← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

أما في التفكير الديني (المسيحي واليهودي) في الغرب، فقد أصبح معسكر أوشفيتس رمزاً للعالم المادي الذي لا معنى له والذي لا هدف له ولا غاية، فهو عالم انسحب منه الإله، ولذا يُقال «لاهوت ما بعد أوشفيتس» بمعنى «لاهوت موت الإله» . ويذهب البعض إلى أن معسكر أوشفيتس أصبح مدلولاً (متجاوزاً) لا يمكن لأي دال أن يدل عليه. فالتجربة اليهودية في أوشفيتس لا يمكن فهمها أو تفسيرها وإنما يمكن تجربتها وحسب. ومن لم يعش التجربة لن يفهم ما حدث، ومن ثم فإن كلمة «أوشفيتس» بمثابة الأيقونة حيث يلتحم الدال بالمدلول وتختفي المساحة بينهما، وتصبح الأيقونة (الرمز) هي نفسها ما ترمز إليه. إن أوشفيتس تتجاوز اللغة الإنسانية ولذا "لا شعر بعد أوشفيتس". وفي استخدام مغاير تماماً للكلمة صرح ناحوم جولدمان بأن إسرائيل هي كارثة تاريخية كبرى، تفوق ما حدث في أوشفيتس، ومن ثم تحل الدولة الصهيونية محل أوشفيتس باعتبارها أكبر كارثة حاقت بالجماعات اليهودية في العالم. وقد أصبح معسكر أوشفيتس موضع جدل كبير في الوقت الحالي فقد أُقيم دير للراهبات الكرمليات في بقعة أباد فيها الألمان كثيراً من البولنديين اليهود وغير اليهود، على أن تُقام الصلوات يومياً من أجل الجميع. ولكن بعض القيادات اليهودية في الولايات المتحدة أصرت على ضرورة أن يُزال هذا الدير حتى تظل أوشفيتس رمزاً يهودياً. وقد أذعنت القيادة الكاثوليكية في نهاية الأمر لهذا المطلب. ستة ملايين يهودي: عدد ضحايا الإبادة النازية ليهود أوربا؟ Six Milion Jews: Number of European Jewish Victims of Nazi Extermination?

стр. 2207

يرد في وسائل الإعلام الغربية رقم «ستة ملايين» باعتباره عدد ضحايا الإبادة النازية لليهود. وقد استقر الرقم تماماً حتى أصبح من البدهيات، ولكن هناك رفضاً مبدئياً للرقم في الأوساط العلمية اليهودية وغير اليهودية. فعلى سبيل المثال قام راؤول هيلبرج في كتابه تدمير يهود أوربا (١٩٨٥) بتخفيض العدد من ستة إلى خمسة ملايين (بعد دراسة إحصائية مستفيضة للموضوع) . وذكر سيسيل روث، في موسوعته اليهودية، أن الهولوكوست نُفذ بطريقة يصعب معها التحقق من دقة الأرقام، وأن العدد يتراوح بين أربعة ملايين ونصف المليون وستة ملايين يهودي. ويميل المؤرخ الأمريكي اليهودي (صهيوني النزعة) هوارد ساخار إلى الأخذ برقم أربعة ملايين ونصف مليون. وهناك من الأدلة الإحصائية ما يرجح الأخذ برأي ساخار، فالكتاب السنوي ورلد ألماناك لعام ١٩٣٩ يقدر يهود العالم آنذاك بنحو ١٥.٦ مليون. وفي عام ١٩٥٠، قُدِّر عددهم بنحو ١٦.٦ مليوناً، في حين قدرته صحيفة نيويورك تايمز عام ١٩٤٨ بما بين ١٥.٧ و١٨.٦مليون، وهناك تقديرات تذهب إلى أن عددهم أقل من ذلك، وقد يصل إلى ما بين ١٣ و١٤ مليوناً. وفي جميع الحالات، لا يمكن أن يزيد عدد من اختفوا على أربعة ملايين. ومؤخراً، ذكر المؤرخ الإسرائيلي يهودا باور، مدير قسم دراسات الهولوكوست في معهد دراسات اليهود في العصر الحديث التابع للجامعة العبرية، أن الرقم ستة ملايين لا أساس له من الصحة، وأن الرقم الحقيقي أقل من ذلك. وبيَّنت بحوث المؤرخ الفرنسي جورج ويلير G. Wellers أن العدد الإجمالي لمن أُبيدوا في أوشفيتس من اليهود وغير اليهود ليس أربعة ملايين وإنما هو ١.٦ مليون وحسب، وأن هؤلاء لم يقضوا حتفهم من خلال أفران الغاز وحسب وإنما أيضاً بسبب الجوع والمرض والموت أثناء التعذيب والانتحار. ومما يجدر ذكره أن من يتبنون رقم ستة ملايين وغيره من الأرقام لا يشيرون من قريب أو بعيد إلى ظاهرة اختفاء اليهود من خلال عوامل طبيعية مثل

стр. 2208

الزواج المختلط وسوء التغذية والغازات والأوبئة (التي تتزايد بسبب ظروف الحرب) . وبغض النظر عن الرقم مليون أو الأربعة أو الستة ملايين، فإن ثمة خللاً أساسياً في المنطق الصهيوني يمكن تلخيص بعض جوانبه فيما يلي: ١ ـ التركيز على اليهود بالذات دون الجماعات الأخرى. فمع أن اليهود عانوا، مثلهم في ذلك مثل غيرهم من ضحايا النازية، إلا أن سياسة هتلر في الإبادة كانت موجهة أيضاً نحو الغجر والكاثوليك والمعارضين السياسيين والمرضى والمتخلفين عقلياً والسلاف عامة والبولنديين والروس على وجه الخصوص. وقد بلغ عدد ضحايا الحرب ما بين خمسة وثلاثين مليوناً وخمسين مليون، وخسر الاتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثانية ما بين سبعة عشر وعشرين مليوناً بين مدنيين وعسكريين، وخسر البولنديون نحو خمسة ملايين بعضهم من اليهود. وخسر الصينيون ما يزيد على عشرة ملايين ماتوا جوعاً أو قتلاً على يد الاحتلال الياباني. ٢ ـ التركيز على المدنيين دون العسكريين. ومع ذلك، فإنه من بين العشرين مليون سوفيتي الذين قُتلوا في الحرب، كان هناك أربعة ملايين ونصف مليون مدني والباقون من العسكريين، ناهيك عن عدة ملايين من الألمان أرسلهم هتلر للموت في ساحة القتال. كما كان هناك كثيرون من جنود الحلفاء ضمن من قُتلوا في الحرب. ويجب ألا ننسى الجنود من الأفارقة والآسيويين الذين جُندوا، رغم أنفهم، ليشتركوا في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، حيث كانوا يوضعون في الصفوف الأمامية باعتبارهم مادة بشرية رخيصة.

стр. 2209

٣ ـ التركيز على الماضي دون الحاضر، وعلى ملايين اليهود الذين هلكوا قبل نحو نصف قرن، دون اهتمام مماثل بالملايين التي أُبيدت بعد ذلك. فقد فقدت كمبوتشيا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية نحو مليوني شخص، وفَقَدت الجزائر أكثر من مليون شخص، وفقدت أفغانستان منذ الغزو السوفيتي عام ١٩٧٨ نحو مليون قتيل، فضلاً عن مليوني مهاجر داخل البلد وخمسة ملايين مهاجر إلى خارجها حتى صاروا يمثلون نصف مجموع اللاجئين في العالم. ٤ ـ وهناك، بطبيعة الحال، مشكلة ملايين الفلسطينيين الذين طُردوا من ديارهم والذين يخضعون لظروف إرهابية شبه دائمة. لكن التشكيك في مدى دقة الرقم (الستة ملايين) لا يعني بحال من الأحوال التشكيك في الجريمة النازية ذاتها، فالجريمة النازية هي إحدى جرائم الحضارة الغربية الحديثة العديدة التي لا يمكن التهوين من شأنها. وما نهدف أساساً إليه من خلال مناقشة هذه الإشكالية هو تصحيح الرقم ووضع الظاهرة في سياق إنساني عام ومنظور تاريخي شامل، بحيث نُحدِّد هويتها باعتبارها جريمة غربية محددة ضد قطاعات بشرية عديدة بدلاً من أن تكون جريمة ألمانية ضيقة أو جريمة عالمية غير محدَّدة ضد اليهود كلهم، وضد اليهود دون سواهم. ونحن بهذا ننقذ واقعة الإبادة من سخافات الإعلام الغربي والصهيوني، ولعبة الأرقام الطفولية التي تخبئ الأبعاد التاريخية والأخلاقية والإنسانية العامة للواقعة. اختفاء وموت الشعب اليهودي بعد الحرب العالمية الأولى Disappearance and Death of the Jewish People after the First World War يروج المدافعون عن الرؤية الصهيونية للإبادة النازية لرقم ستة ملايين، كجزء من عملية الأيقنة وتحويل الإبادة إلى لغز من الألغاز وسر من الأسرار المقدَّسة. وقد أهمل هؤلاء تماماً بعض العناصر التي أدَّت إلى اختفاء اليهود من خلال عناصر طبيعية مختلفة سنتناولها في هذا القسم.

стр. 2210

فمن المعروف أن الفترة ما بين عامي ١٩٦٧ و ١٩٨٢ شهدت تَناقُص عدد يهود العالم مليوناً، فانخفض من ١٣.٨٣٧.٥٠٠ إلى ١٢.٩٨٨.٦٠٠، دون حدوث إبادة بل دون حالة حرب أو أوبئة. وقد تناقص عددهم لمركب من الأسباب أدَّى إلى ما يُسمَّى «موت الشعب اليهودي» . ومن الواضح أن يهود أوربا، أي أغلبية يهود العالم آنذاك، بدأوا يدخلون في مرحلة التناقص ابتداءً من القرن العشرين، للأسباب التالية: ١ ـ أسباب تؤدي إلى العزوف عن الإنجاب وإلى تناقص الخصوبة ومعدلات التكاثر: أ) أدَّت الهجرة اليهودية الكبرى في نهاية القرن التاسع عشر إلى انتقال أعداد كبيرة من اليهود إلى الولايات المتحدة الأمريكية. ويُقال إن هجرة اليهود قضت تقريباً على اليهود في المرحلة العمرية من عشرين إلى أربعين عاماً، وهي مرحلة الخصوبة التي تجعل بإمكان الجماعة أن تُعيد إنتاج نفسها. ب) كان أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب يضطلعون بدور الجماعة الوظيفية الوسيطة، أي بأعمال التجارة والمال. وكانوا، لهذا، مركزين إما في المدن أو المناطق شبه الحضرية. ومع منتصف القرن التاسع عشر، تصاعد هذا الاتجاه وتزايد تركزهم في المدن بحيث أصبحت أغلبيتهم الساحقة تسكن في المدن عشية الحرب العالمية الثانية، فقد كان ثلث يهود روسيا يوجدون في خمس مدن وبقيتهم تعيش في مدن صغيرة. وكان أربعة وثمانون في المائة من يهود الولايات المتحدة يعيشون في ثماني عشرة مدينة كبيرة ونصفهم في نيويورك. كما كان معظم يهود النمسا في فيينا، ومعظم يهود فرنسا في باريس، وهكذا. ومن المعروف أن سكان المدن من أقل القطاعات البشرية خصوبة. جـ) كان اليهود، حتى عشية الحرب العالمية الثانية، جماعة بشرية مهاجرة، ومن المعروف أن أعضاء مثل هذه الجماعات يعزفون عن الإنجاب لعدم استقرارهم.

стр. 2211

د) كانت هناك عناصر أخرى أدَّت إلى عزوف اليهود عن الإنجاب، من بينها تحسن مستواهم المعيشي، والقلق الذي كان يعيشه أعضاء الجماعات اليهودية في الفترة بين الحربين وإبَّان الحرب العالمية الثانية، وكذلك تزايد معدلات العلمنة وبالتالي زيادة التوجه نحو اللذة وتحقيق الذات، الأمر الذي يقوض من الرغبة في إنجاب الأطفال. وبالفعل، يُلاحَظ تناقص أعداد اليهود وضمنهم يهود اليديشية. فبعد أن كانوا يتمتعون بأعلى نسبة خصوبة وتَكاثُر بين شعوب الإمبراطورية القيصرية في منتصف القرن التاسع عشر، انخفضت النسبة إلى أقل النسب على الإطلاق في عام ١٩٢٦. فبعد أن كانت ٣٥.٩ في الألف، انخفضت إلى ٢٤.٨ في الألف. وفي بولندا، انخفضت النسبة من ٢٨.٦ في الألف عام ١٩٠٠ إلى ١٢.٣ في الألف عام ١٩٢٥ في وارسو، وإلى ١١.٦ في الألف في لودز عام ١٩٢٥. أما يهود المجر، فقد انخفضت النسبة بينهم من ٣٣.٩١ في الألف في بداية القرن الحالي إلى ١٠.٥ في الألف، أي أنها انخفضت نحو ٢٣.٤ في الألف. وكانت نسبة المواليد في بروسيا (ألمانيا) ٥.٢ في الألف عام ١٩٣٥ و٢ في الألف في لندن عام ١٩٣٢. وقد حدا هذا الوضع بالكُتَّاب اليهود إلى التحذير من أن يهود أوربا قد يختفون تماماً لأن معدلات المواليد لا تعوض الوفيات. وعلى مستوى العالم، كانت النسبة ٥.٥٣ في الألف في الفترة ١٨٢٢ ـ ١٨٤٠، انخفضت إلى ١٩.٧ في الألف في الفترة ١٨٩٨ ـ ١٩٠٢، ثم إلى ٩.١ في الألف عام ١٩٢٩. كما أنها انخفضت إلى ما دون ذلك لمدة عشرين عاماً (١٩٢٩ ـ ١٩٤٩) . وكان معدل نسبة المواليد في الفترة ١٩٠٦ ـ ١٩١٠ هو ٣٢ في الألف، ونسبة الوفيات ١٥ في الألف، والزيادة الطبيعية هي ١٧ في الألف. ثم انخفضت إلى نحو النصف في نحو خمسة وعشرين عاماً، ففي الفترة ١٩٢٦ ـ ١٩٣٠ كانت نسبة المواليد هي ٢١ في الألف والوفيات ١٢ في الألف، والزيادة الطبيعية ٩ في الألف (انخفضت إلى ٨ في الألف عام ١٩٣٢) . ولا توجد إحصاءات عن الفترة

стр. 2212

١٩٣٥ ـ ١٩٤٩ لأنها كانت فترة الحرب، كما أنها أصبحت موضوعاً يحجم كثير من الباحثين عن الخوض فيه. ٢ ـ عوامل تؤدي إلى الاختفاء: أ) ابتداء من منتصف القرن التاسع عشر كان يتم تجنيد أعضاء الجماعات اليهودية، وهو أمر جديد كل الجدة، إذ كانوا يتمتعون بالإعفاء من الخدمة العسكرية قبل ذلك، كما سقط منهم ضحايا بأعداد كبيرة في الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية. لكن هذا العنصر لا يؤدي إلى انقاص عدد اليهود مباشرة عن طريق سقوطهم قتلى وحسب وإنما بشكل غير مباشر أيضاً عن طريق زيادة معدل العزوف عن الإنجاب. كما أن العناصر القادرة على القتال هي عادةً من الذكور في سن الخصوبة. ب) تزايد نسبة الزواج المُختلَط بدرجة عالية كانت تصل إلى أكثر من ٥٠% في بعض العواصم الأوربية. جـ) تَنصُّر أعداد كبيرة من اليهود، وهو شكل من الأشكال الحادة للاندماج. وقد تزايد المعدل عشية الحرب العالمية الثانية لأسباب عملية منها الهرب من بطش النازي. كما حصل كثير من اليهود على شهادات تعميد من الكنيسة الكاثوليكية حتى يتيسر لهم دخول أمريكا اللاتينية. وآثرت أعداد كبيرة منهم عدم الإفصاح عن هويتهم اليهودية حتى بعد زوال الخطر. د) ينطبق الشيء نفسه على مئات الألوف من الذين هاجروا إلى روسيا السوفيتية هرباً من النازي. فكثير منهم لم يفصح عن انتمائه اليهودي، خصوصاً وأن الاتحاد السوفيتي (سابقاً) كان يترك لكل شخص أن يحدد انتماءه، فلو كان الشخص يهودياً وعرَّف نفسه بأنه «روسي» أو «أوكراني» فإن الأمر متروك له. ومع تآكل الهوية اليهودية، لم يعد هناك دافع قوي لدى كثير من اليهود للإفصاح عن هويتهم. وقد أشار عالم الاجتماع اليهودي لوريا أنجلمان، عشية الحرب العالمية الثانية، إلى ما سماه «العملية ذات الأبعاد الثلاثة» (تناقص المواليد، وتزايد الوفيات، وتزايد معدلات الاندماج) باعتبارها العملية التي ستؤدي إلى الاختفاء الكامل لليهود.

стр. 2213

٣ ـ ظروف الحرب العالمية الثانية: لابد أن نضيف إلى كل ذلك ظروف الحرب العالمية الثانية التي صعَّدت من كل العناصر السابقة وزادتها حدة، ولابد أن نأخذ في الاعتبار انتشار الأوبئة وسوء التغذية في نفس الفترة. كما ينبغي الإشارة إلى بعض طرق الإبادة البطيئة غير أفران الغاز، مثل أعمال السخرة وعزل اليهود في الجيتو بمناطق مستقلة مزدحمة يعملون ويعيشون فيها تحت حد الكفاف، وهو ما كان يعني المزيد من الجوع والمرض. ويُقال إن نحو ثلث سكان جيتو وارسو قضوا نحبهم بهذه الطريقة، وإنه كان من المتوقع لهم جميعاً أن يُبادوا تماماً خلال عدة أعوام. (وهذا العنصر هو ولا شك عملية إبادة، إذ لا يهم أن يموت الضحية بأفران الغاز أو عن طريق التجويع. ولكننا نذكر هذا العنصر أيضاً حتى تكتمل الصورة لدينا) . كما هلك الآلاف بسبب حالة الحرب ابتداءً من عدم توفر الرعاية الصحية، وانتهاءً بالغارات على المدن، مروراً بأحكام الإعدام التي كان النازيون يصدرونها على اليهود وغيرهم. وإذا أخذنا في الاعتبار كل هذه العناصر يصبح من الصعب أن نعزو اختفاء الستة ملايين يهودي (أو حتى الأربعة ملايين حسب بعض الإحصاءات) إلى أفران الغاز وحدها أو عمليات الإبادة كتصفية جسدية متعمدة فحسب. إشكالية ملاحقة مجرمي الحرب النازيين The Problematic of Hunting down Nazi War Criminals

стр. 2214

تقوم إسرائيل بتعقب مجرمي الحرب النازيين بروح انتقامية مفترسة لا يمكن أن توصف إلا بالتطرف، خصوصاً أن الحرب انتهت منذ حوالي خمسين عاماً، أي أن الغالبية الساحقة للشعب الألماني كانوا أطفالاً أثناء الحرب أو لم يكونوا قد وُلدوا بعد. كما أن المحاكمات التي أجراها الحلفاء، والتي تمت بمنهجية وشمولية كاملتين، عاقبت الغالبية الساحقة من مجرمي الحرب النازيين والمتعاونين مع النظام النازي. ومع هذا تستمر عمليات الملاحقة والمحاكمة (كما حدث مع أدولف أيخمان وكلاوس باربي وكورت فالدهايم وجون ديمانجوك) . وتهدف المطاردة المستمرة لمجرمي الحرب النازيين إلى تعميق الإحساس الغربي بالذنب تجاه اليهود وتذكير الشعب الألماني، والشعوب التي قاتلت إلى جانب ألمانيا، بمسئوليتها عن هذه الإبادة وإظهار الإبادة كما لو كانت موجهة ضد اليهود وحسب، وتوظيف هذا الشعور في إضفاء شرعية على الوجود الصهيوني في فلسطين. كما تأتي في سياق السعي إلى تعميق إحساس أعضاء الجماعات اليهودية بهويتهم اليهودية وبالمصير اليهودي المشترك، خصوصاً مع تزايد معدلات الاندماج وتآكل الجانب الديني للهوية اليهودية بين أعضاء الجماعات اليهودية في الدول الأوربية والغربية الحديثة. ومن هنا تأتي ضرورة إحياء ذكرى الإبادة بصفة مستمرة عن طريق عمليات المطاردة للنازيين القدامى وتقديمهم إلى المحاكمة في ظل متابعة إعلامية كثيفة. بالإضافة إلى أن التذكير والتلويح بخطر الإبادة قد يدفع أعضاء الجماعات اليهودية إلى الهجرة إلى إسرائيل.

стр. 2215

وقد نجحت إسرائيل عام ١٩٧٩ في إلغاء مبدأ تقادم جرائم مجرمي الحرب في ألمانيا الغربية، ولكنها اعتقلت آلافاً منهم مع أن نسبة إدانتهم في النهاية كانت تتراوح بين تسعة في المائة عام ١٩٦٤ وواحد ونصف في المائة عام ١٩٧٦. ففي عام ١٩٧٢، مثلاً، اعتُقل ستة عشر شخصاً بشبهة أنهم مارتن بورمان (نائب هتلر) ، ثم ثبتت براءتهم جميعاً. وتحت الضغط اليومي المكثف، أنشأت وزارة العدل الأمريكية عام ١٩٨٠ مكتباً للتحقيق مع مئات الأمريكيين من مجرمي الحرب، ولكنها لم تُوفَّق كثيراً في التوصل إليهم. وفي كندا، صرح كثير من الصهاينة بوجود ما لا يقل عن ستة آلاف من مجرمي الحرب، فأُسِّست في أوائل عام ١٩٨٥ لجنة للبحث عن مجرمي الحرب (لجنة ديشين Deschênes Commission) وقُدِّم لها ٢١١٤ اسماً. كما قدَّم سيمون ويزنتال، المتخصص في تعقب مجرمي الحرب، قائمة من ٢١٧ اسماً زعم أنهم أعضاء في فرق الإس. إس. من أوكرانيا وعملوا في جاليشيا. وقد استغرق عمل اللجنة سنتين ثم قدمت تقريرها في ديسمبر ١٩٨٦، وتبين أن هناك عشرين اسماً فقط، من بين ٢١١٤ اسماً، أوصت اللجنة إما بمحاكمتهم أو بترحيلهم. أما قائمة ويزنتال، فقد ظهر أن ١٨٧ منهم لم يدخلوا كندا قط. ومن الثلاثين الباقين، حضر اثنان بالفعل إلى كندا ثم غادراها، ومات أحد عشر شخصاً، بينما كان هناك ستة عشر شخصاً لم يثبت أي شيء ضدهم. أما المتهم الوحيد الباقي، فلم يمكن الاستدلال عليه. وقد طلبت اللجنة من ويزنتال أن يزودها بمزيد من الأسماء، ولكنه لم يتمكن من ذلك. وهو أمر متوقع بعد أن قام الحلفاء بعملية «نزع الصبغة النازية عن ألمانيا» .

стр. 2216

وقد بدأ كثيرون يُعبِّرون عن ضيقهم من عملية الملاحقة. فقد ذكرت صحيفة التايمز البريطانية في عام ١٩٧٢ أن ثمة دلائل متزايدة على أن الرأي العام صار ضد تعقب الشيوخ بدعوى أنهم مجرمون نازيون. وأشارت جريدة ديلي تلغراف البريطانية إلى أن حراس السجون والكثير من الناس في ألمانيا نفسها يتساءلون عن الحكمة في استمرار محاكمات جرائم النازية بعد مرور كل هذه السنوات على انتهاء الحرب. وعندما زار الكاتب الألماني جونتر جراس إسرائيل عام ١٩٧١ صارح شعبها بأنه لا يحب عقلية التوراة التي تقول إن على الجيلين الثاني والثالث أن يحملا وزر جيل سبقهما. وتُعدُّ محاكمة أيخمان وكلاوس باربي وديمانجوك وحادثة فالدهايم نموذجاً لعمليات الملاحقة التي تقوم بها إسرائيل، بكل ما تنطوي عليه من دلالات. محاكمة أيخمان Eichmann Trial

стр. 2217

أدولف أتو أيخمان (١٩٠٦ ـ ١٩٦٢) مسئول نازي وضابط في فرق العاصفة، ومن أهم الشخصيات في عملية الإبادة النازية ليهود أوربا. وُلد في ألمانيا لأسرة متواضعة هاجرت إلى النمسا حيث تلقى تعليمه. عمل بائعاً متجولاً ممثلاً لشركة سوكوني فاكوم من عام ١٩٢٨ وحتى ١٩٣٣. انضم أيخمان للحزب النازي في عام ١٩٣٢، وبدأ منذ عام ١٩٣٤ يعمل في قسم اليهود بالمخابرات الألمانية، حيث أُرسل إلى فلسطين بدعوة من المستوطنين الصهاينة ليدرس التجربة الصهيونية هناك. فبدأ يدرس اليديشية والعبرية والعقيدة اليهودية، وبحلول عام ١٩٣٨ أصبح حجة في مسألة التنظيمات الصهيونية والهجرة اليهودية، فأرسله النظام النازي إلى النمسا ليساعد في عملية تهجير أعضاء الجماعة اليهودية. وقد أظهر أيخمان كفاءة غير عادية إذ استخدم أسلوب خطوط التجميع، المستخدم في المصانع، لتسهيل العمل. وبعد عودته إلى برلين عام ١٩٣٩، عُيِّن مديراً لمركز الرايخ للهجرة اليهودية، ثم عُيِّن فيما بعد رئيساً لقسم الشئون اليهودية في الجستابو حيث قام بالإشراف على عملية نقل اليهود إلى معسكرات الاعتقال. قُبض على أيخمان بعد الحرب، ولكن لم تُكتشف هويته الحقيقية، ففر إلى الأرجنتين عام ١٩٤٥ واختبأ فيها إلى أن عثر عليه عملاء المخابرات الإسرائيلية عام ١٩٦٠. وساهم في عملية اكتشاف شخصية أيخمان في الأرجنتين المدعي العام في ألمانيا الغربية، الذي وضع المعلومات التي حصل عليها تحت تصرف المخابرات الإسرائيلية، فأوفدت إسرائيل مجموعة من رجال مخابراتها إلى بيونس أيريس حيث تحققت من شخصية أيخمان، وتم اختطافه ونقله بعد عشرة أيام مخدَّراً متخفياً في زي مضيف جوي على متن طائرة إسرائيلية كانت قد جاءت إلى الأرجنتين تحت ستار نقل وفد إسرائيلي رسمي للاشتراك في احتفال الأرجنتين بالذكرى المائة والخمسين لاستقلالها.

стр. 2218

وبدأت محاكمة أيخمان في ١١ أبريل عام ١٩٦١ بالقدس المحتلة، حيث وجه إليه المدعي العام الإسرائيلي جدعون هاوزنر تهمة المشاركة في إبادة يهود أوربا، وتولى الدكتور روبرت سرفاتيوس، الذي تخصص في الدفاع عن مجرمي الحرب النازيين، مهمة الدفاع عن أيخمان. ولم يُنكر أيخمان أو محاميه أياً من الاتهامات الموجهة إليه، ولكنهما ركزا دفاعهما أساساً على أن أيخمان لم يكن سوى موظف في مؤسسة حديثة ضخمة يقوم بتنفيذ الأوامر التي يصدرها إليه رؤساؤه كما كان يُفترض فيه أن يفعل، ولذا فهو مجرد بيروقراطي منفذ للإجراءات دون أن يسأل عن الأهداف، وبالتالي يجب أن يُحاكم على مدى كفاءته أو عدم كفاءته في تنفيذ الأوامر لا على مدى تقييمه الأخلاقي لهذه الأهداف، أي أن أيخمان طالب بأن يُنظر إليه باعتباره إنساناً حديثاً أداتياً يهتم بالإجراءات ويدين بالولاء للمؤسسة التي يعمل فيها ولا يكترث بالقضايا الأخلاقية النهائية. ولكن المحكمة رفضت دفعه، وحكمت عليه بالإعدام. وكان بن جوريون، رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، يهدف من وراء المحاكمة إلى زيادة الوعي اليهودي بين أعضاء التجمع الاستيطاني وأعضاء الجماعات اليهودية في العالم عن طريق تعميق الإحساس بأنهم الضحية الوحيدة وأن الآخرين أو الأغيار (ممثلين في النازيين) لا تأخذهم الرحمة باليهود. ومع هذا، فجرت المحاكمة عدة قضايا لم يكن من أعدوا لها قد انتبهوا إليها: ١ ـ بيَّن أيخمان أن الرؤية الصهيونية لليهود لا تختلف كثيراً عن رؤيته هو، فكلاهما يؤمن بضرورة تهجير اليهود باعتبارهم شعباً عضوياً منبوذاً إلى أرض خاصة بهم، كما أشار أيخمان إلى أن المسئولين طلبوا منه، عند تعيينه في وظيفته، أن يقرأ كتاب هرتزل دولة اليهود، وأنه تأثر به أيما تأثر، وأنه، في هذا، لا يختلف كثيراً عن الزعماء النازيين الذين تأثروا بالفكر الصهيوني وخصوصاً بوبر.

стр. 2219

٢ ـ أشار أيخمان إلى التعاون بين السلطات النازية والصهاينة، خصوصاً رودولف كاستنر وجويل براند، وأوضح أنه كانت هناك صفقة هُجِّر بموجبها بضعة يهود «من خيرة العناصر البيولوجية» إلى المستوطَن الصهيوني. كما أُرسلت كميات من البضائع إلى هناك في نظير أن تضمن القيادات الصهيونية هدوء اليهود المرحلين إلى معسكرات الاعتقال. ٣ ـ أثار سلوك الضحايا اليهود كثيراً من الدهشة، حيث لاقوا حتفهم دون مقاومة، ولعلهم لو قاوموا لعطلوا آلة الحرب النازية التي كانت مرهَقة. وقد نظر الجيل الجديد من أبناء المستوطن الصهيوني إلى سلوكهم هذا باعتباره سلوكاً نموذجياً ليهودي الجيتو الضعيف (مقابل العبراني الجديد القوي) ، وبالتالي نجم عن المحاكمة مزيد من الرفض ليهود العالم. ٤ ـ أثناء تقديمه لعريضة الاتهام، بيَّن المدعي العام الإسرائيلي أن الشعب اليهودي تعرض للاضطهاد والطرد والملاحقة في كل البلاد عبر التاريخ. وهنا تلقف محامي الدفاع هذه الأطروحة وتساءل: ما هي طبيعة هذا الشعب الذي يجد نفسه عُرضة للطرد والملاحقة أينما كان؟ ألا يوجد احتمال أن يكون هذا الشعب مسئولاً عما يلحق به من أذى، وأنه شعب مستفز يضطر كل الشعوب في كل زمان ومكان لطرده وملاحقته؟ وقد أُصيب الحاضرون بالذهول من تساؤلات محامي الدفاع. كما أثارت المحاكمة قضايا أخرى مختلفة مثل دور المجالس اليهودية التي شكلها النازيون وعينوا فيها يهوداً، فكانوا أداة تنفيذية في يد النازي، بالإضافة إلى أسئلة أخرى حول دور كثير من الحاخامات الذين لم يشاركوا في تنظيم حركة المقاومة. وقد كانت المحاكمة محط اهتمام دولي، وخصوصاً أن الدولة الصهيونية انتهكت القانون الدولي وسيادة عدة دول (الأرجنتين وألمانيا) باختطاف أيخمان الذي حُكم عليه بالإعدام، ثم أُعدم شنقاً في سجن الرملة وأُحرقت جثته ونُثر رمادها في البحر الأبيض المتوسط. محاكمة كلاوس باربي Klaus Barbie Trial

стр. 2220

كلاوس باربي، الذي أُطلق عليه لقب «سفاح ليون» ، هو أحد ضباط الجستابو (البوليس السري الألماني) . وأُدين بارتكاب جرائم الحرب في فرنسا إبَّان الحرب العالمية الثانية. وكان باربي قد تولى عام ١٩٤٢ قيادة قوات الجستابو في مدينة ليون الفرنسية، كما تولى مهمة تعقب عناصر المقاومة الفرنسية والتصدي لنشاطها. وخلال فترة عمله التي استمرت عامين، قام باربي بترحيل ٨٤٢ شخصاً من ليون إلى معسكرات الاعتقال النازية، كان نصفهم من عناصر المقاومة والنصف الآخر من اليهود. كما أُدين كلاوس باربي بارتكاب عمليات التعذيب والمذابح ضد عناصر المقاومة والمدنيين في ليون والمناطق المحيطة بها. ورغم ذلك، قامت الاستخبارات المضادة التابعة للجيش الأمريكي المتمركز في ألمانيا بتجنيد باربي للعمل لصالحها عام ١٩٤٧، فتحول باربي إلى مصدر مهم وقيم للمعلومات (خصوصاً فيما يتعلق بالعناصر اليسارية والشيوعية) ، وهو ما دفع المسئولين الأمريكيين إلى عدم الاستجابة للمطالب الفرنسية بتسليمه للسلطات الفرنسية. بل قاموا بتهريبه إلى بوليفيا عام ١٩٥١ حيث عاش تحت اسم مستعار هو كلاوس التمان. وقد قُدِّم باربي للمحاكمة غيابياً في فرنسا في ١٩٥٢ ـ ١٩٥٤ حيث أدين بارتكاب المذابح والفظائع وصدر ضده حكم بالإعدام. وفي عام ١٩٧١، نجح فرنسيان من جماعة صائدي النازيين من العثور عليه. وأثمرت مساعي فرنسا عن طرده من بوليفيا عام ١٩٨٣، ثم تقديمه للمحاكمة في فرنسا عام ١٩٨٧ بتهمتين لم يتم توجيههما إليه من قبل، وصدر ضده حكم بالسجن مدى الحياة.

стр. 2221

غير أن محاكمته أثارت اهتماماً واسعاً داخل فرنسا وخارجها، حيث تخوَّف بعض أعضاء الجماعة اليهودية من أن ذلك قد يثير المشاعر المعادية لهم أو قد تتحول المحاكمة إلى منبر لنفي الإبادة النازية. ومن ناحية أخرى، انتقد بعض الفرنسيين المحاكمة باعتبار أن الأعمال التي ارتكبها باربي لا تختلف كثيراً عما ارتكتبه قوات الحلفاء حين قتلت المدنيين العزل أثناء قصفها للمدن الألمانية. حادثة فالدهايم Waldheim Affair أثناء حملته الانتخابية لرئاسة النمسا عام ١٩٨٦، أُثيرت ضد كورت فالدهايم (الأمين العام السابق للأمم المتحدة) قضية ما يُسمَّى «ماضيه النازي» . وقد تزَّعم الحملة ضده المؤتمر اليهودي العالمي الذي اتهم فالدهايم بإخفاء جوانب من ماضيه أثناء الحرب العالمية الثانية وبالكذب حين ادعى عدم ارتباطه بالنازي بأي شكل من الأشكال، مؤكداً أنه كان عضواً في اتحاد الطلبة النازي، وأنه التحق (على حد زعم المؤتمر) بإحدى وحدات قوات العاصفة، بل أُلحق في نهاية عام ١٩٤٢ بالقوات الألمانية في سالونيكا والتي تولَّت ترحيل اليهود من اليونان إلى معسكرات الاعتقال وقامت بعمليات عسكرية وحشية ضد المقاومة اليوغسلافية ومؤيديها من المدنيين. وفي إطار حملته المكثفة ضد فالدهايم، كشف المؤتمر اليهودي العالمي النقاب عن بعض الوثائق التي ادعى أنها تؤكد إدانة فالدهايم ومن أهمها ملف «أودلو كانمر» (أو القرار) اليوغسلافي الذي ضم قائمة بأسماء الأشخاص الذين كانت السلطات اليوغسلافية تشتبه في تورطهم في ارتكاب جرائم الحرب وكان من بينها اسم فالدهايم. واستناداً إلى هذا الملف، تم ضم اسم فالدهايم إلى ملف لجنة الامم المتحدة لجرائم الحرب. كما قام المؤتمر بإسناد مهمة البحث في ماضي فالدهايم إلى عَالم في التاريخ أشارت نتائج بحثه إلى أن فالدهايم عمل ضابطاً في قسم الاستخبارات العسكرية للجيش المتمركز في غرب البوسنة والذي كانت قواته مسئولة عن ارتكاب المذابح ضد

стр. 2222

آلاف اليوغسلاف في جبال كوزارا عام ١٩٤٢، وأن فالدهايم حصل على نوط الشجاعة من الحكومة الكرواتية الموالية لألمانيا في هذه الفترة. وفي ضوء هذه النتائج، حث المؤتمر اليهودي العالمي الحكومة الأمريكية على وضع كورت فالدهايم على قائمة الأجانب غير المرغوب في دخولهم إلى الولايات المتحدة. وقد أقدمت الحكومة الأمريكية على ذلك بالفعل في أبريل عام ١٩٨٧. ورغم هذه الحملة الإعلامية المكثفة نجح فالدهايم في انتخابات الرئاسة النمساوية، ولكن هذه القضية تركت أثارها على مكانته الدولية حيث رفض كثير من قادة أوربا والولايات المتحدة الالتقاء به أو حتى زيارة النمسا أثناء توليه رئاسة البلاد. وقد نفى فالدهايم مراراً الاتهامات التي وُجِّهت إليه ونفى اشتراكه في عمليات ترحيل لليهود أو في مذابح ضد المقاومة اليوغسلافية واعتبر هذه الاتهامات جزءاً من حملة تشهير وافتراء دولية بدأتها المعارضة النمساوية وتزعمها المؤتمر اليهودي العالمي والصحافة الدولية، وأكد أن ماضيه قد بُحث بشكل واف من قبَل الأجهزة الأمنية النمساوية قبل توليه العمل في السلك الدبلوماسي النمساوي وأيضاً من قبَل أجهزة المخابرات الأمريكية (سي. آي. آيه) والسوفيتية (كي. جي. بي) والإسرائيلية (الموساد) عند ترشيحه لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، ولم تجد أي منها ما يدينه. ولم يتم أبداً إثبات أيٍّ من الاتهامات الموجَّهة ضد فالدهايم، بل تبيَّن فيما بعد أن ملف أودلو كانمر (أهم وثيقة في القضية) تحيط به الشكوك. وقد قامت ثلاث جهات نمساوية وبريطانية ودولية مستقلة بالتحري والبحث في هذه الاتهامات ولم تجد أيٌّ منها ما يدين فالدهايم بأي عمل إجرامي أو يؤكد تورطه فيما نُسب إليه. وقد ساعد ذلك على فك العزلة المضروبة من حوله إلى حدٍّ ما، فالتقى به البابا عام ١٩٨٧ ثم رئيسا ألمانيا وتشيكوسلوفاكيا عام ١٩٩٠، كما رحَّبت به عدد من الدول العربية.

стр. 2223

ومن ناحية أخرى، كانت هذه القضية محاولة ناجحة إلى حدٍّ كبير للنيل من سمعة كورت فالدهايم التي شهدت الأمم المتحدة خلال فترة توليه منصب الأمين العام (١٩٧١ - ١٩٨٢) دعوة ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، ولأول مرة، لإلقاء كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكذلك صدور قرار يعتبر الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية. محاكمة ديمانجوك Demanjuk Trial جون ديمانجوك مواطن أمريكي من أصل أوكراني اتُهم بارتكاب جرائم حرب إبَّان الحرب العالمية الثانية. وأشارت الاتهامات والادعاءات الموجَّهة إليه، إلى أنه كان يقاتل في صفوف الجيش السوفيتي حينما وقع في أسر الألمان ورُحِّل إلى أحد معسكرات أسرى الحرب. وأثناء ذلك، وافق ديمانجوك على الانضمام إلى إحدى الوحدات العسكرية المشكلة من الأجانب والعاملة في خدمة قوات الإس. إس. الألمانية. وقد تدرب أولاً في أعمال الحراسة ثم نُقل إلى معسكر تربلينكا حيث أشرف على غرف الغاز وأُطلق عليه لقب «إيفان الرهيب» بسبب قسوته البالغة، وظل في المعسكر حتى إغلاقه عام ١٩٤٣. ومع انتهاء الحرب، انتقل ديمانجوك إلى الولايات المتحدة حيث عاش حياة هادئة إلى أن علمت السلطات الأمريكية بماضيه، فقامت بتجريده من جنسيته الأمريكية. وفي عام ١٩٨٦، تم ترحيله إلى إسرائيل حيث قُدِّم للمحاكمة عام ١٩٨٧ بعد أن وُجِّهت إليه اتهامات بالقتل وارتكاب جرائم ضد الإنسانية وارتكاب جرائم ضد الشعب اليهودي. وقد أكد الدفاع أن هناك خطأً ولبساً في شخصية المتهم، فجون ديمانجوك ليس هو «إيفان الرهيب» ، كما شكك الدفاع في الأدلة المقدمة ضده وفي قدرة الشهود على تذكر أحداث جرت منذ أكثر من ٥٤ عاماً. ورغم ذلك، أُدين ديمانجوك بالتهم الموجهة إليه وحُكم عليه بالإعدام عام ١٩٨٨.

стр. 2224

وبطبيعة الحال، حاولت المؤسسة الصهيونية استثمار عملية المحاكمة نفسها، بغض النظر عن نتائجها، في تحقيق أهدافها الخاصة برفع ما يُسمَّى «الوعي اليهودي» بين الأجيال الجديدة من أعضاء الجماعات اليهودية. كما حاولت تذكير العالم (الغربي) بالجرم النازي ضد اليهود، وذلك في محاولة للتغطية على القمع الإرهابي الذي تمارسه إسرائيل للقضاء على الانتفاضة الفلسطينية. ولكن محاكمة ديمانجوك تبين أن هذه العملية تقترب من نهايتها. فقد اعترف بعض المسئولين الأمريكيين (في مكتب التحقيقيات التابع لوزارة العدل الأمريكية) بجرمهم في إخفاء الأوراق التي تثبت أن ديمانجوك ليس إيفان الرهيب. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي وفتح كثير من الملفات السرية، ظهرت دلائل جديدة تؤكد أن ديمانجوك ليس هو إيفان الرهيب وأنه عمل حارساً في معسكر آخر غير تربلينكا. وكتبت النيويورك تايمز تقول إنه لابد من الإفراج عنه لعدم توافر أية أدلة، ونبه باتريك بوكانان عن الحزب الجمهوري) إلى أن السلطات الإسرائيلية تماطل في إصدار الحكم ببراءة ديمانجوك على أمل أن يموت في السجن ولا تضطر إسرائيل إلى الاعتراف بخطئها. بل إن الصحف الإسرائيلية ذاتها بدأت تنبه إلى أن الاستمرار في مثل هذه المحاكمات قد يؤدي إلى نتائج عكسية. ولعل حكم البراءة الذي اضطرت المحكمة الإسرائيلية العليا إلى إصداره في عام ١٩٩٣ هو نهاية هذه المهزلة. وقد عاد ديمانجوك فيما بعد إلى الولايات المتحدة. سيمون وزنتال (١٩٠٨?-) Simon Wiesenthal يهودي من أصل تشيكي تخصص في مطاردة مجرمي الحرب النازيين. وُلد وتعلم في تشيكوسلوفاكيا حيث حصل على شهادة في العمارة عام ١٩٤٠.

стр. 2225

اعتقله النازيون في الفترة ١٩٤١ - ١٩٤٥. وبعد الحرب، انضم ويزنتال إلى اللجنة الأمريكية لجرائم الحرب. وأسس عام ١٩٤٦، هو وآخرون، مركز التوثيق التاريخي اليهودي الذي يوجد الآن في فيينا بالنمسا. وقد نجح ويزنتال في المساعدة على القبض على ١١٠٠ مجرم نازي من بينهم أيخمان. وقد نشر ويزنتال مقالاً في التورنتوستار (١٩ مايو ١٩٧١) زعم فيه أن «عدة مئات» من مجرمي الحرب النازيين يعيشون في كندا. وحينما شُكِّلت لجنة للتحقيق لم يُقدَّم سوى ٢١٧ اسماً، ولكن ثبت أن غالبيتهم الساحقة (١٨٧ اسماً) لم يدخلوا كندا قط، والباقون إما ماتوا أو غادروا كندا أو لم يمكن العثور على أي دليل على تورطهم في جرائم الحرب، وقد أثر هذا كثيراً في مصداقيته. بعض التغيرات التي طرأت على الخطاب الغربي فيما يتصل بالإبادة النازية ليهود أوربا Some Developments of the Western Discourse on the Nazi Extermination of European Jewry رغم كل الهستريا الإعلامية الصهيونية وغير الصهيونية ضد أية محاولة لتناول ظاهرة الإبادة بعقلانية واتزان، يمكن أن نلاحظ تغيرات هامة بدأت تدخل على الخطاب الغربي فيما يتصل بالإبادة النازية: ١ ـ بدأت محاولات إسرائيل في استخدام الإبادة لتبرير استمرارها في ارتكاب الجرائم ضد الفلسطينيين تصبح أمراً ممجوجاً، وبدأ بعض المفكرين اليهود وغير اليهود يُعبِّرون عن رفضهم لمثل هذا المنطق الابتزازي. كما بدأ كثير من يهود العالم يضيقون ذرعاً بجعل الإبادة هي النقطة المرجعية النهائية في رؤيتهم للكون والأغيار.

стр. 2226

٢ ـ بدأ الخطاب السياسي في الغرب وفي إسرائيل يرفض التابو (التحريم) الذي يمنع تشبيه الإبادة النازية ليهود الغرب بأحداث مماثلة في التاريخ الماضي والوقت الحاضر. وقد تجرأ عدة متحدثين غربيين (من بينهم يهود) على تشبيه ما يحدث للفلسطينيين على يد الإسرائيليين بما حدث لليهود في أوربا على يد النازيين. فعلى سبيل المثال، صرح الكاتب الإسرائيلي يهوشاوا بأنه يفهم الآن سبب جهل الألمان بما حدث لليهود بعد أن رأى الإسرائيليين يرفضون معرفة ما يحدث للفلسطينيين. ويشير اليهود السفارد والشرقيون إلى اليهود الغربيين بأنهم «إشكي نازي» وهو نوع من التلاعب بالألفاظ يشير إلى أن ما كان محرماً أصبح مباحاً. ووصف البروفسير لايبوفيتز سياسة إسرائيل في لبنان بأنها نازية يهودية (بالإنجليزية: جوديو/نازي Judeo-Nazi) . ٣ ـ نعتقد أن الأمور بعد توحيد ألمانيا وتحوُّلها إلى قوة عظمى ستتغيَّر كثيراً، وسيُنظَر إلى حادثة الإبادة النازية ليهود أوربا نظرة أكثر تفسيرية وتركيباً واتزاناً. كما أن كثيراً من الوثائق الألمانية والسوفيتية التي لم تُنشَر بعد ستجد طريقها إلى النشر. ولعل هذا يوفر جواً علمياً أكثر استقراراً وطمأنينة، بعيداً عن هستريا الأيقنة الكاملة للإبادة لصالح اليهود، وعن هستريا الإنكار الكامل لها (بالمعنى العام، أي الإبادة عن طريق التجويع والسخرة؛ والمعنى الخاص، أي التصفية الجسدية) .

стр. 2227

الباب السادس: إشكالية التعاون بين أعضاء الجماعات اليهودية والنازيين التعاون بين بعض أعضاء الجماعات اليهودية والنازيين Collaboration between Some Members of the Jewish Communities and the Nazis من الموضوعات التي لم يتم بحثها بالقدر الكافي، لأسباب معروفة، قضية تورُّط بعض أعضاء الجماعات اليهودية (من الصهاينة وغير الصهاينة) في علاقة تعاون وثيقة مع النازيين. وقد أخذ هذا التعاون أشكالاً كثيرة من بينها عدم الاشتراك في المقاومة أو التعاون الاقتصادي والثقافي مع النازيين. ولكن أهم أشكال التعاون وأوثقها هو التعاون المؤسَّسي بين المستوطنين الصهاينة والنظام النازي والنظام الفاشي الذي أخذ شكل معاهدة الهعفراه. ومن أهم الشخصيات الصهيونية التي تعاونت مع النازي ألفريد نوسيج. مقاومة الجماعات اليهودية للنازية Jewish Resistance to Nazism يُثير بعض الدارسين تساؤلاً بخصوص المقاومة اليهودية والصهيونية للنازيين، وهي مسألة خلافية مركبة. ومما يجدر ذكره أنه حين استولى هتلر على السلطة عام ١٩٣٣، ظلت هناك جيوب رافضة داخل المجتمع الألماني صعَّدت المقاومة ضده من منظور ليبرالي. كما كانت هناك حركة مقاومة ثورية نظمتها الأحزاب الشيوعية والاشتراكية، فالنازية حركة شمولية تقف ضد مصلحة الطبقة العاملة. كما كانت هناك مقاومة من منظور يميني تدعمها قطاعات معينة من الرأسمالية الألمانية الكبيرة. وكانت هناك أيضاً مقاومة من منظور تقليدي أرستقراطي باعتبار أن النازية تقضي على امتيازات الطبقة الأرستقراطية الألمانية التقليدية ومكانتها. إذ كانت النازية، على مستوى من المستويات، عملية تحديث سريعة وراديكالية تمت تحت إشراف عناصر من البورجوازية الصغيرة لا تحترم التقاليد وتقضي على سائر الخصوصيات وتحاول أن تنجز في عشرة أعوام ما أنجزته أوربا في مئات الأعوام. وقد تمركزت المقاومة التقليدية في الجيش ووزارة الخارجية، وكانا يضمان أعداداً كبيرة من أعضاء الطبقة الأرستقراطية. وبالمثل قام البولنديون بحركة مقاومة عنيفة ضد النازيين، هذا بخلاف حركات المقاومة في فرنسا وغيرها من الدول.

стр. 2228

وقد بيَّن كثير من الكُتَّاب أنه لم تنشأ أية مقاومة يهودية في أرجاء أوربا، مع أن مثل هذه المقاومة كان بوسعها أن تصيب آلة الإبادة النازية بالشلل أو تحد من سرعتها أو تعطلها، خصوصاً أنها كانت مرهَقَة. ولم تبدأ المقاومة اليهودية جدياً في وارسو، التي كان ٤٥ في المائة من سكانها من اليهود، إلا في أوائل عام ١٩٤٣، عندما بدأت موازين القوى تميل لصالح الحلفاء وحين قررت برلين تدمير حارة اليهود، وكان الوقت قد فات على إنقاذ نزلاء المعسكرات. ومن الأسباب الأساسية التي يطرحها البعض لتفسير ضعف المقاومة اليهودية رغم الشراسة النازية هو الموقف الصهيوني، إذ يبدو أن الصهاينة لم يبدوا حماساً كبيراً في حربهم ضد النازية، وكانوا غير مكترثين بالمقاومة ضد النازيين. وفي مجال هجومه على المشروع الصهيوني، حذر المفكر الاشتراكي كارل كاوتسكي من الآثار الضارة للصهيونية التي توجه جهود اليهود وثرواتهم إلى الاتجاه الخاطئ (الاستيطان في فلسطين) في وقت تتقرر فيه مصائرهم في مسرح مختلف تماماً (أوربا وألمانيا) حيث يجب عليهم أن يركزوا فيه كل قواهم. وكان كاوتسكي يشير بذلك إلى أن ملايين اليهود في شرق أوربا (بين ثمانية وعشرة ملايين) لم يكن من الممكن تهجيرهم إلى فلسطين. وبدلاً من تنظيمهم وتوجيه طاقاتهم، حتى يكونوا مهيئين للدفاع عن أنفسهم حينما تقع الواقعة، كانت القيادات الصهيونية تركز على تهجير بضع مئات منهم إلى أرض الميعاد.

стр. 2229

ولكن الاعتبارات الصهيونية كانت مختلفة تمام الاختلاف عن ذلك، إذ قرر الصهاينة اتخاذ موقف الحياد من المقاومة، باعتبار أن اليهود لهم مصالحهم وحروبهم المختلفة، وأن هدفهم الوحيد هو تأسيس الدولة الصهيونية. ولذا نادى كثير من الصهاينة بعدم الاشتراك في الحركات المعادية للنازية والفاشية. وقد بيَّن ماريك إيديلمان، أحد قواد تمرد جيتو وارسو، في حديث له مع مجلة هآرتس أن الأبطال الحقيقيين للمقاومة كانوا أعضاء حزب البوند واليهود المعادين للصهيونية والشيوعيين والتروتسكيين والصهاينة اليساريين، أما أعضاء التيار الصهيوني الأساسي فكان موقفهم هو موقف الحياد إياه. وكلما كان النضال ضد النازية يزداد ضراوة، كان الصهاينة يزدادون ابتعاداً عن بقية اليهود. ومن المعروف أن القوات النازية كانت تقيم مجالس لليهود في البلاد التي تحتلها بعد حل كل التنظيمات اليهودية، ويُقال إن أغلبية أعضاء هذه المجالس كانوا من الصهاينة (وإن كان هذا يحتاج إلى مزيد من التمحيص) . ومن الثابت تاريخياً أن المجالس اليهودية كانت أداة ذات كفاءة عالية في إدارة عملية الإبادة. وقد تعاون كثير من الأفراد اليهود (غير الصهاينة) مع النازيين، وهم في هذا لا يختلفون عن مئات الأوربيين الآخرين الذين كانوا مجرد موظفين ينفذون الأوامر التي تَصدُر إليهم. كما لم يكترث يهود فرنسا بنقل اليهود الذين ليسوا من أصل فرنسي، تماماً مثلما أظهر يهود ألمانيا عدم اكتراث بنقل اليهود الأوست يودين (أي يهود شرق أوربا) . بل إن بعض الكُتَّاب اليهود أثاروا قضية دور الحاخامات في أوربا وفشلهم في قيادة حركة المقاومة. ومن المعروف أن قساً كاثوليكياً وواعظاً بروتستانتياً تطوعا للذهاب مع المرحلين إلى معسكرات الاعتقال، بينما لم تلعب الحاخامية دوراً مماثلاً.

стр. 2230

والموضوع، كما أسلفنا، خلافي للغاية، فثمة نظرية تذهب إلى أن المقاومة لم تكن على أية حال لتجدي فتيلاً، وذلك لأن الأغلبية الساحقة من الشعب الألماني لم تكن تمانع في الإبادة، كما أن آلة الحرب والمخابرات والإبادة الألمانية كانت على درجة عالية من الكفاءة والقدرة على الفتك. ومن الممكن تطبيق نفس المقولة على هؤلاء الأغيار المتهمين بعدم مقاومة النازي، فلعلهم توصلوا هم أيضاً إلى عدم جدوى المقاومة. ولكن هذا القول الذي ينطبق على الجماعة اليهودية في ألمانيا لا يسري بأية حال على يهود بولندا الذين كانوا يُشكِّلون كثافة سكانية لا بأس بها، وكان بوسعهم المقاومة والانضمام إلى الشعب البولندي الذي كان يقاوم الغزو النازي. ومن القضايا الأخرى التي تُثار في هذا السياق موقف المستوطنين الصهاينة. فقد كانت إحدى دعاوى إقامة الدولة الصهيونية أنها ستكون ملجأ لليهود يحميهم من هجمات الأغيار ومذابحهم. ولكن حينما دخلت قوات روميل حدود مصر وبدأت تتقدم نحو الإسكندرية، اكتشف المستوطنون الصهاينة عبث المقاومة، بل ضعت بعض الكيبوتسات خطة للانتحار. والقدرة على الانتحار تختلف بشكل جوهري (في تصورنا) عن المقاومة والإنقاذ. ولكن ما يهمنا هنا هو الإشارة إلى أن الانتحار يفقد الجيب الصهيوني شرعيته كملجأ أخير ونهائي لليهود. ويبدو أن يهود الولايات المتحدة (الذين يُشكِّلون أكبر جماعة يهودية في العالم) لم يلعبوا دوراً فعالاً بما فيه الكفاية في محاولة حماية يهود ألمانيا. وقد حاولت إحدى المنظمات اليهودية الأمريكية، عام ١٩٨١، فتح ملف تقصير الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، ولكنها أغلقته بسرعة بدعوى أن الموضوع محرج ومؤلم، وهو كذلك بالفعل. لكن هذا لا يبرر إغلاق التحقيق، وخصوصاً أن الاتهامات الصهيونية للحكومة الأمريكية والفاتيكان والكنيسة بالتقصير لم تتوقف. الفاشية والصهيونية Fascism and Zionism

стр. 2231

من أهم الأفكار الغربية التي نبتت الصهيونية في تربتها، الأفكار السياسية الخاصة بالقومية العضوية وبالدولة القومية باعتبارها المرجعية الوحيدة والركيزة الأساسية للنسق، وهي الأفكار التي تصبح تقديساً للدولة وانصياعاً لزعيمها في الأنساق الشمولية. وقد تبنت الصهيونية كل هذه الأفكار وتحركت في إطارها، فأنشأت علاقة مع النظام الفاشي (في إيطاليا) والنظام النازي (في ألمانيا) . وقد أكد موسوليني منذ بداية حكمه أن الفاشيه لا علاقة لها بالعداء لليهود. وفي ٣٠ أكتوبر ١٩٣٠ أصدر قراراً بدمج كل التجمعات اليهودية في إيطاليا في اتحاد فاشي يمثل كل يهود إيطاليا بغير استثناء، وأصبح هذا الاتحاد إحدى الوكالات الرسمية للحكومة الفاشية. حيث نصت المادة ٣٥ من قانون تأسيس هذا الاتحاد على أن اليهود هم سفراء الفاشية للعالم، وعلى ضرورة أن يشترك اتحاد التجمعات اليهودية في إيطاليا في النشاطات الدينية والاجتماعية ليهود العالم، وأن يحتفظ بعلاقاته الدينية والثقافية معهم. وفي يناير ١٩٢٣ قام حاييم وايزمان بوصفه رئيس المنظمة الصهيونية بزيارة موسوليني، لمحاورته بشأن الصهيونية والدعم الفاشي الممكن تقديمه إلى الحركة. واكتشف الزعيم الصهيوني أن اعتراض موسوليني على الصهيونية مرده إحساسه بأن الصهيونية أداة لإضعاف الدول الإسلامية لصالح الإمبراطورية البريطانية. فرد وايزمان عليه رداً مقنعاً بيَّن له فيه أن إضعاف الدول الإسلامية سيعود أيضاً على إيطاليا بالنفع، وأضاف أن شروط حكومة الانتداب ذاتها تفتح المجال أمام إيطاليا أو أية دولة أخرى للمشاركة في تطوير هذا البلد (أي تصدير العمالة الفائضة والحصول على امتيازات تجارية، على حد قول وايزمان) ، وأن في وسع إيطاليا أن تفعل ذلك إذ اعتمدت الميزانية اللازمة. وانتهى الاجتماع بتفاهم كامل بين الطرفين، سمح موسوليني على أثره بتعيين يهودي إيطالي في الوكالة اليهودية.

стр. 2232

وحينما دُعي وايزمان مرة أخرى إلى إيطاليا في سبتمبر ١٩٢٦، عرض موسوليني أن يُقدم المساعدة للصهاينة كي يبنوا اقتصادهم، وقامت الصحافة الفاشية بنشر مقالات مؤيدة للصهاينة. كما قام ناحوم سوكولوف، باعتباره رئيس اللجنة التنفيذية في المنظمة الصهيونية، بزيارة إيطاليا عام ١٩٢٧ وصرح بأنه أدرك الطبيعة الحقة للفاشية، وأكد أن اليهود الحقيقيين لم يحاربوا قط ضدها. ولا شك في أن كلماته هذه تحمل معنى التأييد الكامل للنظام الفاشي، وقد تبعته في ذلك المنظمة الصهيونية في إيطاليا. ومن الزعماء الصهاينة الذين زاروا إيطاليا الفاشية، ناحوم جولدمان الرئيس السابق للمؤتمر اليهودي العالمي الذي استمع إلى الزعيم الإيطالي وهو يُعرب عن حماسه للمشروع الصهيوني وعن استعداده الكامل لمساندته. وقد تعلم جابوتنسكي الكثير من الفاشية الغربية، وكان يُعبِّر عن إعجابه الشديد بالدوتشي وفكره، وبالتنظيمات الشبابية الفاشية التي حاولت المنظمات الشبابية التصحيحية التشبه بها في زيها الرسمي. وكال موسوليني المديح والتقريظ لجابوتنسكي حين قال مرة للحاخام ديفيد براتو الذي أصبح فيما بعد حاخام روما: «كي تنجح الصهيونية يجب أن تحصلوا على دولة يهودية لها علم يهودي ولغة يهودية، والشخص الذي يفهم ذلك حقاً هو الفاشي جابوتنسكي» . كما نعت موسوليني نفسه ضمناً بأنه صهيوني يدافع عن فكرة الدولة اليهودية. ورغم أن جابوتنسكي لم يكن يرتاح أحياناً إلى وصفه بالفاشي، فإن موقفه بشكل عام كان موقف المؤيد للفاشية والمعجب بها. النازية والصهيونية: الأصول الفكرية المشتركة والتماثل البنيوي Nazism and Zionism (Common Intellectual Origins and Structural Parallelism)

стр. 2233

رغم الدعاية الصهيونية الشرسة وتأكيد احتكار اليهود لدور الضحية في عملية الإبادة التي قام بها النازيون ضد كثير من الشعوب والأقليات الإثنية والدينية والعرْقية، فإن ثمة علاقة وطيدة بين الصهيونية والنازية تستحق الدراسة. وقد يكون من المفيد ابتداءً أن نقرر أن النازية والصهيونية ليستا بأية حال انحرافاً عن الحضارة الغربية الحديثة بل يمثلان تيارين أساسيين فيها. ولعل أكبر دليل على أن الصهيونية جزء أصيل من الحضارة الغربية أن الغرب يحاول تعويض اليهود عما لحق بهم على يد النازيين بإنشاء الدولة الصهيونية على جثث الفلسطينيين، وكأن جريمة أوشفيتس يمكن أن تُمحَى بارتكاب جريمة دير ياسين أو مذبحة بيروت أو مذبحة قانا. وقد أنجزت الصهيونية ما أنجزت من اغتصاب للأرض وطرد وإبادة للفلسطينيين من خلال التشكيل الإمبريالي الغربي، واستخدمت كل أدواته من غزو وقمع وترحيل وتهجير. والغرب، الذي أفرز هتلر وغزواته، هو نفسه الذي نظر بإعجاب إلى الغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان وبيروت وأنحاء أخرى من العالم العربي. وهو الذي ينظر بحياد وموضوعية داروينية للجريمة التي ارتكبت والتي تُرتكب يومياً ضد الشعب الفلسطيني.

стр. 2234

ولابد أن نقرر أن الصهيونية لم تقم بعملية إبادة شاملة (بمعنى التصفية الجسدية) للفلسطينيين، إلا أن هذا يرجع إلى اعتبارات عملية عديدة لا علاقة لها بالبنية الإبادية للأيديولوجية الصهيونية، من بينها تأخر التجربة الصهيونية إلى أواخر القرن التاسع عشر، وعدم إعلان الدولة الصهيونية إلا في منتصف القرن العشرين، وهو ما جعل الإبادة مسألة عسيرة بسبب وجود المنظمات الدولية والإعلام. كما كان شأن الكثافة السكانية العربية وتماسك العرب وانتمائهم إلى تشكيل حضاري مركب ومقدرتهم على التنظيم والمقاومة والانتفاضة أن أصبحت الإبادة حلاًّ مستحيلاً (ومع هذا لابد من الإشارة إلى عمليات الإبادة الجسدية والتي تمت في صفد ودير ياسين وكفر قاسم، وغيرها من مدن وقرى في فلسطين، حيث لم تكن الممارسة الصهيونية تهدف إلى تهجير الفلسطينيين، بقدر ما كانت تهدف إلى قتلهم وإبادتهم. وبالمثل كانت عملية صابرا وشاتيلا ذات طابع إبادي واضح) . كما أن الإبادة بمعنى التهجير والتسخير والقمع والاستغلال هي حدث يومي داخل الإطار الصهيوني. إن الحضارة الغربية الحديثة هي التي أفرزت الإمبريالية والنفعية الداروينية والنازية والصهيونية، ولذا فليس من المستغرب أن نجد مجموعة من الأفكار المشتركة بين الرؤيتين النازية والصهيونية التي تُشكِّل الإطار الحاكم لكل منهما: ١ ـ القومية العضوية والتأكيد على روابط الدم والتراب، وهو ما يؤدي إلى استبعاد الآخر (الشعب العضوي المنبوذ (. ٢ ـ النظريات العرْقية. ٣ ـ تقديس الدولة. ٤ ـ النزعة الداروينية النيتشوية.

стр. 2235

كما يظهر التماثل البنيوي بين النازية والصهيونية في خطابهما. فكلاهما يستخدم مصطلحات القومية العضوية مثل «الشعب العضوي (فولك) » و «الرابطة الأزلية بين الشعب وتراثه وأرضه» و «الشعب المختار» . وقد سُئل هتلر عن سبب معاداته لليهود، فكانت إجابته قصيرة بقدر ما كانت قاسية: "لا يمكن أن يكون هناك شعبان مختاران. ونحن وحدنا شعب الإله المختار. هل هذه إجابة شافية على السؤال؟ ". ويتحدث مارتن بوبر عن أن الرابطة بين اليهود وأرضهم هي رابطة الدم والتربة، ومن ثم يطالب بضرورة العودة إلى فلسطين حيث توجد التربة التي يمكن للدم اليهودي أن يتفاعل معها ويبدع من خلالها، وهي مسألة أشار إليها كل من الكاتبين الصهيونيين ميخا بيرديشفكي وشاؤول تشرنحوفسكي، حيث تحدثا عن الشعب العضوي اليهودي بالعبارات نفسها ونسبا إليه الخصائص نفسها. كما استخدم الصهاينة مفهوم «الدم اليهودي» لتعريف الهوية اليهودية. وأثناء محاكمات نورمبرج، كان الزعماء النازيون يؤكدون، الواحد تلو الآخر، أن الموقف النازي من اليهود تمت صياغته من خلال الأدبيات الصهيونية، خصوصاً كتابات بوبر عن الدم والتربة. وقد أشار ألفريد روزنبرج، أهم المنظرين النازيين، إلى أن «بوبر على وجه الخصوص هو الذي أعلن أن اليهود يجب أن يعودوا إلى أرض آسيا، فهناك فقط يمكنهم العثور على جذور الدم اليهودي» . ولعله، بهذا، كان يشير إلى حديث بوبر عن اليهود باعتبارهم آسيويين حيث يقول «لأنهم إذا كانوا قد طُردوا من فلسطين، ففلسطين لم تُطرد منهم» .

стр. 2236

ومن الموضوعات الأساسية المشتركة فكرة النقاء العرْقي. وكان سترايخر (المُنظر النازي) يؤكد أثناء محاكمته، أنه تعلم هذه الفكرة من النبي عزرا: لقد أكدت دائماً حقيقة أن اليهود يجب أن يكونوا النموذج الذي يجب أن تحتذيه كل الأجناس، فلقد خلقوا قانوناً عنصرياً لأنفسهم، قانون موسى الذي يقول: "إذا دخلت بلداً أجنبياً فلن تتزوج من نساء أجنبيات". وكانت الأدبيات الصهيونية الخاصة بنقاء اليهود العرْقي ثرية إلى أقصى حد في أوربا حتى نهاية الثلاثينيات. ويستخدم النازيون والصهاينة على حد سواء الخطاب النيتشوي الدارويني نفسه المبني على تمجيد القوة وإسقاط القيمة الأخلاقية. إذ يستخدم الصهاينة ـ شأنهم في هذا شأن النازيين ـ مصطلحاً محايداً، فهم لا يتحدثون عن طرد الفلسطينيين وإنما عن "تهجيرهم" أو "دمجهم في المجتمعات العربية". وهم لا يتحدثون مطلقاً عن «تفتيت العالم العربي» وإنما عن "المنطقة"، ولا يتحدثون عن «الاستيلاء» على القدس وإنما عن "توحيدها" ولا عن الاستيلاء على فلسطين أو «احتلالها» وإنما عن "استقلال" إسرائيل أو عن "عودة الشعب اليهودي" إلى أرض أجداده.

стр. 2237

ويتضح التطابق بين النازيين والصهاينة بكل جلاء في واحد من أهم التنظيمات النازية. فقد كان النازيون ـ شأنهم شأن أية عقيدة تدور في إطار القومية العضوية ـ يؤمنون بوجود دياسبورا ألمانية ( «أوسلاندويتش Auslandeutsch» ) تربطها روابط عضوية بالأرض الألمانية. وأعضاء هذا الشتات الألماني مثل أعضاء الشتات اليهودي يدينون بالولاء للوطن الأم ويجب أن يعملوا من أجله. وربما لأن العودة للوطن الأم أمر عسير، كما هو الحال مع الصهاينة، اقترح النازيون ما يشبه نازية الشتات (مثل صهيونية الشتات) عن طريق تشجيع الألمان في الخارج على دراسة الحضارة واللغة الألمانيتين. وكان للنازيين ما يشبه المنظمة النازية العالمية التي كانت لها صلاحيات تشبه صلاحيات المنظمة الصهيونية العالمية، وكانت لها مكانة في ألمانيا تشبه من بعض الوجوه مكانة المنظمة الصهيونية في إسرائيل. وقد تعاون الألمان، في كل أنحاء العالم مع السفراء والقناصل الألمان، تماماً كما يتعاون اليهود والصهاينة مع سفراء وقناصل إسرائيل في بلادهم.

стр. 2238

ولنا أن نلاحظ الأصول الألمانية الراسخة للزعماء الصهاينة الذين صاغوا الأطروحات الصهيونية الأساسية. فتيودور هرتزل وماكس نوردو وألفريد نوسيج وأوتو ووربورج كانوا إما من ألمانيا أو النمسا يكتبون بالألمانية ويتحدثون بها، كما كانوا ملمين بالتقاليد الحضارية الألمانية ويكنون لها الإعجاب ولا يكنون احتراماً كبيراً للحضارات السلافية (وقد غيَّر هرتزل اسمه من «بنيامين» إلى «تيودور» حتى يؤلمن اسمه، وسمَّى ماكس نوردو نفسه بهذا الاسم لإعجابه الشديد بالنورديين) . ولا يختلف زعماء يهود اليديشية عن ذلك، فلغتهم اليديشية هي رطانة ألمانية أساساً. ومن جهة أخرى، كانت لغة المؤتمرات الصهيونية الأولى هي الألمانية، كما توجه الزعماء الصهاينة أول ما توجهوا لقيصر ألمانيا لكي يتبنى المشروع الصهيوني. وقد أكد جولدمان أن هرتزل قد وصل إلى فكرته القومية (العضوية) من خلال معرفته بالفكر والحضارة الألمانيين. وكان كثير من المستوطنين الصهاينة يكنون الإعجاب للنازية، وأظهروا تفهماً عميقاً لها ولمُثُلها ولنجاحها في إنقاذ ألمانيا. بل عدوا النازية حركة تحرر وطني. وقد سجل حاييم كابلان، وهو صهيوني كان موجوداً في جيتو وارسو (حينما كان تحت حكم النازي) ، أنه لا يوجد أي تناقض بين رؤية الصهاينة والنازيين للعالم فيما يخص المسألة اليهودية، فكلتاهما تهدف إلى الهجرة، وكلتاهما ترى أن اليهود لا مكان لهم في الحضارات الأجنبية.

стр. 2239

وقد ظهرت في ألمانيا، في الثلاثينيات، جماعة من المفكرين الدينيين اللوثريين الذين أدركوا العناصر الفكرية المشتركة بين النازية الصهيونية وأبعادها العدمية. ومن هؤلاء هاينريش فريك الذي حذر اليهود من فكرة الشعب العضوي التي يدافع عنها النازيون والصهاينة، كما عَرَّف كلاً من النازية والصهيونية بأنهما حركتان حولتا النزعة الأرضية (الارتباط بالأرض) والدنيوية (الارتباط بالدنيا) ، وهما من الأمور المادية، إلى كيانات ميتافيزيقية، أي إلى دين. وأشار إلى أن النازية والصهيونية تتبنيان الرأي القائل بأن ألمانيا لا يمكنها أن تقبل اليهود أو تظهر التسامح تجاههم. وفي عام ١٩٢٦، حدد فيلي ستارك ما تصوره موقف المسيحية من مسألة الشعب العضوي. فأشار إلى نقط التشابه بين الصهيونية والنازية، فكلتاهما تدور حول قيمة مطلقة تحيطها القداسة الدينية، الدم والتربة، وهي قيمة تضرب بجذورها في المشاعر الأسطورية الكونية، وفي ممالك الأرض بدلاً من مملكة السماء. ومن ثم، توصَّل فيلي ستارك إلى أنه لا يوجد أي مجال للتفاهم بين المسيحية وعبادة الشعب العضوي (فولك) الصهيونية أو النازية. كما توصل إلى أن كلاً من الصهيونية (التي تحاول أن تؤسس الهيكل الثالث أي الدولة الصهيونية) والنازية (التي أسست الرايخ الثالث أي الدولة النازية) تجسيد لعدم فهم البُعد المجازي في العقيدة الألفية الاسترجاعية في المسيحية. وبالتالي، فإن كلتا الحركتين ضرب من ضروب المشيحانية السياسية (الأخروية العلمانية) التي تحوِّل الدنيوي المدنَّس إلى مقدَّس، وبذلك يُمثل كل منهما تهديداً لليهودية والمسيحية، بل للجنس البشري بأسره. النيتشوية والصهيونية Nietzscheanism and Zionism

стр. 2240

تنبع النازية من عدة روافد في الفكر الغربي الحديث لعل أهمها على الإطلاق الفكر الفلسفي الرومانسي الألماني، وبخاصة الفكر النيتشوي أو النيتشوية. وقد يكون من المفيد أن نشير ابتداءً إلى أننا نميِّز بين الفكر النيتشوي وفلسفة نيتشه. ففلسفة نيتشه توجد في أعماله الفلسفية، وهي فلسفة متناقضة تحوي الكثير من الأفكار النبيلة والخسيسة والعاقلة والمجنونة. أما الفكر النيتشوي فهو منظومة شبه متكاملة، استنبطها الإنسان الغربي من أعمال نيتشه وحققت من الذيوع والشيوع ما يفوق أعمال نيتشه الفلسفية. وما يهمنا في دراسة تاريخ الأفكار هو الفكر «النيتشوي» وليس أعماله الفلسفية. فهناك الكثير من النيتشويين ممن لم يقرأوا صفحة واحدة من أعمال نيتشه، بل الذين اتخذوا مواقفهم النيتشوية قبل أن يخط نيتشه حرفاً واحداً. فالخطاب الإمبريالي، منذ لحظة ظهوره في القرن السابع عشر، كان خطاباً نيتشوياً.

стр. 2241

يتَّسم موقف نيتشه من اليهود بالغموض، فهناك رأي يذهب إلى أنه كان معادياً لليهود. ومما ساعد على تدعيم هذا الرأي أن أخته إليزابيث ـ التي نفذت وصيته الأدبية ـ كانت متزوجة من برنارد فوستر وهو من أهم الداعين إلى معاداة اليهود. بل يُقال إن إليزابيث زيَّفت بعض خطابات نيتشه لتشيع هذه الصورة عنه. لكن مما لا شك فيه أن أعمال نيتشه تحتوي على إشارات لليهود واليهودية تحمل دلالات سلبية. وينبع سخطه على اليهودية بالدرجة الأولى من تصوره أن اليهودية هي أحد أشكال أخلاق الضعفاء. فعندما فقد اليهود دولتهم ولاقوا الاضطهاد وحُرموا من حريتهم في العالم الروماني، تجمَّع لديهم شعور مكبوت بالإساءة وصل إلى أقصى درجات غليانه فوُلدت المسيحية من رحم اليهودية، فهي ديانة التواضع والضعف والعبودية. وأخلاقيات المسيحية ألحقت ضرراً بالغاً بالحضارة الغربية الوثنية، ولكن القيم الأرستقراطية ثارت من جديد في عصر النهضة التي عارض رجالها القيم المسيحية التي سادت في العصور الوسطى. ثم عاد الإصلاح الديني يحاول أن يفرض أخلاق العبيد مرة أخرى، وهذا ما حاولته الثورة الفرنسية بعد ذلك. ووسط ثورة العبيد الأخيرة هذه، ظهر المثل الأعلى القديم مرة أخرى: نابليون. وبسقوطه سقط آخر شعاع نور صادر عن قيم السادة.

стр. 2242

ولكن هناك جانباً آخر لنيتشه وهو رفضه لمعاداة اليهود، بل إنه اعتبر معاداة اليهود مجرد شكل آخر من أشكال ثورة العبيد الحديثة ضد السادة. كما كان نيتشه معجباً بالعهد القديم وما تصوره أسلوبه غير الأخلاقي ووصاياه التي لا تتضمن أي تهاون أو مساومة. وفي كثير من كتاباته، نجده يكيل المديح لليهود أكثر من الألمان، فاليهود عنصر قوي يتمتع بالصحة، وتدل صلابتهم وإبداعهم على مقدرتهم على القيام بعملية إعادة تقييم القيم. ولكن بغض النظر عن موقف نيتشه من اليهود أو اليهودية يظل ما يعنينا في هذا الجزء من دراستنا هو الفكر النيتشوي وأثره في الفكر الديني اليهودي وفي الفكر الصهيوني.

стр. 2243

ولفهم هذا الجانب، قد يكون من المفيد أن نعرض لآراء المفكر الصهيوني الروسي أحاد هعام في هذا الموضوع، فهو يرى أن نيتشه لم يفهم اليهودية حق الفهم وخلط بينها وبين المسيحية. والعارفون باليهودية، حسب رأيه، سيكتشفون في التو أنه لا توجد أية حاجة لاستحداث نيتشوية يهودية، ذلك أن الجزء العام (أي الجزء الذي يتجاوز الخصوصية الألمانية) من الفلسفة النيتشوية موجود في اليهودية نفسها منذ قرون عديدة. فاليهودية ديانة لم تستند إلى فكرة الرحمة وحدها، ولم تُلزم الإنسان الأعلى اليهودي بالخضوع للجماهير، كما لو كان الهدف الأساسي من وجوده هو مجرد زيادة سعادة الأغلبية. ويمكن أن نضيف عناصر أخرى لم يذكرها أحاد هعام، فالعقيدة اليهودية، مثلاً، أصبحت نسقاً دينياً حلولياً متطرفاً، وهو ما يعني تحوُّل الشعب اليهودي إلى شعب مقدَّس، مكتف بذاته، يحوي مركزه داخله، لا يمكن الحكم عليه بمعايير أخلاقية خارجة عنه. بل إن الشعب اليهودي، حسب التراث القبَّالي، هو امتداد للخالق في الكون. ووجود الخالق ذاته وتوحده بعد تبعثره (كما جاء في التراث الأسطوري القبَّالي) يتوقف على قيام اليهود بممارسة الأوامر والنواهي. ويُبيِّن أحاد هعام أن المقولة الأساسية النيتشوية، الخاصة بتفوق النموذج الإنساني الأعلى على بقية البشر، هي نفسها مقولة يهودية. ولكن أحاد هعام يُحل فكرة الأخلاق محل القوة، ويشير إلى أن نيتشه يشكو من أنه (حتى الآن) لا توجد محاولة واعية لتعليم الناس بطريقة تؤدي لظهور الإنسان الأعلى، وهو ما يعرقل ظهوره. فالإنسان حيوان اجتماعي، ولذا فإن روح الإنسان الأعلى نفسها لا يمكنها أن تتحرر من الجو الأخلاقي الذي تعيش فيه. ويخلص أحاد هعام من هذا التحليل إلى أنه إذا كان الهدف من الحياة هو الإنسان الأعلى، فيجب أن نقبل بارتباط ظهوره بظهور الأمة الممتازة أو الأمة العليا، أي ينبغي أن تكون هناك أمة لها من السمات الذاتية ما يجعلها على استعداد

стр. 2244

أكبر للنمو الأخلاقي بالمعنى النيتشوي، ولتنظيم حياتها على أساس قانون أخلاقي يعلو على النموذج العادي. هذه الأمة هي ولا شك التربة الخصبة التي ينبت فيها الإنسان الأعلى. وإذا نظرنا إلى اليهودية من زاوية هذه الفلسفة، لتبين لنا، على حد قول أحاد هعام، أن معظم نقائصها، أو تلك النقائص التي يشير إليها الآخرون والتي يحاول العلماء اليهود أنفسهم إنكارها، تشكل نقطة قوة ولا تحتاج لإنكار أو اعتذار. ومن المعروف للجميع أن اليهود واعون بأنهم متفوقون أخلاقياً على الأمم كافة، وهو وعي يجسد نفسه في فكرة الشعب المختار. والاختيار غير مبني على حكم القوة لأن جماعة يسرائيل هي أصغر الأمم. فقد اختار الإله يسرائيل، لكي يُعبِّر هذا الشعب بشكل متعيِّن في كل جيل عن أعلى نموذج أخلاقي، ولكي يحمل عبء الواجبات الأخلاقية دون اعتبار للربح والخسارة بالنسبة لبقية البشر، بل للحفاظ على وجود هذا النموذج الراقي. ويرى أحاد هعام أن هذه الفكرة تسيطر على الدين اليهودي. ولذلك، لم يحاول اليهود التبشير بدينهم لا بسبب الغيرة (كما يدَّعي الأعداء) ولا التسامح (كما ينادي المعتذرون) ، ولكن لأنهم لا يقبلون أن يجعلوا واجبهم نحو تجسيد النموذج الراقي هو واجب كل البشر، ففي هذا خفض لمستواه وتدن له. وهم في محاولتهم هذه، لن يفرضوا المسئولية على الآخرين ولن يشركوهم فيها، ووصف أحاد هعام للأمة المختارة هو ذاته وصف نيتشه للإنسان الأعلى.

стр. 2245

ويشير أحاد هعام إلى محاولة بعض العلماء اليهود إضفاء غلالة من المعاصرة على فكرة الشعب المختار، كأن يحاولوا أن يوفقوا بينها وبين فكرة مساواة الشعوب، حيث يرون أن رسالة الشعب المختار هي نشر الخير وطريقة الحياة الخيرة بين كل الشعوب (كما يرى اليهود الإصلاحيون) . ولكن أحاد هعام يرفض هذه الليبرالية، فهو يصر على أن رسالة الشعب هي بكل بساطة أن يقوم بواجبه دون أي اعتبار للعالم الخارجي، لأن تأدية الواجب هي غاية في ذاتها وليست وسيلة لإسعاد العالم. وإذا كان اليهود القدامى قد عبَّروا عن الأمل في أن اليهودية سيكون لها أثر طيب على الأمم الأخرى، فهذا مجرد نتيجة وليس هدفاً، إذ يظل الهدف هو الانتماء لمثل أعلى ونموذج متفوق لا ينتمي إليه الآخرون ولا يشاركون فيه.
следующие страницы →