إلى أنه لم يكن بين موسى -لبني إسرائيل- ويوسف نبي، قال: والقرآن يدل
стр. 212
على أن أهل مصر لم يأتهم نبي بعد يوسف.
وقال شيخنا (١): الصواب أن الحج فُرِضَ سنة تسع أو عشر.
وقال في "شمول النصوص الأحكام" (لما تكلم شركًا له في عبد) (٢): وتنازعوا هل يسري ﴿العتق﴾ (٣) عقب العتاق أو لا يعتق حتى يؤدي الثمن؟ على قولين مشهورين، والأول هو المشهور في مذهب الشافعي وأحمد، والثاني (ق ٢٩ - ب) قول مالك، وقول في مذهب الشافعي وأحمد، وهو الصحيح في الدليل.
وقال (٤) في موضع آخر: من غلب على ماله الحلال جازت معاملته كما ذكره أصحاب الشافعي وأحمد، وإن غلب الحرام فهل معاملته محرمة أو
стр. 213
مكروهة؟ على وجهين.
قال (١): وللعلماء قولان في الدراهم هل تتعين بالتعيين في العقود والقبوض حتى في الغصب والوديعة؟ فقيل: تتعين مطلقًا، كقول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين الراتبة (٢).
وقال (٣): من كان بينهما مال لا يقبل القسمة -كحيوان وآنية ونحو ذلك- فإذا طلب أحد الشريكين بيعها وقسمة الثمن أجبر الآخر على ذلك عند جمهور العلماء، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد، وذكر بعض المالكية أن هذا إجماع؛ لأن حق الشريك في نصف قيمة الجميع لا في قيمة النصف.
وقال (٤) في أثناء كلامه: قال: "ابن مسعود سئل عن رجل يعامل بالربا إذا أضاف غيره، قال: (ق ٣٠ - أ) كل فإن مهنأه لك وحسابه ﴿عليه﴾ (٥) ".
قال شيخنا (٦): أما من ترك الصلاة جاهلًا بوجوبها مثل من أسلم في دار الحرب ولم يعلم أن الصلاة واجبة عليه، فهذه المسألة للفقهاء فيها ثلاثة أقوال، وجهان في مذهب أحمد:
أحدها: عليه الإعادة مطلقًا، وهو قول الشافعي، وأحد الوجهين في
стр. 214
مذهب أحمد.
والثاني: عليه الإعادة إذا تركها بدار ﴿الإسلام دون دار﴾ (١) الحرب، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأن دار الحرب دار ﴿جهل﴾ (٢). يعذر به، بخلاف دار ﴿الإسلام﴾ (٣).
الثالث: لا إعادة عليه مطلقًا، وهو الوجه الثاني في مذهب أحمد وغيره.
وأصل هذين الوجهين أن حكم الشارع هل يثبت في حق المكلف قبل بلوغ الخطاب له؟ فيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره:
أحدها: يثبت مطلقًا.
والثاني: لا يثبت مطلقًا.
والثالث: يثبت حكم الخطاب المبتدأ دون الخطاب الناسخ، كقضية أهل قباء، وكالنزاع المعروف (ق ٣٠ - ب) في الوكيل إذا عُزل، فهل يثبت حكم العزل في حقه قبل العلم؟
وعلى هذا لو ترك الطهارة الواجبة لعدم بلوغ النص: مثل أن يأكل لحم الإبل ولا يتوضّأ ثم يبلغه النص، ويتبين له وجوب الوضوء، أو يصلي في أعطان الإبل، ثم يبلغه ويتبين له النص فهل عليهم إعادة ما مضى؟ فيه قولان هما روايتان من أحمد، ونظيره أن يمس ذكره ويصلي ثم يتبين له ﴿وجوب﴾ (٤) الوضوء من مس الذكر.
والصحيح في هذه المسائل عدم وجوب الإعادة؛ لأن الله -تعالى- عفا
стр. 215
عن الخطأ والنسيان؛ ولأنه قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١) فمن لم يبلغه أمر الرسول في شيء معين لم يثبت حكم وجوبه عليه، ولهذا لم يأمر الرسول ﷺ عمر وعماراً لما أجنبا - فلم يصل عمر وصلى عمار بالتمرغ (٢) - أن يعيد واحد منهما (٣)، وكذلك لم يأمر (ق ٣١ - أ) أبا ذر لما كان يجنب ويمكث ﴿أيامًا﴾ (٤) لا يصلي (٥)، وكذلك لم يأمر من أكل من الصّحابة حتى يتبين الحبل الأبيض من الحبل الأسود بالقضاء (٦)، كما لم يأمر من صلى إلى بيت المقدس قبل بلوغ النسخ لهم بالقضاء.
ومن هذا الباب المستحاضة إذا مكثت مدة لا تصلي لاعتقادها عدم وجوب الصلاة عليها، ففي وجوب القضاء عليها قولان:
أحدهما: لا إعادة عليها، كما نُقل عن مالك وغيره؛ لأن المستحاضة التي قالت للنبي ﷺ : "إني أستحاض حيضة شديدة منكرة منعتني الصلاة والصيام" (٧) ﴿أمرها﴾ (٤) بما يجب في المستقبل، ولم يأمرها بقضاء الماضي.
стр. 216
قال شيخنا: وقد ثبت عندي بالنقل المتواتر أن في النساء والرجال بالبوادي وغير البوادي من يبلغ ولا يعلم أن الصلاة عليه واجبة، بل إذا (ق ٣١ - ب) قيل للمرأة: صلي. تقول: حتى أكبر وأصير عجوز. ظانة أنه لا تخاطب بالصلاة إلا المرأة الكبيرة كالعجوز ونحوها، وفي أتباع الشيوخ طوائف كثيرون لا يعلمون أن الصلاة واجبة عليهم، فهؤلاء لا يجب عليهم في الصحيح قضاء الصلوات، سواء كانوا كفاراً أو كانوا معذورين بالجهل.
قال شيخنا (١): إذا كان على الولد دين ولا وفاء له جاز أن يأخذ من زكاة أبيه في أظهر القولين في مذهب أحمد وغيره، وأما إذا كان محتاجًا إلى النفقة وليس لأبيه ما ينفق عليه ففيه نزاع، والأظهر أنه يجوز له أخذ زكاة أبيه، وأما ﴿إن﴾ (٢) كان مستغنيًا بنفقته (٣) فلا حاجة ﴿به﴾ (٢) إلى زكاته.
وقال: إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق ثلاثاً ﴿إن شاء الله﴾ (٤) وقصده (٥) بذلك أن لا يقع به الطلاق ﴿فلا يقع به الطلاق، ولو فصل بين الطلاق﴾ (٦)
стр. 217
والاستثناء بسكوت يسير، لم يضر الفصل بينهما بل لا يقع به الطلاق والحال هذه، ولو لم (ق ٣٢ - أ) يقصد النية إلا بعد قوله به، ففيه قولان، أظهرهما أن لا ينفعه الاستثناء.
وذكر شيخنا مسألة الصلاة على الغائب، قال: وفيها للعلماء قولان مشهوران:
أحدهما: يجوز، وهو قول الشافعي وأحمد في أشهر الروايات عنه - عند أكثر أصحابه.
والثاني: لا يجوز، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد في الرواية الأخرى، وذكر (١) ابن أبي موسى، وهو ثبت في نقل مذهب أحمد - ورجحناها في مذهبه.
ثم قال: ومن وجوب (٢) الصلاة على الغائب الذي لم يصلى عليه فقد أحسن فيما قال، ولعل قوله أعدل الأقوال (٣).
قال: وجوز طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد الصلاة على الغائب في البلد الواحد، ثم محققوهم قيدوا ذلك بما إذا مات الميت في أحد جانبي البلد ﴿الكبير، ومنهم من أطلق البلد﴾ (٤) لم يقيده بالكبير، وكانت (ق ٣٢ - ب) هذه
стр. 218
المسألة قد وقعت في عصر أبي حامد (١) وأبي عبد الله بن حامد (٢) مات ميتٌ في أحد جانبي بغداد فصلَّى عليه أبو عبد الله بن حامد وطائفة من الجانب الآخر، وأنكر ذلك أكثر الفقهاء من أصحاب الإمام الشافعي والإمام أحمد وغيرهم: كأبي حفص البرمكي، وغيره.
قال شيخنا: وأما في زمن الشافعي وأحمد فلم يبلغنا أن أحداً صلى في أحد جانبي البلد ببغداد على من مات في الجانب الآخر مع كثرة الموتى وتوفر الهمم والدواعي على نقل ذلك، فتبين أن ذلك محدث لم يفعله أحد من الأئمة، وأما ما يفعله بعض الناس من أنه كل ليلة يصلي على جميع من مات من المسلمين فلا ريب أنه بدعة لم يفعله أحد من السلف (٣)، والله أعلم.
قال (٤): وأما لعنة المعين فالأولى تركها؛ لأنه يُمكن أن يتوب.
وقال (٥) في حديث: "نهى عن بيع وشرط" (٦): هذا حديث باطل ليس
стр. 219
في شيء (ق ٣٣ - أ) من كتب المسلمين، وإنما يُروى في حكاية منقطعة (١)
هكذا قال شيخنا (٢).
قال (٣) في حديث: "نهى عن قفيز الطحان" (٤): وهذا
стр. 220
أيضاً باطل (١).
قال (٢): وأصول الأقوال في القراءة خلف الإمام ثلاثة طرفان ووسط:
فأحد الطرفين: أنه لا يُقرأ خلف الإمام بحالٍ.
والثاني: أنه يُقرأ بكل ﴿حال﴾ (٣).
والثالث -وهو قول أكثر السلف-: أنه إذا سمع قراءة الإمام أنصت ولم يقرأ، وإذا لم يسمع قراءته قرأ لنفسه، هذا قول جمهور العلماء كالإمام مالك والإمام أحمد ابن حنبل وجمهور أصحابه، وطائفة من أصحاب الشافعي وأبي حنيفة، والقول القديم للشافعي، وقول محمد بن الحسن.
وعلى هذا القول فهل القراءة حال مخافتة الإمام بالفاتحة واجبة على المأموم أو مستحبة؟ فيه قولان:
أحدهها: مستحبة، وهو قول الأكثرين كمالك ومحمد بن الحسن وغيرهما.
стр. 221
والثاني: أنها واجبة، وهو قول الشافعي (ق ٣٣ - ب) القديم.
والاستماع حال جهر الإمام هل -أيضاً- واجب أو مستحب، والقراءة إذا سمع قراءة الإمام هل هي محرمة أو مكروهة، وهل تبطل الصلاة إذا قرأ؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره:
أحدهما: أن القراءة حينئذٍ محرمة، وإذا قرأ بطلت صلاته، وهو أحد الوجهين اللذين حكاهما أبو عبد الله بن حامد في مذهب أحمد.
والثاني: أن الصلاة لا تبطل بذلك، وهو قول الأكثرين، وهو المشهور في مذهب أحمد.
والذين قالوا يقرأ حال الجهر والمخافتة إنما يأمرونه أن يقرأ حال الجهر الفاتحة خاصة، وما زاد على الفاتحة فإن المشروع أن يكون فيه مستمعاً لا قارئًا، وهل قراءته بالفاتحة مع الجهر واجبة أو مستحبة، على قولين:
أحدهما: أنها واجبة، وهو قول الشافعي في الجديد وقول ابن حزم.
والثاني: أنها مستحبة، وهو قول الأوزاعي والليث، واختيار جدي أبو (١) البركات.
(٣٤ - أ) قال: (٢): وإذا جهر الإمام استمع لقراءته، فإن كان لا يسمع لبعده فإنه يقرأ في أصح القولين، وهو قول أحمد وغيره، وإن كان لا يسمع لصممه، أو كان يسمع همهمة الإمام ولا يفقه ما يقول؛ فيه قولان في مذهب أحمد وغيره، والأظهر أنه يقرأ لأن الأفضل أن يكون إما مستمعًا وإما قارئًا، وهذا ليس بمستمع يحصل له مقصود ﴿الاستماع﴾ (٣) فقراءته أفضل له
стр. 222
من سكوته.
ثم قال (١): فنذكر الدليل ﴿على الفصلين﴾ (٢) على أنه في حال الجهر يسمع، وأنه في حال المخافتة يقرأ. (ولم يتبين هل هذا على سبيل الوجوب أو الاستحباب) (٣).
قال (٤) في أثناء كلامه: ويثبت أنه في هذا الحال قراءة الإمام ﴿له قراءة﴾ (٥) كما قال ذلك جماهير السلف والخلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وفي ذلك الحديث المعروف عن النبي ﷺ أنه قال: "من كان له إمام فإن قراءة الإمام له قراءة" (٦)، وهذا الحديث رُوي مرسلاً (ق ٣٤ - ب) ومسنداً، لكن أكثر العلماء والأئمة الثقات رووه مرسلاً عن عبد الله بن شداد عن النبي
стр. 223
- ﷺ ، وأسنده بعضهم، ورواه ابن ماجة (١) مسنداً، وهذا (٢) المرسل قد عضده ظاهر القرآن والسنة، وقال به جماهير أهل العلم من الصحابة والتابعين، ومرسله من أكابر التّابعين، ومثل هذا المرسل يُحتج به باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم، وقد نصَّ الشافعي (٣) على جواز الاحتجاج بمثل هذا المرسل.
قال (٤): وقيل: لا يستفتح ولا يتعوذ حال جهر الإمام؛ وهذا أصح.
وذكر حديث عبادة: "إذا كنتم ورائي فلا تقرءوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" (٥).
стр. 224
قال (١): وهذا الحديث معتل عند أئمة الحديث كأحمد وغيره من الأئمة، وقد بسط الكلام على ضعفه في غير هذا الموضع، وبيَّن أن الحديث الصحيح قول النبي ﷺ : "لا صلاة إلا بأم القرآن" (ق ٣٥ - أ)، وهذا هو الذي أخرجاه في "الصحيحين" (٢) رواه الزهري عن محمود بن الربيع، عن عبادة، وأما هذا الحديث فقط غلط فيه بعض الشاميين، وأصله أن عبادة كان يومًا في بيت المقدس فقال هذا، فاشتبه عليهم المرفوع بالموقوف على عبادة.
стр. 225
فصل
قال شيخنا (١): لا يُشرع الجهر بالتكبير خلف الإمام -الذي يُسمى المبلغ- لغير حاجةٍ باتفاق الأئمة؛ فإن بلالاً لم يكن يبلغ خلف النبي ﷺ هو ﴿و﴾ (٢) لا غيره، ولم يكن يبلغ خلف الخلفاء الراشدين، لكن لما مرض النبي ﷺ ﴿صلى﴾ (٢) بالنَّاس وصوته ضعيف، فكان أبو بكر يُصلي إلى جانبه يُسمع الناس التكبير (٣)، فاستدل العلماء بذلك على أنه يُشرع التبليغ عند الحاجة، مثل ضعف صوت الإمام ونحو ذلك، فأما بدون الحاجة فاتفقوا على أنه مكروه غير مشروع، وتنازعوا في بطلان صلاة من يفعله على قولين، والنزاع ﴿في﴾ (٢) الصحة معروف في مذهب مالك وأحمد (ق ٣٥ - ب) وغيرهما، مع أنه مكروه باتفاق المذاهب كلها.
وأما دعاء الإمام والمأمومين بعد الصلاة -رافعي أصواتهم وغير رافعيها- فهذا ليس في سنة الصلاة الراتبة، لم يكن يفعله النبي ﷺ ، وقد استحبت طائفة من العلماء من أصحاب الشافعي وأحمد في وقت الصلاة صلاة الفجر وصلاة العصر بعدها، وبعض الناس يستحبه في أدبار الخمس.
والذي ﴿عليه﴾ (٤) الأئمة الكبار أن ذلك ﴿ليس﴾ (٤) من سنة الصلاة، ولا يُستحب الدوام عليه؛ فإن النبي ﷺ لم يكن يفعله هو ولا خلفاؤه
стр. 226
الراشدون (١)، ولكن كان يذكر عقب كل صلاة، ويرغب في ذلك، ويجهر بالذكر عقيب الصلاة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة - حديث المغيرة بن شعبة (٢) وعبد الله بن الزبير (٣).
والناس في هذه المسألة طرفان ووسط، منهم من لا يستحب ذكراً ولا دعاء، بل بمجرد انقضاء (ق ٣٦ - أ) الصلاة يقوم هو والمأمومون كأنهم فروا من قسورة، وهذا ليس بمستحبٍّ، ومنهم من يدعو هو والمأمومون رافعي أيديهم وأصواتهم، وهو أيضاً خلاف السنة، والوسط هو أتباع ما جاءت به السنة من الذكر المشروع عقيب الصلاة، ويمكث الإمام مستقبل المأمومين على الوجه المشروع.
ولكن إذا دعوا أحيانًا لأمرٍ عارضٍ -كاستسقاءٍ وانتصارٍ ونحو ذلك- فلا بأس بذلك، كما أنهم لو قاموا ولم يذكروا لأمرٍ عارض جاز ذلك ولم يُكره، وكل ذلك منقول عن النبي ﷺ ، وقد كان أكثر الأوقات يستقبل المأمومين بعد أن يسلم، وقبل أن يستقبلهم يستغفر ثلاثاً، ويقول: "اللَّهم أنت السَّلام ومنك السَّلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام" (٤)، وكان يجهر بالذكر كقوله: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له (ق ٣٦ - ب) له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللَّهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" (٥) وأحيانًا كان يقوم عقيب السلام، والله أعلم.
стр. 227
فضائل الشام
стр. 228
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ .
وبعد:
فإن الله قد فضل بعض البقاع على بعض؛ كما فضل بعض البشر على بعض، وفضل بعض الأيام على بعض؛ قال : ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١) فكان مما اختاره الله وفضله من البقاع: مكة المكرمة، والمدينة المنورة، والشام، أما مكة والمدينة فالنصوص في تفضيلهما مشهورة معلومة، وأما الشام فهذا جزء لطيف للحافظ محمد بن عبد الهادي حوى عيون النصوص التي جاءت في فضله من القرآن والسنة.
وقد ألف في فضائل الشام جماعة من المحدثين، منهم: الربعي، وأبو سعد السمعاني، والضياء المقدسي، وابن رجب الحنبلي (٢)، وجمع الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر في أول "تاريخ دمشق" النصوص الواردة في فضل الشام.
انتقى الحافظ ابن عبد الهادي هذه الرسالة، وقسمها إلى فصلين:
الفصل الأول: في بعض ما ورد في فضائل الشام.
стр. 229
الفصل الثاني: في ذكر أحاديث فيها أن الفتنة من نحو المشرق.
وتكلم على بعض الأحاديث تصحيحاً وتضعيفاً، ونقل كلام بعض الأئمة الحفاظ على بعضها.
وهذا الجزء على صغر حجمه كافٍ في بابه، محتوٍ على معظم المتون التي ذكرها أهل العلم في فضائل الشام.
توثيق نسبة الكتاب إلى ابن عبد الهادي:
نسبه له الناسخ على لوحة العنوان وفي أول الكتاب.
ونسبه له أيضاً ابن رجب في ذيل "طبقات الحنابلة" (٢/ ٤٣٨) وابن طولون في "القلائد الجوهرية" (٢/ ٤٣٤) والعليمي في "المنهج الأحمد" (٥/ ٧٩) وفي "الدر المنضد" (٢/ ٥٠٩) وابن ضويان في "رفع النقاب" (٣١٦) والزركلي في "الأعلام" (٥/ ٣٢٦) (١).
وصف النسخة الخطية:
نسخة محفوظة في دار الكتب المصرية، تحت رقم (٧٤٩) تاريخ، في سبع ورقات، مكتوبة بخط حسن مشكول في الغالب، كتبها محمد بدوي بن جبر، ولم يذكر تاريخ النسخ، إلا صفحة واحدة كُتبت بخط رقعة غير مشكول، وعلى حاشيتها خط ناسخ بقية النسخ، استدرك بعض ما فات الناسخ الآخر من كلمات وصحح عليها، والنسخة مقابلة على الأصل المنقول منه، يظهر ذلك من وجود الدوائر المنقوطة بعد كل حديث أو فقرة.
وقد اضطرب ترتيب أوراق المخطوط؛ فرددته إلى الصواب - بفضل الله تعالى.
стр. 230
أول النسخة الخطية
стр. 231
آخر النسخة الخطية
стр. 232
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رب يسر وأعن
قال الإمام العالم بحر العلوم شمسُ الدين أبو عبدِ اللهِ محمد بنِ أحمدَ ابن عبد (١) الهادي المقدسي الحنبلي عفا الله -تعالى- عنه:
الحمدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ من شُرُورِ أنفُسِنَا، وَسَيِّئَاتِ أعْمَالِنا، من يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، ومن يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ له.
وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. صلى الله عليه وعلى الله وسلم تسليمًا كثيرًا.
стр. 233
فصل
في بعض ما ورد في فضائل الشام
قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ (٢).
وقال موسى لقومه: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ (٤).
وروى نَافِعٌ عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في يَمَنِنَا. قالها مِرَاراً، فلما كان في الثالِثَة -أو الرابعةِ- قالوا: يا رسول الله، وفي عِرَاقِنِا! ! قال: بها الزَّلازَلُ وَالفِتَن وَبِهَا يَطْلُعُ قَرنُ الشَّيطَانِ".
هَذَا حديثٌ صحيحٌ، رواه البخاري (٥) والترمذِي (٦) والطبراني (٧) واللفظ له.
стр. 234
وروى الأَعْمَشُ، عَنْ عَبدِ اللهِ بن ضِرارِ الأسَدِي، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ قال: "قَسَمَ اللهُ الخَيْرَ، فَجَعَلَ تِسْعةَ أعشارِهِ في الشَّام، وبقيَّتَهُ في سائر الأرض وَقَسَمَ الشّرَّ فَجعَلَ جُزْءًا مِنْهُ في الشَّامِ وبقيَّتَهُ في سائر الأرض" (١).
رواه الإمام أحمدُ (٢) بِنحوهِ.
وعن زَيْدِ بنِ ثابتٍ قال: "فبينما نحن حول رسولِ اللهِ ﷺ نُؤلِّف القرآن من الرقاعِ، إذ قال رسول الله ﷺ : طُوَبى للشَّامِ قيل: يا رسول الله، وَلِمَ ذاك؟ قال: إنَّ مَلاَئِكَةَ الرَّحمَنِ بَاسِطَةٌ أَجْنِحَتَها عَلَيْها".
رواه الإمام أحمد (٣) والترمذي (٤) والطبراني (٥)، وإسناده على شرط الصحيح (٦).
وعن سالم بن عبد اللهِ، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "سَتَخْرجُ نَارٌ مِنْ حَضرَمَوْتَ -أوْ مِنْ نحوِ حَضْرَمَوتَ- قَبْلَ يَوْمٍ القِيامَةِ تَحشُرُ النَّاسَ. قلنا: يا رسولَ اللهِ، فَمَا تَأمُرُنَا؟ (قال): عَلَيْكُمْ بِالشَّأمِ".
стр. 235
رواهُ أحمدُ (١)، والترمذي (٢) وقال: حديث حسنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ (٣).
وعن أبي إدريسَ الخولاني، عن عبد الله بن حَوَالة عن رسول الله ﷺ قال: إنَّكُم سَتَجدُونَ أجناداً، جندٌ بالشَّأم، وجُندٌ بالعراقِ، وجُندٌ باليمنِ. فقال الحوالي (٤): خِرْ لي يا رسول الله؟ قال: عَلَيكم بِالشَّأمِ، فَمَنْ أَبَى، فَليَلْحَقْ بِيَمَنِهِ، وَيسْقِ من غُدُرِهِ، فَإنَّ اللهَ قَد تَكفَّلَ لِي بالشَّأم وَأهلِهِ. فكان أبو إدريس الخولاني إذا حَدَّثَ بهذا الحديثِ الْتَفَتَ إلى أبي عامرِ، فقال: من تكفل اللهُ به فلا ضَيْعَةَ عليه" (٥).
قال الحافظُ أبو عبدِ اللهِ المقدسي: هذا حديث مشهورٌ، وإسنادُهُ إسنادٌ صَحِيحٌ، وقد رواه غيرُ واحد (٦) عن عبدِ الله بن حَوَالةَ.
стр. 236
وعن بهْزِ بن حكيم، عن أبيه، عن جدِّهِ قال: "قلتُ: يا رسُولَ اللهِ، أينَ تَأمُرُنِي؟ قال: هَا هُنَا. وَنَحَا بِيَدِهِ نَحْوَ الشَّامِ".
رواه الإمام أحمدُ (١) والنسائي (٢)، والترمذي (٣) وقال: حديث حسن صحيح.
وعن بكَّارِ بن تميم، عن مكحولِ، عن واثِلةَ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ لحُذَيفَةَ بن اليمانِ ومُعاذِ بن جَبَلِ -وهما يستشيرانه في المَنزِلِ- فأومأ إلى الشام، ثم سألاه فأومأ إلى الشام، ثم سألاهُ فأومأ إلى الشام، قال: عَلَيْكُمْ بالشَّام فَإنَّهَا صفوةُ بلادِ الله يُسكنُها خِيْرتَه مِن عبَادِهِ، فَمَن أَبَى فليَلحَقْ بِيَمَنِهِ، وَيَسْقِ من غُدُرِهِ، فِإن اللهَ تَكَفَّلَ لِي بالشَّام وَأهلِهِ".
رواه الحافِظُ يحيى بن صاعِدِ (٤) بإسنادِه.
стр. 237
وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "بَيْنَا أَنَا نائِمٌ إذْ رَأيْتُ عَمُودَ الكتَاب احْتُمِلَ مِن تَحْتِ رَأسِي، فَظَنَنْتُ أنَّهُ مَذهُوبٌ، فَأتْبَعُهُ بَصَرِي، فَعُمِدَ بِهِ إلَى الشَّامِ، ألا وإنَّ الإيمَانَ حِينَ تَقَعُ الفِتَنةُ في الشَّامِ".
رواه الإمام أحمد (١) وغيره (٢)، وقال الحافظ أبو عبد الله: هذا الحديث حديث مشهور، وإسناده عندي على رسم البخاري (٣)، والله أعلم.
وروى الطبرانِي (٤) عن عبد الله بن عمر (٥) أن النبي ﷺ قال: "رَأَيتُ فِي المَنامِ أخَذُوا عَمُودَ الكِتَابِ، فَعَمَدُوا بِهِ إلَى الشَّامِ، فَإذَا وَقَعَتْ الفِتَنُ فالأمنُ بالشَّامِ" (٦).
стр. 238
وروى (١) أيضاً عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: "رَأيْتُ عَمُودَ الكِتَابِ انْتُزِعَ مِن تَحْتِ وِسَادتِي، فَأتبَعتُهُ بَصَرِي، فَإذَا هُو نَارٌ (٢) سَاطِعٌ، حَتَّى ظَنَنْتُ أنَّهُ قَدْ يَهوى بِهِ فَعُمِدَ بِهِ إلَى الشَّامِ، وَإنِّي أوَّلتُ أنَّ الفِتَنَ إذا وَقَعَتْ أنَّ الإيمَانَ بالشَّامِ" (٣).
وروى (٤) أيضاً عن عبد الله بن حوالة قال: قال رسول الله ﷺ : "رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْري بي عَمُوداً أَبْيضَ كَأنَّهُ لُؤْلُؤَةٌ تَحْمِلُهُ المَلاِئكَةُ، قُلتُ: مَا تَحْمِلُونَ؟ قالُوا: عَمُودَ الإسْلاَم أُمِرْنَا أنْ نَضَعَهُ بالشَّامِ. وبيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأيْتُ عَمُودَ الكتاب اخْتُلِس مِن تَحتِ وِسَادَتِي، وظَنَنْتُ أنَّ اللهَ قد تَخَلَّى مِنْ أهْلِ الأرْضِ، فَأتْبَعْتُهُ بَصَرِي، فَإذَا هُو نُورٌ سَاطِعٌ بَيْنَ يَديَّ، حَتَّى وُضِعَ بالشَّام. فقالَ ابنُ حوالةَ: يَا رَسُولَ الله: خِر لِي؟ قالَ: عَلَيكَ بالشَّامِ" (٥).
وروى (٦) أيضاً من رواية عفير بن معدان، عن سُلَيم بن عامر، عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: "الشَّامُ صَفْوَةُ الله مِن بِلاَدِهِ، إلَيْهَا يَجتَبِي صَفْوَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ، فَمَنْ خَرَجَ مِنَ الشَّام إلَى غَيْرِهَا فَبِسَخَطِهِ، وَمَن دَخَلَهَا مِنْ غَيْرِهَا
стр. 239
فَبِرَحْمَتِهِ" (١).
وقال الإمام أحمد بن حنبل (٢): ثنا عبد الصمد، ثنا حماد، عن الجُرَيري، عن أبي المشاء (٣) -وهو لقيط بن المشاء- عن أبي أمامة قال: "لاَ تَقومُ السَّاعةُ حَتَّى يتحوَّلَ خيارُ أهْلِ العراقِ إلَى الشَّام، وَيَتحوَّلُ شرارُ أهْلِ الشَّام إلَى العراقِ. وَقَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : عَلَيكُمُ بِالشَّامِ".
وعن خريم بن فَاتِك الأسَدِيِ - صاحب رسول الله ﷺ أنه سَمِعَ رسولَ الله ﷺ يقول: "أهلُ الشَّام سَوْطُ الله فِي أَرْضِهِ يَنتَقِمُ بِهِمْ مِمَّن يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ، وَحَرَامٌ عَلَى مُنَافِقِيهِم أَنْ يَظهَرُوا عَلَى مُؤْمِنِيهِمْ، وَلاَ يَمُوتُوا إلا غَمًّا وَهَمًّا".
كذا رواه الطبراني (٤) مَرْفُوعًا، ورواه الإمام أحمد بن حَنْبَلٍ (٥) وأبو يعلى
стр. 240
الموصلي (١) موقوفاً.
وعن معاويةَ بن قرة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "إذَا فَسَدَ أَهلُ الشَّام فَلاَ خَيْرَ فِيكُمْ، لاَ تَزَالُ طَائِفةٌ مِن أمَّتِي مَنْصُورَةَ لاَ يَضُرُّهُم مَن خَذَلَهُم حَتَّى تَقَومَ السَّاعَةُ".
رواه الإمام أحمد بن حنبل (٢) وأبو يعلى الموصلي (٣) وابن ماجةَ (٤) والترمذي (٥)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وعن عُمَيْرِ بن هانئ، عن معاوية بن أبي سفيَانَ أنه خَطَبَهم، قال: سَمعْتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا تَزَالُ طَائِفَة مِنْ أمَّتِي قَائِمَة بِأَمْرِ الله، لاَ يَضُرُّهمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلاَ مَنْ خَالَفَهُم، حَتَّى يَأتيَ أمرُ اللهِ، وَهُمْ عَلَى ذَلك" قال عُميْرٌ: قال مالكُ ابن يُخَامِرَ: يا أمير المؤمنين، سمعت مُعَاذَ بن جبل يقول: وهم بالشام. رواه البخاري (٦) وغيره (٧).
وروى محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن قتادةَ، عن أنَسٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الحَقِّ، ظاهِرِينَ إلى يَوْمِ
стр. 241
القِيَامَةِ. وأوْمَأ بِيدهِ إِلى الشَّامِ" (١).
رواه الحافظ أبو عبد الله (٢) بإسناده، والمعروف رواية قتادة عن مطرف، عن عمران (٣)، والله أعلم.
وعن أبي صالح الخولاني عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "لاَ تَزَالُ طَائِفةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أبوَابِ دِمَشْقَ وَمَا حَوْلَهُ، وَعَلَى أبْوَابِ بَيْتِ المَقْدِسِ وَمَا حَوْلَهُ، لاَ يَضُرهُم خُذلاَنُ مَن خَذَلَهُمْ، ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ إلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ" (٤).
стр. 242
رواه أبو القاسم سليمان بن أحمد اللَّخمِيُّ (١).
وقال الإمام أحمدُ بن حنبلٍ في "مسنده" (٢): ثنا هاشم، قال: ثنا عبدُ الحميد، قال: ثنا شَهرُ قال: حَدثتنِي أسماء (٣) "أَنَّ أبَا ذَرٍ الغِفَارِي كَانَ يَخْدِمُ النبيَّ ﷺ ، فإذَا فَرَغَ مِن خِدْمَتِهِ آوى إِلى المسْجِدِ- وَكانَ هُوَ بَيْتُهُ يَضطَجعُ فِيهِ - فَدَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ المسْجِدَ لَيْلَةً فَوَجَدَ أبَا ذَرٍّ نَائِمًا مُنْجدِلًا فِي المسْجِدِ فَنَكَتَهُ رسُولُ الله ﷺ برِجلِهِ، حَتَّى استوى جَالِسًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : ألا أرَاكَ نَائِمًا؟ فَقَالَ أبُو ذَرٍ: يَا رَسُولَ الله، فأينَ أنَامُ، هَلْ مِنْ بَيْتِ غَيْرِهِ؟ ! ! فَجَلَسَ إِليْهِ رَسُولُ الله ﷺ ، فَقَالَ لَهُ: كَيفَ أنتَ إذَا أخرجُوكَ مِنهُ؟ قَالَ: إذًا ألحقُ بالشَّام، فإن الشَّام هِيَ أرضُ الهِجْرَةِ، وأرضُ المحشَرِ، وَأرْضُ الأنبِيَاء, فَأكُونُ رَجُلًا مِن أهلِهَا. قَالَ لَهُ: كَيْفَ أنتَ إذَا أخرجُوكَ مِن الشَّام؟ قال: إذًا أرجعُ إليهِ، فيكونُ هو بيتي ومنزلي. قالَ لَهُ: فكيفَ أنتَ إذَا أخرجُوكَ منه الثانيةَ؟ قال: إذًا آخذُ بِسَيْفِي فأقاتلُ (عَن نَفسِي) (٤)، حتى أموتَ. ﴿فكشر﴾ (٥) إليهِ رسُولُ الله ﷺ فأثبتهُ بيدِهِ، قالَ: ألا أدلُّكَ عَلَى خَيْرٍ من ذَلِكَ؟ قال: بَلَى، بِأبي وأمي يا رسُولَ اللهِ. قالَ رسولُ الله ﷺ : تَنقَادُ لَهُمْ حَيْثُ قَادُوكَ، وَتنساقَ لهم حيث
стр. 243
ساقُوكَ، حَتَّى تَلقَاني، وَأنتَ عَلَى ذلكَ" (١).
كذا رواه الإمام أحمدُ، وإسنادُه حسن، والله أعلم.
وقال محمد بن يحيى الذُّهلي (٢): ثنا محمد بن كثير الصنعاني، عن مَعْمر، عن الزهري، عن صَفْوَانَ بن عبد الله بن صفوانَ قال: "قام رجلٌ يومَ صفين، فقال: اللَّهم العنْ أهل الشام. فقال عليٌّ: مَهْ لا تَسُبَّ أهل الشام جمًّا غفيرًا، فإن فيهم الأبدال" (٣).
كذا رواه الزهري عن صَفْوَانَ موقوفًا، وقد رواه الإمام أحمد بن حنبل في "مُسْنَدِهِ" (٤) من وجْهٍ آخَرَ مرفوعًا، فقال: ثنا أبو المُغِيرَة، ثنا صفوانُ - هو ابن عمرو - قال: حدثني شريح -يعني: ابن عُبَيْدٍ- قال: ذُكِر أهل الشام عند علي بن أبي طالب ﵁ -وهو بالعراق، فقالوا: العنهم يا أمير المؤمنين. قال: لا، إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: الأبدالُ تكونُ بالشام، وَهُمْ أَربعونَ رَجُلًا، كُلَّما مَاتَ رَجُلٌ أبدَلَ الله مكانَهُ رَجُلًا، يُسقَى بهم الغَيْثُ ويُنْتَصَرُ بهِمْ عَلَى الأعداءِ، ويُصْرَفُ عَن أهلِ الشَّام بِهمُ العذابُ".
رُواةُ هذا الحديث ثقات، لكنه منقطعٌ، فإن شُرَيْحَ بن عُبَيدٍ لم يُدركْ
стр. 244
عليَّ بن أبي طالب (١).
قال الحافظ أبو عبد الله (٢): لم أرَ في ذكر الأبدال حديثًا مُتْصِلًا أحْسَنَ منْ إسنَادِ هذا الحديث. كذا قال، والله أعلم (٣).
وعن عمرانَ (٤) أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "دَخَلَ إبليسُ العراقَ فَقَضَى فِيهَا
стр. 245
حَاجَتَهُ، ثُمَّ دَخَلَ الشَّامَ فطردوهُ، ثم دَخَلَ مصرَ فباضَ فيها وَفَرَّخ وَبَسَطَ عَبقَرِيه" (١).
رواهُ الطبراني (٢).
وعن أبي الدرداءِ أن رسولَ الله ﷺ قال: "فُسطَاطُ المُسْلِمِينَ يَوم الملْحَمَةِ بالغُوطَةِ إلى جانبِ مدينةٍ يُقالُ لها دِمَشْقُ، من خير مدائن الشام" (٣).
رواهُ أحمد (٤)، وأبو دَاودَ (٥) والطبراني (٦).
وعن عوف بن مالك قال: "أتيتُ رسول الله ﷺ ، وَهُوَ في بناء لَهُ، فسَلَّمْتُ عَلَيهِ، فقالَ: عَوْفَ بنَ مَالك؟ فَقْلَتُ: نَعمْ. فَقَالَ: ادْخُل. فقُلْتُ: أكُلِّي أوْ بَعْضِي؟ فقال: ﴿بل كُلُّك﴾ (٧). فَقَالَ: يَا عوفُ، اعْدُدْ أشياءَ (٨) بَيْنَ يَدَي السَّاعةِ: أوَّلهن مَوْتِي. فاستبكيتُ حَتَّى جعل يسكتني، ثم قال: قُلْ إحْدَى.
стр. 246
فقلت: إحْدَى. فقال: والثانيةُ فتحُ بَيْتِ المَقْدِسِ، قُلْ ثِنْتَانِ، فَقُلْتُ: ثنتانِ. فقالَ: والثالثةُ: مُوتانٌ تَكونُ في أُمَّتِي تأخُذُهم مثل قُعاصِ الغنم (١)، قُلْ ثلاثٌ. فقلتُ: ثلاثٌ. فقالَ: والرابعةُ: فتنةٌ تكونُ في أمتي وعَظَّمَهَا. ثمَّ قَالَ: ﴿قُلْ﴾ (٢) أربَعٌ. فقلتُ: أربعٌ. فقالَ: والخامسةُ يَفِيضُ فِيكمْ المالُ، حَتَّى أنَّ الرجَّلَ ليُعْطَى المائةَ دِينَارٍ، فيسخطُهَا، قُلْ خَمْسٌ فقُلْتُ: خَمْسٌ. فقالَ: والسَّادَسَةُ هُدْنَةٌ بَيْنَكُمْ وبينَ بَنِي الأصْفَرِ، فَيَسِيرُونَ عَلَى ثَمَانِينَ غَايَةٍ، تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثنَا عَشَرَ ألفًا، ففُسطاط المُسْلِمينَ يومئذ في أرضٍ يُقالُ لهَا: الغَوطةُ، في مدينةِ يُقالُ لها دِمَشْقُ" (٣).
رواه الطبراني (٤) بإسنادِ جيِّدٍ.
وعن مكحولٍ، عن مُعاذِ بن جَبَلٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "فُسْطَاطُ المُؤمنينَ بالغوطَةِ، مَدينَةٌ يُقالُ لَها دِمَشْقٌ مِنْ خَيْرِ مَدَائِنِ الشَّامِ" (٥).
رواه الشيخ ابن حِبَّان (٦).
وقال الإمام أحمد بن حَنْبَلٍ (٧) حدثنا أبو اليمان، نا أبو بكر -يعني: ابن
стр. 247
أبي مَرْيَمَ- عن عبد الرحمن بن جُبَيْرٍ بن نُفَيْرٍ، عن أبيه قال: ﴿حدثنا رجل من﴾ (١) أصحاب محمدٍ ﷺ ﴿أن رسول الله ﷺ ﴾ (٢) قال: "ستُفتَحُ عليْكُم الشّامُ، فَإذَا خُيرتُمْ المنازل فيها، فعليكُم بمدينةٍ يُقالُ لهَا دِمَشْقُ؛ فَإنَّهَا مَعْقِلُ المُسْلِمينَ مِنَ الملاحمِ، وفُسْطاطُهَا مِنهَا بِأرضٍ يُقَالُ لهَاَ الغُوطَةُ" (٣).
وروى ابن مَرْدُوَيةَ عن سماكٍ، عن عِكرِمةَ، عن ابن عبَاسٍ قال: ﴿رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ (٤) قال: أنْبِئْتُ أَنَّهَا أنهارُ دِمشْقَ (٥).
стр. 248
فصل
في ذكر أحاديث فيها أن الفتنة من نحو المشرق
روى البخاري (١) ومسلم (٢) في صحيحهما -واللفظُ لمسلم- عن ابن عمر "أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَامَ عِنْدَ بَابِ حَفْصَةَ، فَقَالَ بِيَدِهِ نَحْوَ المَشْرِقِ: الفِتْنَةُ هَاهُنَا مِنْ حَيْثُ يَطلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ. قالها مرتين أو ثلاثًا".
وفي روايةِ (٣): "عند باب عائشَةَ".
وعنه: أنَّ رسول الله ﷺ قال: وهو مستقبلٌ الْمَشْرِق: "هَا إنَّ الفِتْنَةَ هَاهُنَا، إن الفِتْنَةَ هَاهُنَا، إنَّ الفِتْنَةَ هَاهُنَا مِنْ حَيْثُ يَطلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ" (٤).
وعنه قال: "خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ بَيْتِ عَائِشَةَ فَقَالَ: رَأْسُ الكُفْر مِن هاهنَا، مِنْ حَيْثُ يَطلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ. يَعنِي: المَشْرقَ" (٥).
وعنه قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يشيرُ بيدِهِ نحوه المشرق يقول: "هَا إِن الفِتْنَةَ هَاهُنَا، إِنَّ الفِتْنَةَ هَاهنا -ثَلاثًا- حيثُ يَطلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ" (٦).
وفي لفظٍ آخر (٧): "ألاَ إنَّ الفتنةَ هَاهُنَا" (٨) مرتين.
стр. 249
وفي بعض طُرقِ البخاري عن ابن عُمَرَ قال: قامَ النبي ﷺ خطِيبًا، فَأشَارَ بيدِهِ نَحْوَ مَنْزِلِ (١) عَائِشَةَ، فقال: هَا هُنَا الفِتْنَةُ -ثَلاثًا- مِنْ حَيْثُ يَطلُعُ قَرْنُ الشيطَانِ".
وفي طريقِ أخرى (٢): "قَامَ إِلي جَنْبِ المِنْبَرِ". وفي آخر (٣): "عَلَى الْمِنْبَرِ". وعن ابن عمر أيضًا ذكر النبي ﷺ قال: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في شَامنَا، اللَّهُمَّ بَارِك لَنَا في يَمَنِنَا. قالُوا: وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: "اللهم بَارِك فِي شَامِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا". قالُوا: يَا رَسُولَ الله: وَفِي نَجْدِنَا؟ فأظنُّهُ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: هُنَالِكَ الزَّلازَلُ والفِتَنُ، وَبِهَا يَطلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ" (٤).
وروى مسلمٌ (٥) عن فُضيْل بنِ غَزوانَ قال: سَمِعتُ سالِم بن عبد الله بن عُمَرَ يقولُ: يَا أهْلَ الْعرَاقِ، مَا أسْألكُم عَنِ الصَّغِيرَةِ، وأركَبكُمْ لِلكَبِيرَةِ، سَمِعْتُ أبِي عَبْدَ اللهِ ابنَ عُمَرَ يَقُولُ: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: إنَّ الفِتنَةَ تَجِيءُ مِنْ هَاهُنَا، وَأوْمَأ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، مِنْ حَيْثُ يَطلُعُ قَرنا الشَّيْطَانِ. وأَنْتُمْ يَضْرِبُ بَعْضُكُم رِقَابَ بَعضٍ، وَإنَّمَا قَتَلَ مُوسَى الَّذي قَتَلَ مِنْ آلِ فِرعَوْنَ خَطَأ، فَقَالَ اللهُ : ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ (٦).
стр. 250
أخرَجَ البُخَاري (١) من هذا الحديث المرفوع إلى النَّبِيِّ ﷺ . آخِرُهُ
والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
تمت بقلم الفقير إليه - عز شأنه - محمد بدوي بن جبر.