ذلك دليلًا على صدقه، فإن مثل ذلك لا يتصور في العادة تماثل الخطأ فيه وتعمد الكذب، والله أعلم.
قلت: ومن الموضوع المصنوع ما رواه أبو الحسن علي بن أحمد القرشي ابن (١) محمد بن عبد الله البلخي، حدثنا أبو نصر (عبد الله عباس) (٢)، عن نافع، عن عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: "كنا جلوسًا إذ دخل علينا رسول الله ﷺ فقال: ألا أعلمكم دواءً علمنيه جبريل حيث لا يحتاج معه دواء الأطباء؟ فقال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسلمان: فما ذلك الدواء يا رسول الله؟ فقال: تأخذون من مطر نيسان وتقرءون عليه سورة فاتحة الكتاب وآية الكرسي والمعوذتين وسبح وسورة الإخلاص كل واحدة سبعين مرة، وتشرب من ذلك الماء غدوة وعشية قدر سبعة أيام، والذي بعثني بالحق نبيًّا -إن شاء الله تعالى- يدفع عن الذي يشرب من هذا الماء كل داء في جسده، ويعافيه، ويخرجه من عروقه ولحمه وعظامه وجميع أعضائه، وإن لم يكن له ولد وأحب أن يكون له ولد فليشرب من ذلك الماء، ويصلح للعقيم والمعقود والصداع ووجع العين والفم والفالج، ولا يحتاج إلى الحجامة ولجميع الأوجاع".
اللَّهم عليك بمختلقه؛ فما أشد جهله وجرأته وغباوته.
стр. 107
المراسيل
стр. 108
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، حمدًا كثيرّا طيبًا مباركًا فيه؛ كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام الأتمَّان الأكملان على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فهذه رسالة لطيفة في "المرسل" للحفاظ ابن عبد الهادي ﵀ تكلم فيها عن حجية المرسل، بدأها بكلام الإمام الشافعي عن المرسل، ثم استنبط منه عشر فوائد جليلة، ثم استوفى حجة من قال بقبول المرسل مطلقًا؛ بما لا تجده في غير هذه الرسالة، ثم فصل النزاع بين الطرفين بكلمات يسيرة.
وهذه المسألة الكلام فيها مبسوط في كتب مصطلح الحديث وكتب أصول الفقه، وحررها الحافظ صلاح الدين العلائي ﵀ في أول كتاب القيم "جامع التحصيل في أحكام المراسيل"، وهو من أقران ابن عبد الهادي ﵀ ولعله انتفع برسالة ابن عبد الهادي هذه وضمنها في كتابه، فقد نقل كلام الإمام الشافعي ﵀ واستخرج منه ثماني فوائد "جامع التحصيل" (٣٩ - ٤٦) ونقل أدلة القائلين بقبول المرسل المحتجين به مطلقًا "جامع التحصيل" (ص ٦٥ - ٨٣) لكن العلائي أطال في الرد على ما استدلوا به، وابن عبد الهادي اختصر الرد، وقد أتم العلائي كتابه في شوال سنة ست وأربعين وسبعمائة -كما صرح به في آخر كتابه (ص ٣٢٠) - بعد موت ابن عبد الهادي، والله تعالى أعلم.
стр. 109
وقد ألحق بها الناسخ فصلين من كلام ابن عبد الهادي ﵀:
أحدهما: في الكلام على رسالة عمر بن الخطاب كت إلى أبي موسى الأشعري ﵁ في القياس.
والثاني: في الكلام على ثلاثة أحاديث منثورة.
صحة نسبة هذه الرسالة إلى ابن عبد الهادي.
توافرت القرائن على صحة نسبة هذه الرسالة إلى ابن عبد الهادي منها:
١ - نسبها له ناسخها.
٢ - ذكر ابن عبد الهادي ﵀ شطرها الأول المتعلق بكلام الإمام الشافعي وفوائده في كتابه "الصارم المنكي في الرد على السبكي" (ص ١٤٣ - ١٤٧).
٣ - نسبها له جمع من الأئمة الذين ترجموا له، منهم: ابن رجب في "ذيل طبقات الحنابلة" (٢/ ٤٣٨) وابن طولون في "القلائد الجوهرية" (٢/ ٤٣٤)، والعليمي في "المنهج الأحمد" (٥/ ٨٠) وفي "الدر المنضد" (٢/ ٥٠٩)، وابن ضويان في "رفع النقاب" (٣١٦)(١).
وصف النسخة الخطية:
نسخة محفوظة في المكتبة الأزهرية بالقاهرة، ضمن مجموع يحوي عدة رسائل لابن عبد الهادي، (رقم ٢٣٥) من الورقة السادسة عشر إلى الورقة الرابعة والعشرين، خطبها حسن، مسطرتها عشرون سطرًا.
