← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

وأما كون قطع المياه عنهم وهدم حصونهم يجوز فلأن القصد إضعافهم وإرهابهم ليجيبوا داعي الله تعالى. قال: (ولا يجوز إحراقُ نحل، ولا تغريقه، ولا عَقْرُ دابة ولا شاة إلا لأكلٍ يُحتاج إليه. وفي حرق شجرهم وزرعهم وقطعِه روايتان: إحداهما: يجوز إن لم يضر بالمسلمين. والأخرى: لا يجوز إلا أن لا يُقدر عليهم إلا به، أو يكونوا يفعلونه بنا. وكذلك رميهم بالنار، وفتح المياه ليغرقهم). أما كون إحراق النحل وتغريقه وعقر دابة أو شاة لغير أكل يحتاج إليه لا يجوز فـ «لأن أبا بكر الصديق ﵁ قال ليزيد وهو يوصيه حين بعثه أميراً: يا يزيد! لا تحرقن نحلاً ولا تغرقه، ولا تَعقرن دابة عجماء ولا شاة إلا لمأكلة» (١) أخرجه سعيد بن منصور. ولأن في ذلك إتلاف مال الغانمين من غير حاجة. وإنما اشترط المصنف ﵀ الحاجة في الأكل لأن قيمة الحيوان تكثر وتسمح بها أنفس الغانمين. وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنه مثل الطعام. أي يجوز لهم ذبح الحيوان وأكله من غير حاجة كما يجوز لهم أكل الطعام. وأما كون حرق شجرهم وزرعهم وقطعه يجوز في رواية فلقوله تعالى: ﴿ما قطعتم من لِينة أو تركتموها قائمةً على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين﴾ [الحشر: ٥]. وروى ابن عمر «أن النبي ﷺ حرّق نخل بني النضير وقطع، وهي البويرة فأنزل الله تعالى: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها ... الآية﴾ [الحشر: ٥]. ولها يقول حسان: وهانَ على سَراةِ بني لُؤيٍ ... حريقٌ بالبويرةِ مستطيرُ» (٢)

стр. 1052

متفق عليه. ولأن النبي ﷺ قال لأسامة: «حَرِّق» (١) رواه أبو داود. وأما كونه لا يجوز في روايةٍ فلأن في حديث أبي بكر المتقدم: «ولا تعقرن شجراً مثمراً» (٢). ولأنه قد روي نحو ذلك عن النبي ﷺ مرفوعاً. ولأن فيه إتلافاً محضاً فلم يجز كعقر الحيوان. واشتراط المصنف ﵀ في الرواية الأولى أن لا يُضر بالمسلمين؛ لأن الضرر منفي شرعاً بقوله ﵇: «لا ضرر ولا إضرار» (٣). واستثنى في الرواية الثانية أمرين: أن لا يُقدر عليهم إلا به، أو يكونوا يفعلونه بنا: أما إذا لم يُقدر عليهم إلا بذلك فلأنه لو لم يجز لأدى إلى ترك الجهاد، وأما إذا فعلوا ذلك بنا فلينزجروا عن فعل ذلك. وأما قول المصنف ﵀: وكذلك رميهم بالنار وفتح الماء ليغرقهم فمعناه أن في ذلك روايتين كحرق الشجر والزرع وقطعهما: إحداهما: يجوز لأن القصد نكايتهم وإقامة كلمة الحق فإذا كان وسيلة إليه جاز كالقتل. والثانية: لا يجوز: أما النار فلأنها لا يعذب بها إلا الله، وأما الماء فلأن الإتلاف به يعم. مع أن عنه مندوحة.

стр. 1053

فعلى هذا لو لم يقدر عليهم إلا به أو فعلوه بنا جاز لما مر في حرق الشجر. قال: (وإذا ظفِر بهم لم يُقتل صبيٌ ولا امرأةٌ ولا راهبٌ ولا شيخٌ فانٍ ولا زمِنٌ ولا أعمى لا رأي لهم، إلا أن يُقاتلوا. فإن تَتَرَّسوا بهم جاز رميهم، ويَقْصِد المقاتلة. وإن تترسوا بمسلمين لم يجز رميهم إلا أن يُخاف على المسلمين فيرميهم ويقصِد الكفار). أما كون كل واحد من الصبي والمرأة والشيخ الفاني لا يقتل إذا لم يكن ذا رأي ولم يقاتل فلأن النبي ﷺ قال: «انطلقوا بسم الله. لا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا طفلاً، ولا امرأة» (١) رواه أبو داود. وأما كون الراهب لا يُقتل إذا كان كذلك فلأن في حديث أبي بكر الذي في وصيته لزيد: «ستمرون على قومٍ في صوامع لهم. احتبسوا أنفسهم فيها. فدعوهم حتى يُميتهم الله على ضلالتهم» (٢). وأما كون كل واحد من الزَّمِن والأعمى لا يقتل إذا كان كذلك فبالقياس على الشيخ الفاني؛ لا شتراكهم في عدم النكاية. وأما كون جميع من ذُكر يقتل إذا كان ذا رأي أو قاتل: أما كونه يقتل إذا كان ذا رأي فلأن الرأي من أعظم المؤنة في الحرب. وقد جاء عن معاوية أنه قال لمروان والأسود: «أمددتما علياً بقيس بن سعد وبمائة، فوالله لو أنكما أمددتماه بثمانية آلاف مقاتل ما كان بأغيظ لي من ذلك». وأما كونه يُقتل إن قاتل «فلأن النبي ﷺ مرّ على امرأة مقتولة يوم الخندق فقال: من قتل هذه؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله! فقال: ولم؟ قال: نازعتني قائمة سيفي. فسكت» (٣). وفي حديثٍ آخر: «وقف على امرأة مقتولة. فقال: ما بالها قتلت وهي لا تقاتل» (٤).

стр. 1054

ولأنه لو لم يجز قتل من ذُكر لأدى إلى تلف من قاتله. وأما كون الكفار يجوز رميهم إذا تترسوا بمن ذكر من الكفار الذين لا يجوز قتلهم فـ «لأن النبي ﷺ رماهم بالمجنيق» (١) وفيهم النساء والصبيان. ولأن كف المسلمين عنهم يفضي إلى تعطيل الجهاد؛ لأنهم إذا علموا ذلك تترسوا بهم. وأما كون الرامي يقصد المقاتلة فلأن ذلك هو المقصود. وأما كونهم لا يجوز رميهم إذا تترسوا بمسلمين ولم يخف على المسلمين فلأن ذلك يؤول إلى قتل المسلمين مع أن لهم مندوحة. وأما كونهم يجوز رميهم إذا خيف على المسلمين مثل أن تكون الحرب قائمة أو لا يقدر عليهم إلا بذلك فلأنه حال ضرورة. وأما كون الرامي يقصد الكفار فلأنهم هم المقصودون بالقتل. قال: (ومن أسر أسيراً لم يجز له قتلُه حتى يأتي به الإمام إلا أن يمتنع من المسير معه ولا يمكنه إكراهه). أما كونُ من أسر أسيراً لا يجوز له قتله حتى يأتي به الإمام إذا لم يمتنع من المسير معه أو امتنع وأمكنه (٢) إكراهه على ذلك فلأنه إذا صار أسيراً كانت الخيرة فيه إلى الإمام فلم يجز قتله لما فيه من إبطال الخيرة المستحقة للإمام. وأما كونه يجوز له قتله إذا لم يسر معه ولا يمكنه إكراهه فلأنه لو لم يجز قتله لأدى ذلك إلى إطلاقه.

стр. 1055

قال: (ويخيّر الأمير في الأسرى: بين القتل، والاسترقاق، والمنِّ، والفداء بمسلم أو مال. وعنه: لا يجوز بمال. إلا غير الكتابي ففي استرقاقه روايتان. ولا يجوز أن يختار إلا الأصلح للمسلمين، فإن أسلموا رَقّوا في الحال). أما كون الأمير يخير في الأسرى من أهل الكتاب بين القتل والاسترقاق والمن والفداء: أما القتل فـ «لأن النبي ﷺ قَتل رجال قريظة، وهم ما بين الستمائة والسبعمائة» (١). و«قتل يوم بدر عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث صبراً» (٢). وأما الاسترقاق فلأنه يجوز إقرارهم على كفرهم بالجزية فبالرق أولى. ولأنه أبلغ في صَغارهم. وأما المن والفداء فلقوله تعالى: ﴿فإما مَنّا بعدُ وإما فداءً﴾ [محمد: ٤]. و«لأن النبي ﷺ منّ على أبي عَزّة الشاعر» (٣). و«منّ على العاصي بن الربيع» (٤).

стр. 1056

و «على ثمامة بن أثال» (١). و«فادى أسيراً برجلين من أصحابه أسرتهما ثَقيف» (٢). و«فادى أسارى بدر» (٣). وأما كون الفداء يجوز بمسلم أو بمال على المذهب فـ «لأن النبي ﷺ فادى بمسلم في أسرى ثقيف» (٤) و «بمال في أسرى بدر» (٥). وأما كونه لا يجوز بمالٍ على رواية فلأن الله تعالى عاتب رسوله ﷺ وأصحابه على فداء الأسرى يوم بدر بالمال بقوله: ﴿تُريدون عرض الدنيا﴾ [الأنفال: ٦٧].

стр. 1057

والأول أولى؛ لأن دليل الرواية منسوخ. وأما كون الأمير يخير في غير الكتابي، وهو: من لا يُقَر على دينه كعبدة الأوثان بين القتل والمن والفداء فلما تقدم. وأما كونه له استرقاقه في رواية فكالكتابي. وأما كونه ليس له ذلك في رواية فلأنه لا يقر بالجزية. وهذه الصورة هي المراد من قول المصنف (١): إلا غير الكتابي ففي استرقاقه روايتان. وهو استثناء من قوله: ويخير الأمير بين القتل أي يخير الأمير في الكتابي بين أمور أربعة وفاقاً. وفي غير الكتابي يخير بين أمور ثلاثة وفي الرابع خلاف. فإن قيل: أيدخل فيما ذُكر العبد والنساء والصبيان والرهبان ومن كان زمنا أو أعمى أو شيخاً فانياً أو نحو ذلك؟ قيل: لا؛ لأنهم لا يجوز قتلهم: أما العبد فلأن النبي ﷺ قال: «أدركوا خالداً فمروه أن لا يقتل عسيفاً» (٢). وأما البواقي فلما مر. فإن قيل: ما حكمهم؟ قيل: يصيرون أرقاء بنفس السبي لأنهم مال لا ضرر في اقتنائهم أشبهوا البهائم. وصرح المصنف ﵀ في المغني في فصل: أن الكافر إذا كان مولى مسلم: على جواز استرقاق الشيخ الزَّمِن. ونقله غيره من الأصحاب فقال: كل من لا يقتل كالأعمى وغيره يَرِق بنفس السبي. وقال المصنف ﵀ في الكافي: الرجال الذين يحرم قتلهم كالشيخ الفاني ونحوه لا يجوز سبيهم؛ لأنه لا نفع فيهم. وطريق الجمع بين نقليه ونقل غيره: أن من لا يجوز قتله إن كان فيه نفع جاز سبيه، وإلا فلا. وتعليله في الكافي يؤيد هذا الجمع. إلا أنه يمكن أن يقال: ما من أحد إلا وفيه نفع لأن الزمِن يمكن كونه ناطوراً، والأعمى يمكن كونه ينفخ في كور الحداد؛ كما روي عن عمر «أنه أمر من كان من الصحابة كذلك بذلك».

стр. 1058

وأما كون الأمير لا يجوز له أن يختار إلا الأصلح للمسلمين من الأمور المتقدم ذكرها فلأنه نائب للمسلمين فلا يجوز له فعل ما غلب على ظنه أنه لا مصلحة فيه. فإن قيل: فإن تردد. قيل: القتل أولى. وأما كون من أسلم ممن تقدم ذكره يُرق في الحال فلأنه يحرم قتله لقوله ﵇: «لا يحل دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث» (١)، وهذا مسلم، وإذا كان قتله حراماً وجب أن يصير رقيقاً كالمرأة. وقال المصنف ﵀ في الكافي: يخير فيهم الإمام بين المن عليهم وبين فدائهم وبين إرقاقهم؛ لأنه إذا جاز ذلك في حال كفرهم ففي حال إسلامهم بطريق الأولى. قال: (ومن سُبي من أطفالهم منفرداً، أو مع أحد أبويه فهو مسلم. وإن سبي مع أبويه فهو على دينهما). أما كون من سبي من أطفال الكفار منفرداً أو مع أحد أبويه مسلماً فلما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «كل مولودٍ يولد على الفطرة. وإنما أبواه يُهوّدانه ويُنصّرانه ويُمجّسانه» (٢) رواه مسلم. جعل التبعية لأبويه فإذا سبي منفرداً أو مع أحدهما انقطعت تبعيته عنهما فوجب بقاؤه على حكم الفطرة. وأما كونه على دين أبويه إذا سبي معهما فلأن التبعية باقية. قال: (ولا ينفسخ النكاح باسترقاق الزوجين. وإن سبيت المرأة وحدها انفسخ نكاحها وحلت لسابيها). أما كون نكاح الزوجين لا ينفسخ باسترقاقهما فلأن الرق معنى لا يمنع ابتداء النكاح فلا يقطع استدامته كالعتق.

стр. 1059

وأما كونه ينفسخ إذا سبيت المرأة وحدها فلأنها تحل لسابيها لما يأتي، ولو لم ينفسخ نكاحها لما كان كذلك. وأما كونها تحل لسابيها فلقوله تعالى: ﴿والمحصناتُ -أي والمزوجات- من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٢٤] أي بالسبي. روى أبو سعيد الخدري قال: «أصبنا سبايا يومَ أوطاس ولهن أزواج في قومهن. فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت: ﴿والمحصناتُ من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ... الآية﴾ [النساء: ٢٤]» (١) رواه الترمذي، وقال هذا حديث حسن. قال: (وهل يجوز بيع من استُرق منهم للمشركين؟ على روايتين). أما كون بيع من استرق من الكفار يجوز للمشركين على رواية فـ «لأن النبي ﷺ باع سبي بني قريظة من أهل الحرب». ولأنهم لا يُمنعون من إثبات أيديهم عليهم فلم يمنعوا من ابتداء ذلك كالمسلم. وأما كون ذلك لا يجوز على روايةٍ فلأنه يروى عن عمر «أنه كتب ينهى أمراء الأمصار عن ذلك». ولأن في إبقائهم في دار الإسلام تحصيلاً لإسلامهم غالباً فلا يجوز ردهم إلى الشرك كما لو أسلموا. قال: (ولا يفرق في البيع بين ذوي رحم محرم إلا بعد البلوغ على إحدى الروايتين). أما كون من ذُكر لا يفرق بينهم قبل البلوغ فلما روى أبو أيوب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من فرّق بين والدة وولدها فرّق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» (٢) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب. وعن علي ﵁ قال: «وهَب لي رسول الله ﷺ غلامين أخوين. فبعت أحدهما. فقال لي رسول الله ﷺ : ما فعل غلامك؟ فأخبرته. فقال: رده رده» (٣) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب.

стр. 1060

ولأنه لا يفرق بين الوالد والولد الطفل وفاقاً فكذلك كل ذوي رحم محرم. وأما كونهم لا يفرق بينهم بعد البلوغ على رواية فلما ذُكر قبل. وأما كونهم يفرق بينهم على رواية فلأن النبي ﷺ قال: «لا يُفرق بين الأم وولدها. فقيل: إلى متى؟ قال: حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية» (١). ولأن الأحرار يتفرقون بعد البلوغ فالعبيد أولى. قال: (وإذا حصر الإمام حصناً لزمه مصابرته إذا رأى المصلحة فيه، فإن أسلموا أو من أسلم منهم أحرز دمه وماله وأولاده الصغار، وإن سألوا الموادعة بمالٍ أو غيره جاز إن كانت المصلحة فيه، وإن نزلوا على حكم حاكم جاز إذا كان بالغاً عاقلاً من أهل الاجتهاد). أما كون الإمام إذا حصر حصناً يلزم مصابرته إذا رأى المصلحة فيها فلأن عليه فعل ما فيه مصلحة المسلمين وقد وُجدت. وكلام المصنف ﵀ مشعرٌ بأن الإمام إذا رأى المصلحة في الانصراف جاز. وهو صحيح. صرح به في المغني؛ «لأن النبي ﷺ حاصر أهل الطائف فلم ينَل منهم شيئاً فانصرف قبل فتح الحصن» (٢). وأما قول المصنف ﵀: فإن أسلموا ... إلى آخره فمشعر بأنه يزول اللزوم المذكور إذا وجد منهم إسلام أو سؤال موادعة أو نزول على حكم حاكم. وهو صحيح: أما زواله بالإسلام فلقول رسول الله ﷺ : «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» (٣). فعلى هذا من أسلم منهم حَقن دمه وماله وأولاده الصغار: أما الدم والمال فلأن في تتمة الحديث المذكور: «فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم».

стр. 1061

وأما الأولاد فـ «لأن النبي ﷺ حاصر بني قريظة فأسلم أبناء سَعْيَة، فأحرز إسلامهما أموالهما وأولادهما» (١). ولأن الأولاد الصغار تبع لهم في الإسلام فكذلك في العصمة. وأما زواله بالموادعة فلأن الغرض إعلاء كلمة الإسلام وصَغار الكفرة وذلك حاصل. فعلى هذا يجوز بالمال وبغير مال كما يجوز المن عليهم. واشترط بعض الأصحاب في عقدها بغير مال أن يعجز المسلمون أو يستضروا بالمقام ليكون ذلك عذراً في الانصراف. وأما زواله بالنزول على حكم حاكم فـ «لأن بني قريظة حين حصرهم النبي ﷺ نزلوا على حكم سعد بن معاذ» (٢). فعلى هذا يشترط في الحاكم أن يكون مسلماً حراً بالغاً عاقلاً مجتهداً؛ لأنه حكم أشبه ولاية القضاء. ولم يذكر المصنف ﵀ اشتراط ذكوريته واشترطه في الكافي كذلك.

стр. 1062

قال: (ولا يحكم إلا بما فيه حَظٌّ للمسلمين من: القتل، والسبي، والفداء. فإن حكم بالمن لزم قبوله في أحد الوجهين، وإن حكم بقتل أو سبي فأسلموا عصموا دماءهم، وفي استرقاقهم وجهان). أما كون الحاكم المذكور لا يحكم إلا بما فيه حظٌّ للمسلمين من الأمور المذكورة فلأنه نائب الإمام فقام مقامه في اختيار الأحظ. ولأنه يخير فلم يجز فيه إلا الأحظ كخيرة الإمام إذا أسر أسيراً. وأما كونه إذا حكم بالمن يلزم قبول حكمه في وجهٍ وهو للقاضي فلأنه نائب الإمام فلزم قبوله منه إذا رآه كالإمام. وأما كونه لا يلزم في وجه وهو لأبي الخطاب فلأنه إذا لم يره الإمام تبين أنه لا حظ فيه. فإن قيل: كلام المصنف ﵀ مطلق وتعليل الوجه الثاني يقتضي كونه مقيداً بأن الإمام لم يره. قيل: هكذا علله في الكافي. وقيده صاحب الخلاصة فيها فقال: فإن حكم بالمن فأبى الإمام. وهو حسن لما ذكر. [إلا أن فيه نظراً من حيث إن الوجه المذكور لأبي الخطاب ولم يقيده في هدايته] (١). وأما كونهم يعصمون دمائهم إذا حَكم بقتلهم أو سبيهم فأسلموا فلأن قتل المسلم حرام. وفي اقتصار المصنف ﵀ على عصمة الدماء دليل على عصمة المال. وقد صرح بذلك في الكافي، ونقله غيره. وإنما لم يعصموا أموالهم؛ لأنها صارت للمسلمين قبل إسلامهم. وأما كونهم لا يُسترقون في وجهٍ فلأنهم أسلموا قبل استرقاقهم أشبه ما لو أسلموا قبل القدرة عليهم.

стр. 1063

وأما كونهم يُسترقون في وجه فلأنهم أسلموا بعد القدرة عليهم ووجوبِ قتلهم أشبه الأسير إذا أسلم بعد اختيار الإمام قتله.

стр. 1064

باب ما يلزم الإمام والجيش قال المصنف ﵀: (يلزم الإمامُ عند مسيرِ الجيش تعاهدَ الخيل والرجال، فما لا يصلح للحرب يمنعه من الدخول، ويمنع المُخذّلَ والمرجِفَ والنساءَ إلا طاعنةً في السن لسقيِ الماء ومعالجةِ الجرحاء) (١). أما كون الإمام يلزمه تعاهدَ الخيل والرجال عند مسير الجيش فلأن ذلك من مصالح الجيش فلزمه فعله كبقية المصالح. وأما كون ما لا يصلح للحرب يمنعه من الدخول فلئلا يُقطع في دار الحرب. ولأن دخول مثل ذلك معه ربما كان سبباً للهزيمة. والمراد بما لا يصلح من الخيل: الفرس الحطيم والكبير والضعيف والأعجف. ومن الرجال الزمن والأشل والمفلوج والمريض وما أشبه ذلك. وأما كونه يمنع المخذل وهو: الذي يُضَعّف قلوب الناس فيقول: إن في عدونا كثرة وقوة ونحن ضعفاء ولا طاقة لنا بهم. والمرجف: وهو الذي يقول: هلكت سرية المسلمين التي مضت، أو يقول: للمشركين مدد وورائهم جيش وما أشبه ذلك؛ فلقوله تعالى: ﴿ولكن كَره الله انبعاثهم فَثَبَّطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين﴾ [التوبة: ٤٦]. وقوله تعالى: ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خَبالاً ولأَوْضعوا خِلاَلَكم﴾ [التوبة: ٤٧]. ولأن هؤلاء مضرة على المسلمين فيلزم الإمام منعهم: إزالةً للضرر. وأما كونه يمنع النساء غير طاعنة في السن كالشَّواب فلما في ذلك من الافتتان بهن مع أنهن لسن من أهل القتال لاستيلاء الخَوَر والجبن عليهن.

стр. 1065

ولأنه لا يؤمن ظَفَر العدو بهن فيستحلون منهن ما حرم الله. وأما كونه لا يمنع طاعنة في السن لسقي الماء ومعالجة الجرحاء فلما روى أنس قال: «كان النبي ﷺ يغزو بأم سليم ونسوةٍ معها من الأنصار يستقين الماء ويداوين الجرحاء» (١) قال الترمذي: هذا حديث صحيح. قال: (ولا يستعين بمشركٍ إلا عند الحاجة إليه). أما كون الإمام لا يستعين بمشرك عند عدم الحاجة إليه فلما روت عائشة «أن رسول الله ﷺ خرج إلى بدر، فتبعه رجل من المشركين. قال: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا. قال: فارجع فلن أستعين بمشرك» (٢) متفق عليه. وأما كونه يَستعين به عند الحاجة إليه فـ «لأن صفوان بن أمية شهد حنيناً مع رسول الله ﷺ وهو مشرك» رواه سعيد. فإن قيل: الحديثان مطلقان فينبغي أن يتعارضا. قيل: يجب حملهما على ما ذُكر جمعاً بينهما ونفياً للتعارض. قال: (ويَرفُق بهم في السير، ويُعد لهم الزاد، ويُقوي نفوسهم بما يخيل إليهم من أسباب النصر). أما كون الإمام يَرفق بالجيش في السير. والمراد به أنه في السير يسير بهم سير أضعفهم فلأن النبي ﷺ قال: «أمير القوم أقطعهم». أي أقلهم سيراً. ولئلا ينقطع منهم أحد أو يشق عليه. فإن قيل: الرفق المذكور مطلقاً أو مع عدم الحاجة؟

стр. 1066

قيل: بل مع عدم الحاجة إلى العجلة. فإن دعتنا الحاجة جاز «لأن النبي ﷺ جَدَّ حين بلغه قولَ عبدالله بن أبي: ﴿ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ [المنافقون: ٨]» (١) لِيَشغل الناس عن الخوض فيه. وأما كونه يُعد الزاد لهم فلأنهم ربما طال سفرهم عما عزموا عليه فيهلكون إذا لم يكن لهم زاد. وأما كونه يقوي نفوسهم بما يخيل إليهم من أسباب النصر فلأن ذلك مما تستعين النفوس به على المصابرة ويعينها على القتال. وقد نبه الله تعالى على ذلك في القرآن حيث قال تعالى فيه: ﴿وعدكم الله مغانمَ كثيرةً ... الآية﴾ [الفتح: ٢٠]. قال: (ويعرّف عليهم العرفاء، ويَعقد لهم الألوية والرايات، ويجعل لكل طائفة شِعاراً يتداعون به عند الحرب). أما كون الإمام يُعرّف العرفاء على جيشه؛ فـ «لأن النبي ﷺ عرف عام خيبر على كل عشرة عريفاً». ولأنه أقرب في جمعهم. وأما كونه يعقد لهم الألوية والرايات؛ فلما روى ابن عباس «أن أبا سفيان حين أسلم قال رسول الله ﷺ للعباس: احبسه على الوادي حتى تمر به جنود الله فيراها. قال: فحبسته حيث أمرني رسول الله ﷺ . ومرت به القبائل على راياتها». والمراد بالألوية المطارد. قاله الجوهري. وبالرايات الأعلام. وأما كونه يجعل لكل طائفة شعاراً يتداعون به عند الحرب؛ فلأن الإنسان ربما احتاج إلى نصرة صاحبه فإذا كان بينهم شِعار وهو العلامة دعى أحدهم صاحبه بها. ولأن الإنسان ربما ضل فيهتدي بالشعار. قال: (ويَتَخير لهم المنازل، ويتبع مكامنها فيحفظها، ويبعث (٢) العيون على العدو حتى لا يخفى عليه أمرهم). أما كون الإمام يتخير لجيشه المنازل فلأن ذلك أرفق بهم، وفيه إعانة على السير.

стр. 1067

وأما كونه يتبع مكامنها فيحفظها فليأمن هجوم العدو عليهم. وأما كونه يبعث العيون على العدو فـ «لأن النبي ﷺ بعث حُذافة بن اليمان في غزاة الخندق ودحية الكلبي في بعض غزواته» (١). ولأنه إذا فعل ذلك لا يخفى عليه أمرهم. وقد نبه المصنف ﵀ على ذلك بقوله: حتى لا يخفى عليه أمرهم. قال: (ويمنع جيشه من الفساد والمعاصي، ويَعِد ذا الصبر بالأجر والنّفَل، ويشاور ذا الرأي). أما كون الإمام يمنع جيشه مما ذُكر فلأن ذلك داع للنصر وسبب للظفر. وأما كونه يَعِد ذا الصبر بالأجر والنفَل فلأن ذلك وسيلة إلى بذل جهده وازدياد صبره. وأما كونه يشاور ذا الرأي فلقوله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ [آل عمران: ١٥٩]. ولقوله ﵇: «ما خاب من استشار» (٢). ولقوله: «لن يهلك قوم عن مشورة» (٣). ولأن في ذلك تطييباً لقلوبهم. وربما ظهر له بالمشاورة ما خفي عليه. ولذلك قال الشاعر: الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني قال: (ويصُفُّ جيشه، ويجعل في كل جنبة كفؤاً. ولا يميل مع قريبه وذي مذهبه على غيره). أما كون الإمام يصف جيشه فلأن ذلك من مصالح الحرب.

стр. 1068

وأما كونه يجعل في كل جنبة كفؤاً؛ فلما روى أبو هريرة قال: «كنت مع النبي ﷺ فجعل خالداً على إحدى المجنبتين، وجعل الزبير على الأخرى، وجعل أبا عبيدة للساقة» (١). ولأن ذلك أحوط للحرب وأبلغ في إرهاب العدو. وأما كونه لا يميل مع قريبه وذي مذهبه على غيره؛ فلئلا ينكسر قلب من يميل عليه فيخذله عند الحاجة. ولأن ذلك يُفسد القلوب ويشتت الكلمة. قال: (ويجوز له أن يَبذل جُعلاً لمن يدله على طريق أو قلعة أو ماء. ويجب أن يكون معلوماً إلا أن يكون من مال الكفار فيجوز مجهولاً). أما كون الإمام يجوز له أن يبذل جُعلاً فيما ذُكر فلأنه من مصالح المسلمين فجاز بذله كسائر المصالح. وأما كون الجُعل يجب أن يكون معلوماً إذا كان من مال المسلمين؛ فلأنه جُعل فوجب أن يكون معلوماً كالجعل في المسابقة ورد الضالّة. وأما كونه يجوز أن يكون مجهولاً إذا كان من مال الكفار فـ «لأن النبي ﷺ جعل الثلث والربع وسلب المقتول». وهو مجهول. قال: (فإن جعل له جارية منهم فماتت قبْل الفتح فلا شيء له، وإن أسلمت قبل الفتح فله قيمتها، وإن أسلمت بعده سُلمت إليه. إلا أن يكون كافراً فله قيمتها. وإن فتحت صلحاً ولم يشترطوا الجارية فله قيمتها. فإن أبى إلا الجارية وامتنعوا من بذلها فُسخ الصلح. ويحتمل أن لا يكون له إلا قيمتها). أما كون من جُعلت له الجارية لا شيء له إذا ماتت قبل الفتح فلأن حقه متعلق بمعيّن فيسقط بتلفه من غير تفريط كالوديعة. وأما كونه له قيمتها إذا أسلمت قبل الفتح فلأنها عَصَمت نفسها بالإسلام فوجب له قيمتها لأن الحق إذا تعذر ردُّ عينه وجب رد قيمته أشبه ما لو أتلف مال غيره الذي لا مثل له.

стр. 1069

و «لأن النبي ﷺ لما صالح أهل مكة عام الحديبية على أن من جاءه مسلماً رده إليهم فجاء نساء مسلمات منعه الله ردهن وأمره برد مهورهن» (١). وأما كون الجارية تُسَلّم إليه إذا أسلمت بعد الفتح وكان مسلماً فلأنه أمكن الوفاء بما شرط له فكان واجباً لقوله ﷺ : «المسلمون على شروطهم» (٢). وأما كونها لا تُسلم إليه إذا كان كافراً فلأن الكافر لا يجوز له أن يبتدئ الملك على مسلم. وأما كون الكافر له قيمتها فلأنه تعذر تسليمها إليه فوجب الرجوع إلى بدلها وهو القيمة لما تقدم. وأما كونه له قيمتها إذا فُتحت القلعة صلحاً ولم يشترط المسلمون الجارية فلأن رد عينها متعذر لكونها تدخل تحت الصلح، وإذا تعذر رد عينها تعين رد قيمتها لأنها بدلها. وفي قول المصنف ﵀: ولم يشترطوا الجارية إشعار بأنه لو شُرط في الصلح تسليم الجارية لزم تسليم عينها لا قيمتها. وهو صحيح لما فيه من الوفاء بالشرط. وأما كون الصلح ينفسخ إذا لم يرض من جُعلت له الجارية بقيمتها وامتنع أهلها من بذلها على المذهب فلأنه تعذر إمضاؤه لأن حق الدالّ سابق. وأما كونه يحتمل أن لا يكون له إلا القيمة فلأنه تعذر تسليمها فوجب له قيمتها أشبه ما لو أسلمت. قال: (وله أن يُنفّل في البُداءة الربع بعد الخمس، وفي الرجعة الثلث بعده. وذلك إذا دخل الجيش بَعَث سريةً تُغير، فإذا رجع بعث أخرى؛ فما أتت به أخرج خُمُسه وأعطى السرية ما جعل لها وقسم الباقي للجيش والسرية معاً). أما كون الإمام له أن يُنَفّل ما ذُكر فـ «لأن النبي ﷺ نَفّل الربع في البَدْأَة والثلث في الرجعة» (٣).

стр. 1070

وفي لفظ: «كان ينفل الربع بعد الخمس والثلث بعد الخمس إذا قَفَل» (١). رواهما أبو داود. فإن قيل: لم أزيد في الرجعة على البداءة؟ قيل: لمشقة الرجعة؛ لأن الجيش في البداءة ردء للسرية بخلاف الرجعة. وأما قول المصنف ﵀: وذلك إذا دخل ... إلى آخره فبيان لما يَفعل الإمام عند الدخول والرجوع من بعث السرية. وأما قوله: فما أتت به أَخرج خمسه فتنبيه على أن السرية يخمس ما غنمت كالجيش؛ لأنه مال مغتنم فيدخل في قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خُمُسَه﴾ [الأنفال: ٤١]. وأما قوله: وقسم الباقي للجيش والسرية فتنبيه على أن الجيش يشارك سراياه فيما غنمت. وسيأتي ذكره في باب قسم الغنائم (٢).

стр. 1071

فصل [فيما يلزم الجيش] قال المصنف ﵀: (ويلزم الجيشُ طاعةَ الأمير، والنصحَ له، والصبرَ معه) أما كون الجيشِ يلزمه طاعةَ الأمير فلقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء: ٥٩]. وقول رسول الله ﷺ : «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني. ومن عصاني فقد عصا الله، ومن عصى أميري فقد عصاني» (١) رواه النسائي. وأما كونهم يلزمهم النصحَ له؛ فلأن نصحه نصح للمسلمين. ولأنه وُضع للدفع عن المسلمين فإذا نصحوه كثر دفعه. وفي الحديث: «إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» ومعناه يكف. وأما كونهم يلزمهم الصبر معه فلقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. ولأن الصبر من أقوى أسباب النصر والظفر. قال: (ولا يجوز لأحد أن يتعلف، ولا يحتطب، ولا يبارز، ولا يخرج من العسكر (٢)، ولا يحدث حدثاً إلا بإذنه). أما كون أحدٍ لا يجوز له أن يتعلف، وهو: تحصيل العلف للدواب. ولا يحتطب، وهو: تحصيل الحطب بغير إذن الإمام؛ فلقوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمرٍ جامعٍ لم يذهبوا حتى يستأذنوه﴾ [النور: ٦٢]. ولأن الأمير أعرف بحال الناس والمواضع والمكامن وقربِ العدو وبعدِه فإذا خرجوا بغير إذنه لم يؤمن أن يكون في موضع ذهابِهم عدوٌ فيظفر بهم. وربما ارتحل الأمير وبقي الخارج فيضيع.

стр. 1072

وأما كونه لا يجوز أن يبارز بغير إذنه فلأن الأمير أعرف بفرسانه وشأنِ عدوه فإذا برز بغير إذنه فربما برز إلى من لا يُطيقه فلا يؤمن ظفَر العدو به فينكسر قلوب المسلمين. وأما كونه لا يجوز أن يخرج من العسكر بغير إذنه فلأنه ربما كان للعدو كمين فيأخذوه وينكسر قلوب المسلمين، وربما دخل الأمير وأدى خروجه إلى ضياعه. وأما كونه لا يجوز أن يحدث حدثاً بغير إذنه فلما ذُكر قبلُ. قال: (فإن دعا كافر إلى البراز استحب لمن يعلم من نفسه القوة والشجاعة مبارزته بإذن الأمير، فإن شرط الكافر أن لا يقاتله (١) غير الخارج إليه فله شرطه. فإن انهزم المسلم أو أُثخن بالجراح جاز الدفع عنه. وإن قتله المسلم فله سلبه). أما كون مبارزة من يعلم من نفسه ما ذُكر يستحب بإذن الأمير فـ «لأن حمزة وعلياً وعبيدة بن الحارث بارزوا يوم بدر بإذن النبي ﷺ » (٢). و«بارز ابنُ الأكوع مرحباً يوم خيبر ثم بارزه علي» (٣). وقيل: «بارزه محمد بن مسلمة» (٤). ولم يزل أصحاب النبي ﷺ يبارزون في حروبهم. روي عن البراء بن مالك أنه قال: «قتلت تسعة وتسعين رئيساً من المشركين مبارزة» (٥). وأما كون الكافر له شرطه إذا شرط أن لا يقاتله غير الخارج إليه؛ فلقوله ﷺ : «المسلمون على شروطهم» (٦). وأما كون الدفع عن المسلم يجوز إذا انهزم فلأن المسلم إذا صار إلى هذه الحالة فقد انقضى قتاله وربما أثخنه فقتله.

стр. 1073

وأما كونه يجوز إذا أُثخن بالجراح فـ «لأن حمزة وعلياً أعانا عُبيدة بن الحارث على قتل شيبة بن ربيعة حين أُثخن عبيدة» (١). وأما كون المسلم له سلب الكافر إذا قتله فلأن القاتل يستحق سلب المقتول؛ لما سيأتي بعد. قال: (وكل من قَتل قتيلاً فله سلبه غير مخموس إذا قتله حال الحرب منهمكاً على القتال غير مثخن، وغرر بنفسه في قتله. وعنه: لا يستحقه إلا من شُرط له). أما كون من قتل قتيلاً له سلبه؛ فلأن النبي ﷺ قال: «من قتل كافراً فله سلبه» (٢). وقال ﵇: «من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه» (٣) متفق عليه. وأما كون السلب غيرَ مخموس «فلأن النبي ﷺ قال عن طليعة الكفار: من قتله؟ قالوا: ابن الأكوع قال: له سلبه أجمع» (٤) رواه أبو داود. وروى عوف بن مالك «أن رسول الله ﷺ قضى في السلب للقاتل، ولم يخمس السلب» (٥). روه أبو داود. وأما قول المصنف ﵀: إذا قتله ... إلى آخره؛ فبيان لما يشترط في كون السلب للقاتل، وهو أشياء: أحدها: أن يَقتله حال الحرب، فإن قتله بعد انقضائها فلا سلب له؛ «لأن عبدالله بن مسعود وقف على أبي جهل، وقضى النبي ﷺ بسلبه لمعاذ بن عمرو (٦) بن الجموح» (٧)؛ لأنه أثبته.

стр. 1074

وثانيها: أن يكون مُقبلاً على القتال فإن كان مدبراً فلا سلب له؛ لأنه لم يغرر بنفسه في قتله. وثالثها: أن يغرر بنفسه في قتله كالمبارز. فإن قتله بسهم من صف المسلمين فلا سلب له؛ لأن الخبر إنما ورد في المبارزة ونحوها. ورابعها: أن يكون القاتل ذا حق في المغنم حراً كان أو عبداً، رجلاً أو صبياً. فإن لم يكن له حق كالمخذل والمرجف والكافر إذا حضر بغير إذن فلا سلب له؛ لأنه لا حق له في المغنم فغيره أولى. ولم يذكر المصنف ﵀ هذا الشرط هنا، ونص عليه في الكافي. وأما كونه لا يشترط في ذلك إذن الأمير على المذهب فلعموم ما تقدم من الأحاديث. وأما كونه يُشترط على رواية؛ فلما روى عوف بن مالك «أن مددا غزا معهم فقتل علجاً فأعطاه خالد بعض سلبه وأمسك سائره. فذُكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: لا تعطه يا خالد» (١) رواه أبو داود. والأول أصح؛ لما تقدم. ولأن لفظ رسول الله ﷺ في قوله: «من قتل قتيلاً فله سلبه» (٢) عام في غزوته وغيرها. ولذلك احتج به عوف بن مالك على خالد حين أخذ سلب المددي. فقال له عوف: «أما تعلم أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى».

стр. 1075

وقول عمر: «كنا لا نخمس السلب على عهد رسول الله ﷺ » (١) يدل على أن هذا من قضايا رسول الله ﷺ المشهورة العامة. وأما أمر خالد بعدم الإعطاء فعقوبة لعوف حين أغضبه بتقريعه خالداً بين يديه. قال: (فإن قطع أربعته، وقتله آخر فسلبه للقاطع. وإن قتله اثنان فسلبه غنيمة، وقال القاضي: هو لهما). أما كون السلب لقاطع أربعته دون قاتله بعد ذلك؛ فلأن القاطع هو الذي أثبته، ولذلك «أعطى رسول الله ﷺ معاذ بن عمرو (٢) بن الجموح سلبَ أبي جهل» (٣)، و «لم يعطه ابن مسعود مع أنه تمم قتله» (٤). وأما كون سلبه غنيمة إذا قتله اثنان على المذهب فلأن السلب يُستحق للتغرير ولا يحصل ذلك بالاشتراك، وإذا لم يستحقه القاتل وجب كونه غنيمة كسائر أموال الكفار. وأما كونه لهما على قول القاضي فلأنهما قتلاه فاستحقا سلبه لدخولهما في عموم الأحاديث المتقدمة. وكالواحد. قال: (وإن أسره فقتله الإمام فسلبه غنيمة، وقال القاضي: هو لمن أسره). أما كون سلب من أسره فقتله الإمام غنيمة على الأول فلأن الذي أسره لم يقتله والإمام لم يغرر بنفسه في قتله. وأما كونه لمن أسره على قول القاضي فلأنه غرر بنفسه في أسره أشبه ما لو قتله. فإن قيل: ظاهر هذا التعليل أنه يستحق السلب سواء قتله الإمام أو فاداه.

стр. 1076

قيل: نعم. وصرح المصنف به في الكافي. قال: (وإن قطع يده ورجله، وقتله آخر فسلبه غنيمة. وقيل: هو للقاتل). أما كون السلب في ما ذكر غنيمة على الأول فلأن القاطع والقاتل اشتركا فيه ولا تغرير مع الشركة، وهو شرط في استحقاق القاتل السلب، وإذا لم يستحقه القاتل تعين كونه غنيمة لما تقدم. وأما كونه للقاتل على قولٍ؛ فلدخوله في عموم قوله ﵇: «فمن قتل قتيلاً فله سلبه» (١). قال: (والسلب: ما كان عليه من ثيابٍ وحلي وسلاح والدابة بآلتها. وعنه: أن الدابة ليست من السلب. ونفقته ورحله وخيمته غنيمة). أما كون ما على المقتول من الثياب من السلب فلا شبهة له فيه لدخول ذلك في مفهوم السلب. وأما كون ما عليه من حلي وسلاح من السلب فلما روي «أن عمرو بن معد يكرب حمل على أسوار وطعنه فدق صلبه فصرعه، فنزل إليه فقطع يديه وأخذ سوارين كانا عليه ويَلْمَق من ديباج وسيفاً ومِنطقة فسلم ذلك له» (٢). و«بارز البراء مُرزُبان الزأرة فقتله فبلغ سواره ومنطقته ثلاثين ألفاً» (٣). وأما كون الدابة وآلتها من السلب على المذهب؛ فلأنهما يُستعان بها في الحرب أشبها السلب. وأما كونهما ليست منه على روايةٍ؛ فلأن السلب ما كان على البدن، والدابةُ وآلتُها ليستا كذلك.

стр. 1077

وأما كون نفقته وخيمته ورحله غنيمة فلأنه ليس من الملبوس ولا مما يُستعان به في الحرب فكان غنيمة كبقية أموال الكفار. قال: (ولا يجوز الغزو إلا بإذن الإمام (١) إلا أن يَفْجَأهم عدوٌّ يخافون كَلَبَه). أما كون الغزو بغير إذن الأمير لا يجوز إذا لم يَفجأهم العدو الموصوف بما ذُكر فلأنه إذا لم تجز المبارزة إلا بإذنه فلأن لا يجوز الغزو إلا بإذنه بطريق الأولى. وأما كونه يجوز بغير إذنه إذا فَجأهم عدو يخافون شره وأذاه، وهو المعني بقول المصنف ﵀: كَلَبه فلأن الحاجة تدعو إليه لما في التأخير من الضرر. قال: (فإن دخل قوم لا مَنَعَة لهم دار الحرب بغير إذنه فغنموا: فغنيمتهم فيء. وعنه: هي لهم بعد الخمس. وعنه: هي لهم لا خُمُس فيها). أما قول المصنف ﵀: لا منعة لهم فالمراد بها القوة والدفع، وهي محركة الميم والنون والعين وقد تسكن نونها. وأما كون غنيمتهم فيئاً على المذهب فلأنها: مال وُصل إليه بقوة الإسلام فكان فيئاً كما لو هربوا وتركوه. وأما كونها بعد الخمس على رواية فلأنها: مال أُخذ بقتال وجهاد فكان كذلك كسائر الغنائم. فلا اعتبار بالقلة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿كم من فِئَةٍ قليلةٍ غلبت فِئَة كثيرة﴾ [البقرة: ٢٤٩]. وأما كونها لهم لا خُمُس فيها فلأنهم أخذوه لا بقوة أشبه ما لو سرقوه. قال: (ومن أَخذ من دار الحرب طعاماً أو علفاً فله أكله وعلفُ دابته بغير إذن، وليس له بيعه. فإن باعه رد ثمنه في المغنم. وإن فضل معه منه شيء فأدخله البلد رده في الغنيمة، إلا أن يكون أسيراً فله أكله في إحدى الروايتين). أما كون من أخذ من دار الحرب ما ذُكر له أكله فلما روى عبدالله بن أبي أوفى قال: «أصبنا طعاماً يوم خيبر، فكان الرجل يجيء فيأخذ منه مقدار ما يكفيه، ثم ينصرف» (٢) رواه أبو داود.

стр. 1078

وعن عمر «أن صاحب جيش الشام كتب إليه: إنا فتحنا أرضاً كثيرة الطعام والعلف. فكتب إليه: دع الناس يعلفون ويأكلون» (١) رواه سعيد. وأما كونه له علف دابته فلما ذُكر في حديث عمر. ولأن الحاجة تدعو إلى هذا، وفي المنع منه ضرر بدوابّ الجيش. وأما كونه ليس له بيعه فلأنه إنما أبيح أكله لفعل الصحابة ولم ينقل عنهم بيعه. ولأنه لا حاجة في بيعه بخلاف الأكل. وأما كونه يَرُدُّ ثمن المبيع في المغنم فلأن فيما كتب عمر: «فمن باع منهم شيئاً بذهب أو فضة ففيه خمس الله وسهام المسلمين» (٢). وظاهر لفظ المصنف: أنه ممنوع من البيع فإذا باع صح بيعه ويرد الثمن في المغنم؛ لأن الغرض أن لا يضيع حق الغانمين وفي رد الثمن تحصيل لذلك الغرض. وقال القاضي: إن باعه لغير غازٍ فالبيع باطل ويرد الثمن على المشتري؛ لأنه بيع من غير ولاية ولا نيابة، وإن باعه لغاز بطعام أو علف من دار الحرب فليس ببيع حقيقة بل يكون كل واحد منهما أحق بما صار إليه. وإن باعه بذهب أو فضة أو غير الطعام والعلف فالمشتري أحق به لثبوت يده عليه ويجب على البائع رد الثمن لعدم انعقاد البيع. وأما كون ما فضل معه إذا أدخله البلد وكان كثيراً يرده؛ فلأنه إنما أخذه للحاجة وقد زالت. ولأنه فضل (٣) لما تبين أنه أخذ أكثر من حاجته. وأما كونه له أكل اليسير في رواية فلأنه يروى عن بعض أصحاب النبي ﷺ أنه قال: «كنا نأكل الجزر في الغزو ولا نقسمه حتى إن كنا لنرجع إلى رحالنا وأَخْرِجَتنا منه مملاة» (٤) رواه أبو داود. وأما كونه ليس له ذلك في رواية فبالقياس على الكثير.

стр. 1079

قال: (ومن أخذ سلاحاً فله أن يقاتل به حتى (١) تنقضي الحرب، ثم يرده. وليس له ركوب الفرس في إحدى الروايتين). أما كون من أخذ سلاحاً له أن يقاتل به حتى تنقضي الحرب فلأن الحاجة إليه أعظم من الطعام. ولأن شرر استعماله أقلُّ من ضرر أكل الطعام لأن عينه لا تزول بالاستعمال. وأما كونه يرده بعد انقضاء الحرب فلزوال الحاجة. وأما كونه ليس له ركوب الفرس في روايةٍ؛ فلقوله ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه» (٢). ولأن الغالب أن الفرس تعطب في القتال. وأما كونه له ذلك في رواية؛ فلأنه آلة يستعان به في الحرب فكان له ذلك كالسلاح. والأول أصح؛ لما ذُكر.

стр. 1080

باب قسمة الغنائم الغنائم: جمع غنيمة، وهي: مشتقة من الغنم والفضل. والأصل فيها الكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً﴾ [الأنفال: ٦٩]. وقولُه: ﴿واعلموا أنما غنمتم ... الآية﴾ [الأنفال: ٤١]. وأما السنة فقوله ﷺ : «أُعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي. ذكر منها: وأحلت لي الغنائم» (١). قال المصنف ﵀: (الغنيمة: كل مال أُخذ من المشركين قهراً بالقتال. وإن أُخذ منهم مالُ مسلمٍ فأدركه صاحبه قبل قَسمه فهو أحق به، وإن أدركه مقسوماً فهو أحق به بثمنه. وعنه: لا حق له فيه) أما قول المصنف ﵀: "الغنيمة كل مال أخذ من المشركين قهراً بالقتال"؛ فبيان لمعنى الغنيمة شرعاً. وأما كون المسلم أحق بماله المأخوذ من المشركين إذا أدركه قبل قسم المسلمين له؛ فلما روى ابن عمر «أن غلاماً له أبق إلى العدو، فظهر عليه المسلمون، فرده رسول الله ﷺ إلى ابن عمر، ولم يقسمه» (٢).

стр. 1081

وعنه قال: «ذهب له فرس، فأخذه العدو، فظهر عليه المسلمون فرده عليه في زمن النبي ﷺ » (١) رواهما البخاري وأبو داود. وعن عمر ﵁: «من وجد عين ماله بعينه فهو أحق به ما لم يقسم» (٢). رواه الأثرم. وأما كونه إذا أدركه بعد قسمه أحق به بقيمته على روايةٍ؛ فلما روى ابن عباس «أن رجلاً وَجد بعيراً له كان المشركون أصابوه. فقال له النبي ﷺ : إن أصبته قبل القسمة فهو لك، وإن أصبته بعد ما قُسم أخذته بالقيمة» (٣). ولأنه لو أخذه بغير شيء لأدى إلى حرمان الآخذ حقه من الغنيمة، ولو لم يأخذه لأدى إلى ضياع حقه فالرجوع بشرط وزن القيمة فيه جمعاً بين الحقين. وأما كونه لا حق له فيه على روايةٍ؛ فلما روي أن رسول الله ﷺ قال: «من أدرك ماله قبل أن يُقسم فهو له، وإن أدركه بعد أن قسم فليس له فيه شيء» (٤). قال: (وإن أخذه منهم أحد الرعية بثمنٍ فصاحبه أحق به بثمنه، وإن أخذه (٥) بغير عوض فهو أحق به بغير شيءٍ). أما كون صاحب المأخوذ بثمن أحقَّ به بثمنه؛ فلأن آخذه حصل ذلك في يده بثمنٍ فكان صاحبه أحق به بثمنه؛ كما لو أخذه واحد من المغنم بحقه فإن صاحبه أحق به بقيمته لما تقدم. فإن قيل: الكلام هنا في الثمن وهناك في القيمة. قيل: الثمن هنا نظير القيمة هناك.

стр. 1082

وقال المصنف ﵀ في الكافي: حكمه حكم المقسوم على ما تقدم من الخلاف. ويؤيد عدم الأخذ ما روى الشعبي قال: «أغار أهل ماه وأهل جلولاء على العرب فأصابوا سبايا. فكتب السائب بن الأقرع (١) إلى عمر في سبايا المسلمين ورقيقهم قد اشتراها التجار من أهل مكة. فكتب عمر: من أصاب رقيقه ومتاعه في أيدي التجار بعد ما اقتسم فلا سبيل إليه» (٢) رواه سعيد بن منصور. وأما كونه أحق به بغير شيء ممن أخذه بغير عوض فـ «لأن النبي ﷺ أخذ ناقته التي استولى عليها الكفار من التي جاءت منهزمة عليها بغير شيء» (٣). وسيأتي الحديث مفصلاً إن شاء الله تعالى. والمراد بالأخذ بغير عوض الهبة والسرقة ونحوهما. قال: (ويملك الكفارُ أموالَ المسلمين بالقهر. ذكره القاضي، وقال أبو الخطاب: ظاهر كلام أحمد أنهم لا يملكونها). أما كون الكفار يملكون أموال المسلمين بالقهر على قول القاضي فلأن القهر سبب يملك به المسلم مال الكافر فملك الكافر مال المسلم كالبيع. وأما كونهم لا يملكونها على ما قاله أبو الخطاب فلأن ملك المسلم معصوم بخلاف الكافر. واحتج بعض أصحابنا على ذلك بما روي «أن قوماً أغاروا على سرح النبي ﷺ فأخذوا ناقته وجاريةً من الأنصار فأقامت عندهم أياماً. ثم خرجت في بعض الليل. قالت: فما وضعت يدي على ناقة إلا رغت حتى وضعتها على ناقة ذلول فامتطيتها. ثم توجهت إلى المدينة ونذرت إن نجاني الله عليها أن أنحرها. فلما قدمت المدينة استعرفت

стр. 1083

الناقة فإذا هي ناقة رسول الله ﷺ فأخذها. فقلت يا رسول الله! إني نذرت أن أنحرها. فقال: بئس ما جازيتها. لا نذر في معصية» (١). وفي رواية: «لا نذر فيما لم يملك ابن آدم» (٢). ولا دلالة فيه لأن غايته أن النبي ﷺ أخذ ناقته. والمسلم له أخذ ذلك سواء قيل بملك الكفار أموال المسلمين أو لا. قال: (وما أخذ من دار الحرب من رِكاز أو مباح له قيمة فهو غنيمة). أما كون المأخوذ مما ذكر غنيمة؛ فلأنه مال حصل الاستيلاء عليه قهراً بالقتل فكان غنيمة أشبه سائر أموالهم. وأما قول المصنف ﵀: من ركازٍ فلا بد أن يُلحظ فيه أن آخذه لم يقدر عليه إلا بجماعة من المسلمين؛ لأن ما قدَر عليه بنفسه يكون له. صرح به في المغني. قال: (وتملك الغنيمة بالاستيلاء عليها في دار الحرب، ويجوز قسمها فيها). أما كون الغنيمة تملك بالاستيلاء عليها في دار الحرب؛ فلأنهما مال مباح فمُلكت بالاستيلاء عليها كسائر المباحات. وأما كون قسمها يجوز فيها فـ «لأن النبي ﷺ قسم غنائم بني المصطلق على مياههم، وغنائم حنين بأوطاس وهو واد من حنين». ولأنهم مَلكوا الغنيمة بالاستيلاء فجاز قَسمها كما لو أحازوها إلى دار الإسلام. قال: (وهي لمن شهد الوَقْعة من أهل القتال، قاتل أو لم يقاتل من تجار العسكر وأُجَرَائِهم الذين يستعدون للقتال. فأما المريض العاجز عن القتال، والمخذل، والمرجف، والفرس الضعيف العجيف فلا حق له). أما كون الغنيمة لمن شهد الوَقْعة من أهل القتال؛ فلأن عمر ﵁ قال: «الغنيمة لمن شهد الوقعة» (٣) رواه سعيد بن منصور.

стр. 1084

وروى مثل ذلك عن عثمان في غزوة أرمينية. وأما كون من لم يقاتل من تجار العسكر وأُجَرائهم الذين يستعدون للقتال كمن قاتل في الغنيمة؛ فلأن من لم يُقاتل شهد الوقعة فيدخل في قول عمر ﵁: «الغنيمة لمن شهد الوقعة». ولأنه -إذا لم يقاتل- ردء للمقاتل. ولأنه مستعد للقتال أشبه المقاتل. وأما كون المريض العاجز عن القتال لا حق له في الغنيمة؛ فلأنه ليس من أهل الجهاد أشبه العبد. وقول المصنف ﵀: العاجز عن القتال فيه تنبيه على أن المرض إذا لم يمنع من القتال كالصداع والحمى لا يُسقط السهم. وصرح به في المغني؛ لأنه من أهل الجهاد فلم يسقط كالصحيح. وأما كون المخذل والمرجف لا حق لهما في ذلك فلأن ضررهما أكثر من نفعهما. وأما كون الفرس الضعيف العجيف لا حق له فلأنه لا نفع فيه. ولأن الإمام يملك منعه من الدخول معه فلم يُسهم له كالمخذل والمرجف. قال: (وإذا لحق مدد، أو هرب أسير فأدركوا الحرب قبل تَقَضّيه أُسهم لهم، وإن جاؤا بعد إحراز الغنيمة فلا شيء). أما كون من ذكر يسهم لهم إذا أدركوا الحرب قبل تَقَضّيها؛ فلأنهم شهدوا الوقعة فدخلوا في قول عمر: «الغنيمة لمن شهد الوقعة» (١). وأما كونهم لا شيء لهم إذا جاؤا بعد إحراز الغنيمة؛ فلما روى أبو هريرة «أن أبان بن سعد وأصحابه قدموا على رسول الله ﷺ بخيبر بعد أن فتحها. فقال أبان: اقسم لنا يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : اجلس يا أبان. ولم يقسم له رسول الله ﷺ » (٢) رواه أبو داود.

стр. 1085

ولأنهم لم يشهدوا الوقعة. أشبهوا من جاء بعد القسمة. قال: (وإذا أراد القسمة بدأ بالأسلاب فدفعها إلى أهلها، ثم أخرج أجرة الذين جمعوا الغنيمة وحملوها وحفظوها). أما كون الأمير إذا أراد القسمة يبدأ بالأسلاب فيدفعها إلى أهلها فلأن القاتل يستحقها غير مخموسة لما تقدم. وأما كونه يخرج أجرة من ذكر بعد ذلك فلأنها من مصلحة الغنيمة. قال: (ثم يخمس الباقي فيقسم خمسه على أهل الخمس خمسة أسهم: سهم لله تعالى ولرسوله ﷺ يصرف مصرف الفيء، وسهم لذوي القربى وهم بنو هاشم وبنو المطلب حيث كانوا، للذكر مثل حظ الأنثيين، غنيهم وفقيرهم فيه سواء، وسهم لليتامى الفقراء، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل من المسلمين). أما كون الأمير يُخَمّس باقي الغنيمة ويقسمه على خمسة أسهم؛ فلقوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيءٍ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكيِن وابن السبيل﴾ [الأنفال: ٤١]. فإن قيل: ينبغي أن يكون مقسوماً على ستة نظراً إلى ظاهر اللفظ. قيل: عنه جوابان: أحدهما: أن يكون لله وللرسول بمعنى الرسول كقوله تعالى: ﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾ [التوبة: ٦٢]. والثاني: أنه إنما أضيف إلى الله والرسول ليُعلم أن جهته جهة مصلحة وأنه ليس مختصاً بالنبي ﷺ . وأما كون سهم الله ورسوله ينصرف مصرف الفيء الآتي ذكره في موضعه (١)؛ فلأن النبي ﷺ قال: «ليس لي من الفيء إلا الخمس، وهو مردود عليكم» (٢). ولا يكون مردوداً علينا إلا إذا صُرف في مصالحنا.

стр. 1086

وأما كون سهمٍ لذوي القربى؛ فلما تقدم من قوله تعالى: ﴿ولذي القربى﴾ [الأنفال: ٤١]. و«لأن النبي ﷺ أعطاهم» (١). وهو ثابت بعد موت النبي ﷺ تمسكاً بظاهر لفظ الآية، وبإعطاء النبي ﷺ مع أنه لم يأت ناسخ ولا مغيّر. وأما كون ذوي القربى هم بنو هاشم وبنو المطلب أبناء عبد مناف دون غيرهم؛ فلما روى جبير بن مطعم قال: «لما قسم رسول الله ﷺ سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب: أتيت أنا وعثمانُ بن عفان رسول الله ﷺ . فقلنا: يا رسول الله! أما بنو هاشم فلا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله به منهم، فما بال إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا. فقال: إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد. وشبّك بين أصابعه» (٢). وفي رواية: «إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام» (٣). وأما كونهم لهم ذلك حيث كانوا؛ فلأنه مستحق بالقرابة فوجب كونه لهم حيث كانوا كالميراث. وأما كون ذكرهم له مثل حظ الأنثيين؛ فلأنه مال مأخوذ بالقرابة فكان للذكر مثل حظ الأنثيين كالميراث. وأما كون غنيهم وفقيرهم فيه سواء؛ فلما ذكر. ولأن النبي ﷺ لم يخص فقراء قرابته بل أعطى الغني كالعباس وغيره. ولأن شرط الفقر ينافي ظاهر الآية. ولأنه يؤخذ بالقرابة فاستوى فيه الغني والفقير كالإرث. وأما كون سهمٍ لليتامى؛ فلما تقدم من قوله تعالى: ﴿واليتامى﴾ [الأنفال: ٤١].

стр. 1087

واليتامى هم الذين لا آباء لهم ولم يبلغوا الحلم. أما كونهم لا آباء لهم فلأن اليتيم لغة من أب له. وأما كونهم لم يبلغوا الحلم فلأن النبي ﷺ قال: «لا يتم بعد احتلام» (١). واشترط المصنف ﵀ فقرهم؛ لأن اسم اليتيم يطلق في العرف للرحمة، ومن أعطي لذلك اعتبرت فيه الحاجة. فإن قيل: اسم اليتيم شامل لهما فوجب دخول كل يتيم في الآية لشمول اللفظ له كذوي القربى. قيل: ذوي القربى استحقوا لقربهم من رسول الله ﷺ تكرمة لهم بخلاف اليتامى فإنهم استحقوا للرحمة فوجب اعتبار الغنى فيهم. ويجب تعميم سهمهم أيضاً كما ذكر في ذوي القربى. وأما كون سهمٍ للمساكين؛ فلما تقدم من قوله تعالى: ﴿والمساكين﴾ [الأنفال: ٤١]. ويدخل فيهم الفقراء؛ لأنهما صنف واحد في غير باب الزكاة. ويجب تعميمهم أيضاً. وأما كون سهمٍ لابن السبيل؛ فلما تقدم من قوله تعالى: ﴿وابن السبيل﴾ [الأنفال: ٤١]. وابن السبيل هو: المسافر المنقطع به. وقد ذكر في الزكاة. ويعطى بقدر حاجته؛ لأن دفعه إليه لأجل الحاجة فأعطي بقدرها. واشترط المصنف ﵀: أن يكون من المسلمين لأن الكافر لا مدخل له في الجهاد فكذا في الغنيمة. قال: (ثم يعطى النفل بعد ذلك، ويُرضخ لمن لا سهم له وهم العبيد، والنساء والصبيان. وفي الكافر روايتان: إحداهما: يرضخ له، والأخرى: يُسهم له). أما كون الأمير يعطي النفل فلأن النبي ﷺ كان يعطي ذلك.

стр. 1088

وأما كون النفل بعد الخمس وهو المعني بقول المصنف ﵀: بعد ذلك. فلما روى معن بن يزيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا نفل إلا بعد الخمس» (١) رواه أبو داود. ولأنه مال يُستحق بالتحريض على القتال فكان من أربعة أخماس الغنيمة كسهم الفارس والراجل. وأما كونه يُرضخ لمن لا سهم له؛ فلأن النبي ﷺ كان يرضخ. وأما كون الرضخ بعد الخمس فلأنه استُحق بحضور الوَقْعة فكان بعد الخمس كسهام الغانمين. وفيه وجه: أنه من أصل الغنيمة. ولأنه استحق للمعاونة في تحصيل الغنيمة أشبه أجرة الجمل. وأما كون من يُرضخ لهم، هم: العبيد والنساء والصبيان: أما العبيد فلما روى عمير مولى آبي اللحم قال: «شهدت خيبر مع سادتي، فكلموا فيّ رسول الله ﷺ ، فأُخبر أني مملوك. فأمر لي بشيء مِن خُرْثِيِّ المتاع» (٢) رواه أبو داود. واحتج به أحمد. و«لأن نجدة سأل ابن عباس عن المرأة والمملوك. فقال: يُحذيان وليس لهما شيء» (٣) رواه سعيد. وأما كون النساء فلأن ابن عباس قال: «كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء فيداوين الجرحى ويُحْذَيْنَ من الغنيمة وأما سهم فلم يضرب لهن» (٤) رواه مسلم. وأما الصبيان فلما روي عن سعيد بن المسيب قال: «كان الصبيان يُحْذَوْن من الغنيمة إذا حضروا الغزو». وأما كون الكافر يُرضخ له في رواية؛ فلأنه من غير أهل الجهاد فرضخ له كالعبيد. وأما كونه يُسهم له في روايةٍ؛ فلأنه حر أشبه المسلم. وهذه أصح؛ لما ذكر.

стр. 1089

ولما روى الزهري «أن رسول الله ﷺ استعان بناس من اليهود في حربه فأسهم لهم» (١) رواه سعيد في سننه. وروي «أن صفوان بن أمية خرج مع النبي ﷺ يوم خيبر، وهو على شركه، فأسهم له». ولأن الكفر نقصٌ في الدين فلم يمنع استحقاق السهم كالفسق. وبهذا فارق الرقيق فإن نقصانه في دنياه وأحكامه. قال: (ولا يبلغ بالرضخ للراجل سهم راجل، ولا للفارس سهم فارس. فإن تغيّر حالهم قبل تَقَضّي الحرب أسهم لهم. وإن غزا العبد على فرس لسيده قسم للفرس ورضخ للعبد). أما كون الرضخ لا يبلغ به ما ذكر فلأن السهم أكملُ من الرضخ فلم يبلغ بالرضخ ذلك؛ كما لا يبلغ التعزير الحد. وأما كون من تغيّر حاله قبل تَقَضّي الحرب يُسهم له فلأنه إنما لم يُسهم لمن لم يتغير حالهم لما فيهم من الموانع فإذا زالت وجب زوال المنع من الإعطاء. وأما كون الفرس يسهم له فلما سيأتي. وأما كون العبد يرضخ له فلما تقدم. قال: (ثم يقسم باقي الغنيمة: للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه، إلا أن يكون فرسه هجيناً أو برذوناً فيكون له سهم، وعنه: له سهمان كالعربي). أما كون باقي الغنيمة يقسم لمن ذكر فلما يأتي. وفيه إشعار بأن باقي الغنيمة لمن ذكر ممن شهد الوقعة. وهو صحيح؛ لأن الله تعالى لما قال: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ [الأنفال: ٤١] فُهم منه أن أربعة الأخماس لهم لأنه أضافها إليهم ثم أخذ منها سهماً لغيرهم بقي باقيها لهم؛ كقوله سبحانه: ﴿وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾ [النساء: ١١].

стр. 1090

وقال عمر: «الغنيمة لمن شهد الوقعة» (١). فإذا أخرج الأمير السلب والأجرة والنفل والرضخ لما تقدم من الدليل وجب بقاء الباقي لمن شهد لما ذكر قبل. وأما كون الراجل له سهم، والفارس ثلاثة أسهم: سهم له وسهمان لفرسه فلأن ابن عمر رضي الله تعالى عنهم روى «أن النبي ﷺ أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم: سهمان لفرسه وسهم له» (٢) متفق عليه. وعن خالد الحذاء قال: «لا يُختلف فيه عن النبي ﷺ أنه أسهم هكذا: للفرس سهمين ولصاحبه سهما، وللراجل سهماً» (٣). وأما كون الهجين وهو الذي أبوه عربي وأمه غير عربية، والبِرْذَوْن وهو الذي أبواه غير عربيين له سهم على رواية فلما روى أبو الأقمر قال: «أغارت الخيل على الشام فأدركت العراب من يومها وأدركت الكوادن (٤) ضحى الغد، وعلى الخيل رجل من همدان يقال له المنذر بن أبي حميصة. فقال: لا أجعل الذي أدركت من يومها مثل التي لم تدرك. فقال عمر: هبلت الوادعيَّ أمه أمضوها على ما قال» (٥) أخرجه سعيد. وروي أنه كتب إلى عمر: «إنا وجدنا بالعراق خيلاً عراضاً فما ترى في سهمانها؟ فكتب عمر: تلك البراذين فما قارب العناق فاجعل له سهماً واحداً وألق ما سوى ذلك». وعن مكحول «أن رسول الله ﷺ أعطى الفرس العربي سهمين، والهجين سهماً» (٦) رواه الجوزجاني.
следующие страницы →