← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وقد تقدم التنبيه على الفرق. وظاهر كلام الإمام أحمد ﵀: أن من كان في مصر لا يذبح حتى يصلي وهو الصحيح؛ لما روى جندب بن عبدالله البجلي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى» (١). وعن البراء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك ومن ذبح قبل الصلاة فلا نسك له» (٢) متفق عليهما. وفي لفظ: «إن أول نسكنا في يومنا هذا الصلاة ثم الذبح فمن ذبح قبل الصلاة فتلك شاة لحم» (٣). فعلى هذا إنما تعتبر الصلاة في حق أهل المصر والقرية التي يصلى فيها. فأما الموضع الذي لا يصلى فيه عيد فيعتبر مضي قدر الصلاة أو قدر الصلاة والخطبة على ما تقدم لأنه لا صلاة لهم فاعتبارها مع عدمها متعذر. وهذا في اليوم الأول فأما الثاني والثالث فيجوز من أول النهار لعدم الصلاة فيه. وأما آخره فآخر اليوم الثاني من أيام التشريق فتكون أيام النحر ثلاثة. قال الإمام أحمد: أيام النحر ثلاثة عن غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ . و«لأنه ﷺ نهى عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث» (٤) ويستحيل أن يباح ذبح الأضحية في وقت يحرم أكلها فيه. ثم رخص في الأكل ولم ينقل تغيير وقت الذبح.

стр. 1017

وأما عدم إجزاء الذبح في ليلتي يومي الذبح المتقدم ذكرهما عند الخرقي فلأن الله تعالى قال: ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ [الحج: ٢٨] واليوم اسم لبياض النهار. وعن النبي ﷺ «أنه نهى عن الذبح بالليل» (١). ولأن الليل يتعذر فيه تفريق اللحم في الغالب فلا يفرق طريا فيفوت بعض المقصود. وذكر المصنف ﵀ في المغني: أن قول الخرقي منصوص أحمد. رواه الأثرم عنه. وأما الإجزاء على قول غير الخرقي فلأن الليل زمن يصح فيه الرمي فصح فيه الذبح كالنهار. وقال المصنف ﵀ في المغني: أكثر من علمته من أصحابنا يذكرون رواية أنه يجوز الذبح بالليل ويختارونها. وأما ذبح الواجب قضاء إذا فات الوقت فلأن الذبح أحد مقصودي الأضحية فلا يسقط بفوات وقته كما لو ذبحها ولم يفرق لحمها حتى يخرج الوقت. وأما سقوط التطوع فلأن المحصل لتلك الفضيلة ذلك الزمان بدليل ما لو ذبحها قبل العيد فإذا فات سقط لفوات شرطه. قال: (ويتعين الهدي بقوله: هذا هدي أو تقليده وإشعاره مع النية. والأضحية بقوله: هذه أضحية. ولو نوى حال الشراء لم يتعين بذلك). أما تعين الهدي بقوله: هذا هدي فلأنه لفظ يقتضي الإيجاب فوجب أن يترتب عليه مقتضاه كلفظ الوقف.

стр. 1018

وأما تعينه بتقليده وإشعاره مع النية فلأن ذلك بمنزلة ما لو بنى مسجداً وأذن للناس في الصلاة فيه. وأما تعين الأضحية بقوله: هذه أضحية فلما تقدم في الهدي. وأما عدم تعين الهدي والأضحية بنية ذلك حال الشراء فلأن جعلها المشتري هدياً أو أضحية إزالة ملك على وجه القربة فلم تؤثر النية المقارنة للشراء فيه كالعتق والوقف. قال: (وإذا تعينت لم يجز بيعها ولا هبتها إلا أن يبدلها بخير منها. وقال أبو الخطاب: لا يجوز أيضاً). أما عدم جواز بيع ما تعين وهبته فـ «لأن النبي ﷺ أمر بقسم جلودها وجلالها ونهى أن يعطى الجازر منها شيئاً» (١) فلأن لا يجوز بيعها وهبتها المزيلان للملك بالكلية بطريق الأولى. ولأنه جعل ذلك لله فلم يجز بيعه ولا هبته كالوقف. وأما الإبدال فالمنصوص عن الإمام أحمد أنه يجوز بخير منها؛ لأنه عدل عن المعين إلى خير منه من جنسه فأجزأ عنه كما لو وجب عليه بنت لبون في الزكاة فأخرج حقة. وقال أبو الخطاب: لا يجوز؛ لأنه نوع تصرف فلم يجز كالبيع. وقول المصنف ﵀: بخير منها يدل بمفهومه على أنه لا يجزئ بمثلها ولا دونها وهو صحيح؛ لأنه لا فائدة في الإبدال. وذكر القاضي في إبدالها بمثلها احتمالين: أحدهما: يجوز؛ لأنه لا ينقص مما وجب عليه شيء. والثاني: لا يجوز؛ لأنه يغير ما عينه لغير فائدة.

стр. 1019

قال: (وله ركوبها عند الحاجة ما لم يضر بها). أما جواز ركوبها عند الحاجة في الجملة؛ فلما روى أبو هريرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يسوق بدنة. فقال: اركبها. فقال: إنها بدنة. فقال: اركبها ويلك في الثانية أو في الثالثة» (١) متفق عليه. وأما ما يشترط لجواز ذلك فأمران: أحدهما: دعوة الحاجة لأن في حديث آخر قال: «اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهراً» (٢) رواه أبو داود. وثانيهما: عدم الإضرار بها؛ لأن ركوبها إذا كان يضر بها يؤدي إلى ضرر الفقراء وذلك غير جائز. قال: (وإن ولدت ذبح ولدها معها، ولا يشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها. ويجز صوفها ووبرها ويتصدق به إن كان أنفع لها. ولا يعطى الجازر بأجرته شيئاً منها). أما ذبح ولدها معه وعدم الشرب من لبنها إلا الفاضل عن ولدها فلما روي «أن علياً ﵁ جاءه رجل يسوق بقرة معها عجل لها. فقال: يا أمير المؤمنين! إني اشتريت هذه البقرة لأضحي بها وإنها وضعت هذا العجل. فقال علي ﵁: لا تحلبها إلا فضلاً عن ولدها فإذا كان يوم الأضحى فاذبحها وولدها عن سبعة» (٣) رواه سعيد بن منصور. ولأن شرب اللبن الفاضل انتفاع لا يضر بها ولا بولدها أشبه الركوب.

стр. 1020

وأما جواز جز صوفها ووبرها إن كان أنفع لها مثل أن يكون زمن الربيع فتخف بجزه وتسمن فلأن ذلك لمصلحتها. فعلى هذا يتصدق به كما لو أخذه بعد الذبح. وفي تقييد جواز ذلك بكونه أنفع لها إشعار بأنه إذا كان الجز يضر بها لكون الصوف والوبر يقيها الحر والبرد لم يجز وهو صحيح؛ لأنه حينئذ قطع شيء يضر بها فلم يجز كما لا يجوز قطع بعض أعضائها. وأما عدم إعطاء الجازر بأجرته شيئاً منها فلأن علياً ﵁ قال: «أمرني يعني رسول الله ﷺ أن لا أعطي الجازر منها شيئاً. وقال: نحن نعطيه من عندنا» (١). ولأنه إذا أعطاه ذلك أجرة كان بمنزلة المعاوضة، والمعاوضة في ذلك غير جائزة لما تقدم. وقول المصنف ﵀: بأجرته فيه تنبيه على جواز إعطائه لغير ذلك مثلاً: أن يكون فقيراً أو ممن يهدى إليه؛ لأنه مستحق للأخذ فهو كغيره بل أولى؛ لأنه باشرها وتاقت نفسه إليها. فإن قيل: الحديث شامل للأجرة وغيرها. قيل: المراد الأجرة لأن في قوله: «نحن نعطيه من عندنا» دليلاً على إرادتها. قال: (وله أن ينتفع بجلدها وجلها ولا يبيعه ولا شيئاً منها). أما جواز الانتفاع بجلد الأضحية فلأنه جزء منها فجاز للمضحي فعله كاللحم، وقد روي عن عكرمة ومسروق ﵄ «أنهما كانا يدبغان جلد أضحيتهما ويصليان عليه». وأما جواز الانتفاع بجلها فلأنه إذا جاز الانتفاع بجلدها فلأن يجوز الانتفاع بالجل بطريق الأولى. وأما عدم جواز بيع جلد الأضحية أو شيء منها فلما تقدم في بيع الأضحية وهبتها.

