Полный текст (8 511 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
أداة في يد النخبة الحاكمة الإقطاعية. وبهذا، كان اليهود أقنان بلاط (مماليك تجارية) يُستخدَمون لامتصاص الثروة من المجتمع ولضرب الطبقات التجارية الصاعدة. وقد ظهر، بين اليهود، يهود البلاط، وهم من كبار المموِّلين الذين كانوا يقومون بإدارة الشئون المالية لبعض الإمارات الألمانية والدول الغربية في عصر الملكية المطلقة، ويساعدون حكامها على تأسيس صناعات جديدة وارتياد آفاق اقتصادية لم يرتدها أحد من قبل. ولكن الوضع لم يختلف كثيراً، إذ كان يهود البلاط مرتبطين ارتباطاً كاملاً بالنخبة الحاكمة، وظل نشاطهم الاقتصادي محصوراً بحدود الملكيات والإمارات المطلقة. كل هذا كان يعني أن أعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة اليهودية (أقنان بلاط أو يهود بلاط) كانوا خارج التشكيلات البورجوازية والرأسمالية الغربية الصاعدة التي يشير إليها ماكس فيبر باعتبارها «الرأسمالية الرشيدة» . كما أن تبعيتهم هذه كانت تعني أن نشوء رأسمالية يهودية مستقلة مستحيل، إذ كان الحاكم يصادر أموالهم حينما يصلون إلى درجة عالية من الثراء كما حدث لكثير من يهود البلاط.
وهذا الوضع في حد ذاته لا يخلق مسألة يهودية، بل إن مثل هذه المسألة تبدأ في الظهور حينما تتناقص حاجة المجتمع إلى اليهودي كتاجر أو مراب أو مدير مالي أو متعهد عسكري، وذلك بعد أن تنشأ طبقات تجارية ومالية محلية أو بعد أن تضطلع الدولة نفسها بمثل هذه الوظائف. وهذه عملية تتطور بالتدريج إلى أن يستغني المجتمع عن الجماعات الوظيفية الوسيطة تماماً.
وقد بدأ تقلقل وضع اليهود كجماعة وظيفية وسيطة في غرب أوربا (في إنجلترا وفرنسا) في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين وطُردوا منهما، كما طُردوا من إسبانيا في القرن الخامس عشر الميلادي. وكان يتم طردهم من الولايات الألمانية حتى القرن السابع عشر الميلادي، ولكنهم كانوا ينتقلون من واحدة إلى الأخرى، ولذا لم يتم طردهم منها نهائياً.
стр. 2452
وقد كان اليهود يحلون مشكلتهم بالتقهقر إلى الماضي، إذ هاجرت أعداد كبيرة منهم إلى شرق أوربا، وبخاصة بولندا، حيث لعبوا دورالتاجر والمرابي ومحصِّل الضرائب مرة أخرى، واستمر وضعهم مزدهراً حتى أواخر القرن الثامن عشر الميلادي. ولكن، بنشوء طبقات رأسمالية محلية في مجتمعات شرق أوربا، وتزايد دور الدولة فيها، بدأ اليهود يواجهون مشكلة التأقلم مع الوضع الجديد. فمراكز التجارة الإقطاعية كانت قد بدأت تنحل لتحل محلها مدن صناعية وتجارية جديدة، وهو ما ضيَّق الخناق على جماهير التجار اليهود وأدَّى إلى تدفُّق المهاجرين إلى مناطق أكثر قدرة على استيعابهم داخل روسيا ذاتها في بداية الأمر، ثم إلى غرب أوربا، وأخيراً إلى الولايات المتحدة.
