← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

القصر. وحكم ذلك حكم الإقامة. وإذا امتنع نسبة عدم إقامتها إلى السفر لم يبق سوى الاستيطان بالموضع. وأما كون العدد أربعين فلما يأتي في موضعه (١). وأما كونهم من أهل وجوبها؛ فلما تقدم من أن من لم تجب عليه لغير عذر لا تنعقد به (٢). وأما من كون إقامتها في غير ذلك لا يجوز؛ فلأن ما ذكر شرط في الإقامة وهو مفقود في غير ذلك فينتفي الجواز لانتفاء شرطه. قال: (ويجوز إقامتها في الأبنية المتفرقة إذا شملها اسم واحد. وفيما قارب البنيان من الصحراء). أما كون إقامة الجمعة في الأبنية المذكورة يجوز؛ فلأنها إما قرية وإما في معنى القرية. وأما كون إقامتها فيما قارب البنيان من الصحراء يجوز؛ فلما روى كعب ابن مالك قال: «أسعد بن زرارة أول من جمّع بنا في هَزْم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال له: نقيع الخضمات» (٣). وذلك موضع قريب من البنيان. ولأنه موضع لصلاة العيد فجازت فيه الجمعة كالجامع.

стр. 527

قال: (الثالث: حضور أربعين من أهل القرية في ظاهر المذهب. وعنه تنعقد بثلاثة. فإن نقصوا قبل إتمامها استأنفوا ظهراً. ويحتمل أنهم إن نقصوا قبل ركعة أتموا ظهراً. وإن نقصوا بعد ركعة أتموا جمعة). أما كون ثالث شروط صحة الجمعة حضور أربعين من أهل القرية في ظاهر المذهب فلما يأتي. وأما كونها تنعقد بثلاثة على روايةٍ؛ فلأن ذلك أقلُّ الجمع. وروي عن الإمام أحمد أنها لا تنعقد إلا بخمسين لما روى أبو أمامة عن النبي ﷺ أنه قال: [«على الخمسين جمعة» (١). والصحيح في المذهب الأول؛ لما روي عن جابر ﵁ أنه قال] (٢): «مضت السنة أن في كل أربعين فما فوقها جمعة» (٣) رواه الدارقطني. وقول الصحابي ذلك ينصرف إلى سنة النبي ﷺ . ولأن أسعد بن زرارة لما جمّع كانوا أربعين. وروى أبو الدرداء عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا اجتمع أربعون رجلاً فعليهم الجمعة». وأما كونهم إذا نقصوا عن العدد المشترط قبل إتمامها يستأنفون ظهراً؛ فلأن العدد المذكور شرطٌ فاعتبر في جميع الصلاة كالطهارة. وأما كونه يحتمل أنهم إن نقصوا قبل ركعة يتمون ظهراً وإن نقصوا بعد ركعة يتمون جمعة؛ فلأن من أصلنا أن الجمعة تدرك بركعة (٤). فإذا نقصوا وقد صلوا أقل من

стр. 528

ركعة لم يدركوا الجمعة فيتمون ظهراً. وإن نقصوا وقد صلوا ركعة أدركوا الجمعة فيتمون جمعة كالمسبوق فيهما. والأول أصح؛ لما تقدم ذكره. والفرق بين هذه المسألة وبين المسبوق أن المسبوق أدرك ركعة من جمعة تمت شرائطها وصحت فجاز البناء عليها بخلاف هذه. قال: (ومن أدرك مع الإمام منها ركعة أتمها جمعة. ومن أدرك أقل من ذلك أتمها ظهراً إذا كان قد نوى الظهر في قول الخرقي. وقال أبو إسحاق بن شاقلاء: ينوي جمعة ويتمها ظهراً). أما كون من أدرك مع الإمام من الجمعة ركعة يتمها جمعة؛ فلقوله ﷺ : «من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الصلاة» (١). وأما كون من أدرك أقل من ذلك يتمها ظهراً؛ فلأن قوله ﵇: «من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الصلاة» (٢) يدل بمفهومه على أنه لا يدركها بأقل من ذلك. ولأنه روي في بعض الروايات: «من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى. ومن أدرك دونها صلى أربعاً» (٣). وعن الإمام أحمد: يتمها جمعة. نقلها صاحب المستوعب لقوله ﵇: «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا» (٤). فوجب أن يقضي ما فاته لحصول ما أدركه. ولأن إدراك آخر الصلاة كإدراك أولها. دليله المسافر إذا اقتدى بمقيم. والصحيح الأول؛ لما تقدم من الحديث. ولقوله: «من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة» (٥) متفق عليه.

стр. 529

وأما قوله: «وما فاتكم فاقضوا» (١) فقد روي: «فأتموا» (٢) فإما يتعارضان ويَسْقُطان وإما يحملان على حالتي: القضاء إذا أدركوا ركعة، والإتمام إذا أدركوا دونها. وأما القياس على المسافر إذا اقتدى بمقيم فغير صحيح لأن إدراك المسافر إدراك التزام وإيجاب لأربع. وإدراك المسبوق إدراك إسقاط لأربع. ولأن العدد شرط في الجملة دون الإتمام. وأما قول المصنف ﵀: إذا كان قد نوى الظهر في قول الخرقي؛ فمعناه أن من لم يدرك الجمعة إنما يتمها ظهراً إذا نوى الظهر، فلو نوى الجمعة لم تصح صلاته في قول الخرقي؛ لأن النية قصد يتبع العلم ويوافق الفعل. فالمصلي للظهر لا ينوي جمعة؛ لأنه ينوي غير ما يفعله. وينوي جمعة ويتمها ظهراً في قول إسحاق بن شاقلاء لئلا تخالف نيته نية إمامه. وقال بعض أصحابنا: لا يصليها مع الإمام لأنه إن نوى الظهر خالف نية إمامه وإن نوى جمعة وأتمها ظهراً فقد صحت له الظهر من غير نيتها.

стр. 530

قال: (ومن أحرم مع الإمام ثم زُحم عن السجود سجد على ظهر إنسان أو رجله. فإن لم يمكنه سجد إذا زال الزحام إلا أن يخاف فوات الثانية فيتابع الإمام فيها وتصير أولاه ويتمها جمعة). أما كون من زُحم عن السجود سجد على ظهر إنسان أو رجله؛ فلقول عمر ابن الخطاب ﵁: «إذا اشتد الزحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه» (١) رواه الإمام أحمد وسعيد بن منصور. ولأن الزحام عذر فأباح التصرف في الغير فيما لا ضرر عليه لتأدية واجب عليه كالاستظلال والاستصباح. وقال ابن عقيل: لا يسجد على ظهر غيره لأنه تصرف في الغير بغير إذنه. ولأنه لا يجوز السجود على يد نفسه. وظهر غيره ورجله بطريق الأولى. بل يدني جبهته حتى يقارب موضع سجوده لأن ذلك الذي يمكنه. وأما كون من لم يمكنه السجود كما تقدم ولم يخف فوات الثانية يسجد إذا زال الزحام؛ فلأنه أمكنه تحصيل كمال السجود فلزمه كما لو لم يُزحم. فإن قيل: كيف يجوز له مفارقة الإمام؟ قيل: لا بأس بمفارقة الإمام صورةً مع كونه متابعه حكماً للعذر لأن النبي ﷺ فعل من صلى معه صلاة عسفان كذلك. وأما كونه يتابع إمامه إذا خاف فوات الثانية؛ فلقوله ﵇: «لا تختلفوا على أئمتكم» (٢). وقوله ﵇: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا» (٣). وعن الإمام أحمد رحمة الله عليه: يجب عليه أن يتشاغل بما فاته من السجود؛ لأن إمامه قد سجد فيجب عليه أن يسجد؛ لقوله ﷺ : «وإذا سجد فاسجدوا» (٤).