стр. 1021

وإنما نص المصنف ﵀ على عدم جواز بيعه وهبته مع أن ما تقدم يدل عليه؛ رفعاً لتوهم الفرق بن حياة الأضحية وذبحها. وذهب إليه الحسن البصري والنخعي فإنهما قالا: يباع الجلد ويشترى به الغربال والمنخل وآلة البيت. والأولى عدم جواز البيع لما ذكر قبل؛ لأنه شيء ينتفع به هو وغيره ويجري مجرى لحمها. وأما الجل فما تجلل به. قال: (وإن ذبحها فسرقت فلا شيء عليه فيها، وإن ذبحها ذابح في وقتها بغير إذن أجزأت ولا ضمان على ذابحها). أما عدم وجوب شيء على من سرقت أضحيته بعد ذبحها فلأنها أمانة في يده فلم تضمن بالسرقة كالوديعة. وأما إجزاء ذبحها إذا ذبحها ذابح في وقتها بغير إذن فلأن الذبح لا يفتقر إلى نية فإذا فعلها الغير أجزأت كإزالة النجاسة. وأما عدم الضمان على الذابح فلأنها وقعت موقعها فلم يضمن ذابحها كما لو كان بإذن. ولأنه إراقة دم متعين لحق الله تعالى فلم يضمن ذابحها كقاتل المرتد بغير إذن الإمام. قال: (وإن أتلفها أجنبي فعليه قيمتها، وإن أتلفها صاحبها ضمنها بأكثر الأمرين من مثلها أو قيمتها، فإن ضمنها بمثلها وأخرج فضل القيمة جاز ويشتري به شاة أو سبع بدنة، فإن لم يبلغ اشترى به لحماً فتصدق به أو يتصدق بالفضل. وإن تلفت بغير تفريطه لم يضمنها). أما ضمان الأجنبي الأضحية التي أتلفها بقيمتها فلأنها من المتقومات. وتعتبر القيمة يوم التلف لأنه لو أتلف غير الأضحية لاعتبر ذلك فكذلك الأضحية. وأما صاحبها فقال أبو الخطاب: يلزمه أكثر الأمرين مما ذكر لأنه تعلق به حق الله تعالى في ذبحها فوجب عليه أكثر الأمرين ليوفي بحق الله تعالى فيها.

стр. 1022

وقال القاضي: لا يلزمه إلا القيمة كالأجنبي. والأول أولى؛ لما ذكر قبل بخلاف الأجنبي. وأما جواز إخراج فضل القيمة إذا ضمنها بمثلها فلأن ذلك بمنزلة ما لو أخرج في الزكاة عن الجياد مكسرة وأخرج الفضل. فإن قيل: ما مثال فضل القيمة عن المثل؟ قيل: أن تكون الأضحية يوم الإتلاف تساوي عشرة فصار مثلها يساوي خمسة فإذا اشترى مثلها بخمسة بقي عليه خمسة. فإن قيل: بقاء الخمسة المذكورة عليه على قولنا يلزمه أكثر الأمرين أو على قولنا يلزمه قيمتها؟ قيل: بل ذلك عليه على القولين جميعاً. ولذلك قال المصنف ﵀ في المغني في هذه الصورة: تلزمه عشرة وجهاً واحداً. وهو صحيح لأن من قال تلزمه القيمة فالقيمة عشرة، ومن قال يلزمه أكثر الأمرين فالقيمة هنا أكثر الأمرين. وأما ما يصنع بالفضل فنقول: إن أمكنه أن يشتري شاة أو سبع بدنة كما في هذه الصورة لزمه؛ لأن الذبح مقصود في الأضحية فإذا أمكنه الإتيان به لزمه وإن لم يتسع الفضل لشاة أو سبع بدنة فظاهر كلام المصنف ﵀ هنا: أنه يتخير بين شراء لحم وبين التصدق بالفضل لأنه ذكره بلفظ أو المقتضية للتخيير وفي المسألة وجهان: أحدهما: كما ذكر المصنف ﵀؛ لأنه إذا لم يحصل له التقرب بإراقة الدم كان اللحم وثمنه سواء. الثاني: يتعين عليه شراء اللحم مع القدرة عليه؛ لأن الذبح وتفرقة اللحم مقصودان فإذا تعذر أحدهما وجب الآخر وهكذا حكم الأجنبي إذا لم تبلغ القيمة ثمن أضحية. وأما عدم الضمان إذا تلفت بغير تفريط فلما تقدم من أنها أمانة فلم يضمنها بغير تفريط كالوديعة.

стр. 1023

قال: (وإن عطب الهدي في الطريق نحره موضعه وصبغ نعله التي في عنقه في دمه وضرب بها صفحته ليعرفه الفقراء فيأخذوه، ولا يأكل منه هو ولا أحد من أهل رفقته). أما نحره الهدي المذكور وفعله ما ذكر وعدم جواز الأكل له ولأحد من رفقته فلما روى ابن عباس ﵄ أن ذؤيباً أبا قبيصة حدثه «أن رسول الله ﷺ كان يبعث معه بالبدن ثم يقول: إن عطب منها شيء فخشيت عليه موتاً فانحرها. ثم اغمس نعلها في دمها. ثم اضرب به صفحتها. ولا تَطْعَمْها أنت ولا أحد من أهل رفقتك» (١) أخرجه مسلم. فإن قيل: فقد روى صاحب بدن رسول الله ﷺ «أنه قال: يا رسول الله! كيف أصنع بما عطب من الهدي؟ قال: انحره ثم اغمس قلائده في دمه ثم اضرب بها صفحة عنقه ثم خل بينه وبين الناس» (٢). فقوله: خل بينه وبين الناس يدل على تسوية الرفقة بالأجانب وهذا الحديث راجح على غيره. قال ابن عبدالبر: هذا الحديث أصح من حديث ابن عباس وعليه العمل عند الفقهاء. قيل: حديث ابن عباس صحيح أخرجه مسلم وهو متضمن لمعنى خاص يجب تقديمه على عموم ما يخالفه. والتسوية بين الرفقة والأجانب لا يصح لأن الرجل يشفق على رفيقه وربما أوسع عليه من ماله فيتهم في حقه دون الأجنبي. وأما النعل فهي التي يقلد بها الهدي لما روي في حديث صاحب بدن رسول الله ﷺ . وأما قول المصنف ﵀: ليعرفه الفقراء فتنبيه على أن صبغ النعل إنما كان من أجل معرفة الفقراء كون المذبوح هدياً.

стр. 1024

وأما الحكمة في منع السائق ورفقته من أكلها فلئلا يُقَصّر في حفظها فيعطبها ليأكل هو ورفقته منها. (وإن تعينت ذَبَحَها وأجزأته إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين كالفدية والمنذور في الذمة فإن عليه بدلها. وهل له استرجاع هذا العاطب والمعيب؟ على روايتين. وكذلك إن ضلت فذبح بدلها ثم وجدها). أما ذبح المتعينة إذا تعينت عنده ولم يكن عن واجب في الذمة وإجزاؤه ذبحها من غير بدل فلما روى أبو سعيد ﵁ قال: «ابتعنا كبشاً نضحي به فأصاب الذئب من إليته. فسألنا النبي ﷺ فأمرنا أن نضحي به» (١). رواه ابن ماجة. ولأنه عيب حدث في الأضحية الواجبة فلم يمنع الإجزاء كما لو حدث بها عيب لمعالجة الذبح. وأما لزوم البدل إذا كانت عن واجب في ذمته مثل إن نذره، أو كان قد لزمه ذلك من تمتع أو قران أو حلق أو نحو ذلك ثم عين ذلك في شيء بعينه فتعيب فكما لو كان لرجل عليه دين فاشترى به منه مكيلاً فتلف قبل قبضه انفسخ البيع وعاد الدين إلى ذمته. وأما جواز استرجاع هذا العاطب والمعيب ففيه روايتان: أحدهما: له استرجاعه وتصرفه فيه بما شاء؛ لأنه إنما عيّنه عن ما في ذمته فإذا لم يقع عنه عاد إلى صاحبه على ما كان كمن أخرج زكاته فبان أنها غير واجبة عليه. والأخرى: ليس له ذلك؛ لأنه صار للمساكين أشبه الذي عيّنه ابتداء. وأما كون حكم الضال حكم المتعين إذا تعيب في ذبح بدله وفي استرجاعه وعدمه؛ فلأنه يساويه معنى فوجب أن يساويه حكماً. ويقوّي لزوم ذبحه مع ذبح الواجب ما روي عن عائشة ﵂ «أنها أهدت هديين فأضلتهما. فبعث إليها ابن الزبير

стр. 1025

هديين فنحرتهما. ثم عاد الضالان فنحرتهما. وقالت: هذه سنة الهدي» (١) وهذا ينصرف إلى سنة النبي ﷺ .

стр. 1026

فصل [في سَوْق الهدي] قال المصنف ﵀: (سَوْق الهدي مسنون لا يجب إلا بالنذر. ويستحب أن يقفه بعرفة ويجمع فيه بين الحل والحرم ولا يجب ذلك). أما مسنونية سوق الهدي فلأن النبي ﷺ كان يفعله. روى ابن عمر ﵄ قال: «تمتع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج فساق الهدي من ذي الحليفة» (١) متفق عليه. وأما عدم وجوبه مع عدم النذر فلأن الغرض إراقة الدم وتفريق اللحم وهو حاصل بدون السوق. وأما وجوبه مع النذر فلأنه سنة وطاعة فوجب الوفاء به لقوله ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه» (٢) وقياساً على نذر سائر القرب. وأما استحباب وقفه بعرفة وجمعه فيه بين الحل والحرم (٣). قال: (ويسن إشعار البدنة فيشق صفحة سنامها حتى يسيل الدم ويقلدها ويقلد الغنم النعل وآذن القرب والعري). أما مسنونية إشعار البدنة وتقليدها فلما روت عائشة ﵂ قالت: «فتلت قلائد هدي النبي ﷺ ثم أشعرها وقلدها» (٤) متفق عليه.

стр. 1027

وروى ابن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ صلى بذي الحليفة ثم دعى ببدنة وأشعرها من صفحة سنامها الأيمن وسلت الدم عنها بيده» (١) رواه مسلم. ومراد المصنف ﵀ بالبدنة الإبل والبقر؛ أما الإبل فلحديث ابن عباس؛ وأما البقر فلأنها من البدن فسن إشعارها وتقليدها كالإبل. وأما قول المصنف ﵀ فيشق صفحة سنامها فبيان لصفة الإشعار. وأما مسنونية تقليد الغنم فلأن عائشة ﵂ قالت: «كنت أفتل قلائد الغنم للنبي ﷺ » (٢) رواه البخاري. ولأنه هدي فاستحب تقليده كالإبل. ولأنه إذا سن تقليد الإبل مع إمكان معرفتها بالإشعار فالغنم أولى. وفي ذكر المصنف ﵀ الإشعار والتقليد في البدنة والتقليد فقط في الغنم إشعار بأنه لا يسن إشعار الغنم وهو صحيح؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من السلف. قال: (وإذا نذر هدياً مطلقاً فأقل ما يجزئه شاة أو سُبُع بدنة. وإن نذر بدنة أجزأته بقرة). أما كون الشاة أو سُبُع البدنة أقل ما يجزئ إذا نذر هدياً مطلقاً فلأن المطلق في النذر يجب حمله على معهود الشرع، والهدي الواجب في الشرع إنما هو من النعم، وأقله ما ذكرناه فحمل عليه، ولهذا قال الله تعالى ﴿فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦] في المتعة فحمل على ما ذكر. وأما إذا ... (٣):

стр. 1028

أحدها: أن ينوي الإبل خاصة فلا يجزئه غير ذلك الجنس؛ لأن منه بعض فيتعين بها. الثانية: أن ينوي الإبل والبقر فيجزئه كل واحد منهما؛ لما ذكر. الثالثة: أن يطلق النذر فتجزئ البقرة عن البدنة لأنها تجزئ عن سبعة كالواحدة من الإبل. ولأنه يصح إطلاق لفظ البدنة على البقرة اشتقاقا ونقلاً: أما الاشتقاق فإن لفظ البدنة مشتق من البدانة وهي الضخامة والكبر. يقال: بدن إذا كبر وسمن وكثر لحمه وهذا المعنى موجود في البقر. وأما النقل فما روى جابر ﵁ قال: «كنا ننحر البدنة عن سبعة فقيل له: والبقرة فقال: وهل هي إلا من البدن» (١). ولقائل أن يقول: لا يلزم من إجزاء البقرة في باب الهدايا والضحايا عن سبعة كالبدنة إجزاؤها عن نذر البدنة لأن اللفظ وإن أطلق عليها لكنه غالب في الإبل والظاهر من حال الناذر استعمال اللفظ فيما هو غالب فيحمل عليه، وحديث جابر في الهدايا في الحج ونحن نقول به. قال: (فإن عين الهدي بنذره أجزأه ما عينه: صغيراً كان أو كبيراً من الحيوان وغيره، وعليه إيصاله إلى فقراء الحرم إلا أن يعينه موضع سواه). أما إجزاء ما عينه بنذره من صغير وكبير ومريض فلأن لفظه لم يتناول غيره فإذا صرف المعين إلى مستحقه فقد خرج عن عهدة نذره. وأما إجزاء الهدي من الحيوان وغيره فلأن النبي ﷺ قال: «من راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة» (٢).

стр. 1029

وأما وجوب إيصاله إلى فقراء الحرم إذا لم يعينه موضع سواه فلأن إطلاق الهدي يقتضي ذلك. قال الله تعالى: ﴿بالغ الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥]. ثم ينظر فإن كان الهدي مما ينقل نقل، وإن كان مما لا ينقل كالدور بيع وصرف ثمنه إليهم؛ لأنه لا يمكنه إهداؤه بعينه فانصرف إلى بدله، وعن ابن عمر ﵄ «أن رجلا سأله عن امرأة نذرت أن تهدي داراً قال: تبيعها وتصدق بثمنها على فقراء الحرم». وأما إيصاله إلى فقراء الموضع الذي عيّنه مثل: أن يعيّنه للمدينة أو للثغور وما أشبه ذلك فلأنه قصد نفع أهله فلزمه إيصاله إليهم كأهل مكة، وروي «أن رجلاً نذر أن ينحر بالأبواء فأمره النبي ﷺ بوفاء نذره» (١) رواه أبو داود. قال: (ويستحب أن يأكل من هديه. ولا يأكل من واجب إلا من دم المتعة والقران). أما استحباب أكله من الهدي المتطوع به فلأن الله تعالى قال: ﴿فكلوا منها﴾ [الحج: ٢٨]. ولأن النبي ﷺ أكل من بدنه التي أهداها تطوعاً (٢). ولا فرق في الهدي المذكور بين أن يكون ذُبح من غير إيجاب وبين ما أوجبه ابتداء من غير أن يكون في ذمته شيء لاشتراكهما في أصل التطوع. وأما مقدار ما يستحب أكله فقال ابن عقيل: يأكل الثلث، ويهدي الثلث، ويتصدق بالثلث كالأضحية. والأولى أن يتصدق بجميعها إلا اليسير كما فعل النبي ﷺ حين نحر بدنه. وأما عدم جواز أكله من هديٍ واجب غير المتعة والقران فلأنه وجب للفقراء فلم يجز الأكل منه كسائر الواجبات.

стр. 1030

وأما جواز الأكل من دم المتعة والقران فلما روي «أن أزواج رسول الله ﷺ تمتعن معه في حجة الوداع وأدخلت عائشة ﵂ الحج على المتعة حين حاضت فصارت قارنة فذبح رسول الله ﷺ عنهن البقر وأكلوا من لحومها» (١).

стр. 1031

فصل [في الأضحية] قال المصنف ﵀: (والأضحية سنة مؤكدة. ولا تجب إلا بالنذر. وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها). أما مسنونية الأضحية فلأن النبي ﷺ ضحى وحث على فعلها. وقد تقدم ذلك في أول الباب مستقصى فلا حاجة إلى إعادته (١). وأما عدم وجوبها مع عدم النذر فلأن النبي ﷺ قال: «ثلاث كتبت عليّ وهن لكم تطوع: الوتر والنحر وركعتا الفجر» (٢) رواه الدارقطني. ولأن النبي ﷺ قال: «من أراد أن يضحي ودخل العشر فلا يأخذ من شعره ولا بشرته شيئاً حتى يضحي» (٣) علقه على الإرادة والواجب لا يعلق على الإرادة. ولأنها ذبيحة لم يجب تفريق لحمها فلم تكن واجبة كالعقيقة. ولا فرق في ذلك بين الغني والفقير لعموم ما تقدم. وعن أحمد ﵀: هي واجبة على الغني لما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا» (٤). ولما روي أنه قال: «يا أيها الناس! إن على أهل كل بيت في كل عام أضحية أو عتيرة» (٥) أخرجهما ابن ماجة.

стр. 1032

والأول أصح لما ذكر. وأما قوله: «فلا يقربن مصلانا» فضعيف عند أهل الحديث وعلى تقدير صحته يحمل على تأكيد الاستحباب كما حمل قوله ﷺ «من أكل من هاتين الشجرتين فلا يقربن مصلانا» (١). وأما قوله: «على أهل كل بيت ... الحديث» فمنسوخ بما يذكر في آخر فصل العقيقة (٢). وعلى تقدير عدم نسخه يحمل على تأكيد الاستحباب كقوله ﷺ : «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» (٣). وأما كون ذبحه أفضل من الصدقة بثمنها فلأن النبي ﷺ والخلفاء بعده عدلوا عن الصدقة بثمن الأضحية إلى ذبحها وواظبوا على ذلك وهم لا يواظبون إلا على الأفضل. ولأن إيثار الصدقة بثمنها على ذبحها يفضي إلى ترك سنة سنها رسول الله ﷺ . قال: (والسنة أن يأكل من أضحيته ثلثها ويهدي ثلثها ويتصدق بثلثها. فإن أكل أكثر جاز وإن أكلها [كلها] (٤) ضمن أقل ما يجزئ في الصدقة منها). أما مسنونية أكل ثلثها وإهداء ثلثها والتصدق بثلثها فلأن ابن عباس روي عن النبي ﷺ أنه قال في الأضحية: «ويطعم أهل بيته الثلث، ويطعم فقراء جيرانه الثلث، ويتصدق على السُؤّال بالثلث» أخرجه الحافظ أبو موسى في الوظائف وقال: هذا حديث حسن. وعن ابن عمر ﵄ أنه قال: «الضحايا والهدايا ثلث لك وثلث لأهلك وثلث للمساكين». وأما جواز أكل أكثرها فلأن الأمر بالأكل مطلق فإذا أكل الأكثر وتصدق بالباقي خرج عن العهدة وأن القصد لا يخلو من قربة وذلك يحصل بصدقة الأقل.

стр. 1033

وأما ضمان أقل ما يجزئ في الصدقة منها إذا أكلها كلها فلأن الله تعالى قال: ﴿وأطعموا القانع والمعتر﴾ [الحج: ٣٦] أمر والأمر للوجوب فإذا وجب التصدق بشيء منها وجب أن يضمنه إذا أكله كسائر الواجبات المتلفة. ولم يذكر المصنف ﵀ مقدار ما يجب. وصرح في الكافي بأن صدقة الأوقية تجزئ لأنه يحصل به الوفاء بالأمر. فعلى هذا يضمن هذا القدر. وقال أبو الخطاب: يضمن القدر المشروع للصدقة. وهو منصوص الإمام أحمد. وفيه نظر. قال: (ومن أراد أن يضحي فدخل العشر فلا يأخذ من شعره وبشرته شيئاً. وهل ذلك حرام؟ على وجهين). أما عدم أخذ من أراد أن يضحي فدخل العشر شيئاً من شعره وبشرته حتى يضحي فلأن النبي ﷺ قال: «من أراد أن يضحي فدخل العشر فلا يأخذ من شعره ولا بشرته شيئاً حتى يضحي» (١). وأما حرمة ذلك ففيه وجهان: أحدهما: لا يحرم ويكره: أما عدم الحرمة فلقول عائشة ﵂: «كنت أفتل قلائد الهدي لرسول الله ﷺ ثم يبعث بها، ولا يحرم عليه شيء أحله الله له حتى ينحر الهدي» (٢). وأما الكراهة فلأن أدنى أحوال النهي الكراهة.

стр. 1034

والثاني: يحرم وحكاه ابن المنذر عن أحمد ﵀ عليه لما تقدم من قوله ﷺ : «من أراد أن يضحي فدخل العشر فلا يأخذ من شعره ولا بشرته شيئاً حتى يضحي» (١). ومقتضى النهي التحريم.

стр. 1035

فصل [في العقيقة] قال المصنف ﵀: (والعقيقة سنة مؤكدة). أما ماهية العقيقة ففي الشرع: الذبيحة عن المولود. والأصل فيها الشعر على المولود وجمعها عقائق ثم سميت الذبيحة عند حلق شعر المولود عقيقة تسمية للشيء باسم ما جاوره. قال ابن عبدالبر: أنكر أحمد ﵀ هذا التفسير فقال: إنما العقيقة الذبح نفسه لأنه يقال: عق إذا قطع ومنه عق والديه إذا قطعهما. وأما كونها سنة مؤكدة فلما روى سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «كل غلام مرتهن بعقيقته» (١) رواه أبو داود والترمذي وصححه. و«لأن النبي ﷺ عقّ عن الحسن والحسين» (٢). قال: (والمشروع أن يذبح عن الغلام شاتين، وعن الجارية شاة يوم سابعه، ويحلق رأسه ويتصدق بوزنه ورقاً، فإن فات ففي أربعة عشر، فإن فات ففي إحدى وعشرين). أما مشروعية ذبح شاتين عن الغلام وشاة عن الجارية فلما روت عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ أمرهم أن يعقوا عن الغلام شاتين مكافئتين وعن الجارية شاة» (٣) رواه أحمد وابن ماجة.

стр. 1036

فإن قيل: الأمر للوجوب فلم حمل هنا على الاستحباب؟ قيل: لأنه ﷺ قال في حديث آخر: «من وُلد له مولود وأحب أن ينسك عنه فليفعل» (١) رواه مالك في الموطأ. علقه على محبته والواجب لا يُعَلّق على المحبة فوجب حمل الأمر في الأول على تأكد الاستحباب جمعاً بينهما. وأما مشروعية الذبح يوم السابع وحلق رأس المولود فلأن في حديث سمرة بن جندب: «يذبح يوم سابعه ويسمى ويحلق رأسه» (٢) رواه أبو داود. وأما الصدقة بزنة شعره ورقاً؛ «فلأن النبي ﷺ قال لفاطمة ﵂ لما ولدت الحسن: احلقي رأسه وتصدقي بزنته فضة» (٣) رواه أحمد. وأما الذبح في أربعة عشرة إذا فات في السابع وفي إحدى وعشرين إذا فات في أربع عشرة فلأن ذلك يروى عن عائشة ﵂. قال: (وينزعها أعضاءً، ولا يكسر عظمها. وحكمها حكم الأضحية). أما نزع العقيقة أعضاء وعدم كسر عظمها فلأنه يروى عن عائشة ﵂ (٤). ولأنه أول ذبيحة ذبحت عن الولد فلا يكسر عظمها تفاؤلاً بالسلامة. ومعنى ينزعها أعضاء أي: يفصل أعضاءها بعضاً من بعض من غير كسر. قال أبو عبيد الهروي في حديث العقيقة: «تقطع جدولاً» (٥) أي عضواً عضواً.

стр. 1037

وأما كون حكم العقيقة حكم الأضحية ومعناه أن يجتنب فيها ما يجتنب في الأضحية، ويأكل منها كما يأكل، ويستحب فيها ما يستحب وهلم جرا؛ فلأنها شبيهة بها فألحقت بها لذلك. ولا بد أن يلحظ أنه يجوز بيع جلدها ورأسها وسواقطها ويتصدق به بخلاف الأضحية؛ لأن ذلك منقول عن الإمام أحمد. والأصل فيه أن الأضحية ذبيحة لله تعالى فلا يباع شيء منها كالهدي بخلاف العقيقة. فعلى هذا يحمل كلام المصنف ﵀ في كون حكم العقيقة كحكم الأضحية فيما سوى ذلك لئلا يناقض النقل. وقال أبو الخطاب ﵀: يحتمل أن ينقل حكم إحدى المسألتين إلى الأخرى فتخرج في كل واحدة روايتان. قال: (ولا تسن الفرعة وهي ذبح أول ولد الناقة، ولا العتيرة وهي ذبيحة رجب). أما عدم مسنونية الفرعة والعتيرة فلما روى أبو هريرة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «لا فرع ولا عتيرة» (١) متفق عليه. فإن قيل: إن النبي ﷺ قال: «على أهل كل بيت عتيرة» (٢)، وعن عائشة ﵂ قالت: «أمر رسول الله ﷺ بالفرعة» (٣). قيل: ما تقدم ناسخ؛ لأنه متأخر عنها ظاهراً؛ لأن إسلام أبي هريرة متأخر. وأما قول المصنف ﵀: بعد الفرعة وهي ذبح أول ولد الناقة، وبعد العتيرة وهي ذبيحة رجب؛ فبيان لماهية الفرعة والعتيرة.

стр. 1038

كتاب الجهاد الجِهاد في اللغة: بذل الطاقة والوسع. وفي الشرع: قتال الكفار. قال المصنف ﵀: (وهو فرض كفاية، ولا يجب إلا على ذكرٍ حرٍّ مكلفٍّ مستطيعٍ، وهو: الصحيحُ الواجدُ لزاده، وما يحمله إذا كان بعيداً). أما كون الجهاد فرض كفاية فلأنه واجب في الجملة، وليس واجباً على الأعيان: أما كونه واجباً في الجملة فبالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يُقاتلونكم﴾ [البقرة: ١٩٠]، وقوله تعالى: ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ [البقرة: ١٩١]، وقوله تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكونَ فتنةٌ ويكونَ الدين كلُّه لله﴾ [الأنفال: ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿انفروا خِفافاً وثقالاً﴾ [التوبة: ٤١]. وأما السنة فقوله ﷺ : «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبةٍ من النفاق» (١). أخرجه مسلم. وقولُه ﵇: «الجهادُ واجب عليكم» (٢). وقوله ﷺ : «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» (٣) أخرجهما أبو داود. وقوله: «من لقي الله بغير أثرٍ من جهاد لقي الله وفي إيمانه ثُلْمة» (٤) أخرجه الترمذي. وأما الإجماع فأجمع المسلمون في الجملة على وجوبه. وأما كونه ليس واجباً على الأعيان فلقوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ [التوبة: ١٢٢]، وقوله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غيرُ أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسِهم فضّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على

стр. 1039

القاعدين درجةً وكلاً وعد الله الحسنى﴾ [النساء: ٩٥]. أثبت للمجاهد والقاعد الأجر ولا يكون القاعد مأثوماً، ولو كان فرض عين لأثم. وإذا وجب في الجملة ولم يجب على الأعيان لزم كونه فرض كفاية. وأما كونه لا يجب إلا على ذَكَرٍ فلما روت عائشة قالت: «قلت: يا رسول الله! هل على النساء جهاد؟ قال: جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة» (١). ولأن المرأة ليست من أهل القتال لضعفها وخوفها ولذلك لا سهم لها. وأما كونه لا يجب إلا على حرٍّ فلما روي «أن النبي ﷺ كان يبايع الحر على الإسلام والجهاد، ويبايع العبد على الإسلام دون الجهاد» (٢). ولأن الجهاد عبادة تتعلق بقطع مسافة فلم يجب على العبد كالحج. وأما كونه لا يجب إلا على مكلف فلأن الصبي والمجنون والكافر لا يجب عليهم سائر فروع الإسلام فكذلك الجهاد. ولأن الصبي ضعيف عن القتال، والمجنون لا يتأتى منه، والكافر غير مأمون فيه. وأما كونه لا يجب إلا على مستطيع فلأن غير المستطيع عاجز، والعجز ينفي الوجوب للمستطيع شرعاً. فعلى هذا لا يجب على مريض، ولا أعمى، ولا أعرج، ولا غير قادر على نفقته وما يحمله وما يقاتل به؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حَرَجٌ إذا نصحوا لله ورسوله﴾ [التوبة: ٩١]. وقال تعالى: ﴿ليس على الأعمى حَرَجٌ ولا على الأعرج حَرَج ولا على المريض حرج﴾ [الفتح: ١٧]. ولأن هذه الأعذار تمنعه من الجهاد.

стр. 1040

والمانع مما ذُكِر مطلق العمى، والعرجُ الفاحش الذي يمنع المشي والركوب كالزمانة ونحوها. فأما اليسير الذي يتمكن معه من الركوب والمشي فلا يمنع وجوب الجهاد؛ لأنه متمكن منه أشبه الأعور. وكذلك المرض المانع هو الشديد فأما وجع الضرس والصداع الخفيف فلا يمنع لما ذكر في الأعرج. وأما غير القادر فالمانع عدم قدرته على نفقته وآلة الجهاد وما يشتريها به؛ لأن النفقة ضرورة مقدمة على الحج ودين الغير فكذلك على الجهاد. وآلة القتال لا يمكن الجهاد إلا بها. وأما القدرة على المركوب فإن كانت المسافة بعيدة اشترطت؛ لقوله تعالى: ﴿ولا على الذين إذا ما أتوكَ لِتَحْملهم قلتَ لا أجدُ ما أحملُكم عليه﴾ [التوبة: ٩٢] ولذلك شرط المصنف ﵀ في وجدان ما يحمله البعيد. وإن كانت المسافة قريبة لم يشترط القدرة عليه؛ لأنه سفر قريب لا مشقة في تحمله. ويشترط أن يكون جميع ما ذكر فاضلاً عن نفقة عياله وقضاء دينه وأجرة مسكنه؛ لما تقدم في الحج. قال: (وأقلُّ ما يُفعل مرةً في كل عام إن لم تدْعُ حاجة إلى تأخيره). أما كون الجهاد أقل ما يفعل مرة في كل عام إن لم تدع حاجة إلى تأخيره؛ فلأن الجزية تجب على أهل الذمة في كل عام وهي بدل فكذلك مبدلُها الذي هو الجهاد. وأما كونه لا يُفعل إذا دعت الحاجة إلى تأخيره مثل أن يكون بالمسلمين ضعف في عدد أو عدة، أو يكون الإمام منتظر المدد يستعين به، أو يكون الطريق إليهم فيها مانع، أو ليس بها علف أو ماء، أو يعلم من عدوه حسن الرأي في الإسلام ويطمع في إسلامهم إن أخر قتالهم، ونحو ذلك مما يرى معه المصلحة في ترك القتال؛ فـ «لأن النبي ﷺ صالح قريشاً عشر سنين وأخّر قتالهم حتى نقضوا العهد» (١). قال: (ومن حضر الصف من أهل فرض الجهاد، أو حَصَر العدو بلدَه تعيّن عليه). أما كون الجهاد متعينٌ على من حضر الصف فلقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتمُ الذين كفروا زحْفاً فلا تُولوهم الأدبار? ومن يولهّم يومئذٍ دبُره إلا متحرّفاً لقتالٍ

стр. 1041

أو متحيزاً إلى فئةٍ فقد بَاء بغضبٍ من الله ومأواه جهنمُ وبئس المصير﴾ [الأنفال: ١٥ - ١٦]. وأما كونه متعيٌن على من حَصَرَ العدو بلدَه فلعموم قوله تعالى: ﴿انفروا خفافاً وثقالاً﴾ [التوبة: ٤١]. ولأن الكل استوى بالنسبة إلى القصد فوجب على الكل. ولأن البلد إذا حُصر قرُب شَبَه من فيه بمن حضر الصف فوجب بعينه عليه كحاضر الصف. ويتعين أيضاً على من استنفره الإمام؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم إلى الأرض ... الآية﴾ [التوبة: ٣٨]. ولقوله ﷺ : «فإذا استنفرتم فانفروا» (١) متفق عليه. قال: (وأفضل ما يُتطوع به الجهاد. وغزو البحر أفضل من غزو البر. ويُغزى مع كل بر وفاجر. ويقاتِل كلُّ قومٍ من يليهم من العدو). أما كون الجهاد أفضل ما يُتطوع به فلما روى ابن مسعود قال: «سألت رسول الله ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لمواقيتها، قلت: ثم أيّ؟ قال: بر الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله» (٢) رواه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. وروى أبو سعيد الخدري قال: «قيل: يا رسول الله! أي الناس أفضل؟ قال: مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله» (٣) متفق عليه.

стр. 1042

وقال ﷺ : «والذي نفسي بيده ما بين السماء والأرض من عمل أفضلُ من جهاد في سبيل الله، أو حجةٍ مبرورة لا رفث فيها ولا فسوق ولا جدال» رواه الخلال. ولأن الجهاد بذل المُهْجة وإنفاق المال، ونفعه يعم المسلمين كلهم. وأما كون غزو البحر أفضل من غزو البر؛ فلما روى أبو أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «شهيدُ البحر مثلُ شهديِ البر، والمائد في البحر كالمتشحط في دمه في البر، وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله، وإن الله وكل ملك الموت بقبض الأرواح. إلا شهيد البحر، فإنه يتولى قبض أرواحهم، ويُغْفرُ لشهيد البرِّ الذنوب كلُّها إلا الدَّين، ويُغفر لشهيد البحر الذنوب والدَّين» (١). وفي حديث آخر: «غزوة في البحر مثلُ عشرِ غزَوات في البر» (٢) رواهما ابن ماجة. ولأن شهيد البحر أعظم خطراً ومشقة؛ لأنه بين خطر العدو وخطر الغرق، ولا يُمَكّن من الفرار إلا مع أصحابه فكان أفضلَ من غيره. وأما كونه يغزو مع كل بر وفاجر فلما روى أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «الجهادُ واجبٌ عليكم مع كل أمير: براً كان أو فاجراً» (٣). وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث من أصل الإيمان: الكف عن من قال: لا إله إلا الله لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماضٍ منذ بعثني الله إلى أن يقاتِل آخر أمتي الدجال لا يُبْطله جَوْرُ جائر ولا عَدْلُ عادل، والإيمان بالأقدار» (٤) رواهما أبو داود. ولأن ترك الجهاد مع الفاجر يُفضي إلى ظهور الكفار على المسلمين، وفيه إظهار كلمة الكفر وذلك أعظم الفساد. وأما كون كل قوم يقاتِل من يليهم من العدو فلقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة﴾ [التوبة: ١٢٣].

стр. 1043

ولأن الأقربَ أكثرُ ضرراً. قال: (وتمام الرباطِ أربعون ليلة، وهو: لزوم الثغر للجهاد، ولا يُستحب نقل أهله إليه، وقال رسول الله ﷺ : «رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل» (١». أما كون تمام الرباط أربعين ليلة، والمراد أربعون يوماً فلأنه يروى عن النبي ﷺ أنه قال: «تمامُ الرباط أربعون يوماً» (٢). وعن أبي هريرة: «من رابط أربعين يوماً فقد استكمل الرباط» (٣) رواه سعيد بن منصور في سننه. وعن ابن عمر «أنه قدم على أبيه فقال له: كم رابطت؟ قال: ثلاثين يوماً. قال: عزمتُ إلا رجعتَ حتى تُتِمَّها أربعون يوماً» (٤). وأما قول المصنف ﵀: وهو لزوم الثغر للجهاد فبيانٌ لمعنى الرباط. فإن قيل: ما الثغر؟ قيل: كل مكان يُخيف أهلُه العدوَّ ويخاف منه. وأما كون مَن فيه لا يُستحب له نقل أهله إليه فلأن الثغر مخوف ولا يُؤمن ظَفَر العدو من فيه واستيلاؤهم على الأهل. والمراد بالأهل النساء والذرية. وأما قول المصنف ﵀: وقال رسول الله ﷺ إلى آخره فتنبيه على أن الرباط فيه فضيلة عظيمة؛ لما ذكر من الحديث (٥). رواه أبو داود.

стр. 1044

وفي حديث آخر أنه قال ﷺ : «رباطُ يوم وليلة خيرٌ من صيام شهر وقيامِه. وإن مات جرى عليه عملُه الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأَمِنَ الفَتّان» (١) رواه مسلم. قال: (وتجب الهجرة على من يَعجز عن إظهارِ دينه في دار الحرب، وتستحب لمن قدَر عليه). أما كونُ الهجرةِ، وهي: الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام: تجب على من يعجز عن إظهار دينه في دار الحرب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿إن الذين تَوَفّاهم الملائكة ظالمِي أنفسِهم قالوا فيم كنتُم قالوا كنّا مستضعفين في الأرضِ قالوا ألم تَكن أرض الله واسعةً فتُهاجروا فيها﴾ [النساء: ٩٧] إلى غير ذلك من الآيات. وفي إطلاق المصنف ﵀ وجوب الهجرة إشعارٌ ببقاء حكمها، وهو صحيح؛ لأن حكم الهجرة عندنا باقٍ إلى يوم القيامة؛ لأن الآيات والأخبارَ الدالة عليها شاملةٌ لكل زمان. وقد قال النبي ﷺ : «لا تَنقطع الهجرة ما كان الجهاد» (٢) رواه سعيد وغيره. وعن معاوية سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطعَ التوبةُ، ولا تنقطع التوبةُ حتى تطلع الشمس من مغربها» (٣) أخرجه أبو داود. وأما قوله ﵇: «لا هجرة بعد الفتح» (٤)، وقوله: «قد انقطعت الهجرة ولكن جهاد ونية» (٥) رواهما سعيد. فمعناهما: لا هجرة من مكة بعد فتحها، أو لا هجرة من بلدٍ بعد فتحه؛ بدليل أنه قال ذلك لمن أراد أن يهاجر من مكة بعد فتحها. روي «أن صفوان بن أمية قيل له بعد الفتح: أنه لا دين لمن لا يهاجر. فأتى المدينة [فقال له النبي ﷺ ما جاء بك أبا وهب؟ ] (٦) فقال له ذلك. فقال: ارجع أبا وهب. فقد انقطعت الهجرة، ولكن جهاد ونية» (٧). يعني من مكة.

стр. 1045

وأما كونها تستحب لمن قدَر عليها فلأن في إقامته تكثيراً لعددهم واختلاطا بهم. وإنما لم تجب عليه لقدرته على إظهار دينه. وظاهر كلام المصنف ﵀: أن الهجرة على ضربين: واجبة ومستحبة. وقال في المغني: الناس على ثلاثة أضرب: أحدها: من تُستحب له ولا تجب عليه. والثاني: من تجب عليه. والثالث: من تسقط عنه. وهو: من يعجز عنها (١) لمرض، أو إكراه على إقامة، أو ضعفٍ. فهذا لا يجب عليه ولا يوصف باستحباب؛ لقوله تعالى: ﴿إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ... الآية﴾ [النساء: ٩٨]. وفيه نظر. قال: (ولا يجاهِد من عليه دينٌ لا وفاءَ له، ومن أحد أبويه مسلم: إلا بإذن غريمه وأبيه، إلا أن يَتعين عليه الجهادُ فإنه لا طاعةَ لهما في ترك فريضةٍ). أما كونُ من عليه دين لا وفاء له لا يجاهد إذا لم يأذن له غريمه في الجهاد مع عدم تعيّنِ ذلك عليه؛ فلأن الجهاد يُقصد منه الشهادة وبها تفوت النفس فيفوت الحق لفواتها. وفي تقييد المصنف ﵀ الدين بأنه لا وفاء له إشعار بأنه إن كان له وفاءٌ فله أن يجاهد بغير إذنٍ وهو صحيح. نص عليه أحمد ﵀؛ «لأن عبدالله بن حزام أبا جابر خرج إلى أُحُدٍ وعليه دين كثير. فاستشهد وقضاه عنه ابنه بعلم النبي ﷺ » (٢) ولم ينكر (٣) ذلك.

стр. 1046

وفي معنى الوفاء إقامة الكفيل المليء لأن الدَّين الذي له وفاء إنما لم يمنع من الجهاد لعدم ضياع حق الغريم بتقدير قتله في الجهاد وذلك حاصل في الكفيل المليء. وأما كون من أحد أبويه مسلم لا يجاهد إذا لم يأذن له أبوه مع عدم تعيّن الجهاد عليه «فلأن رجلاً هاجر إلى رسول الله ﷺ . فقال له: هل لك باليمن أحد؟ قال: نعم. أبوان. قال: ارجع فاستأذنهما: فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرهما» (١) رواه أبو داود. وروى عبدالله بن عمرو بن العاص قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أجاهد. فقال لك أبوان؟ فقال: نعم. قال: ففيهما فجاهد» (٢). وروى الترمذي عن ابن عباس مثله، وقال هذا حديث حسن صحيح. ولأن بر الوالدين فرض عين والجهاد فرض كفاية وفرض العين مقدم. ولا فرق فيما ذُكر بين الأب والأم. ولذلك قال المصنف ﵀: ومَن أحد أبويه مسلم. وفي قول المصنف ﵀: مسلم تنبيه على أنه لا يعتبر إذن الكافر منهما. وصرح به في المغني؛ لأن كثيراً من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يجاهدون وآباؤهم مشركون لا يستأذنونهم منهم: أبو بكر الصديق، وأبو عبيدة. وأما كون من ذكر يجاهد بغير إذن من ذكر إذا تعين الجهاد عليه فلأنه يصير حينئذ فرض عين وتركه معصية. ولذلك قال المصنف: فإنه لا طاعة لهما في ترك فريضة. ولأن الجهاد حينئذ عبادة متعينة فلم يعتبر إذن أحد فيها كالصلاة. قال: (ولا يحل للمسلمين الفرارُ من ضعفهم إلا متحرّفين للقتال، أو متحيزين إلى فئة. وإن زاد الكفار فلهم الفرار إلا أن يَغلب على ظنّهم الظَّفَرُ). أما كون المسلمين لا يحل لهم الفرار من الكفرة في الجملة فلأن الله تعالى قال: ﴿إذا لقيتم الذين كفروا زَحْفاً فلا تُوَلّوهم الأدبار ... الآية﴾ [الأنفال: ١٥].

стр. 1047

ولأن النبي ﷺ عَدّ الفرار من الكبائر (١). وأما ما يشترط لذلك فشرطان: أحدهما: أن لا يزيد عدد الكفار على مثلي المسلمين، وهو المراد بضعفهم. فإن زاد فلهم الفرار؛ لقوله تعالى: ﴿الآن خَفَّفَ الله عنكم وعلم أن فيكم ضَعفاً فإن يكن منكم مائةٌ صابرةٌ يغلبوا مائتين﴾ [الأنفال: ٦٦] لفظه خبر ومعناه أمر بدليل قوله: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾، ولئلا يخالف خبرَه مَخْبَرُه؛ لأن الظفر في كل مرة لا يتفق للمسلمين. وعن ابن عباس: «من فرّ من اثنين فقد فر، ومن فر من ثلاثة فما فر» (٢). الثاني: أن لا يريد بفراره التحرف للقتال أو التحيز إلى فئة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إلا متحرّفاً لقتالٍ أو متحيزاً إلى فئة﴾ [الأنفال: ١٦]. ومعنى التحرف: أن ينحاز إلى موضع يكون القتال فيه أمكن له؛ كمن في وجهه الشمس، أو الريح، أو هو في وَهْدَة (٣) أو عطشان، أو في مكان منكشف فينحرف إلى ظل، أو موضع لا ريح فيه، أو مكان عال، أو موضع فيه ماء، أو هو مستترا، ونحو ذلك مما جرت به عادة أهل الحرب. والتحيز إلى فئة هو: أن يصير إلى قومٍ من المسلمين ليكون مع الجماعة ويقوَى بهم على قتال العدو. سواء بعدت أو قربت؛ لأن ابن عمر روى عن النبي ﷺ أنه قال: «إني فئة لكم» (٤) وكان بالمدينة. وقال عمر: «أنا فئة كل مسلم» (٥). وكانت جيوشه بالشام والعراق وخراسان ومصر. رواهما أبو سعيد.

стр. 1048

وأما كونهم لهم الفرار إذا زاد عدد الكفار على ضعف المسلمين فلأن شرط عدم الحِلّ أن لا يزيد، وذلك مفقود هاهنا. وأما قول المصنف ﵀: إلا أن يغلب على ظنهم الظفر فاستثناء من كون المسلمين لهم الفرار مع الزيادة. فعلى هذا إن غلب على ظنهم الظَّفَر لا يحل لهم الفرار وإن كثر العدو. وصرح في المغني: بأن ذلك أولى وليس بواجب. وهذا هو الذي حكاه مَن علمنا من الأصحاب؛ لأن الله أباح له الفرار من الزائد على ضعفه مطلقاً من غير تفصيل فلا يقيد بغير ذلك. فعلى هذا يحمل استثناء المصنف على الأَولى؛ لما فيه من الجمع بين نقليه وموافقة الأصحاب. ويصححه أن قوله: فلهم الفرار إذن في الفرار. وللإذن صور: أحدها: أن يؤذن له مع أن الفرار والثبات سواء كمن استوى عنده الظفر والهلاك. والثانية: أن يؤذن له مع أن الثبات أولى كمن غلب على ظنه الظفر. والثالثة: أن يؤذن له مع أن الفرار مستحب كمن غلبت على ظنه السلامة بفراره، والهلاك وكسر قلوب المسلمين بثباته. فيكون المصنف قد استثنى من مطلق اللفظ أحد محامله وذلك جائز. ولو قيل بوجوب ما اقتضاه ظاهر لفظ المصنف لم يكن فيه بعداً؛ لأن الجهاد إنما وجب نكاية للعدو وإظهاراً لكلمة الحق فإذا غلب على ظنه الظفر تعين وإن كثروا تخليصاً لمقصود ما وجب الجهاد لأجله. قال: (وإن أُلقيَ في مركبهم نارٌ فعلوا ما يرون السلامة فيه، فإن شكّوا فعلوا ما شاؤا من المُقام أو إلقاءِ نفوسهم في الماء، وعنه: يلزمهم المُقام). أما كون من أُلقي في مركبهم نار يفعلون ما يرون فيه السلامة فلأن حفظ الروح واجب، وغلبة الظن قائمة مقام اليقين في كثير من الأحكام فليكن هاهنا كذلك. وأما كونهم إذا شكّوا يفعلون ما شاؤا من المُقام أو إلقاء نفوسهم في الماء على المذهب فلأنهم ابتلوا بشرين لا مزية لأحدهما على الآخر. وأما كونهم يلزمهم المُقام على رواية فلأنهم إذا رموا نفوسهم كان موتهم بفعلهم بخلاف إقامتهم فإن موتهم بفعل غيرهم.

стр. 1049

قال صاحب النهاية فيها: الأول أصح؛ لأنهم ملجئون إلى الإلقاء، ولا ينسب إليهم الفعل بوجهٍ، ولعل الله تعالى يخلصهم.

стр. 1050

فصل [في أحكام القتال] (ويجوزُ تبييت الكفار، ورميُهم بالمنجنيق، وقطعُ المياه عنهم، وهدمُ حصونهم). أما كون تبييت الكفار وهو كبْسهم ليلاً وقتلهم وهم غارّون يجوز؛ فـ «لأن النبي ﷺ شن الغارة على بني المصطلق ليلاً» (١). ولا فرق بين أن يكون فيهم نساؤهم وذراريهم أو لم يكن «لأن النبي ﷺ سئل: إنا نبيت العدو وفيهم النساء والصبيان. فقال: هم منهم» (٢) متفق عليه. ولأن ذلك لو منع لأفضى إلى تعطيل الجهاد. وأما كون رميهم بالمجنيق يجوز فـ «لأن النبي ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف» (٣) أخرجه الترمذي مرسلاً. وعن عمرو بن العاص «أنه نصب المنجنيق على الإسكندرية» (٤). وسواء في ذلك الحاجة وعدمها. قال المصنف في المغني: هو ظاهر كلام أحمد.

стр. 1051

وأما كون قطع المياه عنهم وهدم حصونهم يجوز فلأن القصد إضعافهم وإرهابهم ليجيبوا داعي الله تعالى. قال: (ولا يجوز إحراقُ نحل، ولا تغريقه، ولا عَقْرُ دابة ولا شاة إلا لأكلٍ يُحتاج إليه. وفي حرق شجرهم وزرعهم وقطعِه روايتان: إحداهما: يجوز إن لم يضر بالمسلمين. والأخرى: لا يجوز إلا أن لا يُقدر عليهم إلا به، أو يكونوا يفعلونه بنا. وكذلك رميهم بالنار، وفتح المياه ليغرقهم). أما كون إحراق النحل وتغريقه وعقر دابة أو شاة لغير أكل يحتاج إليه لا يجوز فـ «لأن أبا بكر الصديق ﵁ قال ليزيد وهو يوصيه حين بعثه أميراً: يا يزيد! لا تحرقن نحلاً ولا تغرقه، ولا تَعقرن دابة عجماء ولا شاة إلا لمأكلة» (١) أخرجه سعيد بن منصور. ولأن في ذلك إتلاف مال الغانمين من غير حاجة. وإنما اشترط المصنف ﵀ الحاجة في الأكل لأن قيمة الحيوان تكثر وتسمح بها أنفس الغانمين. وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنه مثل الطعام. أي يجوز لهم ذبح الحيوان وأكله من غير حاجة كما يجوز لهم أكل الطعام. وأما كون حرق شجرهم وزرعهم وقطعه يجوز في رواية فلقوله تعالى: ﴿ما قطعتم من لِينة أو تركتموها قائمةً على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين﴾ [الحشر: ٥]. وروى ابن عمر «أن النبي ﷺ حرّق نخل بني النضير وقطع، وهي البويرة فأنزل الله تعالى: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها ... الآية﴾ [الحشر: ٥]. ولها يقول حسان: وهانَ على سَراةِ بني لُؤيٍ ... حريقٌ بالبويرةِ مستطيرُ» (٢)

стр. 1052

متفق عليه. ولأن النبي ﷺ قال لأسامة: «حَرِّق» (١) رواه أبو داود. وأما كونه لا يجوز في روايةٍ فلأن في حديث أبي بكر المتقدم: «ولا تعقرن شجراً مثمراً» (٢). ولأنه قد روي نحو ذلك عن النبي ﷺ مرفوعاً. ولأن فيه إتلافاً محضاً فلم يجز كعقر الحيوان. واشتراط المصنف ﵀ في الرواية الأولى أن لا يُضر بالمسلمين؛ لأن الضرر منفي شرعاً بقوله ﵇: «لا ضرر ولا إضرار» (٣). واستثنى في الرواية الثانية أمرين: أن لا يُقدر عليهم إلا به، أو يكونوا يفعلونه بنا: أما إذا لم يُقدر عليهم إلا بذلك فلأنه لو لم يجز لأدى إلى ترك الجهاد، وأما إذا فعلوا ذلك بنا فلينزجروا عن فعل ذلك. وأما قول المصنف ﵀: وكذلك رميهم بالنار وفتح الماء ليغرقهم فمعناه أن في ذلك روايتين كحرق الشجر والزرع وقطعهما: إحداهما: يجوز لأن القصد نكايتهم وإقامة كلمة الحق فإذا كان وسيلة إليه جاز كالقتل. والثانية: لا يجوز: أما النار فلأنها لا يعذب بها إلا الله، وأما الماء فلأن الإتلاف به يعم. مع أن عنه مندوحة.

стр. 1053

فعلى هذا لو لم يقدر عليهم إلا به أو فعلوه بنا جاز لما مر في حرق الشجر. قال: (وإذا ظفِر بهم لم يُقتل صبيٌ ولا امرأةٌ ولا راهبٌ ولا شيخٌ فانٍ ولا زمِنٌ ولا أعمى لا رأي لهم، إلا أن يُقاتلوا. فإن تَتَرَّسوا بهم جاز رميهم، ويَقْصِد المقاتلة. وإن تترسوا بمسلمين لم يجز رميهم إلا أن يُخاف على المسلمين فيرميهم ويقصِد الكفار). أما كون كل واحد من الصبي والمرأة والشيخ الفاني لا يقتل إذا لم يكن ذا رأي ولم يقاتل فلأن النبي ﷺ قال: «انطلقوا بسم الله. لا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا طفلاً، ولا امرأة» (١) رواه أبو داود. وأما كون الراهب لا يُقتل إذا كان كذلك فلأن في حديث أبي بكر الذي في وصيته لزيد: «ستمرون على قومٍ في صوامع لهم. احتبسوا أنفسهم فيها. فدعوهم حتى يُميتهم الله على ضلالتهم» (٢). وأما كون كل واحد من الزَّمِن والأعمى لا يقتل إذا كان كذلك فبالقياس على الشيخ الفاني؛ لا شتراكهم في عدم النكاية. وأما كون جميع من ذُكر يقتل إذا كان ذا رأي أو قاتل: أما كونه يقتل إذا كان ذا رأي فلأن الرأي من أعظم المؤنة في الحرب. وقد جاء عن معاوية أنه قال لمروان والأسود: «أمددتما علياً بقيس بن سعد وبمائة، فوالله لو أنكما أمددتماه بثمانية آلاف مقاتل ما كان بأغيظ لي من ذلك». وأما كونه يُقتل إن قاتل «فلأن النبي ﷺ مرّ على امرأة مقتولة يوم الخندق فقال: من قتل هذه؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله! فقال: ولم؟ قال: نازعتني قائمة سيفي. فسكت» (٣). وفي حديثٍ آخر: «وقف على امرأة مقتولة. فقال: ما بالها قتلت وهي لا تقاتل» (٤).

стр. 1054

ولأنه لو لم يجز قتل من ذُكر لأدى إلى تلف من قاتله. وأما كون الكفار يجوز رميهم إذا تترسوا بمن ذكر من الكفار الذين لا يجوز قتلهم فـ «لأن النبي ﷺ رماهم بالمجنيق» (١) وفيهم النساء والصبيان. ولأن كف المسلمين عنهم يفضي إلى تعطيل الجهاد؛ لأنهم إذا علموا ذلك تترسوا بهم. وأما كون الرامي يقصد المقاتلة فلأن ذلك هو المقصود. وأما كونهم لا يجوز رميهم إذا تترسوا بمسلمين ولم يخف على المسلمين فلأن ذلك يؤول إلى قتل المسلمين مع أن لهم مندوحة. وأما كونهم يجوز رميهم إذا خيف على المسلمين مثل أن تكون الحرب قائمة أو لا يقدر عليهم إلا بذلك فلأنه حال ضرورة. وأما كون الرامي يقصد الكفار فلأنهم هم المقصودون بالقتل. قال: (ومن أسر أسيراً لم يجز له قتلُه حتى يأتي به الإمام إلا أن يمتنع من المسير معه ولا يمكنه إكراهه). أما كونُ من أسر أسيراً لا يجوز له قتله حتى يأتي به الإمام إذا لم يمتنع من المسير معه أو امتنع وأمكنه (٢) إكراهه على ذلك فلأنه إذا صار أسيراً كانت الخيرة فيه إلى الإمام فلم يجز قتله لما فيه من إبطال الخيرة المستحقة للإمام. وأما كونه يجوز له قتله إذا لم يسر معه ولا يمكنه إكراهه فلأنه لو لم يجز قتله لأدى ذلك إلى إطلاقه.

стр. 1055

قال: (ويخيّر الأمير في الأسرى: بين القتل، والاسترقاق، والمنِّ، والفداء بمسلم أو مال. وعنه: لا يجوز بمال. إلا غير الكتابي ففي استرقاقه روايتان. ولا يجوز أن يختار إلا الأصلح للمسلمين، فإن أسلموا رَقّوا في الحال). أما كون الأمير يخير في الأسرى من أهل الكتاب بين القتل والاسترقاق والمن والفداء: أما القتل فـ «لأن النبي ﷺ قَتل رجال قريظة، وهم ما بين الستمائة والسبعمائة» (١). و«قتل يوم بدر عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث صبراً» (٢). وأما الاسترقاق فلأنه يجوز إقرارهم على كفرهم بالجزية فبالرق أولى. ولأنه أبلغ في صَغارهم. وأما المن والفداء فلقوله تعالى: ﴿فإما مَنّا بعدُ وإما فداءً﴾ [محمد: ٤]. و«لأن النبي ﷺ منّ على أبي عَزّة الشاعر» (٣). و«منّ على العاصي بن الربيع» (٤).
следующие страницы →