← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ولأن القرعة ترفع النزاع والتشاحن وتقطع الخصام. قال: (وصاحب البيت وإمام المسجد أحق بالإمامة إلا أن يكون بعضهم ذا سلطان). أما كون صاحب البيت أحق من غيره بالإمامة إذا لم يكن بعضهم من في بيته ذا سلطان؛ فلقوله ﷺ : «صاحب الدار أحق بالدار» (١). وقوله: «لا يُؤَمَّنّ الرجل في بيته» (٢). وأما كون إمام المسجد أحق من غيره بالإمامة إذا لم يكن بعض من في المسجد كذلك؛ فـ «لأن ابن عمر ﵂ كان له مولى يصلي في مسجد. فحضر ابن عمر. فقيل له: تقدم. فقدم مولاه. وقال: أنت أحق بالإمامة في مسجدك» (٣). ولأن في تقديم غيره افتياتاً على من نصبه وكسراً لقلب (٤) المولّى. وأما كون السلطان أحق منهما؛ فلأن له ولاية عامة عليهما وعلى غيرهما. و«لأن النبي ﷺ أمّ عتبان بن مالك وأنساً في بيوتهما» (٥). وذكر أبو الخطاب وجهاً أنهما أحق من السلطان لأن مرتبة السلطان لا تنقص بذلك وفيه جبر قلب صاحب (٦) البيت والإمام الراتب. وزيادة في شرفه.

стр. 457

قال: (والحر أولى من العبد. والحاضر أولى من المسافر. والبصير أولى من الأعمى في أحد الوجهين). أما (١) كون الحر أولى من العبد؛ فلأن الحر أشرف منه وأكمل في أحكامه. ويصلح لإمامة الجمعة (٢) والعيد بخلاف العبد. وقول المصنف ﵀: [أولى من العبد] (٣)؛ مشعر بصحة إمامة العبد وهو صحيح؛ لعموم قوله ﷺ : «يؤم القوم أقرؤهم» (٤). و«لأن عائشة ﵂ صلت خلفَ غلام لها» (٥). و«صلى أبو سعيد مولى أبي أسيد وهو عبد بأبي ذر وابن مسعود وحذيفة ﵃» (٦) رواه صالح بن الإمام أحمد رحمة الله عليهما في مسائله. ولأنه أهلٌ للأذان فصلح أن يكون إماماً كالحر. وأما كون الحاضر أولى من المسافر؛ فلأنه إذا أم حصل جميع الصلاة في جماعة بخلاف المسافر. وأما كون البصير أولى من الأعمى في وجه؛ فلأنه أقدر على توقي النجاسات واستقبال القبلة باجتهاده. وأما كونهما سواء في وجهٍ قاله القاضي؛ فلأن الأعمى أخشع من البصير فيكون ذلك مقابلاً لتوقي النجاسات.

стр. 458

قال: (وهل تصح إمامة الفاسق والأقلف؟ على روايتين. وفي إمامة أقطع اليدين وجهان). أما كون إمامة الفاسق لا تصح على روايةٍ؛ فلقوله تعالى: ﴿أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون﴾ [السجدة: ١٨]. وقوله ﷺ : «لا تَؤمن امرأة رجلاً. ولا فاجر مؤمناً إلا أن يقهره سلطان أو يخاف سوطه» (١) [رواه ابن ماجة] (٢). وفي لفظ: «ولا فاسق مؤمناً». وقوله ﵇: «انتقدوا أئمتكم نقد الدينار». وأما كونها تصح على روايةٍ؛ فـ «لأن النبي ﷺ قال لأبي ذر: كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ قال: قلت: فما تأمرني؟ فقال: صل الصلاة في وقتها. فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة» (٣) رواه مسلم. و«كان ابن عمر ﵄ يصلي وراء الحجاج» (٤). «والحسن والحسين ﵄ يصليان وراء مروان» (٥). وأما كون إمامة الأقلف لا تصح على روايةٍ؛ فلأنه حامل لنجاسة ظاهرة يمكنه إزالتها بإزالة المانع بالختان. وأما كونها تصح على روايةٍ فلتعذر زوال النجاسة في الحال. والختان مختلف في وجوبه فلم تكن إزالتها واجبة لا محالة. وأما كون إمامة أقطع اليدين لا تصح في وجه فلإخلاله بعضو من أعضاء السجود. وأما كونها تصح في وجه؛ فلأنه لا يخل بركن من أركان الصلاة.

стр. 459

وذكر المصنف ﵀ في المغني هذين الوجهين روايتين. والحكم في أقطع الرجلين أو إحداهما أو إحدى اليدين كالحكم في أقطع اليدين لاتحاد الكل في الإخلال بعضو وعدمه بما هو ركن. قال: (ولا تصح الصلاة خلف كافر، ولا أخرس، ولا من به سلس البول، ولا عاجز عن الركوع والسجود والقعود). أما كون الصلاة لا تصح خلف كافرٍ؛ فلأن الصلاة تفتقر إلى النية وكذا الوضوء. والنية فيهما لا تصح من الكافر. وسواء عَلم بكفره في الصلاة أو بعد الفراغ منها لأن أمارات الكفر لا تخفى غالباً فكأنه إذا لم يَعلم يعد مقصراً. وأما كونها لا تصح خلف أخرس؛ فلأنه مأيوس من قرائته فقد فات ركن من أركان الصلاة على وجهٍ لا يرجى وجوده فلم تصح الصلاة خلفه كالعاجز عن الركوع والسجود. فعلى هذا لا فرق بين كون المأموم أخرس أو ناطقاً لما ذكر من فوات الركن الذي هو القراءة. وذكر المصنف ﵀ في الكافي أنه يصح إمامة الأخرس بمثله لاستوائهما في فوات الركن. أشبه إمامة الأمي بمثله. وأما كونها لا تصح خلف من به سلس البول؛ فلأن في صلاته خللاً غير مجبور ببدل. ولأنه محدث حامل للنجاسة أشبه ما لو صلى خلف محدث يعلم بحدثه. فإن قيل: فلم صحت صلاته في نفسه؟ قيل: للضرورة. وأما كونها لا تصح خلف عاجز عن الركوع والسجود والقعود؛ فلأنه أخل بركن لا يسامح به في النافلة فلم يجز للقادر عليه الائتمام به كالقارئ بالأمي.

стр. 460

قال: (ولا تصح خلف عاجز عن القيام إلا إمام الحي المرجو زوال علته. ويصلون وراءه جلوساً. فإن صلوا قياماً صحت صلاتهم في أحد الوجهين. وإن ابتدأ بهم الصلاة قائماً ثم اعتل فجلس أتموا خلفه قياماً). أما كون صلاة القادر على القيام لا تصح خلف عاجز عنه غير إمام الحي المذكور؛ فلأنه عجز عن ركنٍ من أركان الصلاة فلم يصح الاقتداء به كالعاجز عن القراءة. وأما كونها تصح خلف إمام الحي المذكور؛ فـ «لأن النبي ﷺ صلى جالساً مرتين أو ثلاثاً وصلى الناس خلفه» (١). وإنما اشترط في صحة صلاة القائم خلف العاجز عن القيام أن يكون العاجز إمام حي وأن تكون علته مرجوة الزوال لأن مقتضى الدليل أن لا يصح مطلقاً لما تقدم في صلاة القادر على الركوع خلف العاجز عنه. تُرك العمل به فيما ذكر لفعل النبي ﷺ وكان موصوفاً فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاه. وأما كون من وراءه يصلون جلوساً إذا لم يبتدأهم الصلاة قائماً؛ فلقوله ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به. فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً. وإن صلى جالساً فلا تقوموا وهو جالس كما يفعل أهل فارس بعظمائها» (٢) رواه مسلم. ولقوله: «وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعين» (٣) متفق عليه. ولأنها حالة قعود للإمام فوجب متابعته كالتشهد. وأما كون صلاتهم تصح إذا صلوا قياماً؛ [فلأن النبي ﷺ ] (٤) لم يأمرهم بالإعادة.

