← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ويؤيد جواز القصر في الأمن أن النبي ﷺ قصر في الأمن، وأنه روي «أن يعلى بن أمية قال لعمر ﵁: ما بالنا نقصر وقد أمن الناس؟ فقال: سألت رسول الله ﷺ فقال: صدقة تصدق بها الله عليكم فاقبلوا صدقته» (١) رواه مسلم. وأما كونه يشترط أن يكون سفره مباحاً؛ فلأن الترخص ثبت للمسافر إعانة له وتيسيراً. ولا يرد الشرع بذلك في حق من سفره معصية. فإن قيل: لو كان سفره واجباً؟ قيل: هو كالمباح. وإنما اقتصر المصنف ﵀ على قوله: مباحاً؛ لأن الواجب يسمى مباحاً على قولٍ. أو لأنه إذا جاز في المباح ففي الواجب أولى. والسفر الواجب: كالحج والجهاد ونحوهما. ويُلحق بهذا النوع سفر الطاعة كزيارة الوالدين وذي القرابة من نسب أو رحم، وزيارة الإخوان في الله تعالى، والسفر لطلب العلم، وزيارة المساجد الثلاثة ونحو ذلك؛ لأن جميع ما ذُكر مطلوب شرعاً فجاز القصر فيه؛ لدخوله في عموم الآية. وقياساً على السفر الواجب. والسفر المباح: كالسفر للتجارة والكد على العيال فيه. وسفر المعصية: كسفر الآبق وقاطع الطريق والهارب من دَينٍ عليه وهو موسر ونحو ذلك.

стр. 492

والسفر المكروه: كزيارة القبور والمشاهد. ملحق بسفر المعصية لأنه منهي عنه. وأما كونه يشترط أن يكون مسافة ما يقصده لسفره يبلغ ستة عشر فرسخاً؛ فلما روى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «يا أهل مكة! لا تقصروا في أقل من أربعة برد من مكة إلى عسفان» (١) رواه الدارقطني. فإن قيل: هذا الحديث في رواته إسماعيل بن عياش وهو ضعيف. قال أحمد ويحيى: ليس بشيء. وقال الثوري: هو كذاب. وقد روي أيضاً موقوفاً على ابن عباس. قيل: أحمد مع تضعيفه احتج به وبنى مذهبه عليه. فدل ذلك على أنه صح من طريق أخرى. وأما روايته موقوفاً على ابن عباس فالراوي يسند تارة ويطلق أخرى. فإطلاقه لا يعارض إسناده. فإن قيل: ما الفرسخ؟ قيل: ثلاثة أميال. والميل ألفا خطوة بخطوة البعير، أو اثنا عشر ألف قدم. وذلك مسيرة يومين تقريباً. وأما كونه يشترط أن تكون الصلاة رباعية؛ فلأن الصبح ركعتان فلو قصرت بقيت ركعة ولا نظير لذلك في الفرض، والمغرب وتر النهار فلو قصر منها ركعة لم تبق وتراً. وأما كونه يشترط أن يفارق بيوت قريته إن كان في البنيان أو خيام قومه إن كان في الخيام؛ فلأن الله تعالى جوز القصر لمن ضرب في الأرض وقبل مفارقة ما ذكر لا يسمى ضارباً. ولأن ذلك أحد طرفي السفر فلم يجز له القصر فيه كحالة (٢) الانتهاء.

стр. 493

وأما كون القصر أفضل من الإتمام؛ فلأن النبي ﷺ داوم على القصر ولم ينقل عنه الإتمام. قال ابن عمر: «صحبت رسول الله ﷺ في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله . وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله . وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله » (١). وأما كون الإتمام يجوز فلما روت عائشة قالت: «يا رسول الله! بأبي أنت وأمي قصرتُ وأتممتُ وأفطرتُ وصمتُ قال: أحسنتِ» (٢) رواه مسلم. قال: (فإن أحرم في الحضر ثم سافر أو في السفر ثم أقام، أو ذكر صلاة حضر في سفر أو صلاة سفر في حضر، أو ائتم بمقيم أو بمن يشك فيه، أو أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت وأعادها، أو لم ينو القصر لزمه أن يتم. وقال أبو بكر: لا يحتاج القصر والجمع إلى نية). أما كون من أحرم في الحضر ثم سافر أو في السفر ثم أقام يلزمه أن يتم؛ فلأنها عبادة اجتمع لها حكم الحضر والسفر فغلب حكم الإتمام كالمسح. ولأن المبتدئ بالصلاة في الحضر لم ينو القصر بل نوى الإتمام فهو متعين بحكم النية. وتُتصور المسألة فيما إذا كان في سفينة واقفة فتجري أو جارية فتقف. وأما كون من ذكر صلاة حضر في سفر يلزمه أن يتم؛ فلأنها وجبت أربعاً وتعين عليه فعلها أربعاً فلم يجز النقصان من عددها مع القدرة كما لو لم يسافر. وأما كون من ذكر صلاة سفر في حضر يلزمه أن يتم؛ فلأن القصر إنما جاز لمشقة السفر فإذا ذكر في الحضر زالت المشقة فيلزمه أن يتم لزوال المقتضي للقصر.

стр. 494

وأما كون من ائتم بمقيم يلزمه أن يتم؛ فلقوله ﵇: «إنما جعل الإمام ليؤتم به ... الحديث» (١). وقال ابن عباس: «إن صلينا معكم صلينا أربعاً. وإن صلينا في بيوتنا صلينا ركعتين. ذلك من سنة أبي القاسم ﷺ (٢») (٣). وأما كون من ائتم بمن يشك في إقامته وسفره يلزمه أن يتم؛ فلأنه شك في سبب الرخصة. والأصل الإتمام فلزمه. وأما كون من أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت مثل أن يقتدي بمقيم فيحدث يلزمه أن يتم؛ فلأنه لزمه الإتمام بالشروع في الأولى لائتمامه بمقيم فإذا فسدت وجب عليه قضاء مثل ما وجب عليه. وأما كون من لم ينو القصر يلزمه أن يتم على المذهب؛ فلأن الإتمام هو الأصل فلا ينصرف إلى القصر إلا بنية. بيان أن الإتمام هو الأصل قوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ [النساء: ١٠١]. ولأن القصر لو كان هو الأصل لما جاز الإتمام. ولأن القصر حال من أحوال الصلاة فافتقر إلى نية كالإمامة. وأما كون القصر والجمع لا يحتاج إلى نية على قول أبي بكر؛ فلأنه مخير قبل الدخول في الصلاة فكذلك بعده عملاً بالاستصحاب.

стр. 495

قال: (ومن له طريقان بعيد وقريب فسلك البعيد. أو ذكر صلاة سفر في آخر فله القصر). أما كون من له طريقان بعيد وقريب فسلك البعيد (١) له القصر؛ فلأن المسافة بعيدة. وقال بعض أصحابنا: إن سلك البعيد لغرض صحيح كأمنه وسلامته (٢) أو سهولته أو كثرة مائه له القصر؛ لأن ذلك مطلوب والمسافة طويلة فكان له القصر كما لو لم يكن له إلا طريق واحد. وإن سلكه لا لغرض صحيح ففيه وجهان: أحدهما: له ذلك كسلوكه طريقاً له فيه غرض صحيح. والثاني: ليس له ذلك؛ لأنه ليس له إرب صحيح في التزام زيادة المسافة. أشبه ما لو مشى يمنة ويسرة حتى بلغ المسافة المعتبرة. وأما كون من ذكر صلاة سفر في آخر له القصر؛ فلأنها وجبت في السفر وقضيت فيه. أشبه ما لو صلاها في وقتها. قال: (وإذا نوى الإقامة في بلد (٣) أكثر من إحدى وعشرين صلاة أتم وإلا قصر. وإن أقام لقضاء حاجة أو حبس أو لم ينو الإقامة قصر أبداً). أما كون من نوى الإقامة في بلد أكثر من إحدى وعشرين صلاة يتم؛ فلأن القصر إنما جاز للمسافر عملاً بظاهر الآية. فمتى نوى (٤) الإقامة خرج عن كونه مسافراً فيجب الإتمام. ترك العمل به فيما عدا من نوى إقامة إحدى وعشرين صلاة [فما دون ذلك لما يأتي فيبقى فيما عداه على مقتضاه.

