Полный текст (928 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
يقوموا بما يفرضه الجهاد عليهم، وإن كان الفقهاء يقولون، والناس يصدقونهم، بأن الحرب لا تضع أوزارها ضد الكفار إلا عند اليأس من النصر".
تعليق أحمد شاكر:
هذا القول غير واضح، ولعل كاتب المقال اشتبه عليه الأمر، إذ رأى النصوص الدالة على أنه لا يجوز للمقاتل الفرار إلا أن يكون لخطة من خطط الحرب أو رجوعًا إلى باقي الجيش، كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾. [الأنفال آية ١٥, ١٦]
وأما أن ييأس المسلمون من النصر فلا، وإنما قد تدعوهم الظروف السياسية أو الضرورات الحربية إلى ترك القتال في بعض الأوقات، وهم لا يقاتلون إلا مدافعين عن الدين وعن الحق، ولا يقاتلون بغيًا ولا عدوانًا.
المادة: برنك سَبِل
الجزء: ٣/ الصفحة: ٥٧٤
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"والحق أن الشريعة الإسلامية تنص على أن الإمام هو الذي يدعو
стр. 807
الناس إلى الجهاد، ولا وجود للإمام اليوم، ولكن لما كان سلطان الترك هو الإمام المعترف به، فقد تغلبوا على ما يعتور نفوسهم من شك بسكوته عن الدعوة إليه".
تعليق أحمد شاكر:
لم يكن جميع المسلمين معترفين بإمامة سلطان الأتراك في ذلك الوقت، وإنما أعجز المسلمين عن الجهاد وعن نصرة دينهم تفرق كلمتهم، وضعف ملوكهم، وإحجام علمائهم عن كلمة الحق، ثم إعراضهم عن التمسك بدينهم وخوفهم من تهمة التعصب الديني التي خدعتهم بها أوربة بعد أن زلزلت أقدامهم في بلادهم، إلى غير ذلك من الأسباب التي يطول شرحها هنا.
المادة: برنك سَبِل
الجزء: ٣/ الصفحة: ٥٧٥
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"والمسلمون خارج البقاع التي يقوم الجهاد فيها يعطفون بقلوبهم على المجاهدين، ويمتدح شيوخ المسلمين بصفة عامة إكراه أي شخص على اعتناق الإسلام في أية ناحية من نواحي جزائر الهند الشرقية، ويعدون هذا أداء لواجب من أهم واجبات الجهاد".
تعليق أحمد شاكر:
لسنا نعرف في أية بلدة من بلدان الإسلام أن هناك علماء من شيوخ
стр. 808
المسلمين يرضون عن إكراه إنسان على اعتناق الإسلام، ولا نظن كاتب المقال متحققًا من هذا النقل الذي ينسبه إلى بعض العلماء، بل لعله سمع بعض كلمات من أناس يتملقون أعداء الدين بأقاويل يزعمونها من أقاويل العلماء التماسًا لعرض الحياة الدنيا، وغرورًا بما يرون من قوة أعداء الإسلام وطغيانهم، وأما الإسلام وعلماء الإسلام فإنهما بريئان من إكراه غير المسلم على الدخول في الإسلام.
وقد عرض كاتب المقال لأحكام تتعلق بالجهاد هنا، وليس هذا موضعها، ونرجو أن نتكلم عليها عند الكلام على مادة "جهاد" إن شاء الله.
المادة: بُسر
الجزء: ٣/ الصفحة: ٦٣٣
تعليق أحمد شاكر على مادة (بُسر) في دائرة المعارف:
"بسر" بضم الباء وسكون السين المهملة، و"أرطاة" بفتح الهمزة وسكون الراء. والمشهور عند المحدثين "بسر بن أرطاة" ويقال "بسر ابن أبي أرطاه" والظاهر أن اسم أبيه "عمير" وكنيته "أبو أرطاة" فهذا معنى من قال "بسر بن أبي أرطاة" وأن اسم جده "أرطاة" فتارة ينسب إلى أبيه، وتارة ينسب إلى جده فيقال: "بسر بن أرطاة". ويرجح هذا ما في تاريخ بغداد للخطيب (ج ١ ص ٢١١): "قال أبو الحسن أحمد بن عمير: حدثني بكار بن عبد الله بن بسر وسألته عن اسم أبي أرطاة؟ فحدثني عن أبيه بنسب جده: "بسر بن عمير بن أرطاة بن عويمر بن عمران".
стр. 809
وأما الخلاف في صحبته للنبي ﷺ فهو خلاف معروف عند علماء الحديث؛ لأنه كان صغير السن عند وفاة النبي ﷺ ، ولكنه كان مميزًا، وسمع منه حديثين رواهما، ولذلك رجح المحدثون أنه صحابي، وحديثاه في مسند أحمد (ج ٤ ص ١٨١).
وأما أحداثه في السياسة بعد ذلك وقسوته، فإنه شيء يسأل عنه بين يدي الله يوم القيامة، ونحن نطهر ألسنتنا عن دماء طهر الله منها أيدينا.
وله تراجم أخرى غير ما أشار إليه كاتب المقال في تاريخ بغداد (ج ١ ص ٢١٠ - ٢١١) وفي الاستيعاب لابن عبد البر (ج ١ ص ٦٤ - ٦٧ من طبعة الهند) وفي مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر (ج ٣ ص ٢٢٠ - ٢٢٥).
المادة: بسملة
الجزء: ٣/ الصفحة: ٦٤١
تعليق أحمد شاكر على مادة (بسملة) في دائرة المعارف:
هذه المسألة من أهم مسائل الخلاف بين القراء والمحدثين والفقهاء، وألف فيها الكثيرون كتبًا خاصة، فمن ذلك كتاب "الإنصاف فيما بين العلماء من الاختلاف" للإمام الكبير أبي عمر يوسف بن عبدي البر القرطبي المتوفى سنة ٤٦٣ هـ، وهو جزء في ٤٢ صفحة، وقد طبع في مصر سنة ١٣٤٣ هـ، وكتاب لأبي محمد عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي، ذكره النووي في المجموع، وقال: إنه مجلد كبير، ولخص أهم ما فيه، وألف فيها
стр. 810
أيضًا ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والبيهقي والخطيب. وقد جمع الحافظ الزيلعي في نصب الراية أكثر ما ورد فيها من الآثار والأقاويل في مقدار يصلح كتابًا مستقلًا (١: ١٦٨ - ١٩١، من طبعة الهند، و ١: ٣٢٣ - ٣٦٣ من طبعة المجلس العلمي سنة ١٣٥٧ هـ) وكذلك النووي في المجموع، كتب فيها مقدارًا وافيًا.
واستيعاب ما قالوه لا يسعه المقام هنا، لكني أقول فيها كلمة أرجو أن أوفق إلى أن تكون القول الفصل، إن شاء الله:
اتفق المسلمون جميعًا على أن البسملة جزء من آية في سورة النمل، ثابتة ثبوت التواتر القطعي الموجب لليقين.
ثم اختلف الفقهاء وغيرهم بعد ذلك: هل هي آية من كل سورة من سور القرآن سوى براءة؟ أو هي جزء من آية؟ أو هي آية مستقلة نزلت مع كل سورة - سوى براءة - لافتتاحها وللفصل بينها وبين غيرها؟ أو هي آية من الفاتحة فقط؟ أو ليست آية أصلًا، لا في الفاتحة ولا في غيرها؟
فنقل العلماء عن مالك والأوزاعي وابن جرير الطبري وداود؛ أنهم ذهبوا إلى أنها ليست في أوائل السور كلها قرآنًا، لا في الفاتحة ولا في غيرها!
وحكاه الطحاوي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وهو رواية عن أحمد، وقول لبعض أصحابه، واختاره ابن قدامة في المغني.
стр. 811
وقال أحمد: هي آية في أول الفاتحة وليست قرآنًا في أوائل باقي السور. وهو قول إسحاق وأبي عبيد وأهل الكوفة وأهل مكة وأهل العراق، فيما نقله العلماء، وهو أيضًا رواية عن الشافعي.
وقال الشافعي وأصحابه: هي آية من كل سورة سوى براءة. وحكاه ابن عبد البر عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وعطاء وطاوس ومكحول. وحكاه ابن كثير عن أبي هريرة وعلي وسعيد بن جبير والزهري، وهو رواية عن أحمد. وادعى أبو بكر الرازي الجصاص في أحكام القرآن، أن الشافعي لم يسبقه أحد إلى هذا القول! !
