← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وأما كون التكبير المسنون مختصاً بمن يصلي جماعة على المذهب فـ «لأن ابن عمر ﵄ كان لا يكبر إذا صلى (١) وحده». وقال ابن عباس: «إنما التكبير على من صلى جماعة» رواه ابن المنذر. ولأنه ذكر مختص بوقت العيد فاختص بالجماعة كالخطبة. وأما كونه يسن عقيب الفريضة وإن صلى وحده على روايةٍ؛ فلأنه ذكر مشروع للمسبوق أشبه التسليمة الثانية. قال: (وإن نسي التكبير قضاه ما لم يحدث أو يخرج من المسجد). أما كون من نسي التكبير يقضيه ما لم يحدث أو يخرج من المسجد؛ فلأن فيه استدراكاً لما فات وتحصيلاً للمصلحة المسنونة السالمة عن معارضة ما يأتي بعد. وأما كونه لا يقضيه إذا أحدث؛ فلأن الحدث مبطل للصلاة فالتكبير التابع لها بطريق الأولى. وأما كونه لا يقضيه إذا خرج من المسجد؛ فلأن الفصل طال وهي سنة فات محلها. ولأنه ذكر متصل بالصلاة فمنع الخروجُ من المسجد قضاءه كسجود السهو. قال: (وفي التكبير عقيب صلاة العيد وجهان. وصفة التكبير شفعاً: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد). أما كون التكبير عقيب صلاة العيد يسن في وجه. قال ابن عقيل: الأشبه بالمذهب ذلك؛ فلأنها صلاة مفروضة مؤقتة أشبهت الصلاة المفروضة. وأما كونه لا يسن في وجه قال أبو الخطاب: وهو ظاهر كلام الإمام أحمد رحمة الله عليه؛ فلأنها ليست فرض عين أشبهت سائر السنن. وأما كون صفة التكبير كما ذكره المصنف ﵀؛ فلأن جابراً روى «أن النبي ﷺ كبر اثنتين». ولأن ابن المنذر رواه عن عمر وابن مسعود.

стр. 562

باب صلاة الكسوف الخسوف والكسوف واحد. وقيل: الكسوف للشمس والخسوف للقمر. والصلاة لهما سنة. والأصل فيهما قوله تعالى: ﴿ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن﴾ [فصلت: ٣٧]. وجه الدلالة: أنه نهى عن السجود لغير الله ولم يذكر السجود لله عند شيء من الآيات إلا عند ذكر الشمس والقمر فاقتضى ذلك السجود لله عند حدوث معنى في هاتين. وقد نبه النبي ﷺ على ذلك بفعله. قال المصنف ﵀: (وإذا كسفت الشمس أو القمر فَزِع الناس إلى الصلاة جماعة وفرادى بإذن الإمام وغير إذنه). أما كون الناس يفزعون إلى الصلاة إذا كسفت الشمس؛ فلأن عائشة ﵂ روت: «كُسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فخرج إلى المسجد فصف الناس وراءه وصلى» (١). وسيأتي صفتها إن شاء الله تعالى. وأما كونهم يفزعون إذا كسف القمر؛ فلما روى الحسن البصري قال: «كسف القمر وابن عباس بالبصرة فصلى بنا ركعتين وخطبنا». وفي روايةٍ وقال: «إني لم أبتدع هذه الصلاة بدعة وإنما فعلت لأن رسول الله ﷺ فعل».

стр. 563

ولأنه أحد الكسوفين فسن له فزع الناس إلى الصلاة كالآخر. وأما كون الصلاة المذكورة جماعة فلما ذكر قبل. وأما كونها فرادى؛ فلعموم قوله ﷺ : «فإذا رأيتموها فقوموا فصلوا» (١) متفق عليه. ولأنها نافلة ليس من شرطها الاستيطان فلم يشترط لها الجماعة كسائر النوافل. وأما كونها بإذن الإمام وبغير إذنه؛ فلأنها نافلة وإذن الإمام ليس شرطاً في النوافل. قال: (وينادى لها: الصلاة جامعة. ثم يصلي ركعتين: يقرأ في الأولى بعد الفاتحة سورة طويلة. ويجهر بالقراءة. ثم يركع ركوعاً طويلاً. ثم يرفع فيسمع ويحمد. ثم يقرأ الفاتحة وسورة. ويطيل وهو دون القيام الأول. ثم يركع فيطيل وهو دون الركوع الأول. ثم يرفع. ثم يسجد سجدتين طويلتين. ثم يقوم إلى الثانية فيفعل مثل ذلك. ثم يتشهد ويسلم). أما كون الصلاة المتقدم ذكرها ينادى لها الصلاة جامعة؛ فـ «لأن النبي ﷺ بعث منادياً فنادى: الصلاة جامعة ... مختصر» (٢) متفق عليه. وأما كون صفتها كما ذكر المصنف ﵀؛ فلما روت عائشة ﵂ قالت: «خُسفت الشمس في حياة رسول الله ﷺ . فخرج إلى المسجد. فقام فكبر وصف الناس وراءه. فاقترأ رسول الله ﷺ قراءة طويلة. ثم كبر فركع ركوعاً طويلاً. ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك (٣) الحمد. ثم قام فاقترأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى. ثم كبر فركع ركوعاً هو أدنى من الركوع الأول. ثم قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. ثم سجد. ثم فعل في

стр. 564

الركعة الأخرى مثل ذلك حتى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات فانجلت الشمس» (١) متفق عليه. وأما كون مصليها يجهر بالقراءة فيها؛ فلأن عائشة ﵂ روت «أن رسول الله ﷺ جهر في صلاة الخسوف» (٢) رواه مسلم. وأما كونه يطيل السجود؛ فلما روى ابن عمر «أن النبي ﷺ سجد فلم يكد يرفع رأسه» (٣) رواه أبو داود. وفي حديث آخر: «ما سجد سجوداً كان أطول منها» (٤) رواه البخاري. فإن قيل: لم لم يقدر المصنف ﵀ طول السورة؟ قيل: نظراً إلى الإطلاق في الحديث حيث قالت: «فاقترأ قراءة طويلة» (٥). وقدّرها أصحابنا في القيام الأول بالبقرة، وفي الثاني بآل عمران، وفي الثالث بالنساء، وفي الرابع بالمائدة؛ لما روى ابن عباس ﵁ «أن النبي ﷺ قام قياماً طويلاً نحو من قراءة سورة البقرة» (٦). ولأن ابن عباس ﵄: «لما صلى بالبصرة قرأ في الأول بالبقرة، وفي الثاني بآل عمران، وفي الثالث بالنساء، وفي الرابع بالمائدة». قال الإمام أحمد ﵁: أصح حديث في الباب حديث ابن عباس وعائشة.

стр. 565

قال: (فإن تجلى الكسوف فيها أتمها خفيفة. وإن تجلى قبلها أو غابت الشمس كاسفة أو طلعت والقمر خاسف لم يصل). أما كون مصلي صلاة الكسوف يتمها خفيفة إذا تجلى الكسوف فيها: أما الإتمام؛ فلئلا يقطع الصلاة وهو منهي عن قطعها بقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣]. وأما التخفيف؛ فلزوال السبب. وأما كونه لا يصليها إذا تجلى الكسوف قبل ذلك؛ فلأن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله والصلاة حتى تنجلي» (١). جعل الانجلاء غاية للصلاة. ولأن المقصود من الصلاة زوال العارض وإعادة النعمة بضوئهما فإذا حصل ذلك حصل مقصود الصلاة. وأما كونه لا يصليها إذا غابت كاسفة أو طلعت والقمر خاسف؛ فلأنه ذهب وقت الانتفاع بهما. قال: (وإن أتى في كل ركعة بثلاث ركوعات أو أربع فلا بأس). أما كون من أتى في كل ركعة بثلاث ركوعات لا بأس؛ فلأن ابن عباس روى «أن النبي ﷺ صلى ست ركعات وأربع سجدات» (٢) رواه مسلم. وأما كون من أتى في كل ركعة بأربع لا بأس؛ فلأنه يروى عن علي ﵁ وابن عباس عن النبي ﷺ (٣).

