← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فصل [في الأغسال المستحبة] قال المصنف ﵀: (والأغسال المستحبة ثلاثة عشر غسلاً: للجمعة، والعيدين، والاستسقاء، والكسوف، ومن غسل الميت، والمجنون، والمغمى عليه إذا أفاقا من غير احتلام، وغسل المستحاضة لكل صلاة، والغسل للإحرام، ودخول مكة، والوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، والطواف). أما كون الغسل للجمعة من الأغسال المستحبة فلقوله ﷺ : «من توضأ للجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل» (١) رواه أحمد والترمذي والنسائي. والضمير في فبها عائد إلى السنة أي فبالسنة أخذ، ونعمت يعني الخُلّة. وعن الإمام أحمد أنه واجب لقوله ﵇: «إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل» (٢) رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. ولقوله ﵇: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» (٣) متفق عليه.

стр. 177

والصحيح الأول. والأمر في الثاني محمول على الاستحباب بدليل ما تقدم. و«لأن عثمان ﵁ أتى الجمعة ولم يغتسل» (١). وأما قوله: واجب فقد قيل كان واجبًا ثم نسخ. وقيل: أطلق الواجب على ذلك لتأكد الاستحباب كما يقول: حقك واجب علي. وأما كون الغسل للعيدين من الأغسال المستحبة فـ «لأن رسول الله ﷺ كان يغتسل يوم الفطر ويوم النحر» (٢) رواه ابن ماجة. و«لأن عليًا وابن عمر ﵄ كانا يأمران بالغسل لهما» (٣). ولأن صلاة العيد صلاة وقت شرط لها الجماعة أشبهت الجمعة. فإن قيل: ما وقته؟ قيل: وقت غسل الجمعة. وقيل: يجوز قبل طلوع الفجر بخلاف الجمعة. والفرق بينهما أن وقت العيد ضيق فلو لم يجز إلا بعد طلوع الفجر لتطرق الفوات إلى كثير من الناس بخلاف الجمعة فإن وقتها واسع فلا يؤدي عدم الجواز قبل الفجر إلى ذلك. وأما كون الغسل للاستسقاء والكسوف من الأغسال المستحبة؛ فلأن الصلاة لكل واحد منهما يسن لها الاجتماع فيسن لها الغسل كالجمعة.

стр. 178

وأما كون الغسل من غسل الميت منها فلما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من غسل ميتًا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ» (١) رواه الترمذي. وقال: هذا حديث حسن. وروي عن علي وأبي هريرة (٢) ﵄ أنهما قالا: «من غسل ميتًا فليغتسل» (٣). وأدنى أحوال ذلك الاستحباب. وأما كون الغسل للمجنون والمغمى عليه إذا أفاقا من غير احتلام منها: أما المجنون؛ فلأنه يستحب للمغمى عليه لما يأتي؛ فلأن يستحب للمجنون بطريق الأولى. وأما المغمى عليه فـ «لأن النبي ﷺ أغمي عليه فاغتسل» (٤) متفق عليه. ولأنه مختلف في وجوبه وأدنى أحواله الاستحباب. وأما كون غسل المستحاضة لكل صلاة منها فـ «لأن النبي ﷺ أمر المستحاضة بالغسل فكانت تغتسل لكل صلاة» (٥) متفق عليه.

стр. 179

ولأنه يجوز انقطاع الدم المختص بالحيض حينئذ. ولأن فيه تخفيفًا لحدثها لما تقدم في الجنب. وأما كون الغسل للإحرام منها فـ «لأن النبي ﷺ أمر أسماء بنت عميس وهي نفساء أن تغتسل وتهل» (١) رواه مسلم. فإن قيل: إنما أمرها بذلك لما هي فيه من النفاس وهذا المعنى مفقود في كل محرم. قيل: ليس الأمر كذلك. وإنما أمرها به للإحرام لأن حدث النفاس مستمر والغسل لا يؤثر فيه. فعلى هذا يستحب في حق كل محرم لاشتراك الكل في الإحرام. ويعضد ذلك «أن رسول الله ﷺ تجرد لإحرامه واغتسل» (٢) رواه الترمذي. وعن عائشة «أنه كان إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بخطمي وأُشنان» (٣) رواه البخاري. وأما كون الغسل لدخول مكة منها فلما روى ابن عمر «أن النبي ﷺ بات حتى صلى الصبح واغتسل ثم دخل مكة» (٤) رواه مسلم بمعناه. وأما كون الغسل للوقوف بعرفة منها فـ «لأن النبي ﷺ كان يغتسل يوم عرفة» (٥) رواه ابن ماجة. وروى مالك في الموطأ «أن ابن عمر كان يغتسل إذا راح إلى عرفة» (٦).

стр. 180

وأما كون الغسل للمبيت بمزدلفة ورمي الجمار والطواف منها؛ فلأنها مواضع يجتمع لها الناس ويزدحمون ويعرقون فيؤذي بعضهم بعضًا بالعرق والرائحة فاستحب فيها الغسل تنظيفًا وتخفيفًا كالجمعة.

стр. 181

فصل في صفة الغسل قال المصنف ﵀: (وهو ضربان: كامل يأتى فيه بعشرة أشياء: النية، والتسمية، وغسل يديه ثلاثًا، وغسل ما به من أذى، والوضوء، ويحثي على رأسه ثلاثًا يروي بها أصول الشعر، ويفيض الماء على سائر جسده ثلاثًا، ويبدأ بشقه الأيمن، ويدلك بدنه بيديه، وينتقل من موضعه فيغسل قدميه. ومجزئ وهو: أن يغسل ما به من أذى وينوي ويعم بدنه بالغسل). أما كون الغسل ضربين كاملاً ومجزءًا؛ فلأنه تارة يشتمل على فروضه وسننه ويسمى كاملاً لرجحانه على غيره، وتارة على فروضه فقط ويسمى مجزءًا لحصول الإجزاء به. وأما كون الكامل ما يُؤتى فيه بالأشياء المذكورة؛ فلأن كل واحد منها إما واجب وإما مسنون: أما النية فواجبة لما يأتي في المجزئ، وأما التسمية فواجبة أو مسنونة على الاختلاف المذكور في الوضوء لكن الغسل آكد من الوضوء وقد جاء فيه: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» (١). وأما غسل يديه ثلاثًا؛ فلأن في حديث عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل للجنابة غسل يديه ثلاثًا» (٢) متفق عليه. وأما غسل ما به من أذى والمراد به ما على فرجه من نجاسة أو مني أو نحو ذلك؛ فلأن في حديث ميمونة: «ثم غسل فرجه» (٣).

стр. 182

وأما الوضوء؛ فلأن في حديث عائشة المتقدم: «وتوضأ وضوءه للصلاة» (١). وفي حديث ميمونة: «ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه» (٢). وأما حثي الماء على رأسه ثلاثًا وغسل سائر جسده؛ فلأن في حديث عائشة المتقدم: «حتى إذا ظن أنه قد روى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات. ثم غسل سائر جسده» (٣) متفق عليه. وفي حديث ميمونة: «ثم أفاض على رأسه. ثم غسل جسده» (٤). وأما تروية أصول الشعر؛ فلأن ذلك مما لا بد منه لقوله ﵇: «إن تحت كل شعرة جنابة. فاغسلوا الشعر وأنقوا البشرة» (٥) رواه أبو داود. وإذا كان لا بد منه استحال أن يكون الغسل كاملاً بدونه. وأما البدائة بشقه الأيمن؛ فلأن النبي ﷺ «كان يعجبه التيمن في تنعله وتَرَجُّلِه وطَهوره وفي شأنه كله» (٦) متفق عليه. وفي حديث عائشة ﵂: «كان إذا اغتسل للجنابة بدأ بشقه الأيمن ثم الأيسر» (٧).

стр. 183

وأما دلك بدنه [بيديه] (١) فلئلا يبقى موضع من بدنه غير مغسول. وأما الانتقال من موضع غسله وغسل قدميه؛ فلأن في حديث ميمونة: «ثم تنحى فغسل رجليه» (٢). وأما كون المجزئ أن يغسل ما به من أذى وينوي ويعم بدنه بالغسل؛ فلأن ذلك كله واجب. أما غسل ما به من أذى -والمراد به ما تقدم-؛ فلأن ذلك: إما نجس، وإما مانع من وصول الماء إلى ما تحته مما يجب غسله. وأما النية؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة: ٥]. ولأن رسول الله ﷺ قال: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى» (٣). وقال ﵇: «لا عمل إلا بنية» (٤). وأما تعميم البدن بالغسل؛ فلأنه لا يقع اسم الغسل بدون إصابة الماء لجميع البدن. ولم يذكر المصنف ﵀ التسمية وذلك يدل على عدم وجوبها عنده. ونص في المغني أن أمرها في الغسل أخف؛ لأن حديث التسمية في الوضوء إنما يتناول بصريحه الوضوء لا غير. وغير المصنف ﵀ يختار وجوبها فيهما. فعلى هذا لا بد من التسمية في المجزئ. ونص على ذكرها فيه أبو الخطاب.

стр. 184

قال: (ويتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع. فإن أسبغ بدونهما أجزأه). أما كون المتوضئ يتوضأ بالمد والمغتسل يغتسل بالصاع فـ «لأن النبي ﷺ كان يغسله الصاع من الجنابة ويوضؤه المد» (١) رواه مسلم. فإن قيل: ما قدر الصاع والمد؟ قيل: الصاع خمسة أرطال وثلث؛ لأن النبي ﷺ قال لكعب بن عجرة: «أطعم ستة مساكين فَرَقًا من طعام» (٢). قال أبو عبيد: لا خلاف بين الناس أعلم أن الفَرَق ثلاثة آصع، والفَرَق ستة عشر رطلاً. فثبت أن الصاع خمسة أرطال وثلث. وروي «أن أبا يوسف دخل المدينة وسألهم عن الصاع. فقالوا: خمسة أرطال وثلث. فطالبهم بالحجة. فقالوا: غدًا. فجاء من الغد سبعون شيخًا كل واحد منهم آخذ صاعه تحت ردائه. فقال: صاعي ورثته عن أبي وورثه أبي عن جدي حتى انتهوا به إلى النبي ﷺ . فرجع أبو يوسف عن قوله» (٣). وهذا إسناد متواتر يفيد القطع. وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: «المكيال مكيال المدينة» (٤). والمد ربع الصاع. فوزنه على ما ذكر رطل وثلث. وأما كون الإسباغ. ومعناه: أن يعم جميع الأعضاء بالماء بحيث يجري عليها يجزئ؛ فلأن هذا هو الغسل. فإذا أتى به فقد أتى بما أمر به.

стр. 185

وقد روي عن عائشة ﵂ «أنها كانت تغتسل هي والنبي ﷺ في إناء واحد يسع ثلاثة أمداد أو قريبًا من ذلك» (١) رواه مسلم. قال: (وإذا اغتسل ينوي الطهارتين أجزأ عنهما. وعنه لا يجزئه حتى يتوضأ (٢». أما كون الغسل المذكور يجزئ عنه وعن الوضوء على المذهب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل ... الآية﴾ [النساء: ٤٣] جعل الاغتسال نهاية المنع من الصلاة فيجب أنه إذا اغتسل تجوز له الصلاة. ولأنهما عبادتان فوجب أن تدخل الصغرى في الكبرى كما تدخل العمرة في الحج. وأما كونه لا يجزئه حتى يتوضأ على روايةٍ فـ «لأن النبي ﷺ توضأ لما اغتسل للجنابة» (٣). وأُمرنا باتباعه. ولأن الحدث والجنابة وجدا منه فوجب لهما طهارتان كما لو كانا منفردين. ولأن الترتيب شرط في رفع الحدث الأصغر [على الصحيح] (٤) ولم يوجد. قال: (ويستحب للجنب إذا أراد النوم (٥) أو الأكل أو الوطء ثانيًا أن يغسل فرجه ويتوضأ). أما كون الجنب يستحب له أن يغسل فرجه في جميع ما ذكر فلإزالة ما عليه من الأذى. وأما كونه يستحب له أن يتوضأ إذا أراد النوم فلما روى ابن عمر «أن عمر سأل رسول الله ﷺ أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم. إذا توضأ أحدكم فليرقد» (٦) متفق عليه.

стр. 186

وإنما لم يجب عليه ذلك لأن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ ينام وهو جنب ولا يمس ماء» (١) رواه الترمذي. ويجب حمل الأول على الاستحباب وحمل هذا على الجواز لما فيه من الجمع بينهما. وأما كونه يستحب له ذلك إذا أراد الأكل فلما روت عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يأكل أو ينام توضأ. يعني وهو جنب» (٢) رواه أبو داود. وأما كونه يستحب له ذلك إذا أراد الوطء ثانيًا فلما روى أبو سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ» (٣) رواه مسلم. وإنما لم يجب عليه ذلك لأن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا كانت له حاجة إلى أهله أتاهم ثم يعود ولا يمس ماء» (٤) رواه أحمد. والحمل كما تقدم لما تقدم.

стр. 187

باب التيمم التيمم في اللغة: القصد. قال الله تعالى: ﴿ولا تَيَمّموا الخبيث منه تنفقون﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي ولا تقصدوا الخبيث منه تنفقون. وقال امرؤ القيس: تَيَمَّمَتِ العينَ التي عند ضَارِجٍ ...... يَفِيء عليها الظِلُّ عَرْمَضها طَامِي أي قصدت العين المذكورة. وفي الشرع: عبارة عن مسح الوجه واليدين بشيء من الصعيد على وجه مخصوص بنية مخصوصة. وهو جائز بالكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ [المائدة: ٦]. وأما السنة فقوله ﷺ : «جعلت لي الأرض مسجدًا وترابها طهورًا» (٤) رواه مسلم. قال المصنف ﵀: (وهو بدل لا يجوز إلا بشرطين: أحدهما: دخول الوقت. فلا يجوز لفرضٍ قبل وقته، ولا لنفلٍ في وقت النهي عنه). أما كون التيمم بدلاً والمراد عن الماء؛ فلأنه مرتب عليه ويجب فعله عند عدمه ولا يجوز عند وجوده لغير عذر وذلك شأن البدل. وأما كونه لا يجوز إلا بشرطين فلما يأتي ذكره فيهما.

стр. 188

وأما كون أحدهما دخول الوقت؛ فلأن التيمم طهارة ضرورة فاشترط فيها دخول الوقت كطهارة المستحاضة. أو يقال: تيمم في وقت [هو] (١) مستغنٍ عنه أشبه التيمم عند وجود الماء. فعلى هذا لا يجوز لفرض قبل وقته لانتفاء شرطه، ولا لنفل في وقت النهي عنه لأن وقت النهي ليس وقتًا للنافلة أشبه التيمم لفرضٍ قبل وقته. قال: (الثاني: العجز عن استعمال الماء لعدمه، أو لضرر في استعماله من جرح، أو برد شديد، أو مرض يخشى زيادته، أو تطاوله، أو عطش يخافه على نفسه، أو رفيقه، أو بهيمته، أو خشية على نفسه، أو ماله في طلبه، أو تعذره إلا بزيادة كثيرة على ثمن مثله، أو ثمن يعجز عن أدائه). أما كون ثاني شرطي التيمم العجز عن استعمال الماء كما ذُكر؛ فلأن غير العاجز المذكور يجد الماء على وجهٍ لا يضره [استعماله] (٢) فلا يدخل في قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [المائدة: ٦] ولا في سائر الأدلة الآتي ذكرها في مواضعها. وأما قول المصنف ﵀: لعدمه أو لضرر في استعماله فبيان لتنويع العجز. وذلك يكون تارة لعدمه. والأصل فيه ما تقدم من الآية والخبر، وفي حديث آخر: «التراب كافيك ما لم تجد الماء» (٣). وتارة لضرر في استعماله. وهو أنواع أيضًا: أحدها: أن يكون من جرح. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء: ٢٩]. وما روى جابر قال: «خرجنا في سفر. فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه. فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء. فاغتسل. فمات. فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أُخبر بذلك. فقال: قتلوه قتلهم الله. ألا سألوا إذا لم يعلموا. إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر ويعصب على جرحه. ثم يمسح عليه. ويغسل سائر جسده» (٤) رواه أبو داود.

стр. 189

وثانيها: أن يكون من برد شديد. والأصل فيه ما روى عمرو بن العاص قال: «احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل. فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك. فتيممت وصليت مع أصحابي الصبح. فذكروا ذلك للنبي ﷺ . فقال: يا عمرو! أصليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال. ثم قلت: سمعت الله تعالى يقول: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء: ٢٩] فضحك النبي ﷺ ولم يقل شيئًا» (١) رواه أبو داود. وثالثها: أن يكون من مرض. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [المائدة: ٦]، وقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨]. ولأنه إذا جاز لشدة البرد؛ فلأن يجوز للمرض بطريق الأولى. ويشترط للمرض المجوز أن يخشى تطاوله أو زيادته؛ لأن من لا يخشى ذلك لا يخاف الضرر. والتيمم للمرض يلحظ فيه خوف الضرر، [ولا ضرر في الماء مع ذلك كله] (٢). وعن الإمام أحمد ﵁: لا يجوز التيمم إلا لمن خاف التلف كما إذا جبر زنده بعظم نجس. والأول أولى؛ لأن مقتضى الآية الأولى جواز التيمم للمريض مطلقًا. تُرك العمل به فيمن لا يخشى ما تقدم ذكره، [وفيمن مرضه يسير، وفيمن يمكنه استعمال الماء المسخن] (٣) لما تقدم فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاها. ورابعها: أن يكون من عطش يخافه على نفسه. والأصل فيه أنه خائف على نفسه باستعمال الماء فجاز له التيمم كالمريض. وخامسها: أن يكون ذلك من عطش يخافه على رفيقه. والأصل فيه أنه يجب عليه بذله إذا خاف تلفه فجاز التيمم كما لو خاف على نفسه.

стр. 190

وسادسها: أن يكون ذلك من عطش يخاف على بهيمته. والأصل فيه أن للروح حرمة. ولذلك يجب عليه سقيها. فإذا خاف عليها العطش ترك لها ما معه من الماء وتيمم كما يفعل ذلك مع نفسه. وسابعها: أن يكون ذلك خشية على نفسه أو ماله إن طلب المال. والأصل في ذلك أن في طلبه ضررًا والضرر منفي شرعًا. وثامنها: أن يكون ذلك لتعذره إلا بزيادة كثيرة على ثمن مثله. والأصل في ذلك أن الزيادة على ثمن المثل تجعل الموجود حسًا معدومًا شرعًا. دليله الرقبة في الكفارات. وتاسعها: أن يكون ذلك لتعذره إلا بثمن يعجز عن أدائه. والأصل فيه أن العجز عن الثمن يبيح الانتقال إلى البدل. دليله العجز عن ثمن الرقبة في الكفارة. قال: (فإن كان بعض بدنه جريحًا تيمم له وغسل الباقي. وإن وجد ماء يكفي بعض بدنه لزمه استعماله وتيمم للباقي إن كان جنبًا. وإن كان محدثًا فهل يلزمه استعماله؟ على وجهين). أما كون من بعض بدنه جريح يتيمم لجرحه ويغسل الباقي؛ فلأن النبي ﷺ قال في حديث جابر المتقدم: «إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه ثم يمسح عليه، ويغسل سائر جسده» (١). فإن قيل: الحديث يدل على الجمع بين المسح والتيمم، ولم يذكر المصنف ﵀ المسح. قيل: فيه روايتان: إحداهما: يجب الجمع لما ذكر من الحديث. والثانية: لا يجب لأنه جمع بين بدل ومبدل. وذلك لا يجب كالصيام والإطعام. والحديث محمول على جواز المسح بعد ذلك ولذلك ذكره بثم المقتضية للتراخي.

стр. 191

وأما كون من وَجد ما يكفي بعض بدنه يلزمه استعمال ذلك إن كان جنبًا؛ فلأنه قدر على استعمال بعض الواجب فلزمه لقوله ﵇: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (١) رواه البخاري. ولأن العجز عن إيصال الماء إلى البعض لا يقتضي سقوطه عن إيصاله إلى الباقي قياسًا على عادم بعض أعضائه. وأما كونه يتيمم للباقي؛ فلأنه عادم لماءٍ يغسله به فلزمه التيمم له لقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [المائدة: ٦]. فعلى هذا يجب أن يقدم استعمال الماء على التيمم ليكون عند التيمم عادمًا للماء. وأما كونه يلزمه استعماله إن كان محدثًا على وجه فلعموم الأدلة المذكورة في الجنب، وقياسًا على الجنب. وأما كونه لا يلزمه على وجه؛ فلأن الموالاة من فروض الوضوء في الصحيح من المذهب فإذا غسل بعض الأعضاء دون بعض لم يفد شيئًا بخلاف الجنب. قال: (ومن عدم الماء لزمه طلبه في رحله وما قرب منه. وإن دل عليه قريبًا لزمه قصده. وعنه لا يجب الطلب. وإن نسي الماء بموضع يمكنه استعماله وتيمم لم يجزئه). أما كون من عدم الماء يلزمه طلبه على المذهب؛ فلأن الله تعالى أباح التيمم بشرط عدم الوجدان. ولا يقال لم يجد إلا لمن طلب. ولأنه بدل فلم يجز العدول إليه قبل الطلب للمبدل كالصيام في الظِّهار. وأما كونه لا يلزمه طلبه على روايةٍ؛ فلأن كل عبادة تعلق وجوبها بوجود شرط لم يلزمه طلب ذلك الشرط كالمال في الحج والزكاة. ولأنه غير عالم بوجوده أشبه ما لو طلب فلم يجد. والأول أصح؛ لما تقدم. ولأن الماء شرط لصحة الصلاة فلزم الاجتهاد في طلبه عند إعوازه كالقبلة.

стр. 192

وأما كونه يطلب ذلك في رحله وما قرب منه؛ فلأن ذلك هو الموضع الذي يطلب فيه الماء عادة. والمراد بما قرب الميل والميلان والثلاث. نص عليه الإمام أحمد. وأما كونه يلزمه قصده إذا دله عليه قريبًا ثقة؛ فلأنه قادر على استعمال شرط العبادة بقطع مسافة قريبة فلزمه ذلك كغيره من الشروط. وأما كون من نسي الماء بموضع يمكنه استعماله إذا تيمم لا يجزئه؛ فلأن النسيان لا يخرجه عن كونه واجدًا، وشرط إباحة التيمم عدم الوجدان. ولأنها ضرورة تجب مع الذكر فلم تسقط بالنسيان كالحدث. قال: (ويجوز التيمم لجميع الأحداث، وللنجاسة على جرح تضره إزالتها. فإن تيمم للنجاسة لعدم الماء وصلى فلا إعادة عليه إلا عند أبي الخطاب). أما كون التيمم لجميع الأحداث يجوز: أما للحدث الأكبر وهو الجنابة؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [المائدة: ٦]. والملامسة الجماع. ولأن عمران بن حصين روى «أن النبي ﷺ رأى رجلاً معتزلاً لم يصل في القوم. فقال: يا فلان! ما منعك أن تصلي مع القوم؟ فقال: أصابتني جنابة ولا ماء. فقال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك» (١) متفق عليه. وفي حديث عمار «أنه لما أجنب تمعَّك في التراب. فذكر ذلك للنبي ﷺ . فقال: إنما كان يكفيك أن تقول هكذا. ثم ضرب بيديه الأرض ثم مسح بهما وجهه وكفيه» (٢). وأما الحدث الأصغر وهو الوضوء فلما تقدم من قوله: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ [المائدة: ٦].

стр. 193

ولأن النبي ﷺ قال: «الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين» (١) رواه أبو داود. ولأنه إذا جاز للحدث الأكبر؛ فلأن يجوز للحدث الأصغر بطريق الأولى. وأما النجاسة على جرح يضره إزالتها؛ فلأنه يمنع من الصلاة معها فجاز أن يتيمم لها عند العجز عن استعمال الماء كالحدث. ولأن ذلك يدخل في قوله ﵇: «الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين» (٢) رواه أبو داود والترمذي. وقال: حديث صحيح. وأما كون من تيمم للنجاسة لعدم الماء وصلى لا إعادة عليه عند غير أبي الخطاب؛ فلأنه وجب عليه طهارة ناب عنها التيمم فلم تجب الإعادة عليه كطهارة الحدث. وأما كونه عليه الإعادة عند أبي الخطاب؛ فلأن النجاسة عذر نادر غير دائم فوجبت الإعادة معه عليه كعادم الماء والتراب. ولأنه صلى بالنجاسة فوجبت عليه الإعادة كما لو تيمم. قال: (وإن تيمم في الحضر خوفًا من البرد وصلى ففي وجوب الإعادة روايتان). أما كون الإعادة تجب فيما ذكر على روايةٍ؛ فلأنه عذر نادر فوجبت الإعادة معه كنسيان الطهارة. وأما كونها لا تجب على روايةٍ فـ «لأن النبي ﷺ لم يأمر عمرو بن العاصي بالإعادة» (٣) مع أنه عذر نادر ولو وجبت لأمره. وإلا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة.

стр. 194

قال: (ولو عدم الماء والتراب صلى على حسب حاله. وفي الإعادة روايتان). أما كون من عدم ما ذكر يصلي على حسب حاله فلقوله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (١). ولأن من عدم الماء والتراب عدم شرط الصلاة ولم يبق له بدل وذلك يوجب الصلاة على حسب الحال؛ لما روت عائشة «أنها استعارت من أسماء قلادة. فهلكت. فبعث رسول الله ﷺ رجالاً في طلبها. فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء. فصلوا. فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فنزلت آية التيمم» (٢) متفق عليه. وأما كونه يعيد في روايةٍ؛ فلأن الخلل في الصلاة إذا كان لعذر نادر لا يشق تسقط به الإعادة لأنه يمكنه تدارك الخلل مع عدم المشقة. وأما كونه لا يعيد في روايةٍ فـ «لأن النبي ﷺ لم يأمر الذين بعثهم بالإعادة» (٣). قال: (ولا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر له غبار يعلق باليد. فإن خالطه ذو غبار لا يجوز التيمم به كالجص ونحوه فهو كالماء إذا خالطته الطاهرات). أما كون التيمم لا يجوز إلا بتراب طاهر؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ [المائدة: ٦]. قال ابن عباس: «الصعيد تراب الحرث، والطيب الطاهر» (٤). ولأن النبي ﷺ قال: «وجعلت لي الأرض مسجدًا وترابها طهورًا» (٥).

стр. 195

فإن قيل: الآية والخبر يدلان على جواز التيمم بالتراب الطاهر فما وجه كونه لا يجوز بغيره؟ قيل: الآية مسوقة لبيان ما يجوز فعله عوضًا عن الماء وذلك يفيد ما ذكر. ولأن الخبر يدل على اختصاص التراب بالجواز لأنه ذكره فيما فضّله الله به على سائر الأنبياء فلو جاز بغيره أيضًا لذكره لأن فيه ازياد فضيلة. وأما كونه لا يجوز بتراب لا غبار له يعلق باليد؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ [المائدة: ٦]. وما لا غبار له يعلق باليد لا يمسح بشيء منه. وأما كونه ما خالطه ذو غبار لا يجوز التيمم به كالجص ونحوه كالماء إذا خالطته الطاهرات؛ فلأنه طهور خالطه غير طهور أشبه الماء إذا خالطه غيره من الطاهرات. فإن قيل: ما معنى قول المصنف ﵀: فهو كالماء إذا خالطته الطاهرات. قيل: معناه أن المخالط إن غلبت أجزاؤه على أجزاء التراب أو غيّرتها لم يجز التيمم به كالماء إذا خالطته الطاهرات فغلبت على أجزائه أو غيّرته لأن كل واحد من الغلبة والتغيّر يمنع من استعمال الماء وهو الأصل؛ فلأن يمنع من استعمال التراب وهو بدله بطريق الأولى.

стр. 196

فصل [فرائض التيمم] قال المصنف ﵀: (وفرائض التيمم أربعة: مسح وجهه، ويديه إلى كوعيه، والترتيب، والموالاة على إحدى الروايتين). أما كون فرائض التيمم أربعة؛ فلأنها مسح جميع وجهه، ويديه إلى كوعيه، وترتيب ذلك، والموالاة فيه. وسيأتي ذكر دليل ذلك في مواضعه. وأما كون مسح الوجه واليدين من فرائضه فلقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ [المائدة: ٦]. وأما كون المسح بجميع الوجه واليدين إلى الكوعين؛ فلأن النبي ﷺ كان يمسح جميع وجهه ويديه إذا تيمم لأن في حديث عمار «أن النبي ﷺ مسح اليمين على الشمال وظاهر كفيه ووجهه» (١). وأما كون مسح اليدين إلى الكوعين لا غير فللحديث المتقدم. ولأن المسح حكم علق على مطلق اليد فلم يدخل فيه الذراع كقطع يد السارق [ومس الفرج] (٢). وأما كون الترتيب والموالاة من فرائضه على الخلاف؛ فلأن التيمم بدل عن الوضوء فوجب أن يثبت فيه ما يثبت في الأصل بالقياس عليه. قال: (ويجب تعيين النية لما يتيمم له من حدث أو غيره. فإن نوى جميعها جاز، وإن نوى أحدها لم يجزئه عن الآخر، وإن نوى نفلاً، أو أطلق النية للصلاة لم يصل إلا نفلاً). أما كون تعيين النية لما يتيمم له من حدث أو غيره يجب؛ فلأن التيمم لا يرفع الحدث وإنما يبيح الصلاة فلم يكن بد من التعيين تقوية لضعفه.

стр. 197

فإن قيل: ما صفة التعيين؟ قيل: أن ينوي استباحة الصلاة من الجنابة والحدث إن كان جنبًا محدثًا، أو من الجنابة إن كان جنبًا، أو من الحدث إن كان محدثًا، أو ما أشبه ذلك. وأما كون من نوى الجميع يجوز له ذلك والمراد به أنه يجزئه؛ فلأن كل واحد يدخل في العموم فيكون منويًا. وأما كون من نوى أحدها مثل أن ينوي الجنابة أو الحدث الأصغر لا يجزئه عن الآخر؛ فلأن البعض غير منوي فيدخل في عموم قوله ﷺ : «لا عمل إلا بنية» (١). وأما كون من نوى نفلاً لا يصلي به إلا نفلاً؛ فلأن غير النفل غير منوي لا صريحًا ولا بطريق التضمين. وأما كون من أطلق النية للصلاة لا يصلي إلا نفلاً؛ فلأن تعيين النية شرط ولم يوجد في الفرض وإنما أبيح النفل لأنه أقل ما يحمل عليه الإطلاق. قال: (وإن نوى فرضًا فله فعله، والجمع بين الصلاتين، وقضاء الفوائت، والتنفل إلى آخر الوقت). أما كون من نوى الفرض له فعله؛ فلأنه منوي. وأما كونه له الجمع بين الصلاتين؛ فلأنهما في حكم صلاة واحدة. وأما كونه له قضاء الفوائت؛ فلأن تيممه باق إلى خروج الوقت ولم يوجد ما يبطله. وأما كونه له التنفل إلى آخر الوقت؛ فلأنه إذا جاز له قضاء الفوائت؛ فلأن يجوز له التنفل بطريق الأولى؛ لأن النفل أخف من ذلك. قال: (ويبطل التيمم بخروج الوقت، ووجود الماء، ومبطلات الوضوء). أما كون التيمم يبطل بخروج الوقت فلقول علي ﵁: «التيمم لكل صلاة» (٢).

стр. 198

و «كان ابن عمر يتيمم لكل صلاة» (١). ولأن التيمم طهارة ضرورة فتقيدت بالوقت كطهارة المستحاضة. وأما كونه يبطل بوجود الماء؛ فلأن مفهوم قوله ﷺ : «الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك» (٢) يدل على أنه ليس بوضوء عند وجود الماء. وأما كونه يبطل بمبطلات الوضوء؛ فلأنها تبطل المبدل؛ فلأن يبطل البدل بطريق الأولى. قال: (وإن تيمم وعليه ما يجوز المسح عليه ثم خلعه لم يبطل تيممه. وقال أصحابنا: يبطل). أما كون التيمم لا يبطل بخلع المتيمم ما يجوز له المسح عليه. وهو اختيار المصنف ﵀؛ فلأن التيمم طهارة لم يمسح على الملبوس فيها فلم يبطل بالخلع كالملبوس على غير طهارة. وأما كونه يبطل بذلك على قول الأصحاب؛ فلأنه من مبطلات الوضوء والمبطل للوضوء مبطل للتيمم لما تقدم. قال: (وإن وجد الماء بعد الصلاة لم تجب إعادتها، وإن وجده فيها بطلت. وعنه لا تبطل). أما كون من وجد الماء بعد الصلاة لا تجب عليه إعادة الصلاة فلما روى عطاء بن يسار قال: «خرج رجلان في سفر. فحضرت الصلاة وليس معهما ماء. فتيمما صعيدًا طيبًا. فصليا. ثم وجدا الماء في الوقت. فأعاد أحدهما الوضوء

стр. 199

والصلاة ولم يعد الآخر. ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له. فقال للذي لم يعد: أجزأتك صلاتك، وقال للذي أعاد: لك الأجر مرتين» (١) رواه أبو داود. ولأنه أدى صلاته بطهارة صحيحة أشبه ما لو أداها بالماء. وأما كون من وجد الماء تبطل صلاته في روايةٍ فلعموم قوله ﷺ : «فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك» (٢). وأما كونه لا يبطل في روايةٍ؛ فلأنه شَرَع في المقصود أشبه المكفِّر إذا قدر على الإعتاق بعد شروعه في الصيام. والأولى أصح في المذهب؛ لأنه يروى عن الإمام أحمد ﵁ أنه قال: كنت أقول يمضي. ثم تدبرت الأحاديث فإذا أكثرها أنه يخرج. وهذا يدل على رجوعه عن الرواية الثانية. قال: (ويستحب تأخير التيمم إلى آخر الوقت لمن يرجو وجود الماء. فإن تيمم وصلى في أول الوقت أجزأه). أما كون من يرجو وجود الماء يستحب له تأخير التيمم؛ فلأن الطهارة بالماء فريضة والصلاة في أول الوقت فضيلة، وانتظار الفريضة أولى. وأما كونه إذا تيمم وصلى في أول الوقت يجزئه فلما تقدم من حديث عطاء بن يسار (٣). قال: (والسنة في التيمم أن ينوي، ويسمي، ويضرب بيديه مفرجتي الأصابع على التراب ضربة واحدة. فيمسح وجهه بباطن أصابعه، وكفيه براحتيه. وقال القاضي: المسنون ضربتان يمسح بإحداهما وجهه وبالأخرى يديه إلى المرفقين. فيضع بطون أصابع اليسرى على ظهر أصابع اليمنى، ويمرها إلى

стр. 200

مرفقه. ثم يدير بطن كفه إلى بطن الذراع ويمرها عليه، ويمر إبهام اليسرى على ظهر إبهام اليمنى، ويمسح اليسرى باليمنى كذلك، ويمسح إحدى الراحتين بالأخرى، ويخلل الأصابع). أما كون السنة في التيمم أن تكون الصفة المذكورة أولاً (١) على المذهب؛ فلأن في حديث عمار «أن النبي ﷺ ضرب ضربة واحدة ثم الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه» (٢) متفق عليه. وأما كون المسنون أن تكون على الصفة الثانية على قول القاضي؛ فلأن التيمم بدل فإذا أشبه مبدله في كمال اليد كان أولى. ولأنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: «التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين» (٣). وحديث عمار محمول على المجزئ جمعًا بين الحديثين. وأما كون المتيمم يضرب بيديه مفرجتي الأصابع فليدخل الغبار فيما بينهما. وأما كونه يمسح إحدى الراحتين بالأخرى فلِيُمِرّ التراب بذلك بعد الضرب. وأما تخليل (٤) الأصابع؛ فلأنه كالتخليل في الوضوء. قال: (ومن حبس في المصر صلى بالتيمم ولا إعادة عليه). أما كون من حبس في المصر يصلي بالتيمم؛ فلأنه عاجز عن الماء أشبه المسافر. وأما كونه لا إعادة عليه؛ فلأنه أدى فريضة بالبدل فلم يكن عليه إعادة كالمسافر. قال: (ولا يجوز لواجد الماء التيمم خوفًا من فوات المكتوبة ولا الجنازة. وعنه يجوز للجنازة). أما كون واجد الماء لا يجوز له التيمم خوفًا من فوات المكتوبة؛ فلأن الله تعالى إنما أباح التيمم عند عدم الماء، وهذا واجد للماء.

стр. 201

وأما كونه لا يجوز له ذلك خوفا من فوات الجنازة على روايةٍ فلما مر قبل. وأما كونه يجوز (١) على روايةٍ؛ فلأنه لا يمكن استدراكها بخلاف غيرها. قال: (وإن اجتمع (٢) جنب وميت ومن عليها غسل حيض فبذل ما يكفي أحدهم لأَوْلاَهم به فهو للميت. وعنه أنه للحي. وأيهما يقدم؟ فيه وجهان). أما كون ما ذكره للميت على الرواية الأولى؛ فلأن غسله خاتمة طهارته وصاحباه يرجعان إلى الماء ويغتسلان. وأما كونه للحي على الرواية الأخرى؛ فلأنه متعبد بالغسل مع وجود الماء وهو واجد والميت قد سقط عنه الفرض بالموت. وأما كون الحائض تقدم على الجنب في أحد الوجهين؛ فلأن غسلها آكد وتستبيح بغسلها ما يستبيحه الجنب وزيادة جواز الوطء. وأما كون الجنب يقدم عليها في الوجه الآخر؛ فلأن غسله ثابت بتصريح القرآن بخلاف غسل الحيض.

стр. 202

باب إزالة النجاسة قال المصنف ﵀: (لا تجوز إزالتها بغير الماء. وعنه ما يدل على أنها تزال بكل مائع طاهر مزيل كالخل ونحوه) (١). أما كون إزالة النجاسة لا تجوز بغير الماء كالخل والمري والنبيذ وماء الورد والمعتصر من الشجر وما أشبه ذلك على المذهب فلقول النبي ﷺ لا سيما في دم الحيض يصيب الثوب-: «حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء» (٢) متفق عليه. أمر بالغسل بالماء، وأمره للوجوب. ولأن إزالة النجاسة طهارة شرعية فلم يجز بغير الماء كطهارة الحدث. وأما كونها تزال بكل مائع طاهر مزيل على روايةٍ؛ فلأن الغرض إزالة النجاسة فإذا زالت يجب أن تطهر. وفي تقييد ذلك بالمائع احتراز عن غير المائع فإن ذلك لا يزيل شيئًا، وبالطاهر عن النجس لأن النجس إذا ضم إلى النجس لا يفيد طهارة، وبالمزيل عما لا يزيل لأن الغرض الإزالة ولا يحصل إلا بالمزيل.

стр. 203

وقول المصنف ﵀: كالخل ونحوه تعداد لما تزال به النجاسة. والمراد بنحوه ما تقدم ذكره في المري إلى آخره. وكل شيء اجتمع فيه الصفات المذكورة تحصل [به] (١) الإزالة. قال: (ويجب غسل نجاسة الكلب والخنزير سبعًا إحداهن بالتراب. فإن جعل مكانه أشنانًا أو نحوه فعلى وجهين) (٢). أما كون غسل نجاسة الكلب يجب سبعًا إحداهن بالتراب فلما روي عن النبي ﷺ «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا» (٣). وفي لفظ لمسلم: «أولاهن بالتراب» (٤). وعن أحمد يجب غسله سبعًا وواحدة بالتراب لقول النبي ﷺ : «إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبعًا وعفروه الثامن بالتراب» (٥). والأول أصح لأن الحديث الثاني عد النبي ﷺ التراب ثامنة لكونه من غير جنس الماء. والأولى جعل التراب في الأولى ليكون الماء بعده فينظف. وأما الأشنان ونحوه كالصابون إذا جعل مكان التراب لا يقوم مقامه على وجه؛ فلأنه تطهير ورد من الشرع التراب فيه فلم يقم غيره مقامه كالتراب في التيمم. وأما كونه يقوم مقامه على وجهٍ؛ فلأن نص النبي ﷺ على التراب تنبيه على ما هو أبلغ منه في التنظيف وذلك موجود فيما ذكر.

стр. 204

وقال بعض أصحابنا: يقوم مع عدم التراب ومع إفساد التراب للمغسول لأن كل واحد منهما موضع حاجة. وأما كون غسل نجاسة الخنزير تجب سبعًا إحداهن بالتراب؛ فلأنه منصوص على حرمته في القرآن مجمع عليه وليس منتفعًا به بوجه فكان أولى بذلك من الكلب. فإن قيل: ما حكم المتولد منهما أو من أحدهما؟ قيل: حكم الكلب تغليبًا للنجاسة المغلظة واحتياطًا في إزالة النجاسات. ولا فرق بين ولوغ الكلب والخنزير والمتولد المذكور وبين رجيع ذلك ودمه وبوله وعرقه أو وضع يده أو رجله أو شيء من أجزائه لأنه إذا نص على الفم مع أنه أشرف شيء من أجزائه فغيره أولى. ولأن الولوغ يكثر ويشق غسله فإذا نص على وجوب الغسل فيه ففيما يقل يكون بطريق الأولى. قال: (وفي سائر النجاسات ثلاث روايات: إحداهن: يجب غسلها سبعًا، وهل يشترط التراب؟ على وجهين. والثانية: ثلاثًا. والثالثة: تكاثر بالماء من غير عدد كالنجاسات كلها إذا كانت على الأرض). أما كون سائر النجاسات إذا كانت على الأرض يجب غسلها سبعًا في روايةٍ؛ فلقول ابن عمر: «أُمرنا بغسل الأنجاس سبعًا». وهذا عام. والصحابي إذا قال: أُمرنا ينصرف إلى أمر الرسول ﷺ . ولأن السبع واجبة في الكلب مع الاختلاف في نجاسته فللمتفق على نجاسته أولى. ويكون نصه في الكلب تنبيهًا بالأدنى على الأعلى. فعلى هذه الرواية هل يشترط التراب؟ على وجهين: أحدهما: يشترط كالكلب. والثاني: لا يشترط قياسًا على النجاسة على الأرض.

стр. 205

و «لأن النبي ﷺ لم يأمر أسماء بالتراب لما أمرها بغسل الثوب من دم الحيض» (١). وأما كونها يجب غسلها ثلاثًا في روايةٍ؛ فلأن النبي ﷺ قال: «إذا استيقظ أحدكم من نوم الليل فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا؛ فلأنه لا يدري أين باتت يده» (٢). أمر بالثلاث وعلل بوهم النجاسة ولا يرفع وهمها إلا ما يرفع حقيقتها. وأما كونه يكاثر بالماء من غير عدد في روايةٍ فقياسًا على النجاسة على الأرض و«لأن النبي ﷺ لم يأمر أسماء بعدد» (٣). وروي أن ابن عمر قال: «كان غسل الثوب من النجاسة سبع مرات فلم يزل رسول الله ﷺ يسأل حتى جعل الغسل من البول مرة» (٤) رواه أبو داود. وأما كون النجاسات كلها إذا كانت على الأرض تكاثر بالماء من غير عدد فـ «لأن أعرابيًا بال في المسجد فأمر النبي ﷺ بذنوب من ماء فأهريق عليه» (٥) متفق عليه. ولو لم تطهر بذلك لكان تكثيرًا للنجاسة. ولأن الأرض مصاب الفضلات ومطارح الأقذار فلو اعتبر في غسلها العدد لشق ذلك على الناس وحرجوا منه. وذلك منتف شرعًا. والمراد بالمكاثرة أن يصب الماء على النجاسة حتى يذهب عينها ولونها.

стр. 206

قال: (ولا تطهر الأرض النجسة بشمس ولا بريح) (١). أما كون الأرض النجسة لا تطهر بالشمس؛ فلأن ذلك لا يثبت إلا بالشرع ولم يرد به. و«لأن النبي ﷺ أمر بغسل بول الأعرابي» (٢). ولو كانت الشمس تطهر لاكتفى بها. ولأن الأرض النجسة محل نجس فلم يطهر بالجفاف كالثوب المجفف بالشمس. وأما كونها لا تطهر بالريح فلما ذكر في الشمس. قال: (ولا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة إلا الخمرة إذا انقلبت بنفسها. فإن خللت لم تطهر. وقيل: تطهر). أما كون شيء من النجاسات غير الخمرة لا يطهر بالاستحالة نحو أن يلقى [خنزير] (٣) في ملاحة فيصير ملحًا، [أو] (٤) في نار فيصير رمادًا، وما أشبه ذلك؛ فلأن ذلك أجزاء النجاسة فكان نجسًا كالدبس النجس إذا طبخ فصار ناطفًا. ولأن نجاسة ذلك لعينه بخلاف الخمرة فإن نجاستها لمعنى يزول بالانقلاب. وأما كون الخمرة إذا انقلبت بنفسها تطهر؛ فلأن نجاستها لشدتها المسكرة وقد زالت من غير نجاسة خلفتها فوجب أن تطهر كالماء الذي ينجس بالتغيير إذا زال تغيره. وأما كونها إذا خللت لا تطهر على المذهب فلما روي: «أن أبا طلحة سأل رسول الله ﷺ عن أيتام ورثوا خمرًا. فقال: أهرقها. قال: أفلا أخللها. قال: لا» (٥) من المسند رواه الترمذي. ولو جاز التخليل لم ينهه عنه. فإن قيل: ما صفة تخليلها؟

стр. 207

قيل: أن يلقى فيها ملح أو ما أشبه ذلك. واختلف فيما إذا نقلت (١) من شمس إلى فيء وبعكس ذلك فقيل: هو تخليل. وقيل: ليس بتخليل. وأما كونها تطهر على قولٍ فلزوال علة التحريم أشبه ما إذا تخللت بنفسها. قال: (ولا تطهر الأدهان النجسة (٢). وقال أبو الخطاب: يطهر بالغسل منها ما يتأتى غسله. وإذا خفي موضع النجاسة لزمه غسل ما يتيقن به إزالتها). أما كون الأدهان النجسة التي لا يتأتى غسلها لا تطهر بالغسل؛ فلأن المطهر الغسل ولا يتأتى ذلك فيما ذكر. وأما كون [ما] (٣) يتأتى غسله كالزيت ونحوه لا يطهر بالغسل أيضًا على المذهب فـ «لأن النبي ﷺ أمر بإراقة السمن الذي وقعت فيه فأرة» (٤). ولو كان إلى تطهيره طريق لما أمر بإراقته لأنه يكون إتلافًا للمال. وأما كونه يطهر على قول أبي الخطاب؛ فلأن تطهيره ممكن أشبه الثوب. فإن قيل: ما صفة غسله. قيل: أن يترك في إناء له بِزالٌ في أسفله. ثم يصب عليه الماء. ويخاض به. ثم يفتح البِزال فينزل الماء إلى آخره. ثم يُسد. وأما كون من خفي عليه موضع النجاسة يلزمه غسل ما يتيقن به إزالة النجاسة؛ فلأن بذلك يحصل تأدية فرضه بيقين فلزمه. وكما لو نسي صلاةً من يوم لا يعلم عينها. فإن قيل: لو نظر على ثوب عليه نجاسة ماذا يلزمه. قيل: غسل ما يقع نظره عليه وهو لا بسه دون ما خلفه. وكذا لو رأى النجاسة في أحد كميه بعينه لزمه غسله دون سائر الثوب.

стр. 208

قال: (ويجزئ في بول الغلام الذي لم يأكل الطعام: النضحُ). أما كون بول الغلام المذكور يجزئ فيه النضح؛ لما روت أم قيس بنت محصن الأسدية قالت: «دخلت بابن لي على رسول الله ﷺ لم يأكل الطعام. فبال على ثوبه. فدعى بماء فرشه عليه» (١) متفق عليه. وفي لفظ: «فأجلسه على حجره. فبال على ثوبه. فدعى بماء فنضحه ولم يغسله» (٢). وعن عائشة ﵂ قالت: «أتي رسول الله ﷺ بصبي. فبال على ثوبه. فدعى بماء فأتبعه بوله ولم يغسله» (٣) متفق عليه (٤). وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بول الغلام ينضح عليه، وبول الجارية يغسل» (٥) رواه أحمد. والمراد بقول المصنف ﵀: لم يأكل الطعام عدم أكله له بشهوة لا عدم أكله بالكلية؛ لأن الصبي أول ما يولد يحنك بتمر أو نحوه. «وقد فعل ذلك النبي ﷺ بالحسين ﵁» (٦).

стр. 209

والمراد بالنضح: رش الماء على موضع البول حتى يغمره. ولا يشترط فيه عصر ولا قرص ولا عدد ولا أن يجري الماء عن موضع النجاسة. وتقييد المصنف ﵀ البول بكونه بول غلام لم يأكل الطعام مشعر بأمرين: أحدهما: أن بول الغلام الذي أكل يُغسل. وهو صحيح صرح به في غير مقنعه. وذكره غيره من الأصحاب. ووجهه أن مقتضى الدليل غسل كل نجاسة. تُرك في بول الغلام الذي لم يأكل الطعام للحديث. فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل. ولأنه إذا أكل لشهوة وصار ذلك غذاء له استحال استحالة شديدة. بخلاف أكله قبل ذلك. وثانيهما: أن بول الجارية يغسل. وهو صحيح لقول النبي ﷺ : «بول الغلام ينضح، وبول الجارية يغسل» (١) رواه الإمام أحمد ﵁. وروي «أن الحسين بال على إزار النبي ﷺ . فقالت أم الفضل بنت الحارث: أعطني إزارك لأغسله. فقال: إنما يغسل بول الجارية، ويصب على بول الغلام» (٢) رواه أحمد. وذكر بعض أصحابنا بينهما فرقًا. قال: بول الجارية لا يعسر التحرز منه ولا يتعدى مكانه. بخلاف الصبي فإنه لا يزال مُحْبَنْطِيًا (٣) ويخرج بوله بقوة فيصيب من بَعُد عنه وذلك يكثر ويصعب التحرز منه. فلو كُلّف الشخص غسله لشق ولذلك أن الغلام إذا بلغ حدًا يشتهي به الطعام قعد على مقعدته وجب غسل بوله لأنه حينئذ يمكن التحرز منه. قال: (وإذا تنجس أسفل الخف أو الحذاء وجب غسله. وعنه يجزئ دلكه بالأرض. وعنه يغسل من البول والغائط ويدلك من غيرهما). أما كون أسفل الخف أو الحذاء يجب غسله إذا تنجس على روايةٍ؛ فلأنه محلٌّ تنجس فوجب غسله. قياسًا على سائر المحالّ إذا تنجست.

стр. 210

وأما كونه يجزئ دلكه بالأرض على روايةٍ فلقوله ﷺ : «إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه فطهورهما التراب» (١) رواه أبو داود. وأما كونه يُغسل من البول والغائط ويدلك من غيرهما على روايةٍ: أما غسله من البول والغائط؛ فلأنهما أغلظ وأفحش من غيرهما. وأما دلكه من غيرهما؛ فلأن ذلك يشق غسله في كل وقت، وليست في الغلظ والفحش كذلك فعفي عنه دفعًا للمشقة السالمة عن معارضة المبالغة في الفحش والغلظ. فإن قيل: ما حكم ذلك بعد الدلك في الطهارة أو العفو عنه مع نجاسته؟ قيل: حكم أثر الاستجمار. قال: (ولا يعفى عن يسير شيء من النجاسات إلا الدم وما تولد منه من القيح والصديد وأثر الاستنجاء. وعنه في المذي والقيء وريق البغل والحمار وسباع البهائم والطير وعرقها وبول الخفاش والنبيذ والمني: أنه كالدم. وعنه في المذي: أنه يجزئ فيه النضح). أما كون شيء من النجاسات غير المستثنى لا يعفى عن يسيره على المذهب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وثيابك فطهر? والرجز فاهجر﴾ [المدثر: ٤ - ٥]. وروي عن النبي ﷺ «أنه مر بقبرين. فقال: إنهما ليعذبان. وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان لا يستبرأ من البول» (٢) وفي لفظ: «لا يستنزه» (٣).

стр. 211

وإذا كان كذلك في البول ففي غيره بطريق الأولى لأنه لا يشق التحرز منه بخلاف البول. وأما كون الدم يعفى عن يسيره فلما روت عائشة قالت: «كان يكون لإحدانا الدرع: فيه تحيض وفيه تصيبها الجنابة. ثم ترى فيه قطرة من دم فَتَقْصَعُهُ بريقها» (١). وفي لفظ: «بلته بريقها ثم قَصعَتْهُ بظفرها» (٢). والريق لا يُطَهِّر. وهو إخبار عن دوام الفعل. ومثل هذا لا يخفى عن النبي ﷺ . ولا يكون ذلك إلا عن أمره. و«لأن ابن عمر ﵁ كان يسجد فيخرج يديه فيضعهما على الأرض وهما يقطران دمًا من شقاق يديه». و«عصر بُثْرة فخرج منها شيء من دم فمسحه بيديه ولم يغسله (٣») (٤). ولأنه يشق التحرز منه فعفي عنه كأثر الاستجمار. واليسير والكثير هنا كهما في نقض الوضوء وقد مر. وأما كون ما تولد من الدم ومن القيح والصديد يعفى عن يسيره؛ فلأنهما متولدان من الدم. والعفو عنهما أولى لاختلاف العلماء في نجاستهما. والدم المتولد منه المعفو عنه هو ما كان من حيوان طاهر. أما دم الحيوان النجس كالكلب والخنزير وشبههما والمتولد من ذلك الدم فلا يعفى عن شيء منه لأنه (٥) اكتسب حكم التغليظ لملاقاته لحم الحيوان النجس.

стр. 212

وأما كون أثر الاستنجاء والمراد به الاستجمار يعفى عنه؛ فلأن النبي ﷺ قال في الأحجار: «أنها تجزئ» (١). ولو كان الباقي في المحل غير معفو عنه لما كانت مجزئة. وأما كون المذي يعفى عن يسيره في روايةٍ؛ فلأنه يخرج من الشاب كثيرًا فيشق التحرز منه. وأما كون القيء يعفى عن يسيره في روايةٍ؛ فلأنه خارج من غير السبيل أشبه الدم. وأما كون ريق البغل والحمار يعفى عن يسيره في روايةٍ فـ «لأن النبي ﷺ ركب البغل والحمار» (٢). والظاهر أنه لا يسلم من ريقهما. ولأن ذلك يشق التحرز منه. وأما كون ريق سباع البهائم والطير وعرقها يعفى عن يسيره في روايةٍ فللاختلاف في نجاسته. واعلم أن سباع البهائم عام يدخل فيه الكلب والخنزير والمتولد منهما. وليس ذلك مرادًا من العموم؛ لأن ريق ذلك وعرقه اكتسب حكم التغليظ من الكلب والخنزير والمتولد منهما. وأما كون بول الخفاش يعفى عن يسيره في روايةٍ؛ فلأنه لو لم يعف عنه لما أمكن الصلاة في بعض المساجد. وأما كون النبيذ يعفى عن يسيره في روايةٍ؛ فلأنه اختلف في نجاسته. وأما كون المني يعفى عن يسيره إذا قيل بنجاسته في روايةٍ؛ فلأنه مختلف في نجاسته. وإذا قيل بطهارته فلا فرق بين القليل والكثير. قال: (ولا ينجس الآدمي بالموت ولا ما لا نفس له سائلة كالذباب وغيره). أما كون الآدمي لا ينجس بالموت فلقوله ﷺ : «المؤمن لا ينجس» (٣).

стр. 213

وقال ﵇: «لا تنجسوا موتاكم إن المسلم ليس بنجس حيًا ولا ميتًا» (١) رواه الدارقطني. ولأنه آدمي فلم ينجس بالموت كالشهيد. وفارق بقية الحيوانات لحرمته. ولا فرق بين المسلم والكافر فيما ذكر؛ لاستوائهما في الآدمية. ولأنهما استويا حالة الحياة فكذلك بعد الممات. وعن الإمام أحمد: أنه ينجس قياسًا على سائر ما ينجس بالموت. وأما كون ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت فلقوله ﷺ : «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه. فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء» (٢) رواه البخاري. أمر بمقله فلو تنجس بالموت لما أمر به لأن الظاهر موته بمقله لا سيما إذا كان الطعام حارًا فلو تنجس بالموت لكان ذلك تنجيسًا للطعام والنبي ﷺ لا يأمر بذلك. فإذا لم يَنجس الذباب بالموت لم ينجس سائر ما لا نفس له سائلة؛ لأن الكل مشترك معنى فوجب أن يشترك حكمًا. وأما قول المصنف ﵀: كالذباب فتمثيل لما لا نفس له سائلة. قال: (وبول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه طاهر. وعنه أنه نجس). أما كون بول ما يؤكل لحمه طاهرًا على المذهب فـ «لأن النبي ﷺ أمر العُرَنِيّين بشرب أبوال الإبل» (٣). ولو كانت نجسة لما أمر بشربها.

стр. 214

فإن قيل: أمر به؛ لأن التداوي بالنجس يجوز. قيل: لا يجوز ذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها» (١). وعلى تقدير التسليم لا ينبغي حمل الحديث عليه لأنه لو كان للتداوي لا للطهارة لأمرهم بغسل أفواههم وأيديهم لأجل الصلاة وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة. فلما لم يأمرهم بالغسل علم أن الأمر بالشرب للطهارة. وروى البراء بن عازب عن النبي ﷺ أنه قال: «لا بأس ببول ما أُكل لحمه» (٢). وروى جابر ﵇ أنه قال: «ما أُكل لحمه فلا بأس ببوله» (٣) رواهما الدارقطني. ولأنه متحلل معتاد من حيوان يؤكل لحمه أشبه اللبن. وأما كون روثه طاهرًا على المذهب فـ «لأنه ﷺ كان يصلي في مرابض الغنم» (٤) قبل المسجد. وهي لا تخلو من أبعارها. ولم يكن النبي ﷺ ولا أصحابه يصلون على الأوطية ولم ينقل عنهم تنظيفها. ولأنه متحلل معتاد من حيوان يؤكل لحمه أشبه البول واللبن.

стр. 215

وأما كون منيه طاهرًا على المذهب؛ فلأنه إذا حكم بطهارة بوله وروثه؛ فلأن يحكم بطهارة منيّه بطريق الأولى. وأما كون بوله وروثه نجسًا على روايةٍ؛ فلأنه رجيع أشبه رجيع غير مأكول اللحم. وأما كون منيه نجسًا على روايةٍ؛ فلأن طهارته بالقياس على طهارة البول والروث فإذا حكم بنجاستهما وجب الحكم بنجاسته لانتفاء الحكم في المقيس عليه، ولثبوت التنجيس فيه. قال: (ومني الآدمي طاهر. وعنه أنه نجس، ويجزئ فرك يابسه. وفي رطوبة فرج المرأة روايتان). أما كون مني الآدمي طاهرًا على المذهب فلقوله تعالى: ﴿وهو الذي خلق من الماء بشرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]. أطلق عليه اسم الماء فوجب أن يطلق عليه حكمه في الطهارة. ولما روت عائشة ﵂ قالت: «كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ . ثم يذهب. فيصلي فيه» (١) رواه مسلم. ولو كان نجسًا لم يَطهر بالفرك كالعَذِرَة. وقال ابن عباس: «امسحه عنك بإذخرة أو خرقة. ولا تغسله إنما هو كالبصاق والمخاط» (٢). ورواه الدارقطني مرفوعًا. ولأنه بدء خلق آدمي فكان طاهرًا كالطين. وأما كونه نجسًا على روايةٍ؛ فلأنه مستحيل من الدم أشبه القيح والصديد. ولأنه خارج لشهوة أشبه المذي. وأما كونه يجزئ فرك يابسه على هذه الرواية فلقول عائشة ﵂: «كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ إذا كان يابسًا وأغسله إذا كان رطبًا» (٣) رواه الدارقطني.
следующие страницы →