стр. 496

وأما جواز القصر لمن نوى إقامة إحدى وعشرين صلاة] (١) يقصر؛ فـ «لأن النبي ﷺ قدم مكة لصبح رابعة فأقام الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن وكان يقصر الصلاة» (٢). وعن الإمام أحمد يتم إذا نوى إقامة أكثر من أربعة أيام؛ لأن النبي ﷺ قال: «يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثاً» (٣) رواه أبو داود. فإذا أقام أكثر من أربعة فقد زاد على حد القِلّة فيتم. قال ابن عقيل: هذه الرواية هي المذهب. قال غيره: والأولى هي المشهورة. وهو اختيار الخرقي. فإن قيل: لم قال المصنف فإذا نوى الإقامة في بلد؟

стр. 497

قيل: لأنه إذا نوى الإقامة بموضع تتعذر فيه الإقامة كالبرية ففيه وجهان: أحدهما: يقصر لأنه لا يمكنه الوفاء بهذه النية فلغت وبقي حكم السفر الأول مستداماً. والثاني: لا يقصر لأنه نوى الإقامة فيكون مقيماً. وأما كون من أقام لقضاء حاجة أو حبس أو لم ينو الإقامة يقصر أبداً؛ فـ «لأن النبي ﷺ أقام في بعض أسفاره تسع عشرة ليلة يصلي ركعتين» (١) رواه البخاري. و«أقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين وقد حال الثلج بينه وبين الدخول» (٢). و«أقام أنس بالشام سنتين يقصر» (٣) رواهما الأثرم. قال أنس: «أقام أصحاب رسول الله ﷺ برامهرمز سبعة أشهر يقصرون الصلاة» (٤). قال: (والملاح الذي معه أهله وليس له نية الإقامة ببلد ليس له الترخص). أما كون من ذكر ليس له الترخص؛ فلأنه ليس طاعناً عن منزله أشبه المقيم ببلد. ولأنه لو جاز له القصر لقصر أبداً. ولأنه صار السفر عادة له فلا يجد مشقة. والترخص إنما جاز للمشقة. وأما ما يشترط لذلك فأمران:

стр. 498

أحدهما: أن يكون معه أهله. وثانيهما: أن لا ينوي الإقامة ببلد. فإن اختل شرط منهما كان له الترخص لأن عدم جوازه لشبَهِه بالمقيم. وعند انتفاء شرطٍ مما ذكر يخرج عن الشبه فيجب أن يدخل في عموم الأدلة المجوزة للقصر (١) السالمة عن معارضة الشبه بالمقيم. وقال القاضي: لا يشترط أن يكون مع الملاح أهله؛ لأن بعدم نيته الإقامة ببلد يشبه المقيم. وليس بجيد لأن الشبه لا يحصل حقيقة إلا بمجموع الأمرين. فإن قيل: المكاري والفيج -وهو الساعي- ما حكمهما؟ قيل: قال القاضي: هما كالملاح لمشاركتهما له في المعنى. وقال المصنف ﵀ في الكافي: إباحة القصر لهما أظهر لدخولهما في عموم النص. وامتناع قياسهما على الملاح؛ لأنهما لا يمكنهما استصحاب الأهل، ومصالح المنزل في السفر، وزيادة المشقة.

стр. 499

فصل في الجمع قال المصنف ﵀: (ويجوز الجمع بين الظهر والعصر، والعشاءين في وقت إحداهما لثلاثة أمور: السفر الطويل، والمرض الذي يلحقه بترك الجمع فيه مشقة وضعف، والمطر الذي يبل الثياب. إلا أن جمع المطر يختص العشاءين في أصح الوجهين). أما كون الجمع في السفر الطويل يجوز؛ فلما روى معاذ بن جبل قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك. فكان يصلي الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً. قلت: ما أراد بذلك؟ قال: أن لا يحرج أمته» (١) رواه مسلم وأبو داود والأثرم. ولفظهما: «أن النبي ﷺ كان إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخّر الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعاً. وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر ثم سار. وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء. وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب» (٢). وكلام المصنف ﵀ مشعر بأنه لا يجوز في غير الطويل. وهو صحيح لأنه تأخير للعبادة عن وقتها فاختص بالطويل كالفطر. ولأن دليل الجمع فعل النبي ﷺ والفعل لا صيغة له وإنما هو قضيةٌ في عين فلا يجوز الجمع إلا في مثل الحال التي جمع فيها رسول الله ﷺ ولم ينقل أنه جمع في سفر قصير.

стр. 500

وأما كونه يجوز للمرض؛ فلما روى ابن عباس «أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف [ولا مطر». وفي لفظ: «من غير خوف ولا سفر» (١) رواهما مسلم. ولا عذر بعدهما سوى المرض. و«لأن النبي ﷺ أمر سهلة وحمنة بنت جحش لما كانتا مستحاضتين بتأخير الظهر وتعجيل العصر وبجمع بينهما بغسل واحد» (٢). فجَوّز لهما الجمع لأجل الاستحاضة. وهي نوع مرض. والمرض المجوز هو الذي ذكر المصنف ﵀ لأن دفع المشقة مطلوب. وأما كونه يجوز للمطر بين المغرب والعشاء؛ [لأن أبا سلمة قال: «من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء» (٣) رواه الأثرم] (٤). وذلك ينصرف إلى سنة رسول الله ﷺ . و«كان ابن عمر يجمع بين المغرب والعشاء» (٥). وأما كون المطر المجوز هو الذي يبل الثياب؛ فلأن المشقة بذلك تحصل.

стр. 501

وأما كون الجمع بين الظهر والعصر لا تجوز في وجهٍ؛ فلأن دليل الجواز في المغرب والعشاء ما تقدم من قول أبي سلمة وفعل ابن عمر ولا دلالة لهما على الظهر والعصر. وأما كونه يجوز في وجه؛ فلأن المطر عذر جَوّز الجمعَ بين العشائين فجوزه بين الظهر والعصر كالسفر والمرض. وأما كون الأول أصح فلاختصاص العشائين بما تقدم. وعدم صحة قياس الظهر والعصر عليهما من حيث أنهما يفعلان في الظلمة بخلاف الظهر والعصر. قال: (وهل يجوز لأجل الوحل، والريح الشديدة الباردة، أو لمن يصلي في بيته، أو في مسجدٍ طريقه تحت ساباط؟ على وجهين). أما كون الجمع لأجل الوحل والريح المذكورة يجوز على وجهٍ؛ فلأنهما عذر في ترك الجمعة والجماعة أشبه المطر. وأما كونه لا يجوز على وجهٍ؛ فلأن مشقتهما دون مشقة المطر فلا يصح قياسهما عليه. وأما كونه يجوز لمن يصلي في بيته أو في مسجد طريقه تحت ساباط على وجهٍ؛ فلأن العذر إذا وجد استوى فيه حال وجود المشقة وعدمها كالسفر. ولأن الحاجة العامة إذا وجدت أُثبت الحكم في حق من ليست له حاجة كالسَّلَم، وإباحة اقتناء الكلب للصيد. ولأنه قد روي عن النبي ﷺ أنه جمع في مطر ولم يكن بين حجرة عائشة وبين المسجد شيء. وأما كونه لا يجوز على وجهٍ؛ فلأن الجمع لأجل المشقة فيجب اختصاصه بمن يلحقه. قال: (ويفعل الأرفق به من تأخير الأولى إلى وقت الثانية وتقديم الثانية إليها). أما كون الجامع بين الصلاتين يفعل الأرفق به من تقديم أو تأخير فـ «لأن النبي ﷺ كان يقدم إذا ارتحل بعد دخول الوقت، ويؤخر إذا ارتحل قبله» (١) طلباً للأرفق.