стр. 110
أول النسخة الخطية
стр. 111
آخر النسخة الخطية
стр. 112
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الشيخ الإمام العلَّامة ناقد الحفاظ وفارس المعاني والألفاظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي:
فصل
في المرسل
قال الشافعي (١) ﵀: المنقطع مختلف، فمن شاهد أصحاب رسول الله ﷺ فروى حديثًا منقطعًا عن النبي ﷺ أعتبر عليه بأمورٍ، منها: أن ينظر إلى ما أرسل من الحديث فإن تركه الحفاظ فأسندوه إلى رسول الله ﷺ بمثل معنى ما روى، كانت هذه دلالة واضحة على صحة من قيل عنه، وإن انفرد به مرسلاً قبل ما ينفرد به من ذلك، ويعتبر عليه بأن ينظر هل يوافقه مرسل آخر، فإن وجد ذلك قوي، وهي أضعف من الأولى، وإن لم يوجد ذلك نظر إلى بعض ما يروى عن بعض الصحابة قولًا له، فإن وجد يوافق ما روى عن رسول الله ﷺ كانت في هذه دلالة على أنه لم يأخذ مرسله إلا عن أصل يصح -إن شاء الله- وكذلك إن وجد عوام من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روى (٢) ثم يعتبر عليه بأن يكون إذا سمى من روى عنه لم يسم مجهولًا ولا واهيًا، فيستدل بذلك على صحته، ويكون إذا شرك أحدًا من الحفاظ في حديث لم يخالفه، فإن خالفه ووجد حديثه أنقص كانت في هذه دلائل على صحة مخرج حديثه، ومتى خالف ما وصفت أضر بحديثه، حتى لا يسع أحدًا قبول مرسله، قال: وإذا وجدت الدلائل بصحة
стр. 113
حديثه بما وصفت أحببنا أن يقبل مرسله، ولا نستطيع أن نزعم أن الحجة ثبتت به ثبوتها بالمتصل؛ وذلك أن معنى المنقطع مغيب، يحتمل أن يكون حمل عمن يرغب في الرواية عنه إذا سمى، وإن بعض المنقطعات وإن وافقه مرسل مثله فقد يحتمل أن يكون مخرجهما واحدًا من حيث لو سمى لم تقبل، وأن قول بعض الصحابة إذا قال برأيه لو وافقه لم يدل على صحة مخرج الحديث دلالة قوية إذا نظر فيها، ويمكن أن يكون إنما غلط به حين سمع قول بعض الصحابة يوافقه قال: فأما من بعد كبار التابعين، فلا أعلم من يقبل مرسله.
فقد تضمن كلام الشافعي أمورًا:
أحدها: أن المرسل إذا أُسند من وجه آخر دل ذلك على صحة المرسل.
الثاني: أنه إذا لم بسند من وجه آخر نظر هل يوافقه مرسل آخر أم لا، فإن وافقه مرسل آخر قوي، لكنه يكون أنقص درجة من المرسل الذي أسند من وجه آخر.
الثالث: أنه إذا لم يوافقه مرسل آخر ولم بسند من وجه لكنه وجد عن بعض الصحابة قول له يوافق هذا المرسل عن النبي ﷺ دل على أن له أصلًا، ولم يطرح.
الرابع: أنه إذا وجد خلق كثير من أهل ﴿العلم﴾ (١) يفتون بما يوافق المرسل دل على أن له أصلًا.
الخامس: أن ينظر في حال المرسل، فإن كان إذا سمى شيخه سمى ثقة وغير ثقة؛ لم يحتج بمرسله، وإن كان إذا سمى لم يسم إلا ثقة لم يسم
стр. 114
مجهولا ولا واهيًا؛ كان ذلك دليلاً على صحة المرسل وهذا فصل النزاع في المرسل، وهو من أحسن ما يقال فيه.
السادس: أن ينظر إلى هذا المُرسِل له فإن كان إذا شرك غيره من الحفاظ في حديثه وافقه فيه ولم يخالفه؛ دل ذلك على حفظه، وإن خالفه ووجد حديثه أنقص إما نقصان رجل يؤثر في اتصاله، أو نقصان رفعه بأن يقفه، أو نقصان شيء من متنه؛ كان في هذا دليل على صحة مخرج حديثه وأن له أصلًا، فإن هذا يدل على حفظه وتحريه، بخلاف ما إذا كانت مخالفته بزيادة، فإن هذا يوجب التوقف (والاعتبار) (١) وهذأ دليل من الشافعي ﵁ على أن زيادة الثقة عنده لا تلزم أن تكون مقبولة مطلقًا كما يقوله كثير من الفقهاء من أصحابه وغيرهم؛ فإنه اعتبر أن يكون حديث هذا المخالف أنقص من حديث من خالفه، ولم يعتبر المخالف بالزيادة وجعل نقصان هذا الراوي من الحديث دليل على صحة مخرج حديثه، وأخبر أنه متى خالف ما وصف أضر ذلك بحديثه؛ ولو كانت الزيادة. عنده مقبولة مطلقًا لم يكن مخالفته بالزيادة مضرًا بحديثه.
السابع: أن المرسل العاري عن هذه الاعتبارات والشواهد التي ذكرها ليس بحجة عنده.
الثامن: أن المرسل الذي حصلت فيه هذه الشواهد أو بعضها يسوغ الاحتجاج به ولا يلزم لزوم الحجة بالمتصل؛ وكأنه ﵁ سوغ الاحتجاج به ولم ينكر على مخالفه.
التاسع: أن مأخذ رد المرسل عنده إنما هو احتمال ضعف الواسطة, وأن
стр. 115
المرسل لو سماه لبان أنه لا يُحتج به، وعلى هذا المأخذ فإذا كان المعلوم من عادة المرسل أنه إذا سمى لم يسم إلا ثقة ولم يسم مجهولاً كان مرسله حجة وهذا أعدل الأقوال في المسألة، وهو مبني على أصل، وهو أن رواية الثقة عن غيره هل هي تعديل له أم لا؟ وفي ذلك قولان مشهوران، وهما روايتان عن أحمد، والصحيح حمل الروايتين على اختلاف حالين، فإن الثقة إن كان من عادته أنه لا يروي إلا عن ثقة كانت روايته عن غيره تعديلاً له إذ قد علم ذلك من عادته، وإن كان يروي عن الثقة وغيره لم يكن روايته تعديلاً لمن روى عنه.
وهذا التفصيل اختيار كثير من أهل الحديث والفقه والأصول، وهو أصح.