стр. 566

والمختار الأول؛ لأنه أصح وأشهر. قال: (ولا يصلي لشيء من سائر الآيات إلا الزلزلة الدائمة). أما كونه لا يصلي لشيء من سائر الآيات ما عدا المستثنى؛ فلأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من خلفائه رضوان الله عليهم فعل ذلك مع أنهم وُجد في زمانهم آيات منها: انشقاق القمر، وهبوب الرياح والصواعق. وروى ابن عباس عن النبي ﷺ «أنه كان إذا هبت ريح شديدة اصفر لونه. وقال: اللهم! اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً» (١). وإنما قال ذلك لأن الرياح جعلها الله نعمة فقال: ﴿ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات﴾ [الروم: ٤٦]. والريح نقمة فقال: ﴿فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً﴾ [الأحزاب: ٩]. والمعنى اللهم! اجعل (٢) ذلك سبب خير ولا تجعله سبب شر. وأما كونه يصلي للزلزلة الدائمة؛ فـ «لأن ابن عباس ﵁ صلى لها بالبصرة». ولأن النبي ﷺ علل صلاة الكسوف بأنه آية يخوف الله بها عباده. والزلزلة الدائمة أشد تخويفاً فيلحق بالكسوف دون سائر الآيات للشدة. ولأنها من جنس الكسوف؛ لأن منفعة الأرض تحصل بسبب الأرض والشمس بخلاف بقية الآيات.

стр. 567

باب صلاة الاستسقاء الاستسقاء: استفعال من السقي وطلب له. والمصلي طالب لذلك. وهي مسنونة. والأصل فيها فعل النبي ﷺ لها وكذلك الخلفاء بعده. قال المصنف ﵀: (وإذا أجدبت الأرض وقحط المطر فزع الناس إلى الصلاة. وصفتها في موضعها. وأحكامها صفة صلاة العيد). أما كون الناس يفزعون إلى صلاة الاستسقاء؛ فلما تقدم من فعل النبي ﷺ لذلك والخلفاء بعده. وأما كون صفتها في موضعها وأحكامها صفة صلاة العيد؛ فلأنها في معناها ولذلك قال ابن عباس ﵁: «سنة الاستسقاء سنة العيدين» (١). فعلى هذا يسن أن تكون في الصحراء. وأن يصلي ركعتين يكبر في الأولى سبعاً وفي الثانية خمساً. وأن يصلي من غير إذن ولا إقامة. وأن يجهر فيها بالقراءة. ويقرأ بعد الفاتحة بسبح وهل أتاك حديث الغاشية ونحو ذلك. أما كونها تسن في الصحراء؛ فـ «لأن النبي ﷺ كان يقيمها في الصحراء» (٢). ولأنها يسن لها الاجتماع من أهل القرى والأمصار فشرعت في الصحراء كالعيد. ولأن ذلك أوسع وأرفق بالناس لكثرتهم. ولينظروا ما يبدو من السحاب ويجيء من المطر.

стр. 568

وأما كونها تصلى ركعتين يكبر فيها كالعيد؛ فلأن ابن عباس ﵄ روى «أن النبي ﷺ صلى ركعتين كما يصلي في العيد» (١) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقد روي عن الإمام أحمد ﵁: لا يكبر فيها بل يصلي كصلاة التطوع لأن عبدالله بن زيد قال: «استسقى النبي ﷺ وصلى ركعتين» (٢) رواه البخاري. ولم يذكر التكبير. والأول أصح؛ لأن رواية عبدالله مطلقة مجملة ورواية ابن عباس مبينة مقيدة، والمطلق المجمل يحمل على المقيد المبين. ولأنه روى جعفر بن محمد عن أبيه «أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يصلون صلاة الاستسقاء يكبرون فيها سبعاً وخمساً» (٣) رواه الشافعي في مسنده. وأما كونها تصلى من غير أذان ولا إقامة؛ فلما روى أبو هريرة قال: «خرج رسول الله ﷺ يستسقي فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة ... مختصر» (٤) رواه الأثرم وابن ماجة. وأما كونها يجهر فيها؛ فلحديث ابن عباس. وروى عبدالله بن زيد: «ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة» (٥) رواه البخاري. وأما كونها يقرأ فيها بسبح وهل أتاك؛ فلحديث ابن عباس.

стр. 569

وفي حديث عبدالله بن زيد: «ثم صلى ركعتين كما كان يصلي في العيد وقرأ فيهما ما يقرأ في العيد: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١] و ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ [الغاشية: ١]» (١) متفق عليه. ورواه ابن قتيبة أيضاً في غريب الحديث. قال: (وإذا أراد الإمام الخروج لها وعظ الناس وأمرهم بالتوبة من المعاصي والخروج من المظالم والصيام والصدقة وتركِ التشاحن. ويَعدهم يوماً يخرجون فيه). أما كون الإمام يعظ الناس إذا أراد الخروج؛ فلأنه سبب لرقة قلوبهم ووسيلة إلى امتثالهم ما يقول. وأما كونه يأمرهم بالتوبة من المعاصي والخروج من المظالم؛ فلأن ذلك من الواجبات. ولأن المعاصي والظلم سبب للقحط. والتقوى سبب للبركات قال الله تعالى: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض﴾ [الأعراف: ٩٦]. وأما كونه يأمرهم بالصيام؛ فلأن الصوم وسيلة إلى نزول الغيث؛ لأنه يروى عن النبي ﷺ أنه قال: «دعوة الصائم لا ترد» (٢). ولأن في الصوم كسر الشهوة وحضور القلب والتذلل للرب. وأما كونه يأمرهم بالصدقة؛ فلأنها متضمنة للرحمة المفضية إلى رحمتهم بنزول الغيث. وأما كونه يأمرهم بترك التشاحن؛ فلأن التشاحن ربما منع نزول الخير. ومنه قوله ﵇: «خرجتُ لأعلمكم بليلة القدر فتلاحى رجلان فرفعت» (٣).

стр. 570

ولأن التشاحن يُخرج غالباً إلى المعصية والبهت. وقد تقدم أن ذلك يُطلب عدمه وأنه سبب للقحط. وأما كونه يَعِدُهُم يوماً ومعناه يعين لهم اليوم الذي يخرج فيه إلى الاستسقاء فليتهيئوا للخروج على الصفة المسنونة. وفي الحديث «أن النبي ﷺ وعد الناس يوماً يخرجون فيه» (١) رواه أبو داود. قال: (ويتنظف لها. ولا يتطيب. ويخرج متواضعاً متخشعاً متذللاً متضرعاً ومعه أهل الدين والصلاح والشيوخ). أما كون الخارج إلى الاستسقاء يتنظف لصلاته. والمراد به أنه يسن له إزالة الرائحة وتقليم الأظفار وما أشبه ذلك لأجل الصلاة فلئلا يؤذي الناس. ولأنه يوم يجتمع له الناس أشبه الجمعة. وأما كونه لا يتطيب؛ فلأن يوم الاستسقاء يوم استكانة وخضوع. وأما كونه يخرج على الصفة المذكورة؛ فلما روى ابن عباس «خرج رسول الله ﷺ للاستسقاء متبذلاً متخشعاً متواضعاً متضرعاً حتى أتى المصلى ... مختصر» (٢) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وأما كونه يخرج ومعه أهل الدين والصلاح والشيوخ؛ فلأن ذلك أسرع لإجابتهم. وجاء في الحديث: «إن الله يستحيي أن يرد دعوة ذي الشيبة في الإسلام» (٣).