стр. 502

فإن قيل ما المراد بقوله: ويفعل. قيل: المراد أن ذلك أفضل؛ لأن النبي ﷺ كان يفعل الأفضل. وليس مراده بذلك أن فعل الأرفق متعين؛ لأن ذلك ينافي الجمع؛ لأن المطلوب به الرفق وفي تعيين ذلك ضده. فإن قيل: فإن استويا عنده؟ قيل: الأفضل في المرض التأخير وفي المطر التقديم لأن السلف الذين كانوا يجمعون للمطر إنما كانوا يجمعون في وقت الأولى. ولأن التأخير إلى وقت الثانية يفضي إلى لزوم المشقة والخروج في الظلمة ولا يحصل مقصود الرخصة. وربما زال عذر المطر. بخلاف المرض فإن الغالب بقاؤه ولا حاجة له إلى الخروج. قال: (وللجمع في وقت الأولى ثلاثة شروط: نية الجمع عند إحرامها، ويحتمل أن تجزئه النية قبل سلامها. وأن لا يفرق بينهما إلا بقدر الإقامة والوضوء، فإن صلى السنة بينهما بطل الجمع في إحدى الروايتين. وأن يكون العذر موجوداً عند افتتاح الصلاتين وسلام الأولى). أما كون نية الجمع من شروطه؛ فلأن الجمع عمل فيدخل في عموم قوله ﷺ : «لا عمل إلا بنية» (١). ولأن ذلك حال من أحوال الصلاة فاعتبر فيه النية كالإمامة والقصر. وأما كونها تشترط عند الإحرام على المذهب؛ فلأن كل عبادة اشترطت فيها النية اشترطت في أولها كنية الصلاة. وأما كونها يحتمل أن تجزئ قبل سلام الأولى؛ فلأن موضع الجمع حين الفراغ من الأولى والشروع في الثانية فإذا لم تتأخر عنه جاز.

стр. 503

وأما كونه يشترط أن لا يفرق بينهما فرقة طويلة؛ فلأن معنى الجمع المتابعة أو المقارنة فإذا فرق بينهما بذلك لم يحصل ذلك. وإنما لم يشترط أن لا يفرق بينهما فرقة يسيرة لأن اليسير معفو عنه. والمفارقة الطويلة واليسيرة معتبرة بالعرف. وقدّره الأصحاب بالإقامة والوضوء. قال المصنف في المغني: الصحيح أنه غير مقدر بما ذكر لأن ما لم يرد الشرع بتقديره يجب الرجوع فيه إلى العرف كالحِرز والقبض. وأما كون من صلى السنة بينهما يبطل بها الجمع في روايةٍ؛ فلأنه فرق بينهما بالصلاة فبطل بها الجمع كما لو صلى بينهما فرضاً. وأما كونه لا يبطل بها في روايةٍ؛ فلأن السنة تابعة للصلاة فلم يقع الفعل بالأجنبي أشبه الوضوء والإقامة. وأما كونه يشترط أن يكون العذر موجوداً عند افتتاح الصلاتين وسلام الأولى؛ فلأن افتتاح الأولى موضع النية وفراغها وافتتاح الثانية موضع الجمع فوجب وجود العذر في هذه المواضع. قال: (وإن جمع في وقت الثانية كفاه نية الجمع في وقت الأولى ما لم يضق عن فعلها. واستمرار العذر إلى دخول وقت الثانية منهما (١) ولا يشترط غير ذلك). أما كون نية الجمع في وقت الأولى ما لم يضق عن فعلها. واستمرار العذر إلى دخول وقت الثانية. ولا يشترط غير ذلك: أما كون نية الجمع في وقت الأولى ما لم يضق عن فعلها يشترط إذا جمع في وقت الثانية؛ فلأنه متى أخرها عن ذلك بغير نية صارت قضاء. وأما كون استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية [فلأن المبيح العذر. فإذا لم يستمر وجب أن لا يباح الجمع لزوال المقتضي للإباحة. فعلى هذا لو كان مريضا فبرئ، أو مسافراً فقدم، أو انقطع المطر قبل دخول وقت الثانية] (٢) لم يجز له الجمع لزوال المجوز له.

стр. 504

وأما كون غير ذلك لا يشترط والمراد ما تقدم اشتراطه إذا جمع في الأولى من نية الجمع حال افتتاح الصلاة أو قبل الفراغ منها ووجود العذر حال افتتاحهما وفراغ الأولى وعدم التفريق بينهما؛ فلأن الثانية واقعة في وقتها فهي بكل حال أداء. والأولى معها كصلاة فائتة. وقال بعض أصحابنا: لا يفرق بينهما؛ لأنه إذا فرق بينهما لم يكن مستعملاً للرخصة. والأولى إنما تفعل وقت الثانية على وجه الرخصة.

стр. 505

فصل في صلاة الخوف قال المصنف ﵀: (قال الإمام أبو عبدالله ﵁: صح عن النبي ﷺ صلاة الخوف من خمسة أوجه أو ستة كل ذلك جائز لمن فعله. فمن ذلك: إذا كان العدو في جهة القبلة صف الإمام المسلمين خلفه صفين فصلى بهم جميعاً إلى أن يسجد فيسجد معه الصف الذي يليه، ويحرس الآخر حتى يقوم الإمام إلى الثانية فيسجد ويلحقه. فإذا سجد في الثانية سجد معه الصف الذي حرس وحرس الآخر حتى يجلس في التشهد فيسجد ويلحقه فيتشهد ويسلم بهم). أما كون صلاة الخوف تصح في الجملة؛ فبالكتاب والسنة: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ... الآية﴾ [النساء: ١٠٢]. وأما السنة فثبت «أن النبي ﷺ كان يصلي صلاة الخوف» (١). وما ثبت في حقه ثبت في حقنا ما لم يقم دليل على اختصاصه به. بدليل قوله تعالى: ﴿فاتبعوه﴾ [الأنعام: ١٥٥]. ولأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يحتجون بأفعال رسول الله ﷺ . وكان يُسأل عن المسألة فيجيب بأني أفعلها. ولو اختص بأفعاله لم يكن كذلك. ولأن الصحابة ﵃ أجمعوا على صلاة الخوف. ففعلها علي ليلة الهرير (٢). وصلاها أبو موسى الأشعري (٣).

стр. 506

وصلاها حذيفة وسعيد بن العاص، وكان سعيد أميراً على الجيش بطبرستان (١). وأما كون كل وجه من الوجوه الخمسة الآتي ذكرها جائزاً لمن فعله؛ فلما ذكره المصنف ﵀ قبل. وأما كون الوجه الأول من ذلك؛ فلما روى جابر قال: «شهدت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف. فصفنا خلفه صفين والعدو بيننا وبين القبلة. فكبر بنا رسول الله ﷺ فكبرنا جميعاً. ثم ركع وركعنا. ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعاً. ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه وقام الصف المؤخر في نحر العدو. فلما قضى النبي ﷺ السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا. ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم. ثم ركع رسول الله ﷺ وركعنا جميعاً. ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعاً. ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخراً في الركعة الأولى وقام الصف المؤخر في نحر العدو. فلما قضى النبي ﷺ السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجد. ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا جميعاً» (٢) أخرجه مسلم. وأما ما يشترط لصحة الوجه المذكور فظاهر كلام المصنف ﵀ أن يكون العدو في جهة القبلة لا غير لأنه لم يذكر غيره. واشترط أبو الخطاب مع ذلك شرطين