العاشر: أن مرسل من بعد ﴿كبار﴾ (١) التابعين لا يُقبل، ولم يحك الشافعي عن أحد قبوله؛ لتعدد الوسائط، ولأنه لو قبل لقبل مرسل المحدث اليوم، وبينه وبين الرسول ﷺ أكثر من عشرة، وهذا لا يقوله أحد من أهل الحديث.
стр. 116
فصل (١)
وقوم قبلوا المرسل وبالغ فيه بعضهم حتى قالوا: إنه أقوى من المتصل، وهذا مذهب عيسى بن أبان.
قالوا: لأن المرسل قد قطع بشهادته على الرسول ﷺ ، والواصل قد أحال على الواسطة، وعدالة الراوي وأمانته تمنعه أن يشهد على رسول الله ﷺ بخبرٍ يكون راويه غير ثقة ولا حجة، فلو لم يُقبل مثل هذا المرسل لكان ذلك قدحًا في الراوي المعلوم الثقة والأمانة، وهو غير جائز.
قالوا: وقد قبلت الأمة مثل رواية ابن عباس وابن الزبير، ونحوهما عن النبي ﷺ ، مع أن أكثرها مرسلة، والذي شاهده ابن عباس أو سمعه من النبي ﷺ شفاهًا بالنسبة إلى ما رواه قليل جدًّا، حتى قيل: إنه لم يبلغ العشرين، وقد قبلت الأمة مرسله، وعملت به، والاحتمال الذي ذكرتموه في مرسل التابعي بعينه موجود في محل الوفاق.
قالوا: ولأنا لو رددنا المرسل لوجب رد ما أسنده المرسل؛ لأنه إما جاز أن يقطع على رسول الله ﷺ بما لا يعلم أنه حق كان ذلك قدحًا في عدالته، وهو يبطل روايته مطلقًا، فإن جوزتم عليه ذلك بطلت روايته، وإن لم تجوزوا عليه ذلك لزم قبول مرسله ولا انفكاك عن واحدٍ من الأمرين، وقد اتفقت الأمة على قبول ما أسنده؛ وذلك يستلزم قبول ما أرسله من الطريق الذي بيناه.
قالوا: والذي يدل على ما قلنا أن الأعمش قال: قلت لإبراهيم: إذا
стр. 117
حدثتني فأسند. فقال: إذا قلت لك: "قال عبد الله" فقد حدثني جماعة عنه، وإذا قلت لك: "حدثني فلان عن عبد الله" فهو الذي حدثني (١)، وقال الحسن: كنت إذا ﴿اجتمع لي﴾ (٢) أربعة نفر من أصحاب رسول الله ﷺ تركتهم وأسندته إلى رسول الله ﷺ (٣).
قالوا: فإذا كان هذا شأن مراسيل الحسن، وهي عندكم من أضعف المراسيل، فكيف بمراسيل غيره من كبار التابعين الذين جل روايتهم عن الصحابة؟ .
قالوا: وروى عروة بن الزبير لعمر بن عبد العزيز حديثًا عن النبي
стр. 118
- ﷺ : "من أحيا أرضًا ميتة فهي له" فأرسله، فقال عمر: أتشهد على رسول الله ﷺ بذلك؟ فقال: نعم، أخبرني بذلك العدل الرضا. ولم يسم من أخبره؛ فاكتفى منه عمر بن عبد العزيز بذلك، وقبله وعمل به.
قالوا: وقد كان سعيد بن المسيب والحسن وغيرهما يرسلون الحديث عن رسول الله ﷺ ، ثم إذا سُئلوا عن إسناده أسندوه إلى الثقات.
قالوا: وأيضًا فالأدلة الدالة على قبول خبر الواحد والعمل به لا تفرق بين المرسل والمسند، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (١).
قالوا: فدلت الآية على وجوب تبليغ ما أنزل الله من البينات والعمل به، والتابعي الثقة إذا قال: "قال رسول ﷺ " فقد بين وترك الكتمان؛ فيلزم قبوله عملًا بالآية.
قالوا: وأيضًا فقد قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (٢). فدلت الآية على أن الطائفة من التابعين إذا رجعت إلى قومها فقالت: "أنذركم بما قال النبي ﷺ ، وأحذركم مخالفته" لزمهم قبول خبرهم، كما دل على لزوم خبر الصحابي إذا قال: "قال رسول الله ﷺ " وإن لم يسمعه منه.
قالوا: وأيضًا فقد قال النبي ﷺ : "ليبلغ الشاهد منكم الغائب" (٣)،
стр. 119
وقوله: "بلغوا عني" (١) وهذا يتناول المرسل والمسند.
قالوا: وأيضًا فلما كان المسند في أخبار الآحاد مقبولًا وجب أن يكون المرسل بمثابته من حيث شهد النبي ﷺ لأهل عصر التابعين بالصلاح كما شهد للصحابة، فوجب حمل أمرهم على ما حملنا عليه أمر الصحابي إذا قال: "قال رسول الله ﷺ " لأن ظاهر حال التابعين العدالة والصدق، ولهذا شهد لهم النبي ﷺ بأنهم من خير القرون حيث يقول: "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (٢).
فأثنى على قرن التابعين وتابعيهم بالخير، وأخبر أن الكذب يفشو بعد ذلك، فدل على أن الذي أثنى به على القرون الفاضلة هو الصدق والعلم؛ فمن سَوَّى بين القرن الفاضل الذي شهد له رسول الله ﷺ بالخير والصدق وبين القرن الذي أخبر بفشو الكذب فيهم فقد سوى بين مختلفين.
