعاه كاتب المقال من أن إطلاق كلمة "أمي" على النبي ليس راجعًا إلى أنه لم يكن يعرف القراءة والكتابة، وهو لا يريد بذلك إلا الإشارة إلى ما يدعيه كثير من المغرضين من أن النبي ﷺ كان قارئًا؛ ليصلوا بذلك إلى ادعاء أنه اقتبس دينه وكتابه من الأديان السابقة والكتب المتقدمة، وهذه دعوى تنافي كل ما ثبت بالتواتر القاطع من التاريخ الإسلامي، ولا تقوى على الثبات أمام أي سند تاريخي صحيح، وأظهر ما في ذلك لكل ناظر أن النبي ﷺ حكى عن ربه أنه وصفه بصفة واضحة بينة هي أنه "أمي" ثم أوضح هذه الصفة بأجلى بيان: أنه ما كان يتلو قبل هذا القرآن شيئًا من الكتاب، ولا يحفظ منه شيئًا، وقد عاش في قومه إلى حين نزول هذه الآية - آية العنكبوت - نحو خمسين سنة، وهم يعرفونه ويعرفون أحواله وأخباره، لا يخفى عليهم منها شيء، وهم في قرية صغيرة، أهلها محصورون معروفون غير متكاثرين، ولا تزال هذه القرية قائمة إلى اليوم، ومن دخلها ورآها علم أنه إن أقام بها بضعة أشهر عرف أكثر أهلها، وأحاط بكثير من أخبارهم مفصلة، كالمعهود في القرى، مع ازدياد سكانها في هذه العصور، واختلاف أجناسهم ولغاتهم، بخلاف ما كان في أول عهد النبوة، فلو كان قومه يعلمون عنه معرفة شيء من القراءة والكتابة لكان لهم السبيل إلى نفي قوله، ولقامت عليه

стр. 762

حجتهم واضحة ظاهرة، بل ما أظن أن أحدًا مستقيم الفكر يتصور هذا الموقف وأنه مما يجوز وقوعه: موقف رجل يدعي لنفسه صفة بين قوم يعرفونه ويعرفون أحواله طفلًا ثم شابًّا ثم رجلًا ثم كهلًا، ثم هو يقرعهم بهذه الصفة التي ينسبها لنفسه، بل يجعلها آية ومعجزة له تؤيد دعواه النبوة، ثم لا يكون صادقًا فيما وصف به نفسه من أنه لا يقرأ ولا يكتب؟ وأما ادعاء الكاتب أن وصف بعض اليهود في الآية (٧٨) من سورة البقرة بأنهم "أميون" لا يراد منه جهلهم بالقراءة والكتابة، بل يراد منه عدم معرفتهم بالكتب المنزلة، فإن هذا الرأي قد سبقه إلى نحوه بعض المفسرين، بل نقل الطبري (ج ١ ص ٢٩٦) أثرًا عن ابن عباس بتأويل الآية على معنى أنهم لم يصدقوا رسولًا أرسله الله ولا كتابًا أنزله الله، وأنه سماهم أميين؛ لجحودهم كتب الله ورسله. وهذا الأثر ضعيف الإسناد، غير ثابت النقل؛ لأنه من رواية الضحاك ابن مزاحم عن ابن عباس، والضحاك وإن كان ثقة لم يلق ابن عباس ولا غيره من الصحابة، ثم لو صح هذا لكان له وجه على سبيل المجاز، ومع ذلك فقد رده الطبري فقال: "وهذا التأويل تأويل على خلاف ما يعرف من كلام العرب المستفيض بينهم". وإطلاق الكلمة على بعض اليهود في الآية صحيح، لأنه لم يزعم أحد أن اليهود الذين كانوا بالمدينة إذ ذاك يقرءون ويكتبون جميعًا، بل كان فيهم الكاتبون والجاهلون، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ

стр. 763

أُمِّيُّونَ﴾. وهؤلاء الأميون لا يعلمون الكتاب إلا بالأماني التي كان علماؤهم يبثونها في نفوسهم من أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن الله يعفو عنهم ولا يؤاخذهم بخطاياهم، ونحو ذلك مما رده الله عليهم في آيات كثيرة من القرآن. وأما ادعاء الكاتب أن الآية في سورة الجمعة "تدل دلالة لا تقبل الشك على أن محمدًا رسول من الأميين إلى الأميين" فإنما يشير إلى ما يزعمه بعض المستشرقين من أن النبي ﷺ ادعى أولا في مكة أنه رسول إلى العرب، ثم لما هاجر إلى المدينة توسع في دعوته وادعى أنه مرسل إلى أهل الكتاب وغيرهم، ثم يستدلون ببعض آيات من القرآن، كفعل الذين يتبعون ما تشابه منه. ولكن أقوالهم هذه تنقضها الآيات الصريحة في القرآن بعموم البعثة إلى جميع الأمم إلى يوم القيامة وأنه خاتم النبيين، وينقضها التواتر الصحيح عن النبي ﷺ أنه مرسل إلى الناس كافة. وأكثر من هذا دلالة أن الله تعالى يقول في سورة سبأ - وهي مكية -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾. [٢٨]. ويقول في سورة الأعراف - وهي من أقدم السور المكية -: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [١٥٨]. وهي الآية التي ذكرناها في أول المقال، وهي في دعوة اليهود والنصارى إلى الإِيمان به واتباعه. وآية الجمعة التي يستدل بها الكاتب هي آية نزلت بالمدينة بعد الهجرة، فهل يزعم

стр. 764

هؤلاء أن الرسول ادعى أولًا أنه مرسل إلى جميع الأمم، ثم رجع عن ذلك في المدينة واقتصر على الأميين فقط؟ ! المادة: إنجيل الجزء: ٣/ الصفحة: ٢٤ تعليق ونقد أحمد شاكر على مادة (إنجيل) في دائرة المعارف: بعد نقد أغلاطه تفصيلًا في مواضعها لم أقرأ فيما قرأت من مقالات "دائرة المعارف الإسلامية" مقالًا مضطربًا كهذا المقال. فإن كاتبه خلط فيه خلطًا غريبًا؛ فشرَّق وغربٌ، وأسهب وأوجز، وأشار وصرح، وهو يدور في حلقة مفرغة لا يدري أين طرفاها، ولا يعرف كيف يخرج منها، وقد وضع نصب عينيه غاية يرجو الوصول إليها، ثم يعجز عن إدراكها؛ إذ كانت خيالًا يضطرب في ذهنه، ليس لها وجود في حقائق التاريخ، فهو يحاول أن يثبت أن الدين الإسلامي مقتبس من الكتب التي يسمونها عندهم "أناجيل"، وأن النبي ﷺ كان على علم بها أو بشيء منها، فجاءت في القرآن أشياء من الإنجيل كما يزعم، وأن المسلمين عرفوا هذه الكتب، فذهبوا ينقلون عنها علومهم ودينهم، ويفترون الأحاديث بمعاني ما عرفوا منها على نبيهم، ويزعم أن النبي ﷺ "كان أكثر معرفة بالأناجيل المنحولة منه بالأناجيل الصحيحة، ولم تصل إليه تلك المعرفة من مصادر مسيحية خالصة، وإنما نقلت إليه على يد يهود اعتنقوا النصرانية" وأن الشعراء

стр. 765

عند ظهور الإسلام كانوا يترددون على الحيرة "فنقلوا إلى بلاد العرب ما سمعوه من القصص في حاناتها" إلى آخر ما تهافت فيه ليرجعه إلى شيء واحد سماه "المسألة العامة الخاصة بأصل الإسلام ومصادره". ثم ذهب يضطرب به القول؛ فتارة يشير إلى بعض آيات من القرآن فيها ذكر مريم وعيسى وغير ذلك، مما يظن أنه يتفق والمروي عندهم أو يخالفه، وتارة يذكر "الطب وأعمال الحكومة" وأنها من الوسائل التي وثقت الصلات بين المسلمين والنصارى، وتارة يذكر بعض معجزات النبي ﷺ الثابتة بالأحاديث الصحيحة؛ ليحاول أن ينسبها إلى أصول عندهم، حتى يتهيأ له أن يشكك القارئ، ثم يوهمه أن المسلمين أخذوها عن النصارى ونسبوها إلى نبيهم على أنها معجزات له، ثم يزداد اضطرابا، فيذكر بعض مؤرخي المسلمين ويصفهم بأنهم "كانوا على علم واسع بالإنجيل" ويحرف في تلخيص كلامهم حتى يوقع في نفس القارئ أنهم كانوا يحتجون بهذه الأسفار، ويعتبرونها مصادر صحيحة لبعض التاريخ، ثم يناقض نفسه فينقل عن البيروني أنه قال: "لا يوجد من الأناجيل إذن من كتب الأنبياء ما يعتمد عليه" ويغلبه ما يجد في نفسه من الحرص على رأيه حتى يغفل عن خطأ من الناسخين في نسخة البيروني فينسب إليه أنه كان يعرف تفسير الإنجيل لرجل اسمه "داذ يشوع" وهو شخص لم يوجد قط، وإنما أتى من خطأ النسخة، ولو حرص على التحقيق العلمي ما وقع في هذه الغلطة الشنيعة.

стр. 766

ولكنه نسي بجوار هذا أن يذكر كثيرًا من علماء المسلمين الذين اطلعوا على هذه الأناجيل، وأبانوا ما فيها من اختلاف وأخطاء، وألفوا في ذلك كتبًا وافية، كابن حزم وابن تيمية وابن قيم الجوزية والقرافي، وغيرهم ممن قبلهم، وممن بعدهم. وأخيرًا يدعي أن المسلمين على وجه عام يحترمون الأناجيل، وأن الترك يسمونها "الإنجيل الشريف" وأن كثيرًا منهم "يؤثرون الإنجيل على القرآن دون أن يجهروا بهذا الرأي" ويحتج لذلك برجل تركي ارتد عن الإسلام في عهد سليمان الأول فحكم بقتله جزاء ردته. وهي كما ترى أقوال متهاترة، لا يأخذ بعضها بناصية بعض، ولا يدل مجموعها على شيء له قيمة علمية. وهذه مسائل شائكة، الخوضُ فيها قد يثير النفوس، ويوغر الصدور، ولو شاء القائل منا أن يقول، لوجد مجال القول ذا سعة، ولكنا لسنا من دعاة الفتنة، ولا ممن يحرصون على الجدال، وقد دأب أمثال هذا الكاتب على مهاجمة الإسلام والعدوان عليه في عقائده، ومحاولة إثارة الشكوك في الحقائق التاريخية الثابتة، التي تتعلق بالإسلام، وليس علينا من بأس أن نقف موقف الدفاع بالقول الرقيق المؤدب، لإقرار الحق في نصابه، وخدمةً خالصةً للعلم الصحيح. إن الاتصال العقلي والفكري بين المسلمين وبين أهل الكتاب - من اليهود والنصارى - لا يستطيع أحد أن ينكره، وقد كان اليهود بجوار المسلمين في المدينة حتى أجلاهم عنها عمر، وكان المسلمون

стр. 767

قد فتحوا مصر والشام وغيرهما من الأقطار التي كان يدين أهلها بالنصرانية، وكان أهلُ الكتاب أهلَ ذمة للمسلمين وفي حمايتهم، يرفرف عليهم عدل الإسلام ونَصَفَتُه، وكانوا يدخلون في دين الله أفواجًا راضين مختارين، مما رأوا من كرم المسلمين، بعد أن ذاقوا ألوان الظلم والعذاب من زعمائهم ورؤسائهم، ولكنه كان في أول أمره اتصالًا في الشؤون العامة الدنيوية، ولم يوجد اتصال علمي بالمعنى المفهوم إلا في أواخر القرن الثاني للهجرة تقريبًا، عند البدء في نقل كتب الأوائل إلى اللغة العربية، وكان ذلك مقصورًا على الفلسفة وفروعها والطب وما أشبه هذا، ولم تترجم إلى اللغة العربية الكتب الدينية ولا القصص (الروايات)، ولعله قد ترجم شيء من التوراة والأناجيل تراجم نادرة محصورة بين اليهود والنصارى الذين نشؤوا في الدولة العربية؛ ليسهل عليهم معرفة دينهم إذا عسر عليهم قراءتها باللغات التي كانت بها، وأما أن تكون هذه التراجم معروفة لعلماء المسلمين ودهمائهم، كما يريد الكاتب وأمثاله أن يرجفوا به: فذاك شيء غير ثابت ولا معروف في التاريخ الإسلامي، ولذلك لم يجد كاتب هذا المقال سندًا يؤيد به وجود تراجم للإنجيل إلا الترجمة التي قال عنها إنها نقلت عن السريانية، ونقل عن "جلد مستر" أنه يرى أنها ترجمت بين سنتي (٧٥٠ و ٨٥٠ م) أي بين سنتي (١٣٢ و ٢٣٥ هجرية) ويظهر من هذا أنها غير ثابتة التاريخ، وأن هذا التاريخ الذي نسبت إليه ظن فقط، ونحن لم نر هذه النسخة المترجمة، فلا نستطيع الجزم بشيء في صحة هذا النقل وهذا التاريخ أو عدم صحتهما، وأما

стр. 768

الترجمة التي يدعي ابن العبري أنه "قام بها البطريق يوحنا بأمر الأمير عمرو بن سعد بين سنتي ٦٣١ و ٦٤٠ م" أي ما يوافق السنة التي قبل الهجرة إلى السنة ١٨ هـ: فهذا شيء لا سند له ولا قيمة، وأبو الفرج ابن العبري ليس حجة في مثل هذا النقل، ولا يوثق بشيء ينقله عن عصر بينه وبينه أكثر من (٦٠٠ سنة) ولم يسنده إلى نقل يقارب العصر المنقول عنه، فإنه عاش بين سنتي ٦٢٣ و ٦٨٥ هـ، ثم هذا ابن العبري رجل متعصب معروف بالتحامل على العرب وعلى المسلمين، وهو صاحب الحكاية الباطلة التي نقلها عن حرق عمرو بن العاص مكتبة الإسكندرية، حتى إن الدكتور (بَتْلَر) صرح بأنه "ليس من دليل على أن أصل هذه الرواية أقدم من أيام أبي الفرج" (انظر فتح العرب لمصر تعريب الأستاذ فريد أبو حديد ص ٣٥٠ طبعة سنة ١٩٣٣) فمثل هذا الرجل غير ثقة ولا مأمون على النقل، حتى لو نقل شيئًا عن عصره أو ما يقاربه، فضلًا عن تفرده بنقل يستند إلى ما قبل عصره بمئات السنين. وأما كل ما أرجف به الكاتب ليصل إلى ما يدعيه من معرفة النبي ﷺ بما يسمونه "الأناجيل" حتى يمكنه الإعلان بأن النبي ﷺ "كان أكثر معرفة بالأناجيل المنحولة منه بالأناجيل الصحيحة" وبأن "هذا الموضوع ليس إلا مسألة فرعية من المسألة العامة الخاصة بأصل الإسلام ومصادره"، فإنه شيء لا يثبت أمام النقد، ولا تؤيده أية حقيقة من حقائق التاريخ، وقد كان النصارى من قبل الإسلام بمئات السنين مختلفين في صحة الكتب التي يطلقون عليها اسم "الأناجيل" وهي أكثر من سبعين كتابًا، حتى تحكم فيهم الزعماء والرؤساء في

стр. 769

مجمع "نيقية" في القرن الرابع الميلادي، فاعتبر المجمع أن هذه الكتب الأربعة المعروفة الآن هي الأناجيل الصحيحة، وبذلك صارت الكتبَ الرسمية للدين المسيحي، واعتَبَر ما عداها منحولًا أو غير صحيح، وهذه الكتب التي اعتبرت منحولة غير مشتهرة وغير معروفة تفصيلًا إلا قليلًا، فمن أين يعرفها العرب قبل الإسلام وعند بدء ظهوره؟ ! وكان النبي ﷺ رجلًا أَميًّا لا يقرأ ولا يكتب، كما ثبت بالتواتر الصحيح في التاريخ، وكما نص الله عليه في القرآن الكريم، وقد أقمنا الحجة على ذلك فيما مضى من الدائرة في التعليق على مادة "أمي" (ص ٦٤٧ من المجلد الثاني). ثم أنعم الله عليه بالنبوة والرسالة، وبعثه إلى الناس كافة بهذا القرآن الكريم، وجعله مصدقًا لما بين يديه من التوراة والإنجيل وكتب الأنبياء السابقين، إجمالًا لها من غير تفصيل، وجعل كتابه "مُهَيْمِنًا" على هذه الكتب، أي رقيبًّا عليها كلها، كما قال تعالى في سورة المائدة [آية ٤٨]: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. وهذا الرجل الأمي لم يقرأ شيئًا من كتبهم، ولم يبلغه من الكتب التي في أيدي النصارى - مع ما فيها من الاختلاف - قليل ولا كثير، ومع ذلك فإنه لا يذكر إنجيل عيسى ﵇ في القرآن إلا باللفظ المفرد "إنجيل"، فلو كان هذا القرآن من عند غير الله، وكان النبي ﷺ عرف هذه الروايات؛ لجاء التَّعبير عنها في القرآن ولو مرة واحدة

стр. 770

بلفظ الجمع "أناجيل" وهي التي كانت ولا تزال معروفة عند النصارى، من صحيح في زعمهم ومنحول. ثم انظر في شأن هذا الرجل الأمي ﷺ لو كان يعرف هذه العشرات من الكتب التي تسمى "أناجيل" وأراد أن يحقق أمرها، ويعرف الزَّيْف منها من الصحيح، ويحكم فيها حكمًا قاطعًا صحيحًا، ويأتي بكتاب ثبت مهيمن عليها رقيب، فإلى أي أنواع من الثقافة والعلوم الدينية والتاريخية والأثرية يحتاج؟ ! . وهل كانت هذه العلوم كلها موجودة في كتب مؤلفة قبل بدء الإسلام؟ ! سواء باللغة العربية أم بغيرها من اللغات؟ ! وكم يستغرق تعلم ذلك ومعرفته فقط من السنين؟ ! وأين كان أعداؤه من المشركين وأهل الكتاب، إذا كان قد تعلم كل هذه العلوم، ودرسها الدراسة الكاملة التي تمكنه من الحكم بتحريف كتبهم ونسيانهم ﴿حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾؟ ! [المائدة: ١٣] نعم إن بعض المشركين زعم أنه تعلم بعض الشيء من غيره، وقد حكى الله ذلك في القرآن عنهم، ثم ردّ عليهم قولهم بأقوى رد؛ فخرست ألسنتهم وألسنة غيرهم، فلم يدَّع ذلك أحد منهم ولا من أهل الكتاب بعد ذلك، مع كفرهم به وعداوتهم له، وتربصهم به وبالمسلمين أن يجدوا حجة تنصرهم عليهم؛ إذ علموا أنهم لو عادوا إلى هذه الدعوى، لكانت حجتهم داحضةً، ودعواهم كاذبة، فإنه نشأ بينهم وعرفوا تاريخ حياته وأحواله تفصيلًا وإجمالًا، ولم يجدوا من

стр. 771

يصدقهم من أهل عصرهم المشاهدين الحاضرين في أنه تعلم كل هذه العلوم والشرائع من بعض القارئين والكاتبين في مكة. وقد اتصل المسلمون بالنصارى واليهود بعد الفتح العربي للبلاد اتصالًا وثيقًا، وقامت في بعض الأوقات حرب الجدال الديني بين الفريقين واحتدمت، ومع ذلك فإنه لم يزعم أحد - فيما نعلم - من أعداء المسلمين أن القرآن مقتبس كله أو بعضه من التوراة أو الأناجيل أو الآراء المسيحية، إلا في هذه العصور المتأخرة، حينما ضعف شأن الدول الإسلامية ماديًّا، وقام المستشرقون وفي أعقابهم المبشرون بالهجوم العلمي على المسلمين، بعد أن وضعوا أيديهم على أكثر بلاد الإسلام، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٢، ٣٣]. وبعد: فإن الله تعالى يقول في سورة النحل، وهي سورة مكية: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥)﴾. قال الفخر الرازي في تفسير هذه الآيات (ج ٤ ص ١٨٥ - ١٨٦ الطبعة الأولى ببولاق): "اعلم أن المراد من هذه الآية حكاية شبهة

стр. 772

أخرى من شبهات منكري نبوة محمد ﷺ ، وذلك: أنهم كانوا يقولون إن محمدًا إنما يذكر هذه القصص وهذه الكلمات؛ لأنه يستفيدها من إنسان آخر ويتعلمها منه - ثم ذكر اختلاف الروايات في اسم هذا البشر، وقال: وبالجملة فلا فائدة في تعديد هذه الأسماء، والحاصل أن القوم اتهموه بتعلم هذه الكلمات من غيره، ثم إنه يظهرها من نفسه ويزعم أنه إنما عرفها بالوحي وهو كاذب فيه، ثم إنه تعالى أجاب عنه بأن قال: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ". ثم قال في تقرير أوجه الرد عليهم وتكذيبهم: "الأول: أنهم لا يؤمنون بآيات الله وهم كافرون، ومتى كان الأمر كذلك كانوا أعداء للرسول ﷺ وكلام العدى ضرب من الهذيان، ولا شهادة لمتهم. الثاني: أن أمر التعليم لا يتأتى في جلسة واحدة، ولا يتم في الخفية، بل التعلم إنما يتم إذا اختلف المتعلم إلى المعلم أزمنة متطاولة ومددًا متباعدة، ولو كان الأمر كذلك لاشتهر فيما بين الخلق أن محمدًا ﵇ يتعلم العلوم من فلان وفلان. الثالث: أن العلوم الموجودة في القرآن كثيرة، وتعلمها لا يتأتى إلا إذا كان المعلم في غاية الفضل والتحقيق، فلو حصل فيهم إنسان بلغ في التعليم والتحقيق إلى هذا الحد لكان مشارًا إليه بالأصابع في التحقيق والتدقيق في الدنيا! ! فكيف يمكن تحصيل هذه العلوم العالية والمباحث النفيسة من عند فلان وفلان؟ ! واعلم أن الطعن في نبوة رسول الله ﷺ بأمثال هذه الكلمات الركيكة يدل على أن الحجة

стр. 773

لرسول الله ﷺ كانت ظاهرة باهرة، فإن الخصوم كانوا عاجزين عن الطعن فيها، ولأجل غاية عجزهم عدلوا إلى هذه الكلمات الركيكة". إن محمدًا ﷺ وقد ثبت لك أنه لم يتعلم شيئًا من كتب الأديان السابقة، ولم يدرس شيئًا من العلوم والمعارف: يخبرنا عن الله سبحانه أنه يقول في شأن النصارى وكتبهم: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ١٤]. أيمكنك أن تتصور أن هذا الأمي يحكم الحكم القاطع الصريح البين بأن النصارى نسوا الكثير مما ذكرهم به عيسى ﵇ من نفسه ومن علمه بدون وحي من الله؟ ! إن الذي يأتي بهذا القرآن، وبما فيه من تشريع تقطعت دونه أعناق الأمم، وبما فيه من توحيد وتمجيد لله، وبما فيه من القصص والأخبار الصادقة، وبما فيه من المواعظ والحكم، وبما فيه من مكارم الأخلاق، هذا القرآن الذي أعجزَ الإنسَ والجن أن يأتوا بسورة من مثله، وهو الهدى ودين الحق، أقول: إن الذي يأتي بكل هذا في كتاب واحد لن يعقل أن يكون تعلمه من كتب يحكم هو عليها بأنها محرفة مبدلة، أو كلمات يسمعها عرضًا على ألسنة بعض أهل الكتاب في جزيرة العرب، أو نقلًا عن بعض الشعراء الذين يتبعهم الغاوون، وهم في كل واد يهيمون، وهم يقولون ما لا يفعلون.

стр. 774

ومن المضحك، بل مما يؤسف له؛ أن كاتب المقال لم يصن قلمه في مثل هذا البحث - الذي يزعمه بحثا علميًّا - عن ذكر الحانات. وكان الأجدر به أن يَفْقَه أن ما يتحدث به السكارى في الحانات، وخاصةً الشعراء منهم، لا يصلح أن يكون أساسًا لدين عظيم يهدي إلى الله، ويعلم الناس الشرائع والمكارم، ويدعو إلى إعلاء كلمة الله، وإلى نشر الفضيلة وحرب الرذيلة، وإلى النهي عن الخمر والميسر وغيرهما من المنكرات، ويصفها بأنها رجس من عمل الشيطان. وقد كان الأولى به، وهو يشرح مادة "إنجيل": أن يذكر تاريخ هذه الكتب التي بأيديهم أولًا، ثم يدعي بعد ذلك ما شاء من الدعاوي، ولكنه - فيما نظن - أحجم عن ذلك لئلا يكون نقضًا لكل ما يدعيه. وقد ذكر أستاذنا الإمام العلامة السيد محمد رشيد رضا الكثير من تاريخها في مواضع متعددة من تفسيره، وكان ﵀ من أعلم الناس في هذا العصر بتاريخها وبدراستها، هو وأستاذنا العلامة الكبير الشيخ عبد الوهاب النجار أطال الله بقاءه. وهاك قطرة من غيث مما قاله السيد رشيد ﵀ (ج ٦ ص ٢٨٧ - ٢٨٨ من التفسير): "بَيّن الله لنا أن النصارى نسوا حظًّا مما ذكروا به كاليهود، وسبب ذلك أن المسيح ﵇ لم يكتب ما ذكرهم به من

стр. 775

المواعظ وتوحيد الله وتمجيده والإرشاد لعبادته، وكان من اتبعوه من العوام، وأمثلهم حواريه، وهم من الصيادين، وقد اشتد اليهود في عداوتهم ومطاردتهم، فلم تكن لهم هيئة اجتماعية ذات قوة وعلم، تدون ما حفظوه من إنجيل المسيح وتحفظه، ويظهر من تاريخهم وكتبهم المقدسة أن كثيرًا من الناس كانوا يبثون بين الناس في عصرهم تعاليم باطلة عن المسيح، ومنهم من كتب في ذلك، حتى إن الذين كتبوا كتبًا سموها الأناجيل كثيرون جدًّا، كما صرحوا به في كتبهم المقدسة وتواريخ الكنيسة، وما ظهرت هذه الأناجيل الأربعة المعتمدة عندهم الآن إلا بعد ثلاثة قرون من تاريخ المسيح، عندما صار للنصارى دولة بدخول الملك قسطنطين في النصرانية، وإدخاله إياها في طور جديد من الوثنية. وهذه الأناجيل عبارة عن تاريخ ناقص للمسيح، وهي متعارضة متناقضة مجهولة الأصل والتاريخ، بل وقع الخلاف بينهم في مؤلفيها، واللغات التي ألفوها بها. وقد بينا في تفسير أول سورة آل عمران حقيقة إنجيل المسيح، وكون هذه الكتب لم تحو إلا قليلًا منه، كما تحتوي السيرة النبوية عندنا على القليل من القرآن والحديث، وهذا القليل من الإنجيل قد دخله التناقض والتحريف". ثم ذكر الأدلة على ذلك تفصيلًا، ثم قال (ص ٣٠١ - ٣٠٢): "فثبت بهذا البيان الوجيز صدق قول القرآن المجيد: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٤]. وثبت به أنه كلام الله ووحيه؛ إذ ليس هذا مما يعرف بالرأي حتى يقال: إن
следующие страницы →