стр. 571

وفي آخر: «إذا بلغ العبد ثمانين سنة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» (١). قال: (ويجوز خروج الصبيان. وقال ابن حامد: يستحب). أما كون خروج الصبيان يجوز فلا خلاف فيه؛ لأن الرزق مشترك بينهم وبين الرجال. وأما كونه لا يستحب على المذهب؛ فلأنهم غير مكلفين فلم يستحب إخراجهم وإن كان لهم حظ في الرزق كالبهائم. وأما كونه يستحب على قول ابن حامد؛ فلأنه روي: «لولا أطفال رُضّع. وشيوخ ركع. وبهائم رُتّع لصب عليكم العذاب صبا» (٢). ولأنهم لا ذنوب لهم فيكون دعاؤهم مستجاباً كالمشايخ. والأول أولى؛ لما ذكر. والحديث لا يدل على الاستحباب. وإلا لزام استحباب خروج البهائم. وعدم الذنب مع عدم التكليف لا أثر له بدليل البهيمة. قال: (وإن خرج أهل الذمة لم يمنعوا. ولم يختلطوا بالمسلمين). أما كون أهل الذمة إذا خرجوا إلى الاستسقاء لا يمنعون؛ فلأنه خروج إلى طلب الرزق والله تعالى ضمن أرزاقهم كما ضمن أرزاق المسلمين. وأما كونهم لا يختلطون بالمسلمين؛ فلأنهم كفار عصاة فربما نزل عليهم أذى فعم المسلمين. وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا

стр. 572

منكم خاصة﴾ [الأنفال: ٢٥]. فإذا لم يختلطوا اختص نزول العذاب بهم ولهذا جعلت مقابرهم منفردة عن المسلمين. قال: (فيصلي بهم. ثم يخطب خطبة واحدة يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد. ويكثر فيها الاستغفار وقراءة الآيات التي فيها الأمر به). أما كون الإمام في الاستسقاء يصلي بالناس؛ فلما تقدم ذكره. وأما كونه يخطب خطبة واحدة؛ فلأنه لم ينقل عن النبي ﵇ أنه خطب في الاستسقاء أكثر من واحدة. وأما كونه يخطب بعد الصلاة؛ فلأن أبا هريرة ﵁ قال: «صلى بنا النبي ﷺ ثم خطبنا ... مختصر» (١) رواه الإمام أحمد وابن ماجة. ولأنها صلاة ذات تكبير فكانت خطبتها بعد الصلاة كالعيد. وعن الإمام أحمد: أنه يخطب قبل الصلاة لقول عبدالله بن زيد: «فتوجه إلى القبلة يدعو وحوّل رداءه ثم صلى» (٢) متفق عليه. وعنه: أنه مخير في الخطبة قبل الصلاة وبعدها لأن الجميع مروي. وعنه: لا خطبة لها لقول ابن عباس ﵄: «فلم يخطب خطبتكم هذه. ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع» (٣) رواه النسائي وابن ماجة. والأول هو الصحيح؛ لما تقدم من حديث أبي هريرة: «صلى ثم خطبنا» (٤). وثم للترتيب.

стр. 573

والجواب عن حديث عبدالله بن زيد أنه ليس فيه تصريح بالخطبة قبل الصلاة. وإنما قال: «دعا». وعن قول ابن عباس: «فلم يخطب خطبتكم هذه» (١) أنه نفى الصفة لا أصل الخطبة. والمعنى أنه كان جُلُّ خطبته الدعاء والتضرع والتكبير. وأما كونه يفتتح الخطبة بالتكبير؛ فلأنه يروى عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «صنع رسول الله ﷺ في الاستسقاء كما صنع في العيدين» (٢). وأما كونه يكثر فيها من الاستغفار وقراءة الآيات التي فيها الأمر به مثل قوله تعالى: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفاراً? يرسل السماء عليكم مدرارا﴾ [نوح: ١٠ - ١١]. وقوله تعالى: ﴿وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه﴾ [هود: ٣]؛ فلأن الاستغفار سبب لنزول المطر؛ لما تقدم من الآية. ولأنه يروى عن عمر ﵁ «أنه استسقى فلم يزد على الآيات. فقيل له. فقال: لقد استسقيت بمجاديح السماء التي ينزل بها الغيث» (٣). وعن علي ﵁: «عجبت من يبطئ عنه الرزق ومعه مفاتيحه. قيل: وما مفاتيحه؟ قال: الاستغفار» (٤).

стр. 574

قال: (ويرفع يديه فيدعو بدعاء النبي ﷺ : اللهم! اسقنا غيثاً مُغيثاً هنيئاً مريئاً غَدَقاً مُجَلّلاً سَحاًّ عاماًّ طَبقاً دائماً. اللهم! اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم! سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق. اللهم! إن بالعباد والبلاد من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك. اللهم! أنبت لنا الزرع وَأَدِرَّ لنا الضرع واسقنا من بركات السماء وأنزل علينا من بركاتك. اللهم! ارفع عنا الجهد والجوع والعري واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك. اللهم! إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدراراً). أما كون المستسقي يسن له أن يرفع يديه في دعاء الاستسقاء؛ فلما روى أنس قال: «كان النبي ﷺ لا يرفع يديه لشيء من الدعاء إلا في الاستسقاء يرفع يديه حتى يُرى بياض إبطيه» (١) متفق عليه. وأما كونه يسن له أن يدعو بما ذكره المصنف ﵀؛ فلما روى ابن عمر «أن النبي ﷺ كان إذا استسقى قال: اللهم! اسقنا غيثاً مُغيثاً هنيئاً مريئاً مَريعاً غَدقاً مُجَلّلاً طبقاً سَحّاً دائماً. اللهم! اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم! إن بالبلاد والعباد من اللأواء والضنك والجهد ما لا نشكوه إلا إليك. اللهم! أنبت لنا الزرع وأَدِرَّ لنا الضرع واسقنا من بركات السماء وأنزل علينا من بركاتك. اللهم! ارفع عنا الجهد والجوع والعري واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك. اللهم! إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً فأرسل السماء علينا مدراراً» (٢).

стр. 575

وروى المطلب بن حنطب أن النبي ﷺ كان يقول: «اللهم! سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق ... مختصر» (١) رواه الشافعي في مسنده وهو مرسل. فإن قيل: ما معنى هذه الألفاظ؟ قيل: الغيث مصدر. سمي به المطر. والغيث المجيء بإذن الله تعالى. يقال: غاث الله الأرض إذا أَنزل عليها المطر. وإغاثة الله إذا أجاب غُواثه بالضم. والفتح للغين أي أزال شكواه بالمطر. والهنيء: الذي يحصل من غير مشقة. والمريء: السهل النافع. والمرتع: المقيم. من قولك: رتعت بمكان كذا إذا أقمت فيه. وروي مُريعاً وهو فعل من المرع وهو الخصب. ويروى مربعاً من ربعت الإبل إذا رعت. والغدق: الكثير القطر. والمجلل: السحاب الذي يعم الأرض بالمطر. فكنى هنا بالسحاب عن المطر الذي يعم. والطبق: الذي يطبق الأرض. والسح: الغيث والدائم المتصل إلى أن يحصل الخصب. والقانط: الآيس. واللأواء: الشدة. والضنك: الضيق. والجهد: بالضم والفتح المشقة. وقيل: بالفتح البلاء وبالضم الطاقة. والمدرار: الدائم إلى وقت الحاجة.

стр. 576

قال: (ويستقبل القبلة في أثناء الخطبة. ويحول رداءه فيجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن. ويفعل الناس كذلك ويتركونه حتى ينزعوا مع ثيابهم). أما كون الإمام يسن له أن يستقبل القبلة في أثناء الخطبة وأن يحول رداءه؛ فلما روى عبدالله بن زيد «أن النبي ﷺ خرج يستسقي. فحوّل إلى الناس ظهره. واستقبل القبلة يدعو. ثم حوّل رداءه» (١) رواه البخاري. وأما كونه يجعل الأيمن منه على الأيسر والأيسر على الأيمن؛ فلأن في روايةٍ: «حول رداءه فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، [وجعل عِطافه الأيسر] (٢) على عاتقه الأيمن» (٣) رواه أبو داود. قال أبو عبيد: إنما يفعل ذلك لتغير الحال وانتقاله من الجدب إلى الخصب. وأما كون الناس يفعلون ذلك كالإمام؛ فلأن النبي ﷺ فعله. وقال الله تعالى: ﴿واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ [الأعراف: ١٥٨]. ولأنه روي: «ثم تحول إلى القبلة وحول رداءه فقلبه ظهراً لبطن وتحول الناس معه» (٤). ولأن ما ثبت في حقه ثبت في حقنا ما لم يقم دليل على تخصيصه. وأما كونهم يترك كل واحد منهم رداءه على حاله حتى ينزعوه مع ثيابهم؛ فلأنه لم ينقل أن النبي ﷺ ولا أحداً من الصحابة رد رداءه إلى الحالة التي كان عليها قبل خلع ثيابه. قال: (ويدعو سراً حال استقبال القبلة. فيقول: اللهم! إنك أمرتنا بدعائك ووعدتنا إجابتك وقد دعوناك كما أمرتنا فاستجب لنا كما وعدتنا).

стр. 577

أما كون المستسقي يدعو حال استقبال القبلة؛ فلأن البخاري ذكره في حديث عبدالله بن زيد (١). وليجمع بين الدعاء سراً وجهراً كما فعل نوح ﷺ (٢). ولقوله تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعاً وخفية﴾ [الأعراف: ٥٥]. وأما كونه يقول: اللهم! إنك أمرتنا إلى آخره؛ فلأن في ذلك استنجازاً لما وعد من فضله حيث قال: ﴿إني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ [البقرة: ١٨٦]. قال: (فإن سقوا وإلا عادوا ثانياً وثالثاً. وإن سقوا قبل خروجهم شكروا الله تعالى وسألوه المزيد من فضله). أما كون المستسقين يعودون ثانياً وثالثاً إذا لم يسقوا؛ فلأن الله يحب الملحين في الدعاء. ولأن الحاجة داعية إلى ذلك فاستحب ثانياً وثالثاً كالأول. وأما كونهم يشكرون الله ويسألونه المزيد من فضله إذا سقوا (٣) قبل الخروج؛ فلأنهم إذا فعلوا ذلك زادهم الله من فضله لقوله تعالى: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ [إبراهيم: ٧]. وقوله: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠]. وظاهر كلام المصنف ﵀: أنهم لا يصلون؛ لأن الشكر حقيقة في القول لا الفعل. وإنما لم تستحب الصلاة حينئذ؛ لأن الصلاة تراد لنزول المطر وقد وجد. ولأن التشاغل بغير الصلاة يستحب؛ لما يأتي.

стр. 578

ونص المصنف ﵀ في غير هذا وغيره من الأصحاب على أنهم إن سقوا قبل الخروج يصلوا شاكرين لأن الصلاة شرعت لزوال العارض من الجدب وذلك لا يحصل بمجرد النزول فلذلك تستحب الصلاة ليديم الله عليهم ذلك. ويؤيد قول المصنف ﵀ أنهم لا يقتصرون على الشكر والدعاء: أن التشاغل بالدعاء عند نزول المطر مستحب؛ لما روي أن النبي ﷺ قال: «اطلبوا استجابة الدعاء عند ثلاث: عند التقاء الجيوش وإقامة الصلاة ونزول الغيث» (١). وعن عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ كان إذا رأى المطر قال: صَيِّباً نافعاً» (٢) رواه البخاري. قال: (وينادى لها الصلاة جامعة. وهل من شرطها إذن الإمام؟ على روايتين). أما كون صلاة الاستسقاء ينادى لها الصلاة جامعة؛ فلقول ابن عباس ﵁: «سنة الاستسقاء سنة العيد» (٣). ولأن كل صلاة شرع فيها الجهر والاجتماع والخطبة ولم يسن لها أذان سن لها النداء؛ لما ذكر. وأما كونها ليس من شرطها إذن الإمام على روايةٍ؛ فلأن صلاة الاستسقاء نافلة فلم يكن من شرطها إذن الإمام كبقية النوافل. وأما كونها من شرطها ذلك على روايةٍ؛ فبالقياس على اشتراطه في العيد على روايةٍ. فعلى هذا إذا خرجوا بغير إذن الإمام دعوا وانصرفوا بلا صلاة.

стр. 579

قال: (ويستحب أن يقف في أول المطر ويخرج رحله وثيابه ليصيبها). أما كون المستسقي يستحب له أن يقف في أول المطر؛ فلما روى أنس «أن النبي ﷺ لم ينزل عن منبره حتى رأينا المطر يتحادر عن لحيته» (١) رواه البخاري. ولأنه قريب العهد من الله فاستحب الوقوف فيه ليصيب الواقف فيه من بركته. وأما كونه يستحب له أن يُخرج رحله وثيابه ليصيبها ذلك؛ فلما روي «أن رسول الله ﷺ كان ينزع ثيابه في أول المطر إلا الإزار يتزر به» (٢). و«لأن ابن عباس ﵁ كان يأمر غلامه إذا كان المطر في أوله بإخراج رحله وفراشه ليصيبه المطر ويقول: إنه قريب عهد بالله ». قال: (وإذا زادت المياه فخيف منها استحب أن يقول: اللهم! حوالينا ولا علينا. اللهم! على الظراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ... الآية﴾ [البقرة: ٢٨٦]). أما كون من خاف من زيادة المياه يستحب له أن يقول: اللهم! حوالينا ... إلى ومنابت الشجر؛ فلما روى أنس ﵁ قال: «فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة فجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! تهدمت البيوت وتقطعت السبل وهلكت المواشي. فقال رسول الله ﷺ : اللهم! على ظهور الجبال والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر. فانجابت عن المدينة انجياب الثوب» (٣) متفق عليه. وفي حديث آخر: «اللهم! حوالينا ولا علينا» (٤).

стр. 580

وأما كونه يستحب له أن يقول: ﴿ربنا ولا تحملنا ... إلى آخر الآية﴾ [البقرة: ٢٨٦]؛ فلأنه قول لائق بالحال فاستحب قوله كسائر الأقوال اللائقة بمحالّها.

стр. 581

كتاب الجنائز الجنازة بالفتح والكسر واحد. وقيل: بالفتح الميت، وبالكسر الأعواد التي يحمل عليها. قال المصنف ﵀: (يستحب عيادة المريض، وتذكيره التوبة والوصية). أما كون عيادة المريض تستحب؛ فلما روى البراء بن عازب: «أمرنا رسول الله ﷺ باتباع الجنائز وعيادة المرضى» (١) رواه البخاري. ولقوله ﵇: «عائد المريض في مخرف من مخارف الجنة» (٢). والمخرف البستان. وقال: «ما من رجل عاد مريضاً مُمْسِياً إلا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له [حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة، وإن عاده مُصْبِحاً خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له] (٣) حتى يمسي» (٤) رواه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. وخريف: فعيل بمعنى مفعول.

стр. 582

وأما كون تذكيره التوبة يستحب فلأنها واجبة عليه على كل حال. وهو أحوج إليها في هذه الحال من بقية الأحوال. فإذا ذكره فتاب كان سبباً لحصول مثل هذه التوبة (١) العظيمة المخلصة له من الهلكة. وأما كون تذكيره الوصية يستحب؛ فليخرج عن عهدة قوله ﵇: «ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله شيء يوصي به إلا ووصيته مكتوبة عنده» (٢) متفق عليه. قال: (وإذا نُزل به تعاهد بَلَّ حلقه بماء أو شراب، وندّى شفتيه بقطنة، ولَقَّنه قول: لا إله إلا الله مرة. ولم يزد على ثلاث إلا أن يتكلم بعده فيعيد تلقينه بلطف ومداراة. ويقرأ عنده سورة يس ويوجهه إلى القبلة). أما كون متولي حال المريض يستحب له أن يتعاهد بَلَّ حلقه بماء أو شراب ويندي شفتيه بقطنة إذا نزل به. والمراد إذا غلب على الظن موته فلأن ذلك يطفئ من حرارةِ كربه وشدة موته، ويسهل عليه النطق بالشهادة. وأما كونه يستحب له أن يلقنه قول: لا إله إلا الله؛ فلما روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لقنوا موتاكم (٣) -أي المحتضر للموت- شهادة أن لا إله إلا الله» (٤) رواه مسلم. وروى معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله وجبت له الجنة» (٥) رواه أبو داود.

стр. 583

وأما كونه يلقنه مرة فلأن بذلك يخرج عن عهدة حديث أبي سعيد، ويحصل الثواب المذكور في حديث معاذ. وأما كونه لا يستحب له أن يزيد على ثلاث مع عدم كلامه بعد الشهادة فلئلا يضجره. وروي عن عبدالله بن المبارك: «أنه قال لرجل لقّنَه عند موته فأكثر: إذا قلتُ مرة فأنا على ذلك ما لم أتكلم» (١). وأما كونه يستحب له أن يعيد تلقينه بعد الكلام فليكون آخر كلامه الشهادة فينال ما ذُكر في حديث معاذ المتقدم. وأما كونه يعيد تلقينه بلطف ومداراة فلأن اللطف والمدارة في كل موضع مطلوب فهاهنا أولى لشدة الحاجة إليه. وأما كونه يستحب له أن يقرأ سورة يس عنده فلقوله ﵇: «اقرأوا يس على موتاكم» (٢) رواه أبو داود وابن ماجة. ولأنه يسهل خروج الروح. وأما كونه يستحب له أن يوجهه إلى القبلة فلما روى عبيد بن عمير عن أبيه وكان له صحبة «أن رجلاً قال: يا رسول الله! ﷺ ما الكبائر؟ فقال: هي سبع فذكر منها استحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتاً» (٣) رواه أبو داود.

стр. 584

قال: (فإذا مات أغمض عينيه، وشَدَّ لَحْيَيْه، وليّن مفاصله، وخلع ثيابه، وسجاه بثوب يستره، وجعل على بطنه مرآة أو نحوها، ووضعه على سريرِ غُسْله متوجهاً منحدراً نحو رجليه). أما كون من تقدم ذكره يستحب له أن يُغمض عيني المريض إذا مات فلما روت أم سلمة «أن رسول الله ﷺ دخل على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه. وقال: إن الروح إذا قبض يتبعه البصر ... مختصر» (١) رواه مسلم. و«لما حضرت عمر الوفاة قال لابنه عبدالله: إذا رأيت روحي بلغت لهاتي فضع كفك اليمنى على جبهتي واليسرى تحت ذقني وأغمضني». ولأنه إذا لم تغمض عيناه يقبح منظره. ولا يؤمن دخول الهوام فيهما والماء وقت غسله. وأما كونه يستحب له أن يَشُدّ لَحْيَيْه فلما تقدم من قول عمر. ولأنهما لو تركا لقبح منظره وربما دخل في فمه الهوام والماء. وأما كونه يستحب له أن يُلَيِّن مفاصله. ومعناه: أنه يرد ذراعيه إلى عضديه، وعضديه إلى بطنه. ثم يردهما، وساقيه (٢) إلى فخذيه. ثم فخذيه إلى بطنه. ثم يردهما فلتبقى أعضاؤه المذكورة لينة على الغاسل سهلة في حال غسله. ولأنه لو لم يفعل ذلك لجفت عليه أعضاؤه ولسمج منظره ولم يَتَأتّ (٣) غسله. وأما كونه يستحب له أن يخلع ثيابه؛ فلئلا يحمى جسده فيسرع إليه الفساد ويتغير. وربما خرجت منه نجاسة فلوثت ثيابه ونجّستها. وأما كونه يستحب له أن يسجيه بثوب يستره؛ فلأن عائشة ﵂ قالت: «سجي النبي ﷺ بثوب حبرة» (٤) متفق عليه.

стр. 585

ولأنه أعظم في كرامته. وينبغي أن يعطف فاضل الثوب من عند رأسه تحت رأسه، ومن عند رجليه تحت رجليه لئلا يرتفع بالريح. وأما كونه يستحب له أن يجعل مرآة أو نحوها على بطنه؛ فلئلا تنتفخ بطنه. والأصل فيه ما روي عن أنس «أنه مات مولى له عند المغيب. فقال: ضعوا على بطنه شيئاً من حديد» (١). وأما كونه يستحب له أن يضعه على سرير غسله فلأنه يُبعد الهوام ويرتفع عن الأرض. وأما كونه يستحب له أن يضعه على ذلك متوجهاً إلى القبلة فلما تقدم من قوله ﵇: «قبلتكم أحياء وأمواتاً» (٢). وأما كونه يستحب له أن يضعه منحدراً نحو رجليه. ومعناه: أن يكون رأسه أعلى من رجليه فلينحدر ماء الغسل فلا يتراجع منه شيء. قال: (ويسارع في قضاء دينه، وتفريق وصيته، وتجهيزه إذا تيقن موته: بانخساف صدغيه، وميل أنفه، وانفصال كفيه، واسترخاء رجليه). أما كون من تقدم ذكره يستحب له أن يسارع في قضاء دين الميت؛ فلما فيه من إبراء الذمة. قال ﵇: «نفس الميت معلقة بدَينه حتى يقضى عنه» (٣). قال الترمذي: هذا حديث حسن. وأما كونه يستحب له أن يسارع في تفريق وصيته فليحصل له أجرها.

стр. 586

وأما كونه يستحب له أن يسارع في تجهيزه فلقوله ﷺ : «إني لأرى طلحة قد حدث فيه الموت (١) فآذنوني به وعجلوه فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله» (٢) رواه أبو داود. وأما قول المصنف ﵀: إذا تيقن موته؛ فراجع إلى قضاء الدين وتفريق الوصية والتجهيز؛ لأن الأولين لا ولاية لأحد عليهما إلا بعد الموت. والتجهيز قبل تيقن الموت تفريط. وأما قوله: بانخساف صدغيه ... إلى آخره؛ فتنبيه على العلامات الدالة على الموت المحصلة لليقين في ذلك.

стр. 587

فصل في غسل الميت قال المصنف ﵀: (غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه فرض كفاية). أما كون غسل الميت فرض كفاية فلأن النبي ﷺ قال: «فُرض على أمتي غسل موتاها، والصلاة عليها، ودفنها». و«قال لأم عطية ونسوة معها لما ماتت ابنته: اغسلنها» (١) متفق عليه. و«قال في المحرم الذي وقصته ناقته: اغسلوه وكفنوه» (٢). ولأن في تكفينه ستراً له فلم يكن بد من فعله لما يأتي في الكفن (٣). وأما كون الصلاة عليه فرض كفاية فلأن النبي ﷺ قال: «صلوا على من قال: لا إله إلا الله» (٤). ولأن الصلاة مذكورة فيما تقدم من قوله ﵇: «فرض على أمتي». وأما كون الدفن فرض كفاية فلأنه أيضاً مذكور في الحديث المذكور أولاً (٥).

стр. 588

قال: (وأولى الناس به وصيّه. ثم أبوه. ثم جده. ثم الأقرب فالأقرب من عصباته. ثم ذوو أرحامه إلا الصلاة عليه فإن الأمير أحق بها بعد وصيه). أما كون وصي الميت أولى الناس بغسله فـ «لأن أبا بكر ﵁ أوصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس» (١) فَقُدِّمت بذلك. و«أوصى أنس أن يغسله محمد بن سيرين» فقُدِّم بذلك. ولأنه حقٌ للميت فقُدِّم وصيه على غيره؛ كتفريق ثلثه. وأما كونه أولى الناس بالصلاة عليه فلإجماع الصحابة عليه. روي «أن أبا بكر أوصى أن يصلي عليه عمر، وعمر أوصى أن يصلي عليه صهيب» (٢). «وابن مسعود أوصى بذلك الزبير» (٣). «وأبا بكرة أوصى به أبا برزة». «وأم سلمة أوصت به سعيد بن زيد» (٤). «وعائشة أوصت به أبا هريرة» (٥).

стр. 589

«وأبا سريحة أوصى به زيد بن أرقم فجاء عمرو بن حُريث ليتقدم وهو أمير الكوفة فقال ابنه: أيها الأمير إن أبي أوصى أن يصليَ عليه زيد بن أرقم. فقدم زيداً». ولأنه حقٌ للميت فقدم الوصي فيه كالغسل. وأما كونه أولى الناس بتكفينه ودفنه فلأنهما في معنى الغسل والصلاة فوجب أن يثبت فيهما حكمهما بالقياس عليهما. وأما كون الأب أولى ممن بعده في جميع ما ذكر غير الصلاة فلأنه يشارك الابن في العصوبة ويختص بفضل الحنو والشفقة. وأما كون الجد أولى ممن بعده في ذلك فلمشاركة الأب في المعنى. وأما كون الأقرب فالأقرب من عصباته أولى من ذوي أرحامه فلأن الأقرب من العصبة أولى (١) بالميراث فكذا فيما ذكر. فعلى هذا يقدم بعد الأب والجد الابن ثم ابنه وإن نزل. ثم الأخ على ترتيب الميراث. وأما كون ذوي أرحامه أولى من سائر الناس فلما ذُكر في العصبات. وأما كون الأمير أحق بالصلاة على الميت بعد وصيه فلقوله ﵇: «لا يُؤَمّنَّ الرجل في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه» (٢) رواه مسلم. خرج منه الوصي لما تقدم فيبقى فيما عداه على مقتضاه. ولأن النبي ﷺ كان يصلي على الجنائز. ولم ينقل أنه كان يستأذن العصبات. وروى أبو حازم قال: «شهدت حسيناً حين مات الحسن وهو يدفع في قفا سعيد بن العاص أمير المدينة ويقول: لولا السنة ما قدمتك» (٣). وذلك ينصرف إلى سنة رسول الله ﷺ .

стр. 590

وعن عمار مولى بني هاشم قال: «شهدت جنازة أم كُلثوم بنت علي، وزيد بن عمر فصلى عليهما سعيد بن العاص وخلفه ثمانون من الصحابة» (١) رواه الإمام أحمد. والمراد بالأمير الإمام. فإن لم يكن فالوالي من قبله. فإن لم يكن فالحاكم. قال: (وغسل المرأة أحق الناس به الأقرب فالأقرب من نسائها. ولكل واحد من الزوجين غسل صاحبه في أصح الروايتين. وكذلك السيد مع سُرِّيَتِه). أما كون غسل المرأة أحق [الناس به] (٢) الأقرب فالأقرب من نسائها فلأن ذلك قد قُدم به في الرجل وكذا يجب أن يكون في المرأة. فعلى هذا أم المرأة أولى بغسلها لأنها من النساء بمنزلة الأب. ثم جدتها لأنها من النساء بمنزلة الجد. ثم بنتها وإن نزلت لأنها من النساء بمنزلة [الابن وإن نزل. ثم أختها لأنها من النساء بمنزلة] (٣) الأخ. ثم الأقرب فالأقرب على ترتيب الميراث. وأما كون كل واحد من الزوجين له غسل صاحبه في أصح الروايتين: أما كون الزوج له ذلك في روايةٍ «فلأن النبي ﷺ قال لعائشة ﵂: لو مِتِّ قبلي لغسّلتك» (٤) رواه ابن ماجة.

стр. 591

و «لأن علياً ﵁ غسّل فاطمة ﵂» (١) ولم ينكره منكر فكان إجماعاً. وأما كونه ليس له ذلك في روايةٍ فلقوله ﷺ : «لا ينظر الله إلى رجل ينظر إلى فرج امرأة وابنتها» (٢). والزوج يجوز له العقد على بنت امرأته إذا ماتت قبل الدخول واستباحة النظر إلى فرجها. فيجب أن يحرم عليه النظر لئلا يكون ناظراً إلى فرج امرأة وابنتها. ولأنها فرقة تبيح أختها وأربعاً سواها فوجب أن يحرم النظر واللمس كالمطلقة قبل الدخول. وأما كون الرواية الأولى هي الصحيحة في المذهب فلما تقدم من قول النبي ﷺ لعائشة، وفعل علي ﵁، وعدم إنكار الصحابة. وأما كون الزوجة لها ذلك في روايةٍ فلأن عائشة ﵂ قالت: «لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا ما غَسّلَ رسول الله ﷺ إلا نِسَاؤه» (٣). و«لأن أبا بكر ﵁ أوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس» (٤). و«غسلت امرأة أبي موسى زوجها» (٥).

стр. 592

قال ابن المنذر: أجمع من نحفظ عنه من أهل العلم على أن للمرأة أن تغسل زوجها. ولأن آثار النكاح من عدة الوفاة والإرث باقية فكذلك الغسل. وأما كونها ليس لها ذلك في روايةٍ فلأن البينونة حصلت بالموت وزالت عصمة النكاح المبيحة للنظر واللمس فوجب أن لا يجوز لها غسل زوجها كالأجنبية. وأما دعوى الإجماع فيبطلها وقوع الخلاف. وأما العدة فهي من آثار الوطء والموت لا من أحكام النكاح. وأما الإرث فإنه يعتمد الزوجية عند الموت لا عند الأخذ بخلاف الغسل فإنه يعتمد حل النظر عند فعله ولا سبب حينئذ يقتضي الحل. وأما كون حكم السيد مع أمته كحكم الزوج مع زوجته فيما ذكر فلأنها فراش له ومملوكة. وحكم الملك في إباحة اللمس والنظر حكم الزوجة حال الحياة. بل بقاء الملك آكد لأنه يجب عليه تكفينها ومؤنة دفنها كما يجب عليه نفقتها وكسوتها حال الحياة بخلاف الزوجة. قال: (وللرجل والمرأة غسل من له دون سبع سنين. وفي ابن السبع وجهان). أما كون كل واحد من الرجل والمرأة له غسل من له دون سبع سنين ذكراً كان أو أنثى فلأن من له دون سبع سنين لا عورة له لما يأتي في النكاح. ولذلك «لما مات إبراهيم ابن النبي ﷺ غسّله النساء». وقال ابن المنذر: أجمع من نحفظ عنه من أهل العلم أن المرأة تغسل الصبي الصغير. وأما كونه له غسل من له سبع في وجهٍ فلأنه فاقد أهليةِ فهم الخطاب وليس محلاً للشهوة فجاز لغير نوعه غسله كالطفل. وأما كونه ليس له ذلك في وجهٍ فلأنه بلغ سناً يحصل له فيه التمييز أشبه من له فوق السبع. وقد نبه الشرع على الفرق بين من له سبع وبين من له دون ذلك حيث أمر الأولياء أن يأمروا ابن السبع بالصلاة فإنه قد جاء في الحديث: «مروهم بالصلاة

стр. 593

لسبع» (١). وإذا كان بينهما فرق وجب أن لا يجوز غسل ابن السبع لأن الجواز ثابت فيمن له دون ذلك فلو ثبت الجواز في ابن السبع لم يكن بينهما فرق. وظاهر كلام المصنف ﵀ أن من له أكثر من سبع لا يجوز لغير نوعه غسله قولاً واحداً. وهو صحيح صرح به صاحب النهاية فيها لأنه حينئذ يصير محلاً للشهوة، ويحرم النظر إلى عورته المغلظة، ويعتبر تخييره بين أبويه فلم يجز لغير نوعه غسله (٢) كالبالغ. قال: (وإن مات رجل بين نسوة، أو امرأة بين رجال، أو خنثى مشكل يُمِّم في أصح الروايتين، وفي الأخرى يصب عليه الماء من فوق القميص ولا يمس). أما كون من مات بين غير نوعه ممن ذكر يُيَمم على الصحيح في المذهب فلما روى واثلة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا ماتت المرأة مع الرجال ليس بينها وبينهم محرم تيمم كما ييمم الرجال» (٣) أخرجه تمام في فوائده. ولأن النظر واللمس محرم في حق غير [ذي] (٤) المحرم في حال الحياة فكذلك بعد الممات. وإذا حرم على من ذُكر النظر تعذر غسله له شرعاً ومن تعذر غسله فالتيمم قائم مقامه. وأما كونه يُصب عليه الماء من فوق القميص ولا يمس على روايةٍ فلأنه أمكن الغسل مع ستر ما حرُم النظر إليه. وقد ورد للغسل في القميص أصل وهو «أن رسول الله ﷺ غسل فيه» (٥).

стр. 594

قال: (ولا يُغسل مسلم كافراً ولا يدفنه إلا أن لا يجد من يواريه غيره). أما كون المسلم لا يجوز أن يغسّل الكافر فلقوله تعالى: ﴿لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم﴾ [الممتحنة: ١٣]. وقوله: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ [المائدة: ٥١]. وفي غسلهم (١) تول لهم. وقال أبو حفص العكبري: يجوز ذلك. وحكاه قولاً لأحمد ﵁؛ لما روي عن علي ﵁ أنه قال: «قلت للنبي ﷺ : إن عمك الضال قد مات. قال: اذهب فواره» (٢) رواه أبو داود. واستدل الشافعي ﵀ عليه بهذا الحديث وزاد فيه: «اذهب فغسله وكفنه وادفنه» (٣). وأما كونه لا يجوز له أن يدفنه إذا وجد من يواره غيره؛ فلما تقدم في الغسل. ويجوز عند أبي حفص لما تقدم من قوله: «اذهب فواره» ومن قوله: «وادفنه (٤»). وأما كونه يجوز له ذلك إذا لم يجد من يواره غيره؛ فـ «لأن قتلى بدر أُلقوا في القليب» (٥).

стр. 595

ولأنه يَتضرر بتركه ويتغير ببقائه. وظاهر كلام المصنف ﵀ أنه إذا لم يجد غيره يقوم بأمره إنما يجوز له مواراته دون غسله. وصرح به صاحب النهاية؛ لأن الحجة في ذلك رمي الكفار في القليب وخوف التأذي ببقائهم وكلاهما مفقود في الغسل. قال: (وإذا أَخذ في غسله سَتر عورته وجرده. وقال القاضي: يغسله في قميص خفيف واسع الكمين). أما كون الغاسل يستر عورة الميت ويجرده على غير قول القاضي؛ فلأن ذلك أمكنُ لتغسيله، وأبلغ في تطهيره. ولأن الحي يستر عورته ويتجرد إذا اغتسل فالميت أولى. ولأنه إذا غُسّل في ثوبه تنجس ثوبه بما يخرج منه. وقد لا يطهر بصب الماء عليه فيتنجس الميت به. وأما كونه يُغسله في قميص خفيف واسع الكمين على قول القاضي فلما روت عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ غُسّل في قميصه» (١). وقال سعد بن أبي وقاص: «اصنعوا لي كما صنع برسول الله ﷺ » (٢). والأول أولى لما ذكر. وأما النبي ﷺ فذلك كان خاصاً به. ألا ترى أنهم قالوا: «نجرده كما نجرد موتانا» (٣) رواه أبو داود. وقال ابن عبد البر: روي عن عائشة ﵂ من وجه صحيح. وذَكر الحديث بطوله.

стр. 596

فظاهر هذا أن تجريد الميت فيما عدا العورة كان مستفيضاً فيما بينهم. ومثل هذا لم يكن ليخفى على النبي ﷺ بل الظاهر أنه كان يأمر به لأنهم كانوا ينتهون إلى أمره في الشرعيات. وأما سعد فإنه قال: «الحدوا لي لحداً، وانصبوا عليّ اللبن نصباً كما صُنع برسول الله ﷺ » (١). قال: (ويُستر الميت عن العيون ولا يحضره إلا من يعين في غسله). أما كون الميت يُستر عن العيون فلأنه ربما كان به عيب يستره في حياته، وربما بدت عورته. قالت عائشة: «غسلنا بعض بنات النبي ﷺ فأُمِرنا أن نجعل بينها وبين السقف ثوباً». ولأن الآدمي إذا مات صار جميعه بمنزلة العورة في الإكرام والاحترام ولهذا وجب ستره بالكفن. وأما كونه لا يحضره إلا من يعين في غسله فلأنه لا حاجة إلى حضوره بخلاف من يعين الغاسل بصب [الماء] (٢) ونحوه. قال: (ثم يرفع رأسه برفق إلى قريب من الجلوس، ويعصر بطنه عصراً رفيقاً، ويُكثر صب الماء حينئذ). أما كون الغاسل يرفع رأس الميت إلى قريبٍ من الجلوس ويعصر بطنه حينئذ فليخرج ما في جوفه من فضلة مخافة أن يخرج ذلك بعد الغسل والتكفين فيفسده. وأما كون ذلك برفق فلأن الميت في محل الشفقة والرحمة. وأما كونه يكثر صب الماء حين يعصر بطنه فليذهب بما يخرج ولا تظهر رائحته.

стр. 597

قال: (ثم يلف على يده خرقة فينجيه. ولا يحل مس عورته. ويستحب أن لا يمس سائر بدنه إلا بخرقة). أما كون الغاسل يلف على يده خرقة فينجي الميت بها فلأن في ذلك إزالة للنجاسة وطهارة للميت من غير تعدي النجاسة إلى الغاسل. فإن قيل: ما صفة التنجية؟ قيل: أن يلف على يده خرقة ويغسل أحد الفرجين ثم ينحي الخرقة، ويأخذ أخرى ويغسل الفرج الآخر. وذكر القاضي في المجرد أنه يكفي خرقة واحدة للفرجين، والأخرى لبقية بدنه. وهو محمول على أن الخرقة كلما خرج عليها نجاسة غسلها المعاون وأعادها. وإلا فقد ذكر أصحابنا أن كل خرقة يخرج عليها شيء لا يعتد بها. وأما كونه لا يحل مس عورة الميت فلأن رؤيتها حرام فلمسها بطريق الأولى. وأما كونه يستحب أن لا يمس سائر بدنه إلا بخرقة فلأنه يأمن معه مس العورة المحرم مسها. قال: (وينوي غسله ويسمي، ويدخل أصبعيه مبلولتين بالماء بين شفتيه فيمسح أسنانه وفي منخريه فينظفهما). أما كون الغاسل ينوي غسل الميت ويسمي في غسله فلأن غسله طهارة يعتد بها فاشترط فيها النية والتسمية كغسل الجنابة. وأما كونه يدخل أصبعيه مبلولتين بالماء كما ذكر المصنف ﵀ فلأن في ذلك تحصيلاً لإزالة ما على تلك الأعضاء من الأذى. والأصبعان هاهنا السبابة والإبهام. قال: (ويوضئه. ولا يدخل الماء في فيه ولا أنفه). أما كون الغاسل يوضئ الميت فلما روت أم عطية أنها قالت: «لما غسّلنا ابنة رسول الله ﷺ قال: ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها» (١) متفق عليه.

стр. 598

وأما كونه لا يُدخل الماء في فيه ولا أنفه إذا وضأه وإن كان ذلك من الوضوء في حق الحي على الصحيح من المذهب فلأنه إذا أدخل الماء فيهما لا يمكنه إخراجه فربما دخل بطنه ثم خرج فأفسد وضوءه. قال: (ويضرب السدر. فيغسل برغوته رأسه ولحيته وسائر بدنه. ثم يغسل شقه الأيمن. ثم الأيسر. ثم يفيض الماء على جميع بدنه. يفعل ذلك ثلاثاً يمر في كل مرة يده. فإن لم ينق بالثلاث أو خرج منه شيء غسله إلى خمس. فإن زاد فإلى سبع. ويجعل في الغسلة الأخيرة كافوراً). أما كون الغاسل يضرب السدر فلتحصل له رغوة لأن الرغوة تزيل الدرن، ولا تتعلق بالشعر، وتزول بمجرد مرور الماء. وأما كونه يغسل رأس الميت ولحيته وسائر بدنه «فلأن النبي ﷺ قال في المحرم: اغسلوه بماء وسدر» (١). و«قال للنساء اللواتي غسّلن ابنته: اغسلنها بماء وسدر» (٢). وقال الخرقي: ويكون في كل المياه شيء من السدر.

стр. 599

وقال ابن حامد: الذي وَجدتُ عليه أصحابنا أنه يكون في الغسلة وزن درهم ونحوه من السدر فإذا كان كثيراً سلبه التطهير. واختار القاضي وأبو الخطاب أن يغسله أول مرة بثَفَل السدر ثم يغسله بعد ذلك بالماء القراح؛ لأن الإمام أحمد ﵁ شبه غسله بغسل الحياة. ولأن السدر إن كان كثيراً سلبه الطهورية. واليسير لا يؤثر. وينبغي أن يتخذ الغاسل ثلاثة آنية: كبير يجمع فيه الماء الذي يَغسل به الميت يكون بالبُعد منه، وإناءان صغيران يكون أحدهما بيد الغاسل يقلب به والآخر بيد المعاون يغترف به من الكبير ويقلب ما فيه في الذي بيد الغاسل. وإنما كان كذلك والله أعلم ليكون الكبير مصوناً فإذا فسد ما في الصغير من رشاش وغيره كان ما بقي في الكبير كافياً. وأما كونه يبدأ بغسل شقه الأيمن ثم الأيسر فلقوله ﵇: «وابدأن بميامنها» (١) متفق عليه. ولأن التيامن مسنون في غسل الحي فكذلك في غسل الميت. وأما كونه يفيض الماء على جميع بدن الميت فليعم البدن بالغسل. وأما كونه يفعل ذلك ثلاثاً فلأن في حديث النسوة اللاتي غسلن ابنته: «اغسلنها ثلاثاً» (٢). وأما كونه يمر يده في كل مرة. والمراد على بطنه فلأن فيه إخراجاً لما في بطنه وأمناً من فساد الغسل بما يخرج بعده (٣). وأما كونه يغسله إل خمس ثم إلى سبع إذا لم يَنْقَ بالثلاث «فلأن النبي ﷺ قال للنسوة اللاتي غسلن ابنته: اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً إن رأيتن ذلك» (٤).

стр. 600

وأما كونه يفعل ذلك إذا خرج منه نجاسة فلأن الخارج ينقض طُهر الحي. ولا طهر للميت سوى الغسل فوجب أن يبطله. ولأن الغسل في حق الميت وجب لزوال العقل وفقد الحواس فجاز أن يبطل بما تبطل به الطهارة الصغرى بخلاف غسل الجنابة. ولأنه وجب غسله بما لا يوجب الغسل فجاز أن يتأكد بوجوبه من الحدث لأنه ليس بممتنع أن يبطل الغسل بما لا يوجب الغسل كخلع الخف لا يوجب غسل الرجل وينقض الطهارة فيها. وقال أبو الخطاب: لا يعاد غسله بل يَغسل موضع النجاسة ويُوضأ لأن حكم الحي كذلك فكذلك الميت. والأول المذهب؛ لما ذكر. وقد تقدم التنبيه على الفرق بين غسل الميت وغسل الحي. ويؤيد إعادة الغسل عموم قوله ﵇: «اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً إن رأيتن ذلك» (١). فإن الظاهر أنما قال ذلك من أجل توقع النجاسة. وأما كونه يجعل الكافور في الغسلة الأخيرة فلأن في الحديث المذكور: «واجعلن في الأخيرة كافوراً». وفائدة الكافور أنه يصلب الجسم ويطرد عنه الهوام بريحه. قال: (والماء الحار والخلال والأشنان يستعمل إن احتيج إليه). أما كون ما ذكر يستعمل إن احتيج إليه مثل أن يحتاج إلى الماء الحار لشدة البرد أو لإزالة وسخ لا يزول إلا به. أو إلى الأشنان لكثرة الوسخ. أو إلى الخلال لكون الوسخ لا يخرج إلا به فلأن إزالة الوسخ مطلوبة شرعاً وذلك وسيلة إليه. وأما كونه لا يستعمل إن لم يحتج إليه مثل أن يكون الماء البارد ليس شديد البرد ويكون الحار يرخي بدن الميت ويكون الوسخ يمكن إزالته بغير الخلال كالدلك ونحوه فلأن ذلك لم ترد به السنة مع أنه لا حاجة إليه.
следующие страницы →