стр. 507

آخرين. وهو: أن لا يخافوا كميناً لهم. وأن يكون في المسلمين كثرة بحيث يحرس بعضهم ويصلي بعض؛ لأن المقصود لا يحصل بدونهما. قال: (الوجه الثاني: إذا كان العدو في غير جهة القبلة جعل طائفة حذاء العدو وطائفة تصلي معه ركعة. فإذا قاموا إلى الثانية ثبت قائماً وأتمت لأنفسها أخرى وسلمت ومضت إلى العدو وجاءت الأخرى فصلت معه الركعة الثانية. فإذا جلس للتشهد أتمت لأنفسها أخرى وتشهدت وسلم بهم). أما كون الوجه الثاني من الوجوه المذكورة؛ فلما روى صالح بن خوات عمن صلى مع النبي ﷺ صلاة الخوف يوم ذات الرقاع: «أن طائفة صلت معه وطائفة وِجاه العدو [فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائماً ثم أتموا لأنفسهم ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو] (١) وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته. ثم ثبت جالساً فأتموا لأنفسهم. ثم سلم بهم» (٢) متفق عليه. والذي صلى مع رسول الله ﷺ سهل بن أبي حثمة. وأما ما يشترط لهذا الوجه فأمور: أحدها: أن يكون العدو في غير جهة القبلة لأن صلاة رسول الله ﷺ في ذات الرقاع كانت كذلك. ولأنه حينئذ يحتاج إلى التفريق لأنهم إذا كانوا في جهة القبلة وعلم أنهم لا يتجاسرون أن يميلوا عليهم ميلة واحدة أمكن استقبالهم فلا حاجة إلى التفريق. وقال المصنف ﵀ في المغني: أن الأثرم قال: قلت لأحمد: حديث سهل نستعمله مستقبلين كانوا أو مستدبرين؟ قال: نعم. هو أنكى للعدو.

стр. 508

فعلى هذا لا يشترط أن يكون العدو في غير جهة القبلة؛ [لأن العدو قد يكون في جهة القبلة] (١) على وجهٍ لا يمكنه أن يصلي بهم صلاة عسفان لاستتارهم أو لخوف من كمين. فالمنع من هذه الصلاة يفضي إلى تفويتها. وثانيها: أن يكون العدو مباح القتال كقطاع الطريق، ومن بغى على الإمام، ومن قصد دم إنسان، ونحو ذلك؛ لأن قتال محرم القتال معصية لا يبيح قصر الصلاة فكذلك لا يبيح قصر أركانها وتغيير صفاتها. وثالثها: أن يكون العدو لا يؤمن هجومه لقوله تعالى: ﴿ودَّ الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة﴾ [النساء: ١٠٢]. أومأ إلى أن المجوز لهذه الصلاة خوف الميل على المسلمين. ولأنه إذا أمن هجومهم لم تدْع الحاجة إلى التفريق فلم يجز. ورابعها: كثرة المصلين لأنهم إذا كانوا قليلين بحيث يكون الذي وجاه العدو أقل من نصف العدو يباح لهم الفرار وحينئذ يتطرق إمكان الأذى إلى المصلين فلم يحصل من الصلاة الحكمة المطلوبة منها فلم يجز لذلك. وخامسها: أن تكون الطائفة ثلاثة فأكثر لأن الله تعالى ذكر الطائفة وأعاد إليها الضمير على سبيل الجمع في قوله تعالى: ﴿وليأخذوا أسلحتهم﴾ [النساء: ١٠٢]. وأقل الجمع ثلاثة. وقال القاضي: يكره أن يصلي بأقل من ثلاثة. وظاهر هذا عدم اشتراط الثلاثة. ولفظ الطائفة قد يطلق ويراد به الواحد كما في قوله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقةٍ منهم طائفة﴾ [التوبة: ١٢٢]؛ لأن الإنذار يحصل بواحد. قال: (فإن كانت الصلاة مغرباً صلى بالأولى ركعتين وبالثانية ركعة. وإن كانت رباعية غير مقصورة صلى بكل طائفة ركعتين وأتمت الأولى بالحمد لله في كل ركعة

стр. 509

والأخرى تتم بالحمد لله وسورة. وهل تفارقه الأولى في التشهد الأول أو في الثالثة؟ على وجهين). أما كون مصلي المغرب يصلي بالطائفة الأولى ركعتين وبالثانية ركعة؛ فلأنه إذا لم يكن بد من تفضيل إحدى الطائفتين فالسابقة أولى. ولأنه ينجبر ما فات الثانية بأنها تفعل جميع الصلاة في حكم الإتمام والأولى تفارقه فتأتي ببعض الصلاة في حكم الانفراد. وهذا الذي ذكره المصنف ﵀ هو الأولى. ولو صلى بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين جاز؛ لأن علياً فعله ليلة الهرير (١). ولأنه لم يزد على انتظارين ورد الشارع بهما. وأما كون مصلي الرباعية غير المقصورة يصلي بكل طائفة ركعتين؛ فلأن في ذلك تسوية بين الطائفتين. والمراد بذلك الأولوية كما تقدم في المغرب (٢). فلو صلى بالأولى ركعة وبالثانية ثلاثاً أو بالعكس صح لما تقدم من أنه لم يزد على انتظارين ورد الشارع بهما. وفي صلاة الإمام بكل طائفة ركعتين إشعار بأمرين: أحدهما: جواز صلاة الخوف للمقيم. وهو صحيح صرح به المصنف ﵀ في المغني، وصاحب النهاية فيها. ووجهه عموم قوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم ... الآية﴾ [النساء: ١٠٢]. وثانيهما: أن للمسافر أن يتم فيصلي بكل طائفة ركعتين. وأما كون الأولى تُتِم بالحمد لله في كل ركعة بلا سورة؛ فلأن ما أدركت مع الإمام أول صلاتها وصلاته فإذاً المقضي آخرها والآخر لا يزاد فيه على الحمد لله. وأما كون الأخرى تتم بالحمد لله وسورة فهو مبني على أن ما يقضيه المسبوق أول صلاته. والأول يقرأ فيه الحمد وسورة.

стр. 510

وأما كون الأولى تفارقه في التشهد الأول على وجهٍ؛ فلأنه حينئذ يمكنه الانتظار وهو جالس فيحصل للطائفة الثانية جميع الركعة التي شرعت فيها. وأما كونها تفارقه حين يقوم إلى الثانية على وجهٍ؛ فلأن الانتظار في القيام أولى لكثرة ثواب القيام واستحباب تقصير التشهد. وهذه المفارقة المختلف فيها تشمل من صلى مع الإمام المغرب والرباعية. قال: (وإن فرقهم أربعاً فصلى بكل طائفة ركعة صحت (١) صلاة الأُولَيين وبطلت صلاة الإمام والأُخْريين إن علمتا بطلان صلاته). أما كون صلاة الأُوليين تصح؛ فلأنها لم يُزَد فيها على انتظارين ورد الشرع بهما. وأما كون صلاة الإمام تبطل؛ فلأنه زاد انتظاراً ثالثاً لم يرد الشرع به فوجب أن تبطل صلاته. أشبه ما لو فعله في غير الخوف. وسواء كان ذلك لحاجة أو لغير حاجة لأن الترخص إنما يصار فيه إلى ما ورد الشرع به. وأما كون صلاة الأُخْريين تبطل إذا علمتا بطلان صلاة الإمام فإنهما اقتديا (٢) بمن صلاته باطلة مع علمهما بذلك أشبه ما لو صليا خلف محدث يعلمان (٣) حدثه. قال: (الوجه الثالث: أن يصلي بطائفة ركعة ثم تمضي إلى العدو. وتأتي الأخرى فيصلي بها ركعة ويسلم وحده وتمضي هي. ثم تأتي الأولى فتتم صلاتها). أما كون الوجه الثالث من الوجوه المذكورة؛ فلما روى عبدالله بن عمر قال: «صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف في بعض أيامه: فقامت طائفة معه وطائفة بإزاء العدو وصلى بالذين معه ركعة. ثم ذهبوا وجاء الآخرون. فصلى بهم ركعة. ثم قضت الطائفتان ركعة ركعة» (٤) متفق عليه.

стр. 511

قال: (الوجه الرابع: أن يصلي بكل طائفة صلاة ويسلم بها). أما كون الوجه الرابع من الوجوه المذكورة؛ فلما روى أبو بكرة قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ في خوفٍ؛ الظهر: فصف بعضهم خلفه، وبعضهم بإزاء العدو. فصلى ركعتين ثم سلم. فانطلق الذين صلوا فوقفوا موقف أصحابهم. ثم جاء أولئك فصلوا خلفه فصلى بهم ركعتين ثم سلم بهم. فكان لرسول الله ﷺ أربع ولأصحابه ركعتان ركعتان» (١). رواه أبو داود. قال: (الوجه الخامس: أن يصلي الرباعية المقصورة تامة. ويصلي معه كل طائفة ركعتين ولا تقضي شيئاً فتكون له تامة ولهم مقصورة). أما كون الوجه الخامس من الوجوه المذكورة؛ فلما روى جابر قال: «أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بذات الرقاع فنودي بالصلاة. فصلى رسول الله ﷺ بطائفة ركعتين. ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين. فكانت لرسول الله ﷺ أربع ركعات وللقوم ركعتان» (٢) متفق عليه. وأما كون الوجه السادس من الوجوه الجائزة ولم يذكره المصنف ﵀ وهو مذكور في الحديث الآتي ذكره؛ فلما روى ابن عباس قال: «صلى النبي ﷺ بذي قَرَد صلاة الخوف والمشركون بينه وبين القبلة: فصف صفاً خلفه وصفاً موازي العدو فصلى بهم ركعة. ثم ذهب هؤلاء إلى مصاف هؤلاء ورجع هؤلاء إلى مصاف هؤلاء. فصلى بهم ركعة. ثم سلم بهم. فكانت لرسول الله ﷺ ركعتان ركعتان وكانت لهم ركعة ركعة» (٣) رواه الأثرم.

стр. 512

قال المصنف ﵀ في الكافي: كلام أحمد يقتضي أن يكون هذا من الوجوه الجائزة إلا أن أصحابه قالوا: لا تأثير للخوف في عدد الركعات فدل على أن هذا ليس بمذهبٍ له. قال: (ويستحب أن يحمل معه في الصلاة من السلاح ما يدفع به عن نفسه ولا يثقله كالسيف والسكين. ويحتمل أن يجب ذلك). أما كون حمل ما ذكر يستحب؛ فلقوله تعالى: ﴿وليأخذوا أسلحتهم﴾ [النساء: ١٠٢]. فإن قيل: الأمر للوجوب فلِمَ لَمْ يجب؟ قيل: لأن حمل السلاح يراد لحراسةٍ أو قتال والمصلي لا يتصف بواحدة منهما. ولأنه لو كان واجباً في الصلاة لكان تركه قادحاً في صحتها وهو خلاف الإجماع. وأما كونه يحتمل أن يجب ذلك؛ فلظاهر الأمر.

стр. 513

فصل [في الصلاة إذا اشتد الخوف] قال المصنف ﵀: (وإذا اشتد الخوف صلوا رجالاً وركباناً إلى القبلة وغيرها. يومئون إيماء على قدر الطاقة. فإن أمكنهم افتتاح الصلاة إلى القبلة فهل يلزمهم ذلك؟ على روايتين). أما كون من اشتد خوفه والمعنيّ (١) بالاشتداد: أن يتواصل الطعن والكرّ والفرّ. ولم يمكن تفريق القوم فرقتين كل طائفة مساوية لنصف العدو، ولا صلاة عسفان يصلون رجالاً وركباناً إلى القبلة وغيرها؛ فلقوله تعالى: ﴿فإن خفتم فرجالاً أو رُكْباناً﴾ [البقرة: ٢٣٩]. قال ابن عمر في تفسيرها: «مستقبلي القبلة وغير مستقبليها» (٢). قال نافع: لا أراه قال ذلك إلا عن النبي ﷺ (٣). وأما كونهم يُومئون إيماء؛ فلأنهم يجوز لهم الصلاة ركباناً ومِنْ ضرورته الإيماء. ولأنهم لو تمموا الركوع والسجود في المعارك لكانوا هدفاً لأسلحة الكفار. معرّضين أنفسهم للهلاك. فإن قيل: لم عفي عن أفعالهم من الكرّ والفرّ مع كثرتها؟ قيل: لأنه موضع ضرورة.

стр. 514

ولأن ذلك لو كان مبطلاً لجاز لهم إخلاء الوقت عن الصلاة لعدم إمكان صلاة خالية عن ذلك. ولا يجوز ذلك لأنهم مكلفون تصح طهارتهم فلم يجز لهم إخلاء الوقت عن فعلها كالمريض. وقد روي عن الإمام أحمد: أنه يجوز تأخير الصلاة حال التحام الحرب حتى تضع أوزارها «لأن النبي ﷺ أخرها يوم الخندق» (١). وقد أجيب عن ذلك بوجوه: أحدها: أنه كان قبل نزول آية صلاة الخوف. الثاني: أن يكون أخرها نسياناً. الثالث: أنه لم ينقل أنهم كانوا في حال المسايفة. وأما كونهم يلزمهم افتتاح الصلاة إلى القبلة ففيه روايتان مضى توجيههما في استقبال القبلة. والصحيح أنه لا يجب؛ لأنا إذا أسقطنا القيام وجوزنا العمل الكثير؛ فلأن يجوز ترك (٢) استقبال القبلة في بعض الصلاة بطريق الأولى. قال: (ومن هرب من عدو هرباً مباحاً أو من سيل أو سبع ونحوه فله أن يصلي كذلك. وهل لطالب العدو الخائف فواته الصلاة كذلك؟ على روايتين). أما كون من هرب ممن ذُكر ونحوه له أن يصلي صلاة الخوف؛ فلأن المجوز لها في الخوف، خوف فوات النفس وهو موجود هاهنا. وأما كون طالب العدو الخائف فواته له الصلاة كذلك على روايةٍ؛ فلما روى عبدالله بن أنيس قال: «بعثني رسول الله ﷺ إلى خالد بن سفيان الهذلي وكان نحو

стр. 515

عُرَنَة. قال: اذهب فاقتله. فرأيته وحضرتني الصلاة. فقلت: إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما يؤخر الصلاة فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومئ إيماء نحوه. فلما دنوت منه قال لي: من أنت؟ قلت: رجل من العرب بلغني أنك تجمع لهذا الرجل فجئتك لذلك. فقال: إني (١) لفي ذلك. فمشيت معه حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى (٢) برد» (٣) رواه أبو داود. وظاهر حاله أنه أخبر النبي ﷺ ولم ينكره. وأما كونه ليس له ذلك على روايةٍ؛ فلأن صلاة الخوف مشروطة بالخوف وهذا غير خائف. قال: (ومن أمن في الصلاة أتم صلاة آمن. ومن ابتدأها آمناً فخاف أتم صلاة الخائف. ومن صلى صلاة الخوف لسوادٍ ظنه عدواً فبان أنه ليس بعدو أو بينه وبينه ما يمنعه فعليه الإعادة). أما كون من أمن في أثناء صلاته يتم صلاة آمن، ومن خاف في أثنائها يتم صلاة خائف؛ فلأن المجوز لصلاة الخوف، الخوف فيُفعل عند وجوده دون عدمه. ولأنها صلاة لعذر فجاز أن يكون بعضها صلاة خائف والبعض صلاة آمن كما لو صلى قائماً ثم عجز أو عاجزاً ثم قدر. وأما كون من صلى صلاة الخوف لسوادٍ ظنه عدواً فبان أنه ليس بعدو أو بينه وبينه ما يمنعه عليه الإعادة؛ فلأنه ترك بعض واجبات الصلاة ظناً منه سقوطها وكان عليه الإعادة كما لو صلى يظن أنه متطهر فبان محدثاً أو نجساً.