стр. 461

وأما كونها لا تصح في وجهٍ؛ فـ «لأن النبي ﷺ أمر بالجلوس» وأمره للوجوب. و «نهى عن القيام» والنهي يقتضي الفساد. وقيل: هذان الوجهان روايتان. وأما كونهم يتمون خلفه قياماً إذا ابتدأ بهم الصلاة قائماً ثم اعتل فجلس؛ فـ «لأن أبا بكر ابتدأ بالصحابة الصلاة قائماً. ثم جاء النبي ﷺ فأتم الصلاة بهم جالساً. وأتم من خلفه قياماً» (١). ولأن القيام هو الأصل فمن بدأ به في الصلاة لزمه في جميعها كمن شرع في صلاة وهو مقيم ثم خرجت به السفينة في أثناء الصلاة فلم يجز له القصر. وفي هذا جمع بين أمره بالقعود وبين إقراره على تركه آخر أمره لأنا حملنا قوله: «وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعين» (٢) ونحو ذلك على ما إذا ابتدأ الصلاة جالساً، وإقرارَه على القيام في آخر أمره على ما إذا ابتدأ الصلاة قائماً ثم اعتل؛ لأن إمامة النبي ﷺ في أثناء صلاة أبي بكر كاعتلال أبي بكر ﵁. ولا شبهة أن ذلك أولى من النسخ لا سيما مع ظهور الفرق بين ابتدائه الصلاة معتلاً وبين اعتلاله في أثنائها. قال: (ولا تصح إمامة المرأة والخنثى للرجال ولا للخناثى. ولا إمامة الصبي لبالغ إلا في النفل على إحدى الروايتين). أما كون إمامة المرأة للرجال لا تصح؛ فلأن النبي ﷺ قال: «لا تؤمن امرأة رجلاً» (٣). ولأن المرأة لا تُؤَذّن للرجال فلا تكون إمامةً لهم كالمجنون.

стр. 462

ونقل أبو الخطاب عن أصحابنا: أنه (١) يجوز أن تكون المرأة إمامة للرجال في التراويح خاصة؛ لما روى عبدالرحمن بن خلاد عن أم ورقة بنت عبدالله بن الحارث «أن رسول الله ﷺ جعل لها مؤذناً يُؤذن لها. وأمرها أن تؤم أهل دارها» (٢) رواه أبو داود. وهذا عام في الرجال والنساء. وظاهر كلام المصنف ﵀ هنا أنه لا يجوز أن تؤم في ذلك ولا في غيره. وصرح به في المغني. وأجاب عن حديث أم ورقة أن في روايةٍ الدارقطني «أن تؤم بنساء أهل دارها» (٣). فيحمل المطلق على المقيد. وذكر صاحب النهاية فيها «أن أم ورقة قالت: يا رسول الله! ﷺ إني امرأة أصلي بأهل بيتي لأني أحفظ القرآن وهم لا يحفظون. فقال: قدمي الرجال أمامك وقومي فصلي بهم من ورائهم. وقومي مع النساء» وهذا تصريح بإمامة المرأة للرجل لا احتمال فيه ولا إطلاق. فعلى قول المصنف ﵀ لا كلام فيه (٤)، وعلى نقل أبي الخطاب: يشترط في المأموم أن يكون ممن يجوز له سماع كلامها. ذكره صاحب النهاية فيها لأن المأموم إذا كان أجنبياً حرم عليه سماع كلامها. والإمام لا مندوحة له عن الكلام إما في التكبير وإما في القراءة. وأما كون إمامة المرأة (٥) للخناثى لا تصح فلجواز أن يكونوا رجالاً وقد تقدم أنه لا يصح إمامة المرأة للرجال. وأما كون إمامة الخنثى للرجال لا تصح؛ فلجواز كون الإمام امرأة والمأموم رجلاً [وقد تقدم أنه لا يصح أن تكون المرأة إماماً للرجل.

стр. 463

وأما عدم جواز صلاة الخنثى بالخنثى؛ فلجواز كون الإمام امرأة والمأموم رجلاً] (١). وأما كون إمامة الصبي لبالغ في الفرض لا تصح؛ فلقوله ﷺ : «لا تقدموا صبيانكم» (٢). ولأن الإمامة حالُ كمال والصبي ليس من أهله أشبه المرأة. بل آكد لأنه نقص يمنع التكليف وصحة الإقرار. ولأن الإمام ضامن يتحمل عن المأمومين والصبي ليس من أهل الضمان. وأما كونها تصح في النفل على روايةٍ؛ فلأنها نافلة في حقه فيقتدي به من هو متنفل مثله. وأما كونها لا تصح على روايةٍ؛ فبالقياس على الفرض. والأولى أصح؛ لما تقدم. وقالت عائشة ﵂: «كنا نأخذ الصبيان من الكُتّاب فيصلوا بنا التراويح. ويعملوا (٣) لنا الخشكنان». ولأنها أخف حالاً من الفرض يسقط فيها بعض أركان الصلاة من استقبال القبلة والقيام. وذكر أبو الخطاب في صحة إمامة الصبي في الفرض روايةً؛ لأن النبي ﷺ لما قال: «يؤم القوم أقرؤهم. قال عمرو بن سلمة: كنت أقرؤهم وكنت أصلي بهم وأنا ابن سبع سنين أو ثمان سنين» (٤) رواه أبو داود. وهذا الحديث كان الإمام أحمد يضعفه. قال الخطابي: وعلى تقدير صحته لا يصح الاحتجاج به إلا إذا بلغ النبي ﷺ ذلك فأقره [عليه.

стр. 464

ويمكن الجواب عنه بأن الظاهر من حاله أنه بلغ النبي ﷺ عليه فأقره] (١). والعمل بالظاهر متعين. قال: (ولا تصح إمامة محدِث ولا نجس يعلم ذلك. فإن جهل هو والمأموم حتى قضوا الصلاة صحت صلاة المأموم وحده). أما كون إمامة المحدث والنجس العالمين بحالهما لا تصح؛ فلأن الطهارة من الحدث والنجس شرط لصحة الصلاة فضلاً عن الإمامة وهو مفقود هنا فلم يصح لفوات الشرط. وأما كون المأموم تصح صلاته إذا جهل هو والإمام (٢) إلى فراغ صلاته؛ فلما روى البراء بن عازب قال: «صلى رسول الله ﷺ بقوم وليس هو على وضوء فتمت للقوم وأعاد النبي ﷺ » (٣). وروى البراء أيضاً عن النبي ﷺ قال: «إذا صلى الإمام بالقوم وهو على غير وضوء أجزأت صلاة القوم ويعيد» (٤). وأما قول المصنف ﵀: وحده؛ ففيه تنبيه على أن صلاة الإمام لا تصح وهو صحيح. صرح به في المغني وغيره. ووجهه ما تقدم من الحديث في قوله: «وأعاد النبي ﷺ » وفي قوله: «ويعيد».

