← Джавами‘

Джавами‘ · id 20647

مجموع رسائل الحافظ ابن عبد الهادي

ابن عبد الهادي

Полный текст (307 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

صدقة الأبدان كالكفارات، ورجح القول بأن سببها (١) البدن لا المال، ثم قال: وعلى هذا القول فلا يجزئ إعطاؤها إلا لمن يستحق الكفارة، وهم الآخذون لحاجة أنفسهم, ولا يعطى منها في المؤلفة ولا الرقاب ولا غير ذلك، وهذا القول أقوى في الدليل (٢). وذهب إلى أن المني طاهرٌ وقطع بذلك (٣). وذهب إلى أن المذي يجزئ فيه النضح، قال: وقد روي عن أحمد أنه طاهر كالمني، و ﴿على﴾ (٤) القول بنجاسته فهل يُعفى عن يسيره؟ على قولين (ق ١٣ - أ) هما روايتان عن أحمد (٥). قال (٦): ﴿وتنازعوا﴾ (٧) فيما إذا ترك الإمام ما يعتقد المأموم وجوبه، مثل أن يترك قراءة البسملة والمأموم يعتقد وجوبها، أو يمس ذكره ولا يتوضأ والمأموم يرى وجوب الوضوء من ذلك، أو يصلي في جلود الميتة المدبوغة والمأموم يرى أن الدباغ لا يطهر، أو يحتجم ولا يتوضأ والمأموم يرى الوضوء من الحجامة. قال (٦): والصحيح المقطوع به أن صلاة المأموم خلف إمامه صحيحة، وإن كان إمامه مخطئًا في نفس الأمر، لما ثبت في الصحيح (٨) عن النبي

стр. 177

- ﷺ : "يُصَلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم". وذهب إلى أنه يُقنت في الصلوات كلها عند النوازل (١). وذهب إلى (٢) التخيير في وصل (٣) الوتر وفصله، وفي القنوت فيه وتركه، فقال (٤): إذا أوتر بثلاثِ: إن شاء فصل، وإن شاء وصل، ويخير في دعاء القنوت: إن شاء فعله، وإن شاء تركه، وإن صلى قيام رمضان (ق ١٣ - ب) فإن قنت بهم في جميع الشهر فقد أحسن، وإن قنت في النصف الأخير فقد أحسن، وإن ﴿لم يقنت﴾ (٥) بحال فقد أحسن. قال (٦): وقد تنازع ﴿الناس﴾ (٧) هل الأفضل طول القيام أو كثرة الركوع والسجود أو كلاهما (٨) سواء، على ثلاثة أقوال، أصحها أن كليهما (٩) سواء. قال (١٠): وتنازع العلماء في القراءة على الجنازة على ثلاثة أقوالٍ: قيل: لا تُستحب؛ كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك. وقيل: بل يجب فيها قراءة الفاتحة؛ كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي وأحمد.

стр. 178

وقيل: بل قراءة الفاتحة سنة، وإن لم يقرأ بل دعا بلا قراءة جاز؛ وهذا هو الصواب. وذهب إلى أن البسملة آيةٌ من كتاب الله حيث كُتبت، وليست من السورة، وأنه يُقرأ بها سرًّا في الصلاة، وإن جهر بها للمصلحة الراجحة فحسن (١). وذهب إلى أن من كان مداومًا على قيام الليل أغناه عن المداومة على صلاة الضحى؛ كما كان النبي ﷺ يفعل، ومن كان ينام عن قيام الليل فصلاة الضحى بدل قيام الليل أفضل (ق ١٤ - أ) له (٢). وذهب إلى أن القصر والجمع في السفر لا يحتاج إلى نية، وكذلك الجمع بين الصلاتين لا يفتقران إلى نية (٣). وذهب إلى ﴿أن﴾ (٤) الموالاة لا تشترط في الجمع بين الصلاتين (٥). وذهب إلى أن صوم الدهر مكروه، وإن أفطر مع ذلك يوم العيدين وأيام التشريق، وضعَّف قول من حمل صوم الدهر على صيام أيام السنة مع هذه الخمسة تضعيفًا كثيرًا، قال: وأما قوله: "صيام ثلاثة أيام من كل شهر تعدل صيام الدهر" (٦) فمراده أن من فعل هذا حصل له أجر صيام الدهر بتضعيف الأجر دون حصول المفسدة (٧).

стр. 179

قال (١): والجنب يُستحب له الوضوء إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يعاود الوطء، لكن يُكره له النَّوم إذا لم يتوضأ، وقد جاء في بعض الأحاديث أن ذلك كراهية أن تقبض روحه وهو نائم فلا تشهد الملائكة جنازته (٢)، فإن في السنن عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تدخل الملائكة بيتًا

стр. 180

فيه جنب" (١). وقال (٢): ووضوء الجنب يرفع الجنابة الغليظة، وتبقى مرتبة بين المحدث والجنب. وذهب (ق ١٤ - ب) إلى أن نوم الجنب لا ينقض وضوءه المخفف للجنابة (٣). قال (٤): وتنازع العلماء في غسل اليدين قبل الأكل هل يكره أو يستحب؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد، فمن استحب ذلك احتج بحديث سلمان الفارسي: "أنه قال للنبي ﷺ : قرأت في التوراة أن من بركة الطعام الوضوء قبله. فقال: بركة الطعام ﴿الوضوء﴾ (٥) قبله والوضوء بعده" (٦).

стр. 181

ومن كرهه قال: هذا خلاف سنة المسلمين فإنهم لم يكونوا يتوضئون قبل الأكل، وإنما هو من فعل اليهود فيُكره التشبه بهم، وأما حديث سلمان الفارسيّ فقد ضعفه بعضهم، وقد يُقال: كان هذا في أول الإسلام لما كان النبي ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يُؤمر فيه بشيءٍ. وقال (١) في أثناء كلامه على مواضع مفيدةٍ: وعلى هذا بُني نزاع العلماء

стр. 182

في صدقة الفطر إذا لم يكن أهل البلد يقتاتون التمر والشعير ﴿فهل يخرجونا من قوتهم كالبر والرز، أو يخرجون من التمر والشعير﴾ (١) لأن النبي ﷺ فرض ذلك، فإن في الصحيحين (٢) عن ابن عمر أنه (ق ١٥ - أ) قال: "فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعيرٍ، على كل صغيرٍ وكبيرٍ، ذكرٍ وأنثى، حرٍّ وعبدٍ من المسلمين"؟ وهذه المسألة فيها قولان للعلماء (وهما روايتان عن أحمد، وأكثر العلماء﴾ (٣) على أنه يُخْرج من قوت بلده، وهذا هو الصحيح، كما ذكر الله ذلك في الكفارة بقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (٤). وقال ﵀: السؤال محرم إلا عند الحاجة إليه، وظاهر مذهب أحمد أنه لو وجد ميتة عند الضرورة ويمكنه السؤال جاز له أكل الميتة، ولا يسأل الناس شيئًا، ولو ترك أكل الميتة ومات ﴿مات﴾ (٥) عاصيًا، ولو ترك السؤال ومات لم يمت عاصيًا، والأحاديث في تحريم السؤال كثيرة جدًّا (٦) نحو بضعة عشر حديثًا في الصحاح والسنن" وفي سؤال الناس مفاسد: الذل لهم، والشرك بهم، والإيذاء لهم، وفيها ظلم نفسه بالذل لغير الله -عز

стр. 183

وجل- وظلم الخلق بسؤالهم أموالهم، قال النبي ﷺ لابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن (ق ١٥ - ب) بالله" (١). قال (٢): اتفقت الأئمة على ثبوت الشفعة في العقار الذي يقبل ﴿القسمة قسمة﴾ (٣) الإجبار، كالقرية والبستان ونحو ذلك، وتنازعوا فيما لا يقبل قسمة الإجبار، وإنما ينقسم بضررٍ أو رد عوضٍ فيحتاج إلى التراضي، هل تثبت فيه الشفعة؟ على قولين مشهورين، هما روايتان عن مالك وعن أحمد بن حنبل: أحدهما: يثبت فيه الشفعة؛ وهو مذهب أبي حنيفة، واختيار بعض أصحاب الشافعي كابن سريج، وطائفة من أصحاب أحمد بن حنبل كأبي الوفاء بن عقيل ﴿وهي رواية﴾ (٤) التهذيب (٥) عن مالك، وهذا القول هو الصواب. والثاني: لا يثبت فيه الشفعة؛ وهو قول الشافعي نفسه، واختيار كثير من أصحاب أحمد ﵃. وقال (٦): على الرجل أن ﴿يعدل﴾ (٧) بين أولاده كما أمر الله ورسوله. ثم

стр. 184

ذكر حديث النُّعمان بن بشير (١)، وقال: لكن إذا خصَّ أحدهما لسببٍ شرير، مثل أن يكون محتاجًا مطيعًا لله، والآخر غني عاصٍ لله يستعين بالمال على المعصية، فإن أعطى من أمر الله ﴿بإعطائه﴾ (٢) ومنع من أمر الله بمنعه؛ فقد أحسن (١٦ - أ) والله أعلم. تم الفصل الأول (٣).

стр. 185

الفصل الثاني قال شيخنا الحافظ ابن عبد الهادي -رحمة الله عليه-: في "القاعدة الزرعية" (١) لم يثبت عن النبي ﷺ أنه كان يجهر بالبسملة، وليس في الصحاح ولا في السنن حديثٌ صحيحٌ صريحٌ بالجهر، والأحاديث الصريحة بالجهر كلها ضعيفة بل موضوعةٌ (٢). وقال (٣) أيضًا: لم يكن النبي ﷺ يدوام على صلاة الضحى باتفاق أهل العلم بسنته، ومن زعم من الفقهاء أن ركعتي الضحى كانت واجبة عليه؛ فقد غلط، والحديث الذي يذكرونه: "ثلاث هن عليَّ فريضةٌ وهن لكم تطوعٌ: الوتر، والنحر (٤)، وركعتا الضحى" (٥) حديثٌ موضوعٌ.

стр. 186

وقال أيضًا في موضع آخر: ضعفه (١). وقال أيضًا في موضع آخر: والحديث الذي يُروى "في الرجل الذي قال: إن امرأتي لا ترد يد لامسٍ" (٢) قد ضعفوه.

стр. 187

وقال في موضع آخر (١): هذا الحديث ضعفه (ق ١٦ - ب) أحمد وغيره، وتأوله بعضهم على أنها لا ترد طالب مالٍ، لكن ظاهر الحديث يدل على خلافه، ومنهم من اعتقد ثبوته وأن النبي ﷺ أمره أن يمسكها مع كونها لا تمنع الرجال، وهذا مما أنكره غير واحدٍ من الأئمة (٢).

стр. 188

قال شيخنا: فواتح السور تناسب خواتمها، وذلك تنايسب مضمون كما أن "البقرة" افتتحت بذكر الكتاب وأنه هدًى للمتقين، وذكر في ذلك الإيمان بما أنزل إلينا وما أنزل على من قبلنا، ووُسطت بمثل ذلك، وختمت بمثل ذلك، قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ... ﴾ (١) إلى آخر السورة، وكان في "البقرة" مخاطبة لجميع الخلق حتى يدخل فيه من لم يؤمن بالرسل عمومًا، ومن أقر بهم خصوصًا، وللمؤمنين بالجميع خصوص الخصوص؛ ففيها خطاب الأصناف الثلاثة. وأما "آل عمران" فالغالب عليها مخاطبة من أقر بالرسل من أهل الكتاب، ومخاطبة المؤمنين، فافتتحها سبحانه بذكر وحدانيته (ق ١٧ - أ) ردًّا

стр. 189

على المشركين من النصارى وغيرهم، وذكر تنزيل الكتاب، وذكر ضلال من اتبع المتشابه، ووسطها بمثل ذلك، وختمها بقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ (١). وأما السور المكية كـ "الأنعام" و"الأعراف" وغيرهما ﴿ففيها مخاطبة﴾ (٢) الناس الذين يدخل فيهم المكذب بالرسل، ولهذا كانت السور مكية في تقرير أصول ( ... ) (٣) اتفق عليها المرسلون، بخلاف السور المدنية؛ فإن فيها مخاطبة أهل الكتاب الذين آمنوا ببعض الكتب، ومخاطبة المؤمنين الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله ما ليس في السور المكية، ولهذا كان الخطاب بـ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مختصًّا بالسور المدنية، وأما الخطاب بـ ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ فالغالب أنه في السور المكية، وربما كان في السور المدنية؛ لأن الخطاب العام يدخل فيه المؤمنون وغيرهم بخلاف الخاص، والأصول تعم ما لا يعم الفروع، وإن كانت الفروع واجبة على الكفار على أصح القولين؛ فإنما ذلك ليعاقبون (٤) عليها في الآخرة، وأما ﴿كون﴾ (٥) (ق ١٧ - ب) الكافر يؤمر بعمل الفروع قبل الإيمان فلا. و"سورة النساء" والغالب عليها مخاطبة الناس في الصلات التي بينهم بالنسب والعقد وأحكام ذلك، فافتتحها الله سبحانه بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ لعموم أحكامها وقال: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا

стр. 190

زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (١)، فذكر اشتراك جميع الناس في الأصل، وأمرهم بتقوى الله الذي ﴿به﴾ (٢) يتعاقدون ويتعاهدون؛ فإن كل واحدٍ من المتعاقدين يطلب من الآخر ما قصده بالعقد، وهو بالله يعقده؛ إذ قد جعلوا الله عليهم كفيلا، وبصلة الأرحام التي خلقها الله كما جمع بينهما في قوله : ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ (٣)، وفي قوله : ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ (٤). (ق ١٨ - أ) وأما "سورة المائدة" فإنَّها سورة العقود -وهي العهود والمواثيق- التي يعقدها بنو آدم بينهم وبين ربهم، ويعقدها بعضهم لبعضٍ، مثل عقد الإيمان وعقد الأيمان، فأمر الله بالوفاء بالعهود، والوفاء بالعهود من صفات الصادقين دون الكاذبين، وختم السورة بما يناسب ما فيها فقال: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٥) الآية، فالموفون بالعقود صادقون؛ فنفعهم الصدق بالوفاء يوم القيامة بما وعدهم من الكرامة، ثم تكلم على الوفاء بالعهد. وقال: وهذه سورة "المائدة" للمؤمنين أمرهم فيها بالوفاء بالعقود، وذكَّرهم فيها بنعمته، كما قال تعالى لبني إسرائيل: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي

стр. 191

أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ (١) فذكر النعم التي توجب الشكر، والوفاء بالعقود يحتاج إلى الصبر، ولا بد أن يكون صبارًا أو شكورًا؛ كما قال في أثناء السورة بعد آية الطهارة: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (٢). (ق ١٨ - ب) قال: فلما كان هذا فاتحة السورة كان من مضمونها الشريعة والمنهاج التي جعلها لأهل القرآن، فبين لهم من تفصيل أمره ونهيه الذي جعل الله لهم شرعة ومنهاجًا في هذه السورة ما وجب عليهم الوفاء به؛ لأجل إيمانهم الذي هو عقد يوجب عليهم طاعة الله ورسله واتباع كتابه، ولهذا رُوي عن النبي ﷺ : "إن سورة المائدة آخر القرآن نزولًا؛ فأحلوا حلالها وحرموا حرامها" (٣)، وعن أبي ميسرة: "إن فيها بضع عشرة شريعة ليست في غيرها" (٤). لما أمرهم الله أن يوفوا بالعهود المتناولة لعقوده التي وجب عليها (٥) بالإيمان به، بيَّن ما أمر به وبيَّن ما نهى عنه، وما حلله وما حرمه،

стр. 192

ليبين أن الوفاء بالعقود باتباع هذا الأمر والنهي والتحليل والتحريم؛ فقال: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ .... ﴾ (١) الآيات، فأحل لهم بهيمة الأنعام بشرط أن لا تحلوا الصيد وأنتم حرم، ونهاهم عن إحلال شعائره وما معها (ق ١٩ - أ) وأحل لهم الصيد بعد الإحرام، ونهاهم عن أن يحملهم بغض قوم يمنعوهم (٢) ( ... ) (٣) الدين أن يعتدوا، وأمرهم كلهم جمعة أن يتعاونوا على البر والتقوى، ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان. ثم فصَّل لهم ما حرم عليهم، كالميت حتف أنفه أو لسببٍ غير الذكاة، واستثنى من ذلك ما أدركوه حيًّا فذكره، وذكر ما ذُبح على النصب والاستقسام بالأزلام (وذلك يتضمن طلب العبد (٤) قسمته وما قُدر له فيما يريد أن يفعله ليكون مؤتمرًا مزجرًا (٥) عن الأزلام) (٦)، أو فيما لا يريد أن يفعله فيتضمن اعتقاده لما يكون عن الأزلام؛ فإن المستقسم بالأزلام يعتقد ما دلت عليه من خيرٍ أو شرٍّ فيما يفعله فيفعل أو يترك، وفيما لا يفعل (فيعتقد أن ما رجوه ومخافه) (٢) وذلك خروج فسق، وهو خروج عن طاعة الله فيما أمر به من الاستغفار والتوكل (ق ١٩ - ب) عليه. ثم تكلم على الطيرة والفأل، وأنواع الاستقسام بالأزلام، وتكلم أيضًا على السحرة والنجوم وعلى الكسوف.

стр. 193

وقال في أثناء كلامه: فلولا أن الكسوف والخسوف قد يكونان سببا تلفٍ (١) وعذابٍ لم يصح التخويف بهما، وكذلك سائر الآيات المخوفة: كالريح الشديدة، والزلزلة، وسائر الكواكب، وغير ذلك؛ ولهذا يُسمي العلماء الصلاة المشروعة ﴿عند﴾ (٢) ذلك صلاة الآيات، وفي صلاة قد صلاها النبي ﷺ بركوعين طويلين وسجودين طويلين (٣)، ولم يُصَلِّ قط صلاة في جماعة أطول من صلاة الكسوف، ويُصلى أيضاً عند بعض العلماء -وهو المنصوص عن أحمد ﴿عند﴾ (٤) الزلزلة، ويُصلى أيضاً عند محققي أصحابه لجميع الآيات، كما دل على ذلك السنن والآثار، وهذه صلاة ﴿رهبةٍ﴾ (٥) وخوف كما أن صلاة الاستسقاء صلاة ﴿رغبةِ ورجاءٍ، وقد أمر الله عباده أن يدعوه﴾ (٦) خوفاً وطمعًا. ثم قال الشيخ -رحمه الله تعالى-: لما ذكر ما حرم عليهم ذكر ما أحل لهم (ق ٢٠ - أ) ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٧) فأمر بالأكل مما أمسكن علينا (٨) الجوارح (٩) التي علمنا مكلبين،

стр. 194

ونذكر اسم الله عليه، وهذه اعتبار لثلاثة: أحدها: أن يكون الخارج الجارح (١) مُعَلَّمًا، فما ليس بمعلَّمٍ لم يدخل في ذلك. الثاني: أن يمسك علينا فيكون بمنزلة الوكيل من عبدٍ وغيره، وهذا لا يكون إلا إذا استرسل بإرسال الصيد، ومن تمام الإمساك علينا أن لا يأكل منه؛ فإذا أكل فقد يكون الإمساك على نفسه لا علينا، فيكون فعله وتصرفه بغير طريق الوكالة، ثم ذكر حديث عدي بن حاتم (٢) وأطال الكلام في ذلك. لما تكلم على التمتع والإفراد والقران وما الأفضل ﴿قال﴾: (٣) والتحقيق أنه يتنوع باختلاف حال الحاج، فإن كان يسافر سفرة العمرة وسفرة أخرى للحج، أو يسافر إلى مكّة قبل أشهر الحج ويقيم بها حتى (ق ٢٠ - ب) يحج فهذا الإفراد له أفضل باتفاق الأئمة الأربعة، وأما إذا فعل ما يفعله غالب الناس، وهو أن يجمع بين الحج والعمرة في سفرة واحدة ويقدم مكة في أشهر الحج، فهذا إن ساق الهدي فالقران أفضل له، وإن لم يسق الهدي فالتحلل من إحرامه بعمرة أفضل (٤).

стр. 195

وكان ﵀ يذهب إلى أن الأفضل أن ﴿يسوق﴾ (١) الهدي ويكون قارنًا؛ لأن النبي ﷺ هكذا فعل (٢). قال (٣): فإذا أراد الإحرام فإن كان قارنًا قال: "لبيك عمرة وحجًّا"، وإن كان متمتعًا قال: "لبيك عمرة ﴿متمتعًا بها إلى الحج"، وإن كان مفرداً قال: "لبيك حجة"، أو قال: "اللَّهم إني أوجبت عمر﴾ (٤) وحجًّا". أو "أوجبت عمرة وأوجبت حجًّا"، أو "أوجبت عمرة أتمتع بها إلى الحج" أو قال: "اللَّهم إني أريد العمرة أتمتع بها إلى الحج"، أو قال: "اللَّهم أريد العمرة وأريد الحج"، أو "أريدهما"، أو "أريد التمتع بالعمرة إلى الحج" فمهما قال من ذلك أجزأه باتفاق الأئمة ليس في ذلك عبارة (ق ٢١ - أ) مخصوصة، ولا يجب شيءٌ من هذه العبارات باتفاق الأئمة، ولا يجب عليه أن يتكلم قبل التلبية بشيءٍ. ولكن تنازع العلماء هل يستحب أن يتكلم بذلك كما تنازعوا هل يستحب التلفظ بالنية في الصلاة؟ والصواب المقطوع به أنه لا يستحب شيء من ذلك. فقال (٥) في قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (٦)،

стр. 196

الرفث: اسم الجماع قولاً وعملاً، والفسوق: المعاصي كلها، والجدال على هذه القراءة يعني: قراءة الرفع - هو المراء في الحج؛ فإن الله قد أوضحه وبيَّنه وقطع المراء فيه، كما كانوا في الجاهلية يتمارون في أحكامه، وعلى القراءة بالنصب قد يفسر بهذا المعنى أيضاً، وقد فسروها بأن ﴿لا يماري الحاج أحدًا﴾ (١)، والتفسير الأول أصح. قال (٢): ولا يكون الرجل محرمًا بمجرد ما في قلبه (من قصد الحج ونيته؛ فإن القصد ما زال (ق ٢١ - ب) في قلبه) (٣) منذ خرج من بلده، بل لا بد من قولٍ أو عملٍ يصير ﴿به﴾ (٤) محرمًا، هذا هو الصحيح من القولين. قال (٥): ويُستحب أن يُحْرِم عقيب صلاةٍ إما فرض وإما تطوع إن كان ﴿وقت﴾ (٤) صلاة في أحد القولين، وفي الآخر إن كان يصلي فرضًا أحرم عقيبه، وإلا فليس للإحرام صلاة تخصه، وهذا أرجح. قال (٦): والأفضل أن يُحْرِم في نعلين إن تيسر له، فإن لم يجد نعلين لبس خفين، وليس عليه أن يقطعهما دون الكعبين ﴿ولهذا كان الصحيح أنه يجوز أن يلبس ما دون الكعبين﴾ (٧) مثل الخف المكعب والجمجم والمداس

стр. 197

ونحو ذلك سواء إن كان واجدًا النعلين أو فاقدًا لهما. وذهب إلى أنه يجوز للمحرم أن يعتقد الرداء إذا احتاج إلى ذلك (١). قال (٢): وله أن يستظل تحت ﴿السقف والشجر﴾ (٣) ويستظل بالخيمة ونحو ذلك باتفاقهم، وأما الاستظلال بالمحمل كالمحارة التي لها رأس في حال السير فهذا فيه نزاع، والأفضل للمحرم أن يضحي لمن أحرم؛ كما كان النبي ﷺ (ق ٢٢ - أ) ﴿وأصحابه﴾ (٤) يحجون، وقد رأى ابن عمر رجلاً ظلل عليه، فقال: "أيها المحرم أضح لمن أحرمت له، ولهذا كان السلف يكرهون القباب على المحامل ﴿وهي المحامل التي لها رأس، وأما المحامل﴾ (٤) المكشوفة فلم يكرهها إلا بعض النساك. قال (٥): لو غطت المرأة وجهها بشيء لا يمس الوجه جاز بالاتفاق، وإن كان يمسه فالصحيح أنه يجوز أيضاً، ولا تكلف المرأة أن تجافي سترتها عن الوجه لا بعودٍ ولا يدها ولا غير ذلك. قال (٦): والفدية: صيام ثلاثة أيام، أو نسك شاة، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مدُّ برٍّ، أو نصف صاع تمرٍ أو شعيرٍ، وإن أطعم خبزاً جاز، ويكون رطلين بالعراقي قريبًا من نصف رطل بالدمشقي، وينبغي أن يكون مأدومًا، وإن أطعمه مما يأكل كالبقسماط والرقاق ونحو ذلك جاز، وهو أفضل من أن يعطيه قمحًا أو شعيراً.

стр. 198

قال (١): وإذا لبس ثم لبس مرات ولم يكن أدى الفدية أجزأته فدية واحدة (٢٢ - ب) في أظهر قولي العلماء. قال (٢): وفيما ينهى عنه المحرم أن يتطيب بعد الإحرام في بدنه أو ثيابه، أو يتعمد شم الطَّيِّب، وأما الدهن في رأسه أو بدنه بالزيت أو السمن ونحوه ﴿إذا لم يكن﴾ (٣) فيه طيب ففيه نزاع مشهور، وتركه أولى. قال (٤): وله أن يحتجم، وإن احتاج ﴿إن﴾ (٥) يحلق شعراً ﴿لذلك﴾ (٦) جاز؛ فإنه قد ثبت في "الصحيح" (٧) "أن النبي ﷺ احتجم في وسط رأسه وهو محرم، ولا يمكن ذلك إلا مع حلق بعض الشعر، وكذلك إذا اغتسل وسقط شيء من شعره بذلك لم يضره، وإن تيقن أنه انقطع بالغسل. قال (٨): ولا يصطاد بالحرم صيداً وإن كان من الماء كالسمك على الصحيح. قال (٩): والحرم المجمع عليه حرم مكة، وأما المدينة فلها حرم أيضاً عند الجمهور، ولم يتنازع (١٠) المسلمون في حرم ثالث إلا في "وَجٍّ" - وهو وادٍ

стр. 199

بالطائف - وهو عند بعضهم حرم، وعند الجمهور ليس بحرم. قال (١): وللمحرم أن يقتل ما يُؤذي بعادته (ق ٢٣ - أ) الناس كالحية والعقرب والفأرة والغراب والكلب العقور، وله أن يدفع ما يؤذيه من الآدميين والبهائم حتى لو سأل عليه أحد ولم يدفع عنه إلا بالقتال قاتلهم، وإذا ﴿قرصته﴾ (٢) البراغيث أو القمل فله إلقاؤها عنه، وله قتلها، ولا شيء عليه، وأما التفلي بدون التأذي فهو من الترفه فلا يفعله، ولو فعله فلا شيء عليه. قال (٣): ولو وضع يده على الشاذروان الذي تُربط عليه أستار الكعبة لم ﴿يضره﴾ (٤) في أصح قولي العلماء، وليس الشاذروان ﴿من البيت﴾ (٥) بل جُعل عماداً للبيت. وذكر الاختلاف في اشتراط الطهارة للطواف، ثم قال (٦): ولا يجوز لحائض أن تطوف إلا طاهراً إذا أمكنها ذلك باتفاق العلماء، ولو قدمت المرأة حائضًا لم تطف بالبيت، لكن تقف ﴿بعرفة﴾ (٧) وتفعل سائر المناسك مع الحيض إلا الطواف فإنها تنتظر حتى تطهر إن أمكونها ذلك ثم تطوف، وإن اضطرت إلى الطواف (ق ٢٣ - ب) فطافت أجزأها على الصحيح من قولي العلماء.

стр. 200

وقال (١) أيضاً: قوله "الطواف بالبيت صلاة" لم يثبت عن النبي ﷺ ، ولكن هو ثابت عن ابن عباس، وقد روي مرفوعًا (٢). قال (٣): ويجوز الوقوف بعرفة راكبًا وماشيًا، وأما الأفضل فيختلف باختلاف الناس؛ فإن كان ممن إذا ركب رآه الناس لحاجتهم ﴿إليه﴾ (٤) أو كان يشق عليه (٥) ترك الركوب وقف راكباً؛ فإن النبي ﷺ وقف راكباً، هكذا ﴿الحج﴾ (٦) فمن الناس من يكون حجه راكباً أفضل، ومنهم من يكون حجه

стр. 201

ماشيًا أفضل. قال (١): والعلماء في التلبية على ثلاثة أقوال: فمنهم من يقول بقطعها إذا وصل إلى عرفة. ومنهم من يقول يلبي بعرفة وغيرها إلى أن يرمي الجمرة. والقول الثالث: أنه إذا أفاض من عرفة إلى مزدلفة لبى، وإذا أفاض من مزدلفة إلى منى لبى حتى يرمي جمرة العقبة، كذا صح عن النبي ﷺ ، وأما التلبية ﴿في وقوفه﴾ (٢) بعرفة ومزدلفة فلم (ق ٢٤ - أ) يُنقل عن النبي ﷺ و (عن الخلفاء وغيرهم أنهم كانوا لا يلبون بعرفة) (٣). قال (٤): وكل ما ذُبح بمنى وقد سيق من الحل إلى الحرم فإنه هدي سواء كان من الإبل أو البقر أو الغنم، ويُسمى أيضاً أضحية، بخلاف ما يُذبح يوم النحر بالحل؛ فإنه أُضحية وليس بهدي، وليس بمنى ما هو أضحية وليس بهدي كما هو في سائر الأمصار؛ فإذا اشترى الهدي من عرفات وساقه إلى منى فهو هدي باتفاق العلماء، وكذلك إذا اشتراه من الحرم فذهب به إلى التنعيم، وأما إذا اشتراه من منى وذبحه بها ففيه نزاع، فمذهب مالك أنه ليس بهدي، وهو منقول عن ابن عمر، ومذهب الثلاثة أنه هدي، وهو منقول عن عائشة. قال (٥): وليس على المفرد إلا سعي واحد، وكذلك القارن عند جمهور

стр. 202

العلماء، وكذلك المتمتع في أصح القولين، وهو أصح الروايتين عن أحمد، أنه ليس عليه إلا سعي واحد. قال (١): ولا يُستحب للمتمتع (ق ٢٤ - ب) ولا غيره أن يطوف للقدوم بعد التعريف. وذكر شيخنا الخلاف في خلق الأرواح قبل الأبدان، قال: والصحيح الذي عليه الجمهور أن أرواح الناس إنما برأها الله حين ينفخ الروح في الجنين. وقال شيخنا في أثناء كلامه: وقوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (٢) ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (٣) ونحو ذلك يتناول كل إنسان، فمن قال إن في بني آدم قومًا عقلاء يجحدون كل العلوم، فقد غلط، كما توهمت طائفة من أهل الكلام من الناس طائفة -يقال لهم: السوفسطائية- يجحدون كل علمٍ أو كل موجودٍ، أو يقفون ويسكتون، أو يجعلون الحقائق تابعة للعقائد، ولكن هذه الأمور قد تعرض لبعض الناس في بعض الأشياء. وقال في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ (٤) وقال تعالى في الإنسان: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (٥) وذلك لأن البيان شامل لكل إنسان بخلاف تعليمهم القرآن؛ فإنه خاص بمن يعلمه، لا كل (٦) إنسان، وأيضًا فإن القرآن

стр. 203

علمه الملك قبل الإنسان؛ فإن جبريل (ق ٢٥ - أ) أخذه عن الله، ثم جاء به إلى محمد ﷺ . قال: والبيان الذي علمه الإنسان يتناول علمه بقلبه ونطقه بلسانه. ثم تكلم على البيان فإن الشافعي وغيره قسموه أقسامًا، وأطال الكلام. ثم تكلم على قوله تعالى ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (١): فقال عامة السلف والخلف: المراد بالنجدين طريق الخير والشر، وضعف قول من قال المراد بهما الثديان فقط، وضعَّف إسناده علي (٢) وغيره، وضعف أيضاً قول من قال: المراد التنويع ﴿فهدى﴾ (٣) قومًا لطريق الخير، وقومًا لطريق الشر. ﴿وضعَّف﴾ (٤) شيخنا قول من قال: إن "ما" مصدرية في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٥) تضعيفًا كثيراً (٦)، وقال: فهذا المعنى وإن كان

стр. 204

صحيحًا فلم يرد بهذه الآية. وتكلم شيخنا على قوله تعالى: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ (١) وذكر الاختلاف في التمييز هل يجوز أن يكون معرفة أم يتعين أن يكون نكرة، واختار أنه قد يقع معرفة وجعل منه هذا (ق ٢٥ - ب) الموضع وغيره. قال: وقد يكون المنصوب على التمييز معرفة، وهذا لم يعرفه البصريون ولم يذكره سيبويه وأتباعه (٢). وقال أيضاً: لما تكلم على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ (٣) ويتوجه في هذا ما قاله الكوفيون في المميز إذا كان معرفة ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ (٤) ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ (٥) و ( ... ) (٦) ونحو ذلك؛ فإنهم يقولون: صدق وعده، كقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ (٧) ومنه قول النبي ﷺ : "صدق الله وعده ونصر عبده" (٨) والأصل أن يجعل الصدق للوعد

стр. 205

كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ (١) فلما جُعل للشخص نصب الوعد على التفسير. قال في أثناء كلامه: ولو كان الوعد في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ (٢) مفعولاً ثانيًا، لقيل الوعد مصدوق أو مصدوق الوعد، كما يقال الدرهم معطى، والله -تعالى- قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ (١) لم يقل مصدوق الوعد. وتكلم على قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ (٣) (ق ٢٦ - أ) كلامًا جليلاً وجعله نظير ما تقدم من الانتصاب على التمييز، والمعنى ما كذبت رؤيته، بل الرؤيا التي رآها كانت صادقة.

стр. 206

فصل تكلم شيخنا على قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ (١) وعلى قوله تعالى: ﴿أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢)، وحكى عن بعضهم أن المعنى تخونونها بارتكاب ما حرم عليكم. قال (٣): فجعل الأنفس مفعول يختانون، وجعل الإنسان قد خانها, أي: ظلمها. قال: وهذا فيه نظر؛ فإن كل ذنب يذنبه الإنسان فقد ظلم فيه نفسه، سواء فعله سرًّا أو علانية، وإن كان اختيان النفس هو ظلمها وارتكاب ما حرم عليها ﴿كان كل﴾ (٤) مذنبٍ مختانًا لنفسه؛ وإن جهر بالذنوب، ومعلوم أن هذا اللفظ إنما استعمل في خاص من الذنوب فيما يُفعل سرًّا. قال (٥): ولفظ الخيانة حيث استعمل (ق ٢٦ - ب) لا يُستعمل إلا فيما خفي عن المخون كالذي يخون أمانته فيخون من ائتمنه إذا كان لا يشاهده. إلى أن قال (٦): فإذا كان كذلك فالإنسان ﴿كيف﴾ (٤) يخون نفسه، وهو لا يكتمها ما يفعله، ولا يفعله سرًّا عنها كما يخون من لا يشاهده؟ قال: والأشبه -والله أعلم- أن يكون قوله تعالى: ﴿يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ (١)، مثل قوله: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ (٧)، وقد ذهب الكوفيون

стр. 207

وابن قتيبة أن مثل هذا منصوب على التمييز وإن كان معرفة، وقد ذكروا لذلك شواهد كثيرة من كلام العرب، مثل قولهم: آلم فلان رأسه، ووجع بطنه، ورشد أمره. ومنه قوله تعالى: ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ (١) فالمعيشة نفسها بطرت، وقوله: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ (٢) معناه: سفهت نفسه -أي: كانت سفيهة- فلما أضاف الفعل إليه نصبها على التمييز، وهذا الذي قاله الكوفيون أصح في اللغة والمعنى، فإن الإنسان هو السفيه نفسه، كما قال (ق ٢٧ - أ) تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ (٣) كذلك قوله: ﴿تَخْتَانُونَ أَنفسَكُمْ﴾ (٤) , أي ﴿تختان﴾ (٥) أنفسكم، فالأنفس هي التي اختانت كما أنها السفيهة، وقال "اختانت" ولم يقل "خانت" لأن الافتعال ﴿فيه زيادة فعل على ما في﴾ (٦) مجرد الخيانة. قال (٧) في أثناء كلامه: أو يكون قوله: ﴿تَخْتَانُونَ أَنفُسَكمْ﴾ (٤)؛ أي يخون بعضكم بعضًا، كقوله: ﴿فَاقْتُلُوأ أَنفُسَكمْ﴾ (٨)، فإن السارق وأقوامه خانوا إخوانهم المؤمنين، والمجامع إذا ﴿كان﴾ (٩) جامع امرأته وهي لا تعلم أنه حرام؛ فقد خانها. قال: والأول أشبه، والنفس هي ﴿التي﴾ (١٠) خانت؛ فإنها تحب الشهوة

стр. 208

والمال والرياسة، وخان واختان مثل كسب واكتسب، فجعل الإنسان مختانًا، ثم بيَّن أن النفس هي التي تختان، كما أنها هي التي تسفه ﴿لأن﴾ (١) مبدأ ذلك ﴿من﴾ (٢) شهوتها ليس هو مما ﴿يأمر به العقل والرأي﴾ (٣) ومبدأ السفه منها لخفتها وطيشها، والإنسان (تارة تغلبه نفسه في السر على هواه) (٤) بأمورٍ ينهاها عنه العقل (ق ٢٧ - ب) والدين، فتكون نفسه (اختانت عليه) (٥) وغلبته، وهذا يوجد كثيراً في أمر الجماع وأمر المال، ولهذا لا يؤتمن على ذلك أكثر الناس، ويقصد بالائتمان من لا تدعوه نفسه إلى الخيانة في ذلك، قال سعيد بن المسيب: "لو اؤتمنت على بيت المال لأديت الأمانة، ولو اؤتمنت على امرأةٍ سوداء حبشيةٍ لخشيت أن لا أؤدي الأمانة فيها". وكذلك المال لا يؤتمن عليه أصحاب الأنفس الحريصة على أخذه كيف اتفق. وتكلم شيخنا على قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ (٦)، واختار أن المعنى أن يكون النبي قُتِل (٧) وأن من معه من الربيين (٨) لم يهنوا بعد قتله، وضعَّف قول من قال إن الربيين (٨) يهنوا بعد قتله، وضعَّف قول

стр. 209

من قال: إن الربيين قُتلوا تضعيفًا كثيراً من عدة وجوهِ، والربيون هم الجماعة الكثيرة، قال: وقوله (ق ٢٨ - أ): ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ صفة للنبي لا حالاً (١). قال: وحذف الواو في مثل هذا دليل على أنها صفة بعد صفة ليست حالاً، وبهذا يظهر كمال المعنى وحسنه، فإن قوله: ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أي هم يتبعونه سواء كانوا معه حين قتل أو لم يكونوا، والمعنى على الأول؛ لأن المقصود جميع أتباع النبي ﷺ لم يرتدوا لا من شهد مقتله ولا من غاب، فإن المقصود أن قَتْل النبي لا يُغير الإيمان من قلوب أتباعه. وقال بعد أن ذكر قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ (٢) قال: وهذا أشكل على بعض الناس، فيقول: الرسل قد قُتل بعضهم فكيف يكونون منصورون (٣)؟ فيقال: القتل إذا كان على وجهٍ فيه عزة الدين وأهله كان هذا من كمال النصر، فإن الموت لا بد منه، فإذا مات ميتة يكون بها سعيداً في الآخرة فهذا غاية النصر (ق ٢٨ - ب) كما كان حال نبينا ﷺ ، فإنه استشهد طائفة من أصحابه فصاروا إلى أعظم كرامةٍ، ومن بقي كان عزيزاً منصوراً، وكذلك كان الصحابة يقولون للكفار: أخبرنا نبينا أن من قُتل منا دخل الجنة، ومن عاش منا ملك رقابكم. فالمقتول إذا قُتل على هذا الوجه كان ذلك من تمام نصره ونصر أصحابه، ومن هذا الباب حديث الغلام الذي رواه مسلم (٤) لما اتبع دين الراهب وترك دين الساحر، وأرادوا قتله مرةً بعد مرةٍ لم يطيقوا

стр. 210

حتى علمهم ﴿كيف﴾ (١) يُقتل، ولما قُتل آمن الناس كلهم، فكان هذا نصراً لدينه، ولهذا لما قُتل عمر بن الخطاب شهيدًا بين المسلمين قُتل قاتله، وعثمان لما قتل شهيداً قتل قتلته، وانتصرت طائفة، وكذلك علي لما قتله الخوارج مستحلين قتله كانوا ممن أمر الله ورسوله بقتالهم، وكانوا مقهورين مع أهل السنة والجماعة (ق ٢٩ - أ) فلم يمنع ذلك عز الإسلام وأهله، لا سيما والنبيون الذين قتلوا كان الله ينتقم ممن قتلهم حتى يُقال: إنه قُتل على دم يحيى بن زكريا سبعون ألفًا. وأطال شيخنا الكلام على الأسباط، وضعَّف قول من قال إنهم أولاد يعقوب لصلبه، واختار أنهم لم يكونوا أنبياء، وأن الأسباط أمم بني إسرائيل، وإنما سموا بالأسباط ﴿من عهد﴾ (٢) موسى ﵇ وذهب

стр. 211

إلى أنه لم يكن بين موسى -لبني إسرائيل- ويوسف نبي، قال: والقرآن يدل

стр. 212

على أن أهل مصر لم يأتهم نبي بعد يوسف. وقال شيخنا (١): الصواب أن الحج فُرِضَ سنة تسع أو عشر. وقال في "شمول النصوص الأحكام" (لما تكلم شركًا له في عبد) (٢): وتنازعوا هل يسري ﴿العتق﴾ (٣) عقب العتاق أو لا يعتق حتى يؤدي الثمن؟ على قولين مشهورين، والأول هو المشهور في مذهب الشافعي وأحمد، والثاني (ق ٢٩ - ب) قول مالك، وقول في مذهب الشافعي وأحمد، وهو الصحيح في الدليل. وقال (٤) في موضع آخر: من غلب على ماله الحلال جازت معاملته كما ذكره أصحاب الشافعي وأحمد، وإن غلب الحرام فهل معاملته محرمة أو

стр. 213

مكروهة؟ على وجهين. قال (١): وللعلماء قولان في الدراهم هل تتعين بالتعيين في العقود والقبوض حتى في الغصب والوديعة؟ فقيل: تتعين مطلقًا، كقول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين الراتبة (٢). وقال (٣): من كان بينهما مال لا يقبل القسمة -كحيوان وآنية ونحو ذلك- فإذا طلب أحد الشريكين بيعها وقسمة الثمن أجبر الآخر على ذلك عند جمهور العلماء، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد، وذكر بعض المالكية أن هذا إجماع؛ لأن حق الشريك في نصف قيمة الجميع لا في قيمة النصف. وقال (٤) في أثناء كلامه: قال: "ابن مسعود سئل عن رجل يعامل بالربا إذا أضاف غيره، قال: (ق ٣٠ - أ) كل فإن مهنأه لك وحسابه ﴿عليه﴾ (٥) ". قال شيخنا (٦): أما من ترك الصلاة جاهلًا بوجوبها مثل من أسلم في دار الحرب ولم يعلم أن الصلاة واجبة عليه، فهذه المسألة للفقهاء فيها ثلاثة أقوال، وجهان في مذهب أحمد: أحدها: عليه الإعادة مطلقًا، وهو قول الشافعي، وأحد الوجهين في

стр. 214

مذهب أحمد. والثاني: عليه الإعادة إذا تركها بدار ﴿الإسلام دون دار﴾ (١) الحرب، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأن دار الحرب دار ﴿جهل﴾ (٢). يعذر به، بخلاف دار ﴿الإسلام﴾ (٣). الثالث: لا إعادة عليه مطلقًا، وهو الوجه الثاني في مذهب أحمد وغيره. وأصل هذين الوجهين أن حكم الشارع هل يثبت في حق المكلف قبل بلوغ الخطاب له؟ فيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره: أحدها: يثبت مطلقًا. والثاني: لا يثبت مطلقًا. والثالث: يثبت حكم الخطاب المبتدأ دون الخطاب الناسخ، كقضية أهل قباء، وكالنزاع المعروف (ق ٣٠ - ب) في الوكيل إذا عُزل، فهل يثبت حكم العزل في حقه قبل العلم؟ وعلى هذا لو ترك الطهارة الواجبة لعدم بلوغ النص: مثل أن يأكل لحم الإبل ولا يتوضّأ ثم يبلغه النص، ويتبين له وجوب الوضوء، أو يصلي في أعطان الإبل، ثم يبلغه ويتبين له النص فهل عليهم إعادة ما مضى؟ فيه قولان هما روايتان من أحمد، ونظيره أن يمس ذكره ويصلي ثم يتبين له ﴿وجوب﴾ (٤) الوضوء من مس الذكر. والصحيح في هذه المسائل عدم وجوب الإعادة؛ لأن الله -تعالى- عفا

стр. 215

عن الخطأ والنسيان؛ ولأنه قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١) فمن لم يبلغه أمر الرسول في شيء معين لم يثبت حكم وجوبه عليه، ولهذا لم يأمر الرسول ﷺ عمر وعماراً لما أجنبا - فلم يصل عمر وصلى عمار بالتمرغ (٢) - أن يعيد واحد منهما (٣)، وكذلك لم يأمر (ق ٣١ - أ) أبا ذر لما كان يجنب ويمكث ﴿أيامًا﴾ (٤) لا يصلي (٥)، وكذلك لم يأمر من أكل من الصّحابة حتى يتبين الحبل الأبيض من الحبل الأسود بالقضاء (٦)، كما لم يأمر من صلى إلى بيت المقدس قبل بلوغ النسخ لهم بالقضاء. ومن هذا الباب المستحاضة إذا مكثت مدة لا تصلي لاعتقادها عدم وجوب الصلاة عليها، ففي وجوب القضاء عليها قولان: أحدهما: لا إعادة عليها، كما نُقل عن مالك وغيره؛ لأن المستحاضة التي قالت للنبي ﷺ : "إني أستحاض حيضة شديدة منكرة منعتني الصلاة والصيام" (٧) ﴿أمرها﴾ (٤) بما يجب في المستقبل، ولم يأمرها بقضاء الماضي.
следующие страницы →