стр. 516

باب صلاة الجمعة قال المصنف ﵀: (وهي واجبة على كل مسلمٍ مكلفٍ ذكرٍ حرٍ مستوطنٍ ببناء ليس بينه وبين موضع الجمعة (١) أكثر من فرسخ تقريباً. إذا لم يكن له (٢) عذر). أما كون صلاة الجمعة واجبة في الجملة؛ فبالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ [الجمعة: ٩] أمر بالسعي والأمر للوجوب ولا يجب السعي إلا إلى واجب. ونهى عن البيع ولو لم تكن الجمعة واجبة لم ينه عن البيع. والمراد بالسعي هنا المضي والذهاب لا الإسراع. وقد روي عن عمر ﵁ «أنه كان يقرأ: فامضوا إلى ذكر الله» (٣). وأما السنة فقول النبي ﷺ : «لَيَنتهين أقوام عن وَدْعِهِم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين» (٤) متفق عليه. وقوله ﷺ : «واعلموا أن الله قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا في شهري هذا من عامي هذا. فمن تركها في حياتي أو بعده وله إمام عادل أو جائر استخفافاً بها أو جحوداً فلا جمع الله له شمله ولا بارك له في عمره. ألا ولا صلاة له ولا

стр. 517

زكاة له ولا صوم له ولا حج له ولا بر (١) له حتى يتوب. فإن تاب تاب الله عليه» (٢) رواه ابن ماجة. وأما الإجماع فأجمع المسلمون على وجوب الجمعة. وأما كونها تجب على كلّ مسلم مكلف ذكر حُرّ مستوطن ببناء ليس بينه وبين موضع الجمعة أكثر من فرسخ إذا لم يكن له (٣) عذر؛ فلأن ما تقدم عام خرج منه غير من ذكر لما يأتي فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاه. وظاهر ما ذُكر أن الجمعة لا تجب على كافر ولا غير مكلف ولا غير ذكر ولا عبد ولا غير مستوطن ببناء ولا من بينه وبين موضع الجمعة أكثر من فرسخ ولا من له عذر وهو صحيح. أما كونها لا تجب على كافر ولا غير مكلف؛ فلقوله ﵇: «الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض» (٤) رواه أبو داود. ولأن الكافر وغير المكلف لا تجب عليهما الصلوات الخمس؛ فلأن لا تجب عليهما الجمعة بطريق الأولى. وأما كونها لا تجب على غير ذَكَرٍ؛ فلأن المرأة مذكورة في الحديث المتقدم. ولأنها يشرع لها الستر والتحفز وذلك لا يناسب وجوب الجمعة عليها. والخنثى ملحق بها لأنه في معناها. وأما كونها لا تجب على عبد؛ فلأنه مذكور في الحديث المتقدم. ولأنه مشتغل بخدمة سيده. وأما كونها [لا تجب] (٥) على غير مستوطن؛ فـ «لأن النبي ﷺ كان بعرفة يوم الجمعة ولم يصل جمعة».

стр. 518

ولأن في رواية أبي داود في بعض ألفاظه: «إلا خمسة: عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض أو مسافر». ولأن المسافر ليس من أهل الكمال فلم تجب عليه كالصبي. وأما كون الاستيطان ببناء -والمراد به الإقامة بموضع مبني بما جرت به العادة من خشب أو قصب ونحو ذلك لا يظعن عنه شتاء ولا صيفاً-؛ فلأن العرب كانت حول المدينة في الخيام وبيوت الشعر ولم يأمرهم النبي ﷺ بإقامة صلاة الجمعة. وإنما كان البناء بما جرت به العادة لأنه أمر ورد الشرع باشتراطه من غير تعيين له فاعتبرت العادة فيه كالحِرز والقبض. ولأن الجمعة تقام في مواضع مختلفة الأبنية فلو اشترط بناء بعينه لوجب الحكم ببطلان بعضها وليس كذلك لأن الأصل في الأفعال الشرعية التي فعلها المسلمون في بلادهم الإسلامية من غير نكير من بعضهم: الصحة. وإنما كان الموضع لا يظعن فيه صيفاً ولا شتاء لأن بذلك كمال الاستيطان فوجب أن يشترط كأصله. وأما كونها لا تجب على من بينه وبين موضع الجمعة أكثر من فرسخ؛ فلأنه لما لم يمكن اعتبار السماع بنفسه اعتبر بمظنته. والموضع الذي يُسمع النداء منه في الغالب إذا كان المؤذن صيتاً في موضع عالٍ والرياح ساكنة والأصواتُ هادئة والعوارضُ منتفية فرسخ فاعتبر به. وعن أحمد: أنه معتبر بنفس النداء تمسكاً بظاهر قوله ﷺ : «الجمعة على من سمع النداء» (١) رواه أبو داود. والفرسخ أو السماع معتبر في حق من هو خارج البلد، أما من هو في البلد فيجب عليه السعي قَرُب أو بَعُد سمع أو لم يسمع؛ لأن البلد كالشيء الواحد.

стр. 519

وأما كونها لا تجب على من له عذر؛ فلأن العذر يعذر به في ترك الجمعة لما تقدم في موضعه (١). قال: (ولا تجب على مسافرٍ ولا عبدٍ ولا امرأةٍ ولا خنثى. ومن حضرها منهم أجزأته ولم تنعقد به ولم يجز أن يؤم فيها. وعنه في العبد أنها تجب عليه). أما كون الجمعة لا تجب على مسافر ولا امرأة ولا خنثى؛ فلما تقدم ذكره قبل (٢). وأما كونها لا تجب على عبد على المذهب؛ فلما تقدم أيضاً. وأما كونها تجب عليه على روايةٍ؛ فلأنه مكلف فوجبت عليه كالظهر. ونقل أبو الخطاب عن الإمام أحمد رواية أنها تجب على الصبي بناء على وجوب الصلاة عليه. والصحيح أنها لا تجب عليهما؛ لأنهما استثنيا في حديث أبي داود (٣). ولأن العبد محبوس على حق سيده أشبه المحبوس على حق. وأما كون من حضر الجمعة ممن ذُكر تجزئه؛ فلأنها إنما سقطت عنهم تخفيفاً عليهم فإذا تحملوا المشقة وصلّوا أجزأهم كالمريض. وأما كونه لا ينعقد به ولا يجوز أن يؤم فيها؛ فلأنه ليس من أهل فرض الجمعة لما فيه من النقص المانع من الوجوب فلم ينعقد به ولم يجز أن يؤم كالمرأة. قال: (ومن سقطت عنه لعذر إذا حضرها وجبت عليه وانعقدت به). أما كون الجمعة تجب على من سقطت عنه لعذر كالمريض ونحوه إذا حضرها؛ فلأن سقوطها عنه كان دفعاً لمشقة السعي فإذا تكلفه وحصل في الجامع زالت المشقة فوجب زوال السقوط لزوال سببه. وأما كونها تنعقد به؛ فلأنه من أهل وجوبها أشبه غير المريض.

стр. 520

قال: (ومن صلى الظهر ممن عليه حضور الجمعة قبل صلاة الإمام لم تصح صلاته. والأفضل لمن لا تجب عليه أن لا يصلي الظهر حتى يصلي الإمام). أما كون من صلى الظهر ممن عليه حضور الجمعة قبل صلاة الإمام لا تصح؛ فلأنه مأمور بالجمعة فلم يصح الظهر لأنه أتى بغير ما أمر به. ولأن الظهر بدل عن (١) الجمعة والبدل لا يجوز إلا عند تعذر المبدل. بدليل سائر الأبدال. وأما كون الأفضل لمن لا تجب عليه أن لا يصلي الظهر حتى يصلي الإمام؛ فلأنه يرجى زوال عذره فاستحب له التأخير. ولا بد أن يلحظ في من لا تجب عليه أن لا يكون امرأة؛ لأن المرأة لا يرجى زوال عذرها. وقال أبو بكر: لا يصح ممن تقدم ذكره قياساً على من تجب عليه. وذكر ابن عقيل قول أبي بكر رواية. وصحح الصحة لأنه غير مخاطب بالجمعة أشبه المرأة. قال: (ولا يجوز لمن تلزمه الجمعة السفر في يومها بعد الزوال. ويجوز قبله. وعنه: لا يجوز. وعنه: يجوز للجهاد خاصة). أما كون السفر لمن تلزمه الجمعة بعد الزوال لا يجوز قبل فعلها؛ فلأن ابن عمر روى عن النبي ﷺ أنه قال: «من سافر من دار إقامة يوم الجمعة دعت عليه الملائكة أن لا يُصحب في سفره ولا يعان على حاجته» (٢). رواه الدارقطني. وهذا وعيد وتهديد يدل على التحريم. ولأن الصلاة تجب بأول الوقت، وفعل الجمعة يجب مع الإمام فالسفر مفض إلى تفويتها بخلاف بقية الصلوات. ولأن السفر يشغله عن الجمعة بعد دخول وقتها فلم يجز كالتجارة.

стр. 521

وأما كونه يجوز قبل الزوال على المذهب؛ فلما روى ابن عمر عن النبي ﷺ «أنه سافر يوم الجمعة» (١). و«رأى عمر رجلاً بهيئة السفر وهو يقول: لولا الجمعة لسافرت. فقال: اخرج فإن الجمعة لا تمنع عن سفر» (٢). فيجب حمل حديث ابن عمر على ما بعد الزوال. وهذا على ما قبله جمعاً بينهما. وأما كونه لا يجوز على روايةٍ؛ فلأن هذا وقت يلزم من كان على فرسخ السعي إلى الجمعة فوجب أن لا يجوز لمن في البلد السفر بطريق الأولى. ولأنه دخل وقت حرمة الجمعة بدليل الاعتداد بالغسل وأنه يسن التبكير فلم يجز التسبب إلى تفويتها. وأما كونه يجوز للجهاد خاصة على روايةٍ فـ «لأن النبي ﷺ جهز جيش مؤتة يوم الجمعة. ووجه زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبدالله بن رواحة وأذن لهم في الخروج قبل الصلاة. فتخلف عنهم عبدالله بن رواحة لصلاة الجمعة. فرآه النبي ﷺ فقال: ما خلّفك؟ فقال: الجمعة. فقال النبي ﷺ : لَغَدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها. قال: فراح منطلقاً» (٣) رواه أحمد.

стр. 522

فصل قال المصنف ﵀: (ويشترط لصحة الجمعة أربعة شروط: أحدها: الوقت، وأوله أول وقت صلاة العيد. وقال الخرقي: يجوز فعلها في الساعة السادسة. وآخره آخر وقت الظهر). أما كون صحة الجمعة يشترط لها أربعة شروط؛ فلما يأتي ذكره فيها. وأما كون أحدها الوقت؛ فلأن الجمعة صلاة فكان دخول الوقت من شروط صحتها كسائر الصلوات. وأما كون أوله أول وقت صلاة العيد على المذهب؛ فلما روى وكيع عن جعفر بن برقان عن ثابت بن الحجاج عن عبدالله بن سيدان قال: «شهدت الجمعة مع أبي بكر. فكانت خطبته وصلاته قبل انتصاف النهار. وشهدتها مع عمر ﵁ فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول قد انتصف النهار. ثم صليتها مع عثمان فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول قد زال النهار. فما رأيت أحداً عاب ذلك ولا أنكره» (١) رواه الإمام أحمد. وروي عن ابن مسعود «أنه صلى الجمعة ضحى. وقال: إنما عجلت لكم خشية الحر عليكم» (٢).

стр. 523

وروى سويد بن غفلة قال (١): «صلى بنا معاوية الجمعة ضحى» (٢) رواه الإمام أحمد. ولأن يوم الجمعة يوم عيد فجازت في وقت العيد كالفطر والأضحى (٣). وأما كون فعلها في الساعة السادسة يجوز على قول الخرقي دون ما تقدم ذكره؛ فلأن الأحاديث الصحيحة الدالة على جواز التقديم مختصة بذلك. منها: ما روى جابر «أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس» (٤) رواه مسلم. وعن سهل بن سعد قال: «ما كنا نقيل ونتغدّى إلا بعد الجمعة في عهد رسول الله ﷺ » (٥) متفق عليه. قال ابن قتيبة: لا يسمى غداء ولا قائلة ما بعد الزوال. وعن سلمة قال: «كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة ثم ننصرف وليس للحيطان فيء» (٦) متفق عليه. والمذهب (٧) الأول لأن الأحاديث المذكورة تدل على جوازها قبل الزوال وإذا كان كذلك فقد خالفت الظهر فوجب أن يلتحق بالعيد بدليل ما تقدم من فعل الصحابة. وأما كون آخره آخر وقت الظهر؛ فلأن الجمعة بدل منها أو واقعة موقعها فوجب أن يكون آخر وقتها آخر وقت الظهر لما بينهما من المشابهة.

стр. 524

قال: (فإن خرج وقتها قبل فعلها صلوا ظهراً. وإن خرج وقد صلوا ركعة أتموها جمعة. وإن خرج قبل ركعة فهل يتمونها ظهراً أو يستأنفونها؟ على وجهين). أما كون من خرج وقت الجمعة عليهم قبل فعلها يصلون ظهراً؛ فلأن قول النبي ﷺ : «من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الصلاة» (١) يدل بمفهومه على أن من لم يدرك ركعة لم يكن مدركاً للجمعة. فمن لم يَشْرَع بالكلية بطريق الأولى. وأما كونهم يتمونها جمعة إذا خرج وقد صلوا ركعة؛ فلأن الحديث المذكور قبلُ يدل بمنطوقه على ذلك. وقياساً على المسبوق. وعن الإمام أحمد رحمة الله عليه: يشترط إيقاع جميع صلاة الجمعة في الوقت إلا السلام؛ لأن الوقت شرط فيعتبر في جميعها كالوضوء. والأول أصح؛ للحديث. ولقوله ﵇: «من أدرك من يوم الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى» (٢). وأما كونهم يتمونها ظهراً إذا خرج قبل ركعة على وجهٍ؛ فلأنهما صلاتا وقت فجاز بناء إحداهما على الأخرى كصلاة السفر مع الحضر. وأما كونهم يستأنفونها على وجهٍ؛ فلأن الظهر والجمعة صلاتان مختلفتان ليست إحداهما الأخرى ولا بعضها فلم تُبن إحداهما على الأخرى كالظهر والصبح. وكلام المصنف ﵀ مشعر بعدم إتمامها جمعة. وهو قول أكثر الأصحاب لأن فوات الأكثر قائم مقام فوات الكل.

стр. 525

وقال القاضي وابن حامد: متى أحرم بها في الوقت يتمها جمعة قياساً على سائر الصلوات. والأول أصح؛ لأن مفهوم الحديث المتقدم يدل عليه. والفرق بين الجمعة وبين سائر الصلوات ثابت في كثير من الأحكام فيمتنع معه القياس. قال: (الثاني: أن يكون بقرية يستوطنها أربعون من أهل وجوبها. فلا تجوز إقامتها في غير ذلك). أما كون ثاني شروط صحة الجمعة أن يكون بقرية يستوطنها ما ذُكر: أما كونها بقرية؛ فلأن ذلك شرط لوجوبها؛ فلأن يكون شرطاً لصحتها بطريق الأولى. ولأن قبائل العرب كانت حول المدينة في الخيام وبيوت الشعر ولم يأمرهم النبي ﷺ بها. والمراد بالقرية: الموضع المبني بما جرت به العادة قريةً كانت أو بلدة. وإنما صرح المصنف ﵀ بالقرية تنبيهاً على أن الجمعة يجوز إقامتها في القرى خلافاً لمن اشترط المصر. ويدل على جوازها في القرى «أن النبي ﷺ كتب إلى قرى عُرينة أن يصلوا الجمعة». و«لأن أسعد بن زرارة جمع بهَزْمِ النبيت» (١). وهو موضع قريب من القرية؛ فلأن يجوز في نفس القرية بطريق الأولى. ولأن القرية يستوطنها العدد المعتبر أشبهت المصر. وأما كون القرية يستوطنها العدد المتقدم ذكره؛ فلأن النبي ﷺ لم يأمر أهل مكة بإقامتها في عرفات. لا يقال إنما لم يأمرهم لأنهم مسافرون لأن سفرهم دون مسافة

