← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ولأنها عبادة شرع لها تحلّلان فكانا واجبين كالحج. ولأنها إحدى التسليمتين فكانت واجبة كالأخرى. وأما كون ما ذكر من التكبير إلى التسليمة الثانية سنناً على روايةٍ؛ فلأن النبي ﷺ لم يُعلم شيئاً من ذلك للمسيء في صلاته. ولأنه لو كان واجباً لما سقط بالسهو كالركن. وأما كون من ترك شيئاً مما تقدم ذكره عمداً بطلت صلاته على الأول؛ فلأن الواجب متوسط بين الركن والسنة فيجب أن يعطى كل واحد منهما شبهاً. وقد أعطي من السنة شبهاً في أن الصلاة لا تبطل بتركه سهواً فوجب أن يعطى من الركن شبهاً في أن الصلاة تبطل بتركه عمداً. وأما كون من تركه سهواً يسجد لسهوه؛ فلأن النبي ﷺ سجد للسهو لما ترك التشهد الأول (١). وقد تقدم ما يدل على وجوبه وسائر الواجبات في معناه. ولأنه لا يمتنع أن تكون للعبادة واجباتٌ تنجبر إذا تركها وأركانٌ لا تصح العبادة بدونها كالحج في واجباته وأركانه. وكلام المصنف ﵀ مشعر بعدم بطلان الصلاة بترك الواجب سهواً. وهو صحيح؛ لأن النبي ﷺ لما ترك الجلوس للتشهد الأول سهواً بنى على صلاته. ولأن السجود وقع جبراناً لما وقع من الخلل فوجب أن تصير الصلاة كما لو لم يترك فيها واجباً (٢). وأما كون من ترك شيئاً من ذلك عمداً لم تبطل صلاته على الرواية الثانية؛ فلأن ترك السنة لا تبطل عبادة من حج عنده (٣) فكذا الصلاة. والصحيح في المذهب أن جميع ما تقدم غير التسليمة الثانية واجب؛ لأن النبي ﷺ أمر به. وأمره للوجوب. وفَعَلَه. وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٤).

стр. 387

وقد روي عن النبي ﷺ : «لا تتم صلاةٌ لأحد من الناس حتى يتوضأ -وذكر الحديث إلى قوله-: ثم يكبر ثم يركع حتى تطمئن مفاصله. ثم يقول: الله أكبر ويرفع رأسه حتى يستوي قاعداً. ثم يقول: الله أكبر. ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله. ثم يرفع رأسه فيكبر. فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته» (١) رواه أبو داود. وأما حديث المسيء فإن النبي ﷺ لم يعلمه كل الواجبات بدليل أنه لم يعلمه التشهد ولا السلام فيحتمل أنه اقتصر في تعليمه على ما رآه أساء فيه. وأما التسليمة الثانية فقال القاضي: هي أصح. أي الرواية بوجوبها لحديث جابر بن سمرة، ولفعل النبي ﷺ ومداومته عليها. وقال المصنف ﵀ في المغني: الصحيح أنها سنة؛ «لأن النبي ﷺ روي عنه أنه كان يسلم تسليمة واحدة» (٢) وكذلك المهاجرون. وذلك دليل عدم الوجوب. وما روي أنه كان يسلم تسليمتين يحمل على المسنون ليحصل الجمع بين فعليه. قال: (وسنن الأقوال اثنا عشر: الاستفتاح، والتعوذ، وقراءة بسم الله الرحمن الرحيم، وقول آمين، وقراءة السورة، والجهر، والإخفات، وقول ملء السماء بعد التحميد، وما زاد على التسبيحة الواحدة في الركوع والسجود، وعلى المرة في سؤال المغفرة، والتعوذ في التشهد الأخير، والقنوت في الوتر. فهذه لا تبطل الصلاة بتركها ولا يجب السجود لها. وهل يشرع؟ على روايتين. وما سوى هذا من سنن الأفعال لا تبطل الصلاة بتركه، ولا يشرع السجود له). أما كون سنن الأفعال الأشياء المذكورة؛ فلما تقدم في مواضعها.

стр. 388

وأما كون الصلاة لا تبطل بتركها؛ فلأنها غير واجبة فلا تبطل الصلاة بتركها كمسنونات الإحرام والصيام. وأما كون السجود لها لا يجب؛ فلأن ذلك غير واجب فجبره أولى أن لا يكون واجباً. وأما كونه يشرع على روايةٍ؛ فلأن السجود جبران فيشرع ليجبر ما فات. وأما كونه لا يشرع على روايةٍ؛ فلأن المتروك غير واجب فلم يشرع له سجود كسنن الأفعال. وأما كون الصلاة لا تبطل بترك ما سوى هذا من سوى هذا من سنن الأفعال فلما ذكر في سنن الأقوال. وأما كونه لا يشرع السجود له فلكونه غير واجب مع كثرته. فإن قيل: لِمَ لمْ يجر الخلاف هنا في المشروعية كما تقدم في سنن الأقوال؟ قيل: لأن سنن الأفعال كثيرة فلو شرع السجود لها لما خلت صلاة من سجود سهو. وقيل: الخلاف جار في سن الأفعال كالأقوال. فعلى هذا لا فرق. فإن قيل: ما سنن الأفعال؟ قيل: رفع اليدين عند الإحرام، والركوع، والرفع منه، ووضع اليمنى على اليسرى، وجعلها تحت السرة أو الصدر، والنظر إلى موضع سجوده، ووضع اليدين على الركبتين في الركوع، ومد الظهر، والتسوية بين رأسه وظهره، والتجافي فيه، والبداءة بوضع اليدين قبل الركبتين في النهوض، والتجافي فيه، وفتح أصابع رجليه في السجود وفي الجلوس، ووضع يديه حذو منكبيه مضمومة مستقبلاً بها القبلة، والتورك في التشهد الأخير، والافتراش في الأول وفي سائر الجلوس، ووضع اليد اليمنى على الفخذ اليمنى مقبوضة بحلقة، والإشارة بالسبابة، ووضع اليسرى على الفخذ اليسرى مبسوطة، والالتفات عن يمينه وشماله في التسليم، والسجود على أنفه، وجلسة الاستراحة في روايةٍ.

стр. 389

باب سجود السهو قال المصنف ﵀: (ولا يشرع في العمد. ويشرع للسهو في زيادة ونقص وشك. للنافلة والفرض). أما كون السجود لا يشرع في العمد؛ فلأن النبي ﷺ علق السجود على السهو حيث قال: «إذا سها أحدكم فليسجد» (١). وقول الراوي: «سها رسول الله ﷺ فسجد» (٢). [وأما مواضع مشروعية ذلك ففي الزيادة، والنقص، والشك لما يأتي ذكره بعد في مواضعه إن شاء الله تعالى] (٣). وأما كون ذلك للنافلة والفرض فلعموم الأخبار الواردة في سجود السهو. ولأنهما في معنى واحد في الاحتياج إلى سد الخلل الحاصل بالسهو. قال: (فأما الزيادة فمتى زاد فعلاً من جنس الصلاة قياماً أو قعوداً أو ركوعاً أو سجوداً عمداً بطلت الصلاة. وإن كان سهواً سجد له). أما كون من زاد فعلاً من جنس الصلاة كما مثّل المصنف ﵀ عمداً تبطل صلاته؛ فلأن الزيادة على المنصوص كالنقص. ولو تعمد النقص بطلت صلاته فكذلك إذا تعمد الزيادة. ولأن زيادة ركن يخل بنظم الصلاة ويغير هيئتها فلم تكن صلاة ولا فاعلها مصلياً. ولأنه متى فعل ذلك أخر السلام عن موضعه فيكون قد ترك الواجب عمداً وذلك مبطل لما تقدم. وأما كون من زاد ذلك سهواً يسجد لسهوه؛ فلأن في حديث ابن مسعود: «فإذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين» (٤) رواه مسلم.

стр. 390

ولأن الزيادة سهو فيدخل في قوله ﵇: «إذا سها أحدكم فليسجد» (١). وقول الصحابي: «سها رسول الله ﷺ فسجد» (٢). ولأن الزيادة نقص في المعنى فشرع السجود له لينجبر النقص. قال: (وإن زاد ركعة فلم يعلم حتى فرغ منها سجد لها. وإن علم فيها جلس في الحال فتشهد إن لم يكن تشهد وسجد وسلم). أما كون من أدرك ركعة فلم يعلم حتى فرغ منها يسجد لها؛ فلما روى ابن مسعود قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ خمساً. فلما انفتل من الصلاة توشْوش القوم بينهم. فقال: ما شأنكم؟ فقالوا: يا رسول الله! زيد في الصلاة شيء؟ فقال: لا. قالوا: إنك صليت خمساً. فانفتل فسجد سجدتين ثم سلم. [ثم] (٣) قال: إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون. فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين» (٤) رواه مسلم. وأما كون من علم بالزيادة في الركعة يجلس في حال علمه؛ فلأنه لو لم يجلس لزاد في الصلاة عمداً وذلك مبطل لما تقدم. وأما كونه يتشهد إن لم يكن (٥) تشهد؛ فلأنه ركن لم يأت به. وأما كونه يسجد؛ فلأن في بعض ألفاظ حديث ابن مسعود: «فإذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين» (٦) رواه مسلم. وأما كونه يسلم فلتكمل صلاته.

стр. 391

قال: (وإن سبح به اثنان لزمه الرجوع. فإن لم يرجع بطلت صلاته وصلاة من اتبعه عالماً. وإن فارقه أو كان جاهلاً لم تبطل). أما كون من سبح به اثنان وهو قد سها يلزمه الرجوع؛ فلأن النبي ﷺ رجع إلى خبر أبي بكر وعمر في خبر ذي اليدين (١). ولأنه ﵇ قال: «إذا نسيت فذكروني» (٢) يعني بالتسبيح. ولولا أن الإمام يتبع المأموم لما أمر النبي ﷺ المأموم بالتسبيح. وأما كونه تبطل صلاته إذا لم يرجع؛ فلأنه زاد في الصلاة عمداً. ولأنه ترك الواجب عمداً. وأما كون من اتبعه عالماً بتحريم متابعته تبطل صلاته؛ فلأنه اقتدى بمن يعلم بطلان صلاته. أشبه ما لو اقتدى بمن يعلم حدثه. وأما كون من فارقه لا تبطل صلاته؛ فلأن المأموم يجوز له مفارقة إمامه مع العذر. وهو معذور هنا. وأما كون من اتبعه جاهلاً بتحريم المتابعة لا تبطل صلاته؛ فلأن أصحاب النبي ﷺ تابعوه في الخامسة جاهلين ذلك. ولم يأمرهم النبي ﷺ بالإعادة (٣). قال: (والعمل المستكثر في العادة من غير جنس الصلاة يُبطلها عمده وسهوه. ولا تبطل باليسير. ولا يشرع له سجود). أما كون العمل المستكثر الموصوف بما ذُكر عمداً كان أو سهواً يُبطل الصلاة؛ فلما تقدم من أن الفاعل لذلك عمداً أو سهواً لا يعد في نظر الناظر إليه أنه مصل (٤).

стр. 392

ولما فيه من قطع الموالاة وذهاب الخشوع. وأما كونها لا تبطل باليسير؛ فـ «لأن النبي ﷺ صلى (١) وهو حامل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع. إذا قام حملها، وإذا سجد وضعها» (٢) متفق عليه. وروي «أنه فتح الباب لعائشة وهو في الصلاة» (٣). فإن قيل: ما اليسير؟ قيل: ما شابَهَ فعل النبي ﷺ مما روي، والكثير ما زاد على ذلك وعُدَّ كثيراً في العرف. وأما كونه لا يشرع له سجود؛ فلأن النبي ﷺ لم يسجد لحمل أمامة ولا لفتح الباب لعائشة. قال: (وإن أكل أو شرب عمداً بطلت صلاته. قَلّ أو كثر. وإن كان سهواً لم تبطل إذا كان يسيراً). أما كون من أكل أو شرب عمداً تبطل صلاته؛ فلأن ذلك ينافي الصلاة. ولأن ذلك يبطل الصوم الذي لا يبطل بالأفعال؛ فلأن تبطل الصلاة التي تبطل بالأفعال بطريق الأولى. وظاهر كلام المصنف ﵀ أنه لا فرق بين الفريضة والنافلة لأنه لم يقيد بطلان الصلاة بأحدهما. وفي ذلك روايتان: أحدهما: أنه لا فرق بينهما في ذلك؛ لأن صوم النافلة يبطل بذلك كالفريضة. والثانية: أن النافلة لا تبطل بذلك «لأنه روي عن ابن الزبير وسعيد بن جبير أنهما شربا في صلاة التطوع». ولأنه عمل يسير والنافلة مما سومح بها. أشبه الخطوة والخطوتين.

стр. 393

وأما كون من أكل أو شرب سهواً لا تبطل صلاته إذا كان ذلك يسيراً؛ فلقوله ﷺ : «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان» (١). ولأنه معفو عنه في الصوم فيعفى عنه في الصلاة بالقياس عليه. قال: (وإن أتى بقول مشروع في غير موضعه كالقراءة في السجود، والقعود والتشهد في القيام، وقراءة السورة في الأخريين لم تبطل الصلاة به (٢). ولا يجب السجود لسهوه. وهل يشرع؟ على روايتين). أما كون من أتى بقول مشروع في غير موضعه كما مثّل المصنف ﵀ لا تبطل صلاته؛ فلأنه ذكر مشروع في الصلاة في الجملة وإذا كان ذلك كذلك لم يكن ذلك منافياً لها فلم تبطل به لانتفاء المقتضي له. وأما كونه لا يجب السجود لسهوه؛ فلأنه جبر لما ليس بواجب فأولى أن لا يكون واجباً. وأما كونه لا يشرع السجود له على روايةٍ؛ فلأن الصلاة لا تبطل بعمده أشبه الخطوة والخطوتين. وأما كونه يشرع على روايةٍ؛ فلقوله ﵇: «إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس» (٣) رواه مسلم. قال: (فإن سلم قبل إتمام صلاته عمداً أبطلها. وإن كان سهواً ثم ذكر قريباً أتمها وسجد. فإن طال الفصل أو تكلم لغير مصلحة الصلاة بطلت. وإن تكلم لمصلحتها ففيها ثلاث روايات؛ إحداهن: لا تبطل. والثانية: تبطل. والثالثة: تبطل صلاة المأموم دون الإمام. اختارها الخرقي). أما كون من سلم قبل إتمام صلاته عمداً يُبطلها؛ فلأن الباقي من صلاته إما ركن وإما واجب وكلاهما يبطل الصلاة تركه عمداً. وأما كونه يتمها إذا كان ذلك سهواً ثم ذكر قريباً ويسجد لذلك؛ فـ «لأن النبي ﷺ في حديث ذي اليدين سلم قبل إتمام صلاته. ثم أتمها وسجد» (٤).

стр. 394

وأما كونه تبطل صلاته إذا طال الفصل؛ فلتعذر بناء الباقي عليها. وأما كون من تكلم في ذلك لغير مصلحة الصلاة نحو قوله: اسقني ماء تبطل صلاته؛ فلأنه في حكم الصلاة بدليل أن له البناء على ذلك لو لم يتكلم. والكلام في الصلاة يبطلها لقوله ﵇: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس. إنما هي التسبيح والقراءة والتكبير» (١) رواه مسلم. فكذا فيما هو حكمها. وأما كون من تكلم في ذلك لمصلحة الصلاة لا تبطل صلاته إماماً كان أو مأموماً في رواية؛ فـ «لأن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وذا اليدين تكلموا مع التعمد» (٢). وأما كونها تبطل في روايةٍ؛ فلشمول ما تقدم من الأدلة المقتضية للبطلان لهما. قال الإمام أحمد ﵀: لو أن لنا إماماً اليوم تكلم وأجاب المأموم أعاد الصلاة. هذا كان للنبي ﷺ خاصة. واختار هذه الرواية الخلال وقال: عليه استقر المذهب. وأجاب أحمد عن قصة ذي اليدين بأن أبا بكر وعمر تكلما مجيبين للنبي ﷺ . وكان يلزمهما أن يجيباه. وذو اليدين تكلم في زمن يمكن أن تكون الصلاة فيه قد قصرت وتغيرت. وأما كون صلاة المأموم تبطل دون الإمام في روايةٍ؛ فلأن الإمام قد تعتريه حال يحتاج فيها إلى الكلام. مثل أن ينسى القراءة في ركعة فيذكرها في الثانية. فقد فسدت عليه ركعة. فيحتاج إلى بدلها. وهي في ظن المأمومين خامسة. وليس لهم موافقته. ولا سبيل إلى إعلامهم بغير الكلام. بخلاف المأموم. قال: (وإن تكلم في صلب الصلاة بطلت. وعنه: لا تبطل إذا كان ساهياً أو جاهلاً. ويسجد له). أما كون من تكلم في صلب الصلاة عمداً عالماً بكون الكلام مبطلاً تبطل صلاته؛ فلأن الكلام في الصلاة منهي عنه لما تقدم. ولقول زيد بن أرقم: «كنا نتكلم في الصلاة. يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه حتى نزلت: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأمرنا بالسكوت» (٣) متفق عليه.

стр. 395

ولمسلم: «ونهينا عن الكلام» (١). وعن النبي ﷺ : «إن الله يحدث من أمره ما شاء. وأنه قد أحدث من أمره أن لا تكلموا في الصلاة» (٢) رواه أبو داود. وإذا كان الكلام منهياً عنه في الصلاة وجب أن يبطل كالصلاة في مكان نُهي عن الصلاة فيه من مقبرة ونحوها. وأما كون من تكلم في ذلك ساهياً أو جاهلاً بكون الكلام مبطلاً تبطل صلاته على روايةٍ فلعموم ما تقدم. وأما كونها لا تبطل على روايةٍ؛ فلما روى معاوية بن الحكم قال: «صليت مع النبي ﷺ فعطس رجل من القوم. فقلت: يرحمك الله. فرماني القوم بأبصارهم ... الحديث» (٣). ولم يأمره النبي ﷺ بإعادةٍ لجهله بكون الكلام مبطلاً. والناسي في معناه. وأما كونه يسجد له فليجبر الخلل الذي حصل في صلاته بالكلام. فإن قيل: لم يأمر النبي ﷺ معاوية بالسجود؟ قيل: إنما لم يأمره بذلك لأنه كان مأموماً والإمام يتحمل عن المأموم سهوه لما يأتي إن شاء الله تعالى (٤). فإن قيل: الكلام المعفو عنه بالنسيان والجهل ما هو؟ قيل: اليسير؛ لأن الكثير يُخرج الصلاة عن هيئتها.

стр. 396

وقيل: الكثير كاليسير لأن ما عفي عن (١) يسيره لنسيان أو جهل عفي عن كثيره. دليله: الأكل في الصوم. قال: (وإن قهقه أو نفخ أو انتحب فبان حرفان فهو كالكلام إلا ما كان من (٢) خشية الله تعالى. وقال أصحابنا في النحنحة مثل ذلك. وقد روي عن أبي عبدالله ﵀: أنه كان يتنحنح في صلاته ولا يراها مبطلة للصلاة). أما كون القهقهة التي يأت منها حرفان كالكلام في بطلان الصلاة؛ فلقوله ﵇: «القهقهة تنقض الصلاة ولا تنقض الوضوء» (٣) رواه الدارقطني. ولأنه تعمد في الصلاة ما ينافيها أشبه خطاب الآدمي. وأما كون النفخ كالكلام فيما ذكر؛ فلأن ابن عباس قال: «من نفخ في الصلاة فقد تكلم» (٤). وروي ذلك أيضاً عن سعيد بن جبير (٥). وروي أيضاً عن أبي هريرة. إلا أن ابن المنذر قال: لا يثبت عنه. وعن الإمام أحمد ﵁ أنه قال في موضع آخر (٦): أكره ولا أقول تقطع الصلاة. ليس هو كلاماً؛ لما روى عبدالله بن عمر قال: «انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فقام رسول الله ﷺ يصلي فلم (٧) يكد يركع ثم ركع (٨) فلم يكد

стр. 397

يرفع -وذكر الحديث إلى أن قال-: ثم نفخ في آخر سجوده فقال: أف أف» (١). ولأن ما لا يبطل (٢) الصلاة إسراره فلم يبطلها إظهاره كالحرف الواحد. [وأما كون] (٣) النحيب الذي من غير خشية الله كالكلام؛ فلأنه من جنس كلام الآدميين. ولم يفرق المصنف ﵀ هنا بين ما غلب صاحبه وما لم يغلبه. وقال في المغني وصاحب النهاية فيها: أن النحيب إن غلب صاحبه لم يضره لكونه غير داخل في وسعه. ولم يحكيا فيه خلافاً. وأما كون الذي من خشية الله تعالى ليس كالكلام؛ فلما روى عبدالله بن شداد قال: «سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف» (٤). وعن مطرف بن عبدالله بن الشخير عن أبيه قال: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء» (٥). وقد مدح الله تعالى بذلك فقال: ﴿إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً﴾ [مريم: ٥٨]. قال المصنف ﵀ في المغني: ويحتمل [أن ذلك -يعني البكاء لخوف الله تعالى- متى كان عن غير غلبة فسدت -يعني صلاته- ويحملُ] (٦) ما ذُكر من النصوص وما نُقل عن الإمام على ما إذا غلبه أو إذا لم ينتظم منه حرفان بدليل تقييد الإمام أحمد في روايةِ مهنا البكاء

стр. 398

الذي لا يُفسد بكونه عن غلبة. ولا يلزم من كون البكاء ممدوحاً عليه أن لا يكون مفسداً بدليل أنا أُمرنا بتشميت العاطس ورد السلام وذلك مفسد للصلاة. وأما كون النحنحة على قول أصحابنا مثل القهقهة. أي إن بان منها حرفان فسدت الصلاة؛ فلأن ذلك إذا بان منه حرفان كان كلاماً ويدخل في عموم ما تقدم. وأما قول المصنف ﵀: روي عن أبي عبدالله أنه كان يتنحنح في صلاته ولا يراها مبطلة للصلاة، قال المروزي: أتيت أبا عبدالله فتنحنح يعلمني أنه في الصلاة. ويعضده ما روى علي ﵇ قال: «كانت لي ساعة أدخل فيها على رسول الله ﷺ في السحر. فإن كان في الصلاة تنحنح فكان ذلك إذني. وإن لم يكن في صلاة أذن لي» (١). قال القاضي: هذا محمول على أنه حرف واحد. وهذا الذي ذكره القاضي مع فتح الفم بعيد فأما مع طبق الفم فصحيح. ويمكن أن يقال المأتي به من الحروف في النحنحة حروف غير محققة فهي كصوت عُقْلٍ. والأصواتُ العُقْل لا تختلف في السمع.

стр. 399

فصل [النقص في الصلاة] قال المصنف رحمه الله تعالى: (وأما النقص. فمتى ترك ركناً فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى بطلت التي تركه منها. وإن ذكره قبل ذلك عاد فأتى به وبما بعده. فإن لم (١) يعد بطلت صلاته. وإن علم بعد السلام فهو كترك ركعة كاملة). وأما كون النقص سهواً يسجد له؛ فلأن في حديث ابن مسعود: «فإذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين» (٢) رواه مسلم. ولأن النقص سهو فيدخل في قوله ﵇: «إذا سها أحدكم فليسجد» (٣). وقول الصحابي: «سها رسول الله ﷺ فسجد» (٤). ولأنه إذا سجد للزيادة لأنها نقص في المعنى؛ فلأن يسجد في النقص صورة ومعنى بطريق الأولى. وأما كون من ترك ركناً فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى تبطل الركعة التي تركه منها؛ فلأنه لم يمكنه أن يأتي بالركن إلى وقت تلبسه (٥) بالثانية لنسيانه أشبه المزحوم إذا لم يزل الزحام حتى ركع الإمام في الثانية وذلك مبطل للركعة التي قبلها فكذلك هاهنا. فعلى هذا إن كان الترك من الأولى صارت الثانية أولته والثالثة ثانيته والرابعة ثالثته ويأتي برابعة. وإن كان من الثانية أو الثالثة أو الرابعة فعلى نحو ما تقدم.

стр. 400

وأما كونه يعود إلى ما ذكره فيأتي به إذا ذكره قبل شروعه في قراءة ركعة أخرى؛ فلأنه أمكنه الإتيان بالركن فلزمه العود إليه والإتيان به كالمزحوم إذا أمكنه الإتيان بالركعة قبل ركوع الإمام في الثانية. وأما كونه يأتي بما بعد ذلك؛ فلأن الترتيب واجب ولا يحصل إلا بذلك. وأما كونه إذا لم يعد تبطل صلاته؛ فلأنه ترك الواجب عمداً. وأما كون ترك ركن كترك ركعة كاملة إذا علم بعد السلام؛ فلأن ذكر ذلك بعد السلام كذكره بعد شروعه في قراءة ركعة تلي تلك الركعة وذلك مبطل للركعة التي قبلها فكذا هاهنا. قال: (وإن نسي أربع سجدات من أربع ركعات وذكر في التشهد سجد سجدة فصحت له ركعة ويأتي بثلاث. وعنه تبطل صلاته). أما كون من نسي ما ذكر يسجد سجدة؛ فلأن الرابعة نقص منها ذلك. وأما كونه يصح له ذلك ركعة؛ فلأن جبرانها حصل قبل الشروع في غيرها. وأما كونه يأتي بثلاث ركعات؛ فلأن كل ركعة من الثلاث التي فعلها تبطل بالشروع في التي تليها فلم يبق له سوى ركعة فيلزمه أن يأتي بكمال الصلاة الرباعية. وفي الحكم بسجوده وصحة ركعته وإتيانه بثلاث ركعات حكم بأن صلاته لم تبطل بالنسيان وإن كثر وهو صحيح على المذهب؛ لأن (١) عدم البطلان فيما إذا ترك ركناً من ركعة لمكان النسيان وذلك موجود فيما كَثُر. وأما كونه تبطل صلاته على روايةٍ؛ فلأن من نسي ذلك كله يكون متلاعباً بالصلاة ذاهلاً عنها. ويحتاج إلى (٢) إلغاء عمل كثير بين تكبيرة الإحرام والركعة المعتد بها أشبه العمل من غير جنس الصلاة.

стр. 401

قال: (وإن نسي التشهد الأول ونهض لزمه الرجوع ما لم ينتصب قائماً. فإن استتم قائماً لم يرجع. وإن رجع جاز. وإن شرع في القراءة لم يجز له الرجوع. وعليه السجود لذلك كله). أما كون من نسي التشهد الأول ونهض يلزمه الرجوع ما لم ينتصب قائماً؛ فلما روى المغيرة بن شعبة عن النبي ﷺ قال: «إذا قام أحدكم في الركعتين فلم يستتم قائماً فليجلس ... مختصر» (١) رواه أبو داود وابن ماجة. ولأنه أخل بواجب وذكر قبل الشروع في ركن مقصود. فلزم الإتيان به، كما لو لم تفارق إليتاه الأرض. وأما كونه لا يرجع إذا استتم قائماً؛ فلأن تتمة حديث المغيرة: «فإذا استتم قائماً فلا (٢) يجلس ويسجد سجدتي السهو». وأما كونه إذا رجع يجوز؛ فلأن القيام ركن ليس بمقصود في نفسه بل لغيره وهو القراءة فوجب أن يجوز له الرجوع كما لو لم يستتم (٣) قائماً. قال المصنف ﵀ في المغني: ويقوى عندي أنه لا يجوز له الرجوع وهو الصحيح؛ لما تقدم من حديث المغيرة. ولأن القيام ركن. فلم يجز الرجوع بعد الشروع فيه، كالقراءة. وما ذكر من أنه ركن ليس بمقصود فممنوع. وأما كونه لا يجوز له الرجوع إذا شرع في القراءة؛ فلحديث المغيرة المتقدم. ولما روي عن معاوية: «أنه صلى بالناس فقام في الركعتين وعليه جلوس فسبح به الناس فأبى أن يجلس. فلما جلس ليسلم سجد سجدتين وهو جالس. ثم قال: رأيت (٤) رسول الله ﷺ فعل هذا» (٥) رواه الآجري (٦).

стр. 402

ولأنه شرع في ركن مقصود فلم يجز له الرجوع منه إلى ما ليس بركن كما لو ركع. وأما كونه عليه السجود لذلك كله؛ فلما تقدم من حديث معاوية. ولما روى ابن بحينة «أن النبي ﷺ صلى بهم الظهر فقام في الركعتين الأوليين ولم يجلس. وقام الناس معه. فلما قضى صلاته وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس. فسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم سلم» (١) متفق عليه.

стр. 403

فصل [في الشك] قال المصنف ﵀: (وأما الشك. فمن شك في عدد الركعات بنى على اليقين. [وعنه يبني على غالب ظنه، وظاهر المذهب أن المنفرد يبني على اليقين] (١). والإمام على غالب ظنه. فإن استويا عنده بنى على اليقين). أما كون من شك يسجد؛ فلما يأتي في الأحاديث بعد. ولأن الشاك قد يزيد فعله وقد ينقص وكل واحد منهما موجب لسجود السهو لما تقدم. وأما كونه يبني على اليقين على روايةٍ إماماً كان أو منفرداً؛ فلما روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى (٢) فليبن على اليقين. حتى إذا استيقن أن قد أتم فليسجد سجدتين قبل أن يسلم. فإنه إن كانت صلاته وتراً فقد شفعها وإن كانت شفعاً فإن ذينك يرغمان الشيطان» (٣) رواه مسلم. ولأن الأصل واجب في ذمته بيقين فلا يزول إلا بيقين. وأما كونه يبني على غالب ظنه على روايةٍ؛ فلما روى ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسجد سجدتين» (٤) متفق عليه. وأما كون المنفرد يبني على اليقين والإمام على غالب ظنه على روايةٍ؛ فلأن الإمام له من ينبهه ويذكره إذا أخطأ الصواب. بخلاف المنفرد.

стр. 404

ويجب أن يحمل حديث أبي سعيد على المنفرد وحديث ابن مسعود على الإمام جمعاً بينهما. وأما كون هذه الرواية هي ظاهر المذهب؛ فلأن فيها جمعاً بين الأحاديث، ولما تقدم من الفرق بين الإمام والمنفرد. فإن قيل: الشاك هو الذي استوى عنده طرفا الشيء فكيف يقال: يبني على غالب ظنه؟ قيل: الشك في اللغة مطلق التردد ولذلك قال رسول الله ﷺ : «إذا شك في ثلاث وأربع وأكثر ظنك على الأربع» (١). وتفسير الشك باستواء الطرفين اصطلاح حادث أصولي. وأما كون من استوى عنده الأمران المتقدم ذكرهما يبني على اليقين بلا خلاف؛ فلأن اليقين إنما جاز تركه في مسألة غلبة الظن على روايةٍ لمعارضة غلبة الظن فإذا لم يوجد وجب الرجوع إلى اليقين لأنه الأصل وهو سالم عن المعارض. قال: (ومن شك في ترك ركن فهو كتركه. وإن شك في ترك واجب فهل يلزمه السجود؟ على وجهين. وإن شك في زيادة لم يسجد). أما كون من شك في ترك ركن فهو كتركه؛ فلأن الأصل عدم وجود الركن مع الشك فيكون كتركه. وأما كون من شك في ترك واجب يلزمه السجود على وجهٍ؛ فلأن الشك في ترك واجب كتركه لما ذكر من أن الأصل عدمه ومن ترك واجباً يلزمه السجود. وأما كونه لا يلزمه على وجهٍ؛ فلأنه شك في وجوب سجود السهو لأنه تابع لترك الواجب وذلك مشكوك فيه والتابع للمشكوك فيه مشكوك فيه والشيء لا يجب بالشك. وأما كون من شك في زيادة لا يسجد؛ فلأن الأصل عدمها.

стр. 405

قال: (وليس على المأموم سجود سهو إلا أن يسهو إمامه فيسجد. فإن لم يسجد الإمام فهل يسجد المأموم؟ على روايتين). أما كون المأموم ليس عليه سجود سهو إذا لم يسه إمامه؛ فلقوله ﷺ : «الأئمة ضمناء» (١). معناه والله أعلم ضمناء السهو. ولأن معاوية بن الحكم تكلم في الصلاة خلف رسول الله ﷺ ولم يأمره بسجود سهو (٢). وروى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس على من خلف الإمام سهو. فإن سها إمامه فعليه وعلى من خلفه» (٣) رواه الدارقطني. وأما كونه عليه ذلك إذا سها إمامه وسجد؛ فلما تقدم من حديث ابن عمر (٤). ولقوله ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به. فإذا سجد فاسجدوا» (٥). ولأن السجود من تمام الصلاة فلزم المأموم متابعته كغير المسبوق. فإن قيل: إذا قضى المأموم المسبوق ما عليه هل يعيد السجود في آخر صلاته؟ قيل: فيه روايتان: إحداهما: يسجد؛ لأنه لزمه حكم السهو وما فعله مع الإمام لأجل المتابعة فلا يسقط ما لزمه. والثانية: لا يلزمه لأن سجود إمامه قد كملت به الصلاة في حقهما وحصل به الجبران فلا حاجة إلى إعادته كالمأموم إذا سها وحده.

стр. 406

وأما كون المأموم يسجد إذا لم يسجد الإمام على روايةٍ؛ فلأن صلاة المأموم تنقص بنقصان صلاة الإمام كما تكمل بكمالها فإن لم يجبرها الإمام جبرها المأموم. وأما كونه لا يسجد على روايةٍ؛ فلأن المأموم إنما يسجد تبعاً. فإذا لم يسجد الإمام لم يوجد المقتضي لسجود المأموم. ولا بد أن يلحظ أن ترك الإمام السجود لعذر لأنه لو ترك الواجب عمداً (١) قبل السلام لغير عذر بطلت صلاته وصلاة المأموم جميعاً: أما صلاته؛ فلأنه فعل ما أبطل صلاته عمداً أشبه ما لو تكلم عمداً. وأما صلاة المأموم؛ فلأنه اقتدى بمن صلاته باطلة.

стр. 407

فصل [في سجود السهو] قال المصنف ﵀: (وسجود السهو لما يبطل عمده الصلاة واجب، ومحله قبل السلام إلا في السلام قبل إتمام صلاته. وفيما إذا بنى الإمام على غالب ظنه. وعنه أن الجميع قبل السلام. وعنه: ما كان من زيادة فهو بعد السلام وما كان من نقص كان قبله). أما كون سجود السهو لما يبطل عمده الصلاة واجباً؛ فـ «لأن النبي ﷺ ترك التشهد الأول وسجد له» (١) وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٢). وقد ثبت وجوبه بما تقدم. فيقاس عليه سائر الواجبات لاشتراك الكل في معنى واحد. ولأنه سها فيجب عليه السجود لقوله ﷺ : «إذا سها أحدكم في صلاته فليسجد سجدتين» (٣). أمر والأمر للوجوب. خُص منه ما إذا سها في سنة أو هيئة لأنه جبران لما ليس بواجب فلا يكون واجباً فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل. وأما كون محله قبل السلام إلا في موضعين الذين استثناهما المصنف ﵀ على المذهب: أما كونه قبل السلام فيما عدا المستثنى؛ فلأن السجود من شأن الصلاة فكان قبل السلام كسائر أجزائها. وأما كونه بعد السلام في المستثنى: أما فيما إذا سلم قبل إتمام صلاته مثل أن يسلم من ركعتين أو من ثلاث؛ فـ «لأن النبي ﷺ سلم من ثنتين وسجد بعد السلام في حديث ذي اليدين» (٤).

стр. 408

و «سلم من ثلاث وسجد بعد السلام في حديث عمران ابن حصين» (١). وأما فيما إذا بنى الإمام على غالب ظنه؛ فلأن في (٢) حديث عبدالله بن مسعود في لفظ البخاري: «فليسجد سجدتين بعد التسليم» (٣). وأما كون الجميع قبل السلام على روايةٍ فلحديث أبي سعيد المتقدم ولفظه: «فليسجد سجدتين قبل أن يسلم» (٤). وأما كون ما كان من زيادة فهو بعد السلام وما كان من نقص كان قبله على روايةٍ؛ فلأن النبي ﷺ سجد في حديث ابن بحينة قبل السلام (٥) وكان من نقص. والصحيح أن كل سجود سجده النبي ﷺ بعد السلام فهو بعد السلام وسائر السجود قبله. والذي روي أنه سجد فيه بعد السلام أنه سلم من ثنتين ومن ثلاث وسجد فيها بعد السلام. وحديث ابن مسعود المذكور أمر فيه بالسجود بعد السلام. فعلى هذا الرواية الأولى الصحيحة لموافقتها النصوص. قال: (وإن نسيه قبل السلام قضاه ما لم يطل الفصل أو يخرج من المسجد. وعنه أنه يسجد وإن بعد). أما كون من نسي أن يسجد قبل السلام يقضي ما نسيه ما لم يطل الفصل ولم يخرج من المسجد فليتدارك ما ترك. ولأن مقتضى الترك القضاء. تُرك العمل به فيما إذا طال أو خرج من المسجد لما يأتي. فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاه.

стр. 409

ولا فرق فيما ذكر بين أن يكون تكلم أو لا؛ «لأن النبي ﷺ سجد بعد السلام والكلام» (١). وأما كونه لا يسجد إذا بَعُد على المذهب؛ فلأن السجود تكميل للصلاة ومن أحكامها فاعتبر فيه الموالاة [وموضع الصلاة] (٢) لتصحيح البناء كسائر أركانها. وأما كونه يسجد على روايةٍ؛ فـ «لأن النبي ﷺ سجد في حديث ذي اليدين بعد السلام والكلام وخروج السُّرْعان من المسجد» (٣). وأما كونه لا يسجد إذا خرج من المسجد على المذهب؛ فلأن المسجد محل الصلاة وموضعها فاعتبر لها كمجلس الخيار في الخيار. وأما كونه يسجد على روايةٍ فكما لو كان في المسجد. قال: (ويكفيه لجميع السهو سجدتان إلا أن يختلف محلهما ففيه وجهان). أما كون من سها يكفيه سجدتان لجميع سهوه إذا لم يختلف محلهما؛ فـ «لأن النبي ﷺ في حديث ذي اليدين سلم (٤) من ثنتين ناسياً وتكلم ناسياً واستدبر القبلة ومشى ناسياً واكتفى عن الجميع بسجدتين» (٥). ولأن سجود السهو لما أُخّر عن سببه وجعل محله آخر الصلاة دل ذلك على أنه يجبر ما تقدمه من السهو وإن تعدد. وأما كونه يكفيه سجدتان إذا اختلف محلهما في وجه؛ فلما تقدم. فعلى هذا يسجدهما قبل السلام لأنه آكد. وقيل: الحكم للأسبق لأنه بمجرد وجوده اقتضى السجود وما بعده تابع له فلو زاد ركوعاً في الركعة الرابعة سهواً وكان سلم من ثلاث خرج في ذلك الوجهان المذكوران لأن زيادة الركوع يقتضي السجود قبل السلام. والسلام من نقصان يقتضي بعده على الرواية الصحيحة. ولو زاد الركوع في الركعة الأولى أو الثانية أو الثالثة ثم سلم من ثلاث سجد قبل السلام وجهاً واحداً وعلى هذا فَقِسْ.

стр. 410

وأما كونه يسجد قبل السلام سجدتين وبعده (١) سجدتين في وجهٍ؛ فلأنه اختلف محلهما وأحكامهما. فالذي قبل السلام تركه عمداً مبطل ولا يفتقر إلى تشهد. والذي بعد السلام بخلافه. ولأنها عبادة يدخلها الجبران فيكرر لها السجود كجبران الحج. قال: (ومتى سجد بعد السلام جلس فتشهد ثم سلم، ومن ترك السجود الواجب قبل السلام عمداً بطلت الصلاة. وإن ترك المشروع بعد السلام لم تبطل). أما كون من سجد بعد السلام يجلس فلأجل التشهد الآتي ذكر دليله. وأما كونه يتشهد ثم يسلم؛ فلأن الترمذي وأبا داود رويا في حديث عمران ابن حصين «أن النبي ﷺ صلى بهم فسهى فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم» (٢). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. ولأنه سجود بسلام له فكان معه تشهد يعقبه سلام كسجود صُلب الصلاة. وأما كون من ترك السجود الواجب قبل السلام عمداً تبطل صلاته؛ فلأنه أخل بواجب في الصلاة عمداً فبطلت كما لو ترك واجباً غيره. وأما كونه إن ترك المشروع بعد السلام عمداً لا تبطل صلاته؛ فلأنه جبران خارج الصلاة فلم تبطل الصلاة بتركه كجبرانات الحج. وفرقٌ بين الواجب في الصلاة والواجب لها. ألا ترى أن الأذان والجماعة كل واحد منهما واجب للصلاة. ولا تبطل الصلاة بترك شيء من ذلك. وعن أحمد تبطل إذا ترك المشروع بعد السلام عمداً قياساً على المشروع قبل السلام. وقد تقدم الفرق.

стр. 411

باب صلاة التطوع قال المصنف ﵀: (وهي أفضل تطوع البدن. وآكدها صلاة الكسوف والاستسقاء). أما كون الصلاة أفضل تطوع البدن؛ فلقوله ﷺ : «واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة» (١) رواه الإمام أحمد. ولأن الصلاة المفروضة آكد الفروض؛ «لأن النبي ﷺ سُئل أي الأعمال أفضل؟ فقال: الصلاة لوقتها» (٢). فتطوعها آكد التطوع. ولأن الصلاة تجمع أنواعاً من العبادة: الإخلاص، والقراءة، والركوع، والسجود، ومناجاة الرب، والتوجه إلى القبلة، والصلاة على النبي ﷺ ، والتسبيح، والتكبير ... إلى غير ذلك. وأما كون صلاة الكسوف والاستسقاء آكدها؛ فلأنها تشرع لها الجماعة مطلقاً. وذلك دليل التأكيد لما فيه من التشبه بالفرائض. وصلاة الكسوف آكد من صلاة الاستسقاء؛ لأن النبي ﷺ لم يَدَعْ صلاة الكسوف عند وجود سببها. وكان يستسقي تارة ويترك أخرى. ولذلك قدمها المصنف ﵀. قال: (ثم الوتر. وليس بواجب، ووقته ما بين صلاة العشاء وطلوع الفجر). أما قول المصنف ﵀: ثم الوتر؛ فمعناه: أنه أفضل تطوع البدن بالصلاة بعد صلاتي الكسوف والاستسقاء. وذلك يقتضي أمرين: أحدهما: تأخيره في الفضيلة عن صلاتي الكسوف والاستسقاء.

стр. 412

وثانيها: تقديمه على ما عدا ذلك. أما الأول؛ فلما تقدم من مشروعية الجماعة لهما مطلقاً. وذلك غير موجود في الوتر. فإنه وإن شرعت له الجماعة مع التراويح لا تشرع له مع غيرها. بدليل أن النبي ﷺ لم يصله في جماعة مطلقاً. وأما الثاني؛ فـ «لأن النبي ﷺ كان يفعله حضراً وسفراً». ولأن الوتر شرع له الجماعة في الجملة. وقد قيل بوجوبه وهو ثابت بالقول الذي لا يحتمل التخصيص. فإن قيل: الوتر مختلف في وجوبه فينبغي أن يكون أفضل من صلاتي الكسوف والاستسقاء. قيل: وصلاة الكسوف مختلف في وجوبها فلا ترجيح للوتر عليها بذلك. وصلاة الاستسقاء مشروعية الجماعة لها مطلقاً ترجحها على الوتر. وأما كون الوتر ليس بواجب؛ فلما روى أبو أيوب أن النبي ﷺ قال: «الوتر حق فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل. ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل. ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل» (١) رواه أبو داود. علقه على المحبة والواجب لا يعلق عليها. ولأنه يصلى على الراحلة من غير ضرورة. ولا يجوز ذلك في واجب. وأما كون وقته ما بين صلاة العشاء وطلوع الفجر؛ فلما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى زادكم صلاة تصلونها ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح: الوتر» (٢) رواه الإمام أحمد. وقال ﷺ : «فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة» (٣) متفق عليه.

стр. 413

قال: (وأقله ركعة. وأكثره إحدى عشرة ركعة. يسلم من كل ركعتين. ويوتر بواحدة) (١). أما كون أقل الوتر ركعة؛ فلما تقدم من حديث أبي أيوب. وأما كون أكثره إحدى عشر ركعة فلما روت عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يصلي ما بين العشاء إلى الفجر إحدى عشر ركعة. يسلم من كل ركعتين. ويوتر بواحدة» (٢) متفق عليه. قال: (وإن أوتر بتسع سرد ثمانية وجلس ولم يسلم ثم صلى التاسعة وتشهد وسلم. وكذلك السبع. وإن أوتر بخمس لم يجلس إلا في آخرهن). أما كون من أوتر بتسع أو بسبع يفعل كما ذكره المصنف ﵀؛ فلما روى سعد بن هشام قال: «قلت لعائشة ﵂: أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ . قالت: كنا نُعِد له سواكه وطهوره فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه. فيتسوك ويصلي تسع ركعات لا يجلس إلا في الثامنة. فيذكر الله ويحمده ويدعوه. ثم ينهض ولا يسلم. ثم يقوم فيصلي التاسعة. ثم يقعد فيحمد الله ويذكره ويدعوه. ثم يسلم تسليماً يسمعنا. ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني! فلما أسن رسول الله ﷺ وأخذه اللحم أوتر بسبع وصنع في الركعتين مثل صنعه الأول» (٣) رواه مسلم وأبو داود. وفي حديثه: «أوتر بسبع ركعات لم (٤) يجلس [إلا في السادسة والسابعة، ولم يسلم إلا في السابعة» (٥).

стр. 414

وأما عدم جلوس من أوتر بخمس] (١) إلا في آخرهن؛ فلأن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة (٢) يوتر من ذلك بخمس لا يجلس إلا في آخرهن» (٣) متفق عليه. قال: (وأدنى الكمال ثلاث ركعات بتسليمتين. يقرأ في الأولى سبح وفي الثانية قل يا أيها الكافرون وفي الثالثة قل هو الله أحد). أما كون أدنى الكمال ثلاث ركعات؛ فلأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه أوتر بأقل من ثلاث. وأما كونها بتسليمتين؛ فلما روى ابن عمر «أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن الوتر. فقال ﷺ : افصل بين الواحدة والثنتين بالتسليم» (٤) رواه الأثرم. وأما كون مصليها يقرأ في الأولى بسبح وفي الثانية قل يا أيها الكافرون وفي الثالثة قل هو الله أحد؛ فلما روى أبي بن كعب قال: «كان رسول الله ﷺ يوتر بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١] و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ [الكافرون: ١] و ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١]» (٥) رواه أبو داود. قال: (ويقنت فيها بعد الركوع. فيقول: اللهم! إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك. ونتوب إليك ونؤمن بك ونتوكّل عليك. ونُثْني عليك الخير كله. ونشكرك ولا نكفرك. اللهم! إياك نعبد. ولك نصلي ونسجد. وإليك نسعى ونَحْفِد. نرجو رحمتك ونخشى عذابك. إن عذابك الجد بالكافرين

стр. 415

ملحق. اللهم! اهدنا فيمن هديت. وعافنا فيمن عافيت. وتولنا فيمن توليت. وبارك لنا فيما أعطيت. وقِنا شر ما قضيت. إنك تقضي ولا يُقضى عليك. إنه لا يذل من واليت. ولا يَعِزُّ من عاديت. تباركت ربنا وتعاليت. اللهم! إنا نعوذ برضاك من سخطك. وبعفوك من عقوبتك. وبك منك لا نحصي ثناء عليك. أنت كما أثنيت على نفسك. وهل يمسح وجهه بيديه؟ على روايتين). أما كون من أوتر يقنت في الوتر؛ فلأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك. وأما كونه يقنت بعد الركوع؛ فلما روى أبو هريرة وأنس «أن النبي ﷺ قنت بعد الركوع» (١) رواه مسلم. وظاهر كلام المصنف ﵀ أنه يقنت في الوتر في جميع السنة. وهو ظاهر المذهب لقول علي: «كان رسول الله ﷺ يقول في آخر وتره: اللهم! إني أعوذ بك ... الحديث» (٢). ولفظ كان للدوام غالباً. ولأنه ذكرٌ مشروع فشرع في جميع السنة كسائر الأذكار. وعن أحمد: لا يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان؛ لما روى حسن عن عمر «أنه جمع الناس على أبيّ بن كعب. فصلى بهم عشرين ركعة ليلة لا يقنت بهم إلا في النصف الباقي» (٣) رواه أبو داود. وأما كونه يقول: اللهم! إنا نستعينك ... إلى مُلْحِق. فلما روي عن عمر ﵁ «أنه قنت في صلاة الفجر. فقال: بسم الله الرحمن الرحيم.

стр. 416

اللهم! إنا نستعينك إلى قوله: بالكفار ملحق. اللهم! عذب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك» (١). قال ابن قتيبة: الحفد الإسراع في الطاعة. وملحق بكسر الحاء وفتحها، والجد بكسر الجيم ضد اللعب. وأما كونه يقول: اللهم! اهدنا إلى ... تباركت ربنا وتعاليت. فلما روي عن الحسن بن علي ﵁ قال: «علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر: اللهم! اهدني فيمن هديت ... وذكره بلفظ الإفراد إلى قوله: تباركت ربنا وتعاليت» (٢) رواه أبو داود والترمذي. وقال: هذا حديث حسن. وإنما قال المصنف ﵀: اهدنا بلفظ الجمع لأنه عنى الإمام. والإمام يستحب له أن يشارك معه المأمومين. وأما كونه يقول: اللهم! إنا نعوذ بك ... إلى كما أثنيت على نفسك. لأن النبي ﷺ كان يقول في آخر وتره: «اللهم! إني أعوذ برضاك من سخطك ... إلى قوله: كما أثنيت على نفسك» (٣) رواه الإمام أحمد. وأما كونه يمسح وجهه بيديه على روايةٍ؛ فلقوله ﷺ : «إذا دعوت الله فادع ببطون كفيك، ولا تدعُ بظهورهما. وإذا فرغت فامسح بهما وجهك» (٤) رواه أبو داود. وأما كونه لا يستحب على روايةٍ؛ فلأنه عبث لم يصح معه تعبد. فهو كمسح الوجه عند قراءة قوله تعالى: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء﴾ [الإسراء: ٨٢] والحديث رواية مجهولة. والأولى أولى؛ للحديث.

стр. 417

و «لأن النبي ﷺ كان إذا دعا فرفع يديه مسح بهما وجهه» (١) رواه أبو داود. إلا أن روايه ابن لهيعة. وهو ضعيف. والعمل بالحديث الضعيف في النوافل أولى من تركه. قال: (ولا يقنت في غير الوتر. إلا أن تنزل بالمسلمين نازلة. فللإمام خاصة القنوت في صلاة الفجر). أما كون المصلي لا يقنت في غير الوتر إذا لم ينزل بالمسلمين نازلة؛ فلأن الإجماع منعقد على أنه لا يقنت في غير الوتر إلا الصبح. والحجة على المخالف فيها ما روت أم سلمة «أن النبي ﷺ نهى عن القنوت في الفجر» (٢). وروى ابن مسعود وأنس «أن النبي ﷺ قنت شهراً بعد الركوع يدعو على حيٍّ من أحياء العرب. ثم ترك» (٣) متفق عليه. قال عبدالله بن عمر: «القنوت في الفجر بدعة» (٤). وروى أبو مالك الأشجعي عن أبيه قال: «صليت خلف النبي ﷺ فلم يقنت. وصليت خلف أبي بكر ﵁ فلم يقنت. وصليت خلف عثمان ﵁ فلم يقنت. ثم (٥) قال: يا بني! إنها بدعة» (٦).

стр. 418

قال البخاري: أبو مالك اسمه سعد بن طارق بن الأشيم. له صحبة. وهذا الإسناد صحيح. ولأنها صلاة مفروضة فلم يسن فيها القنوت كسائر الصلوات. وأما كون الإمام يقنت في صلاة الفجر إذا نزل بالمسلمين نازلة؛ فلما روى أبو هريرة «أن رسول الله ﷺ كان يقنت في صلاة الفجر إذا دعى على قوم أو دعى لقوم» رواه سعيد في سننه. وكلام المصنف ﵀ مشعر بأمرين: أحدهما: أن ذلك مختص بصلاة الفجر. وهو صحيح لما ذكر من الحديث. وقال أبو الخطاب: يدعو في المغرب والفجر؛ لما روى البراء بن عازب «أن رسول الله ﷺ كان يقنت في صلاة الصبح والمغرب» (١) رواه الترمذي. وثانيهما: أن ذلك مختص بالإمام لأن النبي ﷺ هو الذي قنت فتعدى الحكم إلى من يقوم مقامه وهو الإمام الأعظم أو نائبه دون غيرهما. قال: (ثم السنن الراتبة. وهي عشر ركعات: ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر. وهما آكدها. قال أبو الخطاب: وأربع قبل العصر. ومن فاته شيء من هذه السنن سُنّ له قضاؤه). أما كون قول المصنف ﵀: ثم السنن؛ فمعناه: أن أفضل تطوع البدن بالصلاة بعد صلاة الكسوف وصلاة الاستسقاء وصلاة الوتر السنن الرتبة. وذلك يقتضي أمرين: أحدهما: تأخير السنن الراتبة عن ذلك. وثانيهما: تقديمها على غير ذلك.

стр. 419

أما الأول؛ فلما تقدم ذكره في تقديم الوتر. وأما الثاني؛ فلأنه جاء في فضل السنن الراتبة ما لم يجئ في صلاة التراويح. ولأن النبي ﷺ داوم عليها ولم يداوم على صلاة التراويح. وأما قوله: وهي عشر ركعات ... إلى قوله: قبل الفجر؛ فبيان لعدد السنن الراتبة ولمواضعها. والأصل فيها ما روى ابن عمر قال: «حفظت عن رسول الله ﷺ عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح كانت ساعة لا يُدخل على النبي ﷺ فيها. حدثتني حفصة: أنه كان إذا أذن المؤذن فطلع الفجر صلى ركعتين» (١) متفق عليه. وأما كون ركعتي الفجر آكد السنن الراتبة فلما روت عائشة «أن رسول الله ﷺ لم يكن على (٢) شيء من النوافل أشد معاهدة منه على ركعتي الفجر» (٣). ولقوله ﷺ : «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» (٤) رواهما مسلم. وأما قول المصنف ﵀: قال أبو الخطاب: وأربع قبل العصر؛ فمشعر بأمرين: أحدهما: أنه لا سنة لها قبل العصر عند غير أبي الخطاب. وهو صحيح لأن ذلك ليس مذكوراً في حديث ابن عمر. وثانيهما: أن سنتها أربع عند أبي الخطاب. والأصل في ذلك ما روى علي «أن النبي ﷺ كان يصلي قبل العصر أربعاً بتسليمتين» (٥) [رواه الترمذي وحسنه] (٦).

стр. 420

ولفظ كان: للدوام غالباً. وقال ﵇: «من صلى قبل العصر أربعاً حرم الله لحمه ودمه على النار» (١). فإن قيل: ما وقت السنة؟ قيل: وقت السنة التي قبل الصلاة يخرج بفعل الصلاة؛ لأن بذلك تخرج عن القبلية وهي تشرع قبل. والتي بعدها يخرج بخروج الصلاة المفروضة؛ لأنها تابعة لها فإذا خرج وقت المتبوع فالتابع أولى. وأما كون من فاته شيء من السنن المذكورة يسن له قضاؤه؛ فـ «لأن النبي ﷺ فاتته سنة الظهر فقضاها» (٢). ولأن في القضاء تداركاً للفائت. قال: (ثم التراويح. وهي عشرون ركعة. يقوم بها في رمضان في جماعة. ويوتر بعدها في الجماعة. فإن كان له تهجُّد جعل الوتر بعده. فإن أحب متابعة الإمام فأوتر معه قام إذا سلم الإمام فشفعها بأخرى). أما قول المصنف ﵀: ثم التراويح؛ فمعناه على نحو ما تقدم. والأصل في تأخيرها عما تقدم ما تقدم، وفي تقديمها على سائر النوافل توقِيتها ومشروعية الجماعة لها. وما ورد في فضلها من قوله ﷺ : «من صام رمضان وقامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» (٣) متفق عليه.

стр. 421

فإن قيل: صلاة الكسوف فُضلت على غيرها بمشروعية الجماعة فيها. وهو موجود في صلاة التراويح. قيل: العلة المذكورة تقتضي تقديم صلاة التراويح على سائر ما ذكر. وصرح صاحب النهاية بتقديمها حتى على صلاة الكسوف. ولم أجد أحداً من الأصحاب أخر صلاة التروايح غير المصنف ﵀. وله أن يقول: مشروعية الجماعة فيها معارضة بمداومة النبي ﷺ على السنن الراتبة وإذا ظهر تقديم السنن الراتبة ظهر تقديم البواقي عليها لأن المقدم على المقدم مقدم. وأما كون التراويح عشرين ركعة يقوم بها في رمضان في جماعة؛ فلأن السائب بن زيد قال: «لما جمع عمر الناس على أبي بن كعب كان يصلي بهم عشرين ركعة» (١). وأما كون مصليها يوتر بعدها في الجماعة؛ فلما روى مالك عن يزيد بن رومان قال: «كان الناس يقومون في عهد عمر ﵁ بثلاث وعشرين ركعة» (٢). قال أحمد: يعجبني أن يصلي مع الإمام ويوتر معه لأن النبي ﷺ قال: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة» (٣). وأما كونه يجعل الوتر بعد التهجد إذا كان له تهجد؛ فلقوله ﷺ : «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً» (٤) متفق عليه. وقوله: «إذا خشي أحدكم الصبح فليوتر بواحدة» (٥).

стр. 422

وأما كونه يشفع الوتر بأخرى إذا أحب متابعة الإمام فأوتر معه؛ فلأنها نافلة والمسنون في النوافل أن تكون مثنى. قال: (ويكره التطوع بين التراويح. وفي التعقيب روايتان. وهو أن يَتَطوّع بعد التراويح والوتر في جماعة). أما كون التطوع بين التراويح يكره: أما للإمام فلما فيه من التطويل على المأمومين. وأما للمأموم فلتركه متابعة إمامه. ولأن في ذلك قلة مبالاة بإمامه. وأما كون التعقيب لا يكره في روايةٍ؛ فلأن أنساً قال: «ما ترجعون إلا لخير ترجونه أو لشر تحذرونه». وأما كونه يكره في روايةٍ؛ فلأنه مخالف لأمره ﷺ في قوله: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً» (١). وأما قول المصنف ﵀: وهو أن يَتَطوع ... إلى آخره؛ فبيان لمعنى التعقيب، وظاهره وظاهر كلامه في المغني أن الكراهة مختصة بمن يتطوع بعدهما في جماعة. وقال صاحب النهاية فيها: لا فرق في ذلك بين الجماعة والمنفرد. والأصح أنه لا يكره مطلقاً لما تقدم. وكذلك قال المصنف في المغني: إلا أنه -يعني القول بالكراهة- قول قديم والعمل على ما رواه الجماعة. ويعضده «أن النبي ﷺ كان يصلي بعد الوتر ركعتين وهو جالس» (٢).

стр. 423

وهذا الاختلاف يختص بمن يصلي قبل أن ينام. أما التطوع بعد أن ينام فلا يكره قولاً واحداً. ذكره القاضي. قال: (وصلاة الليل أفضل من النهار. وأفضلها وسط الليل. والنصف الأخير أفضل من الأول). أما كون صلاة الليل أفضل من صلاة النهار؛ فلقوله ﷺ : «أفضل الصلاة بعد المفروضة صلاة الليل» (١) حديث حسن. وأما كون أفضلها وسط الليل؛ فلقوله ﷺ : «صلاة الرجل في جوف الليل خير من الدنيا وما فيها». ولأن داود ﵇ كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه. ووصف ابن عباس تهجد رسول الله ﷺ فقال: «نام حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل. ثم استيقظ فوصف تهجده: ثم أوتر. ثم اضطجع حتى جاء المؤذن. فصلى ركعتين خفيفتين. ثم خرج فصلى الصبح» (٢) رواه مسلم. وأما كون النصف الأخير أفضل من الأول؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾ [الذاريات: ١٨]. وروي «أن داود قال: يا جبريل! أي الليل أفضل؟ قال: لا أدري. إلا أن العرش يهتز وقت السحر». و«لأن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا حين يبقى الثلث الأخير. فيقول: من يدعوني فأستجيب له. من يسألني فأعطيه. من يستغفرني فأغفر له» (٣) متفق عليه.

стр. 424

قال: (وصلاة الليل مثنى مثنى. وإن تطوع في النهار بأربع فلا بأس. والأفضل مثنى). أما كون صلاة الليل مثنى مثنى؛ فلما روى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «صلاة الليل مثنى مثنى» (١) متفق عليه (٢). وقيل لابن عمر: «ما مثنى مثنى؟ قال: يسلم من كل ركعتين» (٣). وأما كون التطوع في النهار بأربع لا بأس به؛ فلأن تخصيص الليل بالتثنية دليل على إباحة الزيادة في النهار. وأما كون الأفضل مثنى؛ فلأنه أبعد من السهو. قال: (وصلاة القاعد على النصف من صلاة القائم. ويكون في حال القيام متربعاً). أما كون صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم؛ فلقول النبي ﷺ : «صلاة الرجل قاعداً نصف الصلاة» (٤) رواه مسلم. ولا بد أن يلحظ في هذا القدرة لأن مع العجز هما سواء؛ لقوله ﷺ : «من صلى قاعداً فله نصف أجر القائم» (٥) رواه البخاري. وقوله: «ما من أحد كان (٦) يعمل في صحته عملاً يعجز عنه عند مرضه إلا وكّل الله ملكاً يكتب له ثواب ما عجز عنه» (٧).

стр. 425

وأما كونه في حال القيام يكون متربعاً فليخالف قيامه قعوده. قال: (وأدنى صلاة الضحى ركعتان. وأكثرها ثمان. ووقتها إذا عَلَت الشمس). أما كون أدنى صلاة الضحى ركعتين؛ فلما روى أبو هريرة قال: «أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام» (١) متفق عليه. وأما كون أكثرها ثمانياً؛ فلما روت أم هانئ «أن النبي ﷺ دخل يوم فتح مكة بيتها. وصلى ثماني ركعات. فلم أر صلاة قط أخف منها. غير أنه يتم الركوع والسجود» (٢) متفق عليه. وأما كون وقتها إذا علت الشمس؛ فلقوله ﷺ : «صلاة الأوابين حين ترمض الفصال» (٣) رواه مسلم. قال: (وهل يصح التطوع بركعة؟ على روايتين). أما كون التطوع بركعة يصح على روايةٍ؛ فلأن له نظير في الشرع وهو الوتر. ولعموم قوله: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ [العنكبوت: ٤٥]. ولأنه مصل عرفاً فيجب أن يكون مصلياً شرعاً. وأما كونه لا يصح على روايةٍ؛ فلأن تنصيصه على كون صلاة (٤) الليل مثنى يدل بمفهومه على أنه لا يصح دون ذلك. والأولى أصح.
следующие страницы →