وذهب أبو بكر الرازي الجصاص إلى أنها آية في كل موضع كتبت فيه في المصحف، وليست آية من الفاتحة ولا من غيرها، وإنما أنزلت لافتتاح القراءة بها وللفصل بين كل سورتين - سوى ما بين الأنفال وبراءة - وهو المختار عند الحنفية، قال محمد بن الحسن: "ما بين دفتي المصحف قرآن". وهو قول ابن المبارك ورواية عن أحمد وداود، وقال الزيلعي في نصب الراية: "وهذا قول المحققين من أهل العلم".
ونسبة هذا القول إلى الحنفية استنباط فقط، فقد قال أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن (١: ٨): "ثم اختلف في أنها من فاتحة الكتاب أم لا: فعدها قراء الكوفيين آية منها، ولم يعدها قراء البصريين، وليس عن أصحابنا رواية منصوصة في أنها آية منها، إلا أن شيخنا أبا الحسن الكرخي حكى مذهبهم في ترك الجهر بها، وهذا
стр. 812
يدل على أنها ليست منها عندهم؛ لأنها لو كانت آية منها عندهم لجهر بها كما جهر بسائر آي السور".
وقال شمس الأئمة محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي في المبسوط (ج ١ ص ١٦): "وعن معلى قال: قلت لمحمد - يعني ابن الحسن -: البسملة آية من القرآن أم لا؟ قال: ما بين الدفتين كله قرآن. قلت: فلم لم تجهر؟ فلم يجبني، فهذا عن محمد بيان أنها آية أنزلت للفصل بين السور، لا من أوائل السور، ولهذا كتبت بخط على حدة، وهو اختيار أبي بكر الرازي ﵀، حتى قال محمد ﵀: يكره للحائض والجنب قراءة البسملة على وجه قراءة القرآن؛ لأن من ضرورة كونها قرآنًا حرمة قراءتها على الحائض والجنب، وليس من ضرورة كونها قرآنًا الجهر بها، كالفاتحة في الأخريين".
وقد استدل كل فريق لقوله بأحاديث، منها الصحيح المقبول، ومنها الضعيف المردود.
وأما أئمة القراءات فإنهم جميعًا اتفقوا على قراءة البسملة في ابتداء كل سورة، سواء الفاتحة أو غيرها من السور، سوى براءة. ولم يرو عن واحد منهم أبدا إجازة ابتداء القراءة بدون البسملة.
وإنما اختلفوا في قراءتها بين السور أثناء التلاوة، أي؛ في الوصل: فابن كثير وعاصم والكسائي وأبو جعفر وقالون وابن محيصن والمطوعي وورش من طريق الأصبهاني يفصلون بالبسملة بين كل سورتين، إلا بين الأنفال وبراءة. وحمزة يصل السورة بالسورة من
стр. 813
غير بسملة، وكذلك خلف، وجاء عنه أيضا السكت قليلًا - أي بدون تنفس - من غير بسملة. وجاء عن كل من أبي عمرو وابن عامر ويعقوب وورش من طريق الأزرق؛ البسملة والوصل والسكت بين كل سورتين سوى الأنفال وبراءة.
وكل من روى عنه من القراء العشرة حذف البسملة روى عنه أيضًا إثباتها، ولم يرد عن أحد منهم حذفها رواية واحدة فقط.
وهؤلاء هم أهل الرواية المنقولة بالسماع والتلقي، شيخًا عن شيخ في التلاوة والأداء.
وقد اتفقوا جميعًا على قراءتها أول الفاتحة وإن وصلت بغيرها. قال إمام القراء أبو الخير بن الجزري في كتاب النشر في القراءات العشر (١: ٢٦٢): "ولذلك لم يكن بينهم خلاف في إثبات البسملة أول الفاتحة، سواء وصلت بسورة الناس قبلها، أو ابتدئ بها؛ لأنها ولو وصلت لفظًا فإنها مبتدأ بها حكمًا، ولذلك كان الواصل هنا حالًا مرتحلًا".
ولا خلاف بين أحد من أهل النقل وأهل العلم في أن جميع المصاحف الأمهات، التي كتبها عثمان بن عفان، وأقرها الصحابة جميعًا دون ما عداها كتبت فيها البسملة في أول كل سورة، سوى براءة، وأن الصحابة - رضوان الله عليهم - إذ جمعوا القرآن في المصاحف جردوه من كل شيء غيره فلم يأذنوا بكتابة أسماء السور ولا أعداد الآي، ولا (آمين)، ومنعوا أن يجرؤ أحد على كتابة ما
стр. 814
ليس من كتاب الله في المصاحف، حرصًا منهم على حفظ كتاب الله، وخشية أن يشبه على أحد ممن بعدهم فيظن غير القرآن قرآنًا، فهل يعقل مع هذا كله أن يكتبوا مائة وثلاث عشرة بسملة زيادة على ما أنزل على رسول الله؟ ! ألا يدل هذا دلالة قاطعة منقولة بالتواتر العملي المؤيد بالكتابة المتواترة على أنها آية من القرآن في كل موضع كتبت فيه؟ !
والقاعدة الصحيحة عند أئمة القراء أن القراءة الصحيحة المقبولة هي: ما صح سنده ووافق رسم المصحف ولو احتمالًا وكان له وجه من العربية، وأنه إذا فقد شرط من هذه الشروط في رواية كانت قراءة شاذة أو ضعيفة أو مردودة. وقد ذهب بعض القراء إلى أن التواتر شرط لصحة القراءة. والحق أنه شرط في إثبات القرآن، وأما القراءة فيكفي فيها صحة السند مع ما سبق. وهذا الذي اعتمده إمام القراء ابن الجزري وغيره.
ولكن لم يخالف واحد منهم في اشتراط موافقة رسم المصحف، وفي أن القراءة التي تخالفه قراءة غير صحيحة ولو صح سندها.
فإذا سلكنا جادة الإنصاف في تطبيق القواعد الصحيحة على الأقوال والقراءات السابقة، وتنكبنا طريق الهوى والعصبية علمنا يقينًا ليس بالظن، أن القول الذي زعموا نسبته إلى مالك ومن معه، في أنها ليست آية أصلًا قول لا يوافق قاعدة أصولية ثابتة، ولا قراءة صحيحة، وأن قراءة من قرأ بأسقاطها في الوصل بين السور قراءة غير
стр. 815
صحيحة أيضًا؛ لأنها فقدت أهم شرط من شروط صحة القراءة، أو هو الشرط الأساسي في صحتها، وهو موافقة رسم المصحف، وظهر أن الحق الذي لا يتطرق إليه الشك، ولا يستطيع مجادل أن ينازع فيه: أنها آية في كل موضع كتبت فيه في المصحف.
وأما أنها آية من السور المكتوبة في أولها أو آية مستقلة، فإنه محل نظر وبحث، والذي يظهر لي ترجيح أنها آية من كل سورة كتبت في أولها، أي؛ من جميع سور القرآن سوى براءة، وأنه لا يجوز لقارئ أن يقرأ أية سورة من القرآن - سوى براءة - من غير أن يبدأها بالتسمية التي هي آية منها في أولها، سواء أقرأها ابتداء أم وصلها بما قبلها، وهذا الذي اختاره الشافعي ﵁، فيما نقله عن العلماء، وهو الذي يفهم من كلامه الذي نقلنا آنفًا عن كتابه "الأم".
وبعد: فقد يبدو للناظر بادئ ذي بدء أن يتكره هذا القول وينكره، لما فيه من الحكم على بعض أوجه القراءات السبع بعدم الصحة، لما شاع بين المتأخرين والعامة، من أن هذه القراءات السبع متواترة تفصيلًا، بما فيها من بعض الاختلاف في الحروف وبما فيها من أوجه الأداء، وهذه شائعة غير صحيحة، بدأ القول بها بعض متأخري العلماء، ثم تبعه فيها غيره، ثم أذاعها عامة القراء وعامة أهل العلم، من غير نظر صحيح، ولا حجة بينة، وقد ردها كثيرون من أئمة القراء والعلماء، قال أبو شامة المقدسي: "ونحن وإن قلنا: إن القراءات الصحيحة إليهم نسبت، وعنهم نقلت فلا يلزم أن جميع ما نقل عنهم
стр. 816
بهذه الصفة، بل فيه الضعيف، لخروجه عن الأركان الثلاثة".
وقال إمام القراء الحافظ أبو الخير بن الجزري في كتاب النشر (١: ٩ - ١٠): "كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا، وصح سندها فهي القراءة الصحيحة، التي لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها، سواء كانت عن الأئمة السبعة، أم عن العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها: ضعيفة أو شاذة أو باطلة، سواء كانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم. هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف، صرح بذلك الإمام الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني، ونص عليه في غير موضع الإمام أبو محمد مكي بن أبي طالب، وكذلك الإمام أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي، وحققه الإمام الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة، وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه، قال أبو شامة ﵀ في كتابه المرشد الوجيز: فلا ينبغي أن يغتر بكل قراءة تعزى إلى واحد من هؤلاء الأئمة السبعة، ويطلق عليها لفظ الصحة، وأن هكذا أنزلت، إلا إذا دخلت في ذلك الضابط، وحينئذ لا ينفرد بنقلها مصنف عن غيره، ولا يختص ذلك بنقلها عنهم، بل إن نقلت عن غيرهم من القراء فذلك لا يخرجها عن الصحة، فإن الاعتماد على استجماع تلك الأوصاف، لا عمن تنسب إليه، فإن القراءات
стр. 817
المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذ، غير أن هؤلاء السبعة لشهرتهم وكثرة الصحيح المجتمع عليه في قراءتهم، تركن النفس إلى ما نقل عنهم فوق ما ينقل عن غيرهم".
ولم يكن الأئمة السابقون من العلماء يحجمون عن نقد بعض قراءة القراء السبعة وغيرهم، بل كثيرًا ما حكموا على بعض حروفهم في القراءة بأنها خطأ، وقد يكون الناقد هو المخطئ، ولكنه ينقد عن علم وحجة، فلا عليه إن أخطأ، ولو كانت حروف القراء كلها متواترة تفصيلًا كما يظن كثير من العلماء وغيرهم لكان الناقد لحرف منها خارجًا عن حد الإسلام، ولم يقل بهذا أحد، والعياذ بالله من أن نرمي أمثالهم بهذا.
فمن أمثلة ذلك؛ أن إمام المفسرين وحجة القراء أبا جعفر محمد ابن جرير الطبري رد قراءة حفص عن عاصم من السبعة، ويعقوب من العشرة في قوله تعالى في سورة الحج [آية ٢٥]: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ بنصب "سواء" فقال في تفسيره (١٧: ١٠٣): "وقد ذكر عن بعض القراء أنه قرأه (سواء) نصبًا، على إعمال. (جعلنا) فيه، وذلك وإن كان له وجه من العربية فقراءة لا أستجيز القراءة بها، لإجماع الحجة من القراء على خلافه"!
وقد رد الطبري والزمخشري، وهما إماما العربية والتفسير قراءة ابن عامر في قوله تعالى في سورة الأنعام [آية ١٣٧]: (وَكَذَلِكَ زُيَّنَ لكثيرٍ مِنْ المشرِكِين قَتَلُ أوَلادَهُم شُرَكَائِهم) فقال الطبري (٨: ٣٣)
стр. 818
"وقرأ ذلك بعض قراء أهل الشام (وَكَذَلِكَ زيِّن) بضم الزاي (لكثيرٍ مِنَ المشركين قَتلُ) بالرفع (أولادَهم) بالنصب (شِركائِهم) بالخفض، بمعنى: وكذلك زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم، ففرقوا بين الخافض والمخفوض بما عمل فيه من الاسم، وذلك في كلام العرب قبيح غير فصيح، وقد روى عن بعض أهل الحجاز بيت من الشعر يؤيد قراءة من قرأ بما ذكرت من قراءة أهل الشأم رأيت رواة الشعر وأهل العلم بالعربية من أهل العراق ينكرونه". وقال الزمخشري في الكشاف (٢: ٤٢): "وأما قراءة ابن عامر (قتلُ أولادَهم شركائهم) برفع القتل ونصب الأولاد وجر الشركاء، على إضافة القتل إلى الشركاء، والفصل بينهما بغير الظرف، فشيء لو كان في مكان الضرورات، وهو الشعر، لكان سمجًا مردودًا، كما سمج ورد * زج القلوص أبى مزاده * فكيف به في الكلام المنثور! فكيف به في القرآن المعجز بحسن نظمه وجزالته! ! ".
وقد أطال الإمام ابن الجزري في النشر القول في الرد على الطبري والزمخشري في نقدهما هذا الحرف على ابن عامر، وعقد لذلك فصلًا نفيسًا (٢: ٢٥٤ - ٢٥٦)، ولسنا بصدد تحقيق الصواب في هذا الخلاف هنا، ولا نبغي أن نحكم بالخطأ على ابن عامر، إنما نريد أن ندل على أن المتقدمين لم يكونوا يرون أن وجوه القراء في حروفهم متواترة كلها، وإلا كان في الإقدام على إنكار بعضها جرأة غير محمودة.
стр. 819
وكذلك أنكر أبو إسحاق الزجاج حرفًا من قراءة حمزة في قوله تعالى في سورة الكهف (آية ٩٧): ﴿فَمَا اسْطَاعُوا﴾. إذا قرأها بتشديد الطاء كما في النشر وغيره من كتب القراءات، قال في لسان العرب (١٠: ١١٢): "وكان حمزة الزيات يقرأ (فَمَا اسْطَّاعُوا) بإدغام الطاء والجمع بين ساكنين. وقال أبو إسحاق الزجاج: من قرأ بهذه القراءة فهو لاحن مخطئ، زعم ذلك الخليل ويونس وسيبويه وجميع من يقول بقولهم".
ولذلك كله لا نرى علينا بأسًا أن نقول: إن قراءة من قرأ بحذف البسملة بين السور في الوصل قراءة غير صحيحة؛ إذ هي تخالف رسم المصحف فتفقد أهم شرط من شروط صحة القراءة، وأن البسملة آية كل سورة في أولها سوى براءة، على ما ثبت لنا تواترًا صحيحًا قطعيًّا من رسم المصحف.
المادة: بعل
الجزء: ٣/ الصفحة: ٦٩٥
تعليق أحمد شاكر على مادة (بعل):
بنى كاتب هذا المقال بحثه على نقطتين: معنى كلمة "بعل" بمعنى الزوج أو المالك أو السيد، ومعناها على أن تكون اسمًا لصنم معين، أو لامرأة كان قوم إلياس النبي يعبدونها.
وبث في ثنايا مقاله ما اعتاد المستشرقون أن يبثوه في أبحاثهم:
стр. 820
من إرجاع كثير من الكلمات العربية، وخصوصًا ما يتعلق منها بالقرآن والسنة إلى اللغات الأخرى، كالعبرية ونحوها، ومن محاولة إقناع القارئ بأن هذا القرآن إنما أخذ من التوراة والإنجيل، وأن محمدًا ﷺ درس كتب الأمم السابقة، واصطنع منها هذا الكتاب، حتى ليكادون يخرجون به في نظرهم عن عروبته وفصاحته، اتباعًا لهواهم، وانتصارًا لرأيهم، وتنفيذًا لخطط موضوعة معروفة عنهم.
وقد رددت على إخوان له من قبل - في التعليق على بعض مواد هذه الدائرة - في مادتي "أمة" و"أمي" (في المجلد الثاني ص ٦٣١ و ٦٤٥ - ٦٤٨) وفي مادة "إنجيل" (في المجلد الثالث ص ١٨ - ٣٣).
وقد ادعى الكاتب هنا - فيما رجحه - "أن محمدًا قصد ببَعْل: بَعَل، كما سمعها في قصة من قصص التوراة"! !
وهذه دعوى عريضة كبيرة، تحتاج إلى قوائم من فولاذ تقف عليها، ولكنا نراهم بنوها على قوائم من ثلج أو ملح، وأسسوها على شفا جرف هارٍ. وفيما كتبنا فيما مضى الكفاية في نقضها.
ومما يؤسف له حقًّا أن المفسرين نقلت إليهم أخبار من الإسرائيليات عن قوم كان لهم صنم اسمه "البعل" فيما يزعمون، فرأوا أن يذكروها عند تفسير آيات سورة الصافات، التي يقول فيها النبي إلياس لقومه: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥)﴾ [الصافات: ١٢٤، ١٢٥]. وليس لهذه الأخبار أصل من الكتاب ولا من السنة، ونقل إليهم أيضًا - مما لا أصل له - أن "بعل" اسم امرأة
стр. 821
كانوا يعبدونها. فذكروا هذين القولين، على أنهما مما نقل في معنى "بعلًا" في الآية! !