стр. 526

القصر. وحكم ذلك حكم الإقامة. وإذا امتنع نسبة عدم إقامتها إلى السفر لم يبق سوى الاستيطان بالموضع. وأما كون العدد أربعين فلما يأتي في موضعه (١). وأما كونهم من أهل وجوبها؛ فلما تقدم من أن من لم تجب عليه لغير عذر لا تنعقد به (٢). وأما من كون إقامتها في غير ذلك لا يجوز؛ فلأن ما ذكر شرط في الإقامة وهو مفقود في غير ذلك فينتفي الجواز لانتفاء شرطه. قال: (ويجوز إقامتها في الأبنية المتفرقة إذا شملها اسم واحد. وفيما قارب البنيان من الصحراء). أما كون إقامة الجمعة في الأبنية المذكورة يجوز؛ فلأنها إما قرية وإما في معنى القرية. وأما كون إقامتها فيما قارب البنيان من الصحراء يجوز؛ فلما روى كعب ابن مالك قال: «أسعد بن زرارة أول من جمّع بنا في هَزْم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال له: نقيع الخضمات» (٣). وذلك موضع قريب من البنيان. ولأنه موضع لصلاة العيد فجازت فيه الجمعة كالجامع.

стр. 527

قال: (الثالث: حضور أربعين من أهل القرية في ظاهر المذهب. وعنه تنعقد بثلاثة. فإن نقصوا قبل إتمامها استأنفوا ظهراً. ويحتمل أنهم إن نقصوا قبل ركعة أتموا ظهراً. وإن نقصوا بعد ركعة أتموا جمعة). أما كون ثالث شروط صحة الجمعة حضور أربعين من أهل القرية في ظاهر المذهب فلما يأتي. وأما كونها تنعقد بثلاثة على روايةٍ؛ فلأن ذلك أقلُّ الجمع. وروي عن الإمام أحمد أنها لا تنعقد إلا بخمسين لما روى أبو أمامة عن النبي ﷺ أنه قال: [«على الخمسين جمعة» (١). والصحيح في المذهب الأول؛ لما روي عن جابر ﵁ أنه قال] (٢): «مضت السنة أن في كل أربعين فما فوقها جمعة» (٣) رواه الدارقطني. وقول الصحابي ذلك ينصرف إلى سنة النبي ﷺ . ولأن أسعد بن زرارة لما جمّع كانوا أربعين. وروى أبو الدرداء عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا اجتمع أربعون رجلاً فعليهم الجمعة». وأما كونهم إذا نقصوا عن العدد المشترط قبل إتمامها يستأنفون ظهراً؛ فلأن العدد المذكور شرطٌ فاعتبر في جميع الصلاة كالطهارة. وأما كونه يحتمل أنهم إن نقصوا قبل ركعة يتمون ظهراً وإن نقصوا بعد ركعة يتمون جمعة؛ فلأن من أصلنا أن الجمعة تدرك بركعة (٤). فإذا نقصوا وقد صلوا أقل من

стр. 528

ركعة لم يدركوا الجمعة فيتمون ظهراً. وإن نقصوا وقد صلوا ركعة أدركوا الجمعة فيتمون جمعة كالمسبوق فيهما. والأول أصح؛ لما تقدم ذكره. والفرق بين هذه المسألة وبين المسبوق أن المسبوق أدرك ركعة من جمعة تمت شرائطها وصحت فجاز البناء عليها بخلاف هذه. قال: (ومن أدرك مع الإمام منها ركعة أتمها جمعة. ومن أدرك أقل من ذلك أتمها ظهراً إذا كان قد نوى الظهر في قول الخرقي. وقال أبو إسحاق بن شاقلاء: ينوي جمعة ويتمها ظهراً). أما كون من أدرك مع الإمام من الجمعة ركعة يتمها جمعة؛ فلقوله ﷺ : «من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الصلاة» (١). وأما كون من أدرك أقل من ذلك يتمها ظهراً؛ فلأن قوله ﵇: «من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الصلاة» (٢) يدل بمفهومه على أنه لا يدركها بأقل من ذلك. ولأنه روي في بعض الروايات: «من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى. ومن أدرك دونها صلى أربعاً» (٣). وعن الإمام أحمد: يتمها جمعة. نقلها صاحب المستوعب لقوله ﵇: «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا» (٤). فوجب أن يقضي ما فاته لحصول ما أدركه. ولأن إدراك آخر الصلاة كإدراك أولها. دليله المسافر إذا اقتدى بمقيم. والصحيح الأول؛ لما تقدم من الحديث. ولقوله: «من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة» (٥) متفق عليه.

стр. 529

وأما قوله: «وما فاتكم فاقضوا» (١) فقد روي: «فأتموا» (٢) فإما يتعارضان ويَسْقُطان وإما يحملان على حالتي: القضاء إذا أدركوا ركعة، والإتمام إذا أدركوا دونها. وأما القياس على المسافر إذا اقتدى بمقيم فغير صحيح لأن إدراك المسافر إدراك التزام وإيجاب لأربع. وإدراك المسبوق إدراك إسقاط لأربع. ولأن العدد شرط في الجملة دون الإتمام. وأما قول المصنف ﵀: إذا كان قد نوى الظهر في قول الخرقي؛ فمعناه أن من لم يدرك الجمعة إنما يتمها ظهراً إذا نوى الظهر، فلو نوى الجمعة لم تصح صلاته في قول الخرقي؛ لأن النية قصد يتبع العلم ويوافق الفعل. فالمصلي للظهر لا ينوي جمعة؛ لأنه ينوي غير ما يفعله. وينوي جمعة ويتمها ظهراً في قول إسحاق بن شاقلاء لئلا تخالف نيته نية إمامه. وقال بعض أصحابنا: لا يصليها مع الإمام لأنه إن نوى الظهر خالف نية إمامه وإن نوى جمعة وأتمها ظهراً فقد صحت له الظهر من غير نيتها.

стр. 530

قال: (ومن أحرم مع الإمام ثم زُحم عن السجود سجد على ظهر إنسان أو رجله. فإن لم يمكنه سجد إذا زال الزحام إلا أن يخاف فوات الثانية فيتابع الإمام فيها وتصير أولاه ويتمها جمعة). أما كون من زُحم عن السجود سجد على ظهر إنسان أو رجله؛ فلقول عمر ابن الخطاب ﵁: «إذا اشتد الزحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه» (١) رواه الإمام أحمد وسعيد بن منصور. ولأن الزحام عذر فأباح التصرف في الغير فيما لا ضرر عليه لتأدية واجب عليه كالاستظلال والاستصباح. وقال ابن عقيل: لا يسجد على ظهر غيره لأنه تصرف في الغير بغير إذنه. ولأنه لا يجوز السجود على يد نفسه. وظهر غيره ورجله بطريق الأولى. بل يدني جبهته حتى يقارب موضع سجوده لأن ذلك الذي يمكنه. وأما كون من لم يمكنه السجود كما تقدم ولم يخف فوات الثانية يسجد إذا زال الزحام؛ فلأنه أمكنه تحصيل كمال السجود فلزمه كما لو لم يُزحم. فإن قيل: كيف يجوز له مفارقة الإمام؟ قيل: لا بأس بمفارقة الإمام صورةً مع كونه متابعه حكماً للعذر لأن النبي ﷺ فعل من صلى معه صلاة عسفان كذلك. وأما كونه يتابع إمامه إذا خاف فوات الثانية؛ فلقوله ﵇: «لا تختلفوا على أئمتكم» (٢). وقوله ﵇: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا» (٣). وعن الإمام أحمد رحمة الله عليه: يجب عليه أن يتشاغل بما فاته من السجود؛ لأن إمامه قد سجد فيجب عليه أن يسجد؛ لقوله ﷺ : «وإذا سجد فاسجدوا» (٤).
следующие страницы →