стр. 465

قال: (ولا تصح إمامة الأمي. وهو: من لا يحسن الفاتحة أو يدغم حرفاً لا يُدْغَم، أو يبدل حرفاً، أو يلحن فيها لحناً يحيل المعنى إلا بمثله. فإن قدر على إصلاح ذلك لم تصح صلاته). أما كون إمامة الأمي بالقارئ لا تصح؛ فلأنه عجز عن ركن من أركان الصلاة أشبه إمامة القاعد بالقائم. ولأن القراءة يتحملها الإمام عن المأموم عندنا وعن المسبوق عند المخالف. والأمي ليس أهلاً للتحمل. وأما كون إمامة الأمي بمثله تصح؛ فلأنهما استويا فصح اقتداء أحدهما بالآخر كالمرأة. وأما قول المصنف ﵀: وهو من لا يحسن الفاتحة .. إلى آخره؛ فبيان للأمي شرعاً. وأما في اللغة: فهو الباقي على أصل خلقته. والمراد بمن لا يحسن الفاتحة من لا يحفظها، وبمن يدغم حرفاً لا يُدْغَم من يدغم حرفاً في غير مثله وغير ما يقاربه في المخرج، وبمن يبدل حرفاً بغيره من يبدل مثلاً القاف بالكاف فيقول: اهدنا الصراط المستكيم، وبمن يلحن لحناً يحيل المعنى [مثل أن يكسر الكاف في إياك، ويضم التاء من أنعمت. وفي تقييد اللحن بتغيير المعنى] (١) دليل على أنه لو لحن لحناً لا يحيل المعنى لا يكون أمياً. وهو صحيح وصرح به غير المصنف من أصحابنا لأن المعنى المقصود حاصل وإن أساء في العبادة. ومن اللحن الذي لا يحيل المعنى فتح دال ﴿نعبد﴾ ونون ﴿نستعين﴾ [الفاتحة: ٥] وهذه المسامحة مختصة بغير التعمد فإن تعمد ذلك لم تصح صلاته لأنه مستهزئ ومتعد (٢). وأما كون صلاته في نفسه لا تصح إذا قدر على إصلاح الفاتحة؛ فلأنه ترك ركناً مع القدرة على الإتيان فلم تصح صلاته كما لو ترك الركوع والسجود عمداً.

стр. 466

قال: (وتكره إمامة اللحّان والفأفاء الذي يكرر الفاء، والتمتام الذي يكرر التاء، ومن لا يفصح ببعض الحروف. وأن يؤم نساء أجانب لا رجل معهن، أو قوماً أكثرهم له كارهون). أما كون إمامة اللحّان وهو كثير اللحن، والفأفاء وهو من يكرر الفاء، والتمتام وهو من يكرر التاء، ومن لا يفصح ببعض الحروف كالبدوي الذي لا يفصح بالقاف تكره فلأن (١) في قراءتهم نقصاً عن حال الكمال بالنسبة إلى من لا يفعل ذلك فكره لتضمنها النقصان. وقول المصنف ﵀: تكره؛ مشعر بصحة إمامتهم وهو صحيح؛ لأنهم يأتون بالحروف الواجبة، وإنما تزداد حركة أو فاء أو تاء وذلك غير مؤثر؛ كتكرير الآية. وأما كون الإمام يكره له أن يؤم نساء أجانب لا رجل معهن؛ فلما فيه من الخلوة بالأجنبيات ومخالطة الوسواس. ولو كانت الخلوة بامرأة واحدة حرمت الخلوة بها. وأما كونه يكره له أن يؤم قوماً أكثرهم له كارهون؛ فلما روى أبو أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون» (٢) قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. ولو استوى الكاره والراضي فوجهان للتعارض. ولو كانت الكراهة لأنه صاحب سنة أو نحو ذلك لم يكره؛ لأن الذنب لهم. قال: (ولا بأس بإمامة ولد الزنا والجندي إذا سَلِم دينهما). أما كون ولد الزنا لا بأس بإمامته إذا سَلِم دينه؛ فلما روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «يؤمكم أقرؤكم وإن كان ولد زنا» (٣). و«صلى التابعون خلف زياد بالبصرة» وهو ممن في نسبه نظر.

стр. 467

وأما كون الجندي لا بأس بإمامته إذا سلم دينه؛ فلدخوله في عموم الأدلة الدالة على صحة الإمامة. ولأن كل واحد [من ولد الزنا] (١) والجندي حر عدل تقبل روايته فلم تكره الصلاة خلفه قياساً على غيره. قال: (ويصح ائتمام من يؤدي الصلاة بمن يقضيها. ويصح ائتمام المفترض بالمتنفل. ومن يصلي الظهر بمن يصلي العصر في إحدى الروايتين. والأخرى لا تصح فيهما). أما كون ائتمام من يؤدي الصلاة بمن يقضيها تصح؛ فلأن الاختلاف ليس في (٢) النية ولا في التعيين ولكن في الوقت وذلك لا تتوقف صحة الصلاة عليه. بدليل صحة صلاة من ظن خروج الوقت فصلى بنية القضاء ثم بان أن الوقت لم يخرج، وصحة صلاة من ظن بقاء الوقت فصلى بنية الأداء فبان أن الوقت قد خرج. قال الخلال (٣): يصح ائتمام من يؤدي بمن يقضي رواية واحدة لما ذكر. وقال ابن عقيل: فيه روايتان: إحداهما: تصح لما ذكر. والثانية: لا تصح لنقصان القضاء عن الأداء. فصحة الأداء خلفه نقص لرتبته. ولأن صلاة الائتمام لا بد وأن تكون متضمنة لصلاة المأموم، والقضاء لا يتضمن الأداء. ولا بد أن يلحظ في هذه المسألة اتحاد الصلاة كظهر خلف ظهر وعصر خلف عصر؛ لأن صلاة الظهر خلف عصر سيأتي بعد إن شاء الله تعالى. ولأن الغرض هنا بيان أن اختلاف النية في القضاء والأداء لا يؤثر. ولو قدر في المسألة أنها ظهر خلف عصر لكان الكلام في شيئين: أحدهما: اختلاف النية في القضاء والأداء.

стр. 468

وثانيهما: اختلافها في الظهرية والعصرية. وأما كون ائتمام المفترض بالمتنفل يصح في روايةٍ؛ فبالقياس على المسألة المذكورة قبل. وأما كونه لا يصح في روايةٍ وهي الصحيحة في المذهب قاله ابن عقيل؛ فلقوله ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به» (١) ظاهره وإطلاقه يقتضي متابعته ظاهراً وباطناً فإذا اختلفت نيتهما (٢) كان متابعاً من وجه دون وجه. ولقوله ﷺ : «لا تختلفوا على أئمتكم» (٣). ولأن الفرض أكمل من النفل فإذا اقتدى المفترض بالمتنفل فقد أسقط فضيلة الفريضة حيث جعلها تبعاً لما هو دونها. والأولى أصح عند المصنف ﵀ «لأن معاذاً كان يصلي مع رسول الله ﷺ ثم يرجع فيصلي بقومه تلك الصلاة» (٤) متفق عليه. والظاهر من حاله أنه لم يكن يترك الأداء خلف رسول الله ﷺ . ولأنهما صلاتان اتفقتا في الأفعال فجاز ائتمام المفترض بالمتنفل كالعكس. وأما كون ائتمام من يصلي (٥) الظهر بمن يصلي العصر يصح في روايةٍ ولا يصح في روايةٍ؛ فلأن الاختلاف في الصفة كالاختلاف في الموصوف فيجب أن تكون الصحة وعدمها كالذي تقدم.

стр. 469

فصل في الموقف قال المصنف ﵀: (السنة أن يقف المأمومون خلف الإمام. فإن [وقفوا] (١) قدامه لم تصح. وإن وقفوا معه عن يمينه أو عن جانبه صح). أما كون السنة أن يقف المأمومون خلف الإمام؛ فلأن الصحابة ﵃ كذا كانوا يقفون خلف النبي ﷺ . نقله الخلف عن السلف. وأما كونهم إذا وقفوا قُدّامه لا تصح صلاتهم؛ فلأنه ليس موقفاً لأحد من المأمومين بحال. فلم تصح صلاتهم كما لو صلوا في بيوتهم بصلاة الإمام في المسجد. ولأن الإمام متبوع ومقتدى به والمأموم متبع ومن تقدم إمامه ليس بمتبع. وأما كونهم إذا وقفوا عن يمينه أو جانبيه تصح صلاتهم؛ فـ «لأن ابن مسعود ﵁ صلى بين علقمة والأسود إماماً لهما. فلما فرغ قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل» (٢) رواه أبو داود. قال: (فإن كان واحداً وقف عن يمينه. وإن وقف خلفه أو عن يساره لم يصح. وإن أم امرأة وقفت خلفه). أما كون الواحد يقف عن يمين الإمام؛ فلما روى ابن عباس قال: «بِتُّ عند خالتي ميمونة. فقام النبي ﷺ يصلي من الليل. فقمت عن يساره فأخذ بذؤابة رأسي فأدارني عن يمينه» (٣) متفق عليه.

