← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

فإن قيل: صلاة الكسوف فُضلت على غيرها بمشروعية الجماعة فيها. وهو موجود في صلاة التراويح. قيل: العلة المذكورة تقتضي تقديم صلاة التراويح على سائر ما ذكر. وصرح صاحب النهاية بتقديمها حتى على صلاة الكسوف. ولم أجد أحداً من الأصحاب أخر صلاة التروايح غير المصنف ﵀. وله أن يقول: مشروعية الجماعة فيها معارضة بمداومة النبي ﷺ على السنن الراتبة وإذا ظهر تقديم السنن الراتبة ظهر تقديم البواقي عليها لأن المقدم على المقدم مقدم. وأما كون التراويح عشرين ركعة يقوم بها في رمضان في جماعة؛ فلأن السائب بن زيد قال: «لما جمع عمر الناس على أبي بن كعب كان يصلي بهم عشرين ركعة» (١). وأما كون مصليها يوتر بعدها في الجماعة؛ فلما روى مالك عن يزيد بن رومان قال: «كان الناس يقومون في عهد عمر ﵁ بثلاث وعشرين ركعة» (٢). قال أحمد: يعجبني أن يصلي مع الإمام ويوتر معه لأن النبي ﷺ قال: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة» (٣). وأما كونه يجعل الوتر بعد التهجد إذا كان له تهجد؛ فلقوله ﷺ : «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً» (٤) متفق عليه. وقوله: «إذا خشي أحدكم الصبح فليوتر بواحدة» (٥).

стр. 422

وأما كونه يشفع الوتر بأخرى إذا أحب متابعة الإمام فأوتر معه؛ فلأنها نافلة والمسنون في النوافل أن تكون مثنى. قال: (ويكره التطوع بين التراويح. وفي التعقيب روايتان. وهو أن يَتَطوّع بعد التراويح والوتر في جماعة). أما كون التطوع بين التراويح يكره: أما للإمام فلما فيه من التطويل على المأمومين. وأما للمأموم فلتركه متابعة إمامه. ولأن في ذلك قلة مبالاة بإمامه. وأما كون التعقيب لا يكره في روايةٍ؛ فلأن أنساً قال: «ما ترجعون إلا لخير ترجونه أو لشر تحذرونه». وأما كونه يكره في روايةٍ؛ فلأنه مخالف لأمره ﷺ في قوله: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً» (١). وأما قول المصنف ﵀: وهو أن يَتَطوع ... إلى آخره؛ فبيان لمعنى التعقيب، وظاهره وظاهر كلامه في المغني أن الكراهة مختصة بمن يتطوع بعدهما في جماعة. وقال صاحب النهاية فيها: لا فرق في ذلك بين الجماعة والمنفرد. والأصح أنه لا يكره مطلقاً لما تقدم. وكذلك قال المصنف في المغني: إلا أنه -يعني القول بالكراهة- قول قديم والعمل على ما رواه الجماعة. ويعضده «أن النبي ﷺ كان يصلي بعد الوتر ركعتين وهو جالس» (٢).

стр. 423

وهذا الاختلاف يختص بمن يصلي قبل أن ينام. أما التطوع بعد أن ينام فلا يكره قولاً واحداً. ذكره القاضي. قال: (وصلاة الليل أفضل من النهار. وأفضلها وسط الليل. والنصف الأخير أفضل من الأول). أما كون صلاة الليل أفضل من صلاة النهار؛ فلقوله ﷺ : «أفضل الصلاة بعد المفروضة صلاة الليل» (١) حديث حسن. وأما كون أفضلها وسط الليل؛ فلقوله ﷺ : «صلاة الرجل في جوف الليل خير من الدنيا وما فيها». ولأن داود ﵇ كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه. ووصف ابن عباس تهجد رسول الله ﷺ فقال: «نام حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل. ثم استيقظ فوصف تهجده: ثم أوتر. ثم اضطجع حتى جاء المؤذن. فصلى ركعتين خفيفتين. ثم خرج فصلى الصبح» (٢) رواه مسلم. وأما كون النصف الأخير أفضل من الأول؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾ [الذاريات: ١٨]. وروي «أن داود قال: يا جبريل! أي الليل أفضل؟ قال: لا أدري. إلا أن العرش يهتز وقت السحر». و«لأن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا حين يبقى الثلث الأخير. فيقول: من يدعوني فأستجيب له. من يسألني فأعطيه. من يستغفرني فأغفر له» (٣) متفق عليه.

стр. 424

قال: (وصلاة الليل مثنى مثنى. وإن تطوع في النهار بأربع فلا بأس. والأفضل مثنى). أما كون صلاة الليل مثنى مثنى؛ فلما روى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «صلاة الليل مثنى مثنى» (١) متفق عليه (٢). وقيل لابن عمر: «ما مثنى مثنى؟ قال: يسلم من كل ركعتين» (٣). وأما كون التطوع في النهار بأربع لا بأس به؛ فلأن تخصيص الليل بالتثنية دليل على إباحة الزيادة في النهار. وأما كون الأفضل مثنى؛ فلأنه أبعد من السهو. قال: (وصلاة القاعد على النصف من صلاة القائم. ويكون في حال القيام متربعاً). أما كون صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم؛ فلقول النبي ﷺ : «صلاة الرجل قاعداً نصف الصلاة» (٤) رواه مسلم. ولا بد أن يلحظ في هذا القدرة لأن مع العجز هما سواء؛ لقوله ﷺ : «من صلى قاعداً فله نصف أجر القائم» (٥) رواه البخاري. وقوله: «ما من أحد كان (٦) يعمل في صحته عملاً يعجز عنه عند مرضه إلا وكّل الله ملكاً يكتب له ثواب ما عجز عنه» (٧).

стр. 425

وأما كونه في حال القيام يكون متربعاً فليخالف قيامه قعوده. قال: (وأدنى صلاة الضحى ركعتان. وأكثرها ثمان. ووقتها إذا عَلَت الشمس). أما كون أدنى صلاة الضحى ركعتين؛ فلما روى أبو هريرة قال: «أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام» (١) متفق عليه. وأما كون أكثرها ثمانياً؛ فلما روت أم هانئ «أن النبي ﷺ دخل يوم فتح مكة بيتها. وصلى ثماني ركعات. فلم أر صلاة قط أخف منها. غير أنه يتم الركوع والسجود» (٢) متفق عليه. وأما كون وقتها إذا علت الشمس؛ فلقوله ﷺ : «صلاة الأوابين حين ترمض الفصال» (٣) رواه مسلم. قال: (وهل يصح التطوع بركعة؟ على روايتين). أما كون التطوع بركعة يصح على روايةٍ؛ فلأن له نظير في الشرع وهو الوتر. ولعموم قوله: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ [العنكبوت: ٤٥]. ولأنه مصل عرفاً فيجب أن يكون مصلياً شرعاً. وأما كونه لا يصح على روايةٍ؛ فلأن تنصيصه على كون صلاة (٤) الليل مثنى يدل بمفهومه على أنه لا يصح دون ذلك. والأولى أصح.