стр. 2453
وعند هذه النقطة، تُطرَح قضية مدى نَفْع اليهود ومدى إنتاجيتهم، وتُثار الأسئلة الخاصة بازدواج الولاء، بكون اليهود يشكلون دولة داخل دولة. وبالتالي، فإن المسألة اليهودية (أي بداية الاستغناء عن الجماعات الوظيفية اليهودية) بدأت مع الثورة التجارية وظهور الدولة القومية المركزية (المطلقة ثم الليبرالية ثم الشمولية) التي قامت بتوحيد جميع مناحي الحياة ودمج المواطنين كافة، وطالبتهم بالولاء الكامل والانتماء غير المشروط لها، وحاولت أن تصهرهم جميعاً (بما في ذلك أعضاء الأقليات) في بوتقة واحدة ينتظمها إطار واحد. وعلى هذا، أُعطىَ اليهود حقوقهم السياسية (أي تم إعتاقهم) ، وفُتحت أمامهم مجالات الحراك الاجتماعي، وسُمح لهم بالعمل في جميع الوظائف وفي الخدمة العسكرية، وأُسقطت حوائط الجيتو. ولكنهم طُولبوا في المقابل بأن يصلحوا أنفسهم وأن يتخلوا لا عن انعزاليتهم وحسب، وإنما عن خصوصيتهم أيضاً، فالمُثُل السائدة في الغرب آنذاك كانت هي مُثُل عصر الاستنارة "الأممية" التي تدور حول فكرة الإنسان الطبيعي. ومن ثم تعيَّن على أعضاء الجماعات اليهودية ألا يستخدموا سوى لغة الوطن الأم وأن ينبذوا اليديشية أو أية لغات أو لهجات أو رطانات سرية أو علنية خاصة بهم. وبخاصة في المعاملات التجارية حتى لا يغشوا أحداً (مثلما حُرِّم على الصينيين استخدام الصينية في المعاملات التجارية في الفلبين) ، كما طولبوا بتغيير أزيائهم وأسمائهم، بل إدخال إصلاحات على عقيدتهم الدينية بحذف الجوانب القومية من عقيدتهم لتصفية أي اشتباه في ازدواج الولاء. كما أصبح مفروضاً على اليهود عدم تدريس التلمود إلا بعد سن معينة. وكانت الدولة تقوم بتدريب حاخامات في مدارس دينية يهودية تشرف عليها، كما كانت تتدخل في تعليم اليهود كلَّ شيء بما في ذلك تعليمهم الدين، بل كانت تتدخل أحياناً في تحديد سن الزواج وعدد الأطفال المصرَّح بإنجابهم.
стр. 2454
التحديث وظهور الرأسمالية الرشيدة والمسألة اليهودية
Modernization, Emergence of Rational Capitalism and the Jewish Question
أدَّت عمليات التحديث وظهور الرأسمالية الرشيدة إلى تدهور وَضْع أعضاء الجماعات الوظيفية اليهودية في الغرب بسبب فقدانهم دورهم، وهو ما يُسمَّى «المسألة اليهودية» . ولكن التحديث نفسه وكذا الرأسمالية الرشيدة هما اللذان أدَّيا إلى حل المسألة. ويمكن تقسيم أوربا إلى ثلاث مناطق أساسية، وأساس التصنيف هو نمط التحديث السائد ومدى قوة أو ضعف الرأسمالية الرشيدة:
١ ـ غرب أوربا (إنجلترا وفرنسا وهولندا وغيرها) ، ثم الولايات المتحدة فيما بعد، وهي دول التحديث الحر: وهي مجتمعات حققت معدلات عالية من التقدم الاقتصادي في فترة مبكرة، وكان لها مشروع استعماري قوي ساهم في حل معظم مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية وحقق قدراً من الوفرة ساعد على خفض حدة الصراعات الطبقية والتوترات الاقتصادية الداخلية.
وقد قامت الطبقة البورجوازية بعملية التحويل الاجتماعي في هذا البلد وتبنَّت مُثُلاً ليبرالية منفتحة. وكانت الرؤية القومية التي سادت هذه المجتمعات هي الأخرى منفتحة، فكانت مسألة الانتماء للوطن مسألة غير عضوية أو عرْقية، وإنما مسألة انتماء قومي متاح لكل من وُلد داخل المجتمع ونشأ على أرضه وكان على استعداد للاضطلاع بوظيفته وأداء واجبه. ولذا، لم تستبعد المُثُل القومية في هذه المجتمعات أعضاء الجماعات اليهودية، وإنما فتحت الأبواب والفرص أمامهم فحققوا الحراك الاجتماعي الذي يحتاجون إليه.
стр. 2455
وحتى النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي، لم تكن معظم هذه البلاد تضم جماعات يهودية كبيرة، إما لعدم وجود يهود فيها أصلاً أو لأنهم طُردوا منها في مرحلة سابقة. وحينما استوطن اليهود مرةً أخرى في هذه البلاد، ابتداءً من القرن السادس عشر الميلادي أي مع بدايات التحديث، فإنهم استقروا في بلاد تحددت فيها الملامح الأساسية للاقتصاد التجاري الرأسمالي، وكانت تضم طبقة تجارية محلية قوية لا تخشى منافسة رأس المال اليهودي بل ترحب به لحاجتها إلى الاستثمارات في المشاريع الرأسمالية والاستعمارية المختلفة. وقد تم توطين أعضاء الجماعات اليهودية في هولندا وإنجلترا في القرن السابع عشر، ثم في العالم الجديد داخل هذا الإطار.
وقد كان اليهود الذين استقروا في هذه البلاد من أصل سفاردي ولديهم كثير من الكفاءات المطلوبة والاتصالات الدولية المهمة، كما كانوا متقدمين من الناحية الحضارية. ثم انضمت إليهم عناصر من الإشكناز شكلوا الأغلبية فيما بعد واستوعبوا كثيراً من عناصر الحضارة الغربية حولهم.