قالوا: وأيضًا فالنبي ﷺ لما شهد عنده الأعرابي برؤية الهلال قال له: "تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ ". قال: نعم. فقبل خبره وأمر
стр. 120
الناس بالصوم" (١) بنفس ظهور الإسلام منه، قبل أن يعرف شيئًا آخر من أحواله؛ لأنه لو كان قد عرف حاله قبل ذلك لما سأله عن الإسلام، فلما سأله أمسلم هو، كان في ذلك تنبيه ودلالة على أن إسلامه هو الموجب لقبول خبره.
قالوا: فأيضًا فهذا الوسطة الذي بين التابع وبين رسول الله ﷺ لا، يخلو من أحد أمور أربعة: إما أن يكون صحابيًّا، أو تابعيًّا ثقة، أو مجروحًا متهمًا، أو مجهولًا يُدرى حاله، فإن كان صاحبيًا أو تابعيًّا ثقة وجب قبول خبره، وإن كان مجروحًا متهمًا بالكذب وجب إطراح حديثه، لكن مثل هذا بعيد جدًّا في التابعي أن يكون بينه وبين الصحابي كذاب وهو لا يبين حاله، ويستجيز أن يشهد بقوله وروايته على رسول الله ﷺ ، واحتمال أن يكون قد خفي حاله على التابعي مع كونه غير ثقة فيقطع بروايته على رسول الله ﷺ من غير أن يثبت عنده صدقه وعدالته في غاية البعد، وكذلك إن كان مجهولا لا يُدرى حاله أصادق هو أم كاذب لا نظن بالتابعي الثقة أن يقطع
стр. 121
على رسول الله ﷺ بقوله مع أنه مجهول الحال عنده، وإن كان هذا محتملاً فهو احتمال مرجوح في غاية البعد، ولا ريب أن الاحتمالين الأولين أغلب على الظن، وذلك كافٍ في الاحتجاج به.
قالوا: وأيضًا فلا يخلو التابعي إذا أرسل الحديث وحذف الواسطة من أحد أمور ثلاثة: إما أن يكون حذفها لأنه لو سماه لعرف جرحه وعدم أهليته للتحمل عنه، أو يكون حذفه لشهرته (١) في العدالة والثقة عنده فلم يكن بذكره حاجة، وهذ كما قيل في حذف الفاعل إذا كان معلومًا ولا فائدة في ذكره؛ فإنه يبنى الفعل للمفعول ويحذف الفاعل؛ كقوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ (٢) و ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (٣) وقوله: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ (٤) وهو كثير، وهذا إما أن يكون لكثرة الوسائط والمخبرين، وإما أن يكون لأن ذلك المحذوف لا فرق عنده بين ذكره وحذفه في قبول روايته، أو يكون حذفه لعدم علمه به أو جهله بحاله من الثقة والجرح، فلا نظن به الأول؛ لأن ذلك غش فيه وتلبيس؛ وذلك يقدح في عدالته، ولا نظن به الثالث لذلك أيضًا؛ فتعين القسم الثاني، وذلك غير مبطل للاحتجاج بالمرسل.
قالوا: وأيضًا فلو لم يكن المرسل حجة لم يكن الخبر المعنعن حجة؛ لأن الراوي أيضًا أرسله بالعنعنة ولم يصرح بالسماع ممن فوقه، والاحتمال الذي ذكرتموه في المرسل بعينه قائم في الخبر المعنعن، وما هو جوابكم هو جوابنا
стр. 122
بعينه واحتمال لقيه والسماع منه ليس بدون احتمال ثقة الواسطة المحذوف وعدالته، وهذا ظاهر.
قالوا: وأيضًا فإن الله تعالى إنما أمرنا بالتثبت أو التبين في قبول خبر الفاسق؛ فدل على أن العدل الثقة لا يجب التثبت في خبره، وهذا المرسل ثقة عدل فيجب قبول خبره وسؤالنا له ممن سمعه نوع تثبت وتوقف في خبره واتهام له بحمله عن غير أهلٍ.
قالوا: وأيضًا فإنا وجدنا عامة الصحابة والتابعين إذا سمعوا الأخبار المرسلة صاروا إليها وعملوا بها، وتركوا آراءهم لأجلها: أما الصحابة فأكثر من أن تحصى، فإنهم لم يكونوا إذا رووا عن النبي ﷺ حديثًا يقول لهم من سمعه منهم هل سمعتموه من رسول الله ﷺ ، أو بينكم وبينه واسطة؟ وهذا أبو هريرة من أكثر الصحابة رواية عن النبي ﷺ ، وكثير من روايته إنما تلقاها عن غيره من الصحابة، وهكذا ابن عباس وابن الزبير والنعمان بن بشير، حتى يقال: إنه لا يعرف له ما يحكيه عن النبي ﷺ سماعًا إلا حديث: "الحلال بين" (١)، وقال البراء بن عازب (٢): ما كل ما نحدثكم به سمعناه من النبي ﷺ ، لكنا سمعناه وحدثنا أصحابُنا, ولكنا لا نكذب.
وأما التابعون فروايتهم للمراسيل واحتجاجهم بها وعملهم بها ظاهر مشهور، فإنهم إنما رووها محتجين بها في مقام الفتوى والمناظرة والتبليغ، وهذا أشهر من أن يذكر أمثلته، فما أنكره عليهم نظراؤهم ولا من فوقهم،
стр. 123
وإنما أنكره من جاء بعدهم.
قالوا: وأيضًا فلو قال هذا الراوي المرسل: "حدثني فلان وهو عدل عندي" حاق قبول خبره والعمل به، فروايته عنه في مقام الاحتجاج والقطع به على رسول الله ﷺ إن لم يكن فوق تعديله له فليس بدونه، وإنما قلنا إنه ليس بدون تعديله لما فيه من الشهادة على رسول الله ﷺ ، وإيجاب حكم بخبره أو إسقاطه من تحريم أو تحليل أو إباحة واستجازته وإقدامه على إرسال مثل ذلك دليل على تعديله لمن حدثه به، وهذا أمر ظاهر.
قالوا: وأيضًا فلو لم يكن المرسل حجة لبادرت الأمة إلى إنكار من رواه فإنه إن رواه محتجًا به وهو غير حجة فالإنكار متعين، وإن لم يروه محتجًا به فلا ريب أنه لم يقل هذا ليس بحجة، ولا سيما روايته له ظاهرة في الاحتجاج، وترك النكير من الأمة دليل على قبوله والعمل به.
قالوا: وأيضًا فنحن لا طريق لنا إلى العلم بحال الرواة، وتجريحهم وتعديلهم إلا من الرواة المتلقين عنهم، فمن جرحوه أطرح خبره، ومن وثقوه قُبل خبره وعُمل به، وكان توثيقهم من فوقهم طريقًا موصلاً إلى العمل بخبره وقبوله، فإذا أتى بالغاية المقصودة من التوثيق والتعديل، وهي القبول والتحديث والعمل بخبره؛ كان ذلك مغنيًا عن الوسيلة، وكان أبلغ منها.
قالوا: وأيضًا فمن تأمل حال الصحابة والتابعين وجدهم من أصدق الناس، أما الصحابة فلم يكن فيهم أحد يكذب على رسول الله ﷺ كذبة واحدة، وأما التابعون فمشهورن معروفون بالصدق، ولم يكن فيهم معروف بالكذب إلا من أمره مشهور بينهم شهرة أظهر من أن يُحتاج إلى البحث عنه، ولم يكن أئمة التابعين يروون عن مثل هذا شيئًا، وهذا الضرب أكثر ما
стр. 124
يوجد في الشيعة، وأما أصحاب ابن مسعود فلم يُعرف فيهم كذاب قط، وكذلك أصحاب ابن عباس، وأصحاب معاذ بن جبل، وأصحاب زيد بن ثابت، وأصحاب أبي هريرة، وأصحاب ابن عمر، وهم معروفون عند الأئمة بالثقة والأمانة والنصيحة، ويكفي شهادة رسول الله ﷺ لهم بأنهم خير القرون بعد قرنه، وإخباره عن غيرهم بالكذب، وهذا أمر يعلمه كل من له ذوق في الأخبار وتمييزها وحال رواتها.
قالوا: وأيضًا فقد قال عمر بن الخطاب ﵁ "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودًا في حدٍّ أو مجربًا عليه شهادة زور، أو ظنينًا في ولاء أو قرابة" (١). فاكتفى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بظاهر العدالة إلا من علم منه خلافها ولا ريب أن هذه الواسطة ظاهرة العدالة، فالأصل قبول خبره وشهادته حتى يثبت عليه ما يوجب ذلك، وهذا في عصر التابعين ظاهر جدًّا؛ لأنهم كانوا خير الخلق بعد الصحابة، وكان الخير فيهم أغلب من الشر، والعدله أكثر من المتهم؛ فالواجب حمل روايتهم وشهادتهم على الصحة ما لم يتبين خلافها.
قالوا: وأيضًا فالإرسال حكم على رسول الله ﷺ ، فإذا كان الراوي من أهل العدالة والإتقان والأمانة وقد حكم بهذا الحديث وجب قبول حكمه كما لو حكم بصحة الحديث أو بضعفه أو بجرح الراوي، فالفرق بين الحكم وبين الرواية المحضة ظاهر، فالمرسل حاكم، وأي فرق بين قوله قال رسول الله ﷺ ، وبين قوله هذا الحديث صحيح.
стр. 125
قالوا: وأيضًا فإذا وجب على المستفتي قبول ما يرسله المفتي عن النبي ﷺ معنًى؛ بناءً على ظاهر علمه وعدالته، وجب على العالم قبول ما يرسله له الراوي عن النبي ﷺ لفظًا؛ بناءً على ظاهر عدالته وصدقه وأمانته.
قالوا: وأيضًا فالمرسل إن علم أن فيمن أرسل عنه قدحًا وجرحًا يمنع قبول روايته ولم يبينه فقد كتم ما يجب عليه بيانه، وذلك نوع خيانة، وإن لم يعلم منه ما يوجب رد روايته وجب عليه قبول خبره والعمل به بناءً على صحته عنده، فما لم يقم عند غيره دليل على خلاف ذلك وجب عليه المصير إلى قبول خبره؛ لأنه دليل ظاهر لا معارض له فكيف يجوز تعطيله.
قالوا: وأيضًا فهذا سعيد بن المسيب مع جلالته وعلو منزلته عند المسلمين حتى قال فيه الإمام أحمد (١): هو سيد المسلمين بإجماع المسلمين. أخذ الناس بروايته عن عمر حديثه وأحكامه، مع أن عامتها مراسيل -فإنه ولد لسنتين مضتا، وقيل: بقيتا- من خلافة عمر (٢) قال الإمام أحمد (٣): إذا لم يقبل سعيد بن المسيب عن عمر، فمن يقبل؟ ! ولا يُعرف أحد من التابعين كان يقول لسعيد بن المسيب إذا روى عن عمر من حدثك به عن عمر؟ بل كان عبد الله بن عمر يرسل إليه يسأله عن قضايا عمر وأحكامه، ولم يختلف
стр. 126
عليه اثنان في قبولها.
قالوا: وأيضًا فهذا مالك يحتج بالمراسيل، وهو المقدم لعمل أهل المدينة على الخبر، فلولا أن ذلك عنده عمل متوارث عند أهل المدينة (سلفهم عن خلفهم) (١) لما بني عليه الأحكام، وجعله أصلًا في الحلال والحرام.