وممن صنع ذلك الطبري - إمام المفسرين - ولكنه قال عقب ذلك: "وللبعل في كلام العرب أوجه: يقولون لرب الشيء: هو بعله. يقال: هذا بعل هذه الدار. يعني ربها، ويقولون لزوج المرأة: بعلها. ويقولون لما كان من الغروس والزروع مستغنيًا بماء السماء ولم يكن سقيًا: هو بعل، وهو العذى".
والعارف بكتاب الطبري وطريقته في التفسير يجزم من صنيعه في تفسير الآية، أنه لم يرض إلا القول الأخير، وإن لم يرد الروايتين الأخريين ردًّا صريحًا.
والبخاري - إمام أهل الحديث - لما ذكر هذه الآية في كتاب التفسير من صحيحه، قال: "بَعْلا: ربًّا". ولم يقل غير هذا، ولم يشر إلى الروايات الإسرائيلية (انظر فتح الباري ج ٨ ص ٤١٧ طبعة بولاق سنة ١٣٠١ هـ) وقد أصاب.
وأما كلمة "بعل" فإنها عربية أصيلة ليس فيها شية من العجمة، وإن ادعى كاتب المقال أنها سامية، وأنها "بَعَل" وسنذكر الأدلة على ذلك قوية واضحة إن شاء الله.
قال الراغب الأصفهاني في غريب القرآن (٥٤): "بعل: البعل هو الذكر من الزوجين، قال الله : ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢]. وجمعه بعولة، نحو فحل وفحولة، قال تعالى:
стр. 822
﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. ولما تُصُوِّرَ من الرجل الاستعلاء على المرأة، فجعل سائسها والقائمَ عليها، كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]. سمّى باسمه كلُّ مسْتَعْلٍ على غيره، فسمى العرب معبودهم الذي يتقربون به إلى الله بعلًا [يعني أنهم جعلوه اسمًا نكرة لما يعبدون، كقولهم "صنم" ونحوه فلم يعتبره الراغب علمًا على صنم بعينه، وهو الصواب]. لاعتقادهم ذلك فيه، في نحو قوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥)﴾ [الصافات: ١٢٥]. ويقال: أتانا بعل هذه الدابة. أي المستعلي عليها. وقيل للأرض المستعلية على غيرها: بعلٌ. ولفحل النخل: بعل. تشبيها بالبعل من الرجال. ولما عظم حتى يشرب بعروقه: بعلْ، لاستعلائه. قال ﷺ : "فيما سُقى بعلًا العشر". ولما كانت وطأة العالي على المستولي عليه مستثقَلَةً في النفس قيل: أصبح فلان بعلًا على أهله، أي؛ ثقيلًا لعلوه عليهم. وبني من لفظ البعل: المباعلة والبعال، كناية عن الجماع، وَبَعَل الرجلُ يَبْعَلُ بعولةً واستبعل، فهو بعل ومستبعِل إذا صار بعلًا. واستبعل النخل: عظم. وتصُوَّرَ من البعل الذي هو النخل قيامه في مكانه فقيل: بَعِلَ فلان بأمره: إذا دُهش وثبت مكانه ثبوت النخل في مقرّه، وذلك كقولهم: ما هو إلا شجر، فيمن لا يَبرحُ".
وهذا النص عند الراغب يجمع معاني هذا الحرف، وهو أدق النصوص؛ لأنه يردها كلها إلى معنى واحد، تفرعت عنه المعاني الأخر، وهو من دلائل عروبة الكلمة، فإنا إذا وجدنا العرب استعملوا
стр. 823
كلمة، ثم أكثروا من تصريفها والاشتقاق منها، والانتقال من معانيها إلى أنواع مختلفة باختلاف الأوزان، وانتقلوا بها إلى معاني تشبه أن تكون بينها وبين المعنى الأول علاقة علمنا أن الكلمة أصيلة عندهم، ومن لغتهم، فإذا وجدناهم خرجوا من هذا إلى تقليب حروفها بالتقديم والتأخير، واستعملوا تقاليب المادة أو أكثرها، بإعادة معنى جديد في كل تغيير منها كان في ذلك اليقين والجزم، وارتفعت كل شبهة في أنها عربية.
وقد صنع العرب في هذا الحرف كل ذلك، فاشتقوا من مادة "بعل" ما نقلناه عن الراغب وغيره، ثم استعملوا تقاليبها كلها:
قدّموا اللام على العين، فقالوا "بَلِعَ" الشيء بَلْعًا، وابتلعه ابتلاعًا، وقالوا: رجل "بُلَع" كثير الأكل. إلى آخر هذه المادة.
ثم قدّموا العين على الباء، فقالوا: رجل "عَبْلٌ" إذا كان غليظًا، والمصدر "العبالة" و"العبولة"، وهكذا.
ثم أخروا الباء بعد العين واللام، فقالوا: "العُلْبُ" وجمعه "عُلُوب" وهو الأثر في الجسد، واشتقوا منه فعلًا، وقالوا: "العلبة": و"استعلب" الجلدُ: إذا غلظ، وغير ذلك.
ثم أخّروا الباء بعد اللام والعين، فقالوا: "لَعِبَ" ومشتقاتها.
ثم قدّموا اللام قبل الباء والعين فقالوا: "ذَهَبَ به ضَبْعًا لَبْعًا". أي؛ باطلًا.
стр. 824
فها هي الصور العقلية كلها في تقليب هذه الحروف الثلاثة (ب ع ل) بالتقديم والتأخير، استعملها العرب جميعًا، وإذا ذهبنا نبحث فيما يخرج منها بتغيير بعض الحروف بما يقاربها في المخرج كما إذا أبدلنا من الباء فاء مثلًا وجدنا الصور الستة فيها مستعملة كلها: (فعل، فلع، عفل، لفع، لعف، علف).
وكذلك إذا وضعنا بدل العين حاء، وجدنا تقاليب المادة مستعملة كلها: (بحل، بلح، حبل، لبح، لحب، حلب). وكذلك إذا وضعنا الفاء والحاء بدل الباء والعين: (فحل، فلح، حفل، لفح، لحف، حلف).
وهكذا مما لو تتبعناه تفصيلًا طال الأمر جدًّا، فليس من المعقول بعد هذا أن يكون في كلمة "بعل" أية شبهة من العجمة، والنقول التي فيها أن الكلمة بمعنى "الرب" لغة أهل اليمن لا تنافي هذا، فاليمنية عربية، وكثير من الألفاظ التي تفردت باستعمالها عرفت قبل الإسلام في مضر، وقليل منها لم يعرفه سائر العرب، ثم عُرف بعد وكلها لغة واحدة.
هذا إلى أني أذهب إلى ما ذهب إليه الشافعي وأبو عُبَيْدةَ: أنه ليس في القرآن كلمة واحدة غير عربية، حاشا الأعلام. وأنصر هذا القول وأجزم بأنه الحق، وإن خالفتُ فيه كثير من الأصوليين واللغويين.
قال الشافعي في [كتاب الرسالة] (في الفقرات ١٣١ - ١٣٦، ص ٤١ - ٤٢ من طبعة الحلبي بتصحيحي):
"فالواجب على العالمين أَلَّا يقولوا إلا من حيث علموا، وقد تكلم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه لكان الإمساك
стр. 825
أولى به، وأقرب من السلامة له، إن شاء الله. فقال قائل منهم: إن في القرآن عربيًّا وأعجميًّا. والقرآن يدل على أن ليس من كتاب الله شيء إلا بلسان العرب، وَوَجَدَ قائل هذا القول مَن قَبِلَ ذلك منه، تقليدًا له، وتركًا للمسألة له عن حجته، ومسألة غيره ممن خالفه، وبالتقليد أَغْفَلَ مَن أغفل منهم، والله يغفر لنا ولهم".
وبعد أن أقام الحجة لقوله، ورد قول مخالفيه، اعتذر عن بدء كتابه بهذا البحث، وقال (في الفقرة ١٧٠، ص ٥٠):
"فكان تنبيه العامة على أن القرآن نزل بلسان العرب خاصة: نصيحة للمسلمين، والنصيحة لهم فرض لا ينبغي تركه، وإدْراكُ نافلة خيرٍ لا يَدَعُها إلَّا مَن سَفِهَ نفسَهُ، وتَرَكَ موضعَ حظّه، وكان يجمع مع النصيحة لهم قيامًا بإيضاح حَق، وكان القيام بالحق ونصيحة المسلمين من طاعة الله، وطاعة الله جامعة للخير".
وقال أبو عبيدة، فيما نقله عنه أبو منصور الجواليقي في [كتاب المعرَّب] (ص ٤ من طبعة ليزج سنة ١٨٦٧):
"من زعم أن في القرآن لسانًا سوى العربية فقد أعظَمَ على الله القول".
ولعلي أُوَفَّق لتفصيل الحجج لما ذهبت إليه، في مقدمة [كتاب الرسالة] إن شاء الله، وأسأل الله التيسير والعون.
بقيت الشبهة التي أثارها كاتب المقال، من أن في اللغة السامية
стр. 826
كلمة "بَعَل" بمعنى مالك الشيء، وأن في سفر الملوك إطلاق هذه الكلمة على صنم.
أما ما في سفر الملوك، فإن الذي يبدو لي أن الكلمة لم تكن علمًا على صنم معين، وإنما كانت في الكلام مرادًا بها التنكير أيضًا، على قدر ما فهمت مما في الكلام من ضعف العبارة وسوء الترجمة.
وأما وجود الكلمة في اللغة السامية، فإنه لا يدل إلى نقلها منها إلى العربية.
وليس اشتراك أصل مادة في لغتين متجاورتين متقاربتين كالسريانية مع العربية، أو كالعبرية مع العربية: بدالّ على أن إحداهما أخذت الكلمة من الأخرى، إلا إذا ثبت يقينًا أن إحدى اللغتين أقدم من الأخرى وأسبق. والسريانية من اللغات القديمة، وكانت لغة إبراهيم النبي ﵇، ولم يثبت من وجه قاطع أنها أقدم من العربية، حتى يكون ما فيها من المتفق مع العربية أصلًا له.
وقد قلنا شيئًا من هذا المعنى فيما مضى من الدائرة (في المجلد الثاني، ص ٦٣١) ثم وجدنا الآن بحثًا فيه جيدًا للحافظ الكبير العلامة ابن حزم في (كتاب الإحكام في أصول الأحكام ج ١، ص ٣١ - ٣٢) قال:
"إن الذي وقفنا عليه وعلمناه يقينًا أن السريانية والعبرانية والعربية، التي هي لغة مضر وربيعة - لا لغة حمير - لغة واحدة،
стр. 827
تبدلت بتبدل مساكن أهلها، فحدث فيها جَرْسٌ كالذي يحدث من الأندلسي إذا رام نَغْمة أهل القيروان، ومن القيرواني إذا رام نغمة الأندلسي، ومن الخراساني إذا رام نغمتهما. "ونحن نجد من سمع لغة أهل فحْص البَلوُّط، وهي على ليلة واحدة من قرطبة، كاد أن يقول إنها لغة أخرى غير لغة أهل قرطبة. وهكذا في كثير من البلاد، فإنه بمجاورة أهل البلدة بأمة أخرى تتبدل لغتها تبديلًا لا يخفى على من تأمله، ونحن نجد العامة قد بدلت الألفاظ في اللغة العربية تبديلًا، وهو في البعد من أصل تلك الكلمة كلغة أخرى ولا فرق، فنجدهم يقولون في العنب: العِينب، وفي السوط أَسْطَوْط، وفي ثلاثة دنانير، ثلاثدًّا. وإذا تعرب البربري فأراد أن يقول الشجرة قال: السجرة. وإذا تعرب الجِلِّيقي أبدل من العين والحاء هاء، فيقول: مهمد. إذا أراد أن يقول محمد. ومثل هذا كثير، فمن تدبر العربية والعبرانية والسريانية أيقن أن اختلافهما إنما هو من نحو ما ذكرنا، من تبديل ألفاظ الناس، على طول الأزمان، واختلاف البلدان، ومجاورة الأمم وأنها لغة واحدة في الأصل".
وهذا ما قال ابن حزم، وهو قوي جدًّا، وواضح معقول، لا تنقضه أوهام الواهمين، ولا أهواء ذوي الأغراض، وقد وافقناه في أساس نظريته فيما كتبناه تعليقًا على مادة "أمة".
ولكن ابن حزم بعد ذلك انتهى إلى نتيجة لا نوافقه عليها، إذ لم
стр. 828
يقم عليها دليل صحيح، فإنه قال: "وإذ قد تيقنا ذلك فالسريانية أصل للعربية وللعبرانية معًا، والمستفيض أن أول من تكلم بهذه العربية إسماعيل ﵇، فهي لغة ولده، والعبرانية لغة إسحاق ولغة ولده، والسريانية بلا شك هي كانت لغة إبراهيم - صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم - بنقل الاستفاضة الموجبة لصحة العلم، فالسريانية أصل لهما".
ووجه نقدنا لابن حزم: أن إسحاق بن إبراهيم، فمن البعيد جدًّا أن تكون له لغة خاصة غير لغة أبيه، وإلا فبماذا كانا يتخاطبان ويتفاهمان! وليس من السهل اعتقاد أن إسحاق اخترع لغة أخرى لنفسه بجوار لغته التي نشأ عليها، إنما المعقول أن تكون العبرانية لغة نشأت عن السريانية على توالي الأزمان في بني إسرائيل بعد أن هاجر إبراهيم من العراق إلى الشأم، ثم تطورت مع تجاور الأمم وتغاير اللهجات، حتى صارت لغة قائمة بنفسها.
وأما الشأن في إسماعيل فشيء آخر: المعقول أيضًا أن لغته كانت لغة أبيه السريانية، ونزح به أبوه إلى مكة فأسكنه بين أمة موجودة - كانت في ذلك - هي الأمة العربية، وقد كانت لها لغة تتفاهم بها ولا بد، ومن الظاهر جدًّا أن تكون هي اللغة العربية، الباقية فيهم إلى اليوم وإلى ما شاء الله.
وليس من المستساغ ادعاء أن قد كانت لهذه الأمة لغة غير لغتها المعروفة، ثم تنوسيت ودرست، ونشؤوا على لغة غيرها؛ لأنه لم
стр. 829
يأت بذلك خبر، ولا قام عليه دليل.
ثم بماذا كان يخاطب إسماعيل هؤلاء الناس الذين نزل بجوارهم؟ أيعقل أن يخترع لغة ثم يفرضها عليهم فرضًا، حتى يدعوا لغتهم إليها؟ ! أظن أن المعقول المفهوم أن يتعلم هو لغتهم؛ إذ صار بجوارهم، وواحدًا منهم، وكان طفلًا رضيعًا، ثم أصهر إليهم، وولد فيهم، وبقي ببلدهم إلى أن مات، ثم كان ولده منهم.
فإن لم تكن العربية أقدم من السريانية، فإنها على الأقل كانت بجوارها معروفة لقوم معروفين، ويحتمل جدًّا أن تكونا متقاربتين، وأن يكون الخلاف بينهما قليلًا كالخلاف بين اللهجات المتعددة في اللغة الواحدة، حتى كان ميسورًا لإبراهيم وإسماعيل وهاجر أن يَفْهَموا العرب ويُفْهِموهم، أما أن تكون العربية فرعًا من السريانية أو العبرية فلا.
والذي شَبَّه على ابن حزم في هذا أنه سمع أخبارًا سماها "مستفيضة" أن أول من تكلم بهذه العربية إسماعيل، وليس لهذا أصل صحيح، بل ورد فيه أثر رواه الحاكم في المستدرك (ج ٢، ص ٥٥٢ - ٥٥٣) عن ابن عباس، وهو أثر ضعيف الإسناد جدًّا، والثابت الصحيح ينفيه، ففي صحيح البخاري (ج ٦ ص ٢٨٥ - ٢٨٦) حديث لابن عباس عن النبي ﷺ في قصة إبراهيم وإسماعيل، وفيه: أن إسماعيل وهاجر بقيا وحدهما بجوار زمزم، حتى مرت بهم رفقة من جرهم، وأنهم استأذنوها في النزول عندها فأذنت، ثم قال في
стр. 830
الحديث: "فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشَبَّ الغلام وتعلم العربية منهم". إلى آخر الحديث. فهذا نص صريح صحيح، عن خبر الصادق ﷺ أن إسماعيل تعلم العربية من جرهم.
وبعد: فإذا كانت كلمة "بَعْل" العربية لها شبه بكلمة في نحو معناها من اللغات السامية، فليس معنى هذا أن العرب أخذوها منهم، ولا يدل على أن ما في القرآن الكريم مأخوذ من التوراة.
المادة: البغوي
الجزء: ٤/ الصفحة: ٢٨
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وجمع البغوي الأحاديث النبوية كلها في كتابه (شرح السنة)، وترجع شهرته في العالم الإسلامي إلى مصنفه في الحديث المعروف بـ (مصابيح السنة)، وقد جمعه من كتب السنة السبعة الصحيحة، وبوبه على أبواب، وقسم الأحاديث في كل باب إلى ثلاث طبقات، صحيحة أخذها من البخاري ومسلم، وحسنة أخذها من السنن، وغريبة وضعيفة".
تعليق أحمد شاكر:
ليس هذا النقل مطابقًا بالدقة لصنيع البغوي في المصابيح؛ لأنه قسم أحاديث الكتاب في كل باب إلى قسمين فقط: صحاح وحسان.
стр. 831
ثم قال في الحسان: "وأكثرها صحاح بنقل العدل عن العدل، غير أنها لم تبلغ غاية شرط الشيخين في علو الدرجة، من صحة الإسناد، إذ أكثر الأحكام ثبوتها بطريق حسن، وما كان فيها من ضعيف أو غريب أشرت إليه". فيفهم من هذا أنه لم يجعل قسمًا خاصًّا للغريب والضعيف، بل هو داخل قسم (الحسان) عنده، وأن الغرابة والضعف ليسا إلى الدرجة التي تمنع الأخذ بما ذكره في الحسان. ثم هذا التقسيم للبغوي اصطلاح خاص به، ليس موافقًا لمصطلح أهل الحديث، بل هو اصطلاح غير صواب؛ لأنه يخلط الأمر على القارئ، فإن في كثير من كتب السنن الثلاث التي أخذ منها الحسان، وهي أبو داود والترمذي والنسائي: أحاديث صحيحة جدًّا، لا تقل في الصحة عن درجة ما اتفق عليه البخاري ومسلم، وقد انتقد كثير من المتقدمين صنيع البغوي هذا وأبانوا عن خطئه، وإن كان اصطلاحًا خاصًّا به.
المادة: البغوي
الجزء: ٤/ الصفحة: ٢٨
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن شروح كتاب (المشكاة) للبغوي:
"ونذكر من بين شروح هذا الكتاب شرح ابن حجر الهيثمي المتوفى عام ٩٧٤ هـ (١٥٦٦ م) الذي طبع بالقاهرة عام ١٣٠٩ هـ (١٨٩١ م) في خمسة مجلدات".
стр. 832
تعليق أحمد شاكر:
هذا غلط من الأستاذ المستشرق بروكلمان ويظهر أنه سها عن النقل؛ إذ إن شرح ابن حجر الهيثمي على مشكاة المصابيح مجلد واحد، فقط واسمه (فتح الاله في شرح المشكاة)، وهو مخطوط بدار الكتب المصرية (رقم ٣٥٤ حديث) ولم يطبع قط فيما نعلم، لا في مصر ولا في غيرها، وأما المطبوع في مصر سنة ١٣٠٩ في خمسة مجلدات فهو (مرقاة المفاتيح لمشكاة المصابيح) تأليف العلامة ملا علي بن سلطان محمد الهروي القارئ المتوفى بمكة في شوال سنة ١٠١٤ هـ (فبراير سنة ١٦٠٦ م) وهو شرح نفيس معروف، وقد أدرك العلامة بروكلمان غلطه هذا فأصلحه في الملحق الأخير لكتابه في تاريخ آداب العرب الصادر في العام الماضي، وقد أطلعني عليه بعض الإخوان العارفين باللغة الألمانية.
المادة: بئر معونة
الجزء: ٤/ الصفحة: ٣٨٧
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"والحق أن أمامنا سرية حدثت بالفعل كما يستدل من كِتاب "المغازي"، وكما هو مؤكد من دراسة المصادر دراسة مقارنة. ولم تكن هناك حاجة تتطلب ٧٠ قارئًا لتحفيظ القرآن، بل لا شك في أنه لم يكن في المدينة حينئذ مثل هذا العدد، وكان النبي ﷺ في مثل هذه الأحوال لا يرسل سوى قارئ أو اثنين فقط (الأغاني ج ٦ ص ١٩، ٩ إلخ)
стр. 833
وقد اخترع المحدثون هذه القضية لتغطية حملة خانها التوفيق ولإثبات كثرة عدد القراء وشدة قدمهم وإصباغ القداسة عليهم ... وحدثت هذه الوقعة في صفر من العام الرابع للهجرة أو في الشهر الثالث والستين للهجرة بعد وقعة أحد بأربعة عشر شهرًا. ويقال إنه نزلت آية أخرى علاوة على الآية ١٦٣ من سورة آل عمران لتهدئة الخواطر الثائرة في المدينة ثم نسيت أو نسخت من القرآن. وهذه الآية نصها: (بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه) ".
تعليق أحمد شاكر:
قصة سرية بئر معونة معروفة في كتب السير والمغازي والتاريخ والحديث. وهي أن رعلًا وذكوان وعصية طلبوا من رسول الله ﷺ مددًا يقاتلون به قومهم، وادعوا أنهم أسلموا، فأرسل إليهم رسول الله سبعين رجلًا فغدروا بهم وقتلوهم، وأن رسول الله مكث شهرًا يقنت في صلاة الصبح يدعو على رعل وذكوان وعصية الذين عصوا الله ورسوله، وأن الله أنزل في شأنهم قرآنًا يتلى، وأن الآية التي نزلت في شأنهم نسخت تلاوتها.
ومن العجب أن يصور (الأب لامنس) كاتب المقال خيالًا يزعمه: (أن المحدثين اخترعوا قصة القراء لتغطية حملة خانها التوفيق، ولإثبات كثرة عدد القراء وشدة قدمهم وإسباغ القداسة عليهم)، وأن الآية التي نزلت ثم نسخت نزلت (لتهدئة الخواطر الثائرة في المدينة) .. وليس بالمحدثين من حاجة إلى اختراع
стр. 834
الأكاذيب - في زعمه - لتغطية حملة خانها التوفيق، فإن المسلمين كانوا يحاربون المشركين في عهد النبي ﷺ وبعده، وكانوا ينتصرون، كما كان ينتصر عليهم عدوهم في بعض المواقع، فلم يخونوا التاريخ، ولم يخترعوا نصرًا موهومًا، كما نرى في غيرهم من الأمم، بل كانوا صادقي الرواية، مؤدي الأمانة على وجهها، وقد هزموا أو هزم بعضهم في غزوة أحد وفي غزوة حنين، ولم يخفوا ذلك، بل أنزل الله في شأن ذلك قرآنًا يتلى إلى اليوم، فما الحاجة بعد هذا إلى اختراع قصة لستر حملة خانها التوفيق؟ !
وأما ما رضيه قلمه لنفسه مما يقول فيه: (وكانت خطة النبي تقتضيه التدخل في مثل هذه الأمور الدنيوية). وما يريد أن يشير إليه في ذلك، مما يفهمه القارئ النبيه، فليس لنا إلا أن نقول: إن النبي ﷺ لم يأت بدين رهبانية، بل جاء بدين لمعاملة الإنسان مع نفسه ومع ربه ومع الخلق، وجاء بدين يحض أتباعه على الجهاد وعلى العزة، وعلى العمل للدنيا وللآخرة، فإن كان هذا لا يرضي الأب لامنس فلسنا نستطيع أن نرضيه.
وأما ما ورد في القصة أن السبعين كانوا من القراء وزعمه أن (لا شك في أنه لم يكن في المدينة حينئذ مثل هذا العدد) فإنه جرى فيه على طريقته وطريقة إخوانه في رد الأحاديث الصحيحة والأخبار المتواترة المتعلقة بالإسلام، وليس قوله في هذا إلّا تعرضًا لما لا يعلم، أو جحدًا لما يعلم ويوقن بصحته.
стр. 835
والمحدثون الذين يرميهم الأب لامنس وغيره باختراع الأحاديث، هم الذين ابتكروا أدق الطرق العلمية العقلية لنقد الأخبار المنقولة، وإثبات الصحيح منها ونفي الباطل، ومن درس آثارهم وعلومهم وفقه ما ارتضوه من ذلك أيقن في نفسه بصحة ما نقول.
ومن إبداع الأب لامنس في الإيهام أن يقول: (وكان النبي في مثل هذه الأحوال لا يرسل سوى قارئ أو اثنين فقط، الأغاني جـ ٦، ص ١٩، ٩ ... إلخ). كأنه وضع يده على نص في الأغاني بما يزعم! ! وليس في الأمر شيء من هذا، إنما يريد أن يضع في ذهن قارئ مقاله صحة ما يرمي إليه بأنه أشار إلى مستند عظيم من كتب المسلمين! وهو يعلم أن أكثر قارئيه من الإفرنج ليس بيدهم كتاب الأغاني. وقد رجعنا إلى الموضع الذي أشار إليه في الأغاني فلم نجد شيئًا، بل وجدنا في (جـ ٦، ص ٨٩ وما بعدها من طبعة الساسي) وهي توافق (ص ٩٢ وما بعدها من طبعة بولاق) أخبار أبي سفيان بن حرب، وفي أثنائها خبر إرسال النبي ﷺ دحية بن خليفة الكلبي إلى هرقل ملك الروم. فظننت أن في هذا الموضع خطأ مطبعيًّا في (دائرة المعارف) في الطبعة الإنجليزية فطلبت إلى إخواني مترجميها أن يرجعوا إلى الطبعة الفرنسية منها، فوجدوه فيها (الأغاني جـ ٤، ص ١٩، ٩ ... إلخ). فرجعت إلى الجزء الرابع فوجدت فيه (ص ١٧ - ٣٣) قصة غزوة بدر! ولا أزال أعجب من أمر الأب لامنس في الإشارة إلى هذه المواضع، ولا أدري ماذا يريد أن يستدل به منها؟
стр. 836
وأما القول الذي يشير فيه من أن الآية ١٦٣ من سورة آل عمران تشير إلى ذلك فإن الآية المشار إليها هي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾. وهي الآية ١٦٩ من السورة على عد المصحف المطبوع بأمر المغفور له الملك فؤاد الأول، فإن هناك رواية رواها الطبري في تفسيره، أنها نزلت في أهل بئر معونة، والصحيح أنها نزلت في قتلى أحد. وهو القول المعتمد عند أهل العلم.
في قتلى أحد. وهو القول المعتمد عند أهل العلم.
مصادر أخرى للبحث:
تاريخ الطبري (جـ ٣، ص ٣٣ - ٣٦ طبعة الحسينية بمصر).
تفسير الطبري (جـ ٤، ص ١١٤ - ١١٥ طبعة بولاق).
تاريخ ابن كثير (جـ ٤، ص ٧١ - ٧٤).
تفسير ابن كثير (جـ ٢، ص ٢٨٨ - ٢٩٤ طبعة المنار بمصر).
سيرة ابن سيد الناس (جـ ٢، ص ٤٣ - ٤٨).
سيرة ابن هشام (جـ ٣، ص ١٨٤ - ١٩١ طبعة التجارية بمصر).
الدر المنثور للسيوطي (جـ ٢، ص ٩٤ - ٩٧)
أسباب النزول للسيوطي (ص ٥٤).
فتح الباري شرح البخاري (ج ٧، ص ٢٩٠ - ٣٠١ طبعة بولاق).
стр. 837
المادة: البيهقي
الجزء: ٤/ الصفحة: ٤٣٠
تعليق أحمد شاكر على مادة (البيهقي) في دائرة المعارف:
ومما طبع من مؤلفات البيهقي أيضًا كتاب (الأسماء والصفات) طبع بالهند سنة ١٣١٣ وطبع بمصر أيضًا أخيرًا، وكتاب (القراءة خلف الإمام) طبع بالهند في سنة ١٩١٥ م وهو جزء متوسط في ١٦٠ صفحة تصحيح المصادر ومصادر أخرى.
ترجمة البيهقي في ابن خلكان (جـ ١، ص ٢٤ - ٢٥ طبعة بولاق) وطبقات الحفاظ للذهبي (جـ ٣ ص ٢٠٩ - ٣١٧) طبعة الهند، والبداية والنهاية لابن كثير (جـ ١٢، ص ٩٤) وشذرات الذهب لابن العماد (جـ ٣ ص ٣٠٤ - ٣٠٥).
المادة: تابع
الجزء: ٤/ الصفحة: ٤٣٧
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وهناك أيضًا طبقات من رواة الحديث الخاص بقراءة القرآن والخاص بالصوفية، والحسن البصري هو أشهر رواة الطبقة الأولى".
تعليق أحمد شاكر:
الحسن البصري تابعي مشهور، وهو من أئمة القراء، كما هو من
стр. 838
أئمة الحديث والفقه والوعظ. ولد سنة ٢١، ومات سنة ١١٠، وله ترجمة في طبقات ابن سعد (ج ٧ ق ١ ص ١١٤ - ١٢٩) وحلية الأولياء لأبي نعيم (ج ٢ ص ١٣١ - ١٦١) وطبقات القراء لابن الجزري (ج ١ ص ٣٥)، وفي التهذيب وابن خلكان وغيرها. والصوفية يرجعون بأسانيدهم في التصوف إليه، إن صحت هذه الأسانيد، وليست من الأسانيد التي يحتج بها علماء الحديث.
المادة: تأويل
الجزء: ٤/ الصفحة: ٥٢٤
تعليق أحمد شاكر على مادة (تأويل) في دائرة المعارف:
أصل مادة "تأويل" من المعنى اللغوي "آل يؤول أولا" أي: رجع إلى أصله. ثم استعمل في كلام العرب وفي القرآن خاصة بمعنى التفسير، أو بشيء قريب من معناه، فالتفسير والتأويل: كشف المراد عن الشيء المشكل. وفرق بعض العلماء بينهما، فكثر استعمال التفسير فيما يتعلق بشرح المفردات والألفاظ، والتأويل فيما يتعلق بالمعاني والجمل. واصطلح الفقهاء وغيرهم على معنى آخر للتأويل؛ هو تفسير الآية أو الحديث بمعنى غير ما يفهم من ظاهر اللفظ، ولذلك يقول العلماء كثيرًا في عباراتهم مثلًا: إن هذا الحديث أو هذه الآية من الصريح الذي لا يحتمل التأويل، أي؛ لا يحتمل معنى آخر يخرجه عن المراد الظاهر من لفظه، فالمعنى الظاهر من
стр. 839
الكلام لا يخرج عن المفسر والمؤول إلا بدليل أو قرينة؛ لأنه يكون شبيها بالمعنى المجازي، وقد ورد لفظ "التأويل" في آيات من القرآن على المعنى اللغوي الأصلي، ولكن بعض العلماء والمفسرين ظنها مما يدخل في "التأويل" الاصطلاحي، فنشأ عن ذلك اختلاف واضطراب في آرائهم. والحق أن ذلك على المعنى اللغوي الواضح. ففي لسان العرب (١٣: ٢٥): "وأما قول الله : ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] فقال أبو إسحاق: معناه: هل ينظرون إلا ما يؤول إليه أمرهم من البعث، قال وهذا التأويل هو قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] أي: لا يعلم متى يكون أمر البعث، وما يؤول إليه الأمر عند قيام الساعة إلا الله. ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] أي: آمنا بالبعث والله أعلم. قال ابن منصور: وهذا حسن". وأقول: بل هو الصواب الذي لا يفهم من القرآن غيره.
ثم دخل على المسلمين ناس اتبعوا المتشابه في مثل هذا، وأكثروا من القول في القرآن بغير علم، حتى ادعوا أن له ظاهرًا وباطنًا، وأن الباطن لا يعلمه هؤلاء إلا بشيء يزعمونه نحو الإلهام. وهم لم يفقهوا ظاهر القرآن ولم يعرفوا شيئًا من السنة، أو عرفوا وأعرضوا عنه لما وقر في نفوسهم من حب الإغراب، أو من آراء تنافي الإسلام فأرادوا أن يلصقوها به، وعن ذلك نشأت تأويلات الصوفية وغيرهم ممن أشار إليهم كاتب المادة. وهذه التأويلات لا تمت إلى الإسلام بصلة، وإن كان قائلوها يسمون بأسماء إسلامية،
стр. 840
ويذكرون في تاريخ الإسلام، وتذكر أقوالهم وآراؤهم مع آراء علماء الإسلام. والإسلام دين واضح سهل، لا رموز فيه ولا ألغاز، ورسول الله ﷺ قد ترك المسلمين على المحجة الواضحة، ليلها كنهارها، فكل من حاد عن هذه السبيل، فإنما أعرض عن الصراط المستقيم، وتفرقت به السبل، حتى خرج بعضهم عن كل طريق من طرق الإسلام، أو من الطرق التي تشبه أن تتصل بالإسلام ممن وصفهم كاتب المادة بقوله: (بل صارت أحكام القرآن في رأي أصحابها غير واجبة الاتباع). ومن ذهب هذا المذهب أو قريبًا منه فلا يمكن أن يعد من المسلمين، ولا أن ينسب قوله إلى أقوال أهل الإسلام.
المادة: التجارة
الجزء: ٤/ الصفحة: ٥٨١
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن كلمة (التجارة):
"وعدم التيقن من الصيغة التي تجمع عليها بينة أخرى على أصلها الأعجمي، فابن الأثير يورد في كتابه النهاية إلى جانب صيغ الجمع التي تجرى على القواعد، وهي تجار وتِجار صيغة تُجار".
تعليق أحمد شاكر:
ليس فيما قاله كاتب المقال ما يدل أو يشير إلى عجمة الكلمة، بل هي عربية أصلية، لاستعمال القرآن أصل المادة (تجارة)، وليس في القرآن كلمة أعجمية إلّا من الأعلام، وهذا هو الصحيح الذي
стр. 841
ذهب إليه الإمام الشافعي في كتاب الرسالة (انظره بشرحنا ص ٤ - ٥٠) ومطابقة بعض الكلمات في الآرامية أو غيرها للحرف العربي، أو مقاربتها إياه ليس دليلًا على نقل العربي من الأعجمي، فإن أرجح الاحتمالين أن العربية أقدم اللغات السامية (وانظر تعليقنا على مادة "بعلبك" في هذه الدائرة ج ٣، ص ٦٩٥ - ٧٠٠)، وأغرب ألوان التشكيك في عربية الكلمة ما اخترعه كاتب المقال من كثرة جموع كلمة "تاجر" مما سماه هو "عدم التأكد من الصيغة التي تجمع عليها".
ومن الواضح البديهي أن أغلب الكلمات العربية يكون لها جمعان أو ثلاثة أو أكثر.
المادة: التجارة
الجزء: ٤/ الصفحة: ٥٨٣
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وفي حديث أورده زيد في مجموع الفقه: "الاكتساب من الحلال جهاد، وإنفاقك إياه على عيالك وأقاربك صدقة، ولدرهم حلال من تجارة أفضل من عشرة حلال من غيره ... ".
تعليق أحمد شاكر:
هذا ليس حديثًا بل هو أثر مروي عن علي بن أبي طالب في مسند الإمام زيد المسمى (المجموع الفقهي) (ص ١٠٣، طبعة المنار، مصر، ١٣٤ هـ).
стр. 842
المادة: الترمذي
الجزء: ٥/ الصفحة: ٢٣٠
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن (جامع الترمذي):
"وفي طبعة القاهرة تعرف مجموعته في الأحاديث باسم الصحيح، أما في غيرها من الطبعات فتعرف بالجامع".
تعليق أحمد شاكر:
هذا ليس اختلافًا في التسمية من الطابعين، بل إن كتاب الترمذي يقال له: "السنن". كباقي السنن الأربعة، وقد سماه المتقدمون الجامع الصحيح؛ فسماه بذلك الحاكم صاحب المستدرك وغيره؛ لأن أكثر أحاديثه صحاح، والضعيف فيه قليل جدًّا، وقد بين هو ضعف الضعيف، وهو جامع؛ لأنه يجمع إلى أبواب الأحكام أبوابًا أخرى، كما بينه كاتب هذه المادة.
المادة: الترمذي
الجزء: ٥/ الصفحة: ٢٣١
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن الترمذي:
"هذا الموضوع في كتاب الأم ليست كاملة وقلما يوثق بصحتها".
تعليق أحمد شاكر:
ليس للكاتب دليل على هذا التشكيك.
стр. 843
مصادر أخرى عن الترمذي:
- تهذيب الكمال للحافظ المزي، مخطوط بدار الكتب المصرية.
- نكت الهميان للصلاح الصفدي ص ٢٦٤ - ٢٦٥.
- الكامل لابن الأثير جـ ٧، ص ١٦٤ - ١٦٥.
- النجوم الزاهرة لابن تغري بردي جـ ٣، ص ٨١ - ٨٢.
- مفتاح السعادة لطاشكبري زاده جـ ٢، ص ١١.
- شذرات الذهب لابن العماد جـ ٢، ص ١٧٤ - ١٧٥.
- شروط الأئمة أصحاب الكتب الستة للحافظ أبي الفضل المقدسي، مخطوط.
- شروط الأئمة الخمسة للحازمي، جزء صغير مطبوع.
- كشف الظنون جـ ١، ص ٣٧٥.
- الفهرست لابن النديم ص ٣٢٥.
- عارضة الأحوذي للقاضي أبي بكر العربي جـ ١، ص ٥ - ٦.
- مقدمة شرح الترمذي لأحمد محمد شاكر.
المادة: تسنيم
الجزء: ٥/ الصفحة: ٢٤٥
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وفي رأي الشافعي، أن القبور يجب ألا تُرفع إلا بقدر ما يُعرف
стр. 844
به أنها قبور، لكيلا يطؤها الناس أو يجلسون عليها".
تعليق أحمد شاكر:
روى الترمذي (جـ ١، ص ١٩٥ طبعة بولاق) عن علي بن أبي طالب "أنه قال لأبي الهياج الأسدي: أبعثك على ما بعثني به النبي ﷺ : أن لا تدع قبرًا مشرفًا إلا سويته، ولا تمثالًا إلا طمسته". ثم قال الترمذي: "حديث على حديث حسن، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، يكرهون أن يرفع القبر فوق الأرض، قال الشافعي: أكره أن يرفع القبر إلا بقدر ما يعرف به أنه قبر، لكيلا يوطأ ولا يجلس عليه".
وهذا هو الحق، فإن إظهار القبر قليلًا كما قال الشافعي لا بأس به، وأما تشريفه وإعلاؤه، فإنه حرام وتجب إزالته وتسويته، كما أمر رسول الله ﷺ .
المادة: التشريق
الجزء: ٥/ الصفحة: ٢٦٢
جاء في دائرة المعارف الإسلامية في بيان معنى كلمة (التشريق)
عند المسلمين:
"وكانت كلمة التشريق تطلق في صدر الإسلام على الصلاة التي تقام في صبيحة العاشر من ذي الحجة، ولعلها كانت من كلمات الجاهلية فلم يقطع المسلمون فيها بتفسير، من ذلك أنهم أخذوا
стр. 845
بظاهر الكلمة، فقالوا: إنها من تشريح اللحم المتبقى من الضحية في ذي الحجة وتقديده. وهو تفسير يشك فيه".
تعليق أحمد شاكر:
ما الداعي إلى الشك فيه؟ قال في اللسان: "تشريق اللحم تقطيعه وتقديده وبسطه، ومنه سميت أيام التشريق، وأيام التشريق ثلاثة، بعد يوم النحر؛ لأن لحم الأضاحي يشرق فيها للشمس، أي يشزر".
المادة: التشريق
الجزء: ٥/ الصفحة: ٢٦٢
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وفي حديث من أحاديث الآحاد، أن كلمة التشريق مأخوذة من تلاوة الكلمات الآتية: (أشرق ثبير كيما نغير)
تعليق أحمد شاكر:
ثبير جبل بظاهر مكة، والإغارة الدفع، والمعنى كما في لسان العرب: ادخل أيها الجبل في الشروق، وهو ضوء الشمس، كيما نغير، أي كيما ندفع للنحر، وكانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، فخالفهم رسول الله ﷺ فأفاض قبل طلوع الشمس، كما ثبت في الحديث الصحيح. وانظر نيل الأوطار للشوكاني، (جـ ٥، ص ١٤٢ من الطبعة المنيرية).
следующие страницы →