ورغم أن العنصر الإشكنازي كان متمايزاً حضارياً ووظيفياً، إلا أن هذا التمايز تقوَّض بمرور الوقت من خلال المعدلات السريعة للتحديث وفتح باب الحراك الاجتماعي، وكذلك من خلال التقاليد السياسية الليبرالية السمحة. واستمرت عملية دمجهم في المجتمع حتى زال التمايز الوظيفي والاقتصادي تماماً، ثم تبعه التمايز السياسي والحضاري.
стр. 2456
لم تكن عملية التحديث سهلة أو متيسرة في أول الأمر، بل كانت بعض الحكومات مثل فرنسا تضطر إلى استصدار قوانين خاصة لفرض التحديث على اليهود الإشكناز في الألزاس واللورين. كما حدثت بعض المشاكل والتراجعات والترديات مثل حادثة دريفوس (في فرنسا) . ولعل ظهور الفكر العرْقي في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، وانتشاره فيها، هو شكل من أشكال التردي. وقد ظهرت بعض التوترات ذات الطابع العرْقي في إنجلترا في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحالي، وذلك بعد هجرة يهود شرق أوربا بأعداد متزايدة، كما ظهرت التوترات نفسها فى الولايات المتحدة مع أزمتها الاقتصادية في الثلاثينيات. لكن مثل هذه المشاكل والتوترات لا تختلف كثيراً عن تلك التي تنشأ في أي مجتمع في فترات الأزمات الاقتصادية، بين أعضاء الأقليات فيها من جهة وبعض العناصر المتطرفة من أعضاء الأغلبية الذين يُضخِّمون خطر أعضاء الأقلية من جهة أخرى، وهي عادةً ما يتم التغلب عليها، كما حدث بالفعل في نهاية الأمر.
٢ ـ وسط أوربا (النمسا وألمانيا) ، وهي دول التحديث المختلط والشمولي والتحديث تحت رعاية الدولة: وقد بدأ التحديث في هذه الدول وغيرها من دول وسط أوربا في وقت متأخر قليلاً، مع منتصف القرن التاسع عشر الميلادي. وتم تحت إشراف بعض العناصر التقليدية في المجتمع (الملك وبعض النبلاء) أو بإشراف الحكومة، أي أن عملية التطور الصناعي لم تتم حسب النمط الرأسمالي الحر وإنما بتدخل الحكومة.
стр. 2457
ولم يكن لهذه الدول مشروع استعماري قوي يساهم في تخفيف حدة التوترات الاجتماعية والاقتصادية (أو أن مشروعها الاستعماري تم إجهاضه على يد دول غرب أوربا ولصالحها) ، كما لم تَسُد المُثُل البورجوازية الليبرالية فيها، لأن الطبقة البورجوازية لم تكن قوية بما فيه الكفاية ولم تتول قيادة كل الطبقات، وقنعت في غالب الأمر بدور التابع. وعلى مستوى الرؤية القومية، ظهرت فكرة القومية العضوية (الجامعة الألمانية) ، وفكرة الشعب العضوي (الفولك) ، وهي التي حددت مسألة الانتماء القومي على أساس عضوي ثقافي ضيق، ثم حوَّلته في مرحلة لاحقة إلى مسألة انتماء عرْقي أو انتماء قومي ديني (القومية المسيحية) . وهذا الأمر ينطبق على ألمانيا أكثر من انطباقه على الإمبراطورية النمساوية المجرية، التي كانت تشجع التعددية كما هو الحال مع الإمبراطوريات المتعددة القوميات. وإن كان هذا لم يمنع من انتشار الرؤية الألمانية العضوية في النمسا التي كانت دائماً في محيط ألمانيا الثقافي.
ولم يكن هناك جماعة يهودية كبيرة في وسط أوربا. فيهود ألمانيا، على سبيل المثال، لم يزد عددهم على ١% من عدد السكان، ولذا، فإنهم لم يكونوا جماهيراً بمعنى الكلمة. وقد حققوا معدلات عالية من الاندماج في محيطهم الثقافي، فكانوا يتحدثون اللغة الألمانية ويتبعون أسلوب الحياة السائد في المجتمع، وازداد الزواج المُختلَط بينهم. وقد برز كثير من أعضاء الجماعات اليهودية من الرأسماليين (من ورثة يهود البلاط) ولعبوا دوراً مهماً في تطوُّر الرأسمالية والصناعة الألمانية. إلا أن ثمة عناصر أخرى فصلتهم عن محيطهم الثقافي وخلقت لهم وضعاً خاصاً وأعاقت عملية التحديث، منها:
стр. 2458
أ) يُلاحَظ أن الهجرة من شرق أوربا في منتصف القرن التاسع عشر حتى عام ١٨٨٠، والتي كانت هجرة داخلية أي من بلد أوربي إلى آخر، كانت تقذف بأعداد كبيرة من يهود اليديشية المتخلفين، المتمايزين حضارياً وطبقياً، إلى ألمانيا والنمسا. وحينما ضم هذان البلدان أجزاء من بولندا، ضما معها أعداداً كبيرة من يهود اليديشية، الذين هاجرت أعداد منهم إلى المدن الألمانية والنمساوية وبدأوا يصبغون الجماعات اليهودية فيها بصبغة يهودية فاقعة. وكان هؤلاء المهاجرون يُشكِّلون التربة الخصبة للأفكار الصهيونية، كما كانوا يفرضون على يهود هذه البلاد تبنِّي الصهيونية التوطينية حلاًّ لمشاكل اللاجئين. ولا يمكن فهم دعوة هرتزل للصهيونية، وهو اليهودي المندمج بل المنصهر، إلا بإدراك أنه كان مهدداً بفقدان موقعه الطبقي ومكانته الاجتماعية وانتمائه الحضاري بسبب وفود الآلاف من يهود اليديشية. وقد كان عدد أعضاء الجماعة اليهودية في فيينا لا يزيد عن بضع مئات في أواخر القرن الثامن عشر، ثم قفز عددهم إلى نحو ١٧٦ ألفاً مع بداية القرن العشرين.