стр. 531

والأول أصح؛ لئلا تكثر مفارقته للإمام. ولأن الزحام عذر فيكون مسقطاً لمتابعته للإمام في السجود. وأما كون ثانية الإمام تصير أولى المأموم؛ فلأن الأولى لم تحصل به. وأما كونه يتمها جمعة؛ فلأن الجمعة تدرك بركعة وهي موجودة هاهنا. قال: (فإن لم يتابعه عالماً بتحريم ذلك بطلت صلاته. وإن جهل تحريمه فسجد ثم أدرك الإمام في التشهد أتى بركعة أخرى بعد سلامه وصحت جمعته. وعنه يتمها ظهراً). أما كون صلاة المأموم تبطل إذا لم يتابع إمامه عالماً بتحريم مفارقته؛ فلأنه ترك متابعة إمامه عمداً. ومتابعته واجبة لما تقدم من قوله ﵇: «لا تختلفوا على أئمتكم فإذا ركع فاركعوا ... الحديث» (١). وترك الواجب عمداً يبطل الصلاة وفاقاً. وأما كونها لا تبطل إذا ترك متابعة إمامه جهلاً بتحريمها؛ فلأن الجاهل معذور أشبه الساهي. وأما كون جمعته تصح إذا سجد مع جهله ثم أتى بركعة بعد سلام إمامه على المذهب؛ فلأنه أتى بسجود معتد به. وإذا اعتد له بذلك وهو حكم الإتمام فقد أدرك مع الإمام ركعة والجمعة تدرك بركعة. وأما كونها لا تصح ويتم ما صلى ظهراً على روايةٍ؛ فلأنه لم يدرك مع الإمام ركعة بسجدتيها لأن ما أتى به من السجود لم يتابع إمامه فيه حقيقة وإنما أتى به على وجهِ التدارك فلم يكن مدركاً للجمعة. قال: (الرابع: أن يتقدمها خطبتان: من شرط صحتهما حمد الله تعالى، والصلاة على رسوله ﷺ ، وقراءة آية، والوصية بتقوى الله تعالى، وحضور

стр. 532

العدد المشترط. وهل يشترط لهما الطهارة وأن يتولاهما من يتولى الصلاة؟ على روايتين). أما كون رابع شروط صحة الجمعة أن يتقدمها خطبتان: أما الخطبتان؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة: ٩] أمر بالسعي إلى الذكر فيكون واجباً لأن ما ليس بواجب لا يكون السعي إليه واجباً. و«لأن النبي ﷺ كان يخطب خطبتين يقعد بينهما» (١) متفق عليه. وقال الله تعالى: ﴿واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وقالت عائشة ﵂: «إنما أقرت الجمعة ركعتين من أجل الخطبة». وأما تقدم الخطبتين على الصلاة؛ فـ «لأنه ﷺ كان يخطب الخطبتين قبل الصلاة» (٢). وقد أمرنا باتباعه. وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٣). وأما كون الخطبتين من شرط صحتهما حمد الله إلى آخره: أما الحمد؛ فـ «لأن خُطب النبي ﷺ لم تخل من تحميد». ولقوله ﵇: «كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بحمد الله تعالى فهو أبتر» (٤).

стр. 533

وأما الصلاة على رسوله ﷺ ؛ فلما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ [الإنشراح: ٤] أنه لا يذكر الله إلا ويذكر الرسول معه (١). فكل موضع شرع فيه ذكر الله شرع فيه ذكر الرسول ﷺ . وأما قراءة آية؛ فلأن الخطبتين أقيمتا مقام الركعتين والقراءة واجبة فيهما، فكذلك فيما أقيم مقامهما. لا يقال: فيجب قراءة قرآن فيهما؛ لأن اقتصار النبي ﷺ على غيرها يدل على عدم وجوبها. وأما الوصية بتقوى الله ؛ فلأن النبي ﷺ كان يقول ذلك في خطبته. ولأن ذلك هو المقصود من الخطبة فلا يجوز الإخلال به. وأما حضور العدد المشترط؛ فلأنه ذكرٌ اشترط للصلاة. فاشترط له العدد كتكبير الإحرام. وأما كون الطهارة تشترط للخطبتين على روايةٍ؛ فلأنه ذكر مشروع في صحة الصلاة. فاشترط له الطهارة كتكبيرة الإحرام. وأما كونها لا تشترط على روايةٍ؛ فلأنهما ذكران يتقدمان الصلاة فلم يكن من شرطها الطهارة كالأذان والإقامة. وأما كون أن يتولاهما من يتولى الصلاة يشترط على روايةٍ؛ فلأنهما أقيمتا مقام ركعتين فكما لا يجوز أن يصلي إمامان صلاة واحدة فكذلك الخطبتان والصلاة. وأما كونه لا يشترط على روايةٍ؛ فلأنهما فصلان من الذكر يتقدمان الصلاة أشبها الأذان والإقامة. وهذا الخلاف فيما إذا لم يكن عذر فإن كان لعذر مثل أن يسبق الخطيب الحدث فهو (٢) مبني على جواز الاستخلاف. وظاهر المذهب جوازه لأنه إذا جاز في صلب الصلاة ففي هذه الصورة أولى.

стр. 534

قال: (ومن سننهما أن يخطب على منبر أو موضع عال. ويسلم على المأمومين إذا أقبل عليهم. ثم يجلس إلى فراغ الأذان. يجلس بين الخطبتين. ويخطب قائماً. ويعتمد على سيف أو قوس أو عصا، ويقصد تلقاء وجهه. ويقصر الخطبة. ويدعو للمسلمين). أما كون الخطبتين من سننهما أن يخطب على منبر إن كان أو على موضع عال إن لم يكن منبراً: أما المنبر؛ فلأن النبي ﷺ كان يخطب على منبر. قال سهل ابن سعد: «أرسل رسول الله ﷺ إلى امرأة سماها سهل: أن مري غلامك النجار يعمل لي أعواداً أجلس عليها إذا كلمت الناس» (١) متفق عليه. ورواه أبو داود. وأما الموضع العالي إن لم يكن منبر؛ فلأن ذلك في معنى المنبر لاشتراكهما في المبالغة في الإعلام. وأما كونهما من سننهما يسلم الإمام على المأمومين إذا أقبل عليهم؛ فـ «لأن النبي ﷺ كان إذا صعد المنبر سلم» (٢) رواه ابن ماجة. وأما كونهما من سننهما أن يجلس إلى فراغ الأذان؛ فلأن ابن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ يخطب خطبتين كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ أذان المؤذن ... مختصر» (٣) رواه أبو داود. ولأن في جلوسه استراحة له من تعب الصعود وبذلك يتمكن من الكلام التمكن التام. وأما كونهما من سننهما أن يجلس بين الخطبتين؛ فلأن النبي ﷺ كان يجلس بينهما. روى ابن عمر «أنه كان يخطب خطبتين وهو قائم يفصل بينهما بجلوس» (٤) متفق عليه.

