← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

يتَّسم موقف نيتشه من اليهود بالغموض، فهناك رأي يذهب إلى أنه كان معادياً لليهود. ومما ساعد على تدعيم هذا الرأي أن أخته إليزابيث ـ التي نفذت وصيته الأدبية ـ كانت متزوجة من برنارد فوستر وهو من أهم الداعين إلى معاداة اليهود. بل يُقال إن إليزابيث زيَّفت بعض خطابات نيتشه لتشيع هذه الصورة عنه. لكن مما لا شك فيه أن أعمال نيتشه تحتوي على إشارات لليهود واليهودية تحمل دلالات سلبية. وينبع سخطه على اليهودية بالدرجة الأولى من تصوره أن اليهودية هي أحد أشكال أخلاق الضعفاء. فعندما فقد اليهود دولتهم ولاقوا الاضطهاد وحُرموا من حريتهم في العالم الروماني، تجمَّع لديهم شعور مكبوت بالإساءة وصل إلى أقصى درجات غليانه فوُلدت المسيحية من رحم اليهودية، فهي ديانة التواضع والضعف والعبودية. وأخلاقيات المسيحية ألحقت ضرراً بالغاً بالحضارة الغربية الوثنية، ولكن القيم الأرستقراطية ثارت من جديد في عصر النهضة التي عارض رجالها القيم المسيحية التي سادت في العصور الوسطى. ثم عاد الإصلاح الديني يحاول أن يفرض أخلاق العبيد مرة أخرى، وهذا ما حاولته الثورة الفرنسية بعد ذلك. ووسط ثورة العبيد الأخيرة هذه، ظهر المثل الأعلى القديم مرة أخرى: نابليون. وبسقوطه سقط آخر شعاع نور صادر عن قيم السادة.

стр. 2242

ولكن هناك جانباً آخر لنيتشه وهو رفضه لمعاداة اليهود، بل إنه اعتبر معاداة اليهود مجرد شكل آخر من أشكال ثورة العبيد الحديثة ضد السادة. كما كان نيتشه معجباً بالعهد القديم وما تصوره أسلوبه غير الأخلاقي ووصاياه التي لا تتضمن أي تهاون أو مساومة. وفي كثير من كتاباته، نجده يكيل المديح لليهود أكثر من الألمان، فاليهود عنصر قوي يتمتع بالصحة، وتدل صلابتهم وإبداعهم على مقدرتهم على القيام بعملية إعادة تقييم القيم. ولكن بغض النظر عن موقف نيتشه من اليهود أو اليهودية يظل ما يعنينا في هذا الجزء من دراستنا هو الفكر النيتشوي وأثره في الفكر الديني اليهودي وفي الفكر الصهيوني.

стр. 2243

ولفهم هذا الجانب، قد يكون من المفيد أن نعرض لآراء المفكر الصهيوني الروسي أحاد هعام في هذا الموضوع، فهو يرى أن نيتشه لم يفهم اليهودية حق الفهم وخلط بينها وبين المسيحية. والعارفون باليهودية، حسب رأيه، سيكتشفون في التو أنه لا توجد أية حاجة لاستحداث نيتشوية يهودية، ذلك أن الجزء العام (أي الجزء الذي يتجاوز الخصوصية الألمانية) من الفلسفة النيتشوية موجود في اليهودية نفسها منذ قرون عديدة. فاليهودية ديانة لم تستند إلى فكرة الرحمة وحدها، ولم تُلزم الإنسان الأعلى اليهودي بالخضوع للجماهير، كما لو كان الهدف الأساسي من وجوده هو مجرد زيادة سعادة الأغلبية. ويمكن أن نضيف عناصر أخرى لم يذكرها أحاد هعام، فالعقيدة اليهودية، مثلاً، أصبحت نسقاً دينياً حلولياً متطرفاً، وهو ما يعني تحوُّل الشعب اليهودي إلى شعب مقدَّس، مكتف بذاته، يحوي مركزه داخله، لا يمكن الحكم عليه بمعايير أخلاقية خارجة عنه. بل إن الشعب اليهودي، حسب التراث القبَّالي، هو امتداد للخالق في الكون. ووجود الخالق ذاته وتوحده بعد تبعثره (كما جاء في التراث الأسطوري القبَّالي) يتوقف على قيام اليهود بممارسة الأوامر والنواهي. ويُبيِّن أحاد هعام أن المقولة الأساسية النيتشوية، الخاصة بتفوق النموذج الإنساني الأعلى على بقية البشر، هي نفسها مقولة يهودية. ولكن أحاد هعام يُحل فكرة الأخلاق محل القوة، ويشير إلى أن نيتشه يشكو من أنه (حتى الآن) لا توجد محاولة واعية لتعليم الناس بطريقة تؤدي لظهور الإنسان الأعلى، وهو ما يعرقل ظهوره. فالإنسان حيوان اجتماعي، ولذا فإن روح الإنسان الأعلى نفسها لا يمكنها أن تتحرر من الجو الأخلاقي الذي تعيش فيه. ويخلص أحاد هعام من هذا التحليل إلى أنه إذا كان الهدف من الحياة هو الإنسان الأعلى، فيجب أن نقبل بارتباط ظهوره بظهور الأمة الممتازة أو الأمة العليا، أي ينبغي أن تكون هناك أمة لها من السمات الذاتية ما يجعلها على استعداد

стр. 2244

أكبر للنمو الأخلاقي بالمعنى النيتشوي، ولتنظيم حياتها على أساس قانون أخلاقي يعلو على النموذج العادي. هذه الأمة هي ولا شك التربة الخصبة التي ينبت فيها الإنسان الأعلى. وإذا نظرنا إلى اليهودية من زاوية هذه الفلسفة، لتبين لنا، على حد قول أحاد هعام، أن معظم نقائصها، أو تلك النقائص التي يشير إليها الآخرون والتي يحاول العلماء اليهود أنفسهم إنكارها، تشكل نقطة قوة ولا تحتاج لإنكار أو اعتذار. ومن المعروف للجميع أن اليهود واعون بأنهم متفوقون أخلاقياً على الأمم كافة، وهو وعي يجسد نفسه في فكرة الشعب المختار. والاختيار غير مبني على حكم القوة لأن جماعة يسرائيل هي أصغر الأمم. فقد اختار الإله يسرائيل، لكي يُعبِّر هذا الشعب بشكل متعيِّن في كل جيل عن أعلى نموذج أخلاقي، ولكي يحمل عبء الواجبات الأخلاقية دون اعتبار للربح والخسارة بالنسبة لبقية البشر، بل للحفاظ على وجود هذا النموذج الراقي. ويرى أحاد هعام أن هذه الفكرة تسيطر على الدين اليهودي. ولذلك، لم يحاول اليهود التبشير بدينهم لا بسبب الغيرة (كما يدَّعي الأعداء) ولا التسامح (كما ينادي المعتذرون) ، ولكن لأنهم لا يقبلون أن يجعلوا واجبهم نحو تجسيد النموذج الراقي هو واجب كل البشر، ففي هذا خفض لمستواه وتدن له. وهم في محاولتهم هذه، لن يفرضوا المسئولية على الآخرين ولن يشركوهم فيها، ووصف أحاد هعام للأمة المختارة هو ذاته وصف نيتشه للإنسان الأعلى.

стр. 2245

ويشير أحاد هعام إلى محاولة بعض العلماء اليهود إضفاء غلالة من المعاصرة على فكرة الشعب المختار، كأن يحاولوا أن يوفقوا بينها وبين فكرة مساواة الشعوب، حيث يرون أن رسالة الشعب المختار هي نشر الخير وطريقة الحياة الخيرة بين كل الشعوب (كما يرى اليهود الإصلاحيون) . ولكن أحاد هعام يرفض هذه الليبرالية، فهو يصر على أن رسالة الشعب هي بكل بساطة أن يقوم بواجبه دون أي اعتبار للعالم الخارجي، لأن تأدية الواجب هي غاية في ذاتها وليست وسيلة لإسعاد العالم. وإذا كان اليهود القدامى قد عبَّروا عن الأمل في أن اليهودية سيكون لها أثر طيب على الأمم الأخرى، فهذا مجرد نتيجة وليس هدفاً، إذ يظل الهدف هو الانتماء لمثل أعلى ونموذج متفوق لا ينتمي إليه الآخرون ولا يشاركون فيه.

стр. 2246

ويميِّز أحاد هعام بين وحش نيتشه الجميل الأشقر القوي المُدافع عن الجسد والعنف (الذي أصبح المثل الأعلى النازي) وبين الإنسان الأعلى اليهودي الذي يُدافع عن القيم اليهودية الخلقية ويقف ضد العنف، وهذا هو الفارق بين النيتشوية الآرية والنيتشوية اليهودية. ولنلاحظ أن أحاد هعام لا يعترض على بنية النيتشوية التي تستند إلى التفاوت بين الناس وإنما على مضمونها وحسب. وحديثه عن الأخلاق اليهودية لا يُغيِّر من البنية في شيء، فالنيتشوية اليهودية مبنية على فكرة تفوق اليهود وتعاليهم على البشر، وهو الأمر الذي يميزهم بحقوق مطلقة، من بينها، على سبيل المثال، حقهم في أن يعودوا إلى الأرض المقدَّسة متى شاءوا ذلك، وأن يؤسسوا فيها مركزاً روحياً إن أرادوا، وأن يستوطنوها ويعمروها أو يخربوها حسبما تملي مشيئتهم، باعتبارهم السوبر أمة أو الأمة الأعلى (وهذا هو جوهر كل المنظومات المعرفية والخلقية العلمانية الشاملة، بل إن أصحاب المنظومة يجسدون المطلق ويصبحون هم المرجعية الذاتية وتصبح إرادتهم هي الحق المطلق) . فإذا جاء الفيلسوف النيتشوي الصهيوني بعد هذا وأضاف زخارف أخلاقية وأصر على أن تكون الدولة الصهيونية تجسيداً للقيم الأخلاقية النبيلة، فإن الزخارف الأخلاقية تظل مجرد زخارف لا علاقة لها بمنطق النسق العام، بينما يظل العنف هو الجوهر والمحك وقانون البنية. وقد أثبتت التجربة التاريخية (من دير ياسين إلى صابرا وشاتيلا وقانا) أن الأبعاد الأخلاقية إن هي إلا زخارف وأقوال وديباجات، وأن وضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ يفترض قتل العرب وسفك دمائهم.

стр. 2247

ولم يكن أحاد هعام فريداً في دفاعه عن النيتشوية. فقد تأثر كثير من المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية (خصوصاً الصهاينة منهم) بالفكر النيتشوي. ومن بين هؤلاء مؤسسو الحركة الصهيونية: تيودور هرتزل والفريد نوسيج وماكس نوردو، وكلهم ذوو ثقافة ألمانية، كما تأثر بها مفكرون صهاينة آخرون، مثل: ميخا بيرديشفكي وحاييم برنر وشاؤول تشرنحوفسكي. ولا يمكن فهم كتابات أهم الفلاسفة الدينيين اليهود المحدثين (مارتن بوبر) إلا من خلال نيتشه (وكذا كتابات ليو شستوف) . وتسري القاعدة نفسها على مفكري مدرسة لاهوت موت الإله. وأثر نيتشه على جاك دريدا وإدمون جابيس واضح تماماً. كما أن البُعد النيتشوي في الفكر الصهيوني بُعد أساسي. ولا غرو في هذا فالجميع هم أبناء عصرهم العلماني الإمبريالي الأداتي الشامل. ولكل هذا، فليس من قبيل الصدفة أن يكون التشابه بين الصهيونية والنيتشوية مدهشاً حقاً، ويمكننا أن نوجز ذلك في النقاط التالية: ١ ـ النيتشوية، مثلها مثل الصهيونية، ديانة ملحدة أو حلولية بدون إله، أو هي وحدة وجود مادية ترد الكون بأسره إلى مبدأ زمني واحد هو إرادة القوة والإنسان الأعلى عند نيتشه، وهو إرادة القوة اليهودية وبقاء الشعب اليهودي عند الصهاينة. فبقاء الشعب لا يتحقق إلا من خلال إرادة الشعب ومن خلال قوته الذاتية. ٢ ـ النيتشوية، مثلها مثل الصهيونية، تعبير عن توثّن الذات حينما يحل المطلق في الإنسان ويصبح كامناً فيه، فيعبد الإنسان ذاته أو يعبد أسلافه، أي الذات القومية المقدَّسة، باعتبارها تجسيداً لذاته. ٣ ـ النيتشوية، مثلها مثل الصهيونية، نسق عضوي دائري يقرن بين البدايات والنهايات، وتسود فيه صورة مجازية عضوية.

стр. 2248

٤ ـ النيتشوية، مثلها مثل الصهيونية، ديانة داروينية تسبغ نوعاً من الروحية والقداسة على قانون التطور، وتجعل من القوة الأساس الوحيد لأي نسق أخلاقي، وهو ما يُطلَق عليه في المصطلح السياسي الإسرائيلي والغربي «فرض سياسة الأمر الواقع» و «خلق حقائق جديدة» ، وهو ما نسميه «النفعية الداروينية» . ٥ ـ الحياة بالنسبة للنيتشوية توسع ونمو واستيلاء على الآخر وهزيمة له، ومعاداة للفكر واحتقار له، وتمجيد للفعل المباشر ولأخلاق السادة الأقوياء، وهذا هو جوهر الصهيونية التي لا يمكنها أن تعيش إلا على التوسع وعلى إلغاء الآخر. والآخر هو أولاً الفلسطينيون الذين يجب أن يختفوا من على وجه الأرض، ثم يهود الدياسبورا الذين يعملون بالأعمال الفكرية ويؤمنون بأخلاق العبيد. ٦ ـ وإذا كان نيتشه قد دعا الإنسان إلى أن يعود لحالة الحيوية والطبيعة المقدَّسة ويكون كالحيوان المفترس الأشقر وينبذ العقائد الدينية وأخلاق الضعفاء (يبني منزله بجوار البركان ويعيش في خطر وفي حالة حرب دائمة) ، فقد طرحت الصهيونية نفسها باعتبارها الأيديولوجية التي ستحول يهود المنفى المترهلين الذين يؤمنون بأخلاق الضعفاء إلى وحوش يهود يؤمنون بأخلاق القوة، مفتولي عضلات يحسمون كل القضايا بالقوة ويفرضون رؤيتهم، ولذا فالمستوطنون الصهاينة يعيشون حرفياً بجوار البركان في حالة حرب دائمة.

стр. 2249

٧ ـ وتفكير نيتشه تفكير نخبوي إذ يرى أن حركة التطور الحقيقية لابد أن تؤدي إلى ظهور أمة مختارة من هذا النوع من الرجال، وما الإنسان العادي سوى الحلقة أو الجسر الموصل إلى هذه المرحلة العليا، التي توجد بطبيعة الحال مرحلة أعلى منها إلى أن نصل إلى الحد الأقصى المطلق غير المعروف. ويسيطر على الصهيونية أيضاً تفكير نخبوي يُحوِّل حياة جماهير اليهود في أرجاء العالم خارج فلسطين إلى مجرد جسر يؤدي إلى ظهور الدولة الصهيونية. كما أن الفكر الصهيوني، بتحويله الأمة إلى مطلق مكتف بذاته، كان يتضمن معرفياً عملية نقل العرب وإبادتهم. ٨ ـ وداخل هذه المنظومة ينقسم العالم وبحدة إلى السوبرمن، السادة الأقوياء من أعضاء الشعب العضوي، والسبمن، العبيد الضعفاء الذين ينتمون للفريق الآخر. والسادة الأقوياء لهم حقوق مطلقة فهم يجسدون المبدأ الواحد، أما الضعفاء فإن مآلهم إلى الاختفاء (عن طريق الإبادة بالمعنى العام والخاص) . وعند نيتشه، نجد أن هناك الوحوش الشقراء وهناك بقية الشعوب. وفي المنظومة الصهيونية، هناك من ناحية اليهود أصحاب الحقوق المطلقة، ومن ناحية أخرى الأغيار (خصوصاً الفلسطينيون) الذين لا حقوق لهم، وهذه الحقوق اليهودية المقدَّسة المطلقة تَجُبُّ حقوق الآخرين.

стр. 2250

٩ ـ الفكر النيتشوي، مثله مثل الفكر الصهيوني، فكر تختفي فيه حدود الأشياء ومعالمها، وهو ينفي التاريخ وحدوده فتظهر حالة من السيولة والنسبية التي لا تحسمها سوى إرادة القوة. ومن هنا حديث بن جوريون عن الجيش الإسرائيلي باعتباره خير مفسر للتوراة، وهو موقف لا يختلف كثيراً عن موقف نيتشه من تفسير النصوص. والنص هنا هو فلسطين التي تحمل معنى عربياً، إذ تقطنها أغلبية عربية وتوجد داخل التاريخ العربي. حيث يقرر الصهاينة أن يفصلوا الدال عن المدلول ويعلنوا أن فلسطين ليست وطناً بل أرضاً والبشر الذين يقطنون فيها ليسوا شعباً، وأن الشعب المرتبط بها هم اليهود وحدهم، والجيش الإسرائيلي هو خير مفسر لهذا النص، فهو الذي سيفرض عليه المعنى الصهيوني! (تماماً كما يفعل نقاد ما بعد الحداثة) . ١٠ ـ يتحدث نيتشه في كتاباته (دائماً) عن الماضي والمستقبل، ولا يركز عيونه على الحاضر أبداً. ولكن الماضي (دون الحاضر الحي) يتحوَّل إلى أسطورة وأيقونة، والمستقبل بدوره يتحول إلى عصر ذهبي وفردوس أرضي خال من التاريخ. والصهاينة بدورهم لا يتحدثون عادةً إلا عن الماضي العبري (قبل أن تظهر اليهودية وتفسد الشخصية اليهودية بأخلاق الضعفاء) والمستقبل الصهيوني (حين يعود اليهود إلى صهيون ليؤسسوا الدولة الجيتو المعقمة من التاريخ) .

стр. 2251

١١ ـ ونيتشه، بتفكيره المجرد، لا يتحدث عن السعادة الفردية أو عن السعادة عامةً. فالسعادة من شيم الضعفاء والعبيد، أما الإنسان الأعلى فيعلو على الخير والشر ويتجاهل اللذة والألم. وتجاهل السعادة، كقيمة إنسانية، هو أيضاً إحدى سمات الفكر الصهيوني، فالصهاينة مشغولون بتصوراتهم المشيحانية عن الدولة اليهودية والشعب المختار، وبالتالي فهم ينسون الفرد اليهودي المتعيِّن الذي يعيش في وطنه، فالصهيونية لا تُشكِّل بالنسبة له سوى أيديولوجية مجردة غريبة، لا يمكنه أن يُنظم حياته من خلالها. ومع هذا فهم يدعون إلى تصفية الجماعات اليهودية في الخارج وإنهاء التاريخ اليهودي في المنفى، فهو تاريخ الضعفاء والمهزومين، من وجهة نظرهم. وتُفصح كل هذه العناصر النيتشوية عن نفسها تماماً في كتابات هارولد فيش أحد منظري جماعة جوش إيمونيم، التي تؤمن بضرب من الصهيونية نسميها «الصهيونية الحلولية» أو «الصهيونية العضوية» لأنها نيتشوية كاملة، حيث يتحد الإله بالإنسان اليهودي وبالأرض اليهودية ليكوِّنوا نظاماً مقدَّساً دائرياً مغلقاً عضوياً يُهلك من يقع خارج دائرة القداسة، مثل العرب، ويتمتع بسائر الحقوق من يقع داخلها فيتمتع بسائر الحقوق. ولكن القداسة هي، في واقع الأمر، القوة. ولهذا، يشير أحد مفكري جوش إيمونيم إلى الجيش الإسرائيلي باعتباره القداسة الكاملة. وهذا الخطاب لا يختلف كثيراً عن خطاب الرايخ الثالث. النازية والصهيونية: العلاقة الفعلية Nazism and Zionism: Actual Relations

стр. 2252

تتعدى العلاقة بين النازية والصهيونية مجرد التماثل البنيوي والتأثير والتأثر الفكريين، إذ أن ثمة علاقة فعلية على مستويات عدة. ولنبدأ بأدناها، وهي كيفية استغلال النازيين للدعاية الصهيونية في الترويج لرؤيتهم. فقد نشر الصهاينة في ألمانيا ذاتها المزاعم الصهيونية الخاصة بالتميز اليهودي العرْقي والانفصال القومي العضوي عن كل أوربا، وذلك حتى قبل ظهور النازيين كقوة سياسية. ففي عام ١٩١٢، قدَّم عضوان في المنظمة الصهيونية مشروعاً بإيعاز من كورت بلومنفلد جاء فيه أنه، نظراً للأهمية القصوى للعمل ذي التوجه الفلسطيني (أي الصهيوني) ، يعلن أن من الواجب على كل صهيوني، خصوصاً من يتمتع باستقلال اقتصادي، أن يجعل الهجرة جزءاً عضوياً من برنامج حياته. وقد سُمِّي هذا القرار «قرار بوزن» ، وأصبح منذ ذلك الحين الإطار العقائدي للصهيونية الألمانية التي تخلت بفضله عن أية أبعاد غير قومية ذات طابع خيري أو توطيني، وأصبحت أيديولوجيا قومية عضوية ذات طابع استيطاني. وكان بلومنفلد خبيراً بالمناورات السياسية، ولذلك نجح في تمرير قراره من خلال ما سماه بعض معارضيه «الأغلبية الطارئة» ، أي عن طريق تقديم مشروع القرار أثناء وجود المؤيدين وغياب المعارضين والحصول على موافقة الحاضرين. وقد اتهمه المعارضون بالمزايدة، وفسَّروا تطرفه على أساس أنه يقبض راتبه من المنظمة الصهيونية وليس من الحكومة الألمانية أو أية هيئة أو مؤسسة ألمانية، وأن هذا يسمح له بأن يتخذ مثل هذه المواقف وأن يمرر مثل هذه القرارات التي لا تعكس وضع يهود (أو حتى صهاينة) ألمانيا أو تطلعاتهم.

стр. 2253

وقد قام الصهاينة الألمان بعد ذلك بتطوير الأيديولوجيا الصهيونية والوصول بأطروحاتها إلى نتائجها المنطقية، أي تصفية الجماعات اليهودية في المنفى (أي العالم) تماماً وإنشاء الدولة الصهيونية. وابتداءً من العشرينيات، بدأ الزعماء الصهاينة في ألمانيا يطلقون التصريحات الصهيونية التي تؤكد الهوية اليهودية العضوية الخالصة وتنكر على اليهود انتماءهم إلى الأمة الألمانية. ففي عام ١٩٢٠ (قبل ظهور كتاب هتلر كفاحي بثلاثة عشر عاماً) ، ألقى جولدمان خطاباً في جامعة هايدلبرج بيَّن فيه أن اليهود شاركوا بشكل ملحوظ للغاية في الحركات التخريبية، وفي إسقاط الحكومة في نوفمبر ١٩١٨، وأصر على أن يهود ألمانيا والشعب الألماني ليست بينهما عناصر مشتركة، وعلى أن الألمان يحق لهم أن يمنعوا اليهود من الاشتراك في شئون الفولك الألماني. أما وايزمان، فقد شبه علاقة الألمان باليهود بصورة مجازية استقاها من عملية الهضم، فقال: إن أي بلد يود تحاشي الاضطرابات المعوية عليه أن يستوعب عدداً محدوداً فقط من اليهود. وكان يرى أن عدد اليهود في ألمانيا أكبر من اللازم، أو بعبارة أخرى يوجد فائض بشري يهودي. وفي الفترة نفسها، وصف كلاتزكين اليهود بأنهم جسم مغروس وسط الأمم التي يعيشون بين ظهرانيها، ولذا فإن من حقهم أن يحاربوا ضد اليهود من أجل تماسُكهم القومي. وهذه كلها موضوعات قديمة مطروحة في كتابات هرتزل ونوردو، الأبوين الروحيين للصهيونية على وجه العموم والصهيونية الألمانية على وجه الخصوص، ولكنها اكتسبت أهمية خاصة من سياقها الزماني والمكاني في ضوء ما حدث بعد ذلك. وهي لا تختلف في جوهرها عن قول إرنست يونجر (المفكر القومي العضوي الذي ألهم النازيين) أن اليهود يتوهمون أن بوسعهم أن يصبحوا ألمانيين في ألمانيا، ولكن هذا أمر غير قابل للتحقق. فاليهود يواجهون خياراً نهائياً: إما أن يكونوا يهوداً في ألمانيا، أو لا يكونوا.

стр. 2254

وفي ضوء هذا التوجه الصهيوني، لم يكن من الغريب أن يرى هتلر حين وصل إلى الحكم أن كثيراً من الصهاينة على استعداد لتَفهُّم وجهة نظره. فقد صرح الحاخام الصهيوني يواكيم برنز في يناير ١٩٣٣ أنه لا مكان يمكن لليهود أن يختبئوا فيه. وقال: بدلاً من الاندماج، نرى نحن الصهاينة أنه يجب الاعتراف بالأمة اليهودية وبالعرْق اليهودي. وحينما قام النازيون في ٣١ يناير ١٩٣٣ بحرق الكتب التي كانوا يرونها هدامة، كتبت يوديش روندشاو (المجلة الناطقة باسم الاتحاد الصهيوني) تقول إن كثيراً من المؤلفين اليهود خونة تنكروا لجذورهم لأنهم شتتوا جهودهم بإسهامهم في الثقافة الألمانية غير اليهودية. وفي نبرة ترحيب واضحة، صرح إميل لودفيج (الكاتب اليهودي الألماني) بأن ظهور النازيين دفع بالآلاف من اليهود إلى حظيرة اليهودية مرة أخرى بعد أن كانوا قد ابتعدوا عنها. وقال: "ولذا، فأنا شخصياً ممتن لهم". وترد نفس الفكرة النازية الصهيونية على لسان الشاعر الصهيوني حاييم بياليك إذ يرى أن الهتلرية أنقذت يهود ألمانيا، ويضيف: "أنا أيضاً مثل هتلر أؤمن بفكرة الدم". وبكثير من القلق، لاحظ أعضاء الاتحاد المركزي للمواطنين الألمان من أتباع العقيدة اليهودية (وهي جماعة اندماجية تعتبر يهود ألمانيا مواطنين ألمانيين) أنشطة الصهاينة وتصريحاتهم واعتبروها طعنة من الخلف في الحرب ضد الفاشية.

стр. 2255

ولكن كل هذه المقالات والتصريحات لم تكن سوى افتتاحيات تمهيدية للإعلان الصهيوني الألماني الرسمي الذي أصدرته المنظمة الصهيونية في ألمانيا، في ٢١ يونيه ١٩٣٣، بعد وصول النازيين إلى السلطة (إعلان الاتحاد الصهيوني بشأن وضع اليهود في دولة ألمانيا الجديدة) ، Ausserung der Zionistischen Vereinigung fur Deutschland zur Stellung der Juden im Neuen Deutschen Staat. والذي حدَّد طبيعة علاقة الصهاينة بالنظام النازي بشكل واضح لا إبهام فيه. وقد اتخذ الإعلان شكل مذكرة أُرسلت مباشرةً إلى الحزب النازي وهتلر وتم من خلالها تحديد المقولات المشتركة بين النازيين والصهاينة. فقد بدأت المذكرة/الإعلان بتأكيد إمكانية التوصل إلى حل يتفق مع المبادئ الأساسية للدولة الألمانية الجديدة، دولة البعث القومي، ثم طرحت أمام اليهود طريقة جديدة لتنظيم وجودهم. وانتقلت المذكرة بعد ذلك لعرض إطارها السوسيولوجي، فقامت بانتقاد الشخصية اليهودية التي تتسم بالكسل، وبيَّنت أن صعوبة وضع اليهود تنبع من شذوذ النمط الوظيفي الذي يتبعونه، ومن الخلل الكامن في كونهم جماعة تتخذ مواقف فكرية أخلاقية غير متجذرة في تقاليدهم الحضارية الخاصة (أي أنهم قومية عضوية توجد خارج أرضها) . وبعد أن تبنت المذكرة هذا النقد النازي لليهود انتقلت لإيضاح نقط الالتقاء الفلسفية والنظرية بين الصهيونية والنازية، فأكدت أن الصهيونية مثل النازية تمزج الدين بالقومية، فالأصل والدين ووحدة المصير والوعي الجمعي يجب أن تكون كلها ذات دلالة حاسمة في صياغة حياة اليهود. وتؤكد المذكرة أن المنظمة تقبل مبدأ العرْق، أحد ثوابت الرؤية النازية، كأساس لتصنيف الأفراد والجماعات المختلفة ولإنشاء علاقة واضحة مع الشعب الألماني وحقائقه القومية والعرْقية. كما تقوم المذكرة بتعريف اليهود تعريفاً عرْقياً، مبينة أن هدف الصهيونية هو التصدي للزيجات المختلطة والحفاظ على نقاء الجماعة اليهودية.

стр. 2256

هذا هو الإطار الفلسفي الذي اقترحته المنظمة الصهيونية لتحديد العلاقة بين الصهاينة والنظام النازي، مؤكدةً إمكان تحويله إلى ممارسة وإجراءات. وقد طرحت المنظمة الصهيونية نفسها باعتبارها الحركة الوحيدة القادرة على أن تأتي بحل للمسألة اليهودية يحوز رضا الدولة النازية الجديدة ويتفق مع خُططها، حل يهدف إلى بعث اليهود من الناحية الاجتماعية والثقافية والأخلاقية في إطار فكرة الشعب العضوي ويتبع النموذج النازي. وكما تقول المذكرة الإعلامية: "على تربة الدولة الجديدة، ألمانيا النازية، نريد أن نعيد صياغة بنية جماعتنا بأكملها بطريقة تفيد ألمانيا واليهود في المجال المخصص لهم، فهدف الصهيونية هو تنظيم هجرة اليهود إلى فلسطين". وسيؤدي الإطار النظري الفلسفي المطروح إلى ظهور حقائق اجتماعية جديدة تأخذ شكل نموذج جديد: اليهودي المتجذر في تقاليده الروحية، الواعي بنفسه الذي لا يحس بالحرج تجاه هويته، وهو نموذج مختلف تماماً عن ذلك اليهودي الذي لا جذور له والذي يهاجم الأسس القومية للجوهر الألماني، وهو مختلف أيضاً عن اليهود المندمجين الذين يحسون بالضيق لانتمائهم للجماعة اليهودية وللعرْق اليهودي وللماضي اليهودي (ولابد هنا من ملاحظة أن النموذج اليهودي الجديد لا يختلف في أساسياته عن النموذج النازي) . ثم تمضي المذكرة قائلة إن الصهيونية تأمل أن تحظى بالتعاون مع حكومة معادية لليهود بشكلٍّ أساسي، إذ لا مجال للعواطف عند تناول المسألة اليهودية، فهي مسألة تهم كل الشعوب (وخصوصاً الشعب الألماني) في الوقت الراهن. وفي نهاية المذكرة/الإعلان، شجب الصهاينة جهود القوى المعادية للنازية وهتلر، والتي كانت قد طالبت في ربيع عام ١٩٣٣ بمقاطعة ألمانيا النازية اقتصادياً. ومما يجدر ذكره أن هذه الوثيقة لم تُكتَشف إلا عام ١٩٦٢ ولم تُعط الذيوع الذي تستحقه، رغم أنها ُتلقي الكثير من الضوء على علاقة النازيين بالصهاينة. وربما لو عرف مؤرخو

стр. 2257

الإبادة النازية في الشرق والغرب بها لنظروا إلى الإبادة النازية لليهود نظرة مختلفة بعض الشيء. ونشرت يوديش روندشاو مقالاً تعلن فيه عن استعداد الصهاينة للتعاون مع أصدقاء اليهود وأعدائهم، حيث إن المسألة اليهودية ليست مسألة عاطفية، وإنما هي مسألة حقيقية تهتم بها كل الشعوب. وهذا الموقف امتداد لموقف هرتزل حين ميَّز بين التعصب الديني القديم (وهو مجرد تعصب عاطفي غير منهجي) والمعاداة الحديثة لليهود والتي وصفها بأنها حركة بين الشعوب المتحضرة الغربية تحاول من خلالها التخلص من شبح يطاردها من ماضيها. ويتضمن التمييز هنا شكلاً من أشكال القبول بالمعاداة المنهجية الرشيدة لليهود أو التي تم ترشيدها. وقد تبنى هتلر موقفاً مماثلاً حين ميَّز هو الآخر بين المعاداة العاطفية لليهود والمعاداة المنهجية لهم، إذ تنتهي الأولى بالمجازر، أما الثانية فتنتهي بالحل الصهيوني، أي تهجير جميع اليهود من ألمانيا إلى «وطنهم» فلسطين. وقد حدَّد هتلر مشروعه بالنسبة إلى اليهود على أسس صهيونية ومنهجية رشيدة (وهي القومية العضوية) . كما قرر روزنبرج ضرورة مساندة الصهيونية بكل نشاط «حتى يتسنى لنا أن نرسل سنوياً عدداً محدداً من اليهود إلى فلسطين، أو على الأقل عبر الحدود» . وحينما استولى النازيون على السلطة، سمحوا للصهاينة بالقيام بنشاطاتهم الحزبية، سواء اتخذت شكل اجتماعات أو إصدار منشورات أو جمع تبرعات أو تشجيع الهجرة أو التدريب على الزراعة والحرف، أي أنهم سمحوا لهم بنشاط صهيوني خارجي كامل. كما كانت المجلات الصهيونية هي المجلات الوحيدة غير النازية المسموح لها بالصدور في ألمانيا. وقد وتمتعت هذه المجلات بحريات غير عادية، فكان من حقها أن تدافع عن الصهيونية كفلسفة سياسية مستقلة. وحتى عام ١٩٣٧، لم يتأثر عدد صفحات يوديش روندشاو بالقرارات الاقتصادية التقشفية التي تقرر بمقتضاها إنقاص عدد صفحات كل المجلات (وضمنها المجلات الآرية) . كما

стр. 2258

نشرت دور النشر الألمانية أعمال حاييم وايزمان وبن جوريون وآرثر روبين. ويقول إدوين بلاك مؤرخ اتفاقية الهعفراه (أي النقل) ، إن "الصهيونية هي الفلسفة السياسية المستقلة الوحيدة التي وافق عليها النازيون". وقد بيَّنا من قبل عدم اكتراث الصهاينة بالمقاومة اليهودية وغير اليهودية للنازيين. ولكن يبدو أن المسألة كانت تتخطى مجرد عدم الاكتراث بمصير اليهود وعدم الاشتراك في المقاومة، إذ يبدو أن الصهاينة اكتشفوا، أثناء الإرهاب النازي ضد اليهود، ذلك التناقض العميق بين فكرة الدولة اليهودية ومحاولة إنقاذ اليهود.

стр. 2259

وقد حدد بن جوريون القضية بشكل قاطع (في ٧ ديسمبر ١٩٣٧) حين أكد أن المسألة اليهودية لم تَعُد مشكلة آلاف اليهود المهدَّدين بالإبادة وإنما هي مشكلة الوطن القومي أو المستوطن الصهيوني. وقد أدرك بن جوريون خطورة فصل مشكلة اللاجئين اليهود عن المشروع الصهيوني والتفكير في توطين اللاجئين في أي مكان إن لم تستوعبهم فلسطين. وأكد بن جوريون أنه إن استولت "الرحمة على شعبنا ووجه طاقاته إلى إنقاذ اليهود في مختلف البلاد" فإن ذلك سيؤدي إلى "شطب الصهيونية من التاريخ". وفي العام التالي صرح بن جوريون أمام زعماء الصهيونية العمالية: «لو عرفت أن من الممكن إنقاذ كل أطفال ألمانيا بتوصيلهم إلى إنجلترا، في مقابل أن أنقذ نصفهم وأنقلهم إلى فلسطين ـ فإني أختار الحل الثاني، إذ يتعين علينا أن نأخذ في اعتبارنا، لا حياة هؤلاء الأطفال وحسب، بل كذلك تاريخ شعب إسرائيل» . وإذا كان بن جوريون على استعداد بالتضحية بنصف الأطفال اليهود من أجل الوطن القومي الصهيوني فإن إسحق جرونباوم (رئيس لجنة الإنقاذ بالوكالة اليهودية) قد تجاوز الحدود تماماً، ففي حديث له أمام اللجنة التنفيذية الصهيونية في ١٨ فبراير ١٩٤٣، صرح قائلاً إنه لو سُئل إن كان من الممكن التبرع ببعض أموال النداء اليهودي الموحد لإنقاذ اليهود فإن إجابته ستكون «كلاَّ ثم كلاَّ» بشكل قاطع. وأضاف: "يجب أن نقاوم هذا الاتجاه نحو وضع النشاط الصهيوني في المرتبة الثانية ... إن بقرة واحدة في فلسطين أثمن من كل اليهود في بولندا". وكان وايزمان قد عبَّر عن نفس الفكرة النفعية عام ١٩٣٧ حينما قال: "إن العجائز سيموتون، فهم تراب وسيتحملون مصيرهم، وينبغي عليهم أن يفعلوا ذلك". وانطلاقاً من هذه الرؤية المتمركزة حول المشروع الصهيوني وليس الإنسان اليهودي، لعبت الحركة الصهيونية دوراً حاسماً في تدمير جميع المحاولات الرامية إلى توطين اليهود في أماكن مختلفة من العالم، مثل جمهورية

стр. 2260

الدومينيكان، حتى يضمن الصهاينة تدفق المادة البشرية اليهودية على فلسطين. ولهذا، التزمت جولدا مائير، مندوبة الحركة الصهيونية في فلسطين، الصمت الكامل حيال مداولات مؤتمر إفيان باعتبارها أمراً لا يخصها (وقد فسَّرت موقفها هذا، فيما بعد، بأنها لم تكن تدري شيئاً عن عمليات الإبادة النازية) . وقد اكتشف النازيون أيضاً عمق تناقض مصالح الصهاينة مع اليهود واتفاق الموقف النازي مع الموقف الصهيوني. فاليهودي الصهيوني الذي يخدم هويته العضوية هو شخص يستحق الاحترام (لأنه يدرك الواقع من خلال إطار عضوي وثني يشبه الإطار النازي) ، على عكس اليهودي المتألمن المندمج الذي يتمسح في الهويات العضوية للآخرين ولا ينجح بطبيعة الحال في اكتسابها، لأنه حبيس هويته اليهودية، شاء أم أبى. ولعل هذا يُفسِّر السبب في أن النازيين اعتبروا أن عدوهم الحقيقي هو اليهود الأرثوذكس والجماعة المركزية للمواطنين اليهود من أتباع العقيدة اليهودية. ولعله يفسر أيضاً لم كانت علاقة الدولة النازية بالمنظمات الصهيونية تتسم بشيء من الود والتفاهم. فبينما كان الأرثوذكس والإصلاحيون يطالبون بمنح اليهود حقوقهم كمواطنين، وباندماجهم في مجتمعاتهم، كان الصهاينة يعارضون الاندماج ويعارضون منح اليهود أي حق، إلا حق الهجرة إلى الوطن القومي اليهودي.

стр. 2261

لكل هذا قام النظام النازي بتشجيع النشاط الصهيوني ودعم المؤسسات الصهيونية والسماح للمنظمات الصهيونية بممارسة جميع أنشطتها من تعليم وتدريب على الاستيطان ونشر مجلاته، بينما مُنع الاندماجيون والأرثوذكس من إلقاء الخطب، أو الإدلاء بتصريحات، أو جمع التبرعات أو مزاولة أي نشاط آخر. وقد قام كورت جروسمان، في كتاب هرتزل السنوي (الجزء الرابع) ، بدراسة الموضوع، ونشره تحت عنوان "الصهاينة وغير الصهاينة تحت حكم النازي في الثلاثينيات". وألحق الكاتب بالمقال ثماني وثائق نازية تحمل كلها توجيهات للشرطة خاصة بتنظيم النشاط اليهودي في ألمانيا النازية. وأول هذه التوجيهات (رقم ٣٦٤٢٠/٨١١٣٤ صادر عن الشرطة السياسية في بافاريا بتاريخ ٢٨ يناير ١٩٣٥، وهو خاص بمنظمات الشباب اليهودي. وجاء فيه أن إعادة بعث المنظمات الصهيونية التي تدرب اليهود تدريباً مهنياً على الزراعة والحرف، قبل تهجيرهم إلى فلسطين، هو أمر في صالح الدولة النازية. بينما جاء في توجيه آخر (رقم ١٧١٨٦/٨١١٣٥ بتاريخ ٢٠ فبراير ١٩٣٥ أنه "يجب حل المنظمات اليهودية التي تدعو إلى بقاء اليهود في ألمانيا". وقد مُنع مواطن صهيوني (جورج لوبنسكر) عن طريق الخطأ من إلقاء الخطب، ثم صدر توجيه آخر (رقم ١٩١٠٦/١١٣٥١ ب) ليصحح هذا الوضع، وصدر أمر بالسماح له بممارسة نشاطه «لأنه مدافع بليغ عن الفكرة الصهيونية وتعهد بأن يساعد على هجرة اليهود في المستقبل دون أية عوائق» .

стр. 2262

كما اهتم النازيون كثيراً بنشاط التصحيحيين. ولهذا، صدر تصريح (رقم ١٧٩٢٩/١١٣٥ ب) لمنظمتي الشباب القومي الهرتزلي وعصبة الأشداء (بريت هابريونيم) بأن يرتدوا أزياءهم الرسمية أثناء اجتماعاتهم. وقد مُنح التصريح، كما جاء في التوجيه، بشكل استثنائي لأن صهاينة الدولة (أي التصحيحيين) برهنوا على أنهم هم الذين يمثلون المنظمة التي تحاول، بكل السبل، حتى غير الشرعية منها، أن ترسل أعضاءها إلى فلسطين. وكان من شأن التصريح بارتداء الزي أن يحفز أعضاء المنظمات اليهودية الألمانية على الانضمام إلى منظمة الشباب الخاصة بصهاينة الدولة، حيث كان يجري حثهم بشكل أكثر كفاءة على الهجرة إلى فلسطين. وقد صدر تصريح (رقم ١٩٠٥٢/١١٣٥ ب) للمنظمات الصهيونية بتاريخ ٩ يوليه ١٩٣٥ بجمع التبرعات من أجل تشجيع الهجرة والاستقرار في فلسطين ولشراء الأراضي هناك. ومُنح التصريح "لأن هذه التبرعات تساهم في الحل العملي للمسألة اليهودية". كما شجَّع النازيون المدارس العبرية والمؤسسات الثقافية ذات التوجه اليهودي التي تساعد على إظهار الهوية اليهودية والرجوع عن الاندماج، بل منعوا اليهود من رفع الأعلام الألمانية وسُمح لهم برفع «العَلم اليهودي» (أي عَلم المنظمة الصهيونية) .

стр. 2263

والملاحَظ أن أشكال التعاون بين النازيين والصهاينة، والتي تناولناها حتى الآن، تمت بشكل غير مقصود (تصريحات صهيونية يستفيد منها النازيون) ، أو هي التقاء عفوي في منتصف الطريق (نشاط صهيوني يشجعه النازيون) . ولكن ثمة أشكالاً أخرى من التعاون الواعي. فهناك دلائل تشير إلى أن الجستابو وفرق الإس. إس S.S. (الصاعقة) ساعدت في تهريب المستوطنين الصهاينة إلى فلسطين، أي أن النازية لم تدعم الصهيونية التوطينية وحسب، بل امتد دعمها إلى الصهيونية الاستيطانية أيضاًَ. ولكن أهم أشكال التعاون مع الصهاينة الاستيطانيين تم من خلال اتفاقية الهعفراه المبرمة بين النظام النازي وصهاينة المُستوطَن (دون علم الصهاينة التوطينيين أو يهود العالم) . ولا تكمن أهمية الاتفاقية في تبيان مدى عمق العلاقة بين الصهاينة والنازيين وحسب، بل إنها تبين أيضاً مدى عمق التناقض بين الصهاينة المستوطنين والصهاينة التوطينيين، وهو تناقض سيطر على الحركة الصهيونية منذ ولادتها ولم تفلح الأيام إلا في زيادته حدة. ويمكن القول بأن إبرام اتفاقية الهعفراه كان أول مواجهة حقيقية بين الفريقين، وقد كسب المستوطنون هذه الجولة الأولى. وتوجد حالات محددة تعاون فيها الصهاينة مع النازيين في عمليات نقل اليهود وإبادتهم (كاستنر ونوسيج) . كما تُوجَد منظمة صهيونية ذات طابع نازي واضح، وهي عصبة الأشداء التي سبقت الإشارة لها. وبالمثل، حاولت منظمة شتيرن تقنين عملية التعاون. وسنتناول أشكال التعاون هذه في بقية هذا الفصل. معاهدة الهعفراه (الترانسفير ( Haavrah (Transfer) Treaty

стр. 2264

«هعفراه» كلمة عبرية تعني «النقل» أو «الترانسفير» . والنقل هو أحد مكونات الصيغة الصهيونية الأساسية. والهعفراه هو اسم معاهدة وقعها المستوطنون الصهاينة مع النازيين. وقد كان الصهاينة الاستيطانيون في الثلاثينيات يبحثون عن وسائل لدعم المستوطن وحماية مصالحهم بأية طريقة، ومن ذلك التعاون مع النظام النازي، بينما كان صهاينة الخارج التوطينيون وقادة الجماعات اليهودية مشغولين بعمليات إنقاذ يهود ألمانيا، وضمنها تنظيم مقاطعة اقتصادية ضد هذا النظام. ومن أهم الشخصيات القيادية في عملية المقاطعة صمويل أُنترماير المحامي الأمريكي اليهودي (الصهيوني) الذي نجح في تكوين حركة جماهيرية تضم اليهود وغير اليهود بقيادة الرابطة الأمريكية للدفاع عن حقوق اليهود، وأسس منظمة دولية أطلق عليها «الاتحاد اليهودي الاقتصادي العالمي» في أمستردام للتنسيق بين جميع المنظمات الداعية إلى المقاطعة. وشكلت المقاطعة، وخصوصاً في الشهور الأولى، تهديداً خطيراً للنظام النازي. ويذهب إدوين بلاك (مؤلف كتاب الهعفراه، وهو أهم كتاب صدر في الموضوع في جميع اللغات) إلى أنه لو اتحدت المنظمات اليهودية والصهيونية خلف حركة المقاطعة، فلربما كانت قد نجحت في تعبئة الجماهير غير اليهودية، وانضمت بعض الحكومات إليها، ولما نجح النازيون، وخصوصاً في الأشهر الأولى من تسلمهم السلطة، في الإمساك بزمام الأمور "فاستجابة مباشرة وموحَّدة كان من الممكن أن تقصم ظهر ألمانيا قبل شتاء عام ١٩٣٣".

стр. 2265

ولكن المستوطنين الصهاينة كانوا قد قرروا تبني خطة تخدم مصالحهم، فسافر الزعيم العمالي الصهيوني ورئيس الدائرة السياسية في الوكالة اليهودية حاييم أرلوسوروف (١٨٩٩ ـ ١٩٣٣) إلى ألمانيا لمناقشة إمكانية التعاون والتبادل الاقتصادي معها. وكانت المسألة بالنسبة إلى المستوطنين ملحة للغاية، فقد فشل المستوطن الصهيوني في اجتذاب المهاجرين ولم يصل إليه رأس المال اليهودي المتوقع (وقد تم اغتيال أرلوسوروف بعد عودته من ألمانيا بعدة أيام) . وكان هنريش وولف قنصل ألمانيا العام في القدس قد مهد الجو له وللمبعوثين الصهاينة من بعده عندما كتب مؤيداً وموضحاً المزايا التي سيجنيها النظام النازي من التعاون معهم. وفي النهاية، تم توقيع الاتفاق عام ١٩٣٣ الذي كان يقضي بأن تسمح السلطات الألمانية لليهود الذين يقررون الهجرة من ألمانيا إلى فلسطين بـ «نقل» جزء من أموالهم إلى هناك رغم القيود التي فرضتها ألمانيا على تداول العملة الصعبة. وكان ذلك يتم بتمكين أولئك اليهود من إيداع المبلغ المسموح بتحويله (ألف جنيه إسترليني) في حساب مغلق يفتح في بنك واسرمان في برلين وبنك ووربورج في هامبورج ثم يُسمَح باستعمال هذا المبلغ فقط لشراء تجهيزات وآلات زراعية مختلفة من ألمانيا ويتم تصديرها إلى فلسطين. وهناك تقوم الشركة ببيع هذه البضائع وتسدد بأثمانها المبالغ المستحقة لمودعيها بعد وصولهم كمهاجرين إلى فلسطين، وتحتفظ بالفرق كعمولة أو ربح لها.

стр. 2266

وقد تم تعديل الاتفاقية بحيث أصبح في مقدور اليهود الألمان الذين لا ينوون الهجرة مباشرةً، ويريدون مع هذا تأسيس بيت في فلسطين والمساهمة في تطويرها، أن يستعملوا الحساب المغلق وأن يودعوا أموالهم فيه شرط ألا يزيد المبلغ الإجمالي عن ثلاثة ملايين مارك تستعمل لشراء بضائع ألمانية أياً كان نوعها. وأثناء تنفيذ الاتفاقية، اعترضت بعض العناصر في وزارة الخارجية الألمانية على هذه المساهمة النازية في بناء المُستوطَن الصهيوني. كما قام المستوطنون الألمان في فلسطين (من أتباع جماعة فرسان الهيكل) بالضغط ولكن دون جدوى، إذ أن هتلر نفسه قرر وجوب الاستمرار في العمل بالاتفاقية. ويبدو أن الهدف الأساسي والمباشر من الاتفاقية كان (من المنظور النازي) كسر طوق المقاطعة اليهودية في العالم للبضائع الألمانية في أنحاء العالم. وفي محاولة لتوضيح الموقف النازي، قال وزير الاقتصاد الألماني لوزير الخارجية إن الاتفاقية تقدم أحسن ضمان لأقوى تأثير مضاد لإجراءات المقاطعة اليهودية للبضائع الألمانية. كما أكد القنصل الألماني العام في القدس الفكرة نفسها حين قال: "بهذه الطريقة، يمكن أن نقوم نحن الألمان بحملة ناجحة في مواجهة المقاطعة اليهودية في الخارج ضد ألمانيا. وقد يمكننا أن نحدث ثغرة في الحائط". ولاحَظ القنصل أنه في الصراع الدائر، بين الصهاينة التوطينيين (في الخارج) والصهاينة الاستيطانيين (في فلسطين) ، بدأت موازين القوى تتغيَّر لصالح المستوطنين: «إن فلسطين هي التي تعطي الأوامر، ومن الأهمية بمكان أن نحطم المقاطعة في فلسطين في المقام الأول، وسيترك هذا أثره على الجبهة الأساسية في الولايات المتحدة «.

стр. 2267

وقد أيَّده في ذلك فريتز رايخرت عميل الجستابو في فلسطين حين قال: "إن مهمتنا الأساسية هي أن نمنع، انطلاقاً من فلسطين، توحيد صفوف يهود العالم على أساس العداوة لألمانيا ... لقد دمرنا مؤتمر المقاطعة في لندن من تل أبيب لأن رئيس الهعفراه في فلسطين، بالتعاون الوثيق مع القنصلية الألمانية في القدس، أرسل برقيات إلى لندن أحدثت الأثر المطلوب". ويقول إدوين بلاك: "إن احتمالات انهيار الاقتصاد الألماني بدأ بالتناقص بسرعة بمرور الوقت. فحينما عقد أُنترماير اجتماعاً لاتحاده الدولي في أمستردام في أواخر يوليه ١٩٣٣، كانت الفرصة لا تزال جيدة. ومع نهاية أغسطس، عند انعقاد المؤتمر الصهيوني الثامن عشر (١٩٣٣) ، كانت الفرصة صعبة لكنها ممكنة".

стр. 2268

فماذا حدث في هذا المؤتمر؟ لعل دراسة الوقائع وتوقيتها يعطينا صورة دقيقة ومثيرة عن المعركة بين المستوطنين الصهاينة وصهاينة الخارج التوطينيين وكيفية إدارتها، وكذلك عن بعض الأساليب التي استخدمها المستوطنون لإحكام قبضتهم على الفريق المعادي. فقد وُقِّعت الاتفاقية بشكل مبدئي في ١٧ أغسطس ١٩٣٣ وسُوِّيت كل النقط الفنية المعلقة في ٢٢ أغسطس بعد افتتاح جلسات المؤتمر الصهيوني الثامن عشر في براغ (تشيكوسلوفاكيا) . وقد أدرك النازيون الأهمية غير العادية للمؤتمر وركزوا كل جهودهم عليه حتى يتسنى إفشال المحاولات الرامية لإصدار قرارات من شأنها دعم المقاطعة اليهودية. وبعد افتتاح جلسات المؤتمر، ألقى سوكولوف خطبة ملتهبة عن يهود ألمانيا وبؤسهم دون أي ذكر للمقاطعة. ولكن النازيين كانوا يودون إحراز المكاسب الإعلامية التي يطمحون إليها، ولهذا أعلنوا عن الاتفاقية يوم ٢٤ أغسطس، وهو اليوم الذي كان محدداً لمناقشة وضع يهود ألمانيا في المؤتمر، وقد تناقلت صحف أوربا الخبر، وألقى سوكولوف خطبة ملتهبة قال فيها: "إن اليهود يحترمون إسبانيا القديمة أكثر من ألمانيا الحديثة لأن خروج اليهود جميعاً أفضل من إهانتهم على هذا النحو". ورغم أن ألفاظه جاءت غاضبة شكلاً إلا أن مضمونها كان نازياً صهيونياً، فهو لا يتحدث عن حقوق اليهود في أوطانهم وإنما عن حقهم في الخروج الكامل والنهائي منها. وقدَّم الصهاينة التصحيحيون قراراً محدداً خاصاً بالمقاطعة، ولكن العماليين نجحوا في فرض قرارهم. وكان النازيون قد أوقفوا مجلة يوديش روندشاو عن الصدور مدة ستة أشهر، فرُفع عنها الحظر وصدرت في اليوم نفسه وهي تحمل مقالاً تتباهى فيه بأن المؤتمر الصهيوني هزم بأغلبية ساحقة اقتراح التصحيحيين الذي كان يهدف إلى تحويل المنظمة الصهيونية إلى وحدة مقاتلة. وصدرت الصحف النازية مرحبة هي الأخرى بالموقف الإيجابي للمؤتمر.

стр. 2269

وحينما افتتحت جلسة ٢٥ أغسطس، انهالت برقيات الاحتجاج من يهود العالم لأن الاتفاقية ستهز مصداقية حركة المقاطعة اليهودية من جذورها وتقضي عليها تماماً في نهاية الأمر. فصعَّد النازيون حملتهم الإعلامية الذكية، وأعلنوا يوم ٢٧ أغسطس عن صفقة برتقال ضخمة مع المستوطن الصهيوني (أشار إليها أحد صهاينة الخارج بـ «البرتقالة الذهبية» قياساً على «العجل الذهبي» ) . وأرسل أُنترماير برقية يطلب فيها أن ينكر المؤتمر أن مثل هذه الصفقة قد أبرمت، وهدد بأنه إن كان الأمر حقيقة ولم يتم إلغاء الصفقة، فإن المنظمة الصهيونية الأمريكية ستنسحب من المنظمة الصهيونية. وفي يوم ٣١ أغسطس، نشرت الحكومة الألمانية النص الكامل لاتفاقية الهعفراه، فقُوبل الحدث بعدم تصديق من جانب يهود الخارج. ونشرت جويش كرونيكل النص باعتباره نكتة نازية رائعة، كما أنكرت الدائرة السياسية للوكالة اليهودية أية علاقة لها بالموضوع، ولكنها تراجعت عن ذلك بالتدريج واعترفت بإبرام الاتفاقية.

стр. 2270

وفي يوم ٢ سبتمبر، طرح العماليون مشروع قرار يحكم سيطرتهم الكاملة على الصهاينة التوطينيين جاء فيه: "كجزء من الانضباط الصهيوني، لا يُسمَح لأي فرد أو مجموعة داخل المنظمة الصهيونية أن يشتغل بالسياسة الخارجية، أو أن يتصل بالحكومات الأجنبية أو بعصبة الأمم، أو أن يقوم بأية نشاطات سياسية من شأنها المساس بصلاحيات اللجنة التنفيذية". ويتضمن هذا القرار تحريماً لكل أشكال الاحتجاج ضد النازية وضمن ذلك اتفاقية الهعفراه. وقد تم التصويت على القرار الساعة الثالثة صباحاً ووُفق عليه، وأُجِّل التصويت على الاتفاقية ذاتها حتى آخر يوم. وبعد طرح مشروع قرار عمالي ومشروع قرار مضاد، قام الزعيم العمالي برل كاتزنلسون فتحدث عن الانضباط وكيف أن مناقشة الهعفراه خرق له، وبيَّن للمؤتمرين أنه توجد، في كل الاجتماعات الديموقراطية، مسائل مهمة لا يمكن مناقشتها. ثم اختتم كلمته قائلاً إن على كل هيئة صهيونية أن تعترف بأن إرتس يسرائيل لها أولوية على أي شيء آخر، وأهم واجب هو إنقاذ حياة اليهود وممتلكاتهم من الخطر الذي يتعرضون له (ورغم أنه استخدم لغة الإنقاذ والإغاثة إلا أنه أحاطها بالإطار الأيديولوجي بتأكيده أولوية المستوطن على أي شيء آخر) . وقد وافق المؤتمر على مشروع القرار العمالي، الذي لم يأت فيه سوى أنه لن يتم اتخاذ أي شيء من شأنه أن يتعارض مع موقف المؤتمر فيما يتصل بالمسألة اليهودية الألمانية، أي أنه لن يقوم أي شخص بأي نشاط وسيُترك الأمر برمته للجنة التنفيذية. وقد وافق المؤتمرون في الجلسة نفسها على أن يصبح علم المنظمة هو علم الدولة، وأن يصبح نشيد الهاتيكفاه النشيد الوطني للدولة عند إنشائها، وأنشد المؤتمرون النشيد واختتمت أعمال المؤتمر. وقد أدركت جويش كرونيكل في ٣ سبتمبر أن الاتفاقية لم تكن نكتة نازية خفيفة بل حقيقة صهيونية نازية ثقيلة مريرة، ونشرت جرائد أخرى أنباء الاتفاقية وما حدث في المؤتمر.

стр. 2271

وكان المؤتمر اليهودي العالمي الثالث على وشك الانعقاد في جنيف في ٨ سبتمبر. ولما كانت أنباء الاتفاقية قد أصبحت معروفة ولم يعد هناك أي لبس أو إبهام، فقد كان من الممكن اتخاذ قرار في هذا الشأن. وكانت هذه الفرصة كما يقول إدوين بلاك، هي "الفرصة الأخيرة "أمام اليهود والصهاينة لكي يتخذوا قراراً حاسماً (وخصوصاً أن حركة المقاطعة في الأوساط غير اليهودية كانت آخذة في التزايد) . ولكن المؤتمر اليهودي اجتمع وفشل في اتخاذ قرار محدد بخصوص المقاطعة نتيجة الضغط الصهيوني، واكتفى بتأييد المعارضة التلقائية بين الجماهير. وقد تم إفشال المؤتمر بإشراف الزعيم الصهيوني الأمريكي ستيفن وايز، وكان قد أفشل قبلاً اجتماع أُنترماير في أمستردام ولندن. وحينما عُرضت الاتفاقية مرة أخرى على المؤتمر الصهيوني التاسع عشر (١٩٣٥) ، بهدف نقضها، رُفض مشروع القرار وتقرر وضع نشاطات الهعفراه كافة تحت إشراف الإدارة الصهيونية. وقد حققت اتفاقية الهعفراه نجاحاً باهراً من وجهة نظر النازيين والصهاينة. فقد نجح النازيون في تصديع أسس المقاطعة اليهودية لألمانيا دون أن يضطروا إلى إجراء أي تعديل في سياستهم تجاه اليهود. وأما بالنسبة إلى المستوطنين، فإن فترة الهعفراه تُعُد أهم فترة في تاريخ المُستوطَن إذ تم تزويده بعدد كبير من أعضاء المادة البشرية المطلوبة وبرأس المال اللازم للبنية التحتية. وقد بلغ عدد اليهود الألمان الذي هاجروا إلى فلسطين في الفترة الواقعة بين عامي ١٩٣٣ و١٩٤١ (بموجب الاتفاقية) نحو ٥٢.٣٠٠ ويُشكِّلون ٢٥% من مجموع المهاجرين اليهود إلى فلسطين خلال الفترة نفسها. وكان بينهم ٦.٥٢٩رأسمالياً يمثلون إضافة اقتصادية ضخمة للمستوطن و٦.٧٠٠مهاجر من أبناء الطبقة الوسطى المثقفة غالبيتهم من الأطباء والمحامين والمهندسين والصناعيين.

стр. 2272

كما ذكر ناحوم جولدمان في مذكراته أنه حينما قابل رئيس وزراء تشيكوسلوفاكيا عام ١٩٣٥، اتهم الرئيس الصهاينة برفضهم الاشتراك في المحاولات الرامية إلى مقاطعة هتلر، بل تخريبها بإبرامهم اتفاقية الهعفراه. وكان تعليق جولدمان الوحيد على ذلك أنه شعر حينذاك بالبؤس والخجل إلى درجة لم يشعر بها من قبل، وأن رئيس الوزراء كان على حق فيما يقول. ومما يجدر ذكره أن اتفاقية الهعفراه ظلت سارية المفعول حتى عام ١٩٣٩ مع نشوب الحرب العالمية الثانية، ثم توقف العمل بموجبها ولكن دون أن تُلغى رسمياً. المجالس اليهودية Judenrat » المجالس اليهودية» ترجمة للعبارة الألمانية «يودين رات Judenrat» . وهي مجالس كان يقيمها النازيون بين الجماعات اليهودية التي تقع تحت سلطتهم. وكان سلوك أعضاء المجالس يندرج تحت واحد من أربعة أنماط: ١ ـ تعاون من نوع ما في المجالات الاقتصادية والمادية. ٢ ـ استعداد للاستجابة للمطالب النازية حين يتعلق الأمر بمصادرة الممتلكات والأشياء المادية الأخرى، مع رفض كامل لتسليم اليهود. ٣ ـ قبول اضطراري لإبادة جزء من الجماعة اليهودية على أمل إنقاذ الجزء الآخر. ٤ ـ خضوع كامل للمطالب النازية نظير حماية مصالح القيادة اليهودية. ويبدو أن القيادات اليهودية القديمة كانت تسلك وفق النمطين الأولين. ولكن النمطين الثالث والرابع سادا في المراحل الأخيرة حينما ترأست المجالس اليهودية شخصيات يهودية جديدة لم تضطلع بدور القيادة من قبل.

стр. 2273

وكان النازيون يحاولون، قدر المستطاع، أن يضموا إلى هذه المجالس العناصر الصهيونية أو اليهودية القومية باعتبارها عناصر حديثة تشاركهم الرؤية في أن أوربا ليست وطن اليهود، وأنه يجب إخلاؤها منهم، وأن كفاح اليهود (باعتبارهم شعباً عضوياً [فولك] ) يجب أن ينصرف إلى الهجرة لا إلى المقاومة والثورة. وقد نجحت هذه المجالس في إدارة أمور الجماعات وضمان سكوتها. وكان كثير من الصهاينة أعضاء في هذه المجالس، بل يُقال إن النازيين كانوا يفضلون الصهاينة على غيرهم من اليهود بسبب اتفاق الفريقين في المنطلقات الفكرية بينهما. وتُثير المجالس اليهودية قضية التعاون مع النازيين. وقد عَرَّفت الموسوعة اليهودية (جودايكا) التعاون بأنه علاقة تعني قدراً من المشاركة، وأنها اتفاق إرادي حر بين فريقين. ومن ثم خَلُصت الموسوعة إلى أنه لا يمكن اتهام المجالس اليهودية بالتعاون مع النازيين، لأنها كانت مجرد أداة سلبية خاضعة للضغط النازي تنفذ ما يُطلب منها. كما أن المقاومة على أي حال لم تكن تُجدي فتيلاً لأن المخطط النازي كان لابد أن ُينفَّذ مهما كان حجم المقاومة.

стр. 2274

ووجهة النظر التي تطرحها الموسوعة اليهودية مقبولة إلى حدٍّ كبير، وتتسم بشيء من التعاطف الإنساني المطلوب مع أفراد وجدوا أنفسهم تحت سكين الجلاد فسلكوا سلوكاً إجرامياً قد لا يوافقون عليه بالضرورة، ولهذا فلا يمكن أن يُعدوا مسئولين عما ارتكبوه من جرائم. لكن التعاطف الإنساني يجب ألا َيعرف أية حدود، ويجب ألا ُيميِّز بين اليهود والأغيار، ولذا ينبغي أن يُطبَّق هذا المعيار على كل من تعاون مع النازيين، فهم أيضاً كانوا يعيشون في ظل الإرهاب النازي، وكثيرون منهم نفذوا تعليمات النازي خشية الإرهاب، ومن ثم لم يكن هناك أي قدر من المشاركة والاختيار الحر. وانطلاقاً من ذلك، فإن محاكمة مجرمي الحرب، خصوصاً من صغار الموظفين، تصبح مسألة غير قانونية وغير إنسانية. بل إن قبول مثل هذه الأطروحة يجعل من الممكن استبعاد جميع المتعاونين تقريباً من قوائم الاتهام، بل تبرئة ساحتهم. فالنظام النازي كان نظاماً حديثاً شمولياً حقق مستوى عالياً من الكفاءة العميقة في الوصول إلى جميع الأفراد وفي محاصرتهم إعلامياً، وكان يمتلك جهازاً أمنياً تنفيذياً قادراً على الحركة السريعة، وعلى معاقبة كل المنحرفين. وكان المنحرفون من الألمان يُعاقبون بقسوة بالغة، لأنهم أعضاء في الشعب الألماني العضوي (المختار) وانحرافهم أمر غير مفهوم وغير مبرر، ويتطلب إنزال عقوبات عليهم تفوق ما ينزل على البشر العاديين من عقوبات.

стр. 2275

أما افتراض عدم جدوى المقاومة من البداية فهو افتراض خاطئ، إذ يمكن للمرء تخيل ملايين الضحايا من اليهود وغير اليهود وقد رفضوا أن يستقلوا القطارات التي تقلهم إلى معسكرات السخرة والإبادة تحت ظروف الحرب، فلعل مثل هذه المقاومة كانت ستوقف آلة الحرب الألمانية أو على الأقل ترهقها لدرجة تجعل القيادة تعدل عن تنفيذ مخططها الإبادي. وهنا تبرز مسئولية مجالس اليهود، فهي التي قامت بتهدئة الضحايا بشتى الوسائل وبإقناعهم بالرضوخ حتى تم تنفيذ المخطط النازي أو معظمه. ويذهب أيزياه ترانك (في كتاب له صدر عام ١٩٧٢) إلى أن هناك من يرى أنه لو لم يتبع اليهود تعليمات المجالس اليهودية لتمكن ما يزيد عن نصفهم من الهرب من الإبادة. ويرى المفكر الديني اليهودي ريتشارد روبنشتاين أن تراث يهود العالم، منذ أن تركوا فلسطين بعد تحطيم الهيكل، ولَّد فيهم قابلية للاستسلام والخنوع، وأن هذه القابلية هي التي جعلت بإمكان المجالس اليهودية أن تلعب هذا الدور، وأن تضع أعضاء الجماعات اليهودية في براثن النازي. رابطة الثقافة اليهودية Juedischer Kulturbaund

стр. 2276

«رابطة الثقافة اليهودية» (بالألمانية: يوديشر كولتوربوند Juedischer Kulturbund) منظمة ألمانية يهودية تأسست في ألمانيا النازية عام ١٩٣٣، بمبادرة من النظام النازي وبعض المثقفين الألمان اليهود مثل كورت باومان وكورت سنجر ويوليوس باب وفرنر ليفي. وتصدر الجماعة عن الإيمان بفكرة الشعب العضوي والشعب العضوي المنبوذ. حيث ذهبوا إلى أن أعضاء الجماعة اليهودية هم أعضاء في شعب عضوي (فولك) ، ومن ثم لا يحق لهم المشاركة أو المساهمة في الحياة الثقافية العامة في ألمانيا، وهو افتراض قبله الصهاينة وكثير من المثقفين اليهود في ألمانيا وخارجها قبولاً تاماً. وكان مفهوم الشعب العضوي هو القيمة الحاكمة والمسلمة النهائية في المنظومة النازية، ولذا بارك جوبلز وزير الدعاية النازي نفسه فكرة تأسيس الرابطة التي استمرت في نشاطها حتى عام ١٩٤١، وكانت بمنزلة المنبر الأساسي للكُتَّاب والموسيقيين اليهود. وقد بلغ عدد أعضائها ١٧ ألفاً ثم زاد إلى ١٩ ألفاً بعد عدة شهور، وكان يعمل فيها عدد كبير من الموظفين و١٢٥ من الموسيقيين والممثلين والمغنين، وكانت تطبع بعض منشوراتها بالعبرية واليديشية (الوعاء الثقافي لتراث الشعب العضوي) .

стр. 2277

ونظراً لنجاح الرابطة، تم في عام ١٩٣٨ تأسيس شبكة قومية من فروع الرابطة في كل أنحاء ألمانيا بلغ عددها ١٦٨ فرعاً، وبلغ عدد أعضائها ١٨٠ ألفاً (أي أنها كانت تضم معظم يهود ألمانيا الراشدين) ، بل بلغ حجم العضوية في برلين وحدها ما بين ١٢ ألفاً و١٨ ألفاً. وبلغ عدد الفنانين اليهود التابعين للرابطة حوالي ألفين. وقامت الرابطة بتنظيم ما يقرب من ٨٤٥٧ برنامجاً تشمل محاضرات وحفلات ومسرحيات وعروضاً فنية. وحققت إيراداً بلغ مليوناً وربع مليون مارك. كما كان لها جريدتها الخاصة. وقد شاركت الرابطة بنشاط ملحوظ في الدعاية النازية، سواء في الداخل أم في الخارج. ففي الداخل، قامت الرابطة بزيادة التماسك العضوي والوعي اليهودي بين أعضاء الجماعة اليهودية، الأمر الذي يعني زيادة عزلتهم وإعطاء مصداقية للرؤية النازية لليهود. أما بالنسبة للخارج، فكانت تعطي صورة مشرقة للحكم النازي في علاقته باليهود وفي سماحه لهم بالإفصاح عن هويتهم العضوية. ورغم أن أغلب البرامج الثقافية والعلمية المقدمة من قبَل الرابطة كانت تخضع لرقابة البوليس السري (جستابو) وغرفة الفنون والثقافة ثم لرقابة قيادات الحزب النازي في برلين، إلا أن السلطات النازية حرصت على استمرار نشاط الرابطة حتى بعد أحداث عام ١٩٣٨، حينما تم الهجوم على الممتلكات اليهودية وإلقاء أعداد كبيرة من أعضاء الجماعة اليهودية في معسكرات الاعتقال، واستجابت لمطالب رؤساء الرابطة الخاصة بالسماح لهم باستخدام المسارح الألمانية لتقديم عروض الرابطة وتأسيس دور عرض سينمائي خاصة بها. كما عرضت تقديم دعم مالي لها، وقامت بتقديم الأرباح التي حققتها من خلال جريدتها ودور العرض السينمائي إلى المنظمات المختصة بتنظيم هجرة أعضاء الجماعة اليهودية إلى خارج ألمانيا. وقد نجح بعض قادة الرابطة في الهجرة، وتم حل الرابطة بشكل نهائي عام ١٩٤١ بأمر من الحكومة.

стр. 2278

ولم تكن هذه الرابطة حادثة عرضية في تاريخ علاقة النازيين بالجماعة اليهودية. فقد أظهر النازيون دائماً اهتماماً غير عادي بالثقافة اليهودية باعتبارها تعبيراً عن أن الشعب اليهودي شعب عضوي مستقل. ولذا، أسست السلطات النازية أهم متحف يهودي في العالم آنذاك في تشيكوسلوفاكيا (ولا يزال هذا المتحف قائماً) . وفي مستوطنة تيريس آينشتات، ازدهرت الثقافة اليهودية، وكانت الفرق الموسيقية تقدم عروضاً للزوار الأجانب وتصور الأفلام وتوزعها على العالم. ولم يكن سلوك النازيين (هذا) ينم عن أي تسامح أو اضطهاد، وإنما هو تعبير عن إيمان بأن القومية العضوية تشكل أرضية تفاهم مشتركة بينهم وبين الصهاينة، وهي أرضية لا توجد بينهم وبين أي فريق يهودي آخر. تيريس آينشتات Thereseinstadt » تيريس آينشتات Thereseinstadt» مدينة في تشيكوسلوفاكيا (وتُسمَّى «تيريزين» بالتشيكية) حولها النازيون إلى مستوطنة نموذجية بين عامي ١٩٤١ و١٩٤٥. رُحِّل إليها حوالي ١٥٠.٠٠٠يهودي من يهود وسط أوربا وغربها من المتميِّزين أو المسنين أو اليهود من أبناء الزيجات المختلطة. وقد أيد زعماء الجماعة اليهودية في تشيكوسلوفاكيا الخطة، باعتبار أن هذا يعني بقاء يهود تشيكوسلوفاكيا في وطنهم. ويُقال إن الهدف النازي من تأسيس هذه المستوطنة النموذجية كان إعلامياً بحيث تقدم للإعلام العالمي باعتبارها مثالاً على "حياة اليهود الجديدة تحت حماية الرايخ الثالث" (وهو اسم أحد الأفلام التي صُورت في المستوطنة (.

стр. 2279

وقد أدار المستوطنة مجلس من الكبراء يضم القادة اليهود ويترأسه أحد كبراء اليهود كانت تعينه السلطات الألمانية. وتمتعت المستوطنة بحريات كثيرة، حيث كان لها نظامها التعليمي ونظامها البريدي المستقل ومكتباتها وهويتها الثقافية. ومن ثم، كان من مسئوليات مجلس الكبراء الحفاظ على النظام في المستوطنة وتوزيع العمل فيها وتوطين المستوطنين الجدد والعناية بالصحة وبالمسنين والأطفال والإشراف على النشاط الثقافي. كما كان يتبع المستوطنة نظام قضائي مستقل (أي أن تيريس آينشتات كانت تتمتع بالحكم الذاتي) . وقد سمحت السلطات النازية لسلطات الصليب الأحمر بزيارة المستوطنة وبالاجتماع بمجلس الكبراء. وقد رُحِّل حوالي ١٤٠.٩٣٧ يهودياً إلى مستوطنة تيريس آينشتات من بينهم ٣٣.٥٢٩ ماتوا فيها، أي حوالي ٢٥%، ورُحِّل حوالي ٨٨.١٩٦إلى معسكرات الاعتقال. وحينما تم تحرير المستوطنة وكان يوجد فيها ١٧.٢٤٧ شخصاً. وتثير هذه المستوطنة الكثير من القضايا: ١ ـ يُلاحَظ اشتراك المجالس اليهودية مع السلطات النازية في كل الأنشطة سواء الإعداد والتخطيط للمستوطنة أو إدارتها أو مقابلة مندوبي الصليب الأحمر الدولي. وهذا التعاون يثير واحدة من أهم القضايا الأساسية في ظاهرة الإبادة النازية لليهود، أي مدى اشتراك قيادات الجماعات اليهودية في عملية الإبادة. ٢ ـ وتثير المستوطنة قضية ترشيد الإبادة، فلم يكن النازيون مجرد جزارين على الطريقة التقليدية، وإنما كانوا يلجأون إلى التخطيط العلمي الدقيق وإلى التفرقة بين اليهود المتميِّزين واليهود العاديين. ٣ ـ ويمكن التساؤل أيضاً عما إذا كان هدف النازيين هو توظيف اليهود أم إبادتهم.

стр. 2280

٤ ـ ولا تختلف علاقة المستوطنة بالسلطات النازية عن علاقة أية دولة في العالم الثالث بالقوة الإمبريالية التي تحكمها، والحريات التي كان يتمتع بها سكان المستوطنة لا تزيد كثيراً عن تلك التي تعرضها الحكومة الصهيونية على سكان الضفة الغربية باسم الحكم الذاتي، وهو ما يجعلنا نذهب إلى القول بأن التجربة النازية جزء لا يتجزأ من الحضارة الغربية. ٥ ـ ومن القضايا الأخرى التي تثيرها المستوطنة، عدد اليهود الذين تمت إبادتهم عن طريق أفران الغاز. فالموسوعة اليهودية (جودايكا) تتحدث عن أن ربع سكان هذه المستوطنة المثالية التي تتمتع بظروف خاصة ماتوا بسبب ظروف الحرب، وأنه في أبريل ١٩٤٥ وصل إلى تيريس آينشتات ١٤.٠٠٠ سجين من معسكرات الاعتقال الأخرى، فاجتاحت الأوبئة سكان المستوطنة وهلك منهم ومن المرحلين الجدد الآلاف، واستمرت الأوبئة في حصدهم حتى بعد سقوط النظام النازي. فإذا كانت الأوبئة قد حصدت حياة الألوف قبل بعد انتهاء الحرب، ألا يثير هذا قضية عدد اليهود الذين أُبيدوا عن طريق أفران الغاز؟ جيتو وارسو Warsaw Ghetto أسس النازيون جيتوات كانت تأخذ شكل مناطق قومية تتمتع بقدر كبير من الاستقلال، فكان يتم إخلاء رقعة من إحدى المدن من غير اليهود ثم يُنقل إليها عشرات الآلاف من اليهود. ومن أشهر هذه المناطق جيتو وارسو ولودز وريجا في بولندا ومستوطنة تيريس آينشتات «النموذجية» في بوهيميا.
следующие страницы →