стр. 470

وأما كون من وقف خلفه لا تصح صلاته؛ فلما روى وابصة بن معبد «أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد» (١) رواه أبو داود. ولقوله ﷺ : «لا صلاة لفرد خلف الصف» (٢) رواه الأثرم. قال الإمام أحمد فيهما: هذا حديث حسن. وأما كون من وقف عن يساره لا تصح صلاته؛ فـ «لأن النبي ﷺ أدار ابن عباس وجابراً لما وقفا عن يساره» (٣). ولأنه خالف الموقف فلم تصح صلاته كما لو وقف قدامه. وأما كون من أمّ امرأة تقف خلفه؛ فلقوله ﵇: «أخروهن من حيث أخرهن الله» (٤).

стр. 471

و «لأن النبي ﷺ أمّ امرأة وأنساً واليتيم فجعل أنساً واليتيم خلفه والمرأة خلفهما» (١). وروى أنس: «أنه أمَّهُ وامرأة عجوزاً -هي أمه أو خالته- فأقامني عن يمينه وأقام المرأة خلفنا» (٢) رواه مسلم. ولأنها ناقصة عن الرجال فناسب ذلك تأخيرها. قال: (فإن اجتمع أنواع: يقدم الرجال. ثم الصبيان. ثم الخناثى. ثم النساء. وكذلك يفعل في تقديمهم إلى الإمام إذا اجتمعت جنائزهم). أما كون الرجال يتقدم على الصبيان؛ فلقوله ﵇: «ليليني أولو الأحلام والنهى» (٣) رواه مسلم. وأما كون الصبيان يتقدم على الخناثى؛ فلفضل الذكورية على الأنوثية والخنثى يحتمل كونه أنثى. وأما كون الخناثى يتقدم على النساء؛ فلاحتمال كون الخنثى ذكراً. وأما كونهم يفعل بهم في تقديمهم إلى الإمام إذا اجتمعت جنائزهم كذلك؛ فلأن الأموات كالأحياء في كثير من الأحكام فكذلك هاهنا.

стр. 472

فعلى هذا إذا اجتمع جنائز من أنواع كرجل وصبي وخنثى وامرأة قدم الرجل لأنه يقدم في الحياة فكذلك في الممات. ولأن الرجل أكمل الأنواع لاجتماع الذكورية والتكليف فيه. ثم الصبي: أما على الخنثى فلما ذكر، وأما على المرأة؛ فلأنه إذا قدم على الخنثى المقدم على المرأة؛ فلأن يقدم على المرأة بطريق الأولى. و«لأن سعيد بن العاص صلى على أمِّ كُلثوم بنت علي وابنها زيد بن عمر ابن الخطاب وخلفه ثمانون من الصحابة. وروي: ثلاثون. منهم: ابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري وقتادة فوضعوا الغلام مما يلي الإمام. وقالوا: هذا السنة» (١) رواه النجاد. ورواه النسائي. ولفظه: عن عمار مولى الحارث بن نوفل قال: «شهدت جنازة امرأة وصبي. فقدم الصبي مما يلي القوم. ووضعت المرأة وراءه. فصلي عليهما وفي القوم أبو سعيد الخدري وابن عباس وأبو قتادة وأبو هريرة. فسألتهم. فقالوا: السنة» (٢). وذلك ينصرف إلى سنة النبي ﷺ . وقال الخرقي: يقدم النساء على الصبيان لأنه يروى عن علي ﵁ أنه قال في الجنازة: «يوضع الرجال والصبيان بعد النساء». ولأن المرأة مكلفة فهي أكمل من الصبي وإنما قدم الصبي حياً خوف الفتنة. ثم الخنثى لأنه يحتمل أنه ذكر. قال: (ومن لم يقف معه إلا كافر أو امرأة أو محدث يعلم حدثه فهو فَذٌّ. وكذلك الصبي إلا في النافلة). أما كون من لم يقف معه إلا كافر أو محدث يعلم حدثه فذاً؛ فلأن صلاة الكافر والمحدث العالم بحدثه باطلة فوجودها كعدمها.

стр. 473

فإن قيل: لو لم يعلم المحدث بحدثه كانت صلاته باطلة أيضاً مع أنه يصح أن يكون صفاً. قيل: مقتضاه أنه لا يصح لكنه لما كان في هذه الحالة يصلح أن يكون إماماً عارض ذلك لأنه إذا صلح أن يكون إماماً؛ فلأن يصلح أن يكون صفاً بطريق الأولى. وأما كون من لم يقف معه إلا امرأة فذاً؛ فلأن مصاففتها مبطلة على قولٍ. ولأن موقف الرجل يقدم على موقف المرأة فإذا صاففها خالف موقفه. ولأنها لا تصافف الإمام وكذلك المأموم. وأما كون من لم يقف معه في الفرض إلا صبي فذاً؛ فلأنه لا تصح إمامته فيها أشبه المرأة [في الفرض] (١). على أن المنقول عن الإمام أحمد أنه سئل عن وقوف الصبي مع الرجل في الفرض فتوقف عن الجواب. فذُكر له حديث أنس فقال: ذاك في التطوع. لكن الأصحاب اختلفوا فذهب أكثرهم إلى أن الواقف معه يكون فذاً لما تقدم. وقال ابن عقيل: تصح مصاففته في الفرض لأن صحة الإمامة لا تشترط لصحة المصاففة بدليل الفاسق والأمي مع القارئ، وبدليل العبد والمسافر في الجمعة، والمفترض مع المتنفل. وهذا أصح عندي. وصححه جدي في خلاصته وصاحب المستوعب فيه. وقال فيه (٢): لو اشترط في صحة المصاففة صحة الإمامة لما صحت مصاففة الأخرس ولا أعلم به قائلاً. وأما كون من لم يقف معه في النافلة إلا صبي غير فذ؛ فـ «لأن النبي ﷺ صف أنساً واليتيم وراءه» (٣). واليتيم من لم يحتلم لقوله ﷺ : «لا يتم بعد احتلام» (٤).

стр. 474

وعن الإمام أحمد أن الصبي لا يكون صفاً في النافلة قياساً على الفريضة. والحديث يرده. قال: (ومن جاء فوجد فُرجةً وقف فيها. فإن لم يجد وقف عن يمين الإمام. فإن لم يمكنه فله أن ينبه من يقوم معه). أما كون من جاء فوجد فُرجة يقف فيها؛ فلقوله ﷺ : «إن الله وملائكته يصلون على الذين يَصِلون الصفوف» (١). والفُرجة: بضم الفاء هي الخلل في الصف. وأما كون من لم يجد فرجة يقف عن يمين الإمام؛ فلأنه موقف الواحد. وأما كون من لم يمكنه ذلك له أن ينبه من يقوم معه فلما في ذلك من حصول من يقف معه. ومفهوم كلام المصنف ﵀: أنه ليس له أن يُحدث من يجذب إليه. وصرح به أبو الخطاب. وقال ابن عقيل: جوز أصحابنا جذبه. والأول أصح؛ لما فيه من التصرف في الغير بغير إذنه. قال المصنف في المغني: ولأصحابنا أن يقولوا ليس في جذبه برفق تصرف وإنما هو تنبيه إن خرج وإلا لم يكره. ومثل هذا يسامح فيه أشبه السجود على ظهر الرجل في الزحام. قال: (فإن صلى فذاً ركعة لم تصح. وإن ركع فذاً ثم دخل في الصف أو وقف معه آخر قبل رفع الإمام صحت صلاته. وإن رفع ولم يسجد صحت. وقيل إن علم النهي لم تصح، وإن فعله لغير عذر لم تصح). أما كون من صلى ركعة كاملة فذاً لا تصح صلاته؛ فلما تقدم من حديث وابصة بن معبد (٢). ومن قوله: «لا صلاة لفرد خلف الصف» (٣).

стр. 475

ولأن الركعة في حكم الصلاة في الوتر والحنث في اليمين. ولأن المصلي لها يكون مدركاً للجمعة وزمانها يطول بخلاف ما إذا صلى فذاً بعض ركعة. وأما كون من ركع فذاً ثم دخل في الصف أو وقف معه آخر قبل رفع الإمام تصح صلاته؛ فلأنه أدرك في الصف ما تُدرك به الركعة. وأما كون من فعل ذلك غير عالم بالنهي وقد رفع الإمام ولم يسجد تصح صلاته؛ فلأنه لم يصل معظم الركعة فذاً أشبه ما لو أدرك الركوع. وأما كون من فعل ذلك عالماً بالنهي تصح صلاته على المذهب؛ فلما ذكر في غير العالم به. وأما كونها لا تصح على قول؛ فلأنه إذا علم النهي فقد ارتكب المنهي عنه عمداً وفاعل ذلك لا يعذر والنهي يقتضي الفساد فلزم بطلان صلاته عملاً بالمقتضي السالم عن معارضة العذر. وظاهر كلام المصنف ﵀ أن النهي مختص بما لو دخل في الصف بعد رفع الإمام رأسه. وظاهر كلام صاحب (١) النهاية فيها أن النهي يعود إلى من ركع دون الصف ثم دخل الصف قبل رفع الإمام أو قبل سجوده. وفي قوله ﷺ : «أيكم ركع دون الصف ثم مشى» (٢) إشارة إلى التعليل بذلك فيعم. فإن قيل: النهي إلى ماذا يعود؟ قيل: على القول بالصحة يكون عائداً إلى التأخير، وعلى القول بالفساد يكون عائداً إلى مثل (٣) فعل أبي بكرة من ركوعه قبل الصف ومشيته إليه.

стр. 476

وفي قوله: إن علم إشعار بأن الصلاة تصح مع الجهل وهو صحيح؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر أبا بكرة بالإعادة. وعن أحمد: لا تصح مع الجهل لأنه ركع فذاً فلم تصح كما لو لم يدخل في الصف. وأما كون من ركع دون الصف ثم دخله لغير عذر مثل أن يكون غير خائف فوات الركعة أو عالماً بإطالة الإمام ونحو ذلك لا تصح صلاته؛ فلأن الرخصة وردت في المعذور فلا يلحق به غيره. وقيل: حكمه حكم من خاف الفوات لأن الموقف لا يختلف بخيفة الفوات وعدمه. قال: (وإذا كان المأموم يرى مَن وراء الإمام صحت صلاته إذا اتصلت الصفوف. فإن لم ير من وراءه لم تصح. وعنه تصح إذا كانا في المسجد). أما كون المأموم إذا كان يرى مَن وراء الإمام تصح صلاته إذا اتصلت الصفوف؛ فلانتفاء عدم الرؤية وعدم الاتصال المفسدَين. ولأن المأموم إذا كان شأنه ما ذكر أمكنه الاقتداء بإمامه من غير خلل فوجب أن تصح صلاته كمن صلى في الصف الأول. ولا بد أن يلحظ أن اتصال الصفوف فيمن صلى معه في المسجد غير معتبر. ذكره المصنف في المغني وغيره من الأصحاب. قال أبو الحسن الآمدي: لا خلاف في المذهب أنه لا يعتبر اتصال الصفوف في المسجد. وكلام المصنف ﵀ مشعر باشتراطه فيجب حمله على ما إذا صلى بصلاة الإمام خارج المسجد. وإنما لم يعتبر الاتصال في المسجد؛ لأن المصلين فيه مع الاقتداء يُعدّون مجتمعين في البعد والقرب.

стр. 477

وإنما اعتبر الاتصال في خارج المسجد؛ لأن المكان ليس معداً للاجتماع فاشترط الاتصال ليحصل ذلك. والاتصال مقدر بالعرف؛ لأنه لا توقيف فيه، وهو تارة يكون بين المأموم وبين إمامه وتارة بينه وبين من ورائه. وأما كون من لم ير من وراء الإمام وهو متصل مع إمامه في المسجد لا تصح صلاته على روايةٍ فلقول عائشة ﵂ لنساءٍ كُنّ في حجرتها: «لا تصلين بصلاة الإمام فإنكن دونه في حجاب» فعللت النهي بالحجاب وهو موجود هنا. ولأن المتابعة في الأفعال لا تمكن بمجرد التكبير لأنه قد يسهو ويسجد للتلاوة. ولأن الرؤية معتبرة فيمن صلى خارج المسجد وفاقاً على الأصح فليكن هاهنا كذلك بالقياس عليه. وأما كونها تصح على روايةٍ إذا سمع التكبير؛ فلأن المسجد موضع الجماعة فلا تضر عدم الرؤية مع سماع التكبير كمن صلى عن يمين المنبر. والسهو وسجود التلاوة الأصل عدمهما. فإن قيل: ليس في كلام المصنف ﵀ اشتراط سماع التكبير. قيل: اشترطه في المغني. ولا بد منه لأنه إذا انتفت الرؤية والسماع لم تمكن المتابعة. فإن قيل: الصحيح من الروايتين ماذا؟ قيل: ظاهر كلام المصنف ﵀ هنا وفي المغني الأول. وصرح صاحب النهاية في خلاصته بذلك. وقال ابن عقيل: الأصح الصحة لما تقدم. وأما كون من لم ير مَن وراء الإمام لا تصح صلاته إذا كان خارج المسجد والإمام فيه؛ فلما تقدم من حديث عائشة ﵂ المتقدم. قال صاحب النهاية فيها: يشترط مشاهدة من وراء الإمام في حق من صلى خارج المسجد بغير خلاف في المذهب نعلمه. ومراده الفرض لأن النفل اختلفت الرواية فيه لأنه سومح فيه ما لم يسامح في غيره. قال القاضي أبو يعلى: الصحيح عندي المنع.

стр. 478

ونُقل عنه فيمن صلى الجمعة خارج المسجد وأبوابه مغلقة قال: أرجو أن لا يكون به بأس. فعلى هذا لا يعتبر في الجمعة مع عدم القدرة عليها لإفضاء الترك إلى تعطيلها بخلاف بقية الصلوات. قال: (ولا يكون الإمام أعلى من المأموم. فإن فعل وكان كثيراً فهل تصح صلاته؟ على وجهين). أما كون الإمام لا يكون في وقوفه أعلى من المأموم فلما روي «أن عمار ابن ياسر ﵁ كان بالمدائن. فأقيمت الصلاة. فتقدم عمار ﵁ فقام على دكان، والناس أسفل منه (١). فتقدم حذيفة وأخذ بيده واتبعه عمار حتى أنزله. فلما فرغ من صلاته قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله ﷺ يقول: إذا أمّ الرجل القوم فلا يقومن في مكان أرفع من مقامهم؟ قال عمار: فلذلك اتبعتك حين أخذت على يديّ» (٢) رواه أبو داود. وأما كونه إذا فعل ذلك وكان كثيراً تصح صلاته على وجهٍ؛ فلأن عماراً بنى على صلاته. وأما كونها لا تصح على وجهٍ؛ فلأنه منهي عنه والنهي يقتضي الفساد. قال ابن عقيل: أصح الوجهين البطلان. واشترط المصنف ﵀ الكثرة في العلو لأن العلو اليسير لا بأس به لأنه لا يحتاج فيه إلى رفع بصره المنهي عنه. والكثير مقدار قامة المأموم. قاله صاحب النهاية فيها. ووجهه أنه حينئذ يحتاج إلى الرفع المنهي عنه.

стр. 479

قال: (ويكره للإمام أن يصلي في طاق القبلة، أو أن يتطوع في موضع المكتوبة إلا من حاجة. ويكره للمأمومين الوقوف بين السواري إذا قطعت صفوفهم). أما كون الإمام يُكره له أن يصلي في طاق القبلة من غير حاجة؛ فلأنه يمنع من يقف عن يمينه ويساره مشاهدته والاقتداء به. وأما كونه يكره له أن يتطوع في موضع المكتوبة من غير حاجة؛ فلما روى المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يصلي الإمام في الموضع الذي صلى فيه حتى يتحول» (١) رواه أبو داود. وفي لفظ: «لا يتطوع الإمام في مقامه الذي صلى فيه المكتوبة بالناس حتى يتحول» (٢). ولأن في تحويله من مكانه إعلاماً لمن أتى المسجد أنه قد صلى ولا يَنتظر ويطلب جماعة أخرى. وأما كونه لا يكره له ذلك في المسألتين مع الحاجة؛ فلأن الحاجة قد تبيح المحظور؛ فلأن تزيل المكروه بطريق الأولى. ومثال الحاجة في الأولى: أن يكون المسجد ضيقاً. وفي الثانية: أن لا يجد له موضعاً يتحول إليه. وأما كون المأمومين يكره لهم الوقوف بين السواري إذا قطعت صفوفهم؛ فلما روى معاوية بن قرة عن أبيه قال: «كنا نُنهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله ﷺ ونُطرد عنها طرداً» (٣) رواه ابن ماجة.

стр. 480

وقول المصنف ﵀: إذا قطعت صفوفهم؛ تنبيه على اشتراط ذلك في الكراهة؛ لأن الكراهة إنما كانت من أجل القطع. فلم يكن بد من اشتراطه. وشرط بعض أصحابنا: أن يكون عرض السارية ثلاثة أذرع؛ لأن ذلك هو الذي يقطع الصف دون غيره. ولو كان الصف صغيراً قدر ما بين الساريتين لم يكره؛ لأن الصف لا ينقطع بذلك. قال: (ويكره للإمام إطالة القعود بعد الصلاة مستقبل القبلة. فإن كان معه نساء لبث قليلاً لينصرف النساء. وإذا صلت امرأة بنساء قامت وسطهن في الصف). أما كون الإمام يكره له إطالة القعود على الصفة التي ذكرها المصنف ﵀؛ فلأن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم! أنت السلام ومنك السلام تبارك يا ذا الجلال والإكرام» (١) رواه مسلم وابن ماجة. ولأنه إذا بقي على حاله ربما سها فظن أنه لم يسلم أو ظن غيره أنه في الصلاة. وأما كونه يلبث قليلاً إذا كان معه نساء لينصرفن؛ فلقول أم سلمة: «أن النساء في عهد رسول الله ﷺ كن إذا سَلَّمن من المكتوبة قُمْنَ، وثَبتَ رسول الله ﷺ ومن صلى من الرجال ما شاء (٢) الله، فإذا قام رسول الله قام الرجال. قال الزهري: فنرى أن ذلك لكي يتقدم من ينصرف من النساء» (٣). رواه البخاري. ولأن الإخلال بذلك يفضي إلى اختلاط الرجال بالنساء.

стр. 481

وأما كون المرأة تقوم وسط المأمومات إذا صلت بهن؛ فلأن ذلك يروى عن عائشة (١) وأم سلمة ﵄ (٢). ولأن وقوفها وسطهن أستر لها أشبه إمام العراة. وفي قوله: إذا صلت امرأة بنساء إشعار بأن النساء يصلين جماعة. وقد صرح باستحباب ذلك المصنف وغيره؛ لما تقدم من حديث أم ورقة (٣)، ولفعل عائشة، وأم سلمة.

стр. 482

فصل [في أعذار ترك الجمعة والجماعة] قال المصنف: (ويعذر في ترك (١) الجمعة والجماعة المريض (٢)، ومن يدافع أحد الأخبثين، أو بحضرة طعام (٣) هو محتاج إليه، والخائف من ضياع ماله أو فواته أو ضرر فيه أو موت قريبه، أو على نفسه من ضرر أو سلطان أو ملازمة غريم ولا شيء معه، أو من فوات رفقته أو غلبة النعاس، أو الأذى بالمطر والوحل والريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة). أما كون المريض يعذر في ترك الجمعة والجماعة؛ فـ «لأن النبي ﷺ كان إذا مرض تخلف عن المسجد» (٤). وعن النبي ﷺ : «من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر. قالوا: وما العذر؟ يا رسول الله! قال: خوف أو مرض. لم تقبل منه الصلاة التي صلى» (٥) رواه أبو داود. وأما كون من يدافع الأخبثين أو بحضرة طعام هو محتاج إليه يعذر في ذلك فلما روت عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يصلي أحدكم بحضرة طعام ولا وهو يدافع الأخبثين» (٦) متفق عليه.

стр. 483

وأما كون من يدافع أحدهما يعذر في ذلك؛ فلأنه إنما نهي عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين، لما في ذلك من ذهاب الخشوع وهو موجود في مدافعة أحدهما. وعن النبي ﷺ : «لا يصلي أحدكم وهو زناء» (١). أي حاقن. والأخبثان: البول والغائط. وأما كون الخائف من ضياع ماله أو فواته أو ضررٍ فيه أو موت قريبه، أو على نفسه من ضرر أو سلطان أو ملازمة غريم ولا شيء معه، أو من فوات رفقته أو غلبة نعاس يُعذر في ذلك؛ فلما تقدم من قوله: «وما العذر يا رسول الله! قال: خوف أو مرض». ولأن المشقة اللاحقة بذلك أكثر من بَلّ الثياب بالمطر الذي هو عذر بالاتفاق. وأما كون الخائف من الأذى بالمطر أو الوحل يُعذر؛ فلما روي عن ابن عباس «أنه قال لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت (٢): أشهد أن محمداً رسول الله فلا تقل حي على الصلاة. وقل: صلوا في بيوتكم. فعل ذلك من هو خير مني إن الجمعة عَزْمَة وإني كرهت أن أخرجكم فتمشوا في الطين والدحَضِ» (٣) متفق عليه. وروى ابن عمر ﵁ قال (٤): «كان رسول الله ﷺ ينادي مناديه في الليلة المطيرة: صلوا في رحالكم» (٥) رواه ابن ماجة. وأما كون الخائف من الأذى بالريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة يعذر؛ فلما روى ابن عمر «أن رسول الله ﷺ كان يأمر منادياً فيؤذن. ثم يقول على إثر ذلك: ألا إن الصلاة في الرحال في الليلة الباردة أو المطيرة» (٦) رواه ابن ماجة. وإسناده صحيح.

стр. 484

ورواه البخاري ومسلم إلا أن فيه: «في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر» (١). والله أعلم.

стр. 485

باب صلاة أهل الأعذار قال المصنف ﵀: (ويصلي المريض كما قال النبي ﷺ لعمران بن حصين: «صل قائماً. فإن لم تستطع فقاعداً. فإن لم تستطع فعلى جنب» (١). فإن صلى على ظهره ورجلاه إلى القبلة صحت صلاته على أحد الوجهين. ويومئ بالركوع والسجود. ويجعل سجوده أخفض من ركوعه. فإن عجز عنه أومأ بطرفه. ولا تسقط الصلاة). أما كون المريض يصلي قائماً إذا استطاع ذلك، وقاعداً إذا لم يستطع، وعلى جنب إذا لم يستطع الصلاة قاعداً؛ فلما ذكر المصنف ﵀ من قول النبي ﷺ لعمران بن حصين ... الحديث. رواه البخاري. ولما روى أنس قال: «سقط رسول الله ﷺ من فرس فخُدش أو فجُحش شقه الأيمن. فدخلنا عليه نعوده. فحضرت الصلاة. فصلى قاعداً وصلينا خلفه قعوداً» (٢) رواه البخاري. فإن قيل: ما المرض الذي يبيح الصلاة قاعداً أو على جنب؟

стр. 486

قيل: هو الذي يزيد المريض أو يبطئ برؤه؛ لأن في إيجاب الصلاة قائماً أو قاعداً مع أحدهما مشقة وحرجاً وهو منتف بقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨]. فعلى هذا لو صلى قاعداً مع القدرة على القيام الذي لا يزيد في مرضه ولا يبطئ برؤه، أو على جنب مع أن القعود كذلك لم تصح صلاته لأنه ترك الركن مع القدرة عليه أشبه من ليس بمريض أصلاً. وأما كون من صلى على ظهره ورجلاه إلى القبلة مع القدرة على الصلاة على جنب تصح صلاته في وجه؛ فلأنه يروى: «فإن لم تستطع فقاعداً. فإن لم تستطع فعلى ظهر» (١). ولأنه نوع استقبال أشبه ما إذا صلى على جنب. وأما كونها لا تصح في وجه؛ فلأن في بعض الروايات: «فإن لم تستطع فصل مستلقياً» (٢). وأما كون المريض يومئ بالركوع والسجود إذا عجز عنها؛ فلأن ذلك بعض الواجب عليه فيدخل في قوله: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٣). وعن علي عن النبي ﷺ : «فإن لم يستطع السجود أومأ» (٤). وأما كونه يجعل سجوده أخفض من ركوعه؛ فلأن تكملة الحديث المذكور: «وجعل السجود أخفض من الركوع» (٥). ولأن صلاة الصحيح كذلك.

стр. 487

وليتميز السجود من الركوع. وأما كون من عجز عن الإيماء بالركوع والسجود برأسه يومئ بطرفه؛ فلأن تكملة الحديث المذكور: «فإن لم يستطع أومأ بطرفه» (١). ولأنه قادر على الإيماء بذلك فلزمه الإتيان به كما لو قدر على الإيماء برأسه. وأما كون الصلاة لا تسقط إذا بلغ الحالة المذكورة فلما ذكر في حديث علي. ولأنه قادر على الإتيان بالصلاة على حسب حاله فلم تسقط عنه الصلاة كالقادر على الإيماء برأسه. قال: (فإن قدر على القيام والقعود في أثنائها انتقل إليه وأتمها. ومن قدر على القيام (٢) وعجز عن الركوع والسجود أومأ بالركوع قائماً والسجود قاعداً). أما كون المصلي قاعداً لمرض ينتقل إلى القيام إذا قدر عليه [في أثناء صلاته؛ فلأن المبيح العجز وقد زال. وأما انتقال المصلي على جَنْبٍ إذا قدر عليه] (٣)؛ فلأن القعود مع الجَنْب كالقيام مع القعود. وأما كونه يتم الصلاة في الحالين من غير ابتدائها؛ فلأن ما صلى كان العذر (٤) موجوداً معه وما بقي قد أتى فيه بالواجب فيه. وأما كون من قدر على القيام والقعود وعجز عن الركوع والسجود يومئ بالركوع قائماً والسجود قاعداً؛ فلأن الركوع ينتقل إليه من القيام، والسجود من القعود فتعين أن يومئ بكل واحد منهما من المكان الذي ينتقل منه إليه. قال: (وإذا قال ثقاتٌ من العلماء بالطب للمريض إن صليت مستلقياً أمكن مداواتك فله ذلك). أما كون المريض له أن يصلي مستلقياً إذا قيل له ذلك؛ فلأن في ذلك وسيلة عافيته وهي مطلوبة شرعاً.

стр. 488

وأما قول المصنف ﵀: وإذا قال ثقات؛ فظاهره أنه يشترط في ذلك قول ثلاثة لأنه جمع وأقله ثلاثة. وليس بمراد لأن قول الاثنين كاف في ذلك. صرح بذلك المصنف ﵀ وغيره. وهو صحيح لأن قول الاثنين كاف في كثير من المواضع فكذلك هاهنا. وإنما اشترط المصنف ﵀ الثقة في ذلك؛ لأنه أمر ديني فاشترط له ذلك كغيره. قال: (ولا تجوز الصلاة في السفينة قاعداً لقادر على القيام). أما كون الصلاة في السفينة لا تجوز قاعداً لقادر على القيام؛ فلأنه قادر على ركن الصلاة فلم يجز له تركه كما لو لم يكن في السفينة. وأما كونها تجوز له إذا لم يقدر على القيام لقصر سقفها وما أشبه ذلك؛ فلأجل العذر. وكذا الخائف الذي لا يمكنه القيام لخوفه. فإن قيل: لو قدر في السفينة على انتصاب يخرج به عن حد الراكع؟ قيل: يلزمه لأن حكمه حكم القيام فيكون واجباً. والخائف ملحق به. قال: (وتجوز صلاة الفرض على الراحلة خشية التأذي بالوحل. وهل يجوز ذلك للمريض؟ على روايتين). أما كون صلاة الفرض على الراحلة خشية التأذي بالوحل يجوز؛ فلأن يعلى ابن أمية روى عن النبي ﷺ «أنه انتهى إلى مضيق ومعه أصحابه والسماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم فصلى رسول الله ﷺ وأصحابه على ظهور دوابهم يُومؤون. يجعلون السجود أخفض من الركوع» (١) رواه الأثرم والترمذي. وأما كونها تجوز للمريض على روايةٍ؛ فلأن مشقة النزول في المرض أكثر من مشقة المطر.

стр. 489

وأما كونها لا تجوز على روايةٍ؛ فـ «لأن ابن عمر ﵁ كان يُنزل مرضاه» (١). ولأن الصلاة على الأرض أمكنُ له بخلاف خاشي الوحل. ولو خاف المريض بالنزول ضرراً غير محتمل كالانقطاع عن الرفقة ونحوه فله الصلاة عليها رواية واحدة؛ لأنه خائف على نفسه أشبه الخائف من عدو.

стр. 490

فصل في قصر الصلاة قال المصنف ﵀: (ومن سافر سفراً مباحاً يبلغ ستة عشر فرسخاً فله قصر الرباعية خاصة إلى ركعتين. إذا فارق بيوت قريته أو خيام قومه. وهو أفضل من الإتمام. وإن أتم جاز). أما كون المسافر له القصر في الجملة؛ فلقوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يَفتنكم الذين كفروا﴾ [النساء: ١٠١]. فإن قيل: القصر جائز مع الأمن والخوف. والآية تدل على جوازه مع الخوف فقط؟ قيل: الجواب من وجهين: أحدهما: أنه إنما علق القصر على الخوف لفظاً لأن غالب أسفار رسول الله ﷺ كانت في الغزو فخرج مخرج الغالب لا مخرج الشرط. ومنه قوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣] علق الرهن على السفر وهو جائز في الحضر؛ لأن عدم وجدان الكاتب في السفر أغلب بخلاف الحضر. وثانيهما: أن قوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ [النساء: ١٠١] كلام تام و ﴿إن خفتم﴾ [النساء: ١٠١] كلام مبتدأ؛ لما روى أبو أيوب قال: «نزل: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ [النساء: ١٠١] هذا القدر. ثم بعد حَوْل سألوا رسول الله ﷺ عن صلاة الخوف فنزل: ﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ [النساء: ١٠١]» (١).

стр. 491

ويؤيد جواز القصر في الأمن أن النبي ﷺ قصر في الأمن، وأنه روي «أن يعلى بن أمية قال لعمر ﵁: ما بالنا نقصر وقد أمن الناس؟ فقال: سألت رسول الله ﷺ فقال: صدقة تصدق بها الله عليكم فاقبلوا صدقته» (١) رواه مسلم. وأما كونه يشترط أن يكون سفره مباحاً؛ فلأن الترخص ثبت للمسافر إعانة له وتيسيراً. ولا يرد الشرع بذلك في حق من سفره معصية. فإن قيل: لو كان سفره واجباً؟ قيل: هو كالمباح. وإنما اقتصر المصنف ﵀ على قوله: مباحاً؛ لأن الواجب يسمى مباحاً على قولٍ. أو لأنه إذا جاز في المباح ففي الواجب أولى. والسفر الواجب: كالحج والجهاد ونحوهما. ويُلحق بهذا النوع سفر الطاعة كزيارة الوالدين وذي القرابة من نسب أو رحم، وزيارة الإخوان في الله تعالى، والسفر لطلب العلم، وزيارة المساجد الثلاثة ونحو ذلك؛ لأن جميع ما ذُكر مطلوب شرعاً فجاز القصر فيه؛ لدخوله في عموم الآية. وقياساً على السفر الواجب. والسفر المباح: كالسفر للتجارة والكد على العيال فيه. وسفر المعصية: كسفر الآبق وقاطع الطريق والهارب من دَينٍ عليه وهو موسر ونحو ذلك.

стр. 492

والسفر المكروه: كزيارة القبور والمشاهد. ملحق بسفر المعصية لأنه منهي عنه. وأما كونه يشترط أن يكون مسافة ما يقصده لسفره يبلغ ستة عشر فرسخاً؛ فلما روى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «يا أهل مكة! لا تقصروا في أقل من أربعة برد من مكة إلى عسفان» (١) رواه الدارقطني. فإن قيل: هذا الحديث في رواته إسماعيل بن عياش وهو ضعيف. قال أحمد ويحيى: ليس بشيء. وقال الثوري: هو كذاب. وقد روي أيضاً موقوفاً على ابن عباس. قيل: أحمد مع تضعيفه احتج به وبنى مذهبه عليه. فدل ذلك على أنه صح من طريق أخرى. وأما روايته موقوفاً على ابن عباس فالراوي يسند تارة ويطلق أخرى. فإطلاقه لا يعارض إسناده. فإن قيل: ما الفرسخ؟ قيل: ثلاثة أميال. والميل ألفا خطوة بخطوة البعير، أو اثنا عشر ألف قدم. وذلك مسيرة يومين تقريباً. وأما كونه يشترط أن تكون الصلاة رباعية؛ فلأن الصبح ركعتان فلو قصرت بقيت ركعة ولا نظير لذلك في الفرض، والمغرب وتر النهار فلو قصر منها ركعة لم تبق وتراً. وأما كونه يشترط أن يفارق بيوت قريته إن كان في البنيان أو خيام قومه إن كان في الخيام؛ فلأن الله تعالى جوز القصر لمن ضرب في الأرض وقبل مفارقة ما ذكر لا يسمى ضارباً. ولأن ذلك أحد طرفي السفر فلم يجز له القصر فيه كحالة (٢) الانتهاء.

стр. 493

وأما كون القصر أفضل من الإتمام؛ فلأن النبي ﷺ داوم على القصر ولم ينقل عنه الإتمام. قال ابن عمر: «صحبت رسول الله ﷺ في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله . وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله . وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله » (١). وأما كون الإتمام يجوز فلما روت عائشة قالت: «يا رسول الله! بأبي أنت وأمي قصرتُ وأتممتُ وأفطرتُ وصمتُ قال: أحسنتِ» (٢) رواه مسلم. قال: (فإن أحرم في الحضر ثم سافر أو في السفر ثم أقام، أو ذكر صلاة حضر في سفر أو صلاة سفر في حضر، أو ائتم بمقيم أو بمن يشك فيه، أو أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت وأعادها، أو لم ينو القصر لزمه أن يتم. وقال أبو بكر: لا يحتاج القصر والجمع إلى نية). أما كون من أحرم في الحضر ثم سافر أو في السفر ثم أقام يلزمه أن يتم؛ فلأنها عبادة اجتمع لها حكم الحضر والسفر فغلب حكم الإتمام كالمسح. ولأن المبتدئ بالصلاة في الحضر لم ينو القصر بل نوى الإتمام فهو متعين بحكم النية. وتُتصور المسألة فيما إذا كان في سفينة واقفة فتجري أو جارية فتقف. وأما كون من ذكر صلاة حضر في سفر يلزمه أن يتم؛ فلأنها وجبت أربعاً وتعين عليه فعلها أربعاً فلم يجز النقصان من عددها مع القدرة كما لو لم يسافر. وأما كون من ذكر صلاة سفر في حضر يلزمه أن يتم؛ فلأن القصر إنما جاز لمشقة السفر فإذا ذكر في الحضر زالت المشقة فيلزمه أن يتم لزوال المقتضي للقصر.

стр. 494

وأما كون من ائتم بمقيم يلزمه أن يتم؛ فلقوله ﵇: «إنما جعل الإمام ليؤتم به ... الحديث» (١). وقال ابن عباس: «إن صلينا معكم صلينا أربعاً. وإن صلينا في بيوتنا صلينا ركعتين. ذلك من سنة أبي القاسم ﷺ (٢») (٣). وأما كون من ائتم بمن يشك في إقامته وسفره يلزمه أن يتم؛ فلأنه شك في سبب الرخصة. والأصل الإتمام فلزمه. وأما كون من أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت مثل أن يقتدي بمقيم فيحدث يلزمه أن يتم؛ فلأنه لزمه الإتمام بالشروع في الأولى لائتمامه بمقيم فإذا فسدت وجب عليه قضاء مثل ما وجب عليه. وأما كون من لم ينو القصر يلزمه أن يتم على المذهب؛ فلأن الإتمام هو الأصل فلا ينصرف إلى القصر إلا بنية. بيان أن الإتمام هو الأصل قوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ [النساء: ١٠١]. ولأن القصر لو كان هو الأصل لما جاز الإتمام. ولأن القصر حال من أحوال الصلاة فافتقر إلى نية كالإمامة. وأما كون القصر والجمع لا يحتاج إلى نية على قول أبي بكر؛ فلأنه مخير قبل الدخول في الصلاة فكذلك بعده عملاً بالاستصحاب.

стр. 495

قال: (ومن له طريقان بعيد وقريب فسلك البعيد. أو ذكر صلاة سفر في آخر فله القصر). أما كون من له طريقان بعيد وقريب فسلك البعيد (١) له القصر؛ فلأن المسافة بعيدة. وقال بعض أصحابنا: إن سلك البعيد لغرض صحيح كأمنه وسلامته (٢) أو سهولته أو كثرة مائه له القصر؛ لأن ذلك مطلوب والمسافة طويلة فكان له القصر كما لو لم يكن له إلا طريق واحد. وإن سلكه لا لغرض صحيح ففيه وجهان: أحدهما: له ذلك كسلوكه طريقاً له فيه غرض صحيح. والثاني: ليس له ذلك؛ لأنه ليس له إرب صحيح في التزام زيادة المسافة. أشبه ما لو مشى يمنة ويسرة حتى بلغ المسافة المعتبرة. وأما كون من ذكر صلاة سفر في آخر له القصر؛ فلأنها وجبت في السفر وقضيت فيه. أشبه ما لو صلاها في وقتها. قال: (وإذا نوى الإقامة في بلد (٣) أكثر من إحدى وعشرين صلاة أتم وإلا قصر. وإن أقام لقضاء حاجة أو حبس أو لم ينو الإقامة قصر أبداً). أما كون من نوى الإقامة في بلد أكثر من إحدى وعشرين صلاة يتم؛ فلأن القصر إنما جاز للمسافر عملاً بظاهر الآية. فمتى نوى (٤) الإقامة خرج عن كونه مسافراً فيجب الإتمام. ترك العمل به فيما عدا من نوى إقامة إحدى وعشرين صلاة [فما دون ذلك لما يأتي فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
следующие страницы →