стр. 535

وإنما لم يجب لأن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم لم يجلسوا منهم المغيرة وأبيّ بن كعب. وروي عن أبي إسحاق قال: «رأيت علياً يخطب على المنبر فلم يجلس حتى فرغ». وذكر ابن عقيل في التذكرة رواية في وجوب الجلسة المذكورة لأن النبي ﷺ فعلها وأمرنا باتباعه. والأول أصح؛ لما ذكر. ولأنها جلسة ليس فيها ذكر مشروع فلم تكن واجبة كالأولى. وأما كونهما من سننهما أن يخطب قائماً؛ فـ «لأن النبي ﷺ كان يخطب قائماً» (١). وإنما لم يجب لأنه ذِكرٌ ليس من شرطه الاستقبال فلم يجب له القيام كالأذان. وعن الإمام أحمد: يجب أن يخطب قائماً «لأن النبي ﷺ كان يخطب قائماً». وكذلك الخلفاء بعده. وقال الله تعالى: ﴿فاتبعوه﴾ [الأنعام: ١٥٥]. وأما كونهما من سننهما أن يعتمد على سيف أو قوس أو عصاً؛ فلما روى الحكم بن حزن قال: «وفدت على رسول الله ﷺ فشهدنا معه الجمعة فقام متوكئاً [على] (٢) سيف أو قوس أو عصا ... مختصر» (٣) رواه أبو داود. ولأن ذلك أمكن له.

стр. 536

وأما كونهما من سننهما أن يقصد تلقاء وجهه؛ فلأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك (١). ولأنه أبلغ في إسماع الناس. ولأنه إذا التفت إلى أحد جانبيه أعرض عمن في الجانب الآخر. وأما كونهما من سننهما أن يُقَصّر الخطبة؛ فلما روى عمار قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مَئِنَّةٌ من فقهه. فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة» (٢) رواه مسلم. وأما كونهما من سننهما أن يدعو للمسلمين؛ فلأن الدعاء لهم مسنون في غير الخطبة ففيها أولى. فإن قيل: الدعاء للسلطان ما حكمه؟ قيل: يسن لأن صلاحه صلاح المسلمين. و«لأن أبا موسى الأشعري كان إذا خطب يدعو لعمر». وقال القاضي: لا يستحب؛ لأنه لم ينقل عن السلف. قال: (ولا يشترط إذن الإمام. وعنه يشترط). أما كون إذن الإمام لا يشترط لصحة الجمعة على روايةٍ فـ «لأن علياً ﵁ صلى بالناس وعثمان ﵁ محصور» (٣). ولأنها من فرائض الأعيان فلم يعتبر لها إذن الإمام كالظهر.

стр. 537

وأما كونه يشترط على روايةٍ؛ فلأن الجمعة من أعلام الدين الظاهرة التي لا تحصل بالواحد فافتقرت إلى إذن الإمام كالجهاد.

стр. 538

فصل قال المصنف ﵀: (وصلاة الجمعة ركعتان. يجهر فيهما بالقراءة. ويستحب أن يقرأ في الأولى بسورة الجمعة وفي الثانية بالمنافقين). أما كون صلاة الجمعة ركعتين فقال ابن المنذر: أجمع المسلمون على ذلك. نقله الخلف عن السلف. وقال عمر ﵁: «صلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد ﷺ . وقد خاب من افترى» (١) رواه الإمام أحمد وابن ماجة. وأما كونها يجهر فيهما بالقراءة فـ «لأن النبي ﷺ كان يجهر فيهما». نقله الخلف عن السلف. و«لأن الصحابة رووا أنه ﷺ كان يقرأ سورة الجمعة والمنافقين» (٢). وذلك دليل السماع. وقد روي عن النبي ﷺ : «صلاة النهار عجماء إلا الجمعة والعيدين». وأما كون الأولى يستحب أن يَقرأ فيها بسورة الجمعة وفي الثانية بالمنافقين؛ فـ «لأن أبا هريرة صلى الجمعة فقرأ بسورة الجمعة وفي الثانية بسورة المنافقين. وقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقرأهما في الجمعة» (٣) رواه مسلم.

стр. 539

وقال المصنف في المغني: وإن قرأ في الثانية بالغاشية فحسن «لأن الضحاك ابن قيس سأل النعمان بن بشير ماذا كان يقرأ به رسول الله ﷺ يوم الجمعة على إثر سورة الجمعة قال: بـ ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ [الغاشية: ١]» (١) أخرجه مسلم. وقال: وإن قرأ في الأولى بسبح كان حسناً لأن سمرة بن جندب روى «أنه ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة بـ ﴿سبح اسم ربك﴾ [الأعلى: ١] و ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ [الغاشية: ١]» (٢) رواه أبو داود والنسائي. قال: (وتجوز إقامة الجمعة في موضعين من البلد للحاجة. ولا يجوز مع عدمها. فإن فعلوا فجمعة الإمام هي الصحيحة. فإن استوتا فالثانية باطلة. فإن وقعتا معاً أو جهلت الأولى بطلتا معاً). أما كون الجمعة تجوز إقامتها في موضعين من البلد للحاجة؛ مثل: أن يكون البلد كبيراً؛ كبغداد وأصبهان ونحوهما، أو يكون المسجد ضيقاً، أو يخاف الفتنة كالتي بين القبائل؛ فلأنها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة. فجاز فعلها في موضعين مع الحاجة؛ كصلاة العيد. وقد ثبت «أن علياً كان يخرج يوم العيد إلى المصلى ويخلّف على ضعفةِ الناس أبا مسعود البدري فيصلي بهم» (٣).

стр. 540

ولأنها لو لم تجز إلا في موضع واحد لأدى إلى تعطيلها في حق كثير من الخلق لأن وجوبها على أهل البلد العظيم لا يتقيد بسماع ولا بفرسخ فالبعيد يعجز عن قطع المسافة البعيدة ويصير من يخاف الفتنة معذوراً ومع ضيق المكان تقام الصلاة في الشوارع إلى حد يتعذر البلاغ معه (١) لاختلاف الأصوات. ولأن إقامتها في البلاد الكبار في موضعين مع عدم الإنكار يصير كالإجماع على جواز ذلك. وعن الإمام أحمد: لا تقام إلا في موضع واحد لأن النبي ﷺ لم يقمها إلا في موضع واحد. وكذلك الخلفاء بعده. والأول أصح لما ذكر. وإنما لم يقمها النبي ﷺ لعدم الحاجة. ولأن أحداً لم يكن ليترك الصلاة خلفه ﷺ ويصلي خلف غيره. وأما كونها لا تجوز إقامتها في موضعين مع عدم الحاجة؛ فلأنه لا حاجة. والعبادات المغلب فيها (٢) الاتباع ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن الخلفاء الراشدين بعده فعلها في موضعين. وروى ابن عمر ﵄: «لا تقام الجمعة إلا في المسجد الأكبر الذي يصلي فيه الإمام» (٣). خص منه إذا كان لحاجة فيبقى فيما عداه حجة. ولأن المقصود من الجمعة إقامة الشعائر وتعظيم الإسلام والتفريق من غير حاجة يخل بذلك. وأما كون جمعة الإمام هي الصحيحة إذا صلي في موضعين مع عدم الحاجة؛ فلأن في الحكم بصحة غيرها افتياتاً على الإمام وتفويتاً لجمعته. ولأن ذلك يفضي إلى أنه متى شاء أربعون أن يفسدوا على أهل البلد صلاتهم أمكنهم ذلك.

стр. 541

وقيل: بل السابقة هي الصحيحة لأنها لم تتقدمها ما يفسدها. وبعدما وقعت صحيحة لا تفسد بما بعدها. والسبق معتبر بالإحرام لأنه متى (١) أحرم حرم الاستفتاح بغيرها للغنى عنها. وأما كون الثانية باطلة إذا استويا. والمعنيّ بالاستواء هنا أن تكون كل واحدة منهما بإذن الإمام.؛ فلأن الاستغناء حصل بالأولى مع أن الثانية لا مزية لها. وأما كونهما يبطلان معاً إذا وقعتا معاً أو جهلت الأولى؛ فلأنه لا يمكن تصحيحهما ولا تتعين إحداهما بالصحة فبطلتا كما لو جمع بين أختين. قال: (وإذا وقع العيد يوم الجمعة فاجتزئ بالعيد وصلى ظهراً جاز إلا الإمام). أما كون المأموم إذا اجتزأ فيما ذكر بالعيد عن الجمعة وصلى ظهراً يجوز؛ فلما روى زيد بن أرقم قال: «شهدت مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا في يوم. فصلى العيد ثم رخص في الجمعة. فقال: من شاء أن يصلي فليصلي» (٢) رواه أبو داود. وأما كون الإمام إذا اجتزأ بالعيد عن الجمعة وصلى ظهراً لا يجوز؛ فلما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «اجتمع في يومكم هذا عيدان. فمن شاء أجزأه عن الجمعة. وإنا مُجَمِّعون» (٣) رواه ابن ماجة. ولأن الإمام لو تركها لامتنع فعل الجمعة في حق من يريدها. وعن الإمام أحمد ﵁: لا تجب على الإمام أيضاً «لأن ابن الزبير لم يصلها وكان إماماً» (٤).

стр. 542

ولأن الجمعة إذا سقطت عن المأمومين سقطت عن الإمام كالسفر. والأول أصح لما ذكر من الفرق. قال: (وأقل السنة بعد الجمعة ركعتان. وأكثرها ست ركعات). أما كون أقل السنة بعد الجمعة ركعتين؛ فلما روى ابن عمر ﵄ «أن النبي ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين» (١) متفق عليه. ولو سن أقل من ذلك لفعله. وأما كون أكثرها ست ركعات؛ فلأن ابن عمر قال: «كان النبي ﷺ يصلي بعد الجمعة ركعتين ثم يتقدم فيصلي أربعاً» (٢). وعن أبي (٣) عبدالرحمن السلمي قال (٤): «علمنا عبدالله بن مسعود أن نصلي بعد الجمعة أربعاً. فلما قدم عليّ علّمنا أن نصلي ستاً» (٥).

стр. 543

ولأنها ظهرٌ مقصورة فينبغي أن يصلي بعدها شيئاً ليكون ذلك عن ركعتين قبلها وركعتين بعدها وركعتين تمامها. وقال المصنف ﵀ في المغني: المختار أن يصلى أربعاً لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ «من كان مصلياً بعد الجمعة فليصل بعدها أربعاً» (١) رواه مسلم. فإن قيل: لم يكون الأخذ بهذا الحديث أولى؟ قيل: لوجوه: أحدها: أنه أمر. ودلالة الأمر على تأكيد الشيء أقوى من الفعل. الثاني: أنه قول النبي ﷺ . ودلالة الستِّ قول علي. الثالث: أن قول النبي ﷺ معتضد بقول صحابي وهو ابن مسعود.

стр. 544

فصل [في مستحبات الجمعة] قال المصنف ﵀: (ويستحب أن يغتسل للجمعة في يومها، والأفضل فعله عند مُضِيِّه إليها. ويتنظف. ويتطيب. ويلبس أحسن ثيابه. ويبكر إليها ماشياً. ويدنو من الإمام. ويشتغل بالصلاة والذكر. ويقرأ سورة الكهف في يومها. ويكثر الدعاء والصلاة على النبي ﷺ فيه). أما كون مصلي الجمعة يستحب له أن يغتسل لها؛ فلقوله ﷺ : «من أتى الجمعة فليغتسل» (١) متفق عليه. وقد تقدم في الأغسال المستحبة عدم وجوبه والخلاف فيه (٢). وأما كون الغسل في يوم الجمعة؛ فلأن النبي ﷺ قال: «من اغتسل يوم الجمعة» (٣) أضافه إلى اليوم واليوم من طلوع الفجر لأن ذلك هو اليوم الشرعي. فعلى هذا من اغتسل بعد طلوع الفجر إلى أن يروح إلى الجمعة حصّل الفضيلة. وإن اغتسل قبل طلوع الفجر لم يحصّل الفضيلة المذكورة. وأما كون الأفضل في الغسل فعله عند مضيه إليها؛ فلأنه أبلغ في قطع الرائحة. وأما كونه يستحب له أن يتنظف ويتطيب؛ فلما روى أبو سعيد أن النبي ﷺ قال: «لا يغتسلُ رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر. ويدهن من دهنه. ويمس من طيب بيته. ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين. ثم يصلي ما كُتب

стр. 545

له. ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» (١) رواه البخاري. وأما كونه يستحب له أن يلبس أحسن ثيابه؛ فلأن في بعض ألفاظ الحديث: «ولبس أحسن ثيابه. ثم جاء إلى المسجد» (٢). وأما كونه يستحب له أن يبكر إليها فلقول النبي ﷺ : «من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة. ومن راح في [الساعة] (٣) الثانية فكأنما قرب بقرة. ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً. ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ... الحديث» (٤). وأما كونه يستحب له أن يمشي ويدنو من الإمام؛ فلقوله ﵇: «من غسّل واغتسل. وبكر وابتكر. ومشى ولم يركب. ودنا من الإمام واستمع. ولم يلغ كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها» (٥) رواه ابن ماجة. وأما كونه يستحب له أن يشتغل بالصلاة والذكر؛ فلما في ذلك من تحصيل الأجر. ولا بد أن يُلحظ في ذلك كونه غير سامع للخطبة لأنه لو كان يسمعها لحرم عليه الكلام لما يأتي. ويتصور ذلك في موضعين: أحدهما: إذا حضر قبل خطبة الإمام. الثاني: أن يكون بعيداً منه بحيث لا يسمع الخطبة.

стр. 546

وأما كونه يستحب له أن يقرأ سورة الكهف في يوم الجمعة؛ فلأنه يروى عن النبي ﷺ : «من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أو ليلته وُقي فتنة الدجال» (١). وأما كونه يستحب له أن يُكثر الدعاء في اليوم المذكور فلعله يوافق ساعة الإجابة فإنه قد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم يسأل الله شيئاً إلا أعطاه» (٢) متفق عليه. وأما كونه يستحب له أن يكثر الصلاة على النبي ﷺ فيه؛ فلقوله ﷺ : «أكثروا من الصلاة عليّ في يوم الجمعة فإنه مشهود تشهده الملائكة» (٣) رواه ابن ماجة. قال: (ولا يتخطى رقاب الناس إلا أن يكون إماماً أو يرى فرجة فيتخطى إليها. وعنه يكره). أما كون غير الإمام ومن يرى فرجة لا يتخطى رقاب الناس. والمراد به أنه يكره له ذلك فلما في التخطي من سوء الأدب والتأذي. وقد «رأى النبي ﷺ وهو على المنبر رجلاً يتخطى رقاب الناس فقال له: اجلس فقد آنيت وآذيت» (٤) رواه أحمد. وعن أبي هريرة ﵁ قال (٥): «لأن أصلي بحر رمضاء أحب إليّ من أن أتخطى رقاب الناس» (٦).

стр. 547

وأما كون الإمام يتخطى رقاب الناس. والمراد به أنه لا يكره له ذلك؛ فلأن مكانه متعين لا يمكنه الصلاة في غيره. ولا يستحب له التبكير لأنه يُنتظر ولا يَنتظر. وأما كون من يرى فرجة لا يكره له ذلك على روايةٍ؛ فلأن من قعد دونها بتأخره أسقط حقه من الاحترام وفوّت على نفسه الفضيلة فلا يفوتها على غيره. وأما كونه يكره له ذلك على روايةٍ فلما فيه من الأذى لغيره. وعن الإمام أحمد: إن تخطى الواحد والاثنين فلا بأس لأنه يسير. وإن كثر كره لما فيه من الأذى الكثير. قال: (ولا يقيم غيره فيجلس مكانه. إلا من قدم صاحباً له فجلس في موضع يحفظه له. وإن وجد مصلى مفروشاً فهل له رفعه؟ على وجهين). أما كون المصلي لا يقيم غير صاحب له من مكانه فيجلس فيه؛ فلما روى ابن عمر «أن النبي ﷺ نهى أن يُقيم الرجل يعني أخاه من مقعده ويجلس فيه» (١) متفق عليه. وأما كونه له أن يقيم صاحباً له جلس في موضع يحفظه له فـ «لأن ابن سيرين كان يفعل ذلك». ولأنه قعد فيه يحفظه له ولا يحصل ذلك إلا بإقامته. وأما كون من (٢) وجد مصلىً مفروشاً له رفعه على وجهٍ؛ فلأن المفروش لا حرمة له بنفسه والحاضر مسارع مبادر لفضيلة الصلاة فهو أولى من المتأخر. وأما كونه ليس له رفعه؛ فلأنه كالنائب عنه. ولأن في رفعه افتياتاً على صاحبه وتصرفاً في ملكه بغير إذنه.

стр. 548

قال: (ومن قام من موضعه لعارض لحقه ثم عاد إليه فهو أحق به. ومن دخل والإمام يخطب لم يجلس حتى يركع ركعتين يوجز فيهما). أما كون من قام من موضعه لعارض لحقه ثم عاد إليه أحق بموضعه من غيره؛ فلما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به» (١) رواه مسلم. وأما كون من دخل والإمام يخطب لا يجلس حتى يركع ركعتين يوجز فيهما؛ فلما روى جابر بن عبدالله «أن سُليكاً الغطفاني دخل يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب فجلس فقال: قم فصل ركعتين تجوز فيهما» (٢) متفق عليه. قال: (ولا يجوز الكلام والإمام يخطب إلا له أو لمن كلمه. ويجوز الكلام قبل الخطبة وبعدها. وعنه يجوز فيها). أما كون الكلام والإمام يخطب لا يجوز لغير الإمام وغير من كلمه على المذهب؛ فلقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] قالت عائشة: «نزلت في الخطبة». ولأن في الخطبة قرآناً. ولما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قلتَ لصاحبكَ يوم الجمعة والإمام يخطب: أنصتْ فقد لغوت» (٣) متفق عليه. وكلام المصنف ﵀ يشمل من سمع الخطبة ومن لم يسمع لعموم الحديث. ولأن عثمان ﵁ قال: «أنصتوا فإن حظَّ المنصتِ الذي لم يسمع كحظّ المنصتِ السامع» (٤).

стр. 549

وأما كونه يجوز على روايةٍ فقياساً على الإمام وعلى من كلمه. فإن قيل على الأول: لو سلم أحد على السامع ماذا يصنع؟ قيل: روي عن الإمام أحمد أنه يحرم الرد لما فيه من تفويت الإنصات. ولأن المسلم أسقط حقه حيث سلم في موضع لا يرد عليه فيه. أشبه ما لو سلم عليه في الصلاة. وروي عنه أنه لا يحرم؛ لأن رد السلام واجب. والخطبة لا تمنع الكلام الواجب بدليل ما لو رأى أعمى يتردى في بئر. وحكم من يسمع همهمة الخطيب حكم من يسمع مفصلاً. ومن لا يسمع شيئاً أصلاً يرد السلام. ولو عطس إنسان فحكم التشميت حكم رد السلام. وأما كونه يجوز للإمام ولمن كلمه فـ «لأن النبي ﷺ كلم سُليكاً وكلمه هو ودخل وهو يخطب فقال: يا رسول الله! ﷺ هلك الكراع هلك الشاء فادع الله تعالى أن يسقينا ... وذكر الحديث» (١) متفق عليه. وأما كونه قبل الخطبة وبعدها يجوز؛ فلما روى ثعلبة بن مالك «أنهم كانوا يتحدثون يوم الجمعة وعمر جالس على المنبر. فإذا سكت المؤذن وقام عمر لم يتكلم أحد حتى يقضي الخطبتين. فإذا قامت الصلاة وبرك عمر تكلموا».

стр. 550

باب صلاة العيدين سمي العيد عيداً لأنه يعود كل سنة. وقيل: لأنه يعود فيه السرور. وروي «أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وللأنصار يومان يلعبون فيهما. فقال: ما هذان اليومان؟ فقالوا: يومان كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال: إن الله قد أبدلكم خيراً منهما: العيدين الفطرَ والأضحى» (١). والأصل فيهما الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر: ٢]. قيل في التفسير: أنها صلاة العيد. وأما السنة فقد ثبت بالتواتر «أن النبي ﷺ صلى صلاة العيدين» (٢). وأما الإجماع فأجمع المسلمون على مشروعيتهما في الجملة. قال المصنف ﵀: (وهي فرض على الكفاية. إذا اتفق أهل بلد على تركها قاتلهم الإمام). أما كون صلاة العيد فرضاً على الكفاية؛ فلأن النبي ﷺ والخلفاء بعده يداومون عليها. ولأنها من شعائر الإسلام الظاهرة فكانت فرضاً على الكفاية كالجهاد.

стр. 551

وإنما لم تجب على الأعيان؛ «لأن النبي ﷺ لما ذكر للأعرابي خمس صلوات قال: هل عليّ غيرها؟ قال: لا» (١). وأما كون الإمام يقاتل أهل بلد اتفقوا على تركها؛ فلأنهم تركوا شيئاً من شعائر الإسلام الظاهرة فشرع للإمام أن يقاتلهم كتركهم الأذان. قال: (وأول وقتها إذا ارتفعت الشمس. وآخره إذا زالت. فإن لم يَعلم بالعيد إلا بعد الزوال خرج من الغد فصلى بهم). أما كون أول وقت صلاة العيد إذا ارتفعت الشمس؛ فلما روى الحسن «أن النبي ﷺ كان يغدو إلى الأضحى والفطر حين تطلع الشمس فيتم طلوعها. وكان يفتتح الصلاة وقت حضوره». وروي «أنه كان يصلي والشمس على رؤوس الجبال كالعمائم على رؤوس الرجال». وأما كون آخره إذا زالت؛ فلأنها شاركت الضحى في أول وقتها فكذلك يجب أن تشاركها في آخره. وأما كون الإمام يخرج من الغد ويصلي بالناس صلاة العيد إذا لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوال؛ فلما روى أبو عمير بن أنس عن عمومة له من أصحاب رسول الله ﷺ «أن ركباً جاؤوا إلى النبي ﷺ فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس. فأمرهم أن يفطروا فإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم» (٢). رواه أبو داود. قال: (ويسن تقديم الأضحى وتأخير الفطر. والأكل في الفطر قبل الصلاة. والإمساك في الأضحى حتى يصلي. والغسل والتبكير إليها بعد الصبح ماشياً على

стр. 552

أحسن هيئة إلا المعتكف فإنه يخرج في ثياب اعتكافه أو إماماً يتأخر إلى وقت الصلاة. وإذا غدا من طريق رجع في أخرى). أما كون تقديم الأضحى وتأخير الفطر يسن؛ فلما روى عمرو بن حزم «أن النبي ﷺ كان يقدم الأضحى ويؤخر الفطر» (١). ولأن السنة إخراج الفطرة قبل الصلاة ففي تأخير الصلاة توسيع لوقتها. ولا تجوز الأضحية إلا بعد الصلاة ففي تعجيلها مبادرة إلى الأضحية. وأما كون الأكل في الفطر قبل الصلاة والإمساك في الأضحى حتى يصلي يسن؛ فلما روى بريدة قال: «كان النبي ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يفطر. ولا يَطعم يوم النحر حتى يصلي» (٢) رواه الترمذي. وأما كون الغسل يسن فلما ذكر في الأغسال المستحبة. وأما كون التبكير إلى صلاة العيد لغير الإمام يسن فليحصل له الدنو من موضع الإمام وانتظار الصلاة فيكثر ثوابه. وأما كون المشي إليها يسن؛ فلأن علياً رضي الله قال: «من السنةِ أن تأتي العيدَ ماشياً» (٣) رواه الترمذي. وقال: حديث حسن.

стр. 553

وأما كون حسن الهيئة لغير المعتكف يسن؛ فـ «لأن النبي ﷺ كان يلبس برده الأحمر ويعتم في العيدين والجمعة (١») (٢) رواه ابن عبدالبر. وأما كون المعتكف يسن له أن يخرج في ثياب اعتكافه؛ فلأن في ذلك إبقاء لأثر العبادة والنسك. وأما كون الإمام يسن له أن يتأخر إلى وقت الصلاة؛ فلأن النبي ﷺ هكذا كان يفعل. ولأن الإمام يُنتظر ولا يَنتظر. وأما كون الرجوع من طريق غير التي غدا منها يسن؛ فلأن جابراً قال: «كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق» (٣) رواه البخاري. قال: (وهل من شرطها الاستيطان، وإذن الإمام، والعدد المشترط للجمعة؟ على روايتين). أما كون جميع ذلك من شرط صلاة العيد على روايةٍ؛ فلأنها صلاة بها خطبة راتبة. أشبهت الجمعة. ولأن النبي ﷺ وافق العيد في حجه ولم يصل. وأما كون شيء من ذلك ليس من شرطها على روايةٍ؛ فلأنها صلاة لم ينقل إليها شيء من فرض. فلم يعتبر فيها شيء من ذلك، كسائر الصلوات. ولأنها تقضى بغير خلاف في المذهب مع عدم هذه الشرائط وما صح في القضاء صح في الأداء. فعلى هذا يجوز إقامتها بغير إذن الإمام ويجوز إقامتها للمسافرين كسائر الصلوات. وإنما لم يقمها النبي ﷺ في حجه؛ لأنه اشتغل عنها بالمناسك لأنها أهم لأنها فرض عين، وصلاة العيد سنة في حق المسافر.

стр. 554

قال: (وتسن في الصحراء. وتكره في الجامع إلا من عذر). أما كون صلاة العيد تسن في الصحراء؛ فلما روى أبو سعيد الخدري «أن النبي ﷺ كان يصليها في الصحراء وكذلك الخلفاء بعده» (١). وأما كونها تكره في الجامع مع عدم العذر؛ فلأنه خلاف فعل رسول الله ﷺ وفعل الخلفاء بعده. وأما كونها لا تكره في الجامع لعذر من مطر ونحوه؛ فلما روى أبو هريرة ﵁ قال: «أصابنا مطر في يوم عيد فصلى بنا رسول الله ﷺ في المسجد» (٢) رواه أبو داود. قال: (ويبدأ بالصلاة. فيصلي ركعتين: يكبر في الأولى بعد الاستفتاح وقبل التعوذ ستاً. وفي الثانية بعد القيام من السجود خمساً. يرفع يديه مع كل تكبيرة. ويقول: الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليماً. وإن أحب قال غير ذلك). أما كون إمام صلاة العيد يبدأ بالصلاة؛ فـ «لأن النبي ﷺ كان يفتتح الصلاة وقت حضوره» (٣). وأما كونه يصلي العيد ركعتين؛ فلما روى ابن عباس «أن النبي ﷺ خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها» (٤) متفق عليه.

стр. 555

ولقول عمر ﵁: «صلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم وقد خاب من افترى» (١) رواه الإمام أحمد في المسند. وأما كونه يكبر في الأولى ستاً وفي الثانية خمساً؛ فلما روت عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «التكبير في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمس تكبيرات سوى تكبيرتي الركوع» (٢) رواه أبو داود. والسابعة في الأولى هي تكبيرة الإحرام وإنما جعلت من السبع لأنها في حال القيام بخلاف تكبيرة القيام فإنها قبله. وأما كون تكبيرة الأولى بعد الاستفتاح؛ فلأن الاستفتاح يراد لابتداء الصلاة فكان في أولها كسائر الصلوات. وأما كونه قبل التعوذ؛ فلما روى أبو سعيد «أن النبي ﷺ كان يتعوذ قبل القراءة» (٣). ولأنه يراد للقراءة فينبغي أن تتعقبه القراءة. وأما كون المصلي يرفع يديه مع كل تكبيرة؛ فلما روى عمر «أنه كان يرفع يديه مع كل تكبيرة في الجنازة وفي العيد» (٤) رواه الأثرم.

стр. 556

وأما كونه يقول: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليماً؛ فلأنه متضمن حمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي ﷺ بين كل تكبيرتين وذلك مطلوب لما روى عقبة بن عامر قال: «سألت عبدالله بن مسعود عما نقوله بعد تكبيرات العيد فقال: نحمد الله ونثني عليه ونصلي على النبي ﷺ » (١). ولأنها تكبيرات في حال قيام فسن أن يتخللها ذكر؛ لأن المقصود يحصل منه. وأما كونه يقول غير ذلك إذا أحب؛ فلأن الغرض الذكر بين التكبيرات لا ذكر مخصوص. ولذلك لم يرد الشرع بذكر بعينه. قال: (ثم يقرأ بعد الفاتحة في الأولى بسبح وفي الثانية بالغاشية. ويجهر بالقراءة. ويكون بعد التكبير في الركعتين. وعنه يوالي بين القراءتين). أما كون مصلي العيد يقرأ بعد الفاتحة في الأولى من صلاة العيدين بسبح والثانية الغاشية؛ فلما روى النعمان بن بشير قال (٢): «كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين والجمعة بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية ... مختصر» (٣) رواه مسلم.

стр. 557

ولأن فيها حثاً على الصدقة في قوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى? وذكر اسم ربه فصلى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥]. هكذا فسره سعيد بن المسيب وعمر بن عبدالعزيز. وأما كونها يجهر بالقراءة فيها؛ فلأن الذين نقلوا عنه أنه كان يقرأ بسورةِ كذا سمعوه يقرأ بذلك جهراً. وأما كون قراءته بعد التكبير في الركعتين على المذهب؛ فلما روى كثير بن عبدالله عن أبيه عن جده «أن النبي ﷺ كبّر في العيدين في الأولى سبعاً قبل القراءة وفي الثانية خمساً قبل القراءة» (١) رواه الأثرم والترمذي. وقال: هو حديث حسن. وأما كونه يوالي بين القراءتين على روايةٍ؛ فلما روى أبو موسى «كان رسول الله ﷺ يكبر في العيدين تكبيره على الجنازة ويوالي بين القراءتين» (٢) رواه أبو داود. وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «التكبير في العيد [سبعاً] قبل القراءة وخمساً بعد القراءة» (٣) رواه الإمام أحمد. قال: (فإذا سلم خطب خطبتين: يجلس بينهما. يستفتح الأولى بتسع تكبيرات. والثانية بسبع. يحثهم في خطبة الفطر على الصدقة. ويبين لهم ما يخرجون. ويرغبهم في الأضحية في الأضحى. ويبين لهم حكم الأضحية). أما كون الإمام المذكور يخطب خطبتين؛ فلأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك. وأما كونه يجلس بينهما؛ فلما روي عن جابر قال: «خرج رسول الله ﷺ يوم فطر أو أضحى فخطب قائماً ثم قعد قعدة ثم قام» (٤) رواه ابن ماجة. ولأنهما كخطبتي الجمعة.

стр. 558

وأما كونه يكبر فيهما؛ فلما روي عن النبي ﷺ «أنه كان يفتتح خطبة العيد بالتكبير». وأما كون التكبير تسعاً في الأولى وسبعاً في الثانية؛ فلما روى عبيدالله بن عبدالله بن عتبة أنه قال: «من السنة أن يكبر في الأولى تسعاً وفي الثانية سبعاً» رواه سعيد. وهذا ينصرف إلى سنة النبي ﷺ وسنة أصحابه. وأما كونه يحثهم في الفطر على الصدقة ويبين لهم ما يخرجون. ويرغبهم في الأضحية في الأضحى ويبين لهم حكم الأضحية فليعلم الجاهل ويذكر العالم. قال: (والتكبيرات الزوائد والذكر بينهما والخطبتان سنة. ولا يتنفل قبل الصلاة ولا بعدها في موضعها). أما كون التكبيرات الزوائد والذكر بينهما سنة؛ فلأن ذلك ذكرٌ بعد تكبيرة الافتتاح وقبل القراءة فكان سنة لا واجباً كالاستفتاح. وأما كون الخطبتين سنة؛ فلأن عبدالله بن السائب قال: «شهدت مع رسول الله ﷺ العيد. فلما قضى الصلاة قال: إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس. ومن أحب أن يذهب فليذهب» (١) رواه أبو داود وابن ماجة وهو مرسل. ولو كانت الخطبة في العيد واجبة لوجب حضورها واستماعها كخطبة العيد. وأما كون مصلي العيد لا يتنفل قبل الصلاة ولا بعدها؛ فلما تقدم من حديث ابن عباس «أن النبي ﷺ خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها» (٢) متفق عليه.

стр. 559

وروي «أن علياً ﵁ رأى قوماً يصلون قبل العيد. فقال: ما كان هذا يُفعل على عهد رسول الله ﷺ » (١). وأما قول المصنف ﵀: في موضعها؛ فمعناه من موضع تقام فيه. صرح به أبو الخطاب. قال: (ومن كبر قبل سلام الإمام صلى ما فاته على صفته. وإن فاتته الصلاة استحب أن يقضيها على صفتها. وعنه يقضيها أربعاً. وعنه أنه مخير بين ركعتين وأربع). أما كون من كبر قبل سلام الإمام يصلي ما فاته على صفته؛ فلأن صلاة العيد أصل بنفسها فتدرك بإدراك التشهد كسائر الصلوات. ولعموم قوله ﵇: «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا» (٢). وأما كون من فاتته الصلاة يستحب له أن يقضيها؛ فليتدارك بذلك ما فاته. وأما كونه يقضيها على صفتها أي على صفة أدائها على روايةٍ؛ فـ «لأن أنساً ﵁ كان إذا لم يحضر العيد مع الناس جمع أهله وولده وصلى بهم ركعتين» (٣). ولأنها صلاة يتوالى فيها التكبير حال القيام، فإذا فاتت قُضيت على صفتها كصلاة الجنازة على القبر. ولأنه قضاء صلاة فكان على صفتها كسائر الصلوات. وأما كونه يقضيها أربعاً على روايةٍ؛ فـ «لأن ابن مسعود ﵁ كان يقضيها أربعاً» (٤).

стр. 560

قال أحمد: ويقوي هذا عندي ما روي عن علي رضي الله «أنه كان يستخلف على ضعفة الناس من يصلي بهم في المسجد أربعاً» (١). ولأنها صلاة شرع لها الجمع والخطبة أشبهت صلاة الجمعة. وأما كونه مخيراً بين ركعتين وأربع على روايةٍ؛ فلعموم أدلة الروايتين قبل. قال: (ويسن التكبير في ليلتي العيدين وفي الأضحى. يكبر عقيب كل فريضة في جماعة. وعنه: أنه يكبر وإن كان وحده من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق إلا المحرم فإنه يكبر من صلاة الظهر يوم النحر). أما كون التكبير يسن في ليلتي العيدين؛ فلقوله تعالى: ﴿ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ [البقرة: ١٨٥]. و«كان علي ﵁ يكبر حتى يسمع أهل الطريق» (٢). وأما كون التكبير في الأضحى لغير المحرم من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق؛ [فلما روى جابر ﵁ «أن النبي ﷺ صلى الصبح يوم عرفة. ثم أقبل علينا. فقال: الله أكبر. ومد التكبير إلى آخر أيام التشريق» (٣). رواه الأثرم. وقيل للإمام أحمد ﵀: بأي حديث تذهب إلى أن التكبير من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق؟ ] (٤) قال: بإجماع عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود ﵃. وأما كون المحرم يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى العصر من آخر أيام التشريق؛ فلأن المحرم قبل ذلك مشتغل بالتلبية.

стр. 561

وأما كون التكبير المسنون مختصاً بمن يصلي جماعة على المذهب فـ «لأن ابن عمر ﵄ كان لا يكبر إذا صلى (١) وحده». وقال ابن عباس: «إنما التكبير على من صلى جماعة» رواه ابن المنذر. ولأنه ذكر مختص بوقت العيد فاختص بالجماعة كالخطبة. وأما كونه يسن عقيب الفريضة وإن صلى وحده على روايةٍ؛ فلأنه ذكر مشروع للمسبوق أشبه التسليمة الثانية. قال: (وإن نسي التكبير قضاه ما لم يحدث أو يخرج من المسجد). أما كون من نسي التكبير يقضيه ما لم يحدث أو يخرج من المسجد؛ فلأن فيه استدراكاً لما فات وتحصيلاً للمصلحة المسنونة السالمة عن معارضة ما يأتي بعد. وأما كونه لا يقضيه إذا أحدث؛ فلأن الحدث مبطل للصلاة فالتكبير التابع لها بطريق الأولى. وأما كونه لا يقضيه إذا خرج من المسجد؛ فلأن الفصل طال وهي سنة فات محلها. ولأنه ذكر متصل بالصلاة فمنع الخروجُ من المسجد قضاءه كسجود السهو. قال: (وفي التكبير عقيب صلاة العيد وجهان. وصفة التكبير شفعاً: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد). أما كون التكبير عقيب صلاة العيد يسن في وجه. قال ابن عقيل: الأشبه بالمذهب ذلك؛ فلأنها صلاة مفروضة مؤقتة أشبهت الصلاة المفروضة. وأما كونه لا يسن في وجه قال أبو الخطاب: وهو ظاهر كلام الإمام أحمد رحمة الله عليه؛ فلأنها ليست فرض عين أشبهت سائر السنن. وأما كون صفة التكبير كما ذكره المصنف ﵀؛ فلأن جابراً روى «أن النبي ﷺ كبر اثنتين». ولأن ابن المنذر رواه عن عمر وابن مسعود.

стр. 562

باب صلاة الكسوف الخسوف والكسوف واحد. وقيل: الكسوف للشمس والخسوف للقمر. والصلاة لهما سنة. والأصل فيهما قوله تعالى: ﴿ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن﴾ [فصلت: ٣٧]. وجه الدلالة: أنه نهى عن السجود لغير الله ولم يذكر السجود لله عند شيء من الآيات إلا عند ذكر الشمس والقمر فاقتضى ذلك السجود لله عند حدوث معنى في هاتين. وقد نبه النبي ﷺ على ذلك بفعله. قال المصنف ﵀: (وإذا كسفت الشمس أو القمر فَزِع الناس إلى الصلاة جماعة وفرادى بإذن الإمام وغير إذنه). أما كون الناس يفزعون إلى الصلاة إذا كسفت الشمس؛ فلأن عائشة ﵂ روت: «كُسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فخرج إلى المسجد فصف الناس وراءه وصلى» (١). وسيأتي صفتها إن شاء الله تعالى. وأما كونهم يفزعون إذا كسف القمر؛ فلما روى الحسن البصري قال: «كسف القمر وابن عباس بالبصرة فصلى بنا ركعتين وخطبنا». وفي روايةٍ وقال: «إني لم أبتدع هذه الصلاة بدعة وإنما فعلت لأن رسول الله ﷺ فعل».

стр. 563

ولأنه أحد الكسوفين فسن له فزع الناس إلى الصلاة كالآخر. وأما كون الصلاة المذكورة جماعة فلما ذكر قبل. وأما كونها فرادى؛ فلعموم قوله ﷺ : «فإذا رأيتموها فقوموا فصلوا» (١) متفق عليه. ولأنها نافلة ليس من شرطها الاستيطان فلم يشترط لها الجماعة كسائر النوافل. وأما كونها بإذن الإمام وبغير إذنه؛ فلأنها نافلة وإذن الإمام ليس شرطاً في النوافل. قال: (وينادى لها: الصلاة جامعة. ثم يصلي ركعتين: يقرأ في الأولى بعد الفاتحة سورة طويلة. ويجهر بالقراءة. ثم يركع ركوعاً طويلاً. ثم يرفع فيسمع ويحمد. ثم يقرأ الفاتحة وسورة. ويطيل وهو دون القيام الأول. ثم يركع فيطيل وهو دون الركوع الأول. ثم يرفع. ثم يسجد سجدتين طويلتين. ثم يقوم إلى الثانية فيفعل مثل ذلك. ثم يتشهد ويسلم). أما كون الصلاة المتقدم ذكرها ينادى لها الصلاة جامعة؛ فـ «لأن النبي ﷺ بعث منادياً فنادى: الصلاة جامعة ... مختصر» (٢) متفق عليه. وأما كون صفتها كما ذكر المصنف ﵀؛ فلما روت عائشة ﵂ قالت: «خُسفت الشمس في حياة رسول الله ﷺ . فخرج إلى المسجد. فقام فكبر وصف الناس وراءه. فاقترأ رسول الله ﷺ قراءة طويلة. ثم كبر فركع ركوعاً طويلاً. ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك (٣) الحمد. ثم قام فاقترأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى. ثم كبر فركع ركوعاً هو أدنى من الركوع الأول. ثم قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. ثم سجد. ثم فعل في

стр. 564

الركعة الأخرى مثل ذلك حتى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات فانجلت الشمس» (١) متفق عليه. وأما كون مصليها يجهر بالقراءة فيها؛ فلأن عائشة ﵂ روت «أن رسول الله ﷺ جهر في صلاة الخسوف» (٢) رواه مسلم. وأما كونه يطيل السجود؛ فلما روى ابن عمر «أن النبي ﷺ سجد فلم يكد يرفع رأسه» (٣) رواه أبو داود. وفي حديث آخر: «ما سجد سجوداً كان أطول منها» (٤) رواه البخاري. فإن قيل: لم لم يقدر المصنف ﵀ طول السورة؟ قيل: نظراً إلى الإطلاق في الحديث حيث قالت: «فاقترأ قراءة طويلة» (٥). وقدّرها أصحابنا في القيام الأول بالبقرة، وفي الثاني بآل عمران، وفي الثالث بالنساء، وفي الرابع بالمائدة؛ لما روى ابن عباس ﵁ «أن النبي ﷺ قام قياماً طويلاً نحو من قراءة سورة البقرة» (٦). ولأن ابن عباس ﵄: «لما صلى بالبصرة قرأ في الأول بالبقرة، وفي الثاني بآل عمران، وفي الثالث بالنساء، وفي الرابع بالمائدة». قال الإمام أحمد ﵁: أصح حديث في الباب حديث ابن عباس وعائشة.

стр. 565

قال: (فإن تجلى الكسوف فيها أتمها خفيفة. وإن تجلى قبلها أو غابت الشمس كاسفة أو طلعت والقمر خاسف لم يصل). أما كون مصلي صلاة الكسوف يتمها خفيفة إذا تجلى الكسوف فيها: أما الإتمام؛ فلئلا يقطع الصلاة وهو منهي عن قطعها بقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣]. وأما التخفيف؛ فلزوال السبب. وأما كونه لا يصليها إذا تجلى الكسوف قبل ذلك؛ فلأن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله والصلاة حتى تنجلي» (١). جعل الانجلاء غاية للصلاة. ولأن المقصود من الصلاة زوال العارض وإعادة النعمة بضوئهما فإذا حصل ذلك حصل مقصود الصلاة. وأما كونه لا يصليها إذا غابت كاسفة أو طلعت والقمر خاسف؛ فلأنه ذهب وقت الانتفاع بهما. قال: (وإن أتى في كل ركعة بثلاث ركوعات أو أربع فلا بأس). أما كون من أتى في كل ركعة بثلاث ركوعات لا بأس؛ فلأن ابن عباس روى «أن النبي ﷺ صلى ست ركعات وأربع سجدات» (٢) رواه مسلم. وأما كون من أتى في كل ركعة بأربع لا بأس؛ فلأنه يروى عن علي ﵁ وابن عباس عن النبي ﷺ (٣).
следующие страницы →