← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وأما الدعاء عند الشرب بما ذكر فلأنه لائق به وهو متضمن لمصلحتي الدنيا والآخرة. ولأنه قد تقدم أن «ماء زمزم لما شرب له» (١) فإذا دعى رجي حصوله.

стр. 982

فصل [في بقية أعمال الحج] قال المصنف ﵀: (ثم يرجع إلى منى ولا يبيت بمكة ليالي منى، ويرمي الجمرات بها (١) بعد الزوال كل جمرة بسبع حصيات، فيبدأ بالجمرة الأولى وهي أبعدهن من مكة وتلي مسجد الخيف فيجعلها عن يساره ويرميها بسبع، ثم يتقدم قليلاً يدعو الله تعالى ويطيل، ثم يأتي الوسطى فيجعلها عن يمينه ويرميها بسبع ويقف عندها فيدعو، ثم يرمي جمرة العقبة بسبع ويجعلها عن يمينه ويستبطن الوادي ولا يقف عندها، ويستقبل القبلة في الجمرات كلها). أما رجوعه إلى منى وعدم مبيته بمكة ليالي منى ورميه الجمرات الثلاث بها في أيام التشريق بعد الزوال كل جمرة بسبع حصيات ووقوفه عند الأولى ودعاؤه وإطالته ذلك عند الجمرة الأولى والثانية وعدم وقوفه عند الثالثة فلما روت عائشة ﵂ قالت: «أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ويقف عند الأولى والثانية ويطيل المقام ويتضرع ويرمي الثالثة ولا يقف عندها» (٢) رواه أبو داود.

стр. 983

وأما بداءته بالجمرة الأولى وجعلها عن يساره وجعل الثانية عن يمينه واستبطانه الوادي بالثالثة واستقباله القبلة في الجمرات كلها فلما روى البخاري ﵁ عن ابن عمر ﵄ «أنه كان يرمي الجمرة الأولى بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة. ثم يتقدم فيقوم قياماً طويلاً ويرفع يديه. ثم يرمي الوسطى. ثم يأخذ بذات الشمال فيهل ويقوم مستقبل القبلة قياماً طويلاً. ثم يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها. ثم ينصرف ثم قال: هكذا رأيت النبي ﷺ يفعل» (١). وأما قوله: وهي أبعدهن من مكة وتلي مسجد الخيف فبيان للجمرة الأولى وتمييز لها. قال: (والترتيب شرط في الرمي، وفي عدد الحصى روايتان: أحدهما: سبع. والأخرى: يجزؤه خمس، فإن أخل بحصاة واجبة من الأولى لم يصح رمي الثانية، فإن لم يعلم من أيّ الجمار تركها بنى على اليقين). أما كون الترتيب في الرمي شرطاً ومعناه: أن يبدأ بالجمرة التي تلي مسجد الخيف ثم بالتي تليها ثم بالتي تليها كما ذكر المصنف ﵀ قبل فلأن النبي ﷺ هكذا فعل (٢)، وقال: «خذوا عني مناسككم» (٣). ولأن الرمي نسك متكرر فكان الترتيب فيه شرطاً كالسعي. وأما عدد الحصى ففيه روايتان:

стр. 984

أحدهما: يجب أن يرمي بسع «لأن النبي ﷺ رمى بسبع» (١)، وقال: «خذوا عني مناسككم» (٢). والرواية الثانية: يجزؤه خمس وست لما روى سعد قال: «رجعنا من الحجة مع رسول الله ﷺ بعضنا يقول: رميت بست وبعضنا يقول: رميت بسبع فلم يعب ذلك بعضنا على بعض» (٣) رواه الأثرم في سننه وأبو إسحاق الجوزجاني. وكان ابن عمر ﵄ يقول: «ما أبالي رميت بست أو بسبع» (٤). وأما عدم صحة رمي الثانية إذا أخل بحصاة واجبة من الأولى فلأن الترتيب شرط لما تقدم وفي ترك حصاة واجبة إخلال به. ولأنه إذا أخل بواحدة من الأولى فكأنه ابتدأ الثانية فيفوت الترتيب المشترط. وأما بناؤه على اليقين إذا لم يعلم من أي الجمار تركها فلأنه تررد في ذلك فيبني على اليقين كما لو شك هل صلى ثلاثاً أم أربعاً. قال: (وإن أخّر الرمي كله فرماه في آخر أيام التشريق أجزأه، ويرتبه بنيّته، وإن أخره عن أيام التشريق أو ترك المبيت بمنى في لياليها فعليه دم، وفي حصاة أو ليلة واحدة ما في حلق شعرة). أما إجزاء الرمي في آخر أيام التشريق لمن أخره فرماه فيه فلأن أيام التشريق وقت الرمي فإذا أخره من أول وقته إلى آخره لم يلزمه شيء كما لو أخر الوقوف بعرفة إلى آخر وقته.

стр. 985

وأما ترتيبه بنيته، ومعناه: أن ينوي رمي اليوم الأول والثاني مع الثالث فلأن الرمي في أيام التشريق عبادة يجب الترتيب فيها مع فعلها في أيامها فوجب مع فعلها مجموعة كالصلاتين المجموعتين والفوائت. وأما وجوب الدم على من أخر الرمي عن أيام التشريق فلأن الرمي نسك واجب، أخّره عن وقته المعين فوجب عليه دم كما لو أخر الإحرام عن الميقات. وأما وجوبه على من ترك المبيت بمنى فلأن المبيت بها واجب لأن ابن عباس ﵄ قال: «لم يرخص النبي ﷺ لأحد يبيت بمكة إلا العباس من أجل سقايته» (١) رواه ابن ماجة. وروى ابن عمر ﵄ أن عمر قال: «لا يبيتن أحد من الحاج إلا بمنى. وكان يبعث رجالاً لا يَدَعُون أحداً يبيت وراء العقبة» (٢). ولأن النبي ﷺ فعله نسكاً، وقال: «خذوا عني مناسككم» (٣). وإذا كان واجباً وجب بتركه دم لتركه الواجب في الحج. وأما كون الواحدة من الحصاة والليلة في تركها ما في حلق شعرة. والمراد به مد من طعام أو قبضة أو درهم على الخلاف المتقدم فيه فلأنه بعض ما يجب فيه دم فوجب فيه ما يجب في الشعرة كالشعرة. قال: (وليس على أهل [سقاية الحاج] (٤) والرعاء مبيت بمنى، فإن غربت الشمس وهم بمنى لزم الرعاء المبيت دون أهل السقاية). أما عدم وجوب المبيت بمنى على أهل السقاية فلما روى ابن عمر ﵄ «أن العباس ﵁ استأذن النبي ﷺ ليبيت بمكة ليالي منى لأجل سقايته فأذن له» (٥).

стр. 986

وأما عدم وجوبه على الرعاء وهم الذين يرعون المواشي فلما روى عاصم عن أبيه قال: «رخص رسول الله ﷺ لرعاء الإبل في البيتوتة في أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر يرمونه في أحدهما» (١) رواه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. ولأن أهل السقاية والرعاء يشتغلون بالرعاية واستقاء الماء فرخص لهم لذلك. وأما لزوم الرعاء المبيت إذا غربت الشمس وهم بمنى دون أهل السقاية فلأن ترك المبيت إنما كان للحاجة فإذا غربت الشمس زالت حاجة الرعاء. ولأن الرعي وقته النهار لا الليل بخلاف أهل السقاية فإنهم يسقون ليلاً ونهاراً. قال: (ويخطب الإمام في اليوم الثاني من أيام التشريق خطبة يعلمهم فيها حكم التعجيل والتأخير وتوديعهم). أما مسنونية الخطبة في اليوم الثاني من أيام التشريق فلما روي عن رجلين من بني بكر قالا: «رأينا رسول الله ﷺ يخطب بين أوسط أيام التشريق ونحن عند راحلته» (٢) أخرجه أبو داود. وأما تعليمهم ما ذكر فلدعوى الحاجة إليه.

стр. 987

قال: (فمن أحب أن يتعجل في يومين خرج قبل غروب الشمس، فإن غربت وهو بها لزمه المبيت والرمي من الغد). أما جواز التعجيل في يومين فلقوله تعالى: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه﴾ [البقرة: ٢٠٣]، ولقوله ﷺ : «أيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه» (١). وأما لزوم البيتوتة والرمي من الغد لمن غربت الشمس وهو بمنى فلأن الله سبحانه ورسوله ﷺ جوزا التعجيل في اليوم الثاني وهو اسم لبياض النهار. ولأنه يروى عن عمر ﵁ أنه قال: «من أدركه المساء في اليوم الثاني فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس» (٢). قال: (فإذا أتى مكة لم يخرج حتى يودع البيت بالطواف إذا فرغ من جميع أموره فإن ودع ثم اشتغل في تجارة أو أقام أعاد الوداع). أما عدم خروجه من مكة حتى يودع البيت بالطواف إذا فرغ من جميع أموره فلما روى ابن عباس ﵄ قال: «أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم الطواف بالبيت إلا أنه قد خفف عن المرأة الحائض» (٣) متفق عليه. ولمسلم: «كان الناس ينصرفون كل وجه فقال رسول الله ﷺ : لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت» (٤). وأما إعادة الوداع إذا ودع ثم اشتغل التجارة أو أقام فلأنه إذا لم يطف بعد اشتغاله أو أقام لم يكن آخر عهده بالبيت وقد أمره النبي ﷺ بذلك.

стр. 988

ولأن هذا الطواف هو طواف الوداع فإذا لم يطف بعد ما ذكر لم يكن وداعاً في العادة فلم يجزؤه كما لو طافه عند قدومه إلى مكة. قال: (ومن أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج أجزأه عن طواف الوداع، فإن خرج قبل الوداع رجع إليه، فإن لم يمكنه فعليه دم، إلا الحائض والنفساء لا وداع عليهما). أما إجزاء طواف الزيارة عن طواف الوداع إذا طافه عند الخروج فلأنه أُمِرَ أن يكون آخر عهده بالبيت وقد فعل ذلك. ولأن ما شرع للمسجد يجزئ عنه الواجب من جنسه كتحية المسجد وركعتي الإحرام وركعتي الطواف يجزئ عنهما المكتوبة. وأما رجوعه إلى الوداع إذا خرج قبله مع الإمكان وهو المسافة القريبة مع عدم خوف على نفس أو مال أو فوات رفقة فلأنه أمكنه الإتيان بالواجب من غير مشقة فلزمه كما لو كان بمكة. وأما عدم رجوعه مع عدم إمكانه فلما يلحقه من المشقة أشبه ما لو رجع إلى بلده. وأما وجوب الدم عليه فلأنه ترك واجباً في الحج أشبه ترك الرمي. وأما عدم الوداع على الحائض والنفساء فلأنه لا يجب عليهما وداع لما تقدم من قوله: «إلا أنه خفف عن المرأة الحائض» (١) والنفساء مثلها. قال: (وإذا فرغ من الوداع وقف في الملتزم بين الركن والباب فقال: اللهم! هذا بيتك وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك وأعنتني على أداء نسكي، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضى، وإلا فمُنّ الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، فهذا أوان انصرافي إن أذنت لي، غير مستبدل بك ولا بيتك ولا راغب عنك ولا عن بيتك. اللهم! فاصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي بين خير الدنيا والآخرة إنك

стр. 989

على كل شيء قدير. ويدعو بما أحب ويصلي على النبي ﷺ ، إلا أن المرأة إذا كانت حائضاً لم تدخل المسجد ووقفت على بابه ودعت بذلك). أما مسنونية الوقوف في الملتزم وهو موضعٌ بين الباب والحجر والأسود وهو المراد بقول المصنف ﵀ الركن فلما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه أنه قال: «طفت مع عبدالله فلما جئنا دبر الكعبة قلت: ألا تتعوذ؟ قال: نعوذ بالله من النار. ثم مضى حتى استلم الحجر فقام بين الركن والباب فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه هكذا وبسطها بسطاً وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل» (١) رواه أبو داود. وعن صفوان قال: «لما فتح رسول الله ﷺ مكة انطلقت فرأيت رسول الله ﷺ قد خرج من الكعبة هو وأصحابه قد استلموا البيت من الباب إلى الحطيم ووضعوا خدودهم على البيت ورسول الله ﷺ وسطهم» (٢) رواه أبو داود. وأما صفة الدعاء فكما ذكره المصنف ﵀ لأنه يليق بالمكان وإن زاد على ذلك أو دعا بغيره فلا بأس؛ لأن الغرض الدعاء لا دعاء بعينه. وأما الصلاة على النبي ﷺ فليكون جامعاً بين فضيلتي الدعاء والصلاة على النبي ﷺ . وأما عدم دخول المرأة المسجد إذا كانت حائضاً فلأن الحائض ممنوعة من دخول المسجد لما تقدم في موضعه. وأما وقوفها على بابه ودعاؤها بذلك فلأن المرأة ينبغي أن [تدعو بما] (٣) تحب ويسن في حقها ما يكون كذلك في حق الرجل ترك ذلك في دخول المسجد لأنها ممنوعة منه لحيضها فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.

стр. 990

قال: (فإذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي ﷺ وقبر صاحبيه ﵄. أما استحباب زيارة قبر النبي ﷺ فلما روي أن النبي ﷺ قال: «من زارني أو زار قبري كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة» (١) رواه أبو داود الطيالسي. ولما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من أحد يسلم عليّ عند قبري إلا رد الله عليّ روحي حتى أرد ﵇» (٢). ويروى عن العتبي قال: «كنت جالساً عند قبر النبي ﷺ فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله! سمعت الله يقول: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً﴾ [النساء: ٦٤]، وقد جئتك مستغفراً مستشفعاً بك إلى ربي. ثم أنشأ يقول: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبرٍ أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم ثم انصرف الأعرابي، فحملتني عينيّ فرأيت رسول الله ﷺ في النوم فقال: يا عتبي! الحق الأعرابي فبشره أن الله تعالى قد غفر له» (٣). وأما استحباب زيارة قبري صاحبيه فلأن زيارة قبر غيرهما مستحبة فلأن يستحب زيارة قبرهما مع فضيلتهما على غيرهما بطريق الأولى.

стр. 991

فصل في صفة العمرة قال المصنف ﵀: (من كان في الحرم خرج إلى الحل فأحرم منه، فإن أحرم من الحرم لم يجز وينعقد وعليه دم). أما خروج من هو في الحرم إلى الحل ليحرم منه بالعمرة فـ «لأن النبي ﷺ أمر عبدالرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم» (١) رواه مسلم. وكانت عائشة ﵂ بمكة والتنعيم أدنى الحل. ولأنه يجب الجمع في النسك بين الحل والحرم، وأفعال العمرة كلها في الحرم فلم يكن بد من الإحرام من الحل ليحصل الجمع (٢) من الحل. وأما عدم تجويز إحرامه من الحرم فلما (٣) عن النبي ﷺ بذلك في حديث عائشة ﵂. وحكمه على الواحد حكمه على الكل. وأما انعقاد إحرامه فكما لو أحرم بعد أن جاوز الميقات وأما وجوب الدم عليه فلتركه الواجب. قال: (ثم يطوف ويسعى، ثم يحلق أو يقصر، ثم قد حلّ. وهل يحل قبل الحلق أو التقصير؟ على روايتين). أما طواف المعتمر وسعيه وحلقه أو تقصيره بعد إحرامه فلأن العمرة أحد النسكين فوجب أن يفعل بها ما ذكر كالحج. وأما حله بعد ذلك فلأنه لم يبق من أفعال العمرة شيء أشبه الحاج إذا لم يبق له من أفعال حجه شيء.

стр. 992

وأما حله قبل حلقه أو تقصيره ففيه روايتان أصلهما هل الحلق والتقصير في العمرة نسك؟ وفيه روايتان مضى توجيههما في الحج (١). فإن قيل: ذلك نسك لم يحل قبل فعله كالطواف، وإن قيل: ليس بنسك جاز له الحل قبله؛ لأن الحل لا يتوقف على فعل ما ليس بنسك. قال: (وتجزئ عمرة القارن، والعمرة من التنعيم عن عمرة الإسلام في أصح الروايتين). أما إجزاء عمرة القارن وهو الذي أحرم بحج وعمرة جميعاً عن عمرة الإسلام ففيه روايتان: أحدهما: تجزئ «لأن النبي ﷺ قال لعائشة ﵂ لما قرنت وطافت: قد حللت من حجك وعمرتك» (٢). وفي لفظ: «يسعُكِ طوافك لحجك وعمرتك» (٣) رواه مسلم. والثانية: لا تجزئ لأن الله تعالى قال: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦] فوجب الإتيان بالعمرة (٤) على وجه الكمال ولم توجد فيما ذكر. ولأن النبي ﷺ قال لعائشة لما اعتمرها أخوها: «هذه مكان عمرتك» (٥) متفق عليه. والأولى أصح لما تقدم. ولما روي عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «من أحرم بالحج والعمرة طاف لهما طوافاً واحداً ولا يحل حتى يقضي حجه ويحل منهما جميعاً» (٦).

стр. 993

ولأن الصبي بن معبد قال لعمر ﵁: «إني وجدت الحج والعمرة مكتوبتين عليّ فأهللت بهما -أي أهللت بالمكتوبتين- فقال عمر ﵁: هديت لسنة نبيك» (١). ولأنه يروى عن ابن عمر وجابر وابن عباس ﵃: «من قرن كفاه طواف واحد وسعي واحد» (٢). ولأن الواجب عمرة واحدة وقد أتى بها. ولأن عمرة القارن أحد نسكي القران فأجزأ كالحج. وأما عمرة عائشة من التنعيم فإنما كانت تطييباً لقلبها وإجابة لمسألتها ولو كانت واجبة عليها لأمرها هو بها قبل أن تسأله. وأما إجزاء عمرة المفرد من التنعيم ففيه أيضاً روايتان: أحدهما: يجزئ لما تقدم من أمر النبي ﷺ لعبدالرحمن أن يعمر عائشة من التنعيم (٣). والثانية: لا تجزئ؛ «لأن النبي ﷺ أحرم في عمرة القضاء من ذي الحليفة»، وروي «من الجعرانة». وقال صاحب النهاية: الصحيح أنه أحرم من الجعرانة في غير سنة القضاء. روي أنه برز لها من الحرم. والأولى أصح لما تقدم. ولأن الحج يجزئ من مكة فالعمرة من أدنى الحل في حق المفرد أولى. وأما إحرام النبي ﷺ في عمرة القضاء من ذي الحليفة فلأنه مر بها أولاً لأن القضاء يحكي الأداء.

стр. 994

فصل [في أركان الحج] (أركان الحج الوقوف بعرفة، وطواف الزيارة. وعنه: أنها أربعة: الطواف والوقوف والإحرام والسعي. وعنه: أنها ثلاثة وأن السعي سنة، واختار القاضي أنه واجب وليس بركن). أما كون الوقوف بعرفة ركناً فلما روي أن رجلاً قال: «أتيت رسول الله ﷺ بعرفة فجاءه نفر من أهل نجد. فقالوا: يا رسول الله! كيف الحج؟ قال: الحج عرفة فمن جاء قبل صلاة الفجر فقد تم حجه» (١) أخرجه أبو داود وابن ماجة. وأما كون الطواف ركناً فلقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: ٢٩]. ولما روت عائشة ﵂ قالت: «حججنا مع النبي ﷺ فأفضنا يوم النحر فحاضت صفية فأراد النبي ﷺ منها ما يريد الرجل من أهله. فقلت: يا رسول الله! إنها

стр. 995

حائض. قال: أحابستنا هي؟ قالوا: يا رسول الله! أفاضت يوم النحر. قال: اخرجوا» (١) رواه البخاري بلفظه ومسلم بمعناه. فدل هذا على أن الطواف لا بد منه وأنه حابس لمن لم يأت به. ولأن الحج أحد النسكين فكان الطواف ركناً له كالعمرة. وأما الإحرام ففيه روايتان: أحدهما: أنه ركن؛ لأن الحج عبادة فلم تصح بدون الإحرام كنية الصلاة. والثانية: أنه ليس بركن لأن النبي ﷺ قال لعروة بن مُضَرِّس: «من وقف بعرفة ليلاً أو نهاراً وأدرك معنا صلاتنا هذه -يعني الصبح- من يوم النحر فقد تم حجه وقضى تفثه» (٢) ولم يذكر الإحرام ولو كان ركناً لذكره. فإن قيل: لم يذكر رسول الله ﷺ الطواف وهو ركن وفاقاً؟ قيل: إنما ترك ذكره لأن القرآن دل عليه بخلاف الإحرام. والرواية الأولى أصح في ظاهر قول الأصحاب، وظاهر قول المصنف ﵀ عكس ذلك؛ لأنه أخرها، ولم أعلم أحداً من الأصحاب ذكر أن الإحرام شرط والأشبه به كذلك. وبه قال أبو حنيفة وذلك أن من قال بالرواية الأولى قاس الإحرام على نية الصلاة، ونية الصلاة شرط وكذا يجب أن يكون الإحرام. ولأن الإحرام يجوز فعله قبل دخول وقت الحج فوجب أن يكون شرطاً كالطهارة مع الصلاة. وأما السعي فعن الإمام أحمد ﵀ أنه ركن؛ لأن حبيبة بنت أبي تَجْراة قالت: «سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو يسعى: اسعوا فان الله كتب عليكم السعي» (٣) رواه الإمام أحمد في المسند.

стр. 996

وعن عائشة ﵂ قالت: «طاف النبي ﷺ فطاف المسلمون -تعني بين الصفا والمروة- ولعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة» (١). وعن أحمد ﵀: هو سنة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فلا جناح عليه أن يَطَّوف بهما﴾ [البقرة: ١٥٨]. وروي أن في مصحف أُبَيّ وابن مسعود: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما. وقراءة من ذكر إن لم تكن قرآناً فلا تنحط عن درجة الخبر. ولأنه نسك ذو عدد لا يتعلق بالبيت فلم يكن ركناً كالرمي. واختار القاضي أنه واجب؛ لأنه فعل من أفعال الحج فكان واجباً لا ركناً كطواف الوداع. قال المصنف ﵀ في المغني: الذي قال القاضي أقرب إلى الحق إن شاء الله تعالى؛ لأن ما روت عائشة ﵂ من فعل النبي ﷺ وأصحابه دليل وجوبه ولا يلزم كونه ركناً كالرمي والحلق وغيرهما. وقولها: «ما أتم الله حج من لم يطف» (٢) معارَض بقول غيرها، وحديث حبيبة فيه كلام. ثم هو يدل على أنه مكتوب والواجب مكتوب والآية نزلت؛ «لأن ناساً تحرجوا من السعي لأجل صنمين كانا بين الصفا والمروة» (٣) كذلك قالت عائشة ﵂.

стр. 997

قال: (وواجباته سبعة: الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى الليل، والمبيت بمزدلفة إلى بعد نصف الليل، والمبيت بمنى، والرمي، والحلق، وطواف الوداع. وما عدا هذا سنن). أما وجوب الإحرام من الميقات؛ فلأن النبي ﷺ ذكر المواقيت الخمسة وقال: «هن لهن ولمن مر عليهن» (١). ولأنه أحرم من الميقات وكذلك أصحابه (٢)، وقال: «خذوا عني مناسككم» (٣). وأما وجوب الوقوف بعرفة إلى الليل فلأن من أدرك عرفة نهاراً يجب عليه أن يجمع بين جزء من النهار وبين جزء من الليل لما تقدم (٤). وأما وجوب المبيت بمزدلفة إلى بعد نصف الليل فلما تقدم في موضعه قبل (٥). وأما وجوب المبيت بمنى والرمي والحلق فلأن النبي ﷺ فعل ذلك (٦) وقال: «خذوا عني مناسككم» (٧).

стр. 998

وأما وجوب طواف الوداع فلأن النبي ﷺ قال: «لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت» (١) رواه مسلم. وفي حديث ابن عباس: «أن يكون آخر عهده بالبيت» (٢) متفق عليه. وذُكر كل واحد من الواجبات مستقصى في بابه وموضعه وإنما الغرض هنا بيان التعداد ذلك، وكذلك لم أستقص هنا في الدلالة. ولا بد أن يلحظ أن الوقوف بعرفة إلى الليل إنما يجب في حق من أدرك عرفة نهاراً وأن المبيت بمزدلفة إلى بعد نصف الليل إنما يجب في حق من أدرك مزدلفة أول الليل. وقد تقدم ذكر ذلك كله والدليل عليه فيما تقدم ومن (٣) أراد الوقوف فليعرج إليه.

стр. 999

باب الفوات والإحصار قال المصنف ﵀: (ومن طلع عليه الفجر يوم النحر ولم يقف بعرفة فقد فاته الحج. ويتحلل بطواف وسعي. وعنه: أنه ينقلب إحرامه لعمرة ولا قضاء عليه إلا أن يكون فرضاً. وعنه: عليه القضاء. وهل يلزمه هدي؟ على روايتين: أحدهما: عليه هدي يذبحه في حجة القضاء إن قلنا عليه قضاء، وإلا ذبحه في عامه). أما فوات الحج لمن طلع عليه الفجر يوم النحر ولم يقف بعرفة فلقول جابر ﵁: «لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جَمْع. قال أبو الزبير: فقلت له: أقال رسول الله ﷺ ذلك؟ قال: نعم» (١) رواه الأثرم بإسناده. ولأن النبي ﷺ قال: «من صلى صلاتنا هذه وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه» (٢) وكانت الصلاة صلاة الفجر من يوم النحر. وأما تحلل من فاته ذلك وهو قول ابن حامد -لا منقول عن الإمام أحمد- فلأن الإحرام انعقد بأحد النسكين فلم ينقلب إلى الآخر كما لو أحرم بالعمرة.

стр. 1000

ولأنه إذا أحرم بالحج من مكة لم يلزمه الخروج إلى الحل ولو صار معتمراً للزمه ذلك كالمعتمر، وإذا لم ينقلب إحرامه عمرة تعين التحلل بطواف وسعي ليخرج من إحرامه. وأما انقلاب إحرامه عمرة وهو المنصوص عن الإمام أحمد وظاهر كلام الخرقي؛ فلما روى النجاد بإسناده عن عطاء أن النبي ﷺ قال: «من فاته الحج فعليه دم وليجعلها عمرة» (١). ولما روى الشافعي في مسنده «أن عمر ﵁ قال لأبي أيوب حين فاته الحج: اصنع ما يصنع المعتمر ثم قد حللت» (٢). ولأنه قول عمر وابنه وابن عباس وزيد بن ثابت ولم يعرف لهم مخالف فكان إجماعاً. ولأنه يجوز فسخ الحج إلى العمرة من غير فوات فمع الفوات أولى. ولأنه لو بقي في إحرام الحج لزمته أفعاله كالمفسد حجه. ولأنه يفعل أفعال المعتمر خاصة فكان معتمراً كالمحرم بالعمرة. قال أبو الخطاب: فائدة الخلاف أنها إذا صارت عمرة جاز إدخال الحج عليها فيصير قارناً ومن لم يجعله عمرة لم يجز ذلك. وأما وجوب القضاء على من فاته الحج فينظر فيه فإن كان الذي فاته حجة الإسلام لزمه قضاؤها بلا خلاف على معنى أنه يلزمه أن يحج من قابل؛ لأن الحج كان واجباً عليه ولم يأت به على وجهه فلزمه الإتيان به ليخرج عن عهدة الواجب، وإن كان نفلاً ففيه روايتان: أحدهما: يقضيه لما يأتي.

стр. 1001

والثانية: لا يقضيه «لأن النبي ﷺ لما سئل عن الحج أكثر من مرة قال: بل مرة واحدة» (١) ولو وجب قضاء النافلة كان الحج أكثر من مرة. ولأنها عبادة تطوّع بها فإذا فاتت لم يلزمه قضاؤها كسائر التطوعات. والرواية الأولى أولى. نص عليه ابن عقيل؛ لأن في حديث عطاء المذكور قبل: «الحج من قابل» (٢). وفي حديث عمر لأبي أيوب: «فإن أدركت الحج قابلاً حج» (٣). ولأن الحج يلزم بالشروع فيصير كالمنذور بخلاف سائر التطوعات. وأما لزوم الهدي ففيه روايتان: أحدهما: لا يلزم؛ لأنه لو كان الفوات سبباً لوجوب الهدي للزم المحصر هديان للفوات والإحصار. والرواية الثانية: يلزمه هدي؛ لأن في حديث عطاء: «من فاته الحج فعليه دم» (٤). ولأنه قول من تقدم ذكره من الصحابة. قال المصنف ﵀ في المغني: وهي الصحيحة. فعلى هذا إن قلنا يقضي ذبحه في سنة القضاء نص عليه لما روى سليمان بن يسار (٥) «أن هبار بن الأسود حج من الشام فقدم يوم النحر. فقال له عمر: انطلق إلى البيت فطف به سبعاً وإن كانت معك هدية فانحرها ثم إذا كان عام قابل فاحجج وإن وجدت سعة فاهد وإن لم تجد فصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت» (٦). وإن قلنا لا قضاء عليه ذبحه في عامه؛ لأنه لا معنى لتأخيره. قال: (وإن أخطا الناس فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم، وإن أخطأ بعضهم فقد فاته الحج). أما الإجزاء إذا أخطأ الناس؛ فلأنه لا يؤمن مثله في القضاء فيشق.

стр. 1002

وأما فوات الحج إذا أخطأ البعض فلأن الخطأ من تفريطهم ولهذا قال عمر ﵁ لهبار: «وما حبسك؟ قال: كنت أحسب أن اليوم يوم عرفة» (١) فلم يعذره بذلك. قال: (ومن أحرم فحصره عدو ولم يكن له طريق إلى الحج ذبح هدياً في موضعه وحل، فإن لم يجد هدياً صام عشرة أيام ثم حل، ولو نوى التحلل قبل ذلك لم يحلّ، وفي وجوب القضاء على المحصر روايتان). أما ذبح المحرم هدياً إذا حصره عدو في الجملة فلقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦]. و«لأن النبي ﷺ أمر أصحابه لما حصروا بالحديبية أن ينحروا ويحلقوا ويحلوا» (٢). وأما حله بعد ذلك فلما تقدم من أمر النبي ﷺ الصحابة بذلك. ولأن الحاجة داعية إلى الحل لما في تركه من المشقة العظيمة المنفية شرعاً. ولا فرق في الإحصار بين الحج والعمرة لعموم الآية. ولأن الصحابة ﵃ حلوا في الحديبية (٣) وكانت عمرة. وعن ابن عمر ﵄ «أنه خرج في الفتنة معتمراً وقال: إن صددت عن البيت صنعنا كما صنع رسول الله ﷺ » (٤) متفق عليه. وأما ما يشترط للحل فشروط: أحدها: أن لا يجد طريقاً أخرى فلو أمكنه الوصول من طريق أخرى لزمه سلوكها ولم يجز له التحلل سواء كان أبعد من طريق الحصر أو مثله؛ لأنه أمكنه الوصول أشبه ما لم يحصره أحد.

стр. 1003

الثاني: أن ينحر هديه إن كان معه وإلا اشتراه؛ لأن النبي ﷺ هكذا فعل وهكذا أمر الصحابة (١). الثالث: أن يحصر ظلماً كحصر الكفار وقطاع الطريق ومانعي الوصول إلى المناهل ونحو ذلك؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه حصروا ظلماً فلو منعه من له عليه دين وهو قادر على أدائه لم يكن له التحلل؛ لأنه لا عذر له في الحبس فكان الحصر من نفسه. الرابع: الحلق إن قلنا هو نسك ولم يذكره المصنف ﵀ وظاهره عدم اشتراطه. فعلى هذا يحصل التحلل للمحصر بالنية والنحر أو بدله وبالنية والنحر أو بدله والحلق على الخلاف المتقدم في كونه نسكاً. فإن قيل: لم اشترطت النية هنا دون ما تقدم؟ قيل: لأن من أتى بأفعال الحج فقد أتى بما عليه فيتحلل منها بإكمالها فلم يحتج إلى نية بخلاف المحصر فإنه يريد الخروج من العبادة قبل إكمالها فافتقرت إلى قصده. ولأن الذبح يكون لغير التحلل فلم يتخصص إلا بالقصد بخلاف الرمي فإنه لا يكون إلا للنسك فلم يحتج إلى القصد. وأما صيام عشرة أيام إذا لم يجد الهدي فلما تقدم في باب الفدية (٢)، وفي حديث عمر لهبار. وأما عدم حله إذا نوى التحلل قبل الذبح أو الصوم فلأن الهدي أو الصوم أقيم مقام أفعال الحج فلم يحل قبله كما لا يتحلل القادر على أفعال الحج قبلها ولا يلزمه بهذه النية فدية؛ لأنها لا تؤثر في العبادة. وإن فعل شيئاً من المحظورات قبل النحر فعليه فدية؛ لأنه باق على إحرامه. وأما وجوب القضاء على المحصر ففيه روايتان: أحدهما: يجب؛ لأن النبي ﷺ لما تحلل زمن الحديبية قضى من قابل (٣) وسميت عمرة القضية.

стр. 1004

ولأنه تحلَّلَ من إحرمه قبل إتمامه فلزمه القضاء كما لو فاته الحج. والثانية: لا يجب؛ لأن الذين صدوا مع رسول الله ﷺ كانوا ألفاً وأربعمائة والذين اعتمروا معه من قابل كانوا يسيراً ولم ينقل أنه أمر الباقين بالقضاء. ولأنه تطوع جاز التحلل منه مع صلاح الوقت فلم يجب عليه القضاء كما لو دخل في الصوم يعتقد أنه واجب فلم يكن. وتفارق هذه المسألة مسألة من فاته الحج بأن من فاته مقصّر بخلاف المحصر. قال: (فإن صد عن عرفة دون البيت تحلل بعمرة ولا شيء عليه). أما تحلل من صد عن عرفة دون البيت بعمرة فلأنه يمكنه (١) أن يأتي بعمل العمرة. فعلى هذا يتحلل بطواف وسعي وحلق. وأما كونه لا شيء عليه (٢). قال: (ومن أحصر بمرض أو ذهاب نفقة لم يكن له التحلل، وإن فاته الحج تحلل بعمرة. ويحتمل أن يجوز له التحلل كمن حصره العدو). أما كون المحصر بما ذكر ليس له التحلل على المذهب فـ «لأن النبي ﷺ دخل على ضباعة بنت الزبير فقالت: إني أريد الحج وأنا شَاكِيةٌ فقال: حُجي واشترطي أن محلي حيث حَبستني» (٣) فلو كان المرض يبيح الإحلال ما احتاجت إلى شرط. ولأن ذلك قول ابن عباس وابن عمر. ولأنه لا يستفيد بإحلاله الانتقال من حاله ولا التخلص من الداء الذي به بخلاف المحصر بالعدو.

стр. 1005

وأما احتمال جواز ذلك لمن حصره عدو؛ فلأن النبي ﷺ قال: «من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى» (١) رواه مسلم. ولأنه محصور فيدخل في عموم الآية. ولأنه مصدود عن البيت أشبه من صده العدو. والأول أولى لما تقدم. وقوله: «من كسر أو عرج» (٢) متروك الظاهر؛ لأن مجرد الكسر لا يصير به حلالاً وإن حمل على أنه يبيح حملناه على ما إذا اشترط التحلل بذلك، والعموم مخصوص بحديث ضباعة، والقياس على من حصره عدو لا يصح لما ذكرنا من الفرق. فعلى هذا يبعث ما معه من الهدي ليذبح بمكة وليس له ذبحه في مكانه؛ لأنه لم يبح له التحلل بخلاف المحصر. وإن فاته الحج تحلل بعمرة كسائر من فاته الحج. وعلى قولنا: له التحلل حكمه حكم المحصر؛ لأنه في معناه. قال: (ومن شرط في ابتداء إحرامه أن محلي حيث حبستني فله التحلل بجميع ذلك ولا شيء عليه). أما جواز التحلل فلأن النبي ﷺ قال لضباعة بنت الزبير: «حجي واشترطي» (٣) فلو لم يجز التحلل مع الاشتراط لم يكن فيه فائدة. ولأن الشرط له تأثير في العبادات بدليل أنه لو قال: إن شفى الله مريضي صمت شهراً فإنه يلزم بوجود الشرط ويعدم بعدمه. وأما كونه لا شيء عليه فلأنه صار بمنزلة من أكمل أفعال الحج.

стр. 1006

وقوله: لا شيء عليه يشمل القضاء والهدي. والله تعالى أعلم.

стр. 1007

باب الهدي والأضاحي الهدي: ما يذبح بمنى. سمي بذلك لأنه يهدى إلى الله تعالى. وهو مشروع؛ «لأن النبي ﷺ أهدى مائة بدنة» (١). والأضاحي: جمع أضحية. وهي: ما يذبح يوم النحر وأيام التشريق على وجه التقرب إلى الله تعالى. وهي مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر: ٢]. وأما السنة فلما روى أنس ﵁ قال: «ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين أقرنين. ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما» (٢). والأملح: الذي فيه بياض وسواد وبياضه أغلب. قاله الكسائي وأبو زيد. وقال ابن الأعرابي: هو النقي البياض.

стр. 1008

قال الشاعر: حتى اكتسى الرأس قناعاً أشيبا ... أملح لا لداً ولا محببا وأما الإجماع فأجمع المسلمون على مشروعية الأضحية في الجملة. قال المصنف ﵀: (والأفضل فيها الإبل ثم البقر ثم الغنم والذكر والأنثى سواء). أما كون الأفضل في الهدايا والضحايا الإبل ثم البقر ثم الغنم فلأن النبي ﷺ قال: «من راح في الساعة الأولة فكأنما قرّب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرّب كبشاً ... مختصر» (١). متفق عليه. ولأنه يروى عن ابن عباس ﵄: «أنه قال لامرأة: عليك فدية من صيام أو صدقة أو نسك. قالت: أي النسك أفضل؟ قال: إن شئت فناقة وإن شئت فبقرة. قالت: أي ذلك أفضل؟ قال: انحري ناقة» (٢). ولأن ما كان أكبر كان أوفر لحماً وأنفع للفقراء فكان أفضل لازدياد نفعه. وأما كون الذكر والأنثى سواء والمراد به في الإجزاء والفضيلة: أما في الإجزاء فـ «لأن النبي ﷺ أهدى جملاً لأبي جهل في أنفه برة من فضة» (٣). رواه ابن ماجة. وأما في الفضيلة فلأن المقصود هنا اللحم ولحم الذكر أطيب والأنثى أرطب فيتساويان. بخلاف الزكاة فإن المقصود فيها الدر والنسل فلذلك كانت الأنثى فيها أفضل.

стр. 1009

قال: (ولا يجزئ إلا الجذع من الضأن وهو ما له ستة أشهر والثني مما سواه. وثني الإبل ما كمل له خمس سنين ومن البقر ما له سنتان ومن المعز ما له سنة). أما عدم إجزاء غير الجذع من الضأن فلأنه لو أجزأ لما كان لتخصيص الجذع بالذكر فيما يأتي من الحديث فائدة. وأما عدم إجزاء غير الثني من المعز «فلأن أبا بُردة بن نِيَارٍ قال للنبي ﷺ : عندي جَذعة من المعز هي أحَبُّ إليَّ من شاتين فهل تجزئ عني؟ قال: نعم ولا تجزئ عن أحد بعدك» (١) متفق عليه. وأما إجزاء الجذع من الضأن فلما روت أم بلال بنت هلال عن أبيها أن رسول الله ﷺ قال: «يجوز الجذع من الضأن أضحية» (٢) رواه ابن ماجة. والهدي مثله. وعن مجاشع بن سليم قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن الجذع يوفي مما يوفي منه الثني» (٣) رواه أبو داود. فإن قيل: هذا يدل على إجزاء الجذع من كل جنس. قيل: الإطلاق هنا يجب حمله على المقيد في حديث أم بلال؛ لأن المطلق يجب حمله على المقيد لما في الجمع بينهما من العمل بهما. وأما إجزاء الثني من غيرهما فلأن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يذبحونه. وأما كون الجذع من الضأن ما له ستة أشهر والثني من الإبل ما كمل له خمس سنين ودخل في السادسة فلأن الأصمعي وغيره قالوا ذلك. وسمي بذلك؛ لأنه حينئذ يلقي ثنيته. وأما كون الثني من البقر ما له سنتان فلأن المسنة تجزئ لما تقدم في الحديث وهي ما لها سنتان.

стр. 1010

قال: (وتجزئ الشاة عن واحد والبدنة والبقرة عن سبعة سواء أراد جميعهم القربة أو بعضهم والباقون اللحم). أما إجزاء الشاة عن واحد فلا شبهة فيه لحصول الوفاء بذلك والخروج به عن عهدة الأمر المطلق الوارد في الكتاب والسنة، وتطابَق الخَلْق على الاكتفاء بها. وأما إجزاء البدنة والبقرة عن سبعة فلما روى جابر ﵁ قال: «كنا نتمتع مع رسول الله ﷺ فنذبح البقرة عن سبعة نشترك فيها» (١). وفي لفظ: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة» (٢) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: «ذبح رسول الله ﷺ عمن اعتمر من نسائه في حجة الوداع بقرة بينهن» (٣) رواه ابن ماجة. وأما التسوية في الإجزاء بين قصد الجميع القربة وبين قصد بعضهم القربة والباقين اللحم فلأن الجزء المجزئ لا ينتقص بإرادة الشريك غير القربة فوجب أن يجزئ كما لو اختلفت جهات القرب فأراد بعضهم المتعة والآخر قران. قال: (ولا يجزئ فيهما العوراء البين عورها وهي: التي انخسفت عينها، ولا العجفاء التي لا تنقى وهي: الهزيلة التي لا مخ فيها، والعرجاء: البين طلعها فلا تقدر على المشي مع الغنم، والمريضة البين مرضها، والعضباء وهي: التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها. وتكره المعيبة الأذن بخرق أو شق أو قطع لأقل من النصف). أما عدم إجزاء العوراء والعجفاء والعرجاء والمريضة الموصوفات بما ذكره المصنف ﵀ فلما روى البراء بن عازب ﵄ قال: «قام فينا رسول الله ﷺ

стр. 1011

فقال: أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البيّن عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والكسيرة التي لا تُنْقي ... مختصر» (١). رواه أبو داود والنسائي. وفي تقييد المصنف ﵀ العوراء: بكونها بيناً عورها، والعجفاء: بكونها لا تنقي، والعرجاء: بكونها بيناً ضلعها، والمريضة: بكونها بيناً مرضها إشعار بأنها إذا لم تكن كذلك تجزئ. أما العوراء فلأنها إذا لم يكن عورها بيناً مثل إن كانت عينها قائمة لم يذهب منها عضو مستطاب بخلاف البينة العور فإنه يذهب منه عضو مستطاب وهو شحمة العين. وأما العجفاء فلأنها إذا كان فيها نُقي وهو المخ تكون قريبة من غيرها بخلاف التي لا مخ فيها. وأما العرجاء التي لا يكون ضلعها بيناً فلأنها تقدر على المشي بخلاف التي ضلعها بين. وأما المريضة التي لا يكون مرضها بيناً فلأنها قريبة من الصحيحة، وكذلك المرض اليسير لا يجوز معه الترخص بخلاف المرض الكثير. وأما قول المصنف ﵀: وهي التي انخسفت عينها فتفسير للعوراء البين عورها. وأما قوله: وهي الهزيلة التي لا مخ فيها فتفسير للعجفاء. وأما قوله: فلا تقدر على المشي مع الغنم فتفسير للعرجاء البين ضلعها. وأما عدم جواز العضباء فلما روي عن علي ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يضحى بأعضب الأذن والقرن» (٢). رواه النسائي.

стр. 1012

وأما قول المصنف ﵀: وهي التي ذهب أكثر أذنها فتفسير للعضب، وفي تكملة الحديث المتقدم: «قال قتادة: سألت سعيد بن المسيب فقال: نعم العضب: النصف فأكثر من ذلك» (١). وأما كراهة المعيبة الأذن بخرق أو شق أو قطع لأقل من النصف فلقول علي: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نَستشرِفَ العين والأذن، وأن لا نضحي بمقابَلةٍ ولا مُدابَرة ولا خَرقاء ولا شَرقَاء. قال أبو إسحاق السبيعي: المقابلة تقطع طرف الأذن. والمدابرة تقطع من مؤخر الأذن. والخرقاء تشق الأذن. والشرقاء تشق أذنها للسمة» (٢). رواه أبو داود. فإن قيل: لم حمل هذا النهي على الكراهة؟ قيل: لأن ما ذكر لا ينقص اللحم ويمكن التحرز منه. قال: (وتجزئ الجماء والبتراء والخصي. وقال ابن حامد: لا تجزئ الجماء). أما إجزاء الجماء -وهي: التي لم يخلق لها قرن- على قول غير ابن حامد فلأن عدم ذلك لا ينقص اللحم ولا يخل بالمقصود ولم يرد فيه نهي. وأما عدم إجزائها على قول ابن حامد فلأن ما ذهب نصف قرنها لا تجزئ فالتي لا قرن لها بالكلية أولى أن لا تجزئ. والأول أولى لما ذكر. والفرق بين التي كسر قرنها وبين التي لم ينبت لها قرن أن التي كسر قرنها يكون كسره سبباً لنقصان لحمها ظاهراً بخلاف التي لم ينبت لها قرن. وأما إجزاء البتراء وهي: التي لا ذنب لها فلما ذكر في التي لا قرن لها. وأما إجزاء الخصي فـ «لأن النبي ﷺ ضحى بكبشين موجوئين» (٣).

стр. 1013

والموجوء: المرضوض الخصيتين. وسواء في ذلك ما قطعت خصيتاه أو رضت بيضتاه أو سُلّتا؛ لأنه عضو غير مستطاب وبذهابه يطيب اللحم ويسمن. قال: (والسنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى فيطعنها بالحربة في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر. ويذبج البقر والغنم. ويقول عند ذلك: بسم الله والله أكبر. اللهم! هذا منك ولك). أما مسنونية نحر الإبل وذبح البقر والغنم فـ «لأن النبي ﷺ كان ينحر الإبل ويذبح غيرها». ولذلك لما كانت أكثر أموال العرب الإبل قال الله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر: ٢]، ولما كانت غالب أموال بني إسرائيل البقر قال الله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ [البقرة: ٦٧]. وأما مسنونية نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى فـ «لأن ابن عمر ﵄ مر على رجل قد أناخ بدنة لينحرها فقال: ابعثها قائمة مقيدة سنة رسول الله ﷺ » (١) متفق عليه. وأما قول المصنف ﵀: فيطعنها بالحربة فصفة للنحر. وأما كون ذلك في الوهدة المذكورة فلأن عنق البعير طويلة فلو طعن بالقرب من رأسه لحصل له تعذيب عند خروج روحه. وفي مسنونية نحر الإبل وذبح غيرها إشعار بجواز ذبح ما ينحر ونحر ما يذبح وهو صحيح؛ لأن النبي ﷺ قال: «أمْرِر الدم بما شئت» (٢). وعن أسماء ﵂ قالت: «نحرنا فرساً على عهد رسول الله ﷺ فأكلناه» (٣).

стр. 1014

وعن عائشة ﵂ قالت: «نحر رسول الله ﷺ في حجة الوداع بقرة واحدة» (١). وأما مسنونية قوله عند النحر والذبح: بسم الله والله أكبر اللهم! هذا منك ولك فـ «لأن النبي ﷺ كان إذا ذبح قال: بسم الله والله أكبر» (٢). وفي لفظ: «اللهم! منك ولك عن محمد وأمته. بسم الله والله أكبر ثم ذبح» (٣) رواه أبو داود. قال: (ولا يستحب أن يذبحها إلا مسلم. وإن ذبحها بيده كان أفضل فإن لم يفعل استحب أن يَشْهدها). أما عدم استحباب أن يذبحها غير مسلم فلأن الذبح قربة فلا ينبغي أن يليه غير أهل القربة. وفي قول المصنف ﵀: ولا يستحب أن يذبحها إلا مسلم إشعار بأنه لو ذبحها غير مسلم ممن تباح ذبيحته أجزأ. وصرح غيره من الأصحاب بأن الكتابي إذا ذبحها فيه روايتان: أحدهما: لا يجزئ لأن في حديث ابن عباس: «ولا يذبح ضحاياكم إلا طاهر». ولأنه قربة فلا يليها غير أهلها. ولأن الشحوم مما يذبحونه تحرم علينا في رواية. والثانية: تجزئ وهي الصحيحة؛ لأن من جاز له ذبح غير الأضحية جاز له ذبح الأضحية كالمسلم. ولأن الكافر يجوز أن يتولى ما هو قربة كبناء المساجد والقناطر. والحديث محمول على الأولى ونحن نقول به، وتحريم الشحوم ممنوع.

стр. 1015

وأما كون ذبحها بيده أفضل فـ «لأن النبي ﷺ نحر من هديه ثلاثاً وستين بدنة بيده» (١). و«ذبح كبشين في الأضحية بيده» (٢). ولأن فعل القربة أولى من الاستنابة. وأما استحباب حضورها إذا لم يذبحها بنفسه فلأن النبي ﷺ قال لفاطمة ﵂: «احضري أضحيتك يغفر لك بأول قطرة تقطر من دمها» (٣). وفي حديث ابن عباس الطويل عن النبي ﷺ : «واحضروها إذا ذبحتم فإنه يغفر لكم عند أول قطرة من دمها». قال: (ووقت الذبح يوم العيد بعد الصلاة أو قدرها إلى آخر يومين من أيام التشريق ولا يجزئ في ليلتهما في قول الخرقي. وقال غيره: يجزئ. فإن فات الوقت ذبح الواجب قضاء وسقط التطوع). أما أول وقت الذبح فظاهر كلام المصنف ﵀ هنا إذا مضى أحد أمرين من صلاة العيد وقدرها لأنه ذكر ذلك بلفظ أو وهي للتخيير، ولم يفرق بين من تقام صلاة العيد في موضع ذبحه أو لم تقم لأن الذبح عبادة يتعلق آخرها بالوقت فتعلق أولها بالوقت كالصوم. فعلى هذا إذا ذبح بعد الصلاة وقبل الخطبة أو بعد قدر الصلاة وقبل قدر الخطبة يجزئ؛ لأنه لم يشترط مضيّ الخطبة أو قدرها؛ لأن خطبة العيد سنة وليست واجبة فلم يشترط مضيها ولا مضي قدرها بخلاف الصلاة فإنها فرض كفاية. وقال الخرقي: يشترط مضي قدر الخطبة قياساً على مضي قدر الصلاة.

стр. 1016

وقد تقدم التنبيه على الفرق. وظاهر كلام الإمام أحمد ﵀: أن من كان في مصر لا يذبح حتى يصلي وهو الصحيح؛ لما روى جندب بن عبدالله البجلي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى» (١). وعن البراء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك ومن ذبح قبل الصلاة فلا نسك له» (٢) متفق عليهما. وفي لفظ: «إن أول نسكنا في يومنا هذا الصلاة ثم الذبح فمن ذبح قبل الصلاة فتلك شاة لحم» (٣). فعلى هذا إنما تعتبر الصلاة في حق أهل المصر والقرية التي يصلى فيها. فأما الموضع الذي لا يصلى فيه عيد فيعتبر مضي قدر الصلاة أو قدر الصلاة والخطبة على ما تقدم لأنه لا صلاة لهم فاعتبارها مع عدمها متعذر. وهذا في اليوم الأول فأما الثاني والثالث فيجوز من أول النهار لعدم الصلاة فيه. وأما آخره فآخر اليوم الثاني من أيام التشريق فتكون أيام النحر ثلاثة. قال الإمام أحمد: أيام النحر ثلاثة عن غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ . و«لأنه ﷺ نهى عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث» (٤) ويستحيل أن يباح ذبح الأضحية في وقت يحرم أكلها فيه. ثم رخص في الأكل ولم ينقل تغيير وقت الذبح.

стр. 1017

وأما عدم إجزاء الذبح في ليلتي يومي الذبح المتقدم ذكرهما عند الخرقي فلأن الله تعالى قال: ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ [الحج: ٢٨] واليوم اسم لبياض النهار. وعن النبي ﷺ «أنه نهى عن الذبح بالليل» (١). ولأن الليل يتعذر فيه تفريق اللحم في الغالب فلا يفرق طريا فيفوت بعض المقصود. وذكر المصنف ﵀ في المغني: أن قول الخرقي منصوص أحمد. رواه الأثرم عنه. وأما الإجزاء على قول غير الخرقي فلأن الليل زمن يصح فيه الرمي فصح فيه الذبح كالنهار. وقال المصنف ﵀ في المغني: أكثر من علمته من أصحابنا يذكرون رواية أنه يجوز الذبح بالليل ويختارونها. وأما ذبح الواجب قضاء إذا فات الوقت فلأن الذبح أحد مقصودي الأضحية فلا يسقط بفوات وقته كما لو ذبحها ولم يفرق لحمها حتى يخرج الوقت. وأما سقوط التطوع فلأن المحصل لتلك الفضيلة ذلك الزمان بدليل ما لو ذبحها قبل العيد فإذا فات سقط لفوات شرطه. قال: (ويتعين الهدي بقوله: هذا هدي أو تقليده وإشعاره مع النية. والأضحية بقوله: هذه أضحية. ولو نوى حال الشراء لم يتعين بذلك). أما تعين الهدي بقوله: هذا هدي فلأنه لفظ يقتضي الإيجاب فوجب أن يترتب عليه مقتضاه كلفظ الوقف.

стр. 1018

وأما تعينه بتقليده وإشعاره مع النية فلأن ذلك بمنزلة ما لو بنى مسجداً وأذن للناس في الصلاة فيه. وأما تعين الأضحية بقوله: هذه أضحية فلما تقدم في الهدي. وأما عدم تعين الهدي والأضحية بنية ذلك حال الشراء فلأن جعلها المشتري هدياً أو أضحية إزالة ملك على وجه القربة فلم تؤثر النية المقارنة للشراء فيه كالعتق والوقف. قال: (وإذا تعينت لم يجز بيعها ولا هبتها إلا أن يبدلها بخير منها. وقال أبو الخطاب: لا يجوز أيضاً). أما عدم جواز بيع ما تعين وهبته فـ «لأن النبي ﷺ أمر بقسم جلودها وجلالها ونهى أن يعطى الجازر منها شيئاً» (١) فلأن لا يجوز بيعها وهبتها المزيلان للملك بالكلية بطريق الأولى. ولأنه جعل ذلك لله فلم يجز بيعه ولا هبته كالوقف. وأما الإبدال فالمنصوص عن الإمام أحمد أنه يجوز بخير منها؛ لأنه عدل عن المعين إلى خير منه من جنسه فأجزأ عنه كما لو وجب عليه بنت لبون في الزكاة فأخرج حقة. وقال أبو الخطاب: لا يجوز؛ لأنه نوع تصرف فلم يجز كالبيع. وقول المصنف ﵀: بخير منها يدل بمفهومه على أنه لا يجزئ بمثلها ولا دونها وهو صحيح؛ لأنه لا فائدة في الإبدال. وذكر القاضي في إبدالها بمثلها احتمالين: أحدهما: يجوز؛ لأنه لا ينقص مما وجب عليه شيء. والثاني: لا يجوز؛ لأنه يغير ما عينه لغير فائدة.

стр. 1019

قال: (وله ركوبها عند الحاجة ما لم يضر بها). أما جواز ركوبها عند الحاجة في الجملة؛ فلما روى أبو هريرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يسوق بدنة. فقال: اركبها. فقال: إنها بدنة. فقال: اركبها ويلك في الثانية أو في الثالثة» (١) متفق عليه. وأما ما يشترط لجواز ذلك فأمران: أحدهما: دعوة الحاجة لأن في حديث آخر قال: «اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهراً» (٢) رواه أبو داود. وثانيهما: عدم الإضرار بها؛ لأن ركوبها إذا كان يضر بها يؤدي إلى ضرر الفقراء وذلك غير جائز. قال: (وإن ولدت ذبح ولدها معها، ولا يشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها. ويجز صوفها ووبرها ويتصدق به إن كان أنفع لها. ولا يعطى الجازر بأجرته شيئاً منها). أما ذبح ولدها معه وعدم الشرب من لبنها إلا الفاضل عن ولدها فلما روي «أن علياً ﵁ جاءه رجل يسوق بقرة معها عجل لها. فقال: يا أمير المؤمنين! إني اشتريت هذه البقرة لأضحي بها وإنها وضعت هذا العجل. فقال علي ﵁: لا تحلبها إلا فضلاً عن ولدها فإذا كان يوم الأضحى فاذبحها وولدها عن سبعة» (٣) رواه سعيد بن منصور. ولأن شرب اللبن الفاضل انتفاع لا يضر بها ولا بولدها أشبه الركوب.

стр. 1020

وأما جواز جز صوفها ووبرها إن كان أنفع لها مثل أن يكون زمن الربيع فتخف بجزه وتسمن فلأن ذلك لمصلحتها. فعلى هذا يتصدق به كما لو أخذه بعد الذبح. وفي تقييد جواز ذلك بكونه أنفع لها إشعار بأنه إذا كان الجز يضر بها لكون الصوف والوبر يقيها الحر والبرد لم يجز وهو صحيح؛ لأنه حينئذ قطع شيء يضر بها فلم يجز كما لا يجوز قطع بعض أعضائها. وأما عدم إعطاء الجازر بأجرته شيئاً منها فلأن علياً ﵁ قال: «أمرني يعني رسول الله ﷺ أن لا أعطي الجازر منها شيئاً. وقال: نحن نعطيه من عندنا» (١). ولأنه إذا أعطاه ذلك أجرة كان بمنزلة المعاوضة، والمعاوضة في ذلك غير جائزة لما تقدم. وقول المصنف ﵀: بأجرته فيه تنبيه على جواز إعطائه لغير ذلك مثلاً: أن يكون فقيراً أو ممن يهدى إليه؛ لأنه مستحق للأخذ فهو كغيره بل أولى؛ لأنه باشرها وتاقت نفسه إليها. فإن قيل: الحديث شامل للأجرة وغيرها. قيل: المراد الأجرة لأن في قوله: «نحن نعطيه من عندنا» دليلاً على إرادتها. قال: (وله أن ينتفع بجلدها وجلها ولا يبيعه ولا شيئاً منها). أما جواز الانتفاع بجلد الأضحية فلأنه جزء منها فجاز للمضحي فعله كاللحم، وقد روي عن عكرمة ومسروق ﵄ «أنهما كانا يدبغان جلد أضحيتهما ويصليان عليه». وأما جواز الانتفاع بجلها فلأنه إذا جاز الانتفاع بجلدها فلأن يجوز الانتفاع بالجل بطريق الأولى. وأما عدم جواز بيع جلد الأضحية أو شيء منها فلما تقدم في بيع الأضحية وهبتها.
следующие страницы →