Полный текст (454 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
فالمقصود أن بعض الأشياء تذكر في كتب المصطلح، ولكن إذا نُبه على ما هو الذي عليه العمل، أو ما هو الذي استخدمه الأئمة، فلا بأس بذكر ما عداه، فابن الصلاح ﵀ نبه إلى أن هذا هو الذي هو الأقرب، الذي هو استخدام المنقطع في أي مكان كان السقط في الإسناد. نكتفي بهذا اليوم، وإن كان هناك أسئلة تفضل.
س: أحسن الله إليكم، يقول السائل: فضيلة الشيخ، هل يُقبل حديث المجهول، والحديث المنقطع في باب التقوية والاعتضاد أم لا؟
ج: هذا السؤال مهم، -يعني- قضية الاعتضاد بالمنقطع، أو ما فيه راو مجهول، خلاصة الموضوع هو أنه يُنظر إلى المسقِط، يُنظر إلى المسقِط من هو؟ هذا الخلاصة، رُبَّ شخص مثلا يسقط رجلا، سيأتي معنا هذا في التدليس، رب راو يسقط مَن حدثه، أو يسقط راو وسط الإسناد، ويكون ذلك مقبولا منه أو قويا، كما قالوا في تدليس سفيان بن عيينة، وفي مراسيل سعيد بن المسيب، وفي -يعني- مثل هذا.
ورُبَّ مسقِط يكون إذا أسقط رجلا فحديثه.. أو يكون من قبيل المتروك الذي لا يعتضد، كما مثلا ابن جريج، تدليس ابن جريج، أو إسقاط ابن جريج، وجماعة يقولون، يكثرون من الرواية عن المتروكين، وعن المجاهيل، فمثل هذا لا يعتضد إسناده، ويعني هذا خلاصة الموضوع، أنه يُنظر للذي أسقط، أو.. نعم، هذا الجواب، نعم.
س: يقول السائل كيف تُقبل مراسيل الحسن البصري إذا رفعها إلى النبي ﷺ ؟
ج: هو المشهور عند المحدثين -أو أكثر المحدثين- على أن مراسيل الحسن ليست قوية من قبيل -يعني- ضعيفة، ولكن ليس ضعفها شديدا، بمعنى أنها -يعني- إذا اعتضدت إما بمرسل آخر أو بمسند، أو اعتضدت بشيء قد -يعني- ترتقي عن الضعف، ومنهم من يقول: إنها قوية، -يعني- هي بعض العلماء يقويها، ولكن الذي يظهر لي -والله أعلم- أن جمهور العلماء على ضعف مراسيل الحسن، ولكن ليس من الضعف الشديد، ليس -يعني- مما يقبل الاعتضاد. نعم.
стр. 142
س: أحسن الله إليكم، يقول: هل تجوّز بعض الصحابة في الرواية عن بني إسرائيل دليل على جواز رواية الحديث الضعيف في غير الأحكام؟
ج: -يعني- بينهما فرق في الحقيقة، فرق بين الرواية عن بني إسرائيل، وبين الرواية عن النبي ﷺ يعني إذا لم يثبت الحديث، ولكن قد يكون هناك -يعني- مناسبة بينهما من جهة أنه يقول في غير الأحكام، أن هذا -يعني- لا أثر له إلا الترغيب والترهيب والتخويف ونحو ذلك.
هذا هو الجامع بينهما: العبرة، ما الغرض من رواية الإسرائيليات؟ ما الغرض منها؟ هو الاتعاظ والاعتبار، وهذا يشبهه الرواية عن النبي ﷺ بحديث ضعيف لم يشتد ضعفه في أمر ثابت، كالترغيب أو كمنقبة أو نحو ذلك، فبينهما شبه -يعني- بينهما تشابه. نعم.
س: يقول السائل: يا شيخنا، هل يدخل في حكم الرفع ما ورد عن سهل بن سعد ﵁ في البخاري: ? كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على يده اليسرى في الصلاة ?؟
ج: عمن؟ سهل بن سعد، نعم هذا، قلت لكم: إن هناك أحاديث في الصحيحين مثل قول جابر: ? كنا إذا صعدنا كبرنا وإذا هبطنا سبحنا ? أظنه هذا، لست متأكدا، المهم أن في الصحيحين أحاديث فيها: كنا نفعل، كنا نقول، كنا..، فيظهر لي -والله أعلم- أن -يعني- عمل أئمة الحديث على اعتبار هذا في الأصل اعتباره من قبيل، أو عده من قبيل المرفوع، ما لم يعارض هذا ما هو أقوى منه. نعم.
س: السلام عليكم، يقول: هل الحديث الحسن والصحيح سواء في العمل بهما في العقائد والأحكام؟
ج: هما في الجملة سواء، في الجملة الحديث الحسن لذاته؛ لأنه -كما ذكرت- في بعض مراتبه ملحق بالصحيح، ولكن -يعني- قد يوجد بينهما إما تعارض، أو -يعني- قد نحتاج إلى الموازنة، أو إلى -يعني- نقد الحديث الحسن، فهما سواء في الجملة، وإن كان الحديث الصحيح هو -يعني- أقوى منه، فقد يُحتاج إلى الموازنة بينهما عند التعارض ونحو ذلك.
стр. 143
س: يقول: ألا يرد على مرسل الصحابي أن يكون من روايته عن تابعي عن صحابي آخر فما الحكم حينئذ؟
ج: إذا تبين ذلك، إذا تبين أن الصحابي رواه عن تابعي، فهذا -يعني- يحاكم على هذا الأساس، فهذا إذا تبين ذلك، فهذا لا إشكال فيه، وأما الأصل في مراسيل الصحابة أنهم يروون عن صحابة آخرين، وأن مراسيلهم لا نقاش فيها، ولا ينبغي أن يُطرق هذا الموضوع تماما. نعم.
جزاكم الله خيرا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك اللهم وأتوب إليك، اللهم صل وسلم على نبيك محمد.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وقفنا بالأمس على النوع الحادي عشر: المعضل، وقبل أن ندخل فيه آخر النوع الذي قبله قال ابن كثير نقلا عن ابن الصلاح: وحكى الخطيب عن بعضهم أن المنقطع المروي عن التابعي فمن دونه موقوف عليه من قوله أو فعله، وهذا بعيد غريب.
وقلت: إن الخطيب لم يسمِ هذا البعض، وقد ذكر ابن حجر ﵀ من فعل هذا، وهو أبو بكر البرديجي، الذي وصفه ابن رجب -رحمه الله تعالى- بأنه أحد الأئمة المبرزين في علم العلل، فهذا هو الذي أطلق المنقطع على ما روي عن التابعي فمن دونه موقوف عليه، وقد نبهني عليه بعض الإخوان جزاهم الله خيرا. نعم تفضل.
стр. 144
النوع الحادي عشر: المعضل
تعريف الحديث المعضل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال -رحمه الله تعالى-:
النوع الحادي عشر: المعضل:
وهو ما سقط من إسناده اثنان فصاعدا، ومنه ما يرسله تابع التابعي. قال ابن الصلاح: ومنه قول المصنفين من الفقهاء: قال رسول الله ﷺ قال: وقد سماه الخطيب في بعض مصنفاته مرسلا؛ وذلك على مذهب من يسمي كل ما لا يتصل إسناده مرسلا.
قال ابن الصلاح: وقد روى الأعمش عن الشعبي قال: "ويقال للرجل يوم القيامة: عملت كذا وكذا، فيقول: لا، فيختم على فيه.." الحديث. قال: فقد أعضله الأعمش؛ لأن الشعبي يرويه عن أنس، عن النبي ﷺ قال: فقد أسقط منه الأعمش أنسا والنبيَّ ﷺ فناسب أن يسمى معضلا.
نعم هذا النوع الحادي عشر، الذي هو المعضل، وقد عرفه ابن كثير ﵀ بقوله: وهو ما سقط منه اثنان فصاعدا، ومنه ما يرسله تابع التابعي، فالمعضل من النوع الضعيف، الذي ضعف بسبب عدم اتصال إسناده، واشترطوا فيه أن يكون الساقط اثنين فصاعدا، وقد تقدم في المنقطع أنه ما سقط منه راو واحد.
إذن الفرق بين المنقطع والمعضل أن المعضل ما سقط منه اثنان فأكثر، وهذا لا إشكال فيه، وذكر ابن الصلاح -رحمه الله تعالى- أن الخطيب يسميه مرسلا، وهذا ليس فيه إشكال، تسمية المعضل مرسلا -على ما ذكرت بالأمس- هل يشكل هذا أو لا؟ تسمية المعضل مرسلا؟ يقول ابن الصلاح: وقد سماه الخطيب في بعض مصنفاته مرسلا، وذلك على مذهب من يسمي كل ما لا يتصل إسناده مرسلا، من هم الذين يسمون أو يطلقون على كل ما لم يتصل إسناده مرسلا؟ هم الأئمة الأُول.
إذن لا إشكال فيه، إذن هو نوع من الإرسال، اشتد إرساله فأُطلق عليه اسم معضل؛ لأن المعضل هو الأمر المستغلق الشديد، وتنبهون هنا في المعضل إلى أنه -يعني- مأخوذ في اللغة من الإعضال، الذي هو الاستغلاق؛ ولهذا يطلق الأئمة أيضا على الأسانيد يطلقون على بعض الأحاديث بأنها معضلة، وإن لم يكن فيها سقط أصلا، بمعنى أنها شديدة العلة، أو -يعني- نحو هذا الأمر.
стр. 145
إذن في كلام الأئمة يوجد الإعضال، هنا في الإرسال ما سقط منه اثنان، أطلق ابن المديني وأطلق أبو داود على ما سقط منه اثنان اسم المعضل، وكذلك الحاكم، كما مثل لذلك برواية الأعمش عن الشعبي قال: "ويقال للرجل يوم القيامة: عملت كذا وكذا، فيقول: لا، فيختم على فيه". قال الحاكم: أسقط الأعمش أنسا والنبي ﷺ وهذا لا إشكال فيه، ولكن أيضا يسمى أو يطلق المعضل على -يطلقونه على- ما اشتد ضعفه، وإن لم يكن فيه سقط.
وممن استخدمه بهذا المعنى الإمام أحمد، والجوزجاني يكثر من هذا، يقول: الراوي له معاضيل، أو له معضلات، ويقولون: هذا حديث معضل، ويسوقون الإسناد كاملا.
إذن إذا قرأت في كلام الأئمة، ووجدت إطلاق اسم المعضل على غير السقط، فلا تستغرب هذا، فالمقصود هنا أن ما سقط منه اثنان يسمى معضلا، وليس معناه أنه لا يسمى المعضل إلا ما كان فيه سقط، لا يريدون هذا، وإنما يريدون أن ما سقط منه راو أو أكثر.
متى يسمى السقط في الإسناد معضلا؟ إذا كان الساقط اثنين فأكثر، فهذا يسمى معضلا، ولكن ما لم يسقط منه شيء يسمى أيضا معضلا؛ لأن الإعضال -كما ذكرت- هو من الاستغلاق، وقد أطلق عليه كذلك الإمام أحمد والجوزجاني وابن عدي والنسائي وجماعة كثيرون، يطلقون اسم الإعضال على ما لم يسقط منه شيء، فهذا معنى المعضل إذن. نعم.
عندنا الآن سيدخل المؤلف في المعنعن، وهو غير المعضل، ووضعه تحت النوع الحادي عشر وإن كان مستقلا عنه. نعم، اقرأ قوله: "قال: وقد حاول بعضهم.."