قالوا: وأيضًا فلو أن حاكمًا حكم بشهادة شاهدين عدلين وأسجل به ولم يسمهما لم يجز لأحدٍ الاعتراض على حكمه لأجل ترك تسمية الشهود.
وعند التحقيق إذا تمحص (٢) محل النزاع، فلا نزاع بنن الفريقين؛ فإن الذين قبلوا المرسل إنما يقبلونه إذا كان المرسِل من عادته أن لا يروي إلا عن ثقة، قال أبو بكر الرازي في كتابه في الأصول: من علمنا حاله أنه يرسل الحديث عمن لا يوثق بروايته ولا يجوز حمل الحديث عنه فهو غير مقبول المراسيل عندنا، وإنما كلامنا في من لا يرسل إلا عن الثقات الإثبات عنده وعلى هذا فيزول الخلاف في المسألة، وتتفق الأدلة من الجانبين، والله أعلم.
стр. 127
فصل
قال ابن حزم (١): وأما رسالة عمر -يعني: في القياس- فحدثنا بها أحمد بن عمر العذري، ثنا أبو ذر عبد بن أحمد الهروي، ثنا أبو سعيد الخليل بن أحمد القاضي السجستاني، ثنا يحيى بن محمد بن صاعد، ثنا يوسف بن موسى القطان، ثنا عبيد الله (٢) بن موسى، ثنا عبد الملك بن الوليد ابن معدان، عن أبيه، قال: "كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري. .. "، فذكر الرسالة، وفيها: "الفهم (٣) يعني فيما يتلجلج في صدرك بما ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله، ثم اعرف الأشكال والأمثال، وقس الأمور عند ذلك، ثم اعمد إلى أشبهها بالحق وأقربها إلى الله ... " وذكر باقي الرسالة.
وحدثناها أحمد بن عمر، ثنا عبد الرحمن بن الحسن الشافعي، ثنا أحمد بن محمد الكرخي (٤)، ثنا محمد بن عبد الله العلاف، ثنا أحمد بن علي بن محمد الوراق، ثنا عبد الله بن سعيد (٥)، ثنا أبو عبد الله محمد بن (٦) يحيى بن أبي عمر العدني (٧)، ثنا سفيان، عن إدريس بن يزيد الأودي، عن
стр. 128
سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه قال: "كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى ... " فذكر الرسالة، وفيها: "الفهم الفهم (١) فيما يتلجلج في نفسك مما ليس في الكتاب ولا في السنة، ثم قس الأمور بعضها ببعض، وانظر أشبهها بالحق وأحبها إلى الله فأعمل به". وفيها أيضًا: "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودًا في حدٍّ، أو مجربًا عليه شهادة زور، أو ظنينًا في ولاء أو قرابة ... " ﴿وذكر باقيها﴾ (٢).
قال أبو محمد بن حزم (٣): وهذا لا يصح؛ وإن السند الأول فيه عبد الملك بن الوليد بن معدان، وهو كوفي متروك الحديث ساقط بلا خلاف (٤)، وأبوه مجهول (٥).
стр. 129
وأما السند الثاني فمن بين الكرخي إلى سفيان مجهولون (١)، وهو أيضًا
стр. 130
منقطع؛ فبطل القول به جملة، ويكفي أنه لا حجة في قول أحدٍ دون النبي ﵇.
قال العقيلي في كتابه (١): عبد الملك بن الوليد بن معدان الضبعي، حدثني آدم قال: سمعت البخاري قال: عبد الملك بن الوليد بن معدان الضبعي فيه نظر. ومن حديثه ما حدثناه عبد الله بن أحمد بن أبي مسرّة، ثنا بدل بن المحُبَّر، ثنا عبد الملك بن الوليد بن معدان الضبعي، أنا عاصم ابن بهدلة، عن زر وأبي وائل، عن عبد الله قال: "ما أحصي ما سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في ركعتي الضحى (٢) وركعتي الغداة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٣). قال: ولا يُتابع عليه بهذا الإسناد، وقد روي هذا المتن بإسنادٍ جيدٍ.
стр. 131
فصل
قال الحافظ أبو بكر الخطيب في "التاريخ" (١): أخبرنا علي بن الحسن بن محمد الدقاق، ثنا عبيد الله بن أحمد بن يعقوب المقرئ، أنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، ثنا أبو الربيع الزهراني، ثنا داود بن عبد الجبار، ثنا سلمة بن المجنون، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "من تغوط على ضفة نهر يُتوضأ منه ويشرب؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين".
داود كذبه ابن معين (٢)، وتكلم فيه البخاري (٣) وأبو داود (٤) ويعقوب بن سفيان (٥) وغيرهم (٦)، وقال ابن خراش (٧): كوفي لا بأس به.
حديث: "من آذى ذميًّا فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة" رواه الخطيب (٨) في ترجمة داود بن علي الظاهري، والحمل فيه على الراوي
стр. 132
عنه العباس بن أحمد المذكر (١).
ولد داود بن علي الظاهري وإسماعيل بن إسحاق القاضي في سنة مائتين، ومات داود سنة تسعين ومائتين.
قال الخطيب (٢): داود بن أحمد أبو سليمان البغدادي سكن دمياط أخبرنا أبو مسلم غالب بن علي بن محمد الرازي -بنيسابور- ثنا الحسين بن أحمد بن محمد الصفار -بهراة- ثنا عبد الملك بن محمد بن عبد الوهاب أبو محمد، ثنا داود بن أحمد أبو سليمان البغدادي -وكان يسكن دمياط إملاءً علينا- ثنا أبو عبد الرحمن معمر بن خالد الشيباني السروجي، ثنا الربيع بن بدر، عن أبيه، عن جده، عن الأسقع قال: "كنت أرحل للنبي ﷺ فاصابتني جنابة، فقال النبي ﷺ : أرحل لنا يا أسقع. فقلت بأبي أنت وأمي أصابتني جنابة وليس في المنزل ماء. فقال: تعال يا أسقع ﴿أعلمك﴾ (٣) التيمم مثل ما علمني جبريل. فأتيته فنحى بي عن الطريق قليلاً فعلمني التيمم. قال
стр. 133
أبو عبد الرحمن: علمني الربيع مثل ﴿ما﴾ (١) علمه أبوه، مثل ما علمه جده، مثل ما علمه الأسقع، مثل ما علمه النبي ﷺ ، مثل ما علمه جبريل. قال عبد الملك: وعلمنا أبو سليمان قال الحسين: وعلمنا عبد الملك. قال غالب: وعلمنا الحسين بن أحمد مثل ما علمه عبد الملك. قلت: وعلمنا غالب مثل ما علمه الحسين ضرب بيديه الأرض ثم مسح بهما وجهه، ثم ضرب الأرض ومسح ذراعيه إلى المرفقين.
قال الحافظ شمس الدين: هذا إسناد ضعيف لا تقوم به حجة؛ فإنه دائر بين ضعيف ومجهول، وقد رُوي حديث الأسقع من غير هذا الطريق على غير هذا الوجه (٢).
стр. 134
الكلام على أحاديث لبس الخفين للمحرم
стр. 135
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد،
فهذه قطعة من مصنف مفيد للحافظ ابن عبد الهادي في الكلام على أحاديث لبس الخفين للمحرم، وهو بحث حديثي يظهر براعة المؤلف ﵀ في علل الحديث ومعرفة الرجال.
وهذه القطعة المتبقية تحوي كثيرًا من الفوائد، في الكلام على العلل ومعرفة الرجال، بل وفي الأصول أيضًا: كالكلام على مسألة تأخير البيان عن وقت الحاجة، والكلام على مسألة حمل المطلق على المقيد.
وقد وضعت هذه القطعة هنا إلى أن ييسر الله بنسخة تامة من هذا الجزء - بفضله وكرمه.
صحة نسبة هذا الجزء لابن عبد الهادي:
هذا الجزء ضمن مجموع يحوي عددًا من رسائل الحافظ ابن عبد الهادي.
وقد نسبه للمؤلف جماعة من أهل العلم، منهم: ابن رجب في "ذيل طبقات الحنابلة" (٢/ ٤٣٨) وابن طولون في "القلائد الجوهرية" (٢/ ٤٣٤)، والعليمي في "المنهج الأحمد" (٥/ ٨٠) وفي "الدر المنضد" (٢/ ٥٠٩) وابن ضويان في "رفع النقاب" (٣١٦)(١).
стр. 136
وصف النسخة الخطية:
هي نسخة مبتورة الأول، محفوظة في المكتبة الأزهرية، في مجموع رقم (٢٣٥)، في أربع ورقات، من الورقة الأولى إلى الورقة الرابعة، في كل صفحة عشرون سطرًا، بخط حسن، لم يذكر اسم الناسخ ولا تاريخ النسخ، وهي مقابلة على الأصل المنقولة منه يظهر ذلك من وجود الدوائر المنقوطة في آخر كل فقرة، واللحق المصحح على حاشية النسخة.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 137
أول النسخة الخطية
стр. 138
آخر النسخة الخطية
стр. 139
ابن حنبل وهو صدوق مشهور، روى له مسلم في "صحيحه"، ووثقه يحيى بن معين وغيره (١).
وجعفر بن برقان صدوق مشهور، روى له مسلم أيضًا في "صحيحه" (٢) ووثقه يحيى بن معين (٣) وغيره (٤)، وأثنى عليه سفيان الثوري (٥) وسفيان بن عيينة (٦) وغيرهم.
فإن قيل: جعفر وإن كان من رجال مسلم فقد ضعفه غير واحد من الأئمة؟
قلنا: جعفر إنما تكلم فيه من تكلم في روايته عن الزهري خاصة لسبب مشهور عند الأئمة، وأما روايته عن غير الزهري فهي قوية مستقيمة، والتحقيق أن يقال: روايته عن الزهري فيها ضعف وروايته (والتحقيق أن يقال: روايته) (٧) عن ميمون بن مهران ونحوه ممن يعرف حديثه
стр. 140
صحيحة (١)، وروايته عن نافع ونحوه درجة متوسطة بين الدرجتين المذكورتين.
فإن قيل: جعفر بن برقان وإن كان صدوقًا وحديثه عن نافع في درجة الحسن إلا أنه واهم في الحديث في موضعين (٢): أحدهما هذا الموضع، وهو جعله الزيادة من قول نافع، وقد روى الحديث عن نافع مالك وأيوب وجماعة من الأثبات المتقنين فجعلوا الزيادة مرفوعة، ذكر ذلك الدارقطني في "كتاب العلل" وهؤلاء لو خالف واحد منهم جعفر بن برقان الحاكم له، فكيف إذا اتفقوا كلهم على خلافه؟
فالجواب: أن يقال: الدارقطني ﵀ وأنار ضريحه- قد حكم ورجح في قريب من هذا الموضع رواية الفرد المميز للزيادة والمبين لأنها غير مرفوعة، بل هي من قول بعض الرواة على رواية العدد الكثير الذين وصلوا الزيادة وأدرجوها وجعلوها من كلام النبي ﷺ ، وإنما رجح رواية المنفرد لأن معه زيادة علم على العدد، فقد يقال: هذا لازم له في هذا الموضع؛ لأن مع المميز للزيادة والمبين لأنها من قول نافع زيادة علم.
فإن قيل: أين فعل الدارقطني هذا؟
قلنا: في مواضع كثيرة، نذكر منها هنا موضعًا واحدًا لئلا يطول الكلام، وذلك في حديث الاستسعاء، فروى البخاري (٣)
стр. 141
ومسلم (١) في "صحيحيهما" من حديث قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير ابن نهيك، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من أعتق شقصًا له في عبد فخلاصه في ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه" وقد روى هذا الحديث عن قتادة سبعة (٢) أكثرهم ثقات أثبات فجعلوا (٣) الاستسعاء من قول النبي ﷺ ، وهم: سعيد بن أبي عروبة، وجرير بن حازم، وأبان بن يزيد العطار، وموسى بن خلف وحجاج (٤) وحجاج بن أرطاة، ويحيى بن صبيح -جد سليمان بن حرب لأمه- ورواه همام بن يحيى -في روايةٍ عنه- عن قتادة فجعل الاستسعاء من قول قتادة، ورواه بعضهم عن همام فلم يذكر الاستسعاء بالكلية، فرجح الحافظ أبو الحسن الدارقطني (٥) رواية همام عن قتادة -مع الاختلاف عنه- على رواية هؤلاء السبعة؛ لأن معه زيادة علم، مع أن بعضهم أوثق منه وأثبت، ومع أن
стр. 142
إمام الأئمة وإمام الجرح والتعديل والمرجوع إليه في ذلك وهو يحيى بن سعيد القطان كان سيئ الرأي في همام (١)، فإذا كان الدارقطني قد حكم في مثل هذا الموضع لهمام على هؤلاء للتفصيل الذي فصله؛ لزمه أن يحكم لجعفر ابن برقان للزيادة التي ذكرها.
فإن قيل: الفرق بين الموضعين ظاهر، فإن الكلام في الاستسعاء وتضعيفه وعدم العمل به ليس مستندم إلى رواية همام وجعله ذلك من قول قتادة؛ بل إنما لم يقبل الاستسعاء لوجوه:
أحدها: أن أكبر من رواه عن قتادة وأوثق من رواه عنه سعيد بن أبي عروبة (٢) وقد اختلط في آخر عمره، وأنكر الناس حفظه، وقد اختلف عليه أصحابه في ذكر الاستسعاء، فبعضهم ذكره، وبعضهم لم يذكره؛ فرواه عنه
стр. 143
روح بن عبادة وغيره من غير ذكره.
الثاني: إنا لم نقبل الاستسعاء لأن شعبة بن الحجاج وهشام بن عبد الله الدستوائي روياه عن قتادة فلم يذكراه بالكلية، وهما أثبت أصحاب قتادة.
الثالث: إنا إنما لم نقبله لمخالفته حديث ابن عمر المخرج في "الصحيحين" من رواية مالك بن أنس (١) وغيره (٢) عن نافع عنه: "من أعتق شركًا له في عبد"، وفيه: "وإلا فقد عتق منه ما عتق".
الرابع: إنما منعنا من قبوله تضعيف الأئمة الكبار المرجوع إلى قولهم له، فممن ضعفه الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل في رواية المروذي (٣) وغيره (٤)، وضعفه أيضًا سليمان بن حرب (٥) -شيخ الإمام أحمد والبخاري- وتكلم فيه
стр. 144
الإمام أبو عبد الله الشافعي (١) وأبو بكر النيسابوري (٢) والدارقطني (٣) وأبو عمر ابن عبد البر (٤) وأبو سليمان الخطابي (٥) وأبو بكر البيهقي (٦) وغيرهم (٧)، وقال ابن المنذر (٨): لا يصح حديث الاستسعاء، وذكر همام أن ذكر الاستسعاء من فتيا قتادة، وفرق بين الكلام الذي هو من قول رسول الله ﷺ وقول قتادة، قال بعد ذلك: فكان قتادة يقول: إن لم يكن له مال استسعى العبد.
فالجواب أن يقال: ما أوردناه على الدارقطني لازم له؛ فإنه إنما أعتمد على رواية همام وتمييزه الزيادة من الحديث، ولم يلتفت إلى مخالفة العدة
стр. 145
الكثير له.
ثم نقول: حديث الاستسعاء حديث صحيح ثابت، وهؤلاء الأئمة المضعفون له قد خالفهم غيرهم، ومن جملة المخالفين لهم شيخًا الصنعة البخاري ومسلم، وقد بلغ البخاري ﵀ بعض ما قيل في تعليل الحديث فأشار إلى الجواب عنه في "صحيحه" إشارة مختصرة وهي في الحقيقة كافية للمنصف قال (١) ﵀:
باب إذا أعتق نصيبًا في عبد وليس له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه على نحو الكتابة.
حدثني أحمد بن أبي رجاء، ثنا يحيى بن آدم، ثنا جرير بن حازم قال: سمعت قتادة، ح،
وحدثنا مسدد، ثنا يزيد بن زريع، ثنا سعيد، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من أعتق نصيبًا أو شقيصًا في مملوك فخلاصه عليه في ماله إن كان له مال، وإلا قوم عليه فاستسعى به غير مشقوق عليه".
قال البخاري: وتابعه حجاج بن حجاج وأبان بن موسى بن خلف عن قتادة، اختصره شعبة.
انتهى ما ذكره البخاري، وهو متضمن للجواب عما قيل في الحديث، بل هو مشتمل على فوائد كثيرة:
منها: أنه ساق الحديث من رواية يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة