فقلت: إحْدَى. فقال: والثانيةُ فتحُ بَيْتِ المَقْدِسِ، قُلْ ثِنْتَانِ، فَقُلْتُ: ثنتانِ. فقالَ: والثالثةُ: مُوتانٌ تَكونُ في أُمَّتِي تأخُذُهم مثل قُعاصِ الغنم (١)، قُلْ ثلاثٌ. فقلتُ: ثلاثٌ. فقالَ: والرابعةُ: فتنةٌ تكونُ في أمتي وعَظَّمَهَا. ثمَّ قَالَ: ﴿قُلْ﴾ (٢) أربَعٌ. فقلتُ: أربعٌ. فقالَ: والخامسةُ يَفِيضُ فِيكمْ المالُ، حَتَّى أنَّ الرجَّلَ ليُعْطَى المائةَ دِينَارٍ، فيسخطُهَا، قُلْ خَمْسٌ فقُلْتُ: خَمْسٌ. فقالَ: والسَّادَسَةُ هُدْنَةٌ بَيْنَكُمْ وبينَ بَنِي الأصْفَرِ، فَيَسِيرُونَ عَلَى ثَمَانِينَ غَايَةٍ، تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثنَا عَشَرَ ألفًا، ففُسطاط المُسْلِمينَ يومئذ في أرضٍ يُقالُ لهَا: الغَوطةُ، في مدينةِ يُقالُ لها دِمَشْقُ" (٣).
رواه الطبراني (٤) بإسنادِ جيِّدٍ.
وعن مكحولٍ، عن مُعاذِ بن جَبَلٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "فُسْطَاطُ المُؤمنينَ بالغوطَةِ، مَدينَةٌ يُقالُ لَها دِمَشْقٌ مِنْ خَيْرِ مَدَائِنِ الشَّامِ" (٥).
رواه الشيخ ابن حِبَّان (٦).
وقال الإمام أحمد بن حَنْبَلٍ (٧) حدثنا أبو اليمان، نا أبو بكر -يعني: ابن
стр. 247
أبي مَرْيَمَ- عن عبد الرحمن بن جُبَيْرٍ بن نُفَيْرٍ، عن أبيه قال: ﴿حدثنا رجل من﴾ (١) أصحاب محمدٍ ﷺ ﴿أن رسول الله ﷺ ﴾ (٢) قال: "ستُفتَحُ عليْكُم الشّامُ، فَإذَا خُيرتُمْ المنازل فيها، فعليكُم بمدينةٍ يُقالُ لهَا دِمَشْقُ؛ فَإنَّهَا مَعْقِلُ المُسْلِمينَ مِنَ الملاحمِ، وفُسْطاطُهَا مِنهَا بِأرضٍ يُقَالُ لهَاَ الغُوطَةُ" (٣).
وروى ابن مَرْدُوَيةَ عن سماكٍ، عن عِكرِمةَ، عن ابن عبَاسٍ قال: ﴿رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ (٤) قال: أنْبِئْتُ أَنَّهَا أنهارُ دِمشْقَ (٥).
стр. 248
فصل
في ذكر أحاديث فيها أن الفتنة من نحو المشرق
روى البخاري (١) ومسلم (٢) في صحيحهما -واللفظُ لمسلم- عن ابن عمر "أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَامَ عِنْدَ بَابِ حَفْصَةَ، فَقَالَ بِيَدِهِ نَحْوَ المَشْرِقِ: الفِتْنَةُ هَاهُنَا مِنْ حَيْثُ يَطلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ. قالها مرتين أو ثلاثًا".
وفي روايةِ (٣): "عند باب عائشَةَ".
وعنه: أنَّ رسول الله ﷺ قال: وهو مستقبلٌ الْمَشْرِق: "هَا إنَّ الفِتْنَةَ هَاهُنَا، إن الفِتْنَةَ هَاهُنَا، إنَّ الفِتْنَةَ هَاهُنَا مِنْ حَيْثُ يَطلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ" (٤).
وعنه قال: "خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ بَيْتِ عَائِشَةَ فَقَالَ: رَأْسُ الكُفْر مِن هاهنَا، مِنْ حَيْثُ يَطلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ. يَعنِي: المَشْرقَ" (٥).
وعنه قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يشيرُ بيدِهِ نحوه المشرق يقول: "هَا إِن الفِتْنَةَ هَاهُنَا، إِنَّ الفِتْنَةَ هَاهنا -ثَلاثًا- حيثُ يَطلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ" (٦).
وفي لفظٍ آخر (٧): "ألاَ إنَّ الفتنةَ هَاهُنَا" (٨) مرتين.
стр. 249
وفي بعض طُرقِ البخاري عن ابن عُمَرَ قال: قامَ النبي ﷺ خطِيبًا، فَأشَارَ بيدِهِ نَحْوَ مَنْزِلِ (١) عَائِشَةَ، فقال: هَا هُنَا الفِتْنَةُ -ثَلاثًا- مِنْ حَيْثُ يَطلُعُ قَرْنُ الشيطَانِ".
وفي طريقِ أخرى (٢): "قَامَ إِلي جَنْبِ المِنْبَرِ". وفي آخر (٣): "عَلَى الْمِنْبَرِ". وعن ابن عمر أيضًا ذكر النبي ﷺ قال: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في شَامنَا، اللَّهُمَّ بَارِك لَنَا في يَمَنِنَا. قالُوا: وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: "اللهم بَارِك فِي شَامِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا". قالُوا: يَا رَسُولَ الله: وَفِي نَجْدِنَا؟ فأظنُّهُ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: هُنَالِكَ الزَّلازَلُ والفِتَنُ، وَبِهَا يَطلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ" (٤).
وروى مسلمٌ (٥) عن فُضيْل بنِ غَزوانَ قال: سَمِعتُ سالِم بن عبد الله بن عُمَرَ يقولُ: يَا أهْلَ الْعرَاقِ، مَا أسْألكُم عَنِ الصَّغِيرَةِ، وأركَبكُمْ لِلكَبِيرَةِ، سَمِعْتُ أبِي عَبْدَ اللهِ ابنَ عُمَرَ يَقُولُ: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: إنَّ الفِتنَةَ تَجِيءُ مِنْ هَاهُنَا، وَأوْمَأ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، مِنْ حَيْثُ يَطلُعُ قَرنا الشَّيْطَانِ. وأَنْتُمْ يَضْرِبُ بَعْضُكُم رِقَابَ بَعضٍ، وَإنَّمَا قَتَلَ مُوسَى الَّذي قَتَلَ مِنْ آلِ فِرعَوْنَ خَطَأ، فَقَالَ اللهُ : ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ (٦).
стр. 250
أخرَجَ البُخَاري (١) من هذا الحديث المرفوع إلى النَّبِيِّ ﷺ . آخِرُهُ
والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
تمت بقلم الفقير إليه - عز شأنه - محمد بدوي بن جبر.
стр. 251
شرح قصيدة غرامي صحيح
стр. 252
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين المبعوث رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد، فإن الإمام الحافظ أحمد بن فرح الإشبيلي (ت ٦٩٩ هـ) (١) نظم قصيدة غزلية من عشرين بيتًا ضمنها أنواع الحديث، وقد اشتهرت هذه القصيدة، وسمعها منه جماعة من الحفاظ، منهم: الدمياطي، واليونيني، والذهبي، وحفظها الطلاب، وشرحها جماعة، منهم: الصفدي، وابن جماعة.
وهذا شرح محقق، سهل العبارة لطيف الإشارة، غزير العلم، للحافظ ابن عبد الهادي، شرح فيه ما حوته من أنواع الحديث، لم يتعرض فيه الحافظ ابن عبد الهادي لألفاظ القصيدة، وإنما شرح ما تضمنته من أنواع الحديث.
وصف النسخ الخطية:
لهذه الرسالة كثير من النسخ الخطية (٢)، وقد حققتها على نسختين خطيتين:
стр. 253
النسخة الأولى: نسخة محفوظة في المكتبة الأزهرية، تحت رقم ٤٩٢ مجاميع، في ثلاث ورقات، من الورقة الأولى إلى الورقة الثالثة، كتبت بخط مغربي مشكول، لم يذكر اسم الناسخ، ولا تاريخ النسخ، وهي نسخة جيدة جدًّا، وقد اتخذتها أصلا في تحقيق هذه الرسالة.
النسخة الثانية: نسخة محفوظة في المكتبة الأزهرية، تحت رقم ٨٣٥ مصطلح، في خمس ورقات، كتبت سنة إحدى وتسعين وتسعمائة، بخط محمد شمس الدين بن كمال الدين بالجامع الأزهر بمصر المحروسة، مسطرتها ٢١ سطرًا، وهي نسخة جيدة، ذكر ناسخها قصيدة ابن فرح بتمامها أولًا، ثم ذكر شرح ابن عبد الهادي لها، وقد اتخذتها نسخة مساعدة في التحقيق، ورمزت لها بحرف "أ"، وقد بدأت بذكر قصيدة ابن فرح تامة على طريقة ناسخ هذه النسخة.
هذا بالإضافة إلى النسخة المطبوعة بتحقيق عمر بن سليمان الحفيان، وهي نسخة جيدة، وقد قابلت الرسالة عليها، ورمزت لها بالرمز "م".
توثيق نسبة هذه الرسالة لابن عبد الهادي:
لا شك في صحة نسبة هذه الرسالة لابن عبد الهادي، ونسخها الخطية الكثيرة شاهدة على ذلك، من هذه النسخ نسخة ضمن "الكواكب الدراري في ترتيب مسند الإمام أحمد على ترتيب البخاري" لابن عروة الحنبلي، في المجلد الرابع والثلاثين، كتبت سنة سبع وعشرين وثمانمائة، وابن عروة معروف بعنايته بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه الأعلام، وفي هذا توثيق لنسبة الرسالة إلى ابن عبد الهادي.
والحمد لله رب العالمين.
فَرِفْقًا بمقطوعِ الوَسائِلِ مَالَه ... إِليكَ سَبِيلٌ لاَ ولاَ عَنْكَ مَعْدَلُ
فلا زِلتَ في عزٍ مَنِيعٍ ورفعَةٍ ... وما زِلتَ تعلُو بالتَجنِّي فَأَنزِلُ
أوَرِّي بسُعْدَى وَالرَّبَابِ وَزَيْنَبٍ .... وأنتَ الَّذِي نَعْنِي وأنتَ المُؤَمَّلُ
فَخُذْ أَوَّلًا مِنْ اسْمِهِ ثُمَّ أَوْلًا ... من النصفِ فيه فهْوَ فِيهِ مُكَمَّلُ
أبَرُّ إِذا أقسَمْتُ إِني بِحُبِهِ ... أهِيمُ وَقَلْبِي بالصَّبَابةِ يُشْغَلُ
تمت بحمد الله وعونه وحسن توفيقه على التمام والكمال.
стр. 258
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
هذه القصيدة (١) من نظم الشيخ الإمام الحافظ شهاب الدين أحمدَ بنِ فرحٍ الإشبِيلي ﵀ وشرَحَها الفقيهُ الحافظُ شمسُ الدين أبو عُبيد الله محمدُ بنُ عبدِ الهادي المَقدِسي - عفا الله عنه، ورحمة الله عليه.
غَرَامي صحيحٌ والرَّجَا فيكَ مُعْضَلُ ... وَحُزْنِي ودمْعِي مُرسَلٌ ومُسَلسَلُ
﴿الحديث﴾ (٢) الصحيح المتفق على صحته: هو الحديث المسند الذي يتصل
إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذًا ولا معلَّلًا.
وبعضه أصحُ من بعض، فرواية مالك عن نافع، عن ابن عُمَر أصح من رواية غيره.
و المعضل -بفتح الضاد- عبارة عما سقط من إسناده اثنان فصاعدًا، مثاله قول مالك ﵁: قال رسول الله ﷺ . بإسقاط نافع وابن عمر.
و المرسل: ما رواه التابعي عن النبي ﷺ ، وفي الاحتجاج به خلاف مشهور، والصحيح فيه التفصيل (٣).
و المسلسَل من الحديث مثل قولهم: سمعت فلانًا قال: سمعت فلانًا إلى آخر الإسناد، وأخبرنا واللهِ فلان قال: أخبرنا (٤) واللهِ فلان إلى آخره.
стр. 259
وصبْرِيَ عنكُمْ يَشهَدُ العَقْلُ أَنَّه ... ضعيفٌ ومتروكٌ وذُليَ أَجمَلُ
الحديث الضعيف: هو ما ليس بصحيح وَلاَ حَسنٍ.
وهو جنس تحته أنواع كثيرة، كالشاذ والمعلَّلِ والمضطَربِ وغيرهَا.
والحديث المتروك: هو ما انفرد به رجل مجمع على ضعفه. وقد ﴿يترك﴾ (١) الحديثَ والرجلَ بعضُ الأئمةِ ويحتج به بعضهم. الله أعلم بالصواب وأحكَمُ.
ولا حَسَنٌ إلا استِماعُ حَدِيثِكُمْ ... مشافهةً يُملَى عليَّ فَأنقُلُ
الحديث الحسن ، قيل هو: ما عرف مخرَجُه واشتهر رجاله. وقيل: هو الحديث الذي فيه ضعف ﴿قريب﴾ (٢) محتَمَل.
وقد اختلفوا في حده اختلافًا كثيرًا، ولم يضبطوه بضابط شاف.
وقيل: هو ما كان ﴿راويه﴾ (٣) من أهل الصدق لكن لم يبلغ درجةَ الصحيح؛ لكونه غيرَ حافظ أو متْقِنٍ.
وقد يكون رجال إسناد الحديث متفقًا على توثيقهم وحفظهم وإتقانهم ولا يكون الحديث صحيحًا، بل يكون حسنًا أو ضعيفًا لعلة مؤثرة فيه أو شذوذ أو اضطراب أو غير ذلك.
و المشافهة: هي السماع من لفظ الشيخ، وهي أرفعُ من القراءة عليه.
стр. 260
وأَمرِيَ موقوفٌ عليكَ وليسَ لي ... على أحد إلَّا عليْكَ مُعَوَّلُ
الموقوف: ما يُروى عن الصحابة من أقوالهم وأفعالهم ونحوهَا، فيوقَف عليهم، ولا يُتجاوَز به إلى رسول اللهِ ﷺ .
ولو كان مرفوعًا إِليك لكنتَ لي ... على رغْم عُذَّالِي تَرِقُّ وتَعْدِلُ
المرفوع ، قيل: هو ما أضيف إلى رسول الله ﷺ خاصة متصلًا كان أو منقطعًا. وقيل: هو ما أخبَرَ ﴿به﴾ (١) الصحابي ﵁ عن قول رسول الله ﷺ أو فعلِه.
وعَذْلُ عَذُولِي منكَرٌ لا أُسِيغُهُ ... وزُورٌ وتدليسٌ يُرَدُّ ويُهمَلُ
المنكر: هو ما انفرد به من لم يبلغ في الثقة والإتقان ما يحتمل معه ﴿تفرده﴾ (٢).
نحو حديث أبي زكير (٣) يحيَى بن محمد بن قيْسٍ ﴿عن﴾ (٤) هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "كلوا البلحَ بالتمر فإنَّ الشيطانَ إذا رَأَى ذلك غاظَه، ويقول: عاش ابن آدم حتى أكلَ الجديدَ بالخَلِقِ" (٥).
стр. 261
تفرَّد به أبو زكير (١) وهو شيخ صالح، ﴿أخرج له﴾ (٢) مسلم ﴿في﴾ (٣) كتابه (٤)، غيرَ أنه لم يبلغ مبلغ من يحتمل تفرده، بل تكلم فيه ابن مَعِينٍ (٥) وغيره (٦) والله أعلم.
و التدليس المذموم: هو أن يَرويَ الحديثَ عن شيخ عاصَرَه أو سمع منه في الجملة ولم يَسمع منه، ذلك الحديثَ الذي رواه عنه، بل سمعه من
стр. 262
ضعيف أسقطَه، كتدليس بقيةَ والوليدِ بنِ مسلم وغيرِهما، بخلاف تدليس ابن عُيَيْنةَ وغيرِه ممن يدلس ﴿عن﴾ (١) الثقات فإنه ليس بمذموم والله أعلم.
أقضي زَمَانِي فيكَ متصِلَ الأَسَى ... ومنقَطِعًا عَمَّا به أَتَوَصَّلُ
الحديث المتصل: هو الذي اتصل إسناده فكان كلُّ واحد من رُواته قد سمعه ممن فوقه حتى ينتَهيَ ﴿إلى﴾ (٢) منتهاه، ومطلَقُه يقعُ على المرفوع والموقوف.
مثال المتَّصل المرفوع من "الموطأ" مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ .
ومثال المتصل الموقوف: مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قوله.
و المنقطع: هو الحديث الذي لم يتصل إسناده بأن يكون سقط منه رجل أو اثنان أو ثلاثةُ أو أكثرُ، والله أعلم.
وَهَا أَنَا في أَكفَانِ هجْرِكَ مُدْجٌ ... تُكلِّفُنِىِ ما لا أطِيقُ فَأحْمَلُ
المدرج في الحديث: هو ما أدرج في حديث رسول الله ﷺ من كلام بعض رواته، بأن يذكر الصحابي أو من بعده عقب ما يَرويه من الحديث كلامًا من عند نفسه فيرويه مَن بعده (موصلا) (٣) بالحديث غيرَ فاصل بينهما بذكر قائله فيلتبس الأمر فيه ﴿على من﴾ (٤) لا يَعلَم حقيقةَ الحال فيتوهم (٥) أن
стр. 263
الجميعَ عن رسول الله ﷺ .
وأَجرْيتُ دَمْعِي بالدماءِ مُدبَّجًا ... وما هي إِلا مُهْجَتِي تَتَحلَّلُ
المدبج: أن يَرويَ القرينان كل واحد منهما عن الآخر كأبي هريرةَ وعائشة، ومالك والأوزاعي، وأحمدَ بن حنبل و (يحيى بن معِينٍ) (١) - رضوان الله عليهم أجمعين - فإن روى أحد القرينين عن الآخر ولم يرو الآخرُ عنه لم يسمَّ مدبَّجًا، كرواية سليمان التيمِي عن مسعر (٢) من غير عكس.
فمُتَّفِقٌ جِفنِي وَسهدي وَعَبْرَتِي ... ومفْتَرِقٌ صبْرِي وقلْبي المُبَلْبَلُ
وَمُؤتَلِفٌ وَجْدِي وَشَجْوِي ولَوْعَتِي ... وَمُخْتلِفٌ حظِي وَمَا منك آمُلُ
المؤتلف والمختلف: هو ما يتفق في الخط صورتُه ويختلف في اللفظ صيغتُه، كعثَام (٣) بن علي وغنَّام (٤) بن أوس (٥).
﴿وبَشير (٦) بن عمرو، وبُشير (٧) بن يسار.
стр. 264
وحَريز (١) بن عثمان، وجرير (٢) بن عبد الحميد.
وحضين (٣) بن المنذر، وحصين (٤) بن عبد الرحمن﴾ (٥).
و المتفق والمفترق: هو ما اتفق خطًّا ولفظًا، بخلاف المؤتلف والمختلف، فإن فيه الاتفاقَ في صورة الخط مع الافتراق في اللفظ، وللمتفِقِ والمفتَرِق أقسام كثيرة.
ومن بعض أمثلته:
أبو عمران الجوني اثنان (٦).
أحدهما: التابعي عبد الملك بنُ حبيب (٧).
والثاني: اسمه موسى بن سهلٍ، بصري سكن بَغداد، ﴿يروي عن هشام ابن عمار وغيره﴾ (٨) وروى عنه دعلجُ بن أحمد وغيره (٩).
стр. 265
ومن ذلك: محمد بن عبد الله الأنصاري اثنان متقاربان في الطبقة (١):
أحدهما: هو الأنصاري المشهور القاضي أبو عبد اللهِ شيخ البخاري (٢).
والثاني: كنيته أبو سلمةَ، ضعَّفوه (٣).
ومن ذلك: محمد بن يعقوبَ بن يوسفَ النيسَابُورِي اثنان، كلاهما في عصرٍ واحدٍ، وكلاهما يروي عنه (٤) الحاكم أبو عبد اللهِ وغيره.
فأحدهما: هو المعروف بأبي العباس الأصم (٥).
والثاني: أبو عبد الله بن الأخرم الشيباني، ويُعرف بالحافظ (٦)، دون الأول، والله أعلم.
خُذِ الوَجْدَ عني مسندًا ومعَنعَنًا ... فغيرِي بموضُوع الهَوَى يتَحَيلُ
قال الحافظ أبو بكر الخطيب: المسند عند أهل الحديث: هو الذي اتصل
стр. 266
إسناده من أوله إلى منتهاه، وأكثَر ما يُستعمَلُ ذلك فيما روي عن رسول الله ﷺ دون ما جاء عن الصحابة وغيرهم، وفي المسند خلاف غير هذا.
والإسناد المعنعن: هو الذي يقال فيه: فلان عن فلان، وعَدَّه بعض الناس من قبيل المرسل، والصحيح الذي عليه الجمهور أنه من قبيل المتصل.
وحكاه أبو عَمْروٍ الدَاني إجماعًا.
و الحديث الموضوع: هو المختلَق المصنوع، وهو شرُّ الأحاديث الضعيفة، ولا يحل لأحد عَلِمَ حاله روايته ﴿في﴾ (١) أي معنى كان إلا مقرونًا ببيان وضعه، ويعرف كون الحديث موضوعًا بإقرار ﴿واضعه﴾ (٢) وبركَاكة اللفظ ﴿وغير ذلك﴾ (٢).
وذي نبذ من مبهم الحب فَاعتَبِرْ ... وغامضَه إِن رمتَ شرحًا أُطوِّلُ
المبهم: هو ما جاء غيرَ مسمَّى نحو: سفيان عن رجل عن الزهري.
وأما الاعتبار ، فذكر الحافظ أبو حاتم بن حبان (٣) أن طريقَ الاعتبار ﴿في﴾ (٢) الأخبَار مثاله أن يَرويَ حمَّاد بنُ سلمةَ حديثًا لم يتابع عليه عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ فينظر هل روى ذلك ثقة غير أيوب عن ابن سيرين، فإن وجد علم أن للخبر أصلًا يرجع إليه ﴿وإن لم يوجد ذلك فثقة غير ابن سيرين رواه عن أبي هريرة ﵁ وإلا صحابي غير أبي هريرة رواه عن النبي ﷺ ، فأي ذلك وجد يعلم به أن للحديث أصلًا يرجع إليه وإلا فلا.
стр. 267
و الغامض من الحديث: ما يكون صورته صورة المتصل﴾ (١) ولا يكون كذلك.
مثاله: ما رواه عبد الرزاق عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن ولَّيتموها أبا بكر فقوي أمين ... " (٢) الحديث، فهذا صورته صورةُ المتصل، وهو منقطع في موضعين: لأن عبد الرزاق لم يسمعه من الثوري، وإنما سمعه من النعمان بن أبي شيْبَةَ الجندي عن الثوري، ﴿ولم يسمعه الثوري﴾ (١) أيضًا من أبي إسحاق وإنما سمعه من شريك عن أبي إسحاق (٣)، والله أعلم.
стр. 268
عزيزٌ بكم صَبٌ ذَلِيلٌ لِعِزكمُ ... ومشهور أوصافِ المُحِبِ التذَلُّلُ
غَرِيبٌ يُقَاسي البُعْدَ عنكَ وَمَالَهُ ... وحَقِّك عن دار الهَوَى مُتَحَوَّلُ
الغريب من الحديث: كحديث الزُّهري وقتادة وأشباههما من الأئمة ممن يجمع حديثهم، إذا انفرد الرجل عنهم بالحديث يسمى غريبًا.
فإذا رَوَى عنهم رجلان أو ثلاثةٌ واشتركوا في حديث يسمى: عزيرًا.
فإذا رَوَى الجماعةُ عنهم حديثًا يسمى: مشهورًا.
فَرِفْقًا بمقطوع الوَسَائِلِ مَالَه ... إليْكَ سَبِيْلٌ لاَ ولاَ عَنكَ مَعْدَلُ
المقطوع: غير المنقطع، ويقال في جمعه مقاطع ومقاطيع، وهو ما جاء عن التابعين موقوفًا عليهم من أقوالهم وأفعالهم.
فلا زِلتَ في عزٍ مَنِيع ورِفعَةٍ ... وما زِلتَ تعلُو بالتجَنِّي فَأَنزِلُ
أصل الإسناد أولًا خِصِيصةٌ فاضلةٌ من خصائص هذه الأمة وسنةٌ بالغة من السنن المؤكدة (١)، قال ابن المبارك (٢): الإسناد من الدين، ﴿ولولا الإسناد﴾ (٣) لَقال من شاء ما شاءَ وطلبُ العُفو فيه سنةٌ أيضًا قال الإمام أحمد ابن حنبل (٤): طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف. وقيل ليحيى بن معين في مرضه الذي مات فيه: ما تشتهي؟ قال: بيت خالٍ، وإسناد عالٍ.
و العلو على أقسام، منها القرب من رسول الله ﷺ بإسناد نظيف غير ضعيف، وذلك من أجل أنواع العلو، قال الإمام محمد بن أسلم: قرب الإسناد قربةٌ إلى الله والله أعلم.
стр. 269
أوَري بسُعْدَى والرَّبَابِ وَزَيْنَبٍ ... وَأنتَ الَّذِي نَعْنِي وأنتَ المُؤَمَّلُ
فَخُذْ أَوَّلًا مِنْ اسْمِهِ ثُمَّ أَوَّلًا ... من النصفِ فيه فهْوَ فِيهِ مُكَمَّلُ
أبَرُّ إذا أقسَمْتُ إني بِحُبِهِ ... أهِيمُ وَقَلْبِي بالصِّبَابَةِ يُشْغَلُ (١)
إذا أخذت الكلمة الأولى من أول (٢) البيت الأخير والأولى من أول نصفه صار "إبراهيم" وهو المقصود، والله أعلم.
تم القصيدة مع شرحها، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمَّدٍ وآله تسليما.
﴿فصل
كان اعتماد العلماء ﵁ على حفظ الحديث في القلوب والخواطر لا الكتب والمحابر، فلما انتشر الإسلام وكثر وانقرض عصر الصحابة ﵃ احتاج العلماء ﵃ إلى كتابة الحديث وتقييده وتدوين متونه في الكتب وتجليده، فقيل: إن ﴿أول﴾ (٣) من دون الحديث عبد الملك بن جريج، ثم تلاه مالك ابن أنس ﵁ فكان تبعًا له، وقيل: إن أول من صنف فيه الربيع بن صبيح بالبصرة ثم تلاه غيره ممن ألف فيه ورتب، ثم انتشر بعد ذلك جمع الحديث وتدوينه في الكتب. فجمع الإمام أحمد والبخاري ومسلم، وأبو داود والترمذي والنسائي، وأطلقوا على كتبهم اسم "السنن" (٤)؛ لأنهم
стр. 270
جمعوا فيها بين الصحيح والحسن والغريب - رضوان الله عنهم أجمعين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكان الفراغ من تعليقها على يد أفقر العبيد محمد شمس الدين بن كمال الدين -غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين- وذلك يوم الخميس المبارك أواخر شهر شعبان المعظم قدره وحرمته، من شهور سنة إحدى وتسعين وتسعمائة، ختمها الله تعالى علينا بخير، وكان ذلك بمصر المحروسة بالجامع الأزهر - عمره الله بذكره﴾ (١).
стр. 271
الطرفة في النحو
стр. 272
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وكفى، وصلاة وسلامًا على عباده الذين اصطفى، اخص منهم بالذكر نبينا المجتبى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
وبعد:
فهذه رسالة صغيرة جمع فيها الحافظ ابن عبد الهادي أصول النحو في ورقات معدودة؛ تبين لك براعته في العربية، ويظهر لك منها صحة قول العلَّامة صلاح الدين الصفدي فيه قد أتقن العربية وغاص في لجتها على فوائدها ونكتها الأدبية. ثم قال الصفدي: وكنت أسأله أسئلة أدبية وأسئلة عربية، فأجده فيها سيلًا يتحدر، ولو عاش كان عجبًا.
ولابن عبد الهادي مصنفات في العربية منها: "شرح تسهيل الفوائد" لابن مالك، كمل منه مجلدان، و"شرح لامية ابن مالك" جزء، و"الرد على أبي حيان النحوي فيما رده على ابن مالك وأخطأ فيه" جزء.
وهذه الرسالة اللطيفة تبصرة للطالب المبتدي وتذكرة للعالم المنتهي.
نسبة هذه الرسالة لابن عبد الهادي:
نسبها له الناسخ في أول الرسالة.
ونسبها له حاجي خليفة في "كشف الظنون" (٢/ ١١١١) وإسماعيل البغدادي في "هدية العارفين" (٢/ ١٥١) وسمياها "الطرفة في النحو" وقد نظم هذه الرسالة إسماعيل بن محمد بن بردس البعلي (ت ٧٨٦ هـ) كما في "الجوهر المنضد" (ص ١٩)، وقد رواها العلامة الروداني في "صلة الخلف بموصول السلف" (ص ٢٩٢) بإسناده إلى المؤلف.
стр. 273
وصف النسخة الخطية:
هي نسخة محفوظة في المكتبة الأزهرية، ضمن مجموع (رقم ٣٢٥ مجاميع) وتقع في سبع ورقات، من الورقة التاسعة والعشرين بعد المائة إلى الورقة الخامسة والثلاثين، كتبها محمد بن أحمد بن محمد الحنبلي في المدرسة الضيائية في شهر جمادى الآخرة من سنة ٨٥٣ هـ بقلم معتاد، مشكول في مواضع، وقع في شكلها بعض الأخطاء فصوبتها ولم أشر لذلك إلا نادرًا، مسطرتها ١٧ سطرًا، وقد ذكرت هذه النسخة في "فهرس مخطوطات المكتبة الأزهرية" (٤/ ٢٠٥).
والحمد لله رب العالمين.
والفعلُ المضارعُ: مَا كانَ فِي أولِهِ: همزةٌ، أو نونٌ، أو تاءٌ أو ياءٌ نحو: أذهبُ، ونذهبُ، وتذهبُ، ويذهبُ.
والحروفُ كلُّهَا مبنيةٌ، إمَّا على السكونِ، نحو: مِنْ، أو على الفتحِ، نحو: إنَّ، أو على الضمّ، نحو: منذُ، أو على الكسرِ، نحو: جَيْرِ (١).
والفعلُ الماضي مبنيٌّ على الفتح، نحو: ضربَ.
والأمرُ مبنيٌّ على السكونِ، نحو: اضربْ.
ويبنى الاسمُ إذا أشبَه الحرفَ، أو تضمنَ معناهُ، إمَّا على السكونِ نحو: كمْ، أو على الفتح، نحو: كيفَ، أو على الكَسرِ، نحو: هؤلاءِ, أو على الضم، نحو: حيثُ.
بابُ إعرابِ الأسماءِ
الأسماءُ المعربةُ على ثمانيةِ أنواعٍ:
الأولُ: صحيحٌ منصرفٌ، وهو معربٌ بالحركاتِ الثلاثِ بالضَمةِ والفتحةِ والكسرةِ، نحو: هذا رجلٌ، ورأيتُ رجُلًا، ومررتُ برجُلٍ.
الثاني: صحيحٌ غير منصرفٍ، وهو معربٌ بالضمةِ والفتحةِ، ولا ينونُ، نحو: هذا أحمدُ، ورأيتُ أحمدَ، ومررتُ بأحمدَ.
الثالثُ: معتلٌ منقوصٌ وهو مَا آخرُهُ ياءٌ خفيفةٌ لازمةٌ قبلَهَا كسرةٌ، نحو: هذا القاضي، فهذا يسكنُ في الرفع والجرِ، ويفتحُ في النصبِ، نحو: هذا القاضي، ومررتُ بالقاضي، ورأيتُ القاضِيَ.