الإسناد المعنعن
قال: وقد حاول بعضهم أن يطلق على الإسناد المعنعن اسم الإرسال أو الانقطاع، قال: والصحيح الذي عليه العمل أنه متصل محمول على السماع إذا تعاصروا، مع البراءة من وصمة التدليس، وقد ادعى الشيخ أبو عمرو الداني المقرئ إجماع أهل النقل على ذلك، وكاد ابن عبد البر أن يدعي ذلك أيضا.
стр. 146
قلت: وهذا هو الذي اعتمده مسلم في صحيحه، وشنع في خطبته على من يشترط مع المعاصرة اللقي، حتى قيل إنه يريد البخاري، والظاهر أنه يريد علي ابن المديني، فإنه يشترط ذلك في أصل صحة الحديث، وأما البخاري فإنه لا يشترطه في أصل الصحة، ولكن التزم ذلك في كتابه الصحيح، وقد اشترط أبو المظفر السمعاني مع اللقاء طول الصحابة، وقال أبو عمرو الداني: إن كان معروفا بالرواية عنه قبلت العنعنة، وقال القابسي: إن أدركه إدراكا بيِّنا.
هذا الكلام عن المعنعن فيه عدد من الأمور:
أولها: أن ابن كثير ﵀ اختصر كلام ابن الصلاح اختصارا شديدا، وأبين هذا الآن: النقطة الأولى في موضوع المعنعن هو ما ذكره ابن الصلاح: أن بعض المحدثين في عصر الرواية يقول: لا نقبل صيغة "عن"، فلا بد أن يكون الإسناد كله مصرحا فيه بأي شيء؟ بالتحديث، وينسبون هذا القول -والله أعلم- نسبه ابن عبد البر إلى شعبة في أول أمره، ثم ذكر أن شعبة رجع عنه إلى قول سفيان الثوري، وينسبون هذا إلى شخص اسمه حسين الكرابيسي.
فالمقصود أن بعض المحدثين -ومنهم من ذكرت- يقولون: لا نقبل أن يكون الإسناد فيه "عن"، ثم ذكر ابن الصلاح الصحيح الذي عليه العمل، وقال: إنه الصحيح الذي عليه العمل قبول الإسناد المعنعن، ونحن نعرف الآن إذا قرأت في كتب السنة أيها أكثر الأسانيد؟ المعنعنة أو المصرح فيها بالتحديث؟ المعنعنة، إذن ذاك الخلاف -إن كان خلافا صحيحا- انقرض، ومنهم من يقول: إن ذاك الخلاف أصلا وقع بعد إجماع فلا يعتد به.
ومنهم من يقول: وقع الإجماع متى؟ بعده، فانتهى الخلاف، إذن هناك إجماع من المحدثين، سواء قبل الاختلاف الذي ينسب إلى شعبة، أو الخلاف الذي ينسب إلى شعبة، أو ينسب إلى الكرابيسي أو غيرهما، منقول عن بعض المحدثين هو إجماع -إما قبل هذا الخلاف وإما بعده- على قبول الإسناد المعنعن، ولا إشكال في ذلك، انتهت هذه المسألة.
стр. 147
انتهت هذه المسألة، لا خلاف فيها أن الحديث المعنعن أنه لا يشترط التصريح بالتحديث في كل رواية، وقد اعتذر الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى- أو بين الخطيب البغدادي لِمَ استخدم المحدثون كلمة "عن".
بالمناسبة الذي يستخدم كلمة "عن" من هو؟ إذا قال مثلا -يمثلون لذلك- بأن يقول وكيع مثلا: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي وائل، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود. من الذي يقول: "عن" إبراهيم؟ الآن "عن" بين مَن ومَن؟ بين الأعمش وبين إبراهيم، لكن أكثر الذين يستخدمون "عن" هم التلاميذ قبل الأعمش، -يعني- وكيع هو الذي قال: الأعمش عن إبراهيم، نعم.
أحيانا الراوي يستخدم كلمة "عن" أحيانا الراوي نفسه، ولكن الأكثر أن الذين غيروا، أن الذين استخدموا كلمة "عن" مَن هم؟ التلاميذ، وأما أصل الرواية فقد تكون حدثنا، وقد تكون حدث إبراهيم، أو قال إبراهيم، أو ذكر إبراهيم، وقد تكون أيضا أحيانا تكون بلفظ: نبئت عن إبراهيم، أو بلغني عن إبراهيم، وأحيانا يكون بين الأعمش وإبراهيم واحد أسقطه الأعمش، فقال، قال مثلا، أو ليس الذي أسقطه الأعمش، يسقطه الراوي المتأخر، فالمقصود أن التعبير بكلمة "عن" هذه من قِبَل مَن؟ من قِبَل التلاميذ.
يقول الخطيب البغدادي: إنما فعلوا ذلك تخففا، بدل أن يقول: قال أخبرنا، قال: حدثنا، قال: كذا، يستخدم كلمة "عن" يقول: لأنهم ﵏ يحتاجون إلى الورق في الكتابة، ويحتاجون إلى نقل كتبهم في الأسفار لمراجعتها، وللمذاكرة بها، ولحفظها، وللتحديث، فيثقل عليهم، فتطول الأسانيد عليهم؛ فتخففوا واستخدموا كلمة "عن".
إذن كلمة "عن" هذه محتملة أن تكون مبدلة من أي شيء؟ من "حدثنا"، تصريح بالتحديث، أو سمعت، ومحتمل أن تكون مبدلة من غير صريحة بالتحديث، مثل: قال، وذكر، وروى، ومحتملة أن تكون مبدلة مِن؟ صريحة في الانقطاع مثل: نبئت، وأخبرت، ونحو ذلك.
стр. 148
فلهذا السبب لما كانت -يعني- محتملة اشترط من اشترط -هذا الذي خالف- اشترط ألا تقبل -أو قال أنها لا تقبل- العنعنة، فلا بد من التصريح بالتحديث، ولكن المحدثون قبلوها، أو أجمعوا على قبولها، واحتاطوا في الأمر، اشترطوا شروطا لقبولها، وهذا هو الشاهد هنا الذي ذكره ابن الصلاح، نعم هي محتملة لا إشكال في ذلك، لا إشكال، لا أحد -يعني- لا ينبغي أن يتردد في أنها محتملة؛ لأنها ليست من تعبير التلميذ في الغالب، في الغالب، وإن كان قد يعبر بها الراوي، وإنما هي من تغيير مَن بعد الراوي، فهي محتملة للسماع، ومحتملة للانقطاع، ومحتملة لصيغة مترددة.
فالعلماء ﵏ لما قبلوها ليس تسامحا -يعني- في الرواية، وإنما قبلوها بشروط، هذه الشروط هي التي ذكرها ابن الصلاح -رحمه الله تعالى-، قال: والصحيح الذي عليه العمل أنه متصل، محمول على السماع إذا تعاصروا، مع البراءة من وصمة التدليس. إذن كم ذكر مِن شرط؟ ذكر شرطين:
الشرط الأول: أنه متصل محمول على السماع إذا تعاصروا، إذا تعاصر الراوي ومن روى عنه، وأيضا يشترط فيه في الراوي ماذا؟ البراءة من وصمة التدليس، البراءة من وصمة التدليس يعني لا يقول: قال، وحدث، وذكر فلان، وروى فلان، وهو لم يسمعه منه، هذا معناه سيأتي معنى التدليس، إذن ذكر ابن الصلاح شرطين ثم قال: وقد ادعى الشيخ أبو عمرو الداني المقرئ إجماع أهل النقل على ذلك، وكاد ابن عبد البر أن يدعي ذلك أيضا.
ادعوا الإجماع على قبول ماذا؟ الإسناد المعنعن إذا جمع هذين الشرطين، بس -يعني- فقط الآن التنبيه على أي شيء؟ هو أن ابن كثير ﵀ اختصر كلام ابن الصلاح، الإجماع المُدَّعى على قبول الإسناد المعنعن إذا جمع هذين الشرطين، بل على قبول الإسناد المعنعن في الجملة.
стр. 149
وبعد ذلك يأتي البحث في الشروط، الشروط -يعني- كثير من المحدثين اشترط شرطا ثالثا، ذكره ابن الصلاح وهو ماذا؟ مع البراءة مع المعاصرة، أن يثبت، لا يكفي المعاصرة، وإنما أن يثبت أنه لقي من روى عنه ولو مرة واحدة، -يعني- يثبت ولو في حديث واحد صحيح أو في إسناد هو صحيح أنه يقول: حدثنا فلان، لا يكفي أن يعاصره فقط، وإنما يثبت في حديث صحيح، وفي إسناد صحيح أنه سمع منه.
ثم بعد ذلك يشترط أيضا أن يكون بريئا من التدليس، فهذه ثلاثة شروط، ويدخل الشرط الأول المهم قوله: إذن دعوى الإجماع هذه ليست على قبول الإسناد المعنعن بالشرطين، وإنما على قبول الإسناد المعنعن مطلقا في الجملة، وأما الشروط فيأتي بعد ذلك الاختلاف المشهور، فجمهور العلماء -كما نقله ابن الصلاح عنهم- اشترطوا كم من شرط؟ ثلاثة شروط، وإن كان واحد يدخل الثاني: المعاصرة، وأن يكون قد سمع منه، هذا يدخل واحد في الثاني، والثالث: أن يكون بريئا من وصمة التدليس.
ومن العلماء من اكتفى بكم؟ بشرطين، إذن مهم هذا الأمر -يعني كما ذكرت- ابن كثير اختصر قليلا، فالإجماع المذكور على قبول الإسناد المعنعن في الجملة، هذا لا إشكال فيه، نقله ابن عبد البر، وكلمته ما أطيل في تحليلها، لكن أكتفي -يعني- أكتفي بها بالتنبيه هذا، وهو أن الإجماع المذكور هو على قبول الإسناد المعنعن في الجملة، وبعد ذلك تأتي الشروط أو التفصيل في الشروط التي ذكرها العلماء.
فجمهور العلماء اشترطوا شرطين أو ثلاثة، ومن العلماء من يكتفي بشرطين، وهما اللذان ذكرهما، الاكتفاء بأي شيء؟ بالمعاصرة -يعني- لا يُشترط أن نقف على حديث واحد يقول فيه الراوي: حدثنا فلان، يكتفي بالمعاصرة مع إمكان اللقي، والبراءة من وصمة التدليس، وهذا مَن الذي قال بهذا القول؟ معروف هذا القول عمن؟ ذكره ابن كثير قال: وهذا هو الذي اعتمده مسلم في صحيحه، وشنع في خطبته على من يشترط مع المعاصرة اللقي.
стр. 150
إذن مسلم يكتفي بالمعاصرة، وقال ابن كثير ﵀: إن الذي شنع عليه مسلم يظهر أنه ابن المديني، أنه ابن المديني؛ لأن البخاري -يقول ابن كثير- لأن البخاري لا يشترط ثبوت اللقي في أصل الصحة، وإنما اشترطه في أي شيء؟ في صحيحه، وهذا الذي قاله ابن كثير نوقش فيه كثيرا، وقالوا: إن البخاري لا فرق عنده بين الصحيح خارج كتابه وبين الصحيح في كتابه، فهو يشترط ثبوت اللقي في صحيحه وخارج -أو في خارج- صحيحه، هذا الذي قاله ابن كثير.
أما قضية من يريد مسلم بهذه المناقشة، بالتشنيع والمناقشة، فهذا أمر آخر لا أطيل بذكره، أو لا أطيل فيه، ويعني يحتاج الأمر إلى تفصيل، لكن أشير هنا هذا الذي ذكره، أو -يعني نعم-، هذا الذي يتعلق بهذه الفقرة أو بهذا الموضوع، والذي ذكره ابن الصلاح، ووافقه ابن كثير من التفريق بين مذهب البخاري ومذهب مسلم.
هذا هو الصحيح أن بينهما فرق، بينهما فرق في هذه القضية الخاصة، وهي أن البخاري يشترط ثبوت اللقي، ومر بنا أن ابن كثير ذكر من مميزات صحيح البخاري التي قُدم فيها على صحيح مسلم ماذا؟ أن البخاري يشترط ثبوت اللقي ولو مرة واحدة، وهذا هو الصحيح مهما قيل في هذه المسألة ومهما كُتب، فالصحيح أن بين البخاري وبين مسلم فرقا يسيرا في هذه النقطة المعينة، وهو -يعني- اشتراط ثبوت اللقي.
ومسلم ﵀ أطال في المقدمة في التشنيع على هذا القول، ومناقشة هذه المسألة -يعني- تحتاج إلى وقت، أو تحتاج إلى شرح طويل. اكتفي بهذا.
стр. 151
يبقى النقل عن أبي عمرو الداني، وعن القابسي، -يعني- متى أبو عمرو الداني هذا؟ في أي عصر والقابسي كذلك؟ كلاهما في عصر متأخر، -يعني- هذه الشروط: اشتراط أبي عمرو الداني أن يُعرف بطول الصحبة، أبو الموفر السمعاني هو الذي اشترط طول الصحابة -يعني- هذه لم يؤخذ بها، فلو يلقاه مرة واحدة وهو ثقة، ويروي عنه، بل لو يكاتبه، فهذا كافٍ في -يعني- الرواية عنه، أو في اتصال الإسناد، وكذلك أن يكون معروفا بالرواية عنه، هذا أيضا يكتفى.
بعض المحدثين لا يسمع من شيخه إلا كم من حديث؟ إلا حديث، ويصرح هو ويقول: لم أسمع منه الحديث الفلاني، أو يقول العلماء: لم يسمع منه إلا الحديث الفلاني، وهذا كثير، ليس بالقليل، فهذه الشروط اشتُرطت متى؟ في وقت متأخر، ولا اعتبار لها، فهذا يذكره المحدثون في كتب المصطلح -كما ذكرت-، يذكرون أمورا خارج كلام المحدثين الأوائل، أو خارج ما اصطلحوا عليه، أو ما اشترطوه من باب الفائدة.
وكذلك قول القابسي: أدركه إدراكا بينا، هذا يدخل في شرط مسلم، فمسلم يشترط أن يدركه إدراكا، -يعني- يسميه إمكان اللقي، قال: وأمكن لقاء بعضهم بعضا، الآن عندنا عنوان جديد أدخله أيضا ابن كثير في المعضل، الآن الذي مر قبل قليل، ما هو الذي أدخله في المعضل أيضا؟ هو المعنعن، الآن عندنا إسناد آخر، مصطلح آخر يسمونه المؤنن أو المؤنأن، -يعني- الذي فيه الرواية بصيغة أن فلانا قال مثلا، أو أن فلانا ذكر، أو أن فلانا دخل. يقرأه الأخ يتفضل مشكورا.
الإسناد المؤنن
وقد اختلف الأئمة فيما إذا قال الراوي: "أن فلانا قال"، هل هو مثل قوله: "عن فلان"، فيكون محمولا على الاتصال حتى يثبت خلافه، أو يكون قوله: "إن فلانا قال" دون قوله "عن فلان"، كما فرق بينهما أحمد بن حنبل، ويعقوب بن شيبة، وأبو بكر البرديجي، فجعلوا "عن" صيغة اتصال، وجعلوا "إن فلانا قال كذا" في حكم الانقطاع حتى يثبت خلافه.
стр. 152
وذهب الجمهور إلى أنه ما سوى في كونهما متصلين قاله ابن عبد البر، وممن نص على ذلك: مالك بن أنس، وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على أن الإسناد المتصل بالصحابي سواء فيه أن يقول: عن رسول الله ﷺ أو قال رسول الله ﷺ أو سمعت رسول الله ﷺ .
نعم هذا يسمونه الإسناد المؤنن والمؤنأن -كما ذكرت-، وقد ذكر ابن الصلاح ﵀ في قبول الإسناد المؤنن أن فلانا قال كم ذكر من قول؟ كم من قول ذكر؟ ذكر قولين، ونسب الأول منهما إلى أحمد ويعقوب بن شيبة -في بعض الطبعات يعقوب بن أبي شيبة، وهذا خطأ هو يعقوب بن شيبة-، ونسبه أيضا إلى أبي بكر البرديجي، فيقول ابن الصلاح: جعلوا "عن" صيغة اتصال، وقوله: "إن فلانا قال" كذا في حكم الانقطاع حتى يثبت خلافه، نعلق على هذا بـ..
وابن كثير ﵀ وافق ابن الصلاح على ما ذكره، وأن هناك في المسألة كم من قول؟ أن فيها قولين، وذهب الجمهور إلى أنهما سواء في كونهما متصلين، بل تقول -يعني يعلَّق على هذا- بأن كلام ابن الصلاح هذا -يعني- من الأشياء التي تعقبه العلماء فيها، وقالوا: إنه لم يتمعن في أجوبة أحمد والبرديجي ويعقوب بن شيبة، فليس في المسألة اختلاف، ليس في المسألة اختلاف.
فالعلماء ﵏ مجمعون على شيئين ننتبه لهما، ننتبه لهما، -يعني- أخوض في بعض الدقائق لماذا؟ لأن ابن كثير ﵀ دخل فيها، ولا بأس -يعني- معالجة مثل هذه الأمور، انتبه الآن، أجمعوا على شيئين إذا عرفناهما نعرف أنه ليس هناك اختلاف.
стр. 153
إذا قال الراوي مثلا عروة بن الزبير، هذا السؤال الذي وجه للإمام أحمد، إذا قال الراوي الذي هو عروة، لنفرض إن عائشة قالت: قال النبي ﷺ كذا -انتبه لصيغة الرواية- إن عائشة قالت، قالت لمن؟ لعروة إن عائشة قالت: قال النبي ﷺ إذن عائشة قالت لعروة إن النبي ﷺ كذا، قال كذا، هذا بالإجماع متصل، كما لو قال عروة، كما لو جاءتنا الرواية بصيغة: عن عروة عن عائشة، فهذا بالإجماع متصل، ولا خلاف فيه.
انتبه للصيغة الثانية، لو قال عروة: إن عائشة قالت للنبي ﷺ كذا وكذا، فقال لها النبي ﷺ كذا، الآن عروة يروي عن عائشة، أو يروي قصة عائشة؟ لا، يروي عن عائشة، الآن هذا بالإجماع منقطع، هذا بالإجماع منقطع، مرسل، يسمونه مرسلا، ويقولون: الراوي إذا روى حكاية بـ "أن" وهو لم يدركها فهو مرسل أو متصل؟ فهو مرسل بالإجماع، هذا البرديجي، وغير البرديجي، وقد نقل الإجماع على هذا ابن المواق وغيره، نقلوا الإجماع على هذا.
إذن الكلام في الإرسال والاتصال على صورتين، وليس على صورة، من كلام البرديجي ويعقوب بن شيبة وكذلك أحمد الكلام على صورتين، واحدة متصلة والأخرى؟ والأخرى مرسلة، منقطعة، وبينهما فرق من جهة الرواية، ومن جهة أيضا -يعني- الصيغة.
стр. 154
فإذن المسألة ليس فيها اختلاف، إذا قال الراوي: إن فلانا قال لي كذا، أو إن فلانا قال: قلت كذا مثلا، فهذه صيغة رواية، وهي متصلة مثل "عن"، أما إذا قال الراوي: إن فلانا خرج مع النبي ﷺ إن فلانا دخل على النبي ﷺ إن فلانا قال للنبي ﷺ إن فلانا جاء والنبي، فهذه كلها مرسلة أو منقطعة إذا قالها التابعي؟ هذه كلها مرسلة؛ لأن التابعي لا يمكنه أن يكون قد حضر، هذه كلها مرسلة؛ لأن التابعي لا يمكنه قد حضر القصة. طيب ننتبه الآن، لو قال عبد الله ابن عمر بن الخطاب: إن عمر خرج مع النبي ﷺ أو إن عمر قال لنبي ﷺ كذا وكذا، فقال له النبي ﷺ كذا وكذا، هذه مرسلة أو متصلة؟ لماذا متصلة؟ لأن عبد الله ابن عمر يمكنه أن يكون قد حضر القصة، فهذه إذن ليس في المؤنن اختلاف -يعني- ليس فيه اختلاف يذكر، وإنما ابن الصلاح ﵀ يقولون لم يتمعن في أجوبة هؤلاء الأئمة أو في كلامهم على الفرق بين الصيغتين.
وأطال في ذلك ابن رجب، وابن حجر ﵀ أطالوا في شرح كلام العلماء، واتفاقهم في هذه المسألة، وهذا هو الذي يعرف بالإسناد المؤنن أو المؤنأن، الاختلاف فيه بسبب اختلاف الصيغة، وليس هو اختلافا، وإنما هو اختلاف صيغة، كل واحدة لها حكم، وفيها اتفاق بين الأئمة -رحمهم الله تعالى- وكثير من الباحثين ما ينتبه لهذا الفرق، الفرق بين أن يكون الراوي قد قصد الرواية بأن، وأن يكون قد قصد حكاية القصة، كثير من الباحثين ما ينتبه لهذا.
стр. 155
طيب عندنا الآن -نعم- حكى ابن عبد البر الإجماع على أن الإسناد المتصل بالصحابي سواء فيه، هذا ما فيه إشكال، الآن أيضا ابن كثير اختصر كلاما لابن الصلاح، اختصره كثيرا، يلجأ إلى -يعني- هذه مشكلة في الاختصار، أنه قد يقع، قد يقع، وإن كان ابن كثير ﵀ أجاد في هذا الكتاب، وأجاد في الاختصار، ولكن قد يقع في الأسطر الأخيرة التي سيقرأها القارئ -يعني- أدخل أو -يعني- تكلم على عدد من الأمور، نعم أيها الشيخ نعم، نعرفها الآن.
إذا أسند الراوي ما أرسله غيره
وبحث الشيخ أبو عمرو ها هنا فيما إذا أسند الراوي ما أرسله غيره، فمنهم من قدح في عدالته بسبب ذلك إذا كان المخالف له أحفظ منه، أو أكثر عددا، ومنهم من رجح بالكثرة أو الحفظ، ومنهم من قبل المسند مطلقا إذا كان عدلا ضابطا، وصححه الخطيب وابن الصلاح، وعزاه إلى الفقهاء والأصوليين، وحكى عن البخاري أنه قال: الزيادة من الثقة مقبولة.
نعم هذه المسألة أدخل فيها -يعني- فيها قضية في هذه المسألة قضيتان: القضية الأولى الراوي إذا أرسل، أو إذا أسند الراوي ما أرسله غيره، ما معنى أسنده؟ -يعني- ذكر فيه صحابيه ما أرسله غيره هذا الغير ماذا فعل في روايته؟
لم يذكر الصحابي -يعني- اعتبرنا أو توصلنا إلى أن الذي أسند وذكر الصحابي قد غلط، هل يقدح هذا فيه أو لا يقدح فيه؟
هذه مسألة، قضية، وهي تأثيرها على الراوي نفسه، على عدالته وضبطه، عندنا مسألة العدالة، إذا تعمد الراوي الإسناد، الزيادة في الإسناد، ما حكم هذا؟ يقدح في عدالته أو لا يقدح؟ هذا يقدح بلا إشكال، يقدح في عدالته، ويعتبر كذبا، إذا لم يتعمد الراوي وزاد في الإسناد الصحابي ما حكمه؟
مر بنا هذا: قضية أن العلماء ﵏ يعرفون ضبط الرواة بمقارنة مرويات بعضهم ببعض، فإذا رأوا أن الراوي يخطئ، ما يرويه غيره مرسلا يرويه هو متصلا، وما يرويه غيره موقوفا يرويه هو مرفوعا، أو العكس كذلك أيضا، فهذا متى يخل بضبطه؟
стр. 156
عرفنا متى يخل بالعدالة؟ يخل بالعدالة متى؟ إذا تعمد، متى يخل بالضبط؟ أو هو يخل بالضبط، لكن درجة الإخلال هذه تخضع لأي شيء؟ لكثرة المخالفة وقلَّتها، إذا كان يخالف قليلا، -يعني- له عدد من الأحاديث خالف فيها، فهذا هو الذي يقولون: ثقة له، أو يقولون: ثقة، ويعني ينزلونه عن درجة من يقولون فيه: ثقة ثبت، أو ثقة حافظ، أو ثقة ثقة ثقة مثلا، ينزل قليلا، وكلما كثرت المخالفات في حديثه نزلت درجته.
هذه طريقة العلماء ﵏ في -يعني- إحدى الوسائل في معرفة ضبط الرواة وعدالتهم، هي مقارنة مرويات بعضهم ببعض، فبالنسبة للضبط إذا قلَّت المخالفة تسامحوا فيه، ولم ينزلوه عن درجة الثقة؛ لأنهم يقولون: من ذا الذي لا يغلط؟
وما معنى هذه الكلمة؟ يعني أن كل إنسان عرضة للخطأ، ولكنه إذا كثر منه، حفظوا عليه شيئا وشيئا وشيئا قالوا: ثقة له أوهام، فإذا زاد قالوا: صدوق، فإذا زاد قالوا: صدوق يخطئ، صدوق سيئ الحفظ، فإذا زاد وانضم إلى ذلك أمور، قد ينضم إلى ذلك أمور أخرى، مثل أن يتفرد بأشياء، فربما ينزلونه إلى درجة الضعيف.
فإذا كثر منه ذلك صار لا يبالي، أكثر أحاديثه خطأ أنزلوه إلى درجة المتروك، هذا إذا لم يكن يتعمد، وقالوا: متروك الحديث مع صلاحه، وكذا وكذا؛ لأنهم ﵏ يعني مسألة التعمد هذه، وإن كان ربما لا تتبين كثيرا.
ولهذا نرى الاختلاف بين أن يقول واحد: إنه يكذب، وبين أن يقول: إنه صدوق لا يتعمد الكذب؛ لأن مسألة النية هذه مرجعها إلى أي شيء؟ مرجعها إلى القلب، وإنما -يعني- الله أعلم، وإنما العلماء ﵏ يحكمون بحسب ما لديهم من قرائن، فالمقصود أن هذه -تأثير المسألة هذه التي ذكرها- تأثيرها على الراوي، هو ذكر مسألتين الآن -ابن كثير-: قضية تأثير المخالفة على الراوي، وهذه هي التي ذكرتها الآن، وذكروا القضية الثانية تأثيرها على المروي.
стр. 157
ما معنى تأثيرها على المروي؟ يعني إذا روى الراوي حديثا وأرسله، ورواه غيره وأسنده نقبل قول مَن؟ نقبل قول مَن؟ ذكر -يعني- ثلاثة أقوال، قال: منهم من رجح بالكثرة أو الحفظ، ومنهم من قبل المسند مطلقا إذا كان عدلا ضابطا، وصححه مَن؟ هذا القول؟ الخطيب وابن الصلاح، وعزاه إلى الفقهاء والأصوليين.
وحكى عن البخاري أنه قال: الزيادة من الثقة مقبولة، بس تقولون أيضا كذلك هذه الحكاية، وهذه الأقوال في هذه القضية، يقولون: إن الخطيب البغدادي ﵀ أخذها نظريا من كلام المتكلمين، وذكر أربعة أقوال -يعني- لو نحصي من تعقب الخطيب، وتعقب ابن الصلاح في هذه القضية، يمكن يبلغون أكثر من عشرة.
وقالوا إن ابن الصلاح ﵀ هنا اختار أن الصواب مع مَن؟ إذا روى شخص حديثا مرسلا، ورواه شخص أو أكثر مسندا اختار قول مَن؟ هنا تسمى هذه القضية تعارض الوصل والإرسال، اختار قول مَن هنا الآن؟ رجح قول مَن؟ ابن الصلاح والخطيب كذلك؟ رجح أن الصواب مع مَن؟ مع المسند، وعزاه إلى الفقهاء والأصوليين، وهذا الذي رجحه الخطيب وابن الصلاح يقولون: إنه ليس هو مذهب مَن؟ ليس هو مذهب المحدثين.
الترجيح دائما للمسند ليس مذهب المحدثين، وحتى إن الخطيب ﵀ يقولون ألف كتابا سماه.. المهم في كتاب اسمه "تمييز المزيد في متصل الأسانيد"، وهناك كتاب في مبهم المراسيل للخطيب البغدادي، لم يسر فيهما على ما اختاره هنا، -يعني- خالف تطبيقه تنظيره، ما سار عليه في كتابيه أو في كتبه.
يقولون: إنه هو مذهب المحدثين، ما هو مذهب المحدثين إذن؟ الآن القول هذا عزاه ابن الصلاح إلى مَن؟ وأصاب في ذلك، عزاه إلى مَن؟ إلى اختيار الخطيب وإلى الفقهاء، هذا لا إشكال فيه، ولكن لا بد من معرفة من نبحث في مصطلحه.
стр. 158
لا بد من معرفة مذهب من في هذه القضية المهمة، وهم المحدثون: ابن رجب وابن حجر وابن الملقن والبقاعي والعلائي وجماعة كثيرون نبهوا إلى أنه كان ينبغي أن يُذكر هنا ويُختار منهج مَن؟ المحدثين، وهو أنهم يقولون: مذهب المحدثين باختصار في هذه القضية أنهم يقولون: الأمر يدور في ترجيح المرسل أو المسند مع أي شيء يدور؟ يدور مع القرائن، ليس هناك قاعدة بأن نقول الراجح دائما المرسل، ولا أن نقول الراجح دائما المسند، ولا أن نقول الراجح دائما مع الأحفظ، أو مع الأكثر.
ليس هناك قاعدة مطردة في ترجيح شيء على شيء في هذا الموضوع المهم، ونلاحظ -لاحظوا معي يا إخوان نقطة مهمة- أنَّا إذا رجحنا قبول المسند، قبول قول المسند دائما، ارجعوا إلى شروط الحديث الصحيح ماذا اشترطنا فيه؟ ماذا اشترطوا في شروط الحديث الصحيح؟ في الشرطين الأخيرين ألا يكون شاذا وألا يكون معللا، إذا قبلت قول المسنِد دائما ألغيت الشرط الأخير الذي هو ماذا؟ الذي هو شرط المعلل.
وقد نص ابن دقيق العيد ﵀ على أن الفقهاء والأصوليين لا يشترطون هذين الشرطين اللذين هما ماذا؟ الشذوذ والعلة، وهذا هو معنى كلام ابن دقيق العيد أنهم يقولون: إذا تعارض وصل وإرسال فالحكم دائما لمن؟ لمن وصل أو لمن أرسل عندهم؟ لمن وصل، هؤلاء هم الفقهاء.
ولكن لا بد هنا من معرفة مذهب المحدثين، الذي هو أنهم يديرون الأمر مع القرائن، فإن ترجح أن المسنِد هو المصيب انتفت العلة، وإن ترجح أن المرسِل هو المصيب صار الحديث لم يتوافر فيه الشرط الأخير الذي هو ماذا؟ ألا يكون معلولا.
يبقى القضية، وهي نقلهم عن البخاري أنه قال: الزيادة من الثقة مقبولة، ننتبه لهذه النقطة، وهي أن البخاري لم يقل هذا مطلقا، وإنما يتكلم على حديث بعينه، الذي هو حديث: ? لا نكاح إلا بولي ?.
стр. 159
إذن كلام البخاري على إطلاقه أو بخصوص حديث معين؟ لا يصح الاستدلال به على أن دائما من زاد هو المصيب، أو أن زيادته مقبولة، فهذا كلام البخاري، نبهوا أيضا إلى أنه إنما البخاري يتكلم على إسناد بعينه، وهذه الموضوعات بينها تداخل؛ ولهذا يقولون الذي اختار مذهب الفقهاء والأصوليين هنا، واختار هناك في التعريف خمسة الشروط يكون بين قوليه تضاد وتعارض، ويعني مثل هذا الأمر -مصطلح الحديث- دقيق جدا، ينبغي للشخص أن يتنبه لما يختار من مصطلحات، وما يختار من قواعد؛ لئلا يكون بين كلامه تعارض.
وكذلك قضية التعارض بين التنظير والتطبيق، هذه أمر مهم، نلاحظ أن الخطيب البغدادي ﵀ يعني في كتابه "المزيد في متصل الأسانيد"، وكتابه في مبهم المراسيل، -يعني- مشا على منهج المحدثين، حتى بل قالوا: إنه ربما بالغ في تطبيق العلل، ربما -يعني- يقولون، ولكنه هنا اختار هذا، اختار أن القول قول من وصل دائما، ويعني جل من لا يخطئ.
هذا معنا الآن النوع الثاني عشر، الذي هو المدلس، نعم. تفضل.
стр. 160
النوع الثاني عشر: المدلس
تدليس الإسناد
والتدليس قسمان: أحدهما: أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه، موهما أنه قد سمعه منه، ومن الأول قول علي بن خشرم: كنا عند سفيان بن عيينة، فقال: قال الزهري كذا، فقيل له: أسمعت منه؟ هذا قال: حدثني به عبد الرزاق عن معمر عنه، وقد كره هذا القسم من التدليس جماعة من العلماء وذموه، وكان شعبة أشد الناس إنكارا لذلك، ويروى عنه أنه قال: لأن أزني أحب إلي من أن أدلس.
قال ابن الصلاح: وهذا محمول منه على المبالغة والزجر، وقال الشافعي: التدليس أخو الكذب، ومن الحفاظ من جرح من عُرف بهذا التدليس من الرواة، فرد روايته مطلقا، وإن أتى بلفظ الاتصال، ولو لم يعرف أنه دلس إلا مرة واحدة، كما قد نص عليه الشافعي ﵀، قال ابن الصلاح: والصحيح التفصيل بين ما صرح فيه بالسماع فيقبل، وبين ما أتى فيه بلفظ محتمل فيرد.
قال: وفي الصحيحين من حديث جماعة من هذا الضرب كالسفيانَين والأعمش وقتادة وهشيم وغيرهم.
قلت: وغاية التدليس أنه نوع من الإرسال لما ثبت عنده، وهو يخشى أن يصرح بشيخه فيُرد من أجله، والله أعلم.
نعم، هذا التدليس، هذا القسم الأول من التدليس، ذكر ابن كثير ﵀ أن التدليس على قسمين: أحدهما هذا الأول، يسمى تدليس الإسقاط، أو -يعني- أنا أسميه كذا تدليس الإسقاط، وهو أن يُسقط المدلس راويا من الإسناد، ثم نقسمه -هذا القسم أيضا يقسمونه- إلى قسمين، هذا القسم الأول يقسم إلى قسمين، ذكر ابن كثير أحدهما، ولم يذكر الآخر؛ لأنه قليل، ليس بالكثير.
القسم الأول الذي ذكره: هو أن يكون الإسقاط من أول الإسناد، بأن يسقط المدلس شيخه، وقد يسقط معه أيضا غيره.
والقسم الثاني: أن يكون الإسقاط من وسط الإسناد، وهو الذي يسمونه تدليس التسوية، وهذا ما ذكره ابن كثير نتركه.
نعود إلى القسم الأول الذي هو الإسقاط من أول، من مبدأ الإسناد، يسقط المدلس شيخه، فهذا القسم بحث فيه ابن كثير عددا من الأمور، أو ذكر فيه عددا من الأمور، أولها: تعريفه، ماذا قال في تعريفه؟ أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، -يعني- يروي عن شيخه أحاديث أو يروي عنه حديثا واحدا لم يسمعه منه، بأي صيغة يرويه؟ بأي صيغة؟ يرويه بصيغة محتملة.
стр. 161
أما لو رواه بصيغة صريحة في الاتصال فهذا ماذا يسمى؟ كذب، وهذا لا يفعله الرواة الثقات، قد يفعله بعض الكذابين، هذا كذب، لو رواه بصيغة صريحة في الانقطاع هل هو تدليس أو ليس بتدليس؟ لو رواه بصيغة صريحة في الانقطاع، لو قال: بلغني عن فلان أو نُبئت عن فلان، هذا ليس بتدليس؛ لأنه صرح بالانقطاع، متى يكون تدليسا إذن؟ إذا رواه بصيغة محتملة للسماع، مثل: قال وذكر أو عن، فهذه صيغ محتملة للسماع وعدمه، فهذا أن يروي الراوي عمن لقيه ما لم يسمعه منه أو عمن عاصره ولم يلقه موهما أنه سمعه منه.
إذن هذا القسم -الذي هو الإسقاط من مبدأ الإسناد- على صورتين:
الصورة الأولى أن يروي عن شيخه ما لم يسمعه منه، ومثل له ابن كثير أو تبعا لابن الصلاح بتدليس ابن عيينة، أحيانا ربما يدلس عن الزهري، الزهري من كبار شيوخ من؟ سفيان بن عيينة، ولكنه في بعض الأحاديث لم يسمعها منه، سمعها من شخص آخر فماذا يفعل سفيان بن عيينة؟ يرويها عن الزهري مباشرة.
يفعل هذا أحيانا، ويفعله هشيم في بعض شيوخه، ويفعله الأعمش، ومع مجاهد، ومع غيره، ومع إبراهيم النخعي، يفعلونه -يعني- له شيخ معروف بالرواية عنه، ولكن في أحاديث لم يسمعها منه، فيرويها عنه مباشرة بصيغة محتملة للسماع، فهذا يسمونه تدليسا.
الصورة الثانية: يروي عن شخص لم يسمع منه أصلا، وإنما هو وإياه في عصر واحد، وممن يفعل هذا كثيرا يفعله كثيرا سعيد بن أبي عروبة، ويفعله قتادة، ويفعله الحسن البصري، ويفعله جماعة من الرواة، يروون عمن عاصرهم بصيغة محتملة، لِمَ يسمى هذا تدليسا؟ الأول واضح أنه تدليس، لماذا يسمى هذا تدليسا؟ لأنه يوهم أنه قد سمع منه وهو لم يسمع منه، فهذا يسمونه تدليسا.
стр. 162
ونحن نعرف في كتب المصطلح المتأخرة تبعا لابن حجر ﵀ أنه خص التدليس -الآن كم معنا من صورة للتدليس في مبدأ الإسناد؟ صورتان ابن حجر ﵀ تبعا لبعض الأئمة مثل البزار ومثل الشافعي ومثل ابن رشيد- خصوا التدليس بالصورة الأولى التي هي أن يروي عن شيخ قد سمع منه.
والصورة الثانية سموها الإرسال الخفي، ولكن للتنبيه جمهور العلماء أو استعمال المتقدمين التدليس في الصورتين كما نقله ابن الصلاح، ووافقه ابن كثير هنا، بس أنبه عليه لئلا -يعني- يقع التباس.
فاستخدام الأئمة ﵏ يقولون مثلا، يصفون فعل سعيد بن أبي عروبة في روايته عن الزهري، في روايته عن هشام ابن عروة، في روايته عن جماعة عدهم الإمام أحمد ﵀ يطلقون على هذا تدليسا، يقولون يدلس يروي فلان عن فلان ولم يسمع منه، إنما يدلس عنه، هذا كثير لم يمثل له ابن كثير، هذا من أمثلته رواية سعيد بن أبي عروبة عن هشام بن عروة، وعن عبيد الله بن عمر، وعن جماعة لم يسمع منهم. نعم.
في نقطة ثانية تكلم عليها ابن كثير ﵀، وهو أن جماعة من العلماء عابوا التدليس وذموه، ذم التدليس، ومنهم على رأس من ذمه من؟ الذي اشتهر ﵀ بعنايته باتصال الأسانيد، وعنايته بسماع الرواة بعضهم من بعض، حتى أنه ﵀ هذا شعبة له فضل كبير، نحن نعرف شعبة في جرح الرواة، هو الذي تشدد في جرح الرواة وتتبعهم، هذا مشهور عنه، لكن له فضل كبير في جانب آخر في السنة، وهو العناية بأي شيء؟ باتصال الأسانيد.
стр. 163
كان ﵀ يعني كمن يقول: وقف شعره من كثرة الإرسال، رأى أن الإرسال كثير جدا عند الرواة، كان يقول: لو أتيت إلى محدث، ووفرت عنده بخمسة أحاديث، عند التحقيق يتبين لك أن ثلاثة من هذه الأحاديث لم يسمعها. فشدد ﵀، -وإن شاء الله تعالى- يعني مأجور هو في ذلك، ويعني له فضل كبير على السنة وعلى حفظها في تشدده، وبعده شدد الأئمة، وكانوا قبله أيضا يبحثون عن السماع، ولكن شعبة ﵀، حتى أن بعض الرواة وهو سفيان بن عيينة، روى حديثا كله فيه، حدثنا فلان، حدثنا فلان، وفي نهايته قال: هذا من بابة شعبة أو هذا يعجب شعبة، لماذا؟.
لأن فيه صياغة التحديث، وكان-﵀ إذا جاء إلى راوٍ فيه عسر، من هو الراوي الذي فيه عسر؟ يعني هو الراوي الذي لا يقبل المناقشة، ولا يقبل أن يقال له: أعد الحديث، ولا يقبل أن يقال له: هل سمعت الحديث؟ يأنف من ذلك، كان ربما يوسط أحدا؛ لأن الرواة يذكرون لشعبة من كثرة تنقيبه عن السماع، وتنقيبه، فبدل أن يسأل هو ماذا يفعل؟ يوصي غيره أن يسأل.
في ذلك جاء في قصة، أنه أوصى سماك بن حرب أن يسأل عبد الرحمن بن القاسم: هل سمع هذا الحديث من أبيه؟، فلما خرجوا قال له، فسأله فقال: نعم، سمعته، سأله سماك لم يسأله شعبة، خاف شعبة منه يقول: كان فيه عسر أو كذا، فلما خرجوا قال له سماك: استوثقت لك منه يا شعبة، يعني: استوثقت لك، يعني أنه قد سمع منه، وله أخبار طرائف في توقيف، يسمونه التوقيف.
المهم أنه له أخبار كثيرة في توقيف الرواة وسؤالهم عن السماع، وفي بعض الأحيان يستحلف الراوي، في حديث النهي عن بيع الولاء وهبته، استحلف عبد الله بن دينار أنه سمع هذا الحديث من ابن عمر، فحلف له أنه سمعه، فكان بعد يقول: لو أذن لي عبد الله بن دينار لكنت قبلت رأسه.
стр. 164
يعني المهم أنه كان يكره التدليس، ونقل عنه ابن الصلاح هذه الكلمة وهي معروفة، شعبة ﵀ أكثر من قوله: لأن أزني، يعني حتى يقول: لأن أزني، أحب إلي من أن أروي عن أبان بن أبي عياش وعن فلان، ويقول: لأن أخر من السماء، أحب إلي من أن أقول: قال فلان وأنا لم أسمعه منه، فعقب عليه الذهبي ﵀ فقال: هذا والله هو الورع، عقب على كلمة شعبة.
وله أخبار كثيرة في التدليس، هو الذي يقول: كنت أتفقد قتادة، كان عنده أصحابه، وكان يروي لهم يدلس، يصرح بالتحديث ما يصرح بالتحديث، ما يناقشونه في ذلك، يرسل ما يرسل، فلما جاءه شعبة صار يسأله، إذا ساق له إسنادا مرسلا قال له: أين إسنادك؟ فيضجر قتادة، فحدث مرة شعبة فقال له قتادة: من حدثك؟ فقال: تسألني وتأبى علي أن أسألك.
فكان بعد يسند لشعبة ﵀، وكان شعبة يقول: كنت أتفقد فم قتادة، إذا قال: حدثنا وسمعت، حفظت، وإذا قال: قال فلان، وذكر فلانا لم ألتفت؛ لهذا فهو ﵀ تشدد في التدليس، وله كلمات، وغيره كذلك أيضا مثل قول الشافعي: التدليس أخو الكذب، ومثل قول وكيع: لا يحل تدليس الثياب، فكيف تدليس الحديث؟ لكن مع هذه الحملة على التدليس، إلا أن لم يستطيعوا القضاء على المدلسين، ما استطاعوا.
هناك عند المحدثين شيء يسمونه شهوة الحديث، يعني: الرغبة في روايته والإكثار منه، أحيانا لا يستطيع المحدث أن، المهم هذه الحملة لم تؤت ثمارها، أو آتت ثمارها ولكنها يعني إلى درجة معينة، فبقي التدليس وبقيت أحكامه، فوجد مدلسون، ويعني تتبعهم الأئمة، ومنهم سفيان بن عيينة، وإن كان قليل التدليس يعني نسبيا، ومنهم قتادة ومنهم الأعمش، ومنهم هذا في الثقات، وأما غير الثقات في التدليس كثير أيضا، منهم هشيم.
стр. 165
الآن سيدخل ابن كثير أو بعد قليل، ذكر ابن كثير ﵀ النقطة الثالثة، الأول: حكم التدليس في نفسه، النقطة الثالثة قوله: "ومن الحفاظ من جرح، ومن عرف بهذا التدليس من الرواة".
هذا حكم رواية المدلس، ونلاحظ أن ابن كثير ﵀ اختصر هنا أيضا، فتداخل الموضوع، أولا هنا في هذه، من قوله: ومن الحفاظ من جرح، من عرف بهذا التدليس من الرواة"، فرد روايته مطلقا، وإن أتى بلفظ الاتصال، هذا اعتبروه جرحا في الضبط، أو جرحا في العدالة؟ جرحا في عدالته، ولكن تعلق على هذا تقول: هذا يعني ليس الذي عليه العمل، ولا يعرف عن أحد من المحدثين أنه رد رواية المدلس، وإن صرح بالاتصال، وإنما الذي قال بهذا: -يعني نظريا- هو الإمام ابن حزم ﵀ مع بعض التقييد.
فالمهم أن الذي قوله: ومنهم من جرح، من عرف بهذا التدليس من الرواة، فرد روايته مطلقا، وإن أتى بلفظ الاتصال"، هذا لا يعرف، يعني ليس مذهبا للمحدثين، بل شعبة الذي شدد وقال: لأن أزني، وقال: لأن أخر من السماء، قبل رواية من؟ قبل رواية المدلسين، إذا صرحوا بالاتصال، كما مر معنا قبل قليل في قتادة.
نلاحظ أن ابن كثير ﵀ قال: "فرد روايته مطلقا، وإن أتى بلفظ الاتصال، ولو لم يعرف أنه دلس إلا مرة واحدة، كما قد نص عليه الشافعي ﵀"، نلاحظ هذا التداخل الذي أعنيه، قول الشافعي، الشافعي لم يرد الرواية مطلقا، بس هنا نأتي إلى مذهب المحدثين، أو مذاهب المحدثين، أولها قول الشافعي، وهو أن الشافعي ﵀ يقول: المدلس إذا دلس مرة واحدة لا أقبل حديثه، إلا إذا صرح بالاتصال.
стр. 166
إذن الشافعي لم يرد رواية المدلس مطلقا، فابن كثير من الاختصار تداخل عليه الكلام، أو داخل بعضه في بعض، ويعني هذا من مساوئ الاختصار، أنه ربما أدى إلى هذا، ربما أدى إلى بعض الخلل، فقوله: "ولو لم يعرف أنه دلس إلا مرة واحدة"، الشافعي نص في الرسالة على أنه يقبل التدليس، يقبل رواية المدلس متى؟ إذا صرح بالاتصال.
فرواية المدلس، لا إشكال في، ليس بجرح عند الشافعي، ولكنه توثق للرواية، فاشترط أن يصرح المدلس بالتدليس، ولو كان قد دلس متى؟ مرة واحدة، يقولون: إن الشافعي ﵀ تشدد في هذا، حيث أن المدلس ولو دلس مرة واحدة، لا بد من تصريحه بالتحديث في جميع رواياته، والذي عليه العمل عند المحدثين، أن الذي يشترط تصريحه بالتحديث هو من؟ الذي عرف بالتدليس، وأكثر منه، واشتهر عنه التدليس، فهذا هو الذي يشترط، فتقولون: هذا قول الشافعي ﵀.
ابن المديني ﵀ سئل، سئل ابن المديني، سأله يعقوب بن شيبة: المدلس إذا لم يقل: حدثنا وأخبرنا، يقبل قوله؟ قال: إذا كان مكثرا من التدليس، لا يقبل حتى يقول حدثنا، وكذلك جاء عن ابن معين أيضا، ما يمكن أن يلحق بهذا، ويظهر لي -والله أعلم- أن هذا هو المذهب الوسط في مسألة قبول رواية المدلس.
أنه يعني إذا عرف بالتدليس واشتهر به مثل الأعمش ومثل هشيم، على تفاصيل في ذلك ما أطيل بها، ومثل قتادة أنه لا بد من تصريحه بالتحديث، وهذا هو الذي عليه، وهشيم، وهذا هو الذي عليه، يقول: وفي الصحيحين من حديث جماعة من هذا الضرب: كالسفيانين والأعمش وقتادة وهشيم وغيرهم.
هذا يعني هؤلاء معروفون بالتدليس، فأصحاب الصحاح ولا سيما البخاري ومسلم، يخرجون لهؤلاء المدلسين إذا صرحوا بالتحديث، وكذلك يخرجون لهم ما عنعنوا فيه، بقرائن أخرى أيضا ما أطيل فيها، يعني ولو لم يصرحوا بالتحديث، لكن إذا أمن تدليسهم، أو إذا لم يكن لتدليسهم تأثير بأمور أخرى ما أطيل بها.
стр. 167
ذكر ابن كثير ﵀ أن التدليس اعتذار، اعتذار عن المدلسين، أنه نوع من الإرسال لما ثبت عنده، بس قوله: لما ثبت عنده، هذه هي التي يعني يوضع عندها علامة استفهام، أحيانا المدلس يسقط الضعيف، إذن الحديث ثبت عنده أو لم يثبت عنده؟ ولا سيما في قول ابن كثير: وهو يخشى أن يصرح بشيخه فيرد من أجله، إذن هو أسقط ماذا؟ ثقة أو ضعيفا هنا؟ أسقط ضعيفا، فقوله: لما ثبت عنده، هذه فيها إشكال، بل هو يسقط أحيانا ولو للفظة، لكن يدلسون يعني يدلسون لأغراض، وكما ذكرت هو شهوة.
هشيم ﵀ ألحوا عليه كثيرا جدا أن يترك التدليس، ألحوا عليه كثيرا ولكنه لم يتركه، ويتلذذ هو، يعني مثلما تقول: يعمي على التلاميذ، ويعني كأنه بمعنى الاختبار، أو بمعنى يعني المهم أنه له شهوة التدليس، كاتبه ابن المبارك ﵀ قال له: يا هشيم، دعك من هذا التدليس، فماذا أجابه؟ قال: كان كبيراك يدلسان، كبيراك من هما؟
اللذان هما، يقصد الأعمش وسفيان الثوري، فيقول له: أنا أفعل مثلما فعل غيري، يعني هذا كلام هشيم ﵀، ويعني هو يسقط أيضا بعض الضعفاء، والأعمش يسقط بعض الضعفاء، فقول ابن كثير ﵀: لما ثبت عنده، هذا فيه يعني إشكال ونظر، نعم. اقرأ القسم الثاني.
تدليس الشيوخ
وأما القسم الثاني من التدليس: وهو الاتيان باسم الشيخ أو كنيته، على خلاف المشهور به؛ تعمية لأمره وتوعيرا للوقوف على حاله، ويختلف ذلك باختلاف المقاصد، فتارة يكره كما إذا كان أصغر سنا منه، أو نازل الرواية ونحو ذلك، وتارة يحرم، كما إذا كان غير ثقة، فدلسه لئلا يعرف حاله، أو أوهم أنه رجل آخر من الثقات على وفق اسمه أو كنيته.
стр. 168
وقد روى أبو بكر بن مجاهد المقري، عن أبي بكر بن داود، فقال: حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله، وعن أبي بكر محمد بن الحسين النقاش المفسر، فقال: حدثنا محمد بن سند، نسبه إلى جد له -والله أعلم-، قال أبو عمرو بن الصلاح: وقد كان الخطيب لاهجا بهذا القسم من التدليس في مصنفاته.
نعم، هذا القسم الثاني من أخبار المدلسين، قبل أن أدخل في هذا القسم، مطر الوراق، راوٍ اسمه مطر الوراق، من تلاميذ قتادة، وفيه ضعف كثير فيه ضعف، قدم مرة إلى البصرة، فحدث قتادة بحديث، يحدث من الآن هو؟ هو من تلاميذ قتادة، لكنه حدث، هو الآن حدث قتادة بحديث، فلما جاء قتادة، قتادة ﵀ حافظ، كل ما سمعه يحفظه، ما يدخل في رأسه شيء إلا ويحفظه، ومكثر من الرواية، وهذا هو سبب.
المهم أنه لما جاءه مطر، حدث قتادة وأسقط مطرا، أسقط مطرا الوراق وحدث عمن؟ عن الشيخ، يقول مطر في نفسه: قلت قد استضعفني قتادة، يعني لما حذفني، معناه: أنه قد استضعفني.
فهذا قول ابن كثير: أنه لما ثبت عنده، يعني أحيانا يحذف الراوي، مطر هذا شك، أو وقع في نفسه أن قتادة إنما حذفه لأي شيء؟ استضعافا له، فيحذفون يعني لما لم يثبت عندهم كما ذكرت، وأحيانا يذكرون هذا في، المهم هذه أخبار، أو أمور يعني يطلع عليها الشخص بالقراءة في كتب الأولين.
هي هذه الأخبار تحلي علم نقد السنة، نقد السنة فيه نوع من الجفاف دائما، مع الأسانيد ومع العلل ومع الردود ومع كذا، فكتب الأولين فيها ميزة: وهي أنهم يذكرون جميع الأخبار، جميع الأخبار يذكرونها وفيها طرائف وفيها عبر.
لو أخذت مثلا كتاب مثلا يعقوب بن سفيان "المعرفة والتاريخ"، أو كتاب الإمام أحمد "العلل"، ما تستطيع أن تطلقه، يعني أن تدعه إذا كان عندك همة، أو رغبة في القراءة في كتب النقد؛ بسبب أنك تخرج من قصة إلى قصة، ومن حادثة ومن طرفة إلى طرفة، ومن أخبارهم ﵏، ومنها أخبار من؟ أخبار المدلسين.
стр. 169
مرة هشيم ﵀ يحدث فقال: حدثنا فلان أو أخبرنا فلان، ثم فطن أنه لم يسمعه منه، وإنما أراد أن يدلسه فسبق إلى لسانه كلمة أخبرنا، فأراد أن يُنسي من حوله، وقال: ابتعدوا قليلا عن الطريق، يعني: أوسعوا الطريق للذي يمر، وكذا وكذا، ثم بعد أن هدأت الأمور، رجع ورواه بصيغة محتملة للسماع؛ لأنه أراد أن يدلس، وفي الأول صرح بالتحديث وهو لم يسمعه، ولكن سبق إلى لسانه أو نسي أنه لم يسمعه، ثم فطن بعد ذلك فقال: نحوا الطريق، أو يعني: ابتعدوا عن الطريق أو نحو ذلك.
فهذا أخبار المدلسين واكتشافهم، ويعني هذا مما يروح به القارئ في كتب النقد عن نفسه، ويبين لك أيضا جهود الأئمة ﵏ في نقد السنة، وفي تتبعها أمور عظيمة جدا جدا، يعني يطرب لها السامع ويلتذ لها العقل، أو يلتذ بها العقل.
أحيانا يبينون أن مثلا الإمام أحمد وابن معين، يبينون أن هشيما يدلس الكلمة الواحدة والحرف الواحد، إما في الإسناد أو في المتن، يبينون أن هذه الكلمة مدلسة لم يسمعها هشيم من شيخه، فيعني النوع الثاني أو القسم الثاني هو الذي يعرف بتدليس الشيوخ، وهو أن المدلس لا يسقط أحدا، إذن ماذا يفعل؟.
يغير اسم الشيخ، إما يغير كنيته المعروفة، وإما أن يغير اسمه، وإما أن يعني ينسبه إلى بلد، أو ينسبه إلى مثلا نسبة غير معروف بها، أو يغير اسم والده، هذا يسمونه تدليس الشيوخ، وهو يعني بحسب الحامل على التدليس، يعني حكمه بحسب الحامل عليه، ليس في إسقاط والإسناد متصل الآن؛ فلذلك لا يبحث في مسألة السماع والاتصال والعنعنة، إنما يبحثون في حكمه، يقولون: بحسب الحامل له.
стр. 170
أحيانا يكون الحامل له هو التفنن، يعني ما يحب أن يقول: حدثنا فلان بن فلان دائما، ماذا يفعل إذن؟ يغاير، وهذا يفعله البخاري كثيرا، يفعله البخاري في صحيحه كثيرا، أحيانا يقول: حدثنا محمد بن خالد، يقصد شيخه: محمد بن يحيى الذهلي، وأحيانا يقول: حدثنا محمد، دون أن ينسبه، ومنه قول ابن الصلاح-﵀: كان الخطيب لهجا بذكر مصنفاته.
الخطيب ﵀ يذكر بعض شيوخه على عدد من الصفات، خمس، ست صفات، وهذا يقولون: الغرض منه التفنن، وعدم إملال القارئ، ربما يكون الغرض منه التعمية، إذا كان الشيخ ضعيفا، فهذا هو المحذور، وهذا هو الذي قد يفعله بعض الرواة.
فيه راوٍ اسمه محمد بن قيس المصلوب، وضاع هو، لكن أهل الشام -اشتهر التدليس فيه، يعني البلدان، ما ذكرت هذا- بعض البلدان اشتهرت بأي شيء؟ بالتدليس، التدليس مثلا موجود في الشام، موجود يعني مثلا في أهل الكوفة كثير، كما ذكر الحاكم، فالمقصود أنه أهل الشام يقولون: قلبوا اسم محمد بن قيس هذا، على مائة اسم: محمد بن سعيد، محمد بن قيس، أبو فلان كذا.
هشيم ﵀، كان يرتكب أيضا نوعا من التدليس في هذا، كان له شيخ، تارة يسميه أبو ليلى يكنيه بأبي ليلى، وتارة يكنيه بأبي ميسرة، وتارة يكنيه بأبي إسحاق، ويغير اسمه أيضا، فهذا وهو راوٍ مشهور، العلماء تتبعوه، ما يفوت هذا على الأئمة ﵏، ومما نقل المثال الذي ذكره ابن كثير هنا، عن أبي بكر بن مجاهد المقرئ، يروي عن أبي بكر بن أبي داود، من هو أبي بكر بن أبي داود هذا؟.
стр. 171
هو ابن صاحب السنن، معروف حافظ معروف، له كتاب "المصاحف" هو معروف، بدل من أن يقول: حدثنا أبو بكر بن أبي داود، ماذا قال؟: حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله، وهذا لا بأس به؛ لأنه نوع تفنن، لكن انظر للثاني، عن أبي بكر محمد بن حسن النقاش المفسر، فقال: حدثنا محمد بن سنان، هذا من التدليس المحظور، لماذا؟ لأن محمد بن حسن هذا، منسوب إلى أي شيء؟ إلى يعني متهم بالكذب.
فمثل هذا فعل أبي بكر بن المجاهد المقرئ، يعني في المثالين، هذا أحدهما لا بأس به، والفعل الآخر يعني هذا هو المحظور، وهو تغيير اسم شخص معروف ومتهم بالكذب.
نقف هنا عند الشاذ، إن كان هناك أسئلة.
س: أحسن الله إليكم، هذا يقول: قول ابن كثير: لما ثبت عنه، هل يحتمل القصد أنه ثبت السماع عنه، لا ثبتت صحة السند؟ وجزاكم الله خيرا.
ج: ما فهمت، يعني ثبت عنده، لكن قوله: وهو يخشى أن يصرح بشيخه، فيرد من أجله، الظاهر يظهر لي-والله أعلم- أنه ثبت عنده، يعني ثبت عنده عمن أرسله عنه، يظهر لي هذا -والله أعلم-، هو الأخ يذكر احتمال أن يكون لما ثبت عنده عمن أسقطه، وهذا ما أدري يعني إن كانت العبارة تحتمله، كأن العبارة لما ثبت عنده يعتمد المدلسين، يقول: إنه ثابت عنده، هو لا يعتقد أنه ضعيف، لا يعتقد أنه لا يصح عمن نقله عنه، هو يعتقد أنه ثابت، وإن كنا قد لا نعتقد نحن مثلا، أو غيره لا يعتقد، فهذا الذي يظهر لي -والله وأعلم-.
س: أحسن الله إليكم، يقول: هل يشترط تصريح المدلس الذي يدلس التسوية، بالسماع في جميع طبقات السند؟ أو يشترط أن يصرح بالسماع في طبقة شيخه فقط؟ وجزاكم الله خيرا.
стр. 172
ج: نعم، هذا تدليس التسوية ما تعرضت له، يعني ما، ليس، أو ما كل ما حذفه ابن كثير، أو لم يذكره ابن كثير نتعرض له؛ لأن المسألة أو القضايا تطول، تدليس التسوية كما ذكرنا، لكن السؤال يقول: تدليس التسوية كما نعرف لا يسقط المدلس شيخه، ويصرح أحيانا بالتحديث، ولكن يسقط متى؟ يسقط في أي مكان؟ في الوسط، وهذا يفعله بعض المدلسين، يعني هذا ليس بالكثير، يفعله بقية بن الوليد، ويفعله الوليد بن مسلم.
الوليد بن مسلم مثلا يروي الأوزاعي، يروي عن نافع ويروي عن عطاء، يروي عن عطاء، معروف بالرواية عن عطاء، ولكنه أيضا يروي عن عطاء أحيانا بواسطة بعض الضعفاء، من الذي يروي هكذا؟ الأوزاعي.
الوليد بن مسلم إذا روى عن الأوزاعي، يسقط هؤلاء الضعفاء، ويجعل الرواية عن الأوزاعي عن عطاء مباشرة، فالأخ يقول: هل يشترط أن يصرح المدلس بتدليس التسوية في جميع الإسناد؛ لكي نأمن من تدليسه في أول الإسناد، ونأمن من تدليسه في وسط الإسناد؟ الذي يظهر هو هذا، الذي يظهر وهو أنه لا بد أن يصرح من عرف بتدليس التسوية، ونجد في كلام العلماء، في كلام ابن حجر-﵀ في "الفتح" كثيرا ما يورد هذا ويقول: الإسناد مصرح فيه بالتدليس، فأمن تدليس الوليد وتسويته، يظهر-والله أعلم-، نعم.
س: أحسن الله إليكم، يقول: لماذا سميت المسانيد بهذا الاسم، مع أن كل كتب السنة مسندة؟ وكذلك لماذا سميت السنة بهذا الاسم، مع وجود كثير من السنة في البخاري ومسلم؟ وجزاكم الله خيرا.
стр. 173
ج: هذه التسميات اصطلاح، لكن يعني كما يقولون: يعني التدقيق فيها قد ما يعني، تسمية المسانيد بهذا الاسم؛ لأنه -كما عرفنا- هو ما يسنده الصحابي، فكأنهم لما جمعوا أحاديث كل صحابي، يعني كأنهم قالوا: ما أسنده من؟ هم يقولون: ما أسنده -هكذا يعنونون- ما أسنده عمر بن الخطاب، يعنونون هكذا، فإذن مجموع الكتاب ما أسنده الصحابة، فهو إذن مسند، وهذا لا إشكال فيه، هو يقول: لماذا لا تسمى بقية كتب السنة مسانيد، مع أنهم أسندوها؟.
هي تسمى أحيانا كما نعرف، سنن الدارمي، سماه سمي أيضا "مسند الدارمي"، وصحيح أبي عوانة، ومستخرج أبي عوانة مطبوع الآن باسم "مسند أبي عوانة"، وكثير ما في بأس هنا، لكنهم لما كانت مرتبة على الموضوعات، وقصدوا بها معرفة السنن "التفقه"، أطلقوا عليها اسم "السنن"، ويقول: هو مثلا، ما هو بقية السؤال الثاني؟.
يقول: مثلا يعني هكذا فهمت منه أنه يقول: لماذا فرقوا بين السنن وبين مثلا صحيح البخاري، مع أنها كلها موضوع واحد؟ هذا أيضا كله اصطلاح حسب تسمية المؤلف، فالبخاري سمى كتابه "الجامع"، ومسلم أيضا سمى كتابه "الجامع"، أظن-لو كنت ما نسيت- أن مسلما سماه هكذا، أو ما أدري الترمذي سمى كتابه "الجامع"، ويسميه العلماء أيضا، ويسميه العلماء "السنن"، وهذه التسميات اصطلاحية، من بعض الذين كتبوا في مناهج المحدثين.
من أراد أن يفرق بين الجامع وبين السنن، الجامع: هو الذي يجمع كذا وكذا، لكن هذا التفريق يعني يكون مقصودا، هذا -في نظري- أن فيه عسرا، مثلا لو أخذت "سنن النسائي الكبرى" فيها موضوعات، هي الموضوعات الموجودة في صحيح البخاري، ومع هذا يعني اشتمل على كثير من الكتب: السيرة والتفسير، ومع هذا فبقي اسمه "السنن"، و"الجامع" للبخاري اسمه "الجامع"، فالذي يظهر -والله أعلم- أن هذه التسمية راجعة للمؤلف، ولا إشكال فيه.
أحسن الله إليكم وأثابكم، ونفعنا بعلمكم، سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.
стр. 174
النوع الثالث عشر: الشاذ
تعريف الشافعي للحديث الشاذ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
نبتدئ اليوم -إن شاء الله تعالى- بالنوع الثالث عشر، وهو الشاذ، يتفضل القارئ بالقراءة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال -رحمه الله تعالى-:
النوع الثالث عشر: "الشاذ"، قال الشافعي: وهو أن يروي الثقة حديثا يخالف ما روى الناس، وليس من ذلك أن يروي ما لم يرو غيره، وقد حكاه الحافظ أبو يعلى الخليلي القزويني، عن جماعة من الحجازيين أيضا، قال: والذي عليه حفاظ الحديث، أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد، يشذ به ثقة أو غير ثقة، فيتوقف فيما شذ به الثقة، ولا يحتج به، ويرد ما شذ به غير الثقة، وقال الحاكم النيسابوري: هو الذي ينفرد به الثقة وليس له متابع، قال ابن الصلاح. نعم.
هذا النوع الثالث عشر: "الشاذ"، ذكر له ابن كثير ﵀ ثلاثة تعريفات، واثنان منها بمعنى واحد، وهما الثاني والثالث.
أما الأول منهما: فهو تعريف الشافعي ﵀ للشاذ، بأن قال: أن يروي الثقة حديثا يخالف ما روى الناس، ثم قال الشافعي ﵀: وليس من ذلك أن يروي ما لم يرو غيره، فاشترط الشافعي ﵀ لشذوذ الحديث، أن يكون الثقة قد روى شيئا، يخالف فيه غيره من الثقات، فهذا إذن هو الشاذ حسب تعريف الشافعي.
ونسب هذا التعريف أيضا أبو يعلى الخليلي إلى جماعة من الحجازين، إذن هذا هو تعريف الشاذ الذي ذكره الشافعي، ذكره في "الرسالة": أن يروي الثقة حديثا يخالف فيه غيره.
стр. 175
التعريف الثاني للشاذ هو تعريف الخليلي، قال: ونسبه إلى حفاظ الحديث، وهذا أمر مهم، يعني كونه نسبه إلى حفاظ الحديث قال: الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ به ثقة، أو غير ثقة، فيتوقف فيما شذ به الثقة ولا يحتج به، ويرد ما شذ به غير الثقة.
التعريف الثالث للحاكم النيسابورى ﵀، وهو متقدم على الخليلي، لكن أخر ابن كثير ذكر تعريفه، قال: هو الذي ينفرد به الثقة، وليس له متابع، وهو قريب من كلام الخليلي، وأيضا له، أو لكلامه تتمة سأذكرها بعد قليل، مهمة جدا في تعريف الحاكم للشاذ.
وهناك أيضا من العلماء، الحافظ صالح بن محمد البغدادي، عرف الشاذ أيضا بتعريف قريب من تعريف الخليلي والحاكم، وهذا متقدم عليهما، من يعني من حفاظ القرن الثالث، صالح بن محمد البغدادي المعروف بـ"صالح جزرة " يلقب بـ"جزرة"، فقال: الشاذ هو الحديث المنكر الذي لا يُعرف، لما ذكر ابن الصلاح ﵀ تعريف الخليلي، وتعريف الحاكم للشاذ اعترض عليه، اعترض على هذين التعريفين، بأي شيء اعترض؟ فهم من التعريفين، أن كل حديث تفرد به ثقة فهو شاذ، فهم من التعريفين، ننتبه الآن للكلام الآتي؛ حتى نستوعب مراد ابن الصلاح ﵀، ونستوعب سبب اعتراضه، اعترض -الذي سيذكره ابن كثير- اعترض على التعريفين، بأنه فهم منهما أن معنى هذين التعريفين، أنه لا بد من المتابعة، وأن كل حديث ينفرد به ثقة فهو شاذ.
الآن سيقرأ القارئ وجه اعتراض ابن الصلاح ﵀، والإشكال الذي أورده على تعريفي الخليلي والحاكم، ثم بعد ذلك ننظر في هذا الاعتراض، باختصار ما أطيل في هذا؛ لأن الموضوع يعني يحتمل الإطالة. نعم، تفضل يا شيخ.
تعريف الحاكم النيسابوي للحديث الشاذ وتعليق ابن الصلاح عليه
стр. 176
وقال الحاكم النيسابوري: هو الذي ينفرد به الثقة وليس له متابع، قال ابن الصلاح: ويشكل على هذا حديث الأعمال بالنيات، فإنه تفرد به عمر -رضي الله تعالى عنه-، وعنه علقمة، وعنه محمد بن إبراهيم التيمي، وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم تواتر عن يحيى بن سعيد هذا، فيقال: إنه رواه عنه نحو من مائتين، وقيل أزيد من ذلك.
وقد ذكر له ابن مندة متابعات غرائب لا تصح، كما بسطناه في "مسند عمر"، وفي "الأحكام الكبرى"، قال: وكذلك حديث عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما-: ? أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الولاء، وعن هبته ? وتفرد مالك عن الزهري عن أنس ? أن رسول الله ﷺ -دخل مكة وعلى رأسه المغفر ? وكل من هذه الأحاديث الثلاثة في الصحيحين، من هذه الوجوه المذكورة فقط، وقد قال مسلم للزهري: تسعون حرفا لا يرويها غيره.
وهذا الذي قاله مسلم عن الزهري: من تفرده بأشياء لا يرويها غيره، يشاركه في نظيرها جماعة من الرواة، فإن الذي قاله الشافعي أولا هو الصواب: إنه إذا روى الثقة شيئا قد خالفه فيه الناس فهو الشاذ، يعني: المردود، وليس من ذلك أن يروي الثقة ما لم يرو غيره، بل هو مقبول إذا كان عدلا ضابطا حافظا، فإن هذا لو رد لردت أحاديث كثيرة من هذا النمط، وتعطلت كثير من المسائل عن الدلائل -والله أعلم-، وأما إن كان منفرد به غير حافظ، وهو مع ذلك عدل ضابط فحديثه حسن، فإن فقد ذلك فمردود -والله أعلم-.
стр. 177
نلاحظ أن ابن الصلاح ﵀، ونقله عنه ابن كثير، ووافقه وعقبه ولخصه فيما قرأه القارئ- اعترض على تعريف الخليلي والحاكم، بأن هناك أحاديث تفرد بها رواتها وهم ثقات، ولم يعدها العلماء، أو لم يعد العلماء هذا شذوذا، بل صححوا هذه الأحاديث، وهي عندهم من أصح الصحيح، وذكر من ذلك ثلاثة أحاديث، ذكر حديث الأعمال بالنيات وقال: إنه تفرد به عمر بن الخطاب، وتفرد به عن علقمة بن وقاص الليثي، وتفرد عن علقمة محمد بن إبراهيم التيمي، وتفرد عن محمد يحيى بن سعيد الأنصاري، يحيى بن سعيد.
إذن وقع التفرد في كم طبقة الآن في هذا الحديث؟ في أربع طبقات، ومع هذا فهذا الحديث بالإجماع صحيح، فإذن هذا حسب كلام ابن الصلاح ينقض كلام الخليلي وكلام الحاكم، ثم أيضا ذكر الحديث الثاني وهو حديث، وتكلم ابن كثير -قبل أن يذكر الحديث الثاني- تكلم على كون هذا الحديث، اشتهر عن يحيى بن سعيد أو تواتر، وقيل: إنه رواه عنه نحو من مائتين. وقيل أزيد من ذلك، أوصلها بعضهم -وإن كان هذا الرقم فيه اعتراض- أوصلها بعضهم، أوصل بعضهم عدد الرواة الذين رووه عنه إلى سبعمائة راو، رواه عن يحيى بن سعيد، ويقول ابن حجر: أستبعد وقوع ذلك.
وذكر أيضا ابن كثير أن ابن مندة وغير ابن مندة كذلك، ذكر له متابعات إلى عمر، وإلى النبي ﷺ غير هذا الإسناد، وأنها لا تصح، وهو كما قال ﵀: ليس له، لهذا الحديث إلا هذا الإسناد الصحيح، ثم ذكر الحديث الثاني، وهو حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر، ? أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الولاء وعن هبته ? وهذا الحديث مخرج في الصحيحين.
وهو أيضا كما قال مسلم: الناس عيال في هذا الحديث على عبد الله بن دينار، نعم، اشتهر عن عبد الله بن دينار، ورواه عنه جماعة كثيرون من أصحابه ﵀.
стр. 178
والحديث الثالث هو حديث مالك عن الزهري عن أنس: ? أن النبي ﷺ دخل مكة وعلى رأسه المغفر ? هذا أيضا تفرد به مالك عن الزهري عن أنس، وله متابعات إلى الزهري ولا تصح، له متابعات أوصلها بعضهم إلى ثلاثة عشر طريقا، وهي أيضا لا تصح، فالاعتماد في هذا الحديث على هذا الطريق، وليس فقط هذه الأمثلة الثلاثة.
كما نقل ابن الصلاح عن مسلم أنه قال للزهري: تسعون حرفا، يعني ينفرد بها لا يشاركه فيها غيره، وهذا الأثر أخرجه مسلم في صحيحه، ونعم، كلام مسلم ليس إخراجه، وإنما قاله هو من كلام مسلم -رحمه الله تعالى-، قال مسلم في صحيحه: إن للزهري تسعين حرفا لا يرويها غيره، ثم عقب ابن كثير هذا الكلام كله بالنتيجة.
الحاصل ما هو عنده؟ أن الراجح في تعريف الشاذ ما هو؟ أي التعاريف التي ذكرها إذن؟ وصل إلى نتيجة، وهي أن الراجح في تعريف الشاذ هو تعريف الشافعي، وعلل ذلك بتعليل يعني إنشائي، أو قال: لو لم يقل بهذا لردت أحاديث كثيرة من هذا النمط، وتعطلت كثير من المسائل عن الدلائل، ثم عقب هذا كله.
وختم المسألة بقوله: وأما إن كان المنفرد به غير حافظ، وهو مع ذلك عدل ضابط، مراده أنه ليس من الحفاظ المعروفين، ولكنه من أهل الضبط والعدالة فحديثه حسن، كما تقدم في تعريف الحديث الحسن لذاته من كلام ابن الصلاح، أنه الراوي المشهور بالصدق، وفي حفظه شيء، فإن فقد ذلك فمردود.
إذن متى يرد؟ ومتى يرد بالتفرد حسب كلام ابن كثير ﵀؟ متى يرد بالتفرد في ختام كلامه؟ فإن فقد ذلك، يعني: فقد الضبط يعني عد ضعيفا فمردود، هذا الكلام الآن كلام ابن الصلاح، وابن كثير بس نعقب عليه بتنبيه، وهو أن الذي فهموه من كلام الخليلي وكلام الحاكم، يعني لو كان مراد الخليلي ومراد الحاكم، أن كل تفرد من ثقة مردود -لكان الاعتراض ماذا يكون؟ صحيحا أو غير صحيح؟.
стр. 179
يكون الاعتراض صحيحا، فإنه ما يعرف يعني على وجه الدقة، أن أحدا من أئمة الحديث قال: لا يصح الحديث إلا إذا رواه كم؟ إلا إذا رواه اثنان، هكذا بإطلاق، بحمد الله تعالى منهجهم واحد، وطريقتهم واحدة، نعم يرغبون في رفع التفرد، ولكن لهم أحاديث كثيرة صحيحة مدارها على شخص واحد، إذن ما مراد الحاكم والخليلي فيما ذكراه عن أهل الحديث؟.
الحاكم ﵀ لكلامه تتمة لم ينقلها، ليست موجودة الآن، وهو أنه قال: يوضح توضيحا لمراده يقول معنى كلامه: وينقدح في نفس الناقد أنه غلط، وأيضا قال: ولا يستطيع، -أو معنى كلامه- لا يستطيع إقامة الدليل على " وقال: الشاذ يخالف المعلل، بحيث أن المعلل اطلع فيه على وجه الغلط، اطلع فيه على العلة، يعني راو خالف غيره من الثقات، فنقول: هذا معلل حديثه، يقول: فالشاذ أدق منه، لماذا الشاذ أدق منه؟.
يقول: لأنه لم يطلع على غلط هذا الغالط، إذن ما الجديد في كلام الحاكم الآن؟ أمر مهم، وهو أنه ينقدح في نفس الناقد أنه؟ أنه غلط، لماذا ينقدح في نفس الناقد أنه غلط؟ هذا أمر معروف، يعني أئمة الحديث، إذن سأعرج على هذا بعد قليل هذا كلام إذن لو أخذنا كلام الحاكم هذا، وكذلك أيضا كلام الخليلي قريب منه.
قوله: يشذ به ثقة أو غير ثقة، يدل على أنه ليس مراده كل ما رواه، كل ما تفرد به راوٍ واحد، وإنما أن يشذ به، وأن يعني يتبين غلطه للناقد، إذا قيدنا كلام الحاكم، وكلام الخليلي بهذا القيد، فنقول: إنه لا بد من، أو أنه يعني أن كلامهما في تعريف الشاذ كلام صحيح، وأنه لا مانع من تسمية ما ذكره الشافعي شاذا، يعني إذا خالف الراوي غيره، أو انفرد بشيء، فرجح عند الناقد أنه أخطأ فيه، لماذا نقول هذا؟.
стр. 180
أرجو الانتباه لأمر أنا وعدتكم به، يعني من باب التدقيق في علوم الحديث، وألا يتناقض الشخص، يعني أن يكون محكما لأموره، وكما ذكرت أنواع علوم الحديث متعددة، وربما يعني تبنيت شيئا أو اخترت شيئا أو فهمت شيئا في نوع، وفهمت شيئا آخر في نوع آخر قد يعارضه، أو يكون بين فهمك هذا وهذا اختلاف.
مر بنا في تعريف الحديث الصحيح: أنه ما رواه عدل تام ضابط، وأن سنده متصل، والرابع ما هو؟ والخامس: ألا يكون شاذا ولا معلل، إذا أخذنا تعريف الشافعي للشاذ واكتفينا به، وأنه: ما رواه الثقة مخالفا لما رواه غيره، إذن ما هو المعلل؟ انتبه الآن، ما هو المعلل؟ المعلل هو سيأتي معنا أنه: إسناد ظاهره الصحة، اطلع فيه بعد التفتيش على علة قادحة.
لو أخذت الشاذ حسب تعريف الشافعي، يدخل في المعلل على هذا، أو لا يدخل في المعلل؟ يدخل في المعلل؛ لأن الإسناد ظاهره الصحة، اطلع فيه بعد التفتيش وبعد جمع الطرق، أن فيه علة قادحة، لو اكتفينا بتعريف الشافعي للشاذ، لكان الأولى في تعريف الحديث الصحيح، ألا نحتاج إلى كلمة شاذ؛ لأن الشاذ هنا هو نفسه، أو جزء منه يدخل في المعلل هو هو، هو تعريفه، إلا أنه اشترط في الشاذ: ألا يرويه إلا المخالف، كم يكون؟
الذي شذ به واحد، والمعلل أعم من ذلك، قد يرويه ثلاثة أو أربعة، ويكون معللا بأن يرويه أكثر منهم، يرويه أناس أكثر عددا منهم، أو أحفظ أو غيره، كما سيأتي معنا -إن شاء الله تعالى-.
فإذن هذه المسألة الأولى، لو اكتفي بتعريف الشافعي، لعدنا إلى تعريف الحديث الصحيح، وهذا قد نبه عليه جماعة من العلماء؛ ولهذا قالوا: لما اختاروا هذا في تعريف الشاذ، اقترح بعضهم أن يضاف كلمة -سأذكر الآن سبب إضافتها- هذا سبب، ولكن قد يقول قائل: إذا كان تعريف الشافعي هو الراجح، فلنحذف كلمة "شاذ" من تعريف الصحيح.
следующие страницы →