← Джавами‘

Джавами‘ · id 20647

مجموع رسائل الحافظ ابن عبد الهادي

ابن عبد الهادي

Полный текст (307 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ومسلم (١) في "صحيحيهما" من حديث قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير ابن نهيك، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من أعتق شقصًا له في عبد فخلاصه في ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه" وقد روى هذا الحديث عن قتادة سبعة (٢) أكثرهم ثقات أثبات فجعلوا (٣) الاستسعاء من قول النبي ﷺ ، وهم: سعيد بن أبي عروبة، وجرير بن حازم، وأبان بن يزيد العطار، وموسى بن خلف وحجاج (٤) وحجاج بن أرطاة، ويحيى بن صبيح -جد سليمان بن حرب لأمه- ورواه همام بن يحيى -في روايةٍ عنه- عن قتادة فجعل الاستسعاء من قول قتادة، ورواه بعضهم عن همام فلم يذكر الاستسعاء بالكلية، فرجح الحافظ أبو الحسن الدارقطني (٥) رواية همام عن قتادة -مع الاختلاف عنه- على رواية هؤلاء السبعة؛ لأن معه زيادة علم، مع أن بعضهم أوثق منه وأثبت، ومع أن

стр. 142

إمام الأئمة وإمام الجرح والتعديل والمرجوع إليه في ذلك وهو يحيى بن سعيد القطان كان سيئ الرأي في همام (١)، فإذا كان الدارقطني قد حكم في مثل هذا الموضع لهمام على هؤلاء للتفصيل الذي فصله؛ لزمه أن يحكم لجعفر ابن برقان للزيادة التي ذكرها. فإن قيل: الفرق بين الموضعين ظاهر، فإن الكلام في الاستسعاء وتضعيفه وعدم العمل به ليس مستندم إلى رواية همام وجعله ذلك من قول قتادة؛ بل إنما لم يقبل الاستسعاء لوجوه: أحدها: أن أكبر من رواه عن قتادة وأوثق من رواه عنه سعيد بن أبي عروبة (٢) وقد اختلط في آخر عمره، وأنكر الناس حفظه، وقد اختلف عليه أصحابه في ذكر الاستسعاء، فبعضهم ذكره، وبعضهم لم يذكره؛ فرواه عنه

стр. 143

روح بن عبادة وغيره من غير ذكره. الثاني: إنا لم نقبل الاستسعاء لأن شعبة بن الحجاج وهشام بن عبد الله الدستوائي روياه عن قتادة فلم يذكراه بالكلية، وهما أثبت أصحاب قتادة. الثالث: إنا إنما لم نقبله لمخالفته حديث ابن عمر المخرج في "الصحيحين" من رواية مالك بن أنس (١) وغيره (٢) عن نافع عنه: "من أعتق شركًا له في عبد"، وفيه: "وإلا فقد عتق منه ما عتق". الرابع: إنما منعنا من قبوله تضعيف الأئمة الكبار المرجوع إلى قولهم له، فممن ضعفه الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل في رواية المروذي (٣) وغيره (٤)، وضعفه أيضًا سليمان بن حرب (٥) -شيخ الإمام أحمد والبخاري- وتكلم فيه

стр. 144

الإمام أبو عبد الله الشافعي (١) وأبو بكر النيسابوري (٢) والدارقطني (٣) وأبو عمر ابن عبد البر (٤) وأبو سليمان الخطابي (٥) وأبو بكر البيهقي (٦) وغيرهم (٧)، وقال ابن المنذر (٨): لا يصح حديث الاستسعاء، وذكر همام أن ذكر الاستسعاء من فتيا قتادة، وفرق بين الكلام الذي هو من قول رسول الله ﷺ وقول قتادة، قال بعد ذلك: فكان قتادة يقول: إن لم يكن له مال استسعى العبد. فالجواب أن يقال: ما أوردناه على الدارقطني لازم له؛ فإنه إنما أعتمد على رواية همام وتمييزه الزيادة من الحديث، ولم يلتفت إلى مخالفة العدة

стр. 145

الكثير له. ثم نقول: حديث الاستسعاء حديث صحيح ثابت، وهؤلاء الأئمة المضعفون له قد خالفهم غيرهم، ومن جملة المخالفين لهم شيخًا الصنعة البخاري ومسلم، وقد بلغ البخاري ﵀ بعض ما قيل في تعليل الحديث فأشار إلى الجواب عنه في "صحيحه" إشارة مختصرة وهي في الحقيقة كافية للمنصف قال (١) ﵀: باب إذا أعتق نصيبًا في عبد وليس له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه على نحو الكتابة. حدثني أحمد بن أبي رجاء، ثنا يحيى بن آدم، ثنا جرير بن حازم قال: سمعت قتادة، ح، وحدثنا مسدد، ثنا يزيد بن زريع، ثنا سعيد، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من أعتق نصيبًا أو شقيصًا في مملوك فخلاصه عليه في ماله إن كان له مال، وإلا قوم عليه فاستسعى به غير مشقوق عليه". قال البخاري: وتابعه حجاج بن حجاج وأبان بن موسى بن خلف عن قتادة، اختصره شعبة. انتهى ما ذكره البخاري، وهو متضمن للجواب عما قيل في الحديث، بل هو مشتمل على فوائد كثيرة: منها: أنه ساق الحديث من رواية يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة

стр. 146

دون غيره من أصحاب سعيد الذين رووه عنه، يزيد بن زريع أثبت أصحاب سعيد وأخصهم به، وممن ضبط حديثه وعرفه، وروى عنه قبل الاختلاط، وكون بعض أصحاب سعيد لم يرو عنه الاستسعاء لا يقدح في رواية من رواه عنه، لا سيما والذي لم يذكره دون الذي ذكره، وليس من لم يحفظ حجة على من حفظ. ومنها: أنه ذكره من رواية جرير بن حازم أيضًا عن قتادة مصرحًا بسماع جرير من قتادة؛ لأن رواية جرير عن قتادة قد تكلم فيها بعض الأئمة (١)، لكنها في هذا الموضع قوية لتصريحه بالسماع، ولأنه غير منفرد. ومنها: ذكر من تابع سعيدًا وجريرًا عن قتادة، وهم حجاج بن حجاج وأبان العطار وموسى بن خلف، وفي هذا تقوية لرواية جرير وسعيد. ومنها: قوله: "اختصره شعبة" وهو جواب عن سؤال مقدر، وكان قائلًا أورد عليه فقال: شعبة لم يذكر الاستسعاء في روايته عن قتادة، وهو من الأثبات؟ فقال هو: هذا لا يقدح في رواية غيره؛ فإن شعبة اختصره، وغيره

стр. 147

لم يختصره، بل حفظه وضبطه، فالحكم للحافظ الضابط، لا لمن اختصر ولم يحفظ. وأما من ضعف حديث الاستسعاء لأنه مخالف لقوله في حديث ابن عمر: "وإلا فقد عتق منه ما عتق" فجوابه من وجهين: أحدهما: أنه قد قيل: إنه مدرج، وأن قوله: "وإلا فقد عتق منه ما عتق" من قول نافع، والحديث هو من رواية نافع عن ابن عمر، وقد رواه عن نافع جماعة منهم أيوب ومالك وعبيد الله بن عمر ويحيى بن سعيد، وقال أيوب في روايته: إنما قال نافع فقد عتق منه ما عتق، وربما لم يقله وكبر ظني أنه شيء كان يقوله نافع برأيه، فأيوب معه زيادة علم على غيره ممن رواه عن نافع. الوجه الثاني: أن هذه الزيادة وإن كانت ثابتة لا تنافي حديث الاستسعاء، فإن قوله: "وإلا فقد عتق منه ما عتق" يدل على تنجيز العتق في البعض، والبعض الآخر مسكوت عنه، وقد جاء بيان حكمه في حديث الاستسعاء، فحديث أبي هريرة تضمن ما في منطوق حديث ابن عمر وزيادة بيان ما سكت عنه، فلا تنافي بين الحديثين، والله أعلم. فالصحيح من حيث النظر أن حديث الاستسعاء صحيح ثابت مرفوع إلى النبي ﷺ ، وكذلك الصحيح أن قوله: "وإلا فقد عتق منه ما عتق" مرفوع أيضًا, ولا تنافي بينهما كما ذكرنا (١). وكذلك الصحيح أن حديث ابن عباس (٢) مغاير لحديث ابن عمر، وأن

стр. 148

قوله في حديث ابن عمر: "وليقطعهما أسفل من الكعبين" (١) مرفوع أيضًا، وقد رواه سالم وغيره عن ابن عمر، لكن يحتمل أن يحمل الأمر فيه على الاستحباب ويبعد جدًّا أو يتعذر حمل الإطلاق في حديث ابن عباس على التقييد في حديث ابن عمر لأمور كثيرة: منها: أنه يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة. ومنها: أن من شرط حمل المطلق على المقيد أن يكون اللفظ يطلق عليهما على سبيل الحقيقة، كعتق رقبة مع عتق رقبة مؤمنة؛ فإن الرقبة حقيقة في المؤمن والكافر، وكقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) مع قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٣) فإن الشاهد حقيقة في العدل وغيره، وهذا بخلاف قوله: "وليلبس الخفين" فإن المقطوع لا يُسمى خفًّا حقيقة، وقوله: "امسحوا على الخفين" (٤) لا يدخل فيه المقطوع؛ فإنه لا يجوز المسح عليه بالاتفاق. ولا يقال: يجب القطع لأنه قد جاء في حديث ابن عباس مرفوعًا (٥) وموقوفًا. لأن ذلك غلط؛ قد نبهنا عليه في غير هذا الموضع.

стр. 149

ولا يقال: يلزمكم أيضًا تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ فإن من شهد معه الإحرام بذي الحليفة كانوا أكثر ممن أمرهم بالقطع في المدينة، ولم يأمرهم بوجوب القطع في تلك الحال مع وجوبه عليهم وحاجتهم إلى بيانه لهم. ﴿لأنا نقول﴾ (١): من سمع منه القطع بالمدينة وجب عليه العمل به، ومن لم يسمعه لم يتعلق به حكم القطع أصلًا؛ لأن من شرط الوجوب على المكلف علمه بالأمر من المكلف به، فمن لم يبلغه الأمر بالقطع كيف يقال يجب عليه العمل به، بل النبي ﷺ أمرنا بالقطع جوابًا لسائل سأله بالمدينة، فلما كان بعرفات خطب الناس وأباح لهم لبس الخفين ولم يأمرهم بالقطع، فدل على أنه رخص لهم في ذلك مطلقًا من غير تقييد، إذ لو كان القطع واجبًا لتعين بيانه لمن لم يسمع الخبر الأول بالمدينة، بل إنما سمع هذا الخبر الثاني المقتضي للجواز من غير تقييد، والجمع الذي حضر معه بعرفات وسمع الرخصة أضعاف أضعاف من سمع الخبر الأول المقتضي للقطع، فلو كان القطع والحالة هذه ثابتًا لتعين بيانه، ولما جاز إهماله، والله أعلم (٢). آخره والحمد لله وحده (٣).

стр. 150

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 151

اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية

стр. 152

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، المبعوث رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد، فهذه رسالة صغيرة الحجم كبيرة الفائدة، حوت دررًا من اختيارت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ جمعها تلميذه البارُّ الحافظ ابن عبد الهادي، وفاءً لشيخه، واستكمالًا لجوانب حياته العلمية، فقد أفرد له ترجمة حافلة في كتابه "العقود الدرية"، ورد على مخالفيه في كتابه "الصارم المنكي في الرد على السبكي" وغيره، وله عناية فائقة بكتب شيخه واختياراته، وها هو ذا يفرد اختيارات شيخه، فجزاه الله خيرًا على حفظه لحق شيخة - رحمهما الله تعالى. وقد كنت حققت هذه الرسالة وطبعتها منذ ثلاث سنوات في مجموع سميته: "من تراث شيخ الإسلام ابن تيمية" يشتمل على: "المسائل والأجوبة" لشيخ الإسلام ابن تيمية، و"ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية" للحافظ الذهبي، مع هذه الرسالة، والمناسبة بين هذه الرسائل الثلاث ظاهرة. وقد رأيت الآن أن أجمعها مع أخواتها من رسائل الحافظ ابن عبد الهادي في هذا المجموع، فقابلتها على أصلها الخطي مرة ثانية، وصوبت بعض أخطائها المطبعية، وقد تكلمت هناك على وصف النسخة الخطية وتوثيق نسبة الرسالة إلى مؤلفها بما أغنى عن إعادته هنا.

стр. 153

وقد كنت ألحقت بهذه الرسالة في المجموع المذكور ترتيبًا لها على الأبواب يقرب الانتفاع بها، فمن أراده وجده هناك. والله المسئول أن ينفع بهذين المجموعين؛ إنه سميع عليم. وقد وقفت على طبعة أخرى لهذه الرسالة -صدرت بعد طبعتي- بتحقيق سامي بن محمد بن جاد الله، وإشراف بكر بن عبد الله أبو زيد، بدار عالم الفوائد للنشر والتوزيع، عن نسخة محفوظة بالمكتبة الظاهرية بدمشق، وهذه النسخة تفيد في توثيق نسبة الكتاب لابن عبد الهادي، وهي تتفق غالبًا مع النسخة التي اعتمدت عليها حتى في السقط والتصحيف والبياض، مما يدل على أنهما نُقلا من أصلٍ واحدٍ، أو أن إحديهما نقلت من الأخرى. وقد قابلت هذه الرسالة على هذه الطبعة، واستفدت منها في عدة مواضع، ورمزت لها في الهوامش بحرف "م". وصنعت لهذا الرسالة فهرس موضوعي في آخر المجلد. والحمد لله أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه.

стр. 154

أول النسخة الخطية

стр. 155

آخر النسخة الخطية

стр. 156

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمدٍ وآله وصحبه ومسلم. فصل ذهب شيخنا ﵀ إلى أن الحاجم والمحجوم يفطران، وكذلك المفصود، ولا يفطر عنده الفاصد ولا المشروط ولا الشارط (١). وذهب إلى أن من احتقن أو اكتحل أو قطر في إحليله أو داوى المأمومة (٢) أو الجائفة (٣) بما يصل إلى جوفه، أو ابتلع ما لا يغذي كالحصاة لا يفطر (٤). وذهب إلى أن من أكل يظنه ليلًا فبان نهارًا فلا قضاء عليه (٥). وذهب إلى أن من رأى هلال رمضان وحده لا يصوم، وكذلك من رأى هلال شوال وحده لا يفطر لا سرًّا ولا جهرًا (٦). وذهب إلى عدم وجوب صوم الثلاثين ﴿من﴾ (٧) شعبان إذا غم الهلال، وضعَّف القول بالتحريم والقول بالوجوب تضعيفًا كثيرًا، ومال إلى أن الصوم مندوب أو جائز، وذكر في بعض مؤلفاته أن القول بوجوب الصوم (ق ٢ - أ) بدعة، وأنه لا يُعرف عن أحد من السلف (٨).

стр. 157

قال: وذهب ﴿إلى أنه﴾ (١) ليس لولي الصبي إلباسه الحرير في ﴿أظهر﴾ (٢) قولي العلماء (٣). وذهب إلى أن -ذوات الأسباب- كتحية المسجد، والركعتين عقب الوضوء، وغير ذلك - تفعل في وقت النهي (٤). وذهب إلى جواز دفع الزكاة إلى جميع الأقارب كالجدة والابن وغيرهما (٥). وذهب إلى أن الجمعة والجماعة لا يدركان إلا بركعة (٦). وذهب إلى أن من جامع في رمضان ناسيًا أو مخطئًا لا قضاء عليه ولا كفارة (٧). وذهب إلى أن الحج لا يبطل بفعل شيء من المحظورات لا الجماع ولا غيره إذا كان ناسيًا أو مخطئًا، لا يضمن إلا الصيد (٨). قال: وذهب ﴿إلى أن﴾ (٩) من أدرك مع الإمام بعض الصلاة وقام يقضي فائتم به آخرون جاز ذلك ﴿في﴾ (١٠) أظهر القولين (١١).

стр. 158

وذهب إلى أن الماء (المتغير) (١) بالطاهرات لا يُسلب الطهورية، بل يجوز الوضوء به ما دام يُسمى ماءً (٢). وذهب إلى أن الماء والمائعات لا تنجس إلا بالتغير (٣). (ق ٢ - ب) وذهب إلى أن بول ما يؤكل لحمه وروثه طاهر، وذكر أن القول بنجاسة ذلك قول مُحْدَثٌ لا سلف له من الصَّحَابَة (٤). وذهب إلى أن الأرض تطهر إذا أصابتها نجاسة ثم ذهبت بالشمس أو الريح ونحو ذلك، وأنه يُصلى عليها ويُتيمم بها (٥). وذهب إلى أن الخمرة إذا قصد تخليلها لا تطهر بحالٍ (٦). وذهب إلى أن النجاسات تطهر بالاستحالة (٧). وذهب إلى أن طين الشوارع طاهر إذا لم يظهر منه أثر النجاسة، فإن تعين أن النجاسة فيه عُفي عن يسيره (٨). وقال: الصحيح الذي عليه جمهور العلماء أن جلد الكلب بل سائر السباع لا تطهر بالدباغ. وقال في موضع آخر (٩): السنة تدل على أن الدباغ كالذكاة.

стр. 159

وذكر خلاف الفقهاء فيمن قال عليَّ مالُ عظيمٌ أو خطيرٌ أو كبيرٌ أو جليلٌ، ثم قال (١): والأرجح في مثل هذا أن يرجع إلى عُرف المتكلمين، فما كان يسمية مثله كبيرًا حُمِلَ مطلق كلامه على (ق ٣ - أ) أقل محملاته. وذكر الاختلاف في طهارة الكلب ونجاسته ثم قال (٢): والقول الراجح طهارة الشعور كلها كشعر الكلب والخنزير وغيرهما بخلاف الريق. قال (٣): وعلى هذا فإذا كان شعر الكلب رطبًا وأصابه ثوب الإنسان فلا شيء عليه كما هو مذهب جمهور الفقهاء: أبو حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه. وذهب إلى أن لعاب الكلب إذا أصاب الصيد لم يجب غسله (٤). وذهب إلى أن عظم الميتة وقرونها وأظلافها طاهر حلال، وحكاه عن جمهور السلف (٥). وذهب إلى أن جبن المجوس طاهر، وإلى أن نفحة الميتة ولبنها طاهر (٦). وذكر ﴿أن﴾ (٧) أكثر العلماء يجوزون التوضؤ ﴿بسؤر﴾ (٨) البغل والحمار، ولم

стр. 160

يُصرح باختياره فيه (١). وذهب إلى أن النجاسات ﴿تزول﴾ (٢) بغير الماء من المائعات، وقال بعد أن ذكر اختلاف الفقهاء: وإن كان كذلك (ق ٣ - ب) فالراجح في هذه المسألة أن النجاسة متى زالت بأي وجهٍ كان زال حكمها, لكن لا يجوز استعمال الأطعمة والأشربة في إزالة النجاسة بغير حاجة؛ لما في ذلك من إفساد الأموال (٣). وذهب إلى أن من صلى وعليه نجاسة جاهلًا أو ناسيًا لا إعادة عليه، ثم ذكر الدليل، وقال: ولهذا كان أقوى الأقوال أن ما فعله العبد ناسيًا أو مخطئًا من محظورات الصلاة والصيام والحج لا يبطل العبادة كالكلام ناسيًا والأكل (٤). وذهب إلى أن النعل إذا أصابته نجاسة فدلكه في الأرض فإنه يطهر (٥). وذهب إلى أن الصلاة بالتيمم خارج الحمام أولى من الصلاة بعد الاغتسال في الحمام؛ فإنه قال في أثناء كلامه (٦): وأما إن كانت المرأة أو الرَّجل يمكنه الذهاب لكن إذا دخل لا يمكنه الخروج حتى يفوت الوقت إما لكونه مقهورًا -مثل الغلام الذي لا يخليه سيده يخرج حتى يصلي (ق ٤ - أ) ومثل المرأة التي معها أولاد فلا يمكنها الخروج حتى تغسلهم ونحو ذلك-

стр. 161

فهؤلاء لا بد لهم من أحد الأمور: إما أن يغتسلوا ويُصلوا في الحمام في الوقت، وإما أن يُصلوا خارج الحمام بعد خروج الوقت، وإما أن يُصلوا بالتيمم خارج الحمام، وبكل هذه الأقوال تُفتي طائفة، لكن الأظهر أنهم يُصلون بالتيمم خارج الحمام. وقال (١) أيضًا: إذا ذهب إلى الحمام ليغتسل ويخرج يصلي خارج الحمام في الوقت، فلم يمكنه إلا أن يُصلي في الحمام أو تفوت الصلاة فالصلاة في الحمام خير من تفويت الصلاة. قال (٢): وأما إن كان ﴿يعلم أنه﴾ (٣) إذا ذهب إلى الحمام لم يمكنه الخروج حتى يخرج الوقت ﴿فقد تقدمت﴾ (٣) - هذه المسألة، والأظهر أن يُصلي بالتيمم، فإن الصلاة بالتيمم خير من الصلاة في الأماكن التي نُهي عنها، ومن الصلاة بعد خروج الوقت. وذهب إلى أن (ق ٤ - ب) من حُبس في موضعٍ نجسٍ فصلى فيه أنه لا إعادة على ﴿وقال: الصحيح الذي عليه أكثر العلماء أن كل من صلى في الوقت كما أمر بحسب الإمكان فلا إعادة عليه﴾ (٤) سواءً كان العذر نادرًا أو معتادًا (٥). وذهب إلى صحة صلاة من صلى خلف إمام يقرأ "غير المغضوب عليهم ولا الظالين" بالظاء، فإنه حكى الخلاف في ذلك، وقال: الوجه الثاني: تصح، وهذا أقرب؛ لأن الحرفين في السمع شيء واحدٌ، ثم ذكر تمام الدليل (٦).

стр. 162

وذهب أن المرأة الحائض إذا انقطع دمها لا يطؤها زوجها حتى تغتسل إن كانت قادرة على الاغتسال وإلا تيممت (١)، وذكر الدليل قال (٢): وقد قال بعض أهل الظاهر: المراد بقوله ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ (٣) أي: غسلن فروجهن. وليس بشيء؛ لأنه قد قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٤) فالتطهر في كتاب الله هو الاغتسال؛ قال (٢): وأما قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٣) فهذا يدخل فيه المغتسل والمتوضئ والمستنجي (ق ٥ - أ) لكن التطهر المقرون بالحيض كالتطهر المقرون بالجنابة، والمراد به الاغتسال. وذهب إلى أن عادم الماء إذا لم يجد ترابًا وعنده رماد تيمم به ويصلي، ولا يعيد، قال: وحمل التراب بدعة لم يفعله أحد من السلف (٥). وذهب إلى أنه لا يجب الوضوء من النجاسة الخارجة من غير السبيلين -كالفصاد والحجامة والقيء- بل يُستحب الوضوء من ذلك، وكذلك لا يجب الوضوء من غسل الميت ولا من مس الذكر ولا القهقهة في الصلاة بل يُستحب، وأما مس النساء فهله كان لغير شهوةٍ فإنه لا يجب منه الوضوء ولم يجب، وكذلك من تفكر فتتحرك جارحته -أو قال: شهوته- فانتشر يُستحب له الوضوء، ومن مسَّ الأمرد أو غيره فانتشر يُستحب له الوضوء أيضًا ولا يجب، ويُستحب الوضوء أيضًا من الغضب، ومن أكل ما مسته النار (٦).

стр. 163

وأما (ق ٥ - ب) لحم الإبل فذهب إلى أنه يستحب منه الوضوء أيضًا، ومال في موضع (١) إلى وجوب الوضوء منه، ومرة توقف في الوجوب (٢)، وقال (٣) في كلامه على المسائل التي ﴿قيل﴾ (٤) فيها إنها على خلاف القياس: وأما لحم الإبل فقد قيل التوضؤ منه مستحب، لكن تفريق النبي ﷺ بينه وبين لحم الغنم - مع أن ذلك مسته النار، والوضوء منه مستحب- دليل على الاختصاص، وما فوق الاستحباب إلا الإيجاب، وقد قيل: الوضوء منه أوكد. قال (٥): وأما الوضوء من الحدث الدائم لكل صلاةٍ ففيه أحاديث متعددة (٦)، وقول الجمهور الذين يوجبون الوضوء لكل صلاة أظهر. وذهب إلى أن الخف إذا كان فوقه خرق يسير يجوز المسح عليه (٧). وذهب إلى أنه لا يتيمم للنجاسة على البدن (٨). وذهب إلى أن صلاة المأموم قدام (ق ٦ - أ) الإمام تصح مع العذر دون غيره، مثل إذا كان زحمة فلم يمكنه أن يصلي الجمعة والجنازة إلا قدام الإمام (٩).

стр. 164

وذهب إلى أن جواز المساقاة والمزارعة قول جمهور السلف من الصَّحَابَة والتابعين وغيرهم، وهذا مذهب الليث بن سعد وابن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمَّد، وفقهاء الحديث: كأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبي بكر بن المنذر، والخطابي، وغيرهم ﵃ بل الصواب أن المزارعة أحَلُّ من الإجارة بثمنٍ مسمًّى؛ لأنها أقرب إلى العدل وأبعد عن الخطر (١). وقال (٢) أيضًا: فأما المزارعة (٣) فجائزة بلا ريب سواء كان البذر من المالك أو العامل أو منهما، وسواء كان بلفظ الإجارة أو المزارعة (٣) أو غير ذلك، وهذا أصح الأقوال في هذه المسألة، وكذلك كل ما كان من هذا الجنس مثل أن يدفع دابته أو سفينته إلى من يكتسب عليها والربح بينهما، أو من يدفع ماشيته أو نحله (٤) إلى من يقوم عليها، والصوف واللبن والولد (ق ٦ - ب) والعسل بينهما. وقال في موضع آخر (٥): من أعطى النظر حقه علم أن المزارعة أبعد من الظلم والقمار من الإجارة ﴿بأجرة مسماة﴾ (٦) مضمونة ﴿في الذمة؛ فإن المستأجر إنما قصد الانتفاع بالزرع النابت في﴾ (٧) الأرض؛ فإذا وجبت عليه الأجرة

стр. 165

ومقصوده من الزرع قد يحصل وقد لا يحصل كان في ﴿هذا﴾ (١) حصول أحد المتعاوضين على مقصودة ﴿دون﴾ (١) الآخر، وأما المزارعة (٢) فإن حصل الزرع اشتركا فيه، وإن لم يحصل شيء اشتركا في الحرمان، فلا يختص أحدهما بحصول مقصودة دون الآخر، فهذا أقرب إلى العدل وأبعد عن الظلم من الإجارة، والأصل في العقود جميعها هو العدل؛ فإنه به بعث الله الرسل ونَزَّل الكتب. وقال (٣): وأما المضاربة والمساقاة والمزارعة فليس فيها شيء من الميسر، بل هن من أقوم العدل، فهذا مما يُبين ﴿لك أن﴾ (٤) المزارعة التي يكون فيها البذر من العامل أحق بالجواز من المزارعة التي يكون فيها من رب الأرض، ولهذا كان أصحاب النبي ﷺ (ق ٧ - أ) يزارعون على هذا الوجه، وكذلك "عامل النبي ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع على أن (يعملوا) (٥) من أموالهم" (٦). وقال في أثناء كلامه بعد أن تكلم (٧) على المزارعة الفاسدة والمضاربة: ولهذا كان الصواب أنه يجب في المضاربة الفاسدة ربح المثل لا أجرة المثل، ويعطي العامل ما جرت به العادة أن يعطى مثله من الربح، إما نصفه وإما

стр. 166

ثلثه واما ثلثاه، وأما أن يعطي شيئًا مقدارًا مضمونًا في ذمة المالك، كما يعطى في الإجارة ﴿والجعالة﴾ (١) فهذا غلط ممن قاله (٢). وذكر اختلاف الفقهاء ﴿في بيع﴾ (٣) ما في بطن الأرض ويظهر ورقه كاللفت والجزر والقلقاس، والفجل والثوم والبصل وشبه ذلك، وصحح الجواز؛ فإنه قال (٤): والثاني: أن بيع ذلك جائز، كما يقوله من يقوله من أصحاب مالك وغيرهم، وهو قول في مذهب أحمد وغيره، وهذا القول هو الصواب لوجوهٍ. ثم ذكرها. (ق ٧ - ب) وقال (٥): ومما يشبه ذلك بيع المقاثي وصحته -كمقاثي الخيار والبطيخ والقثاء وغير ذلك- فمن أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما من يقول: لا يجوز بيعها إلا لقطة ﴿لقطة﴾ (٦)، وكثيرٌ من العلماء ﴿من أصحاب مالك وأحمد وغيرهما، قالوا: إنه يجوز بيعها﴾ (٧) مطلقًا على الوجه المعتاد، وهذا هو الصواب. وقال (٨): إذا بدا صلاح بعض الشجرة كان صلاحًا لباقيها باتفاق العلماء ﴿ويكون صلاحها صلاحًا لسائر ما في البستان من ذلك النوع، في أظهر

стр. 167

قولي العلماء﴾ (١) وقول جمهورهم، بل (٢) يكون صلاحًا لجميع ثمرة البستان التي جرت العادة بأن تباع جملة في أحد قولي العلماء. وذهب إلى أن القول بوضع الجوائح في الثمر؛ فإذا اشترى ثمرًا قد بدًا صلاحه فأصابته جائحة أتلفته قبل كماله فإنه يكون من ضمان البائع، وإلى أن المشتري يبيع الثمرة قبل الجداد؛ لأنه قبضها القبض المبيح للتصرف (ق ٨ - أ) وإن لم يقبضها القبض الناقل للضمان كقبض العين المؤجرة؛ فإنه إذا ﴿قبضها﴾ (٣) جاز له التصرف في المنافع، وإن كانت إذا تلفت تكون من ضمان المؤجر (٤). قال في الإجارة (٥): لكن تنازع الفقهاء هل له أن يؤجرها بأكثر مما استأجرها؟ على ثلاثة أقوال، هي ثلاث روايات عن أحمد: قيل: يجوز؛ كقول الشافعي. وقيل: لا يجوز؛ كقول أبي حنيفة وصاحبيه؛ لأنه ربح فيما لم يضمن؛ لأن المنافع لم يضمنها. وقيل: إن أحدث فيها عمارة جاز وإلا فلا. قال: والأول أصح؛ لأنها مضمونة عليه بالقبض، بمعنى إذا لم يستوفها

стр. 168

تلفت من ضمانه لا من ضمان المؤجر. وذهب إلى أن من استأجر أرضًا فزرعها ثم تلف الزرع بنارٍ أو ريحٍ أو بردٍ، ونحو ذلك أنه يكون من ضمان المؤجر (١). وذهب إلى أن الاْب ليس له إجبار ابنته البكر البالغة على النكاح، وإلى أن مناط الإجبار هو الصغر (٢). وذهب إلى أن الأب (ق ٨ - ٦) له أن يطلق على ابنه الصغير والمجنون إذا رأى المصلحة، وإلى أنه يخالع عن ابنته إذا رأى المصلحة لها، قال (٣): وأبلغ من ذلك أنه إذا طلقها قبل الدخول فللأب أن يعفو عن نصف الصداق إذا قيل هو الذي بيده عقدة النكاح -كما هو قول مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه- والقرآن يدل على صحة هذا القول. وذهب إلى أن كل مطلقةٍ لها متعةٌ، قال: كما دل عليه ظاهر القرآن وعمومه (٤). وقال في أثناء كلامه (٥): وأما إذا دفع الدرهم فقال: أعطني بنصفه فضةً وبنصفه فلوسًا، أو قال: أعطني بوزن هذه الدراهم الثقيلة أنصافًا أو دراهم خفافًا؛ فإنه يجوز سواء كانت مغشوشةً أو خالصةً، ومن الفقهاء من يكره ذلك ويجعله من باب "مُدِّ عجوةٍ"؛ لكونه باع فضةً ونحاسًا بفضةٍ ونحاسٍ. وأصل مسألة "مُدِّ عجوةٍ" أن يبيع مالًا ربويًّا بجنسه ومعهما (ق ٩ - أ)

стр. 169

أو مع أحدهما من غير جنسه؛ فإن للعلماء في ذلك ﴿ثلاثة﴾ (١) أقوال: أحدها: المنع مطلقًا؛ وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد. والثاني: الجواز مطلقًا؛ كقول أبي حنيفة، ويُذكر رواية عن أحمد. والثالث: الفرق بين أن يكون المقصود بيع الربوي (٢) بجنسه متفاضلًا أو لا، وهذا مذهب مالك وأحمد في المشهور عنه؛ فإذا باع تمرًا في نواه بنوى أو بتمر منزوع النوى، أو شاة فيها لبن ﴿بشاة ليس فيها لبن﴾ (٣) أو بلبن ونحو ذلك؛ فإنه يجوز عندهما بخلاف ما إذا باع أَلْف درهم بخمسمائة درهم في منديل؛ فإن هذا لا يجوز. قال (٤): وأما بيع الفضة بالفلوس النافقة فهل يشترط فيه الحلول والتقابض كصرف الدراهم بالدنانير، فيه قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد. أحدهما: لا بد من الحلول والتقابض فإن (٥) هذا من جنس الصرف؛ فإن الفلوس النافقة تشبه الأثمان، فيكون بيعها بجنس الأثمان صرفًا. والثاني: لا يشترط الحلول والتقابض (ق ٩ - ب) فإن ذلك معتبر في جنس الذهب والفضة، سواءً كان ثمنًا (أو كان مصوغًا) (٦) بخلاف الفلوس؛ ولأن الفلوس هي في الأصل من باب العروض والثمنية عارضة لها.

стр. 170

قال (١): وأما إذا كان لرجلٍ عند غيره حق من عينٍ أو دينٍ، فهل يأخذه أو نظيره بغير إذنه؟ فهذا نوعان: أحدهما: أن يكون سبب الاستحقاق ظاهرًا لا يحتاج إلى إثبات، مثل استحقاق المرأة النفقة على زوجها ﴿واستحقاق الولد أن يُنفق عليه والده﴾ (٢)، واستحقاق الضيف الضيافة على من نزل به، فهنا له أن يأخذ بدون إذن من عليه الحق بلا ريب. ثم ذكر حديث هند (٣). والثاني: أن لا يكون سبب الاستحقاق ظاهرًا فهذا فيه قولان: أحدهما: ليس له أن يأخذ؛ وهو مذهب مالك وأحمد. والثاني: له أن يأخذ؛ وهو مذهب الشافعي. و﴿أما﴾ (٤) أبو حنيفة فيسوغ الأخذ من جنس الحق. ومال الشيخ إلى عدم الجواز (٥). قال (٦): وإذا دفع الزكاة إلى الوالدين إذا كانوا غارمين (ق ١٠ - أ) أو مكاتبين ففي ذلك وجهان، والأظهر جواز ذلك، وأما إن كانوا فقراء وهو

стр. 171

عاجز عن نفقتهم فالأقوى جواز دفعها إليهم في هذا الحال؛ لأن المقتضى ﴿موجود، والمانع مفقود؛ فوجب العمل بالمقتضى﴾ (١) السالم عن المعارض المقاوم. وقال في أثناء كلامه في مسألة العينة (٢): والشرط بين الناس ما عدوه شرطًا كما أن البيع بينهم ما عدوه بيعًا، والإجارة بينهم ما عدوها إجارة وكذلك النكاح ﴿بينهم ما عدوه نكاحًا؛ فإن الله ذكر البيع والنكاح﴾ (١) في كتابه ولم يُذكر لذلك حدٌّ في الشرع، ولا له حدٌّ (٣) في اللغة، والأسماء تعرف حدودها تارة بالشرع -كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج- وتارة باللغة -كالشمس، والقمر، والبر، والبحر- وتارة بالعرف -كالقبض، والتصرف، وكذلك العقود كالبيع والإجارة والنكاح والهبة، وغير ذلك- فإذا تواطأ الناس على شرطٍ وتعاقدوا؛ فهذا ﴿شرط﴾ (٤) عند أهل العرف، والله أعلم. وذهب إلى أن إخراج القيمة في الزكاة للحاجة أو للمصلحة الراجحة جائز (٥) ﴿وذهب إلى أن إبدال الموقوف والمنذور جائز﴾ (٦) لمصلحةٍ راجحةٍ، مثل أن يبدل (ق ١٠/ ب) الهدي بخيرٍ منه، ومثل المسجد إذا بني بدله مسجد آخر

стр. 172

أصلح لأهل البلدة منه، وبيع ﴿الأول﴾ (١)، فهذا ونحوه جائز عند أحمد وغيره من العلماء (٢). قال (٣): وأما إبدال العَرْصة (٤) بعرصة أخرى فهذا ﴿قد نصَّ﴾ (٥) أحمد وغيره على جوازه اتباعًا لأصحاب رسول الله ﷺ ؛ حيث فعل ذلك عمر، واشتهرت القضية ولم تُنكر. وقال أيضًا: النصوص والآثار والقياس يقتضي جواز الإبدال للمصلحة، والله أعلم. وذهب إلى جواز القصاص ﴿في اللطمة﴾ (٦) والضربة ونحو ذلك، فذهب الخلفاء الراشدون إلى أنه مشروع يُقتص بمثله، وهو المنصوص عن أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد (٧) الشَّالَنْجي، وذهب كثيرٌ من الفقهاء إلى أنه لا يُشرع في ذلك قصاص، وهذا قول ﴿كثير﴾ (٨) من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، والأول أصح (٩).

стр. 173

قال (١): وأما القصاص في إتلاف الأموال مثل أن يخرق ثوبه؛ فيخرق ثوبه (ق ١١ - أ) المماثل له، أو يهدم داره؛ فيهدم داره، ونحو ذلك، فهذا فيه قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد: إحداهما: أن ذلك غير مشروع؛ لأنه إفساد. الثاني: أن ذلك مشروع؛ لأن الأنفس والأطراف أعظم قدرًا من الأموال، فإذا جاز إتلافها على سبيل القصاص؛ فالأموال أولى. قال (٢): وإذا أتلف له ثيابًا أو حيوانًا أو عقارًا أو نحو ذلك فهل يضمه بالقيمة أو يضمنه بجنسه مع القيمة؟ على قولين معروفين للعلماء، وهما روايتان في مذهب الشافعي وأحمد، فإن الشافعي قد نصَّ على أنه إذا هدم دارًا بناها كما كانت؛ فضمنه بالمثل، وروي عنه في الحيوان نحو ذلك. قال (٣): وأما إسقاط ﴿الدَّين عن المعسر﴾ (٤) فلا يجزئ عن زكاة العين بلا نزاع، لكن إذا كان له دين على من يستحق الزكاة فهل يجوز أن يسقط عنه قدر زكاة ذلك الدَّين، ويكون ذلك زكاة ذلك الدَّين؟ هذا فيه قولان للعلماء في مذهب أحمد وغيره، أظهرهما الجواز؟ لأن الزكاة مبناها (ق ١١ - ب) على المواساة، وهنا قد أخرج من جنس ما ﴿يملك﴾ (٥) بخلاف ذلك إذا كان ماله عينًا وأخرج دينًا؛ فإن الذي أخرجه دون الذي يملكه؛ فكان بمنزلة إخراج الخبيث عن الطيب؛ وهذا لا يجوز كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ

стр. 174

تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ (١)، ولهذا كان على المزكي أن يُخرج من جنس ماله لا يخرج أدنى منه (٢)، فإذا كان له ثمرٌ أو حنطة جيدةٌ لم يخرج عنها ما هو دونها، والله أعلم. وذهب إلى جواز السجود على كور العمامة، قال: والأفضل أن يباشر الأرض (٣). وقال (٤): السنة في التروايح أن تُصلى بعد العشاء الآخرة كما اتفق على ذلك السلف والأئمة، فمن صلاها قبل العشاء فقد سلك سبيل المبتدعة المخالفين للسنة. وذهب إلى أن الإطعام في الكفارة مقدر بالعرف لا بالشرع، قال: فيطعم أهل كل بلدةٍ من أوسط ما يطعمون أهليهم قدرًا أو نوعًا، وهذا معنى قول مالك، قال إسماعيل بن إسحاق: كان مالك (ق ١٢ - أ) يرى في كفارة اليمين ﴿أن المُدَّ﴾ (٥) يجزئ بالمدينة. قال مالك: وأما البلدان فإن لهم عيشًا غير عيشنا، فأرى أن يكفروا بالوسط من عيشهم؛ لقول الله -تعالى-: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ (٦). وهو مذهب داود وأصحابه مطلقًا، والمنقول عن أكثر الصحابة والتابعين يوافق هذا القول. قال: وقد ﴿بسطنا الآثار عنهم في غير هذا الموضع، و﴾ (٧) بينا أن هذا القول هو الصواب الذي

стр. 175

يدل عليه الكتاب والسنة ولاعتبار، وهو قياس مذهب أحمد وأصوله؛ فإن أصله أن ما لم يقدره الشارع فإنه يرجع فيه إلى العرف، وهذا مما لم يقدره الشارع فيرجع فيه إلى العرف لا سيما مع قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (١) فإن أحمد لا يقدر طعام المرأة والولد ولا المملوك، ولا يقدر أجرة الأجير المستأجر بطعامه وكسوته في ظاهر مذهبه، ولا يقدر الضيافة الواجبة قولًا واحدًا، ولا يقدر الضيافة المشروطة على هذا على أهل الذمة للمسلمين في ظاهر مذهبه، هذا مع أن هذه واجبة بالشرط، فكيف يقدر طعامًا واجبًا في الشرع، ولا يقدر الجزية (ق ١٢ - ب) في أظهر الروايتين عنه ولا الخراج؟ فطعام الكفارة أولى أن لا يقدر (٢). قال (٣): وإذا جمع عشرة مساكين (وغداهم) (٤) وعشاهم خبزًا وإدامًا من أوسط ما يطعم أهله؛ أجزأه ذلك عن (٥) أكثر السلف، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين وغيرهم، وهو أظهر القولين في الدليل، فإن الله -تعالى- إنما ﴿أمر﴾ (٦) بإطعام، لم يوجب التمليك، وهذا إطعام حقيقة (٧). وذكر الاختلاف في أن صدقة الفطر جارية مجرى صدقة الأموال أو

стр. 176

صدقة الأبدان كالكفارات، ورجح القول بأن سببها (١) البدن لا المال، ثم قال: وعلى هذا القول فلا يجزئ إعطاؤها إلا لمن يستحق الكفارة، وهم الآخذون لحاجة أنفسهم, ولا يعطى منها في المؤلفة ولا الرقاب ولا غير ذلك، وهذا القول أقوى في الدليل (٢). وذهب إلى أن المني طاهرٌ وقطع بذلك (٣). وذهب إلى أن المذي يجزئ فيه النضح، قال: وقد روي عن أحمد أنه طاهر كالمني، و ﴿على﴾ (٤) القول بنجاسته فهل يُعفى عن يسيره؟ على قولين (ق ١٣ - أ) هما روايتان عن أحمد (٥). قال (٦): ﴿وتنازعوا﴾ (٧) فيما إذا ترك الإمام ما يعتقد المأموم وجوبه، مثل أن يترك قراءة البسملة والمأموم يعتقد وجوبها، أو يمس ذكره ولا يتوضأ والمأموم يرى وجوب الوضوء من ذلك، أو يصلي في جلود الميتة المدبوغة والمأموم يرى أن الدباغ لا يطهر، أو يحتجم ولا يتوضأ والمأموم يرى الوضوء من الحجامة. قال (٦): والصحيح المقطوع به أن صلاة المأموم خلف إمامه صحيحة، وإن كان إمامه مخطئًا في نفس الأمر، لما ثبت في الصحيح (٨) عن النبي

стр. 177

- ﷺ : "يُصَلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم". وذهب إلى أنه يُقنت في الصلوات كلها عند النوازل (١). وذهب إلى (٢) التخيير في وصل (٣) الوتر وفصله، وفي القنوت فيه وتركه، فقال (٤): إذا أوتر بثلاثِ: إن شاء فصل، وإن شاء وصل، ويخير في دعاء القنوت: إن شاء فعله، وإن شاء تركه، وإن صلى قيام رمضان (ق ١٣ - ب) فإن قنت بهم في جميع الشهر فقد أحسن، وإن قنت في النصف الأخير فقد أحسن، وإن ﴿لم يقنت﴾ (٥) بحال فقد أحسن. قال (٦): وقد تنازع ﴿الناس﴾ (٧) هل الأفضل طول القيام أو كثرة الركوع والسجود أو كلاهما (٨) سواء، على ثلاثة أقوال، أصحها أن كليهما (٩) سواء. قال (١٠): وتنازع العلماء في القراءة على الجنازة على ثلاثة أقوالٍ: قيل: لا تُستحب؛ كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك. وقيل: بل يجب فيها قراءة الفاتحة؛ كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي وأحمد.

стр. 178

وقيل: بل قراءة الفاتحة سنة، وإن لم يقرأ بل دعا بلا قراءة جاز؛ وهذا هو الصواب. وذهب إلى أن البسملة آيةٌ من كتاب الله حيث كُتبت، وليست من السورة، وأنه يُقرأ بها سرًّا في الصلاة، وإن جهر بها للمصلحة الراجحة فحسن (١). وذهب إلى أن من كان مداومًا على قيام الليل أغناه عن المداومة على صلاة الضحى؛ كما كان النبي ﷺ يفعل، ومن كان ينام عن قيام الليل فصلاة الضحى بدل قيام الليل أفضل (ق ١٤ - أ) له (٢). وذهب إلى أن القصر والجمع في السفر لا يحتاج إلى نية، وكذلك الجمع بين الصلاتين لا يفتقران إلى نية (٣). وذهب إلى ﴿أن﴾ (٤) الموالاة لا تشترط في الجمع بين الصلاتين (٥). وذهب إلى أن صوم الدهر مكروه، وإن أفطر مع ذلك يوم العيدين وأيام التشريق، وضعَّف قول من حمل صوم الدهر على صيام أيام السنة مع هذه الخمسة تضعيفًا كثيرًا، قال: وأما قوله: "صيام ثلاثة أيام من كل شهر تعدل صيام الدهر" (٦) فمراده أن من فعل هذا حصل له أجر صيام الدهر بتضعيف الأجر دون حصول المفسدة (٧).

стр. 179

قال (١): والجنب يُستحب له الوضوء إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يعاود الوطء، لكن يُكره له النَّوم إذا لم يتوضأ، وقد جاء في بعض الأحاديث أن ذلك كراهية أن تقبض روحه وهو نائم فلا تشهد الملائكة جنازته (٢)، فإن في السنن عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تدخل الملائكة بيتًا

стр. 180

فيه جنب" (١). وقال (٢): ووضوء الجنب يرفع الجنابة الغليظة، وتبقى مرتبة بين المحدث والجنب. وذهب (ق ١٤ - ب) إلى أن نوم الجنب لا ينقض وضوءه المخفف للجنابة (٣). قال (٤): وتنازع العلماء في غسل اليدين قبل الأكل هل يكره أو يستحب؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد، فمن استحب ذلك احتج بحديث سلمان الفارسي: "أنه قال للنبي ﷺ : قرأت في التوراة أن من بركة الطعام الوضوء قبله. فقال: بركة الطعام ﴿الوضوء﴾ (٥) قبله والوضوء بعده" (٦).
следующие страницы →