стр. 426

فصل [في سجود التلاوة] قال المصنف ﵀: (وسجود التلاوة صلاة. وهو سنة للقارئ والمستمع دون السامع). أما كون سجود التلاوة صلاة؛ فلأنه سجود لله تعالى. يقصد به التقرب إلى الله تعالى. له تحريم وتحليل. فكان صلاة كسجود الصلاة. فعلى هذا يشترط له جميع ما يشترط للصلاة من طهارة الحدث والنجاسة في البدن والمكان والثوب وستر العورة واستقبال القبلة والنية لأنه صلاة فاشترط له ذلك؛ لدخوله في عموم قوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» (١). وقياساً على ذات الركوع. وأما كونه يسن للقارئ والمستمع؛ فلأن ابن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا السورة في غير الصلاة. فيسجد ونسجد معه حتى لا يجد أحدنا مكاناً لموضع جبهته» (٢) متفق عليه. وأما كونه لا يسن للسامع؛ فـ «لأن عثمان بن عفان ﵁ مر بقاصٍّ فقرأ سجدة ليسجد عثمان معه. فلم يسجد. وقال: إنما السجدة على من استمع» (٣).

стр. 427

قال: (ويعتبر أن يكون القارئ يصلح إماماً له. فإن لم يسجد القارئ لم يسجد). أما كون القارئ يعتبر أن يكون يصلح إماماً للمستمتع؛ فلأن القارئ إمام للمستمع «لأن النبي ﷺ أتى إلى نفر من أصحابه فقرأ رجل منهم سجدة. ثم نظر إلى رسول الله ﷺ . فقال: إنك كنت إمامنا ولو سجدت لسجدنا» (١) رواه الشافعي. وإذا كان القارئ إماماً للمستمع اعتبر أن يصلح إماماً له كسائر الأئمة. فعلى هذا لو كان القارئ امرأة والمستمع رجلاً لم يسجد؛ لأنها لا تصلح لإمامة الرجل. وعلى هذا فقس. فإن قيل: لو كان القارئ أمياً أو عاجزاً عن القيام فسجد هل يسجد المستمع غير الأمي والقادر على القيام معه؟ قيل: نعم؛ لأن ذلك ليس بواجب في سجود التلاوة بخلاف الصلاة. وأما كون المستمع لا يسجد إذا لم يسجد القارئ؛ فلما تقدم من قوله ﷺ : «إنك كنت إمامنا ولو سجدت لسجدنا». ولقوله ﵇: «إذا لم يسجد التالي لم يسجد المستمع». قال: (وهو أربع (٢) عشرة سجدة: في الحج منها اثنتان). أما كون عدد سجود التلاوة أربع عشرة سجدة فلما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. وعن الإمام أحمد: أنه خمس عشرة لما روى عمرو بن العاص «أن رسول الله ﷺ أقرأه خمس عشرة سجدة منها ثلاث في المفصل وسجدتان في الحج» (٣) رواه أبو داود. والصحيح أن سجدة ص ليست من عزائم السجود؛ لما روى ابن عباس «أن النبي ﷺ سجد في ص وقال: سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكراً» (٤) رواه النسائي.

стр. 428

ولأنه روي عن ابن عباس أنه قال: «ليس ص من عَزائمِ السجود» (١) رواه أبو داود. وإذا خرجت ص من سجود التلاوة بقي من خمس عشْرة أربع عشْرة. وأما كون الحج فيها من السجدات اثنتان؛ فلما تقدم من حديث عمرو بن العاص. وروى عقبة بن عامر قال: «قلت لرسول الله ﷺ : في الحج سجدتان؟ قال: نعم. ومن لم يسجدها فلا يقرأهما» (٢) رواه أبو داود. فإن قيل: ما مواضع السجدات؟ قيل: آخر الأعراف بعد قوله: ﴿وله يسجدون﴾ [٢٠٦]، وفي الرعد بعد قوله: [﴿بالغدو والآصال﴾ [١٥]، وفي النحل بعد قوله: ﴿ويفعلون ما يؤمرون﴾ [٥٠]، وفي بني إسرائيل بعد قوله] (٣): ﴿ويزيدهم خشوعاً﴾ [١٠٩]، وفي مريم بعد قوله: ﴿سجداً وبكياً﴾ [٥٨]، وفي الحج الأولى بعد قوله: ﴿إن الله يفعل ما يشاء﴾ [١٨]، والثانية بعد قوله: ﴿لعلكم تفلحون﴾ [٧٧]، وفي الفرقان بعد: ﴿وزادهم نفورا﴾ [٦٠]، وفي النمل بعد: ﴿العرش العظيم﴾ [٢٦]، وفي الم تنزيل بعد: ﴿وهم لا يستكبرون﴾ [١٥]، وفي حم السجدة بعد قوله: ﴿وهم لا يسأمون﴾ [٣٨]، وبعد آخر النجم [٦٢]، وفي: ﴿إذا السماء انشقت﴾ [الانشقاق: ١] بعد: ﴿لا يسجدون﴾ [٢١] وبعد آخر: ﴿اقرأ﴾ [العلق: ١٩].

стр. 429

قال: (ويكبر إذا سجد وإذا رفع ويجلس (١) ويسلم. ولا يتشهد). أما كون من سجد للتلاوة يكبر إذا سجد وإذا رفع؛ فلأن ابن عمر ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن. فإذا مر بالسجدة كبر وسجد. وسجدنا معه» (٢) [رواه أبو داود] (٣). ولأنه سجود منفرد فشرع التكبير في ابتدائه والرفع منه كسجود السهو بعد السلام. وأما كونه يجلس ويسلم بعد ذلك؛ فلأنها صلاة يشترط لها التكبير فيشترط لها ذلك كالصلاة المسنونة. وعن الإمام أحمد: لا يسلم لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ . وأما كونه لا يتشهد؛ فلأن سجود التلاوة صلاة لا ركوع فيها فلم يشرع التشهد فيها كصلاة الجنازة. وقال أبو الخطاب: يتشهد لأنه جلوس بعد سجود يعقبه السلام فشرع التشهد بعده كالصلاة. قال: (وإن سجد في الصلاة رفع يديه. نص عليه. وقال القاضي: لا يرفعهما). أما كون من سجد للتلاوة في الصلاة يرفع يديه على المنصوص؛ فلما روى وائل بن حجر «أن النبي ﷺ كان يكبر إذا خفض. وإذا رفع. ويرفع يديه في التكبير» (٤). قال الإمام أحمد: هذا يدخل في هذا. وأما كونه لا يرفعهما على قول القاضي؛ فلأن الرفع مسنون في ثلاثة مواضع وليس هذا منها. و«لأن النبي ﷺ كان لا يرفع يديه إذا سجد» (٥) في حديث ابن عمر المتفق عليه. فكذا إذا سجد للتلاوة في الصلاة.

стр. 430

قال: (ولا يستحب للإمام السجود في صلاة لا يجهر فيها. فإن فعل فالمأموم مخير بين اتباعه وتركه). أما كون الإمام لا يستحب له السجود في صلاةٍ لا يجهر فيها إذا قرأ سجدة فلما في ذلك من الالتباس على المأمومين لأنهم يظنوه سها عن الركوع. وقال المصنف ﵀ في المغني: اتباع النبي ﷺ أولى. فإنه روي «أنه ﷺ سجد في الظهر. ثم قام فركع. فرأى أصحابه أن قرأ سورة السجدة» (١) رواه أبو داود. وقوله: لا يستحب للإمام منقول عن بعض أصحابنا. كذا ذكره في المغني. ولم يعزه إلى الإمام. وأما كون المأموم مخير بين اتباع إمامه إذا فعل ذلك وبين تركه على ما ذكره المصنف ﵀: أما الاتباع؛ فلقوله ﷺ : «فإذا سجد فاسجدوا» (٢). وأما الترك؛ فلأن الإمام فعل مكروهاً في صلاته فناسب أن لا يُتبع. قال المصنف ﵀ في المغني: وإذا سجد الإمام سجد المأموم. وقال بعض أصحابنا: هو مخير بين اتباعه وتركه. والأولى اتباعه. فظاهر الأول أنه واجب اتباعه. وهو صحيح لعموم الأدلة في وجوب متابعة الإمام. قال: (ويستحب سجود الشكر عند تجدد النعم، واندفاع النقم. ولا يسجد له في الصلاة). أما كون سجود الشكر يستحب عند تجدد النعم واندفاع النقم فـ «لأن النبي ﷺ سجد. فسأله عبدالرحمن بن عوف عن ذلك. فقال: أتاني جبريل ﵇

стр. 431

فبشرني أن من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه عشراً. فسجدت لله شكراً» (١) رواه الإمام أحمد. وروى أنس «أن النبي ﷺ بُشِّر بحاجة فخرَّ ساجداً» (٢). رواه ابن المنذر. [وروى أبو بكرة (٣) ﵁ قال: «كان النبي ﷺ إذا أتاه أمر يُسَرُّ به خرَّ ساجداً» (٤). رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجة] (٥). والدارقطني. و«سجد أبو بكر لما بُشر بفتح اليمامة وقَتْل مسيلمة» (٦). و«سجد عمر لما بُشر بفتح اليرموك والقادسية» (٧). و«سجد علي لما وجد ذا الثدية في قتلى النهروان» (٨). وأما كونه لا يسجد له في الصلاة؛ فلأن سبب السجدة ليس منها. فإن قيل: يشترط لسجود الشكر جميع ما يشترط لسجود التلاوة من الطهارة وسائر شروط الصلاة؟

стр. 432

قيل: نعم لما ذكر فيه.

стр. 433

فصل في أوقات النهي قال المصنف ﵀: (وهي خمسة: بعد طلوع الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر، وعند طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح، وعند قيامها حتى تزول، وإذا تَضَيَّفَت للغروب حتى تغرب. ويجوز قضاء الفرائض فيها). أما قول المصنف ﵀: وهي خمسة بعد طلوع الفجر ... إلى حتى تغرب؛ فبيان لأوقات النهي. والأصل فيها ما روى (١) عقبة بن عامر: «ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تَضَيّفُ الشمس للغروب حتى تغرب» (٢) رواه مسلم. وروى أبو سعيد الخدري [﵁ أن رسول الله ﷺ قال] (٣): «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس» (٤) متفق عليه. فإن قيل: لفظ الحديث في الفجر والعصر واحد فلم جُعل النهي في الفجر متعلقاً بالوقت وفي العصر بالفعل؟ قيل: وقت النهي في الفجر في إحدى الروايتين متعلق بالفعل فلا فرق، وفي الأخرى بالوقت وهي الصحيحة؛ لأن الفجر اسم للوقت بخلاف العصر. ولأن النبي ﷺ قال: «لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين» (٥) رواه أبو داود.

стр. 434

فاستثنى ركعتي الفجر وهذا لا يكون استثناء متصلاً إلا إذا أريد بالفجر الوقت. وفي لفظ للدارقطني: «لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا سجدتين» (١). وفي لفظ للترمذي: «إلا ركعتي الفجر» (٢). وأما كون قضاء الفرائض يجوز فيها؛ فلقوله ﷺ : «من نام عن صلاة أو أنسيها فليصلها إذا ذكرها» (٣) رواه مسلم. قال: (وتجوز صلاة الجنازة، وركعتا الطواف، وإعادة الجماعة إذا أقيمت وهو في المسجد بعد [طلوع الفجر و] (٤) العصر. وهل يجوز في الثلاثة الباقية؟ على روايتين). أما كون صلاة الجنازة بعد الفجر والعصر تجوز؛ فلأن وقت النهي فيها يطول فجازت خوفاً على الميت من الفساد. ولأنها من فروض الكفايات أشبهت الفرض. وأما كونها تجوز في الأوقات الباقية على روايةٍ؛ فلشبهها بالفرائض. ولما في ذلك من المبادرة إلى الدفن المطلوبة شرعاً. وأما كونها لا تجوز على روايةٍ؛ فلأنه زمن يسير لا يخشى فساد الميت فيه. وأما كون ركعتي الطواف بعد الفجر والعصر يجوزان؛ فلقوله ﵇: «يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة من ليل أو نهار» (٥) رواه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح.

стр. 435

ولأنه تابع للطواف. وقد سماه النبي ﷺ صلاة. فإذا جاز فعل المتبوع؛ فلأن يجوز فعل التابع بطريق الأولى. وأما كونهما في الأوقات الباقية يجوزان على روايةٍ؛ فلظاهر الحديث المتقدم. وأما كونهما لا يجوزان على روايةٍ؛ فلعموم النهي عن الصلاة. ولأنه لا يشق تأخير ركعتي الطواف في هذه الأوقات لقصرها بخلاف الوقتين الأولين. وأما كون إعادة الجماعة بعد الفجر يجوز؛ فلما روى يزيد بن الأسود قال: «صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر. فلما قضى صلاته إذ هو برجلين لم يصليا معه. فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: يا رسول الله! ﷺ قد صلينا في رحالنا. قال: لا تفعلا. إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة» (١) رواه أبو داود والترمذي والأثرم. وأما كونها بعد العصر تجوز؛ فلمشاركته لما بعد الفجر في جميع ما تقدم. وأما كونها في الأوقات الباقية تجوز على روايةٍ؛ فبالقياس على ما بعد الفجر. وأما كونها لا تجوز على روايةٍ فلعموم النهي عن الصلاة. قال: (ولا يجوز التطوع بغيرها في شيء من الأوقات الخمسة إلا ما له سبب كتحية المسجد، وسجود التلاوة، وصلاة الكسوف، وقضاء السنن الراتبة فإنها على روايتين). أما كون التطوع بغير الصلوات المتقدم ذكرها مما لا سبب له كالنافلة المطلقة لا يجوز في شيء من الأوقات المذكورة؛ فلما تقدم من حديث أبي سعيد وحديث عقبة.

стр. 436

وأما التطوع الذي له سبب فعلى أضرب: أحدها: صلاة الجنازة وركعتا الطواف وإعادة الجماعة. وقد تقدم ذكر ذلك جميعه. وثانيها: تحية المسجد وسجود التلاوة وصلاة الكسوف وقضاء السنن الراتبة وفيها روايتان: إحداهما: لا يجوز في الكل لعموم النهي المتقدم. والثانية: يجوز: أما تحية المسجد؛ فلقوله ﷺ : «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» (١) متفق عليه. وأما سجود التلاوة؛ فلأن التلاوة مستحبة في جميع الأوقات والسجود لها مأمور به ومستحب. وأما الكسوف؛ فلقوله ﵇: «إذا رأيتموها فصلوا» (٢). وأما قضاء السنن الراتبة؛ فلما روت أم سلمة قالت: «دخل عليّ رسول الله ﷺ ذات يوم بعد العصر. فصلى ركعتين. فقلت: يا رسول الله! صليتَ صلاة لم أكن أراك تصليها. فقال: إني كنت أصلي ركعتين بعد الظهر. وإنما قدم وفد بني تميم فشغلوني عنها فهما هاتان الركعتان» (٣) رواه مسلم. ولما روى قيس بن عمرو قال: «رأى رسول الله ﷺ رجلاً يصلي بعد الصبح ركعتين. فقال له رسول الله ﷺ : أصلاة الصبح مرتين؟ فقال له الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين قبلهما فصليتهما الآن. فسكت النبي ﷺ » (٤) رواه أبو داود.

стр. 437

وقال أبو الخطاب: الجواز فيما له سبب أصح لما ذكر من الحديث. ولأنها صلاة لها سبب فجاز فعلها كركعتي الطواف. وقال القاضي: الصحيح من الروايتين أن ذلك لا يفعل لعموم النهي. ولأن النهي عن ذلك نهي تحريم يحصل بفعله الإثم. وما ذكر من أدلة ومن الأمر المراد به ندب واستحباب، وترك المندوب أولى من فعل المحظور لما فيه من الاحتياط. والصحيح ما ذهب إليه القاضي لأن حديث تحية المسجد وصلاة الكسوف عام بالنسبة إلى الوقت، وحديث النهي خاصة بالنسبة إليه فوجب تقديمه، وكذا الأمر بسجود التلاوة لما ذكر. ونص المصنف ﵀ في المغني في صلاة الكسوف: أن النافلة لا تصلى في أوقات النهي سواء كان لها سبب أو لم يكن. ووجهه ما تقدم. وأما حديث أم سلمة فإن تتمته أنها قالت لما قال لها رسول الله ﷺ : «هما ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر: أنقضيها إذا فاتتنا؟ فقال: لا» (١) رواه مسلم. وهذا يدل على أن النبي ﷺ كان ذلك خاصاً به فلا دلالة إذاً على جواز ما ذكر. وحديث قيس إن دل على الجواز لأنه ﵇ سكت فما ذكرناه منطوق وهو راجح على دلالة السكوت. ولأن أبا هريرة روى عن النبي ﷺ : «من لم يصل ركعتي الفجر فليصلهما بعد ما تطلع الشمس» (٢) رواه الترمذي.

стр. 438

باب صلاة الجماعة قال المصنف ﵀: (وهي واجبة للصلوات الخمس على الرجال، لا شرط. وله فعلها في بيته في أصح الروايتين). أما كون الجماعة واجبة للصلوات الخمس على الرجال؛ فلما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «والذي نفسي بيده! لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام. ثم أنطلق معي برجال معهم حزم حطب إلى قوم لا يشهدون الجماعة فأحرق عليهم بيوتهم» (١) متفق عليه. وفي قول المصنف ﵀: على الرجال؛ إشعار بأنها لا تجب على النساء. وهو صحيح؛ لأن الجماعة من شأنها الخروج إلى المسجد غالباً والمرأة لا يشرع لها ذلك. ولذلك كان صلاتها في بيتها أفضل. وأما كونها ليست شرطاً لصحة الصلاة؛ فلقوله ﷺ : «تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة» (٢) متفق عليه. ولو كانت الجماعة شرطاً لما صحت صلاة الرجل وحده فضلاً عن أن يكون له فيها فضل. وقال ابن عقيل: هي شرط؛ لما روى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر. قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض لم يقبل الله منه الصلاة التي صلى» (٣) رواه أبو داود.

стр. 439

والصحيح الأول لما تقدم. والحديث المروي عن ابن عباس من رواية أبو جناب واسمه يحيى بن أبي حية. قال يحيى القطان: متروك لا أستحل أن أروي عنه. وعلى تقدير صحته لا يلزم من عدم القبول عدم الصحة فإنه قد روي «أن شارب الخمر لا يقبل الله صلاته أربعين يوماً» (١). ولو صلى بعد صحوه صحت صلاته. وعلى تقدير دلالته على كون الجماعة شرطاً فما ذكرنا راجح لأن حديثنا صحيح متفق عليه. والعمل بالراجح متعين. وأما كون من وجبت الجماعة عليه له فعلها في بيته في روايةٍ؛ فلقوله ﵇: «جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان» (٢) متفق عليه. وقد «صلى النبي ﷺ الفرض في بيته وهو مريض» (٣) رواه البخاري. وأما كونه ليس له ذلك في روايةٍ؛ فلأن حضور المسجد واجب في روايةٍ لقوله ﵇: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» (٤). والأولى أصح لما تقدم.

стр. 440

قال: (ويستحب لأهل الثغر الاجتماع في مسجد واحد. والأفضل لغيرهم الصلاة في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره. ثم ما كان أكثر جماعة. ثم في المسجد العتيق. وهل الأولى قَصْد الأبعد أو الأقرب؟ على روايتين). أما كون أهل الثغر يستحب لهم الاجتماع في مسجد واحد فلما في ذلك من التكاثر في عين العدو، وإعلاء الكلمة، وتعظيم الإسلام، وحصول الهيبة في قلوبهم والرهبة. وأما كون الأفضل لغير أهل الثغر الصلاة في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره؛ فلأن في حضوره تحصيلاً للجماعة وفي عدمه فواتاً لها بخلاف غير ذلك من المواضع. وأما كون الأفضل بعد ذلك ما كان أكثر جماعة؛ فلقول النبي ﷺ : «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده. وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل. وما كان أكثر فهو أحب إلى الله» (١) من المسند. وأما كون الأفضل بعد ذلك المسجد العتيق؛ فلأن البقعة الحلال من شرائط الصلاة. والمسجد العتيق أقرب إلى القرون المتقدمة. فيكون أقرب إلى الحل. وأما كون الأولى قَصْد الأبعد على روايةٍ فلما فيه من فضيلة السعي وكثرة الخطا والحسنات. وقد روي عن النبي ﷺ : «ألا! أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد ... مختصر» (٢) [رواه مسلم] (٣). وأما كون الأولى قصد الأقرب على روايةٍ؛ فلقوله ﷺ : «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» (٤). ولأن له حق البر والصلة بالجوار فكذلك في حضور جماعته.

стр. 441

قال: (ولا يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه. إلا أن يتأخر لعذر. فإن لم يعلم عذره انتظر وروسل ما لم يُخش خروج الوقت). أما كون أحد لا يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب إذا لم يأذن له ولم يتأخر لعذر؛ فلأن التقدم عليه بغير إذن ولا تأخر يسيء الظن به وينفر (١) الناس عن إمامته وتبطل فائدة اختصاصه بالتقدم إذ لا فائدة لكونه إمام حي إلا اختصاصه بالتقدم في ذلك المسجد. وأما كونه يؤم فيه قبله إذا أَذِن له أو تأخر لعذر؛ فلأن ما ذكر لا يوجد في ذلك. و«لأن النبي ﷺ خرج إلى صلح بني عوف. فقدّم الناس (٢) أبا بكر فصلى» (٣) فلما رجع لم ينكر لأنه تأخر ﷺ لعذر. و«فعل ذلك عبدالرحمن بن عوف مرة فقال النبي ﷺ : أحسنتم» (٤) رواه مسلم. وأما كون الإمام يُنتظر ويُراسل إذا لم يُعلم عذره ما لم يُخش خروج الوقت؛ فلأن الائتمام بإمام الحي سنة وفضيلة فلا يترك مع الإمكان. ولأن في نصب إمام (٥) سواه افتياتاً عليه وعقداً للقلوب على البغضاء.

стр. 442

وقد روي أن بلالاً قال: «استأذنت رسول الله ﷺ في الإقامة. فقال: أبرد. ثم استأذنته ثانياً. فقال: أبرد. ثم استأذنته ثالثاً. فقال: أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم» (١). وفي تقييد الانتظار بعدم خشية خروج الوقت إشعار بأنه إذا خشي خروجه لا يُنتظر. وهو صحيح لئلا تفوت الصلاة وتصير قضاء. قال: (فإن صلى ثم أقيمت الصلاة وهو في المسجد استحب له إعادتها إلا المغرب. وعنه يعيدها ويشفعها برابعة. ولا تكره إعادة الجماعة في غير المساجد الثلاثة). أما كون من صلى ثم أقيمت الصلاة وهو في المسجد يستحب له إعادتها غير المغرب؛ فلما روى يزيد بن الأسود العامري «أن رجلين دخلا المسجد وأقيمت الصلاة. فجلسا في ناحية المسجد لم يصليا. فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته دعا بهما. فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: صلينا في رحالنا. قال لهما رسول الله ﷺ : لا تفعلا. إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد (٢) جماعة فصليا. فإنها لكما نافلة» (٣). وأما كونه يعيد المغرب على روايةٍ؛ فلأنها نافلة والتنفل بالوتر غير مستحب. وأما كونه يعيدها ويشفعها برابعة على روايةٍ؛ فلأن بذلك يخرج التنفل عن أن يكون وتراً. فيحصل الجمع بين إعادة الجماعة وعدم التنفل بالوتر.

стр. 443

وأما كون إعادة الجماعة في غير المساجد الثلاثة لا تكره؛ فلعموم ﷺ : «صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» (١). ومفهوم كلام المصنف ﵀: أنه يكره إعادة الجماعة في المساجد الثلاثة. ونص الإمام أحمد على كراهية ذلك في المسجد الحرام ومسجد رسول الله ﷺ . والأقصى في معناهما. وإنما كره ذلك في الثلاثة لئلا يتقاعد الناس عن الحضور مع الإمام الراتب. وتعظيماً لهذه المواضع. ولا بد أن يلحظ في الكراهية المذكورة عدم العذر فلو تأخر رجل من غير قصد التأخير لغفلة أو نسيان أو عدم العلم بالوقت فقصد المسجد فوجد الإمام الراتب قد صلى فصلى معه رجل لم يكره؛ «لأن النبي ﷺ قال لما دخل الرجل المسجد بعد صلاته: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه» (٢). قال: (وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة. وإن أقيمت وهو في نافلة أتمها إلا أن يخشى فوات الجماعة فيقطعها. وعنه يتمها). أما كون الصلاة إذا أقيمت لا صلاة إلا المكتوبة؛ فلقوله ﷺ : «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» (٣) رواه مسلم. ولأن الاشتغال بالفرض أولى وزمانه أشرف وأكثر ثواباً.

стр. 444

ولأن حضور الجماعة واجب فكذلك أجزاؤها. وكما لا يجوز إخراج جزء منها عن الوقت مع الإمكان فكذلك في الجماعة الواجبة. وأما كون المكتوبة إذا أقيمت وهو في نافلة يتمها إذا لم يخش فوات الجماعة؛ فلقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣]. وأما كونه يقطعها إذا خشي فوات الجماعة على المذهب؛ فلأنه انتقال إلى ما هو أفضل منها. وأما كونه يتمها على روايةٍ؛ فلعموم النهي المتقدم. فظاهر كلام المصنف ﵀ أنه أراد فوات جميع الصلاة. وقال صاحب النهاية فيها: المراد بالفوات فوات الركعة الأولى. وكلٌّ متجه. قال: (ومن كبر قبل سلام الإمام فقد أدرك الجماعة. ومن أدرك الركوع أدرك الركعة وأجزأته تكبيرة واحدة، والأفضل اثنتان). أما كون من كبرّ قبل سلام الإمام فقد أدرك الجماعة؛ فلأن إدراك الجزء من العبادة بمنزلة إدراك الركعة. دليله ما لو كبر ثم خرج الوقت. ولأن المسافر لو اقتدى بمقيم في مثل ذلك لزمه الإتمام. فكذا تحصل له فضيلة الجماعة.

стр. 445

ولا بد أن يُلحظ في إدراك فضيلة الجماعة بالتكبير قعود المكبر في التشهد الأخير مع الإمام؛ لأنه لو كبر وهو قائم ثم سلم الإمام لم يكن مدركاً فضيلة الجماعة. كما لو كبر المأموم والإمام رافع ثم ركع المأموم فإنه لا يكون مدركاً للركعة. وأما كون من أدرك الركوع أدرك الركعة؛ فلقوله ﷺ : «إذا أدركتم الإمام في السجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئاً. ومن أدرك الركوع فقد أدرك الركعة» (١) رواه أبو داود. وأما كونه يجزئه تكبيرة واحدة عن تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع؛ فلأنه فِعْل زيد بن ثابت وابن عمر ﵄. ولأنه اجتمع عبادتان من جنس واحد فأجزأ الأكبر عن الأصغر كطواف الزيارة عند الوداع فإنه مجزئ عنه وعن طواف الوداع. وأما كون الأفضل اثنتين؛ فلأنه أتى بالذكر المشروع في الافتتاح والانحناء. ولأنه اختلف في وجوب التكبير للانحناء فإذا أتى بتكبيرتين فقد خرج عن العهدة بيقين. وكان أفضل لتيقن براءته. قال: (وما أدرك مع الإمام فهو آخر صلاته. وما يقضيه أولها. يستفتح له ويتعوذ ويقرأ السورة).

стр. 446

أما كون ما يدرك المأموم المسبوق مع الإمام آخر صلاته وما يقضيه أولها؛ فلما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا» (١) متفق عليه. والقضاء: فعل ما فات والذي فات أول الصلاة. وعن الإمام أحمد رحمة الله عليه أن ما يقضيه آخر صلاته؛ لقوله ﷺ : «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» (٢). والأول أصح لما ذكر. ومعنى الحديث الثاني: فأتموا قضاء لما في ذلك من الجمع بين الحديثين. وأما كونه يستفتح فيما يقضيه ويتعوذ ويقرأ السورة على القول بأنه أول صلاته؛ فلأن ذلك شأن أول الصلاة. وعلى الرواية الأخرى لا يستفتح ولا يتعوذ ولا يقرأ السورة لأن ذلك شأن آخر الصلاة.

стр. 447

قال: (ولا تجب القراءة على المأموم. ويستحب أن يقرأ في سكتات الإمام، وما لا يجهر فيه، أو لا يسمعه لبعده. فإن لم يسمعه لطرش فعلى وجهين. وهل يستفتح ويستعيذ فيما يجهر فيه الإمام؟ على روايتين). أما كون القراءة لا تجب على المأموم؛ فلقوله ﷺ : «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» (١) [رواه الدارقطني] (٢). وروى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «يكفيك قراءة الإمام خافتَ أو جهر» (٣). ولأنه حال جهر الإمام مأمور بالإنصات وذلك ينافي وجوب القراءة عليه. وأما كونه يستحب أن يقرأ في سكتات الإمام وما لا يجهر فيه أو لا يسمعه لبعده؛ فلأن القراءة مشروعة في جميع الصلاة لأنها محل ذلك. وإنما تُرك ذلك في حق المأموم فيما يجهر فيه إمامه لأنه يشوش عليه ويمنعه من سماع القراءة. وهذا المعنى مفقود في هذه المواضع فيبقى على مقتضى الدليل. ولأنه روي في بعض ألفاظ الحديث: «إذا أسررتُ بقرائتي فاقرؤا» (٤). وأما كونه إذا لم يسمعه لطرش يستحب له القراءة على وجهٍ؛ فلأنه لا يسمع فلا يكون مأموراً بالإنصات فشرع له القراءة كالذي قبله.

стр. 448

وأما كونه يكره له على وجهٍ؛ فلما فيه من تشويش الصلاة على الإمام وعلى من يُنصت من بقية المأمومين. وأما كونه يستحب له أن يستفتح ويستعيذ فيما يجهر فيه الإمام على روايةٍ؛ فلأن سماعه لقراءة الإمام قامت مقام قراءته بخلاف الاستفتاح والاستعاذة فإن الإمام يسر بهما فيسن قولهما للمأموم لئلا يترك الأصل وما قام مقامه. وأما كونه يكره له ذلك على روايةٍ وهي الصحيحة؛ فلأن الاستفتاح والتعوذ تابعان للقراءة فإذا كره المتبوع كره التابع. قال: (ومن ركع أو سجد قبل إمامه فعليه أن يرفع ليأتي به بعده. فإن لم يفعل عمداً بطلت صلاته عند أصحابنا إلا القاضي). أما كون من ركع أو سجد قبل إمامه عليه أن يرفع ليأتي به بعده؛ فلأن إتيانه بعده واجب لأن النبي ﷺ قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به. فإذا ركع فاركعوا. وإذا سجد فاسجدوا» (١). أمر بذلك بعد فعل الإمام. وأمره للوجوب. ولا يمكن ذلك إلا بالرفع. وكذلك قال المصنف ﵀: ليأتي به بعده. والمراد بالبعدية هنا بعد شروع الإمام في الركن لا بعد فراغه منه. وأما كونه إذا لم يرفع عمداً تبطل صلاته عند أصحابنا غير القاضي؛ فلأنه سابَقَ إمامه في الركوع والسجود (٢) أشبه ما لو سابقه في السلام.

стр. 449

ولأنه متى فعل ذلك متعمداً فقد ارتكب النهي وخالف الأمر. وذلك يقتضي الفساد. ومقتضى هذا التعليل أنه متى سابقه عمداً في ركوع أو سجود أو رفع بطلت صلاته. ونقله ابن عقيل رواية. وذكر المصنف ﵀ في الكافي: أنه ظاهر كلام الإمام أحمد رحمة الله عليه لأنه قال: لو كان له صلاة لرجي له الثواب ولم يخش عليه العقاب. إشارة منه إلى قوله ﵇: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحوّل الله رأسه رأس حمار» (١) متفق عليه. وأما كونها لا تبطل عند القاضي؛ فلأنه شارك إمامه في الركن المقصود وإنما فارقه في الانحناء وليس بمقصود لأنه وسيلة إلى المقصود والاتفاق في المقصود مع الافتراق في الوسيلة لا يضر كما لو سابقه في الأقوال. قال: (فإن ركع ورفع قبل ركوع إمامه عالماً عمداً فهل تبطل صلاته؟ على وجهين. وإن كان جاهلاً أو ناسياً لم تبطل صلاته. وهل تبطل الركعة؟ على روايتين). أما كون صلاة من ركع ورفع قبل إمامه مع علمه بكونه مبطلاً وعمده كذلك تبطل صلاته على وجهٍ؛ فلأنه سبق بركن كامل وهو معظم الركعة أشبه ما لو سبقه في السلام. وأما كونها لا تبطل على وجهٍ فكما لو ركع أو رفع.

стр. 450

وأما كون صلاة من فعل ذلك مع جهله أو نسيانه لا تبطل؛ فلأن تحريمه بالصلاة صحيح ولم يوجد ما يبطله لأن فعل الجاهل والناسي يعذران فيه. وأما كون الركعة تبطل على روايةٍ؛ فلأنه لم يجتمع مع إمامه في الركوع [أشبه ما لو أدرك الإمام بعد الرفع من الركوع. والثانية: لا تبطل لأنه معذور] (١) أشبه ما لو أحرم معه ثم ركع الإمام ورفع وهو قائم ظناً أن الإمام لم يركع بعد. قال: (فإن ركع ورفع قبل ركوعه ثم سجد قبل رفعه بطلت صلاته. إلا الجاهل والناسي تصح صلاتهما وتبطل تلك الركعة). أما كون صلاة غير الجاهل والناسي تبطل؛ فلأن ذلك مسابقة ومفارقة كثيرة. وأما كون صلاة الجاهل والناسي تصح؛ فلصحة تحريمها وعذرهما. وأما كون تلك الركعة تبطل؛ فلأنه لم يتابع إمامه في معظم الركعة. ولأنه إذا سبق إمامه بالركوع وحدَه أبطل؛ لأنه عماد الركعة فهذا بطريق الأولى.

стр. 451

قال: (ويستحب للإمام تخفيف الصلاة مع إتمامها. وتطويل الركعة الأولى أكثر من الثانية). أما كون الإمام يستحب له التخفيف مع الإتمام؛ فلما روى أنس قال: «ما صليت خلف أحد أخف ولا أتم من صلاة رسول الله ﷺ » (١). ولأن النبي ﷺ قال: «إذا أمّ أحدكم فليُخَفِّف. فإن فيهم الضعيف وذا الحاجة» (٢). ومعنى إتمام الصلاة: أن يفعل أدنى الكمال من التسبيح والقراءة وسائر أجزاء الصلاة. وهذا التخفيف مختص بمن لا تُؤْثِر جماعته التطويل فإن آثرته استحب؛ «لأن النبي ﷺ كان يقرأ بالستين إلى المائة» (٣)، و «بقاف» (٤)، و «بالروم» (٥)، و «بالمؤمنون (٦») (٧).

стр. 452

وأما كونه يستحب له تطويل الركعة الأولى أكثر من الثانية؛ فـ «لأن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعة الثانية على النصف مما قرأ به في الركعة الأولى» (١). ولأنه إذا طول الأولى لحقه المأمومون ولم يفتهم من صلاة الجماعة شيء. قال: (ولا يستحب انتظار داخل وهو في الركوع في إحدى الروايتين. وإذا استأذنت المرأة إلى المسجد كره منعها. وبيتها خير لها). أما كون الإمام لا يستحب له انتظار الداخل في حال ركوعه في روايةٍ؛ فلأن انتظاره له يؤدي إلى التشريك في العبادة. وأما كونه يستحب له في روايةٍ؛ فلما روى ابن أبي أوفى «أن النبي ﷺ كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع قدم» (٢) رواه أبو داود. وروى جابر «أن النبي ﷺ كان إذا ركع سمع حساً خلفه لم يرفع حتى لا يسمع حساً». ولأنه نفعٌ للداخل من غير مشقة فشرع كتخفيف الصلاة إذا سمع بكاء الصغير تخفيفاً على أمه.

стр. 453

ولا بد أن يلحظ في هذه الرواية عدم مشقة المأمومين فلو شق ذلك عليهم لم يستحب لما تقدم من قوله ﵇: «إذا أمَّ أحدكم فليخفّف فإن فيهم الضعيف وذا الحاجة» (١). وأما كون المرأة إذا استأذنت إلى المسجد يكره منعها وبيتها خير لها؛ فلقوله ﷺ : «لا تمنعوا إماءَ اللهِ مساجدَ اللهِ وبيوتُهن خيرٌ لهن» (٢) رواه الإمام أحمد.

стр. 454

فصل في الإمامة قال المصنف ﵀: (السنة أن يَؤم القوم أقرؤهم. ثم أفقههم. ثم أسَنُّهم. ثم أقدمهم هجرة. ثم أشرفهم. ثم أتقاهم. ثم من تقع له القرعة). أما كون السنة أن يؤم القوم أقرؤهم ثم أفقههم؛ فلما روى أبو مسعود البدري (١) أن النبي ﷺ قال: «يؤم القوم أقرؤهم فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة» (٢). وروى أبو سعيد أن النبي ﷺ قال: «إذا اجتمع ثلاثة فليؤمهم أحدهم وأحقهم بالإمامة أقرؤهم» (٣) رواهما مسلم. وأما كون السنة أن يؤمهم بعدَ ما ذكر أسنهم؛ فلقوله ﷺ لمالك بن الحويرث وصاحبه: «إذا حضرت الصلاة فأذنا وليؤمكما أكبركما» (٤) متفق عليه. وفي بعض الحديث: «وكانت قرائتهما متقاربة» (٥). ولأن الكبير أخشع في صلاته وأقرب إلى إجابة الدعاء. وقال ابن حامد: أولاهم بعد القراءة والفقه أشرفهم ثم أقدمهم هجرة ثم أكبرهم سناً.

стр. 455

وظاهر كلام الإمام أحمد رحمة الله عليه أنهما إذا استويا في القراءة والفقه فأولاهما أقدمهما هجرة ثم أسنهما؛ لأن تكملة حديث أبي مسعود (١): «فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة. فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سناً» (٢). وأما كون السنة أن يؤم القوم بعد ما تقدم ذكره أقدمهم هجرة؛ فلما تقدم في حديث أبي مسعود (٣). ومعنى الأقدم هجرة أن يكون أحدهما أسبق هجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام. وأما كون السنة أن يؤم القوم بعد ذلك أشرفهم؛ فلقوله ﷺ : «الأئمة من قريش» (٤). وقال ﷺ : «قدموا قريشاً ولا تَقَدّموها» (٥). وأما كون السنة أن يؤمهم بعد ذلك أتقاهم؛ فلأنه أقرب إلى الإجابة. وقد جاء: «إذا أمَّ الرجلُ القومَ وفيهم من هو أفضلُ لم يزالوا في سِفَال» (٦). ذكره الإمام أحمد ﵀ في رسالته. وأما كون السنة أن يؤمهم بعد ذلك من تقع له القرعة؛ فـ «لأن سعد بن أبي وقاص ﵁ أقرع بين الناس في التأذين حين تشاحوا فيه» (٧) والإمامة مثله.

стр. 456

ولأن القرعة ترفع النزاع والتشاحن وتقطع الخصام. قال: (وصاحب البيت وإمام المسجد أحق بالإمامة إلا أن يكون بعضهم ذا سلطان). أما كون صاحب البيت أحق من غيره بالإمامة إذا لم يكن بعضهم من في بيته ذا سلطان؛ فلقوله ﷺ : «صاحب الدار أحق بالدار» (١). وقوله: «لا يُؤَمَّنّ الرجل في بيته» (٢). وأما كون إمام المسجد أحق من غيره بالإمامة إذا لم يكن بعض من في المسجد كذلك؛ فـ «لأن ابن عمر ﵂ كان له مولى يصلي في مسجد. فحضر ابن عمر. فقيل له: تقدم. فقدم مولاه. وقال: أنت أحق بالإمامة في مسجدك» (٣). ولأن في تقديم غيره افتياتاً على من نصبه وكسراً لقلب (٤) المولّى. وأما كون السلطان أحق منهما؛ فلأن له ولاية عامة عليهما وعلى غيرهما. و«لأن النبي ﷺ أمّ عتبان بن مالك وأنساً في بيوتهما» (٥). وذكر أبو الخطاب وجهاً أنهما أحق من السلطان لأن مرتبة السلطان لا تنقص بذلك وفيه جبر قلب صاحب (٦) البيت والإمام الراتب. وزيادة في شرفه.

стр. 457

قال: (والحر أولى من العبد. والحاضر أولى من المسافر. والبصير أولى من الأعمى في أحد الوجهين). أما (١) كون الحر أولى من العبد؛ فلأن الحر أشرف منه وأكمل في أحكامه. ويصلح لإمامة الجمعة (٢) والعيد بخلاف العبد. وقول المصنف ﵀: [أولى من العبد] (٣)؛ مشعر بصحة إمامة العبد وهو صحيح؛ لعموم قوله ﷺ : «يؤم القوم أقرؤهم» (٤). و«لأن عائشة ﵂ صلت خلفَ غلام لها» (٥). و«صلى أبو سعيد مولى أبي أسيد وهو عبد بأبي ذر وابن مسعود وحذيفة ﵃» (٦) رواه صالح بن الإمام أحمد رحمة الله عليهما في مسائله. ولأنه أهلٌ للأذان فصلح أن يكون إماماً كالحر. وأما كون الحاضر أولى من المسافر؛ فلأنه إذا أم حصل جميع الصلاة في جماعة بخلاف المسافر. وأما كون البصير أولى من الأعمى في وجه؛ فلأنه أقدر على توقي النجاسات واستقبال القبلة باجتهاده. وأما كونهما سواء في وجهٍ قاله القاضي؛ فلأن الأعمى أخشع من البصير فيكون ذلك مقابلاً لتوقي النجاسات.

стр. 458

قال: (وهل تصح إمامة الفاسق والأقلف؟ على روايتين. وفي إمامة أقطع اليدين وجهان). أما كون إمامة الفاسق لا تصح على روايةٍ؛ فلقوله تعالى: ﴿أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون﴾ [السجدة: ١٨]. وقوله ﷺ : «لا تَؤمن امرأة رجلاً. ولا فاجر مؤمناً إلا أن يقهره سلطان أو يخاف سوطه» (١) [رواه ابن ماجة] (٢). وفي لفظ: «ولا فاسق مؤمناً». وقوله ﵇: «انتقدوا أئمتكم نقد الدينار». وأما كونها تصح على روايةٍ؛ فـ «لأن النبي ﷺ قال لأبي ذر: كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ قال: قلت: فما تأمرني؟ فقال: صل الصلاة في وقتها. فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة» (٣) رواه مسلم. و«كان ابن عمر ﵄ يصلي وراء الحجاج» (٤). «والحسن والحسين ﵄ يصليان وراء مروان» (٥). وأما كون إمامة الأقلف لا تصح على روايةٍ؛ فلأنه حامل لنجاسة ظاهرة يمكنه إزالتها بإزالة المانع بالختان. وأما كونها تصح على روايةٍ فلتعذر زوال النجاسة في الحال. والختان مختلف في وجوبه فلم تكن إزالتها واجبة لا محالة. وأما كون إمامة أقطع اليدين لا تصح في وجه فلإخلاله بعضو من أعضاء السجود. وأما كونها تصح في وجه؛ فلأنه لا يخل بركن من أركان الصلاة.

стр. 459

وذكر المصنف ﵀ في المغني هذين الوجهين روايتين. والحكم في أقطع الرجلين أو إحداهما أو إحدى اليدين كالحكم في أقطع اليدين لاتحاد الكل في الإخلال بعضو وعدمه بما هو ركن. قال: (ولا تصح الصلاة خلف كافر، ولا أخرس، ولا من به سلس البول، ولا عاجز عن الركوع والسجود والقعود). أما كون الصلاة لا تصح خلف كافرٍ؛ فلأن الصلاة تفتقر إلى النية وكذا الوضوء. والنية فيهما لا تصح من الكافر. وسواء عَلم بكفره في الصلاة أو بعد الفراغ منها لأن أمارات الكفر لا تخفى غالباً فكأنه إذا لم يَعلم يعد مقصراً. وأما كونها لا تصح خلف أخرس؛ فلأنه مأيوس من قرائته فقد فات ركن من أركان الصلاة على وجهٍ لا يرجى وجوده فلم تصح الصلاة خلفه كالعاجز عن الركوع والسجود. فعلى هذا لا فرق بين كون المأموم أخرس أو ناطقاً لما ذكر من فوات الركن الذي هو القراءة. وذكر المصنف ﵀ في الكافي أنه يصح إمامة الأخرس بمثله لاستوائهما في فوات الركن. أشبه إمامة الأمي بمثله. وأما كونها لا تصح خلف من به سلس البول؛ فلأن في صلاته خللاً غير مجبور ببدل. ولأنه محدث حامل للنجاسة أشبه ما لو صلى خلف محدث يعلم بحدثه. فإن قيل: فلم صحت صلاته في نفسه؟ قيل: للضرورة. وأما كونها لا تصح خلف عاجز عن الركوع والسجود والقعود؛ فلأنه أخل بركن لا يسامح به في النافلة فلم يجز للقادر عليه الائتمام به كالقارئ بالأمي.

стр. 460

قال: (ولا تصح خلف عاجز عن القيام إلا إمام الحي المرجو زوال علته. ويصلون وراءه جلوساً. فإن صلوا قياماً صحت صلاتهم في أحد الوجهين. وإن ابتدأ بهم الصلاة قائماً ثم اعتل فجلس أتموا خلفه قياماً). أما كون صلاة القادر على القيام لا تصح خلف عاجز عنه غير إمام الحي المذكور؛ فلأنه عجز عن ركنٍ من أركان الصلاة فلم يصح الاقتداء به كالعاجز عن القراءة. وأما كونها تصح خلف إمام الحي المذكور؛ فـ «لأن النبي ﷺ صلى جالساً مرتين أو ثلاثاً وصلى الناس خلفه» (١). وإنما اشترط في صحة صلاة القائم خلف العاجز عن القيام أن يكون العاجز إمام حي وأن تكون علته مرجوة الزوال لأن مقتضى الدليل أن لا يصح مطلقاً لما تقدم في صلاة القادر على الركوع خلف العاجز عنه. تُرك العمل به فيما ذكر لفعل النبي ﷺ وكان موصوفاً فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاه. وأما كون من وراءه يصلون جلوساً إذا لم يبتدأهم الصلاة قائماً؛ فلقوله ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به. فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً. وإن صلى جالساً فلا تقوموا وهو جالس كما يفعل أهل فارس بعظمائها» (٢) رواه مسلم. ولقوله: «وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعين» (٣) متفق عليه. ولأنها حالة قعود للإمام فوجب متابعته كالتشهد. وأما كون صلاتهم تصح إذا صلوا قياماً؛ [فلأن النبي ﷺ ] (٤) لم يأمرهم بالإعادة.
следующие страницы →