ب) ورغم أن يهود ألمانيا والنمسا كانوا مندمجين في محيطهم الثقافي، فإنهم كانوا يتميَّزون طبقياً ووظيفياً. فعدد كبير منهم، وبخاصة في ألمانيا، كان من العاملين بالتجارة وشئون المال وبنسبة تفوق نسبتهم إلى عدد السكان. وبعد تَصاعُد عملية التحديث في ألمانيا، وبخاصة بعد حرب عام ١٨٧٠ وضم الألزاس واللورين. ومع بدايات المشروع الاستعماري الألماني، ازداد المموِّلون من أعضاء الجماعة اليهودية نشاطاً، وازداد وجودهم وضوحاً حتى ارتبط اليهود في الوجدان الشعبي بالمشروع الحر والاستغلال الرأسمالي والمضاربات، هذا على الرغم من وجود أعداد كبيرة من اليهود المتسولين والفقراء.
стр. 2459
جـ) ارتبطت عناصر يهودية أخرى بالحركات الثورية، بحيث ارتبط اليهود في الوجدان البورجوازي في هذه الدول بالشيوعية والحركات الفوضوية والثورية، وزادت هذه العناصر تميُّز اليهود وعزلتهم عن كثير من الطبقات والقطاعات داخل المجتمع. وظل الجو في وسط أوربا مشحوناً بالكراهية العنصرية ضد أعضاء الجماعات اليهودية حتى الحرب العالمية الأولى، حين تحوَّلت النمسا إلى بلد صغير لا أهمية له، وتم تحطيم ألمانيا وإذلالها والقضاء على مشروعها الاستعماري، ثم تحويلها هي ذاتها إلى شبه مستعمرة. وعندما عاودت ألمانيا التحديث، تم ذلك تحت مظلة الدولة وتحت لواء فلسفة شمولية ترفض كلاًّ من البلشفية والليبرالية، وتطرح رؤية عرْقية عضوية صارمة تُهمِّش مختلف أعضاء الجماعات الذين لا ينتمون انتماءً عضوياً كاملاً إلى الأغلبية، وبخاصة اليهود الذين تركَّزوا في اليمين واليسار. وقد سقط رأس المال الذي يملكه الرأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية ضحية هذه العملية وهاجرت أعداد كبيرة منهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية وفلسطين، بما تبقى من ثرواتهم.
٣ ـ شرق أوربا (أي روسيا وبولندا ورومانيا) ، وهي الدول ذات الاقتصاد الرأسمالي المتخلف التي تعثَّر فيها التحديث وتوقف، ثم استؤنف على النمط الاشتراكي: وقد بُذلَت محاولات شتى في هذه البلاد لتحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج، وخُصِّصت الجوائز للحرفيين وأصحاب العمل الذين يُشغِّلون الصناع اليهود، وأُرسل ألوف اليهود لاستصلاح الأراضي في بعض المناطق الروسية. وحاولت الحكومة إدخال التعليم العلماني بين اليهود ليكتسبوا خبرات تؤهلهم للتعامل مع البنيان الاقتصادي الجديد، واستمرت هذه المحاولات التي ساهم فيها أثرياء اليهود في الغرب حتى عام ١٨٨٠ تقريباً، ولذلك يُلاحَظ أن الهجرة اليهودية، حتى ذلك الوقت، كانت هجرة داخلية إلى المراكز الصناعية.
стр. 2460
ومما ساعد على تخفيف حدة الانتقال إلى النمط الرأسمالي في الإنتاج، في مرحلة ما قبل عام ١٨٨٠، أن النمط الرأسمالي (في مراحله الأولى) كان يتم بأشكال بدائية، وهو ما أتاح لعدد من اليهود أن يجدوا مجالاً رحباً للعمل في التجارة (في المدن الصناعية الجديدة) وفي الحرف. وقد ظهرت حركة التنوير اليهودية تعبيراً عن تقبُّل اليهود واليهودية لعملية التحديث.
ولكن محاولات تحديث اليهود تعثَّرت في شرق أوربا، وتفاقمت المسألة اليهودية لأسباب مركبة يرجع بعضها إلى طبيعة تركيب الدولة الروسية وطبيعة النظام الاجتماعي السائد فيها وفي دول شرق أوربا، والبعض الآخر يرجع إلى بعض السمات الخاصة بالجماعة اليهودية في روسيا وبولندا، ومن هذه الأسباب:
١ ـ بدأت عملية التحديث، في روسيا وبولندا، في مرحلة متأخرة جداً، إذ كان اقتصادهما، حتى بعد منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، اقتصاداً يشبه من الناحية الأساسية اقتصاد البلاد التي يُقال لها متخلفة. ولم يكن لبولندا أو رومانيا مشروعات استعمارية مستقلة، بل كانتا مستعمرتين من قبل روسيا والدولة العثمانية. أما روسيا، فقد كان لها مشروعها الاستعماري الجديد في آسيا على حدودها مع تركيا في منطقة البحر الأسود، وعلى حدودها مع بولندا وأوكرانيا وغيرهما، وعلى حدودها مع الصين واليابان. ولكن هذا المشروع بدأ متأخراً أيضاً ولم يكن قد آتى أُكله بعد نظراً لحداثته ولعدم كفاءة البيروقراطية الروسية وعدم وجود رأس المال الروسي الكافي للاستثمار فيه. بل يُقال إن المشروع الاستعماري لروسيا القيصرية كان يُشكّل عبئاً على الخزانة الروسية، ولذا كان بعض المفكرين الروس يطالبون الدولة القيصرية بالانسحاب من مستعمراتها. ولهذا، لم يساهم المشروع الاستعماري الروسي في حل المشاكل الداخلية للدولة، بل لعله زادها تفاقماً.
стр. 2461
٢ ـ لم تسُد المُثُل الليبرالية لا في المجال الاقتصادي ولا في المجال السياسي. ويعود هذا إلى عدة أسباب من بينها حجم الدولة الروسية الضخم، وهذه هي إحدى سمات التشكيل الحضاري المتعدِّد القوميات المترامي الأطراف والذي تلعب الدولة فيه دائماً دوراً مركزياً في عمليات النهضة كما تُشكِّل عنصر التوحيد الأساسي. ومن ناحية أخرى، فإن البورجوازية الروسية كانت ضعيفة وهزيلة إلى أقصى حد، ولذا فإن عملية التحديث تمت بقيادة الحكومة الأرستقراطية الروسية الملتصقة بالكنيسة. كما أن القومية البولندية كانت دائماً ملتصقة بالكنيسة الكاثوليكية. وقد سادت مُثُل قومية عضوية منغلقة تجعل الانتماء مسألة ثقافية عضوية أو مسألة عرْقية أو دينية.
٣ ـ لم تكن عملية الدمج في دول شرق أوربا تتم داخل إطار حضاري منفتح يفترض المساواة بين الأفراد ويُظهر الاحترام للتراث الحضاري لكل الأقليات، وإنما كان ثمة افتراض بأن حضارة الأغلبية المسيحية أكثر أهمية، وأنَّ من واجب اليهود اللحاق بركب هذه الحضارة.
٤ ـ لم تكن عملية الدمج والتحديث والإعتاق تتم عن طريق الإقناع أو عن طريق إظهار النتائج الإيجابية والمكاسب التي قد تحرزها الجماهير اليهودية، وإنما كانت هذه العملية تتم عن طريق الإرهاب والقسر، الأمر الذي كان يثير مخاوف الجماهير اليهودية فتندفع عائدة إلى الجيتو (الفعلي والنفسي) حيث الأمن والطمأنينة.
стр. 2462
٥ ـ ونظراً لتميُّز الوضع الطبقي لأعضاء الجماعات اليهودية وارتباطهم بالطبقات الحاكمة وبالنظام الإقطاعي داخل نظام الإقطاع الاستيطاني والأرندا، كانت الحركات القومية والثورية الصاعدة تناصبهم العداء ولا تحاول تجنيدهم في صفوفها (إلا في حالات نادرة) ، إذ كان اليهود يُعَدُّون من الغرباء والأعداء. وبعد الحرب العالمية الأولى، استُؤنف التحديث في روسيا. أما بولندا وغيرها من دول شرق أوربا، فقد خرجت من الحرب بعد أن عانت من دمار رؤوس الأموال والممتلكات والحياة. وقد ضعفت السوق المحلية تماماً، وحلَّت محلها وحدات اقتصادية صغيرة متنافسة. وقد تدخلت حكومات هذه الدول، وكانت دولاً مركزية حديثة، فقامت بالدفاع عن مصالحها ومصالح طبقاتها الوسطى على حساب الأقليات التي تعيش داخل حدودها. ومما زاد التناقض تفاقماً أن انخفاض مستوى المعيشة كان يعني، أحياناً، ارتفاع مستوى معيشة أعضاء الجماعة اليهودية نظراً لاشتغالهم بالتجارة ولوجود كفاءات لديهم لم تكن متوافرة لبقية أعضاء المجتمع. كما أن تحويلات المهاجرين اليهود، من الخارج (الولايات المتحدة وغيرها من الدول) إلى ذويهم، ساهمت في هذا الإنعاش أيضاً. كل هذه العناصر ساهمت في عزل أعضاء الجماعات اليهودية عن بقية المجتمع وعمَّقت وضعهم كغرباء، وهذا ما جعل الدول لا تكترث بدمجهم وتحديثهم، بل تبذل قصارى جهدها أحياناً لطردهم. ومن هنا، فقد تبنَّت الحكومات الرجعية في هذه الدول سياسة صهيونية تجاه المسألة اليهودية.
стр. 2463
٦ ـ ومما ساعد أيضاً على تعثُّر عملية تحديث اليهود أن مجتمعات شرق أوربا كانت تخوض تحولات اقتصادية وسياسية عميقة بسبب سرعة معدل النمو الاقتصادي والحضاري في هذه المجتمعات، فهي مجتمعات لم تكن تمارس عملية النمو على النمط الأوربي الغربي البطيء الذي استغرق مئات السنين، وإنما كانت مجتمعات تنمو على نمط العالم الثالث، حيث تحاول الدولة القومية الجديدة أن تقوم بالثورة التجارية والقومية والاجتماعية والصناعية في وقت واحد، رغم ما قد يكون بين هذه الثورات من تناقض في الأهداف والوسائل في بعض الأحيان. كما أن معدلات النمو السريع لا تسمح بتاتاً بالعمل البطيء أو الخطأ المحتمل ومحاولة علاجه، بل تتطلب تحديد الأهداف والاندفاع نحوها. كما أن عملية التحول البطيئة تسمح لأعضاء الأقليات بأن يكتسبوا الخبرات المطلوبة للعمل في الاقتصاد الجديد، وأن يكتسبوا الهوية الجديدة الملائمة للمجتمع الجديد. ففي روسيا مثلاً، كانت المراحل الأولى للانتقال إلى الرأسمالية بطيئة نوعاً، كما أسلفنا، ولم تكن حركة شاملة بعد. غير أن النمو الرأسمالي لم يتوقف عند هذه المرحلة، بل اتسعت رقعة الصناعة لتشمل الصناعة الخفيفة أيضاً، فكان ذلك بمثابة ضربات قاضية دمرت الاقتصاد الإقطاعي ودمرت معه الفروع الرأسمالية الحرفية، حيث كان اليهود يتركَّزون بنسبة مرتفعة. وهكذا، تشابكت عملية تحويل التاجر اليهودي لما قبل الرأسمالية إلى عامل حرفي أو تاجر رأسمالي مع عملية أخرى وهي القضاء على العمل الحرفي لليهودي. ولكن الحرفي اليهودي لم يتمكن من التحول إلى عامل بسبب منافسة الفلاحين الروس المقتلَعين من مزارعهم ذات المستوى المعيشي المنخفض.
стр. 2464
٧ ـ ومما زاد الأمور تشابكاً وتعقُّداً أن الحرفي اليهودي كان يعمل في كثير من الأحيان فيما يمكن تسمَّيته «الحرف اليهودية» التي وُلدت في الظروف الخاصة بالشتتل والجيتو اليهودي. فلم يكن الحرفي اليهودي يعمل من أجل الفلاحين المنتجين، بل كان يعمل من أجل التجار والصيارفة والوسطاء، ولذلك نجد أن إنتاج السلع الاستهلاكية هو الشاغل الرئيسي للحرفي اليهودي، ذلك لأن زبائنه يتألَّفون من رجال متخصصين في تجارة الأموال والبضائع وغير منتجين أساساً. أما الحرفي غير اليهودي، فإن ارتباطه بالاقتصاد الزراعي جعله لا يُنتج سلعاً استهلاكية، لأن الفلاح يكفي نفسه بنفسه. وهكذا، كان الحرفي غير اليهودي (الحدّاد) يوجد إلى جانب الفلاح، وإلى جانب رجل المال اليهودي كان يوجد الحرفي اليهودي (الخياط) . وقد ساعد على تطوُّر الحرفي المسيحي ارتباطه بالتاجر المسيحي الذي كان يُوظِّف أمواله في حرف متخصصة غير مرتبطة بالنظام الإقطاعي (مثل نسج الأصواف) ، وهي حرف كان الغرض منها الإنتاج للتصدير وليس للاستهلاك المباشر، أي أنها تقع خارج نطاق النظام الإقطاعي وتُمثِّل نواة الاقتصاد الجديد، وبالتالي فهي لم تسقط مع الاقتصاد القديم. وانعكس هذا الوضع على الطبقة العاملة اليهودية، فكانت الحرف الأقل قابلية للتطور إلى صناعة محصورةً في أيدي الحرفيين اليهود، على حين انحصرت المهن الأكثر قابلية لهذا التطور في أيدي الحرفيين غير اليهود. فمثلاً نجد أن ٩٩% من صانعي الأقفال كانوا من غير اليهود، في حين كان ٩٤% من الخياطين من اليهود. ويُلاحَظ أن أول الكوادر العمالية التي وُجدَت في صناعات التعدين والنسج قد تشكَّلت بصورة مطلقة من غير اليهود.
стр. 2465
٨ ـ وثمة عناصر أخرى زادت من حدة المسألة اليهودية في أوربا الشرقية، من أهمها أن الأغلبية العظمى من يهود أوربا ويهود العالم كانت موجودة في بولندا وأوكرانيا التي كانت تتبعها. وقد تم تقسيم بولندا عدة مرات، وتم تقسيم أعضاء الجماعة اليهودية فيها بين عدة دول، لكل منها لغتها وسياستها وتوجُّهها الحضاري. فضمت روسيا الجزء الأكبر من الجماعة اليهودية وحاولت ترويس اليهود، أي صبغهم بالصبغة الروسية. وضمت ألمانيا جزءاً آخر، واعتبرت اليهود مواطنين ألمانيين نتيجةً لأنهم كانوا يتحدثون اليديشية (وهي رطانة ألمانية) ، وذلك حتى تضرب بهم السكان السلاف. وُضمَّت جاليشيا إلى الإمبراطورية النمساوية المجرية التي حاولت أن تفرض عليها الولاء والانتماء إليها. أما بولندا، فكانت تطالب من تبقَّى من اليهود فيها بأن يصبغوا أنفسهم بصبغة بولندية. وقد تضاعف عدد يهود رومانيا بعد أن ضمت مقاطعات كانت توجد فيها نسبة عالية من اليهود. وكانت هذه التقسيمات تتم بسرعة وتتضمن تحولات حضارية جوهرية وعميقة دون أن تكون هناك الفسحة الزمنية اللازمة لإنجاز التحول المطلوب.
стр. 2466
ويُلاحَظ أنه أثناء الحرب العالمية الأولى وبعدها، وقبل قيام الثورة البلشفية، كانت الحدود الجغرافية في المنطقة الحدودية التي يقطنها اليهود في حالة سيولة كبيرة، إذ أصبحت جاليشيا وبكوفينا وبولندا الروسية وليتوانيا مسرحاً للعمليات العسكرية تتحرك فيها الجيوش الألمانية والروسية. وقامت القوات الألمانية في بولندا بمحاولة تجنيد اليهود باعتبارهم عنصراً ألمانياً، وأصدرت القيادة العسكرية الألمانية منشورات بالعبرية واليديشية إلى «إخواننا اليهود» . وقام الروس البلاشفة أيضاً بطرح أنفسهم باعتبارهم محرِّري اليهود وكل الأقليات. ومن ثم فقد طالبوا أعضاء الجماعة اليهودية بمساندتهم والتحالف معهم. وقد انتهزت العناصر الأوكرانية هذه الفرصة وهاجمت العناصر اليهودية المحلية. وتسبَّب ذلك في إخفاق أعضاء الجماعة في تحديد ولائهم وفي تحديث أنفسهم كما هو مطلوب منهم، وكما حدث فعلاً بين بني ملَّتهم في غرب أوربا.
وبعد هذا الحديث العام والشامل عن مسألة يهود شرق أوربا من ناحية العناصر المشتركة، يمكننا أن نقلِّل من مستوى التعميم قليلاً ونركِّز على روسيا. ونحن في واقع الأمر، حين نتحدث عن يهود شرق أوربا أو يهود اليديشية، نتحدث عن روسيا التي ضمت بولندا مع بداية القرن التاسع عشر الميلادي فظلت تابعة لها حتى الحرب العالمية الأولى. وبالتالي، فإن روسيا كانت تضم داخل حدودها الأغلبية الساحقة من يهود اليديشية، أي معظم يهود العالم. ومن أهم الأسباب التي ساهمت في عرْقلة عملية تحديث أعضاء الجماعة اليهودية في الإمبراطورية القيصرية ما يلي:
стр. 2467
١ ـ كان يهود بولندا يلعبون دوراً تجارياً محدداً ونشطاً في بولندا بسبب إحجام الأرستقراطية البولندية عن العمل في التجارة. وكان النبيل الإقطاعي يفقد منزلته الطبقية إن عمل في التجارة، وهو ما ترك المجال مفتوحاً أمام اليهود. وحينما ضُمَّت أعداد كبيرة منهم إلى روسيا، وجدوا أنفسهم داخل تشكيل حضاري جديد توجد داخله طبقات تجارية كبيرة ونشيطة، خصوصاً أن النبلاء الروس لم يكن مُحرَّماً عليهم الاشتغال في التجارة. وقد شهدت الصناعة والتجارة الروسيتان حركة انتعاش عام ١٨٠٧، بعد أن فرض نابليون على روسيا مقاطعة إنجلترا تجارياً، وكانت روسيا في واقع الأمر مستعمرة لإنجلترا من الناحية التجارية. وأدَّى نهوض الحركة التجارية في روسيا إلى ضعف نشاط التجار اليهود.
٢ ـ لم يكن في روسيا جماعات يهودية تُذكَر حتى أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، بل كان محظوراً على اليهود دخول روسيا. وإن تم التصريح لهم بالدخول، كان عليهم مغادرتها في الحال. ولما ضمَّت روسيا أجزاءً من بولندا، وضمَّت معها أعداداً كبيرة من اليهود، وجدت روسيا نفسها تضم أكبر تجمُّع يهودي في العالم له صفاته الحضارية المميزة ولغته الغريبة وعقيدته أو عقائده الفريدة التي يدين بها. ولم يكن لدى البيروقراطية الروسية أية معرفة باليهود أو لغتهم أو مشاكلهم.
стр. 2468
٣ ـ كانت روسيا دولة تحكمها ملكية مطلقة، ولذا فإن مؤسسات الحكم فيها لم تكن مؤسسات حديثة قادرة على مساعدة الأقليات على الانتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى. بل ربما كان الوضع في روسيا أكثر سوءاً من غيرها من الدول لضخامتها وفساد موظفيها الذين كانوا في العادة مرتشين لا يؤمنون بأهمية العمل الذي يقومون به ولا يدركون أبعاده التاريخية والاجتماعية. وحتى حينما كانت تتوافر النية الصادقة، لم تكن هذه البيروقراطية تمتلك الأدوات اللازمة لترجمة الأفكار الإصلاحية إلى واقع اجتماعي جديد. ولذا، فإن اليهود، الذين كانوا راغبين بإخلاص في أن يخضعوا لعملية التحديث، وجدوا أنفسهم مواجَهين بمؤسسات هزيلة ليس لديها الإمكانات المطلوبة. ويمكن أن نضرب مثلاً بمحاولة بعض أعضاء الجماعة اليهودية الاستجابة إلى محاولات تحديثهم عن طريق العمل بالزراعة (ليخرجوا بذلك من مسام المجتمع الإقطاعي ويدخلوا في قطاع المهن المنتجة) ؛ غير أن هذه المحاولة ارتطمت ابتداءً بحقيقة أن الجماعة اليهودية كانت من الجماعات القومية الروسية التي ليس لها أرض. وتم التغلب على هذه العقبة بأن خصصت الدولة القيصرية مساحات من الأرض لتوطينهم. ولكن، لم تكن هناك خطة واضحة للتوطين، فحين تقدمت عدة أسر يهودية عام ١٨٠٦ إلى حاكم مقاطعة موخيليف لتوطينها في إحدى المناطق المخصصة لهم، لم يتم ذلك إلا بعد مفاوضات طويلة، فاتفق وزير الداخلية مع حاكم الولاية على أن يخصص لهم ستون ألف إيكر (يعادل الإيكر نحو أربعة آلاف متر مربع) من أراضي الإستبس على ضفاف أحد الأنهار. وبعد معاينة الموقع، تقدَّمت نحو ٧٧٩ أسرة يهودية للاستيطان هناك. ولكن الحكومة لم تقدِّم لهم سوى مساعدات مالية ضئيلة للغاية أنفقها المستوطنون الجدد وهم بعد في الطريق. وعند وصولهم إلى المكان المحدد لهم، وجدوا أن السلطات لم تكن على استعداد لاستقبالهم، وفتكت بهم الأمراض. ومع هذا، فقد استمر تدفُّق اليهود إلى أن
стр. 2469
أُلغي مشروع التوطين عام ١٨١٠.
٤ ـ ارتطمت محاولة تحويل اليهود إلى مزارعين بحركة إعتاق أخرى هي حركة تحرير الأقنان عام ١٨٦٠، وهذه الحركة الأخيرة ضيَّقت الرقعة الزراعية التي يمكن توطين اليهود فيها. وكما بيَّنا من قبل، كان تحرير الأقنان واليهود وأعضاء الأقليات الأخرى جزءاً من حركة واحدة تهدف إلى بناء الدولة المركزية القومية الحديثة في روسيا.
٥ ـ وكانت الكتلة البشرية اليهودية في تلك المنطقة (روسيا وبولندا) تُشكِّل معظم يهود العالم، وهي كتلة منعزلة إلