يصدقهم من أهل عصرهم المشاهدين الحاضرين في أنه تعلم كل هذه العلوم والشرائع من بعض القارئين والكاتبين في مكة.
وقد اتصل المسلمون بالنصارى واليهود بعد الفتح العربي للبلاد اتصالًا وثيقًا، وقامت في بعض الأوقات حرب الجدال الديني بين الفريقين واحتدمت، ومع ذلك فإنه لم يزعم أحد - فيما نعلم - من أعداء المسلمين أن القرآن مقتبس كله أو بعضه من التوراة أو الأناجيل أو الآراء المسيحية، إلا في هذه العصور المتأخرة، حينما ضعف شأن الدول الإسلامية ماديًّا، وقام المستشرقون وفي أعقابهم المبشرون بالهجوم العلمي على المسلمين، بعد أن وضعوا أيديهم على أكثر بلاد الإسلام، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٢، ٣٣].
وبعد: فإن الله تعالى يقول في سورة النحل، وهي سورة مكية: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥)﴾.
قال الفخر الرازي في تفسير هذه الآيات (ج ٤ ص ١٨٥ - ١٨٦ الطبعة الأولى ببولاق): "اعلم أن المراد من هذه الآية حكاية شبهة
стр. 772
أخرى من شبهات منكري نبوة محمد ﷺ ، وذلك: أنهم كانوا يقولون إن محمدًا إنما يذكر هذه القصص وهذه الكلمات؛ لأنه يستفيدها من إنسان آخر ويتعلمها منه - ثم ذكر اختلاف الروايات في اسم هذا البشر، وقال: وبالجملة فلا فائدة في تعديد هذه الأسماء، والحاصل أن القوم اتهموه بتعلم هذه الكلمات من غيره، ثم إنه يظهرها من نفسه ويزعم أنه إنما عرفها بالوحي وهو كاذب فيه، ثم إنه تعالى أجاب عنه بأن قال: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ". ثم قال في تقرير أوجه الرد عليهم وتكذيبهم: "الأول: أنهم لا يؤمنون بآيات الله وهم كافرون، ومتى كان الأمر كذلك كانوا أعداء للرسول ﷺ وكلام العدى ضرب من الهذيان، ولا شهادة لمتهم. الثاني: أن أمر التعليم لا يتأتى في جلسة واحدة، ولا يتم في الخفية، بل التعلم إنما يتم إذا اختلف المتعلم إلى المعلم أزمنة متطاولة ومددًا متباعدة، ولو كان الأمر كذلك لاشتهر فيما بين الخلق أن محمدًا ﵇ يتعلم العلوم من فلان وفلان. الثالث: أن العلوم الموجودة في القرآن كثيرة، وتعلمها لا يتأتى إلا إذا كان المعلم في غاية الفضل والتحقيق، فلو حصل فيهم إنسان بلغ في التعليم والتحقيق إلى هذا الحد لكان مشارًا إليه بالأصابع في التحقيق والتدقيق في الدنيا! ! فكيف يمكن تحصيل هذه العلوم العالية والمباحث النفيسة من عند فلان وفلان؟ ! واعلم أن الطعن في نبوة رسول الله ﷺ بأمثال هذه الكلمات الركيكة يدل على أن الحجة
стр. 773
لرسول الله ﷺ كانت ظاهرة باهرة، فإن الخصوم كانوا عاجزين عن الطعن فيها، ولأجل غاية عجزهم عدلوا إلى هذه الكلمات الركيكة".
إن محمدًا ﷺ وقد ثبت لك أنه لم يتعلم شيئًا من كتب الأديان السابقة، ولم يدرس شيئًا من العلوم والمعارف: يخبرنا عن الله سبحانه أنه يقول في شأن النصارى وكتبهم: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ١٤]. أيمكنك أن تتصور أن هذا الأمي يحكم الحكم القاطع الصريح البين بأن النصارى نسوا الكثير مما ذكرهم به عيسى ﵇ من نفسه ومن علمه بدون وحي من الله؟ !
إن الذي يأتي بهذا القرآن، وبما فيه من تشريع تقطعت دونه أعناق الأمم، وبما فيه من توحيد وتمجيد لله، وبما فيه من القصص والأخبار الصادقة، وبما فيه من المواعظ والحكم، وبما فيه من مكارم الأخلاق، هذا القرآن الذي أعجزَ الإنسَ والجن أن يأتوا بسورة من مثله، وهو الهدى ودين الحق، أقول: إن الذي يأتي بكل هذا في كتاب واحد لن يعقل أن يكون تعلمه من كتب يحكم هو عليها بأنها محرفة مبدلة، أو كلمات يسمعها عرضًا على ألسنة بعض أهل الكتاب في جزيرة العرب، أو نقلًا عن بعض الشعراء الذين يتبعهم الغاوون، وهم في كل واد يهيمون، وهم يقولون ما لا يفعلون.
стр. 774
ومن المضحك، بل مما يؤسف له؛ أن كاتب المقال لم يصن قلمه في مثل هذا البحث - الذي يزعمه بحثا علميًّا - عن ذكر الحانات.
وكان الأجدر به أن يَفْقَه أن ما يتحدث به السكارى في الحانات، وخاصةً الشعراء منهم، لا يصلح أن يكون أساسًا لدين عظيم يهدي إلى الله، ويعلم الناس الشرائع والمكارم، ويدعو إلى إعلاء كلمة الله، وإلى نشر الفضيلة وحرب الرذيلة، وإلى النهي عن الخمر والميسر وغيرهما من المنكرات، ويصفها بأنها رجس من عمل الشيطان.
وقد كان الأولى به، وهو يشرح مادة "إنجيل": أن يذكر تاريخ هذه الكتب التي بأيديهم أولًا، ثم يدعي بعد ذلك ما شاء من الدعاوي، ولكنه - فيما نظن - أحجم عن ذلك لئلا يكون نقضًا لكل ما يدعيه.
وقد ذكر أستاذنا الإمام العلامة السيد محمد رشيد رضا الكثير من تاريخها في مواضع متعددة من تفسيره، وكان ﵀ من أعلم الناس في هذا العصر بتاريخها وبدراستها، هو وأستاذنا العلامة الكبير الشيخ عبد الوهاب النجار أطال الله بقاءه. وهاك قطرة من غيث مما قاله السيد رشيد ﵀ (ج ٦ ص ٢٨٧ - ٢٨٨ من التفسير): "بَيّن الله لنا أن النصارى نسوا حظًّا مما ذكروا به كاليهود، وسبب ذلك أن المسيح ﵇ لم يكتب ما ذكرهم به من
стр. 775
المواعظ وتوحيد الله وتمجيده والإرشاد لعبادته، وكان من اتبعوه من العوام، وأمثلهم حواريه، وهم من الصيادين، وقد اشتد اليهود في عداوتهم ومطاردتهم، فلم تكن لهم هيئة اجتماعية ذات قوة وعلم، تدون ما حفظوه من إنجيل المسيح وتحفظه، ويظهر من تاريخهم وكتبهم المقدسة أن كثيرًا من الناس كانوا يبثون بين الناس في عصرهم تعاليم باطلة عن المسيح، ومنهم من كتب في ذلك، حتى إن الذين كتبوا كتبًا سموها الأناجيل كثيرون جدًّا، كما صرحوا به في كتبهم المقدسة وتواريخ الكنيسة، وما ظهرت هذه الأناجيل الأربعة المعتمدة عندهم الآن إلا بعد ثلاثة قرون من تاريخ المسيح، عندما صار للنصارى دولة بدخول الملك قسطنطين في النصرانية، وإدخاله إياها في طور جديد من الوثنية. وهذه الأناجيل عبارة عن تاريخ ناقص للمسيح، وهي متعارضة متناقضة مجهولة الأصل والتاريخ، بل وقع الخلاف بينهم في مؤلفيها، واللغات التي ألفوها بها. وقد بينا في تفسير أول سورة آل عمران حقيقة إنجيل المسيح، وكون هذه الكتب لم تحو إلا قليلًا منه، كما تحتوي السيرة النبوية عندنا على القليل من القرآن والحديث، وهذا القليل من الإنجيل قد دخله التناقض والتحريف". ثم ذكر الأدلة على ذلك تفصيلًا، ثم قال (ص ٣٠١ - ٣٠٢): "فثبت بهذا البيان الوجيز صدق قول القرآن المجيد: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٤]. وثبت به أنه كلام الله ووحيه؛ إذ ليس هذا مما يعرف بالرأي حتى يقال: إن
стр. 776
النبي ﷺ قد اهتدى إليه بعقله ونظره، كيف وقد خفى هذا عن أكثر عُلمائنا الأعلام عدة قرون لعدم اطلاعهم على تاريخ القوم".
وقال أيضًا في تفسير قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣)﴾. (ج ٣ ص ١٥٨): "أما لفظ الإنجيل فهو يوناني الأصل، ومعناه البشارة، وهو يطلق عند النصارى على أربعة كتب، تعرف بالأناجيل الأربعة، وهي ما يسمونه العهدَ الجديد، وهو هذه الكتب الأربعة مع كتاب أعمال الرسل، أي الحواريين، ورسائل بولس وبطرس ويوحنا ويعقوب ورؤيا يوحنا، أي على المجموع، فلا يطلق على شيء مما عدا الكتب الأربعة بالانفراد، والأناجيل الأربعة عبارة عن كتب وجيزة في سيرة المسيح ﵇ وشيء من تاريخه وتعليمه، ولهذا سميت أناجيل، وليس لهذه الكتب سند متصل عند أهلها، وهم مختلفون في تاريخ كتابتها على أقوال كثيرة، ففي السنة التي كتب فيها الإنجيل الأول تسعة أقوال، وفي كل واحد من الثلاثة عدة أقوال أيضًا، على أنهم يقولون إنها كتبت في النصف الثاني من القرن الأول للمسيح، لكن أحد الأقوال في الإنجيل الأول: أنه كتب سنة، ٣٧ ومنها أنه كتب سنة ٦٤، ومن الأقوال في الرابع، أنه كتب في سنة ٩٨ للميلاد، ومنهم من أنكر أنه تصنيف يوحنا، وإن خلافهم في سائر كتب العهد الجديد لأقوى وأشد".
"وأما الإنجيل في عرف القرآن فهو ما أوحاه الله إلى رسوله
стр. 777
عيسى ابن مريم ﵇ من البشارة بالنبي الذي يقيم الشريعة والحكم والأحكام، وهو ما يدل عليه اللفظ، وقد أخبرنا سبحانه أن النصارى نسوا حظًّا مما ذكروا به كاليهود، وهم أجدر بذلك؛ فإن التوراة كتبت في زمن نزولها، وكان الألوف من الناس يعملون بها، ثم فقدت، والكثير من أحكامها محفوظٌ معروف، ولا ثقة بقول بعض علماء الإفرنج: إن الكتابة لم تكن معروفة في زمن موسى، ﵇. وأما كتب النصارى فلم تعرف، ولم تشتهر إلا في القرن الرابع للمسيح؛ لأن أتباع المسيح كانوا مضطهدين بين اليهود والرومان، فلما أمِنوا باعتناق الملك قسطنطين النصرانية سياسةً ظهرت كتبهم، ومنها تواريخ المسيح المشتملة على بعض كلامه الذي هو إنجيله، وكانت كثيرة، فتحكم الرؤساء حتى اتفقوا على هذه الأربعة، فمن فهم ما قلناه في الفَرق بين عُرْف القرآن وعُرْف القوم في مفهوم التوراة والإنجيل، تبينَ له أن ما جاء في القرآن هو الممحص للحقيقة التي أضاعها القوم، وهي ما يفهم من لفظ التوراة والإنجيل، ويصح أن يُعَد هذا التمحيص من آيات كون القرآن موحًى به من الله، ولولا ذلك ما أمكن ذلك الأمي الذي لم يقرأ هذه الأسفار والأناجيل المعروفة ولا تواريخ أهلها أن يعرف أنهم نسوا حظًّا مما أوحي إليهم وأوتوا نصيبًا منه فقط، بل كان يجاريهم على ما هم عليه، ويقول: الأناجيل. لا الإنجيل، ثم إن من فهم هذا لا تروج عنده شبهات القسيسين الذين يوهمون عوام المسلمين أن ما في أيديهم من التوراة
стр. 778
والأناجيل هي التي شهد بصدقها القرآن".
"وقال الأستاذ الإمام - يريد الشيخ محمد عبده - في تفسير هذه الجملة: المتبادر من كلمة "أنزل" أن التوراة نزلت على موسى مرة واحدة، وإن كانت مرتبة في الأسفار المنسوبة إليه فإنها مع ترتيبها مكررة، والقرآن لا يعرف هذه الأسفار ولم ينص عليها، وكذلك الإنجيل نزل مرة واحدة، وليس هو هذه الكتب التي يسمونها أناجيل؛ لأنه لو أرادها لما أفرد الإنجيل دائمًا مع أنها كانت متعددة عند النصارى حينئذ".
وقال الأستاذ العلامة الشيخ عبد الوهاب النجار في كتاب قصص الأنبياء (ص ٤٦٥ - ٤٦٦ طبعة ثانية): "أين يوجد اليوم إنجيل المسيح الذي ذكره القرآن الكريم؟ إن الإنجيل الذي أتى به المسيح وسلمه إلى تلاميذه وأمرهم أن يُبشروا به لا يوجد الآن، وإنما توجد قصص ألفها التلاميذ وغير التلاميذ، لم تسلم من المسخ والتحريف بالزيادة والحذف".
وإن شئت معرفة تاريخ هذه الأسفار الأربعة التي تسمى الأناجيل ومقدار ما فيها من التناقض والاختلاف، ومقدار الوثوق بها من الوجهة التاريخية، ثم قيمتها العلمية عند علماء الإسلام، فاقرأ الجزء الثاني من كتاب (الفصل في الملل والأهواء والنحل) للإمام الحافظ الحجة أبي محمد بن حزم المتوفى سنة ٤٥٦، وكتاب (الجواب الصحيح) لشيخ الإسلام ابن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨، وكتاب (هداية
стр. 779
الحيارى) للإمام المحقق ابن قيم الجوزية المتوفى سنة ٧٥١، وكتاب (الأجوبة الفاخرة) للعلامة الكبير شهاب الدين القرافي المتوفى سنة ٦٨٤، وكتاب (الفاروق بين المخلوق والخالق) لصاحب السعادة الحاج عبد الرحمن بك أفندي باجه جي زاده، وكتاب (دين الله في كتب أنبيائه) للعلامة الدكتور محمد أفندي توفيق صدقي ﵀، وكتاب (قصص الأنبياء) لأستاذنا الشيخ عبد الوهاب النجار، وما كتبه المرحوم الإمام السيد محمد رشيد رضا في التفسير والمنار، وأخيرًا كتاب (الإنجيل والصليب) تأليف الأب عبد الأحد داود الأشوري العراقي، وقد ترجمه عن التركية أحد الأفاضل من مسلمي العراق، وطبع في القاهرة سنة ١٣٥١.
وإذا كانت عقيدة المسلمين من عصر النبوة إلى الآن أن هذه الكتب محرفة مبدلة، أو مصنوعة موضوعة، فكيف يتصور ذو عقل أنهم يأخذون عنها دينهم؟ ! أو أن يدخل في أذهانهم وآرائهم بعض ما يقرءونه أو يسمعونه منها، وهم يرون رسولهم ﷺ قد جاءهم بالدين الحق، وترك في أيديهم كتابًا جعله إمامًا لهم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأبان لهم في سنته كل ما احتاجوا إليه في شؤون دينهم ودنياهم، وهم يسمعون حكم الله في الكتب التي عندَ أهل الكتاب أنها محرفة لا يوثق بها، ويسمعون قول النبي ﷺ : "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم". وهذا حديث صحيح رواه البخاري من حديث أبي هريرة (انظر فتح الباري ٨: ١٢٩ و ١٣: ٢٨٢ و ٤٣٠ طبعة بولاق)،
стр. 780
ويقرون حديث جابر بن عبد الله: أن عمر أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه عليه فغضب وقال: "لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني". رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة والبزار، وإسناده صحيح (انظر الفتح ١٣: ٢٨١). وهذا المعنى متواتر عند المسلمين معلوم من الدين بالضرورة.
وكان المسلمون في تشريعهم وفقههم مستقلين تمام الاستقلال بكتابهم وسنة نبيهم، لم يتأثروا في شيء من ذلك بكتب النصارى ولا بقوانين الرومان ولا بغيرها من آراء من سبقهم، يعرف ذلك من توسع في دراسة الشريعة الإسلامية وأصولها من الكتاب والسنة، وقد يخفى على من قصر دراسته ومعرفته على كتب الفروع الفقهية، فيخدعه ما يرى فيها من شبه ببعض القواعد القانونية عند غير المسلمين.
وبعد هذا البيان الموجز، لا أراني في حاجة إلى مناقشة الكاتب تفصيلًا في المواضع التي زعم أن القرآن اتفق مع الأناجيل فيها أو خالفها، وأن للعهد الجديد أثرًا في الحديث، أو في كتب الصوفية أو غيرها، وقد دَمرنا الأساس الذي بنيت عليه هذه الدعاوى الباطلة: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ
стр. 781
رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥, ١٦].
المادة: أنس بن مالك
الجزء: ٣/ الصفحة: ٤٨
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن (أنس بن مالك):
"وهو لا يعدّ أعظم المحدّثين، ويقال: إن أبا حنيفة رفض اتخاذه حجة في الحديث، والأحاديث التي رواها عن المعراج وغيره لم تبرأ من القصص الخيالي، وتوجد مجموعة كبيرة من أحاديثه في مسند أحمد بن حنبل".
تعليق أحمد شاكر:
لم أجد ما يؤيد النقل الذي نقله المستشرق "فنسنك" عن أبي حنيفة، والمعروف عند علماء المصطلح، بل عند عامة العلماء، من أتباع أبي حنيفة وغيره من الأئمة: أن الصحابة كلهم عدول، وقد خالف بعض العلماء في الأخذ برواية بعض الصحابة خلافًا لا يقام له وزن، ولكن أنس بن مالك ليس ممن اختلف في الأخذ بروايته، وأما زعم الكاتب أن روايته لحديث المعراج فيها قصص خيالي: فإنه زعم باطل لا دليل عليه؛ لأن رواية أنس تأيدت برواية كثير من الصحابة غيره، بل إن الحديث في مجموعه ورد متواترًا لا شك في صحته، وقد جمع الحافظ بن كثير في تفسيره أكثر الروايات الواردة فيه بأسانيدها
стр. 782
(ج ٥ ص ١٠٧ - ١٤٣) غاية الأمر أن الحديث دل على معجزات للنبي ﷺ لا يريد الكاتب أن يصدق بصحتها، فهذا شيء مرجعه لعقيدته، لا نتحكم فيها، ولكن لا علاقة له بالقواعد الصحيحة الدقيقة التي يرجع إليها في صحة الأحاديث وضعفها، كما بينا ذلك في التعليق على ما كتبوه في الدائرة في شأن اسم "الله" جل وعلا، وفي مقدمة شرحنا على كتاب "اختصار علوم الحديث" للحافظ ابن كثير.
المادة: الأنصار
الجزء: ٣/ الصفحة: ٥٥
تعليقات أحمد شاكر على مادة (الأنصار) في دائرة المعارف:
(١) ليس في الكلمة معنى شرعي ومعنى غير شرعي، بل هي كلمة استعملت في معناها اللغوي على الحقيقة، كسائر أنواع الاستعمال اللغوي، فكل أناس نصروا شخصًا معينًا أو عقيدة خاصة - كانوا أنصارًا لمن قاموا بنصره، فالكلمة استعملت هنا في معناها اللغوي الحقيقي، وأطلقت على بعض أفراد مدلولها؛ ولذلك قال في لسان العرب: "النصير: الناصر. قال الله تعالى: ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٤٠] والجمع أنصار، مثل: شريف وأشراف. والأنصار أنصار النبي ﷺ غلبت عليهم الصفة، فجرى مجرى الأسماء، وصار كأنه اسم الحيّ، ولذلك أضيف إليه بلفظ الجمع، فقيل أنصاري".
стр. 783
(٢) هذه دعوى غريبة لا توافق أي دليل، ولا نجد لكاتبها وجهًا يستند إليه ولا على سبيل الشبهة، فإنه يرمي بذلك الأمة العربية، في أوج فصاحتها وبلاغتها بأنها لا تفرق بين كلمتين تشابهتا في بعض الحروف وهما كلمتان مختلفتا المعنى: إحداهما عربية خالصة، مرجعها إلى مادة "نصر" التي اشتقت منها مشتقاتها، والأخرى نسبة شاذة على غير قياس إلى كلمة أعجمية الأصل، هي علم جامد لا يشتق منه شيء، وهي كلمة "ناصرة" اسم قرية قيل: إن المسيح عيسى ﵇ ولد فيها أو نشأ بها. ولن يشتبه الأمر بين الكلمتين على أجهل عربي بلغة قومه، فضلًا عن القرآن الكريم، وهو معجزة العرب، وقد جاء به سيدهم وأفصحهم وأعلمهم بالعربية، وصدع به قومًا كان جلّ فخرهم بالفصاحة والبلاغة. ثم ماذا يرى الكاتب من البأس في وصف الحواريين ﵃ بأنهم "أنصار الله"؟ ! هل يرى في هذا الوصف مذمة تعيبهم أو منقصة تلحقهم أراد أن يبرئهم منها؟ ! .
أما نحن فنصدق ما حكاه الله عن نبيه عيسى ﵇ وعن الحواريين: من أنهم كانوا أنصار الله، نصروا نبيهم عيسى في مواقف الشدة ضد أعدائه وأعداء دينه، وآمنوا به وصدقوه، ونصروا ما جاء به من توحيد الله وتنزيهه، ومن الدعوة إلى الحق، فكانوا بذلك أنصار الله.
(٣) ادعى الكاتب في هذا الموضع دعاوى لا توافق شيئًا من الحقائق التاريخية الثابتة، فإنه لم يزعم أحد قط أن لقب "الأنصار" إذا
стр. 784
أطلق كان المقصود به الخزرج فقط، بل الأوس والخزرج كلاهما أطلق عليهما اسم الأنصار، وإنما رأى الكاتب كلمة فنقلها على غير وجهها، ولعله لم يصل إلى حقيقة معناها في اللغة العربية، ونصها في مسند الإمام أحمد بن حنبل (ج ٣، ص ٤٦٠ - ٤٦٢) في قصة بيعة العقبة الثانية من رواية ابن إسحاق عن مَعْبَد بن كعب بن مالك عن أخيه عُبيد الله عن أبيهما كعب بن مالك وكان ممن شهد العقبة: إن العباس بن عبد المطلب حضر مع النبي ﷺ لقاءه الخزرج والأوس في موعدهم بالشعب. قال كعب: "فلما جلسنا كان العباس بن عبد المطلب أول متكلم، فقال: يا معشر الخزرج. قال: وكانت العرب مما يسمون هذا الحيّ من الأنصار الخزرج: أوْسَهَا وخزْرَجَها". وهذا حديث إسناده صحيح، ورواه ابن هشام في السيرة من رواية ابن إسحاق أيضًا (ص ٢٩٤ - ٢٩٧ طبعة أوروبا) ونقله الحافظ بن كثير في تاريخه عن ابن إسحاق (ج ٣، ص ١٦٠) ونقله الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد عن مسند الإمام أحمد وعن الطبراني (ج ٦ ص ٤٢ - ٤٥). فلم يفهم كاتب المقال وجه الكلام، وظن أن إطلاق اسم "الخزرج" على الأوس والخزرج معناه أن "الأنصار" لقب الخزرج وحدهم، وفاته أن الخزرج كانوا في ذاتهم أكثرية في المدينة، وأن الأوس كانوا أقل منهم عددًا، ولذلك كان العرب يسمون الفريقين "الخزرج" كقاعدتهم في التغليب بالكثرة أو بالشهرة أو ما إلى ذلك، كقولهم "العمران" و"القمران" ونحوهما.
стр. 785
وكذلك نقل الكاتب "أن الأوس وقفت من النبي موقفًا محايدًا إن لم تكن ناصبته العداء أحيانًا" إلى آخر ما ألقاه هنا كأنه حقيقة تاريخية مقررة: فإنه شيء لم نجد له مثيلًا ولا شبيهًا مما في أيدينا من كتب التاريخ والسير والأحاديث، ولا نرى شبهة له في نقله هذا، وإن الأوس كانوا والخزرج سواءً في نصرة النبي ﷺ ودعوته إلى الإقامة بين أظهرهم، وكان الحاضرون من الأنصار في بيعة العقبة الأولى ١٢ رجلا منهم رجلان من الأوس، ثم شهد بيعة العقبة الثانية ٧٣ رجلًا وامرأتان، منهم ١١ رجلًا من الأوس (انظر المصادر المتقدمة وغيرها من كتب السيرة) وشهد غزوة بدر ٣١٤ رجلًا، منهم ٨٣ من المهاجرين و ٦١ من الأوس و ١٧٠ من الخزرج، انظر سيرة ابن هشام (ص ٤٨٥ - ٥٠٦)، وتاريخ ابن كثير (ج ٣ ص ٣١٤).
(٤) قال الله تعالى في سورة آل عمران في شأن الأنصار: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. [١٠٣]. وقال في سورة الأنفال: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)﴾ [٦٢، ٦٣]. وخطب رسول الله ﷺ الأنصار فكان مما قال: "يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي؟ " فكلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمنّ. ونقل ابن إسحاق
стр. 786
وغيره: أن آية آل عمران نزلت في شأن الأوس والخزرج، وأنهم كاد يثور بينهم القتال بدسيسة من بعض اليهود، فأتاهم النبي ﷺ فجعل يسكنهم ويقول: "أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ ! ". وتلا عليهم هذه الآية، فندموا على ما كان منهم، واصطلحوا وتعانقوا وألقوا السلاح، ﵃. انظر تفسير ابن كثير (ج ٢ ص ٢٠٠ - ٢٠٨) فهذا الذي يشير إليه كاتب المقال، وهو حادث بسيط لا أثر له في إثارة الإحن السابقة، والأحقاد الماضية، بعد الإخاء والصفاء، ولكنه ابتلاء واختبار، ثبت الله فيه قلوبهم على الإيمان والألفة والمحبة، وكان سببًا في نزع ما لعله بقي في نفوس بعض الأفراد من الشحناء والبغضاء، ﵃.
(٥) هذا كلام ليس فيه شيء من التحقيق العلمي، ولا هو مما يوافق أدب التحدث عن الأنبياء، فإن النبي ﷺ أعلم الناس بالله، وأرجاهم له، وأشدهم خشية لله، واعتمادًا عليه، ولا يعتمد إلَّا على الله، ولا يرجو النصر إلَّا من عنده ، وليس في شيء من الصدق أن الأنصار لم يجاهدوا إلا كارهين، فإن كل الروايات متضافرة على خلاف هذه الدعوى الباطلة:
فروى ابن إسحاق في شأن غزوة بدر: أن النبي ﷺ استشار الناس فأشار عليه كثير من المهاجرين بلقاء قريش وقتالهم، قال ابن إسحاق: ثم قال رسول الله ﷺ : "أشيروا عليّ أيها الناس". وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم عَدَدُ الناس، وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله إنا برءاء من ذمامك حتى نصل إلى ديارنا، فإذا
стр. 787
وَصلتَ إلينا فإنك في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا. فكان رسول الله ﷺ يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوّه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدوّ من بلادهم، فلما قال ذلك رسول الله ﷺ قال سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: "أجل". قال: فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردتَ، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضتَ بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، وما تَخَلَّفَ منا رجل واحد، وما نكره أن نَلقى عدونا غدًا، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منًّا ما تَقَرّ به عينك، فسِرْ بنا على بركة الله. انظر سيرة ابن هشام (ص ٤٣٤ - ٤٣٥) وتاريخ ابن كثير (ص ٣٦٢) وطبقات ابن سعد (ج ٢ ق ١ ص ٨) ومغازي الواقدي ص ٤٤.
وروى الإمام أحمد في المسند بإسناد صحيح عن حميد عن أنس ابن مالك قال: "لما سار رسول الله ﷺ إلى بدر خرج فاستشار الناس فأشار عليه أبو بكر ﵁، ثم استشارهم فأشار الناس فأشار عليه عمر ﵁ فسكت، فقال رجل من الأنصار: إنما يريدكم. فقالوا: يا رسول الله، والله لا نكون كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﵇: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون. ولكن والله لو ضربت أكباد الإبل حتى تبلغ برك الغماد لكنا معك". المسند رقم (١٢٠٤٧ ج ٣ ص ١٠٥) ورواه أيضًا بإسناد آخر صحيح عن حميد عن
стр. 788
أنس (رقم ١٢٩٨٦ ج ٣ ص ١٨٨) ورواه أيضًا بإسناد صحيح عن ثابت عن أنس (رقم ١٣٣٣٠ و ١٣٧٣٩ ج ٣ ص ٢٢٠ و ٢٥٧ - ٢٥٨).
وكان أنس بن النضر بن ضمضم، عم أنس بن مالك: لم يشهد مع النبي ﷺ يوم بدر، قال أنس بن مالك: "فشقّ عليه وقال: في أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غبتُ عنه؟ ! لئن أراني الله مشهدًا فيما بعد مع رسول الله ﷺ لَيَرَيَنّ الله ما أصنع. قال: فهاب أن يقول غيرها. قال: فشهد مع رسول الله ﷺ يوم أُحد، فاستقبل سعدَ بنَ معاذ، فقال له أنس: يا أبا عمرو، أينَ؟ واهًا لريح الجنة، أجِدُهُ دون أحد. قال: فقاتلهم حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون من ضربة وطعنة ورمية، فقالت أخته عمتي الرُّبَيِّعُ بنتُ النضر: فما عرفتُ أخي إلا ببنانه. ونزلت هذه الآية: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣]. قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه". رواه الإمام أحمد في المسند رقم ١٣٠٤٧ و ١٣١١٧ و ١٣٦٩٣ ج ٣ ص ١٩٤ و ٢٠١ و ٢٥٣) ورواه البخاري (ج ٦ ص ١٦ - ١٧ فتح الباري).
فهذه الأحاديث الصحيحة - وهي من رواية أنس بن مالك، وهو أنصاري - صريحة في أن قومه لم ينكصوا عن الجهاد، ولم يترددوا في بذل أنفسهم وأموالهم في سبيل الدعوة إلى الله، وإلى الدين الحق الذي آمنوا به، وعاهدوا نبيهم على السمع والطاعة والنصر والتأييد، وحسبنا هذا لندل على بطلان ما ادعاه كاتب هذا المقال.
стр. 789
(٦) روى مسلم في صحيحه (ج ٢ ص ٦٣) عن أبي هريرة في شأن غزوة الفتح قال في حديث: "فقالت الأنصار بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته. قال أبو هريرة: وجاء الوحي، وكان إذا جاء لا يخفى علينا، فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حتى ينقضي الوحي، فلما انقضى الوحي، قال رسول الله ﷺ : "يا معشر الأنصار". قالوا لبيك يا رسول الله. قال: "قلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته؟ " قالوا: قد كان ذلك. قال: "كلا، إني عبد الله ورسوله، هاجرتُ إلى الله وإليكم، والمحيا محياكم والممات مماتكم". فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضَّنَّ بالله وبرسوله. فقال رسول الله ﷺ : "إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم". وانظر سيرة ابن هشام (ص ٨٢٤)، والسيرة الحلبية (ج ٣ ص ١٢٨ طبعة بولاق)، والمواهب اللدنية (ج ١ ص ١٥٧ طبعة الشرفية)، وشرح المواهب للزرقاني (ج ٢ ص ٣٩٧ طبعة بولاق).
(٧) هذا غير صحيح، فإن النبي ﷺ عفا عن مناوئيه من قريش كرمًا منه وفضلًا، وقال لهم: "اذهبوا فأنتم الطلقاء". وهم قومه وعشيرته، ومع ذلك فإنه عاد إلى دار هجرته مع أنصاره وفاء بوعده لهم، واتباعًا لأمر ربه في إمضاء هجرته، ولعل الكاتب يشير إلى قسمة غنائم حنين، إذ أعطى رسول الله ﷺ من الغنائم لقريش ولم يعط الأنصار شيئًا، فقال ناس من الأنصار: "يغفر الله لرسول الله،
стр. 790
يعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ ) فبلغ ذلك رسول الله، فأرسل إلى الأنصار ولم يَدْعُ معهم غيرهم، وسألهم فقال: "ما حديث بلغني عنكم؟ " فقال فقهاء الأنصار: (أما رؤساؤنا فلم يقولوا شيئًا، وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله يعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ ) فقال رسول الله ﷺ : "فإني لأعطي رجالًا حديثي عهد بكفرٍ أتألفهم، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وتذهبون بالنبي إلى رحالكم؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به". قالوا: (يا رسول الله، قد رضينا). رواه البخاري. وفي رواية أخرى عند البخاري ومسلم أن رسول الله ﷺ قال: "إن قريشًا حديثو عهد بجاهلية ومصيبة، وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم، أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله إلى بيوتكم؟ " قالو: بلى. قال: "لو سلك الناس واديًا وسلكت الأنصار شعبًا لسلكت شعب الأنصار". وانظر تاريخ ابن كثير (ج ٤ ص ٣٥٦ - ٣٥٧) فهذا التألف لقلوب المؤلفة قلوبهم لا يعطى المعنى الذي أراد أن يرمي إليه الكاتب، بل هو سياسة عليا، وخلق كريم.
المادة: أهل البيت
الجزء: ٣/ الصفحة: ٩٢
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وأشار ابن سعد إلى أن تسمية أهل البيت (جـ ٤، ق ١، ص ٥٩، س ١٥) تطلق على أسرة النبي ﷺ تمييزًا لهم عن
стр. 791
المهاجرين والأنصار" (١).
تعليق أحمد شاكر:
الذي في ابن سعد في هذا الموضع قصة فيها: أن المهاجرين والأنصار اختلفوا في سلمان الفارسي، كل فريق يريد أن يعمل معه في حفر الخندق "وكان رجلًا قويًّا" فقال كل فريق منهم: (سلمان منا). وأن رسول الله ﷺ قال حينئذ: "سلمان منا أهل البيت". وهذا حديث ضعيف الإسناد، ورواه الحاكم أيضًا باختصار في المستدرك (٣: ٥٩٨). وإن صح فإنما هي كلمة تكريم لسلمان، لا يفهم منها في لغة العرب أن أهل البيت فريق آخر غير المهاجرين والأنصار، بل هم من المهاجرين جميعًا.
المادة: أهل الحديث
الجزء: ٣/ الصفحة: ٩٣
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن (أهل الحديث):
"ويسمون أيضًا أصحاب الحديث تمييزًا لهم عن أهل الرأي، وعن أصحاب الفرق جملة، ويسمي الوهابيون في الهند أنفسهم بهذا الاسم".
تعليق أحمد شاكر:
إطلاق كلمة "الوهابيين" على أهل الحديث في الهند إنما هو
стр. 792
تصرف من خصومهم، كما يفعل أمثالهم هنا في مصر وفي غيرها من البلاد، وأهل نجد لا يعرفون لقب "وهابي" الذي يرميهم به أعداؤهم خدمة للأهواء السياسية التي استعمل لنصرتها العصبيات المذهبية.
المادة: أهل الحق
الجزء: ٣/ الصفحة: ١٠٤
تعليق أحمد شاكر على مادة (أهل الحق) في دائرة المعارف:
إن العقائد التي نقلها الكاتب ونسبها إلى هؤلاء الناس الذين يسميهم، أو يسمون أنفسهم "أهل الحق" عقائد لا تمت إلى الإسلام بصلة، ويبرأ منها كل مسلم يدين بدين الإسلام، ومحاولة إرجاع عقائدهم إلى عقائد الشيعة محاولة لا أساس لها، فإن مذاهب الشيعة الإمامية بريئة من هذه الآراء الباطلة التي لا تستند إلى عقل ولا نقل.
المادة: أهل الصُّفة
الجزء: ٣/ ١٠٥
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وكان أهل الصفة من حيث قبائلهم غرباء في المدينة، فكان منهم مثلًا أبو ذر الغفاري وأبو سعيد اليمني".
تعليق أحمد شاكر:
لا يوجد في الصحابة من يسمى (أبا سعيد اليمني) فلعل الاسم تصحف على كاتب المقال فلم يحسن قراءته بالعربية.
стр. 793
المادة: بحيرا
الجزء: ٣/ الصفحة: ٣٩٦
جاء في دائرة المعارف الإسلامية في قصة (بحيرا) مع النبي ﷺ :
"ويذكر بعض المؤلفين الآخرين أن أبا بكر كان حاضرًا ذلك الحادث، وكان حتى في ذلك الوقت نفسه على استعداد للاشتراك في الحوادث المقبلة".
تعليق أحمد شاكر:
حضور أبي بكر تلك الحادثة لم يثبت، بل استغربه علماء الحديث، ورأوا أن ذكره خطأ من الراوي. قال الحافظ ابن حجر في الإصابة (ج ١ ص ١٨٣): (قد وردت هذه القصة بإسناد رجال ثقات، من حديث أبي موسى الأشعري، أخرجها الترمذي وغيره، ولم يسم فيها الراهب، وزاد فيها لفظة منكرة، وهي قوله: "وأتبعه أبو بكر بلالًا" وسبب نكارتها أن أبا بكر حينئذ لم يكن متأملًا، ولا اشترى يومئذ بلالًا، إلا أن يحمل على أن هذه الجملة مقتطعة من حديث آخر وأدرجت في هذا الحديث، وفي الجملة هي وهم من أحد رواته). وكذلك ضعفها الحافظ ابن كثير في تاريخه (البداية والنهاية ج ٢ ص ٢٨٥).
المادة: بحيرا
الجزء: ٣/ الصفحة: ٣٩٧
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"ويذكر المسعودي أن هذا الراهب كان يدعى جرجس".
стр. 794
تعليق أحمد شاكر:
كذا في نسخة المسعودي المطبوعة ببولاق (ج ١، ص ٣٥)، وفي جميع الكتب التي نقلت ذلك عن المسعودي سمى باسم (جرجيس) بزيادة ياء بعد الجيم الثانية.
المادة: بحيرا
الجزء: ٣/ الصفحة: ٣٩٧
جاء في دائرة المعارف الإسلامية بعد ذكر قصة (بحيرا) مع النبي ﷺ :
"وليس لدينا ما نقوله إلا القليل من الناحية التاريخية عن صحة هذه الأساطير؛ لأن المعلومات تنقصنا في هذا الموضوع، وهذه القصص قسم خاص من مجموعة الأساطير التي أحاطت بسيرة النبي محمد ﷺ ، ولها نظائر كثيرة من نفس النوع، وكلها ترمي إلى أن (أهل الكتاب) عرفوا من كتبهم من قبل ببعثة النبي محمد ﷺ ".
تعليق أحمد شاكر:
ليست هذه القصص بالأساطير، بل كثير منها ثابت بأسانيد صحيحة، وعلم أهل الكتاب بالبشارة بمحمد ﷺ في كتبهم ثابت عند المسلمين بنص القرآن الصريح، وليسوا في حاجة إلى افتعال أساطير يؤيدون بها ما أثبته الوحي المنزل من عند الله، وهو ثابت أيضا عند المسلمين فيما قرؤه من كتب أهل الكتاب مما بقي في أيديهم من
стр. 795
الصحيح من أقوال أنبيائهم المنقولة في كتبهم.
المادة: بحيرا
الجزء: ٣/ الصفحة: ٣٩٨
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"فنجد مثلًا أن تيوفانس وجرجيوس فرانتز يذكران أنه بعد ظهور جبريل لأول مرة وإصابة النبي ﷺ بالغشيان ملئت خديجة فزعًا، فلجأت إلى راهب ملحد منبوذ يدعى سرجيوس، فطمأنها وأكد لها أن الملك جبريل يرسل لجميع الأنبياء".
تعليق أحمد شاكر:
الزعم بأن قصة خديجة كانت مع من يدعي سرجيوس خطأ، ومخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة، فقد روى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم قصة تعبد النبي ﷺ في غار حراء ومجيء الملك إليه بالوحي أول مرة ونزول قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣)﴾ وفيها: (فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: "زملوني، فزملوه". حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة - وأخبرها الخبر -: "لقد خشيت على نفسي" فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به
стр. 796
خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة، وكان أمرءًا تَنَصَّر في الجاهلية" إلى آخر الحديث. وهو مشهور معروف في أول صحيح البخاري. فهذا صريح في أنها ذهبت به إلى ابن عمها العربي النسب، ولم تذهب إلى رجل أعجمي يدعى "سرجيوس".
المادة: براق
الجزء ٣/ الصفحة: ٤٨٦
تعليق أحمد شاكر على مادة (براق) في دائرة المعارف:
في حديث الإسراء والمعراج أن النبي ﷺ ليلة أسري به أتي بدابة "دون البغل وفوق الحمار أبيض، يضع خطوه عند أقصى طرفه" وهذا هو الوصف الوارد في الأحاديث الصحاح للبراق، وهي أحاديث لا شك في صحتها عند أهل العلم بالحديث، بل هي في جملتها متواترة قطعية الثبوت. وهذا الوصف وصفه به النبي ﷺ ليس من أقوال المفسرين كما يزعم كاتب المقال، وإن لم يصدق هو وأمثاله ذلك فلا شأن لنا بإقناعهم؛ إذ إن هذه الشؤون من الغيب الذي لا يدخل تحت الحس والمشاهدة، فلا يؤمن به إلا من يؤمن بأصل الإسلام، وبنبوة محمد ورسالته، فمن شاء أن يناظر فليناظر على أصل الإسلام أولًا.
وقد كان لكاتب المقال مندوحة أن يتحاشى الألفاظ الجافة في تعبيره، إذ يزعم أنه (في الأساطير للدلالة على حيوان خرافي) وليس من الأساطير ما ثبت عند علماء الإسلام بالتواتر الذي لا شك عند
стр. 797
المسلمين في صحته واليقين به.
وهذا البراق ليس حيوانًا كما يظن الكاتب من ظاهر لفظ "دابة" الذي عبر عنه في الأحاديث؛ لأنه من أمور الغيب التي أخبرنا بها النبي ﷺ مما وراء هذه المادة التي في متناول الحس البشري، ولا يستطيع العقل الإنساني أن يفهم مدلول هذه الأشياء الخارجة عن نطاق قوته التي منحت له: إلا بالتعبير عنها بألفاظ تدل على مدلولات مما يحس ويرى ويشعر، كما جاء وصف الجنة والنار في القرآن الكريم والأحاديث النبوية، وكما جاءت بعض أوصاف في الأديان السابقة، على لسان الأنبياء قبل نبينا، صلى الله عليهم أجمعين.
إن هذه الأمور الغيبية إنما أمرنا بالإيمان بها كما وردت، لا نتكلف أن نصورها بأكثر مما عبر عنها الله في كتابه أو رسوله في سنته، وقد جعل الله من أول فضائل المؤمنين أنهم ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾. فيصدقون رسولهم فيما أخبرهم، مما غاب عن حسهم، وقصرت عقولهم عن إدراكه، وليس بضارهم شيئًا أن يؤمنوا به، بل في الإيمان به كل الخير: ثقة النفس بالله، والاعتراف بقدرته وضعف الإنسان، فيتبع أوامر ربه كلها، فيما فهم وما لم يفهم، وفيما أحب وفيما كره ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾. [البقرة آية ١ - ٣].
والمثل على ذلك حاضرة: يأمر أحدنا طفله بأمر كله لطفله نفع
стр. 798
ورضى، والطفل يعجب لأبيه، ويرى أمره أحيانًا مخالفًا عقله الصغير، وليس بمستطيع أن يدخله في نطاق تصوره، ومع ذلك يأبي أبوه إلا أن يلزمه الطاعة، ولعله في بعض الأمور لو خالف أباه كان فيها هلاكه.
ويرى الرجل العاقل أشياء من عمل من هم أكبر منه عقلًا وعلمًا، ينكرها ويجزم بأنها خطأ لا صواب فيه، ثم إذا أمكن لغيره أن يفهمه علتها أو ملابساتها علم أنه أنكر صوابًا، وأن العلة إنما كانت في قصور فهمه.
وإنا لنقرأ كثيرًا عن أبحاث الراصدين من علماء الفلك، فنجد فيها أخبارًا عما ظهر لهم من الرصد والحساب من أبعاد الكواكب من الأرض التي نعيش عليها، لا يمكن للرجل العادي الذي لم يدرس هذه العلوم أن يتصورها (بعض الكواكب يبعد عن الأرض ٢٢٠ ألف سنة ضوئية، أي باعتبار أن الضوء يسير في الفضاء بسرعة ١٨٦ ألف ميل في الثانية الواحدة) وإنما يصدق بها ثقة بالعلماء الذين بحثوا ونقبوا، وقد يكون الخطأ في حسابهم جللا، ولعل الغلطة في رقم من أرقام حسابهم تنتج فروقًا بما لا يتصور عده من ملايين الأميال.
هذا كله في عقل إنساني أمام عقل إنساني، فماذا نرى في عقل إنساني ضعيف أمام قدرة الخالق وعلمه الذي يحيط بكل شيء ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف آية ١٠٩].
стр. 799
وأما ما نقله الكاتب من أن بعض الناس تخيل صورة البراق، فصوره أو وصفه، فذاك شيء لا يعرفه الإسلام ولا المسلمون، ولسنا نعبأ إلا بالبراءة منه.
وقد تعرض الكاتب للإشارة إلى الإسراء والمعراج، وعبر عنهما بأنهما رؤيا للنبي ﷺ . وله شيء من العذر في هذا، إلا في نسبته إلى النبي، فإن الأحاديث الصحيحة المتواترة صريحة في أنهما لم يكونا في عالم الرؤيا، إنما كانا في اليقظة، بالجسم والروح، وكان هذا موضع الإعجاز، وكان هذا مما أنكرته قريش، ومما ارتد بسببه بعض ضعفاء الإيمان إذ ذاك، ولم تكن قريش لتكذب رجلًا يدعي أنه يرى رؤيا في المنام، فإن هذا مما يمكن أن يكون لكل إنسان، إنما هم ينكرون شيئًا معجزًا خارجًا عن حدود القدرة البشرية، وكاتب المقال إنما تبع في كلامه بعض من أخطؤوا من الكاتبين الإسلاميين فزعموا أن الإسراء والمعراج بالروح، توهمًا منهم؛ لحديث زعموه عن عائشة أنها ما فقدت جسم رسول الله ﷺ ليلة الإسراء، وهو حديث لا أصل له ولا إسناد، بل هو حديث مكذوب مفترى، وعائشة كانت حين الإسراء طفلة صغيرة، والنبي ﷺ إنما دخل بها بالمدينة، والإسراء كان بمكة قبل الهجرة.
المادة: برزخ
الجزء: ٣/ الصفحة: ٥٣٤
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وقد ورد هذا المعنى أيضًا في سورة النمل الآية ٦١، وذكر في
стр. 800
هذه الآية كلمة (حاجز) بدلًا من كلمة برزخ".
تعليق أحمد شاكر:
في سورة النمل (٦١): ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾.
المادة: برزخ
الجزء: ٣/ الصفحة: ٥٣٥
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"والأفلاك السماوية برزخ حيّ، وعلى عكسها الأجسام التي لا حياة فيها، فهي برزخ ميت".
تعليق أحمد شاكر:
قال الراغب الأصفهاني في المفردات: "البرزخ: الحاجز بين الشيئين، وقيل: أصله برزه، فعرب. وقوله تعالى: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ٢٠]. والبرزخ في القيامة الحائل بين الإنسان وبين بلوغ المنازل الرفيعة في الآخرة، وذلك إشارة إلى العقبة المذكورة في قوله : ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١)﴾ [البلد: ١١]. قال تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠]. وتلك العقبة موانع من أحوال لا يصل إليها إلا الصالحون، وقيل: البرزخ ما بين الموت إلى يوم القيامة. ونحو ذلك في لسان العرب أيضًا فانظره. ونعرف من هذا أن البرزخ في لغة العرب: الحاجز، وأن كل حاجز يسمى برزخًا، سواء أكان حاجزًا حسيًّا أم حاجزًا معنويًّا، الحسي في الحسيات، والمعنوي في المعنويات.
стр. 801
المادة: برصيصا
الجزء: ٣/ الصفحة: ٥٤٦
تعليق أحمد شاكر على مادة (برصيصا) في دائرة المعارف:
أولًا: أن المفسرين الذين ذكروا قصة برصيصا عن تفسير هذه الآية إنما ذكروها على أنها مثال من مثل إغواء الشيطان للإنسان، لا أن ذلك هو المراد منها وحده، قال العلامة الحافظ ابن كثير في تفسيره (٨: ٣٠٠ من طبعة المنار): "وقد ذكر بعضهم ههنا قصة لبعض عباد بني إسرائيل، هي كالمثال لهذا المثل، لا أنها المرادة وحدها بالمثل، بل هي منه مع غيرها من الوقائع المشاكلة لها".
ثانيًا: أن ابن هشام ذكر في السيرة في هذا الموضع: أن حادث يوم بدر كان مرويًّا على الشك على أنه مع أبي جهل أو مع عمير بن وهب.
ثالثًا: أن المفسرين لم يذكروا أبا جهل في هذا الموضع على التعيين، وإمامهم الزمخشري قال: "كمثل الشيطان إذا استغوى الإنسان بكيده ثم تبرأ منه في العاقبة، والمراد استغواؤه قريشًا يوم بدر وقوله: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم" فلم يذكر أبا جهل كما نسبه إليه كاتب المقال، وكذلك من تبعه من المفسرين.
رابعًا: قصة هذا الراهب وردت بألفاظ مختلفة، بعضها مطول وبعضها مختصر، وكلها موقوفة على الصحابة أو التابعين، ليس شيء
стр. 802
منها مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، إلا رواية ذكرها السهيلي في كتاب (التعريف والإعلام بما أبهم في القرآن من الأسماء والأعلام) طبعة مصر سنة ١٣٥٦ ص ١٢٧ - ١٢٨) وإسنادها ضعيف جدًّا؛ لأنها من رواية عروة بن عبيد بن رفاعة الزرقي عن النبي ﷺ ، وهذا إسناد مجهول لا قيمة له؛ لأن عبيد بن رفاعة تابعي، لم يدرك النبي، وأحاديثه عنه مرسلة، فابنه أبعد من ذلك وأصغر، ثم إن ابن سعد ذكر أولاده في كتاب الطبقات (ج ٥، ص ٢٠٤) ولم يذكر فيهم من يسمى "عروة" ونقله السيوطي في الدر المنثور (٦: ٢٠٠) عن عبيد بن رفاعة عن النبي ونسبه لابن أبي الدنيا وابن مردويه والبيهقي، وهو حديث ضعيف، لما قلنا من أن عبيد بن رفاعة لم يدرك النبي ﷺ ، وكذلك رواه ابن الجوزي في كتاب (تلبيس إبليس) مطولًا (ص ٢٦ - ٢٩) وجعله من رواية عروة بن عامر عن عبيد بن رفاعة.
خامسًا: وأكثر أسانيد هذه القصة إلى الصحابة ضعيف، إلا إسناد روايتها عن علي بن أبي طالب، قال الطبري في التفسير (٢٨: ٣٣): "حدثنا خلاد بن أسلم قال حدثنا النضر بن شميل قال أخبرنا شعبة عن أبي إسحاق قال سمعت عبد الله بن نهيك قال سمعت عليًّا ﵁ يقول: إن راهبًا تعبد ستين سنة، وإن الشيطان أراده فأعياه، فعمد إلى امرأة فأجنها، ولها إخوة، فقال لإخوتها: عليكم بهذا القس فيداويها، فجاءوا بها. قال: فداواها وكانت عنده، فبينما هو يومًا عندها إذ أعجبته، فأتاها فحملت، فعمد إليها فقتلها
стр. 803
فجاء إخوتها، فقال الشيطان للراهب: أنا صاحبك إنك أعييتني، أنا صنعت بك هذا فأطعني أنجك مما صنعت بك، اسجد لي سجدة! ! فسجد له فلما سجد له قال: إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين. فذلك قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦)﴾ [الحشر: ١٦]. وهذا إسناد جيد، عبد الله بن نهيك - بفتح النون وكسر الهاء - كوفي، ذكره ابن جنان في الثقات. ورواها أيضا الحاكم في المستدرك (ج ٢، ص ٤٨٤ - ٤٨٥) من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن حميد بن عبد الله السلولي عن علي بن أبي طالب، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد". ووافقه الحافظ الذهبي، ولم أجد ترجمة لحميد بن عبد الله السلولي هذا.
سادسًا: وهذه القصة المختصرة عن علي بن أبي طالب فيها عبرة وعظة، وليست من الأحاديث المسندة إلى النبي ﷺ ، وإنما هي من القصص الذي يحكى على سبيل الاعتبار، ولعلها مما سمع الصحابة من اليهود من أخبار بني إسرائيل، مما يسميه علماء المسلمين "الإسرائيليات" فسواء كانت حقيقية أو غير حقيقية فإنها ليست تفسيرًا للآية، وإنما هي مثل من المثل، وذكر المفسرين الأقدمين إياها على هذا المعنى، واستشهاد علي وغيره من الصحابة بالآية عقيب القصة على هذا المعنى أيضًا، ثم تزَّيد الرواة الوضاعون الكذابون في أمثال هذه الحكايات، وخرجوا بها عن الحد الذي نقله المتقدمون، واغتر
стр. 804
المفسرون المتأخرون وغيرهم من العلماء فذكروا هذه الروايات المخترعة الباطلة، ولم يكونوا يريدون إلا الوعظ والعبرة، وكثير منهم لا يعرف الصحيح من الضعيف، أو يعرفه ويكتفي بأن رواه بإسناده، وأن القارئ العالم بالأسانيد سيظهر له ضعف الإسناد فلا يظنه صحيحًا، ثم ازداد الجهل بالسنة الصحيحة وبأسانيدها في عامة العلماء، فاختلط عليهم الصحيح بالباطل، إلا من عصم الله، وآتاه حظه من الرشد والتوفيق من الله.
سابعًا: كتاب "جامع البيان" الذي أشار إليه كاتب المقال هو تفسير نفيس لمعين الدين محمد بن عبد الرحمن الصفوي المولود سنة ٨٣٢ والمتوفى سنة ٩٠٥ هجرية، وقد طبع في دهلي قديمًا (سنة ١٢٩٦ هجرية) وقد طبع الثلث الأخير من هذا الكتاب سنة ١٣٥٥ بإشرافنا وتصحيح الشيخ محمد حامد الفقي، وقد ذكر في (ص ٣٧٥) في التعليقات المنقولة عن طبعة الهند: أن السيوطي في الدر المنثور نقله عن ابن أبي أمامة مرفوعًا وعزاه للبيهقي، وهذا شيء لم أجده في الدر المنثور، فلا أدري ممن الخطأ فيه، ولكنه خطأ بكل حال.
ثامنًا: إن تسمية الراهب المنسوب إليه القصة باسم "برصيصا" لم يذكر في كتب المتقدمين والروايات الأولى، ولكنه ذكر في كتب المتأخرين كالبغوي في تفسيره (ج ٨، ص ٣٠٠ - ٣٠٣ من طبعة المنار) ثم من بعده. وقد قال السهيلي في كتاب التعريف والإعلام (ص ١٢٨): "ويقال اسم هذا الراهب برصيصا، ولم يذكر اسمه إسماعيل القاضي، ولا أنا منه على ثقة". وقال ابن كثير في تفسيره (٨: ٣٠٠):
стр. 805
"واشتهر عند كثير من الناس أن هذا العابد هو برصيصا فالله أعلم".
تاسعًا: نسبة هذه الحكاية على طريقة علمائنا في تخريج الروايات، لا على طريقة المستشرقين في خفاء هذه الطرق عليهم: أن القصة مروية عن علي بن أبي طالب، كما ذكرناها وذكرنا من رواها، ورواها أيضًا ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس، ورواها ابن جرير عن ابن مسعود، ورواها ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان، وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن عبيد بن رفاعة يبلغ به النبي ﷺ ، وقد تكلمنا على هذه الرواية فيما مضى في رقم (٤) ورواها ابن المنذر والخرائطي في اعتلال القلوب من طريق عدي بن ثابت عن ابن عباس، ورواها عبد الرزاق وعبد بن حميد عن طاوس. وهذه الروايات ملخصة من الدر المنثور للسيوطي (ج ٦ ص ١٩٩ - ٢٠٠) وذكرها أيضًا البغوي مطولة جدًّا بدون إسناد من طريق عطاء وغيره عن ابن عباس.
عاشرًا وأخيرًا: لم نجد حاجة إلى ذكر شيء من تفاصيل هذه الحكاية واختلاف الروايات فيها، فهي أهون من أن يشتغل بها، إلا لبيان قيمتها، والتحذير من ربط الصلة بينها وبين تفسير القرآن.
المادة: برنك سَبِل
الجزء: ٣/ الصفحة: ٥٧٤
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"ولقد دلت التجارب على أنه من المستحيل على المسلمين أن
стр. 806
يقوموا بما يفرضه الجهاد عليهم، وإن كان الفقهاء يقولون، والناس يصدقونهم، بأن الحرب لا تضع أوزارها ضد الكفار إلا عند اليأس من النصر".
تعليق أحمد شاكر:
هذا القول غير واضح، ولعل كاتب المقال اشتبه عليه الأمر، إذ رأى النصوص الدالة على أنه لا يجوز للمقاتل الفرار إلا أن يكون لخطة من خطط الحرب أو رجوعًا إلى باقي الجيش، كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾. [الأنفال آية ١٥, ١٦]
وأما أن ييأس المسلمون من النصر فلا، وإنما قد تدعوهم الظروف السياسية أو الضرورات الحربية إلى ترك القتال في بعض الأوقات، وهم لا يقاتلون إلا مدافعين عن الدين وعن الحق، ولا يقاتلون بغيًا ولا عدوانًا.
المادة: برنك سَبِل
الجزء: ٣/ الصفحة: ٥٧٤
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"والحق أن الشريعة الإسلامية تنص على أن الإمام هو الذي يدعو
стр. 807
الناس إلى الجهاد، ولا وجود للإمام اليوم، ولكن لما كان سلطان الترك هو الإمام المعترف به، فقد تغلبوا على ما يعتور نفوسهم من شك بسكوته عن الدعوة إليه".
تعليق أحمد شاكر:
لم يكن جميع المسلمين معترفين بإمامة سلطان الأتراك في ذلك الوقت، وإنما أعجز المسلمين عن الجهاد وعن نصرة دينهم تفرق كلمتهم، وضعف ملوكهم، وإحجام علمائهم عن كلمة الحق، ثم إعراضهم عن التمسك بدينهم وخوفهم من تهمة التعصب الديني التي خدعتهم بها أوربة بعد أن زلزلت أقدامهم في بلادهم، إلى غير ذلك من الأسباب التي يطول شرحها هنا.
المادة: برنك سَبِل
الجزء: ٣/ الصفحة: ٥٧٥
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"والمسلمون خارج البقاع التي يقوم الجهاد فيها يعطفون بقلوبهم على المجاهدين، ويمتدح شيوخ المسلمين بصفة عامة إكراه أي شخص على اعتناق الإسلام في أية ناحية من نواحي جزائر الهند الشرقية، ويعدون هذا أداء لواجب من أهم واجبات الجهاد".
تعليق أحمد شاكر:
لسنا نعرف في أية بلدة من بلدان الإسلام أن هناك علماء من شيوخ
стр. 808
المسلمين يرضون عن إكراه إنسان على اعتناق الإسلام، ولا نظن كاتب المقال متحققًا من هذا النقل الذي ينسبه إلى بعض العلماء، بل لعله سمع بعض كلمات من أناس يتملقون أعداء الدين بأقاويل يزعمونها من أقاويل العلماء التماسًا لعرض الحياة الدنيا، وغرورًا بما يرون من قوة أعداء الإسلام وطغيانهم، وأما الإسلام وعلماء الإسلام فإنهما بريئان من إكراه غير المسلم على الدخول في الإسلام.
وقد عرض كاتب المقال لأحكام تتعلق بالجهاد هنا، وليس هذا موضعها، ونرجو أن نتكلم عليها عند الكلام على مادة "جهاد" إن شاء الله.
المادة: بُسر
الجزء: ٣/ الصفحة: ٦٣٣
تعليق أحمد شاكر على مادة (بُسر) في دائرة المعارف:
"بسر" بضم الباء وسكون السين المهملة، و"أرطاة" بفتح الهمزة وسكون الراء. والمشهور عند المحدثين "بسر بن أرطاة" ويقال "بسر ابن أبي أرطاه" والظاهر أن اسم أبيه "عمير" وكنيته "أبو أرطاة" فهذا معنى من قال "بسر بن أبي أرطاة" وأن اسم جده "أرطاة" فتارة ينسب إلى أبيه، وتارة ينسب إلى جده فيقال: "بسر بن أرطاة". ويرجح هذا ما في تاريخ بغداد للخطيب (ج ١ ص ٢١١): "قال أبو الحسن أحمد بن عمير: حدثني بكار بن عبد الله بن بسر وسألته عن اسم أبي أرطاة؟ فحدثني عن أبيه بنسب جده: "بسر بن عمير بن أرطاة بن عويمر بن عمران".
стр. 809
وأما الخلاف في صحبته للنبي ﷺ فهو خلاف معروف عند علماء الحديث؛ لأنه كان صغير السن عند وفاة النبي ﷺ ، ولكنه كان مميزًا، وسمع منه حديثين رواهما، ولذلك رجح المحدثون أنه صحابي، وحديثاه في مسند أحمد (ج ٤ ص ١٨١).
وأما أحداثه في السياسة بعد ذلك وقسوته، فإنه شيء يسأل عنه بين يدي الله يوم القيامة، ونحن نطهر ألسنتنا عن دماء طهر الله منها أيدينا.
وله تراجم أخرى غير ما أشار إليه كاتب المقال في تاريخ بغداد (ج ١ ص ٢١٠ - ٢١١) وفي الاستيعاب لابن عبد البر (ج ١ ص ٦٤ - ٦٧ من طبعة الهند) وفي مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر (ج ٣ ص ٢٢٠ - ٢٢٥).
المادة: بسملة
الجزء: ٣/ الصفحة: ٦٤١
تعليق أحمد شاكر على مادة (بسملة) في دائرة المعارف:
هذه المسألة من أهم مسائل الخلاف بين القراء والمحدثين والفقهاء، وألف فيها الكثيرون كتبًا خاصة، فمن ذلك كتاب "الإنصاف فيما بين العلماء من الاختلاف" للإمام الكبير أبي عمر يوسف بن عبدي البر القرطبي المتوفى سنة ٤٦٣ هـ، وهو جزء في ٤٢ صفحة، وقد طبع في مصر سنة ١٣٤٣ هـ، وكتاب لأبي محمد عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي، ذكره النووي في المجموع، وقال: إنه مجلد كبير، ولخص أهم ما فيه، وألف فيها
стр. 810
أيضًا ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والبيهقي والخطيب. وقد جمع الحافظ الزيلعي في نصب الراية أكثر ما ورد فيها من الآثار والأقاويل في مقدار يصلح كتابًا مستقلًا (١: ١٦٨ - ١٩١، من طبعة الهند، و ١: ٣٢٣ - ٣٦٣ من طبعة المجلس العلمي سنة ١٣٥٧ هـ) وكذلك النووي في المجموع، كتب فيها مقدارًا وافيًا.
واستيعاب ما قالوه لا يسعه المقام هنا، لكني أقول فيها كلمة أرجو أن أوفق إلى أن تكون القول الفصل، إن شاء الله:
اتفق المسلمون جميعًا على أن البسملة جزء من آية في سورة النمل، ثابتة ثبوت التواتر القطعي الموجب لليقين.
ثم اختلف الفقهاء وغيرهم بعد ذلك: هل هي آية من كل سورة من سور القرآن سوى براءة؟ أو هي جزء من آية؟ أو هي آية مستقلة نزلت مع كل سورة - سوى براءة - لافتتاحها وللفصل بينها وبين غيرها؟ أو هي آية من الفاتحة فقط؟ أو ليست آية أصلًا، لا في الفاتحة ولا في غيرها؟
فنقل العلماء عن مالك والأوزاعي وابن جرير الطبري وداود؛ أنهم ذهبوا إلى أنها ليست في أوائل السور كلها قرآنًا، لا في الفاتحة ولا في غيرها!
وحكاه الطحاوي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وهو رواية عن أحمد، وقول لبعض أصحابه، واختاره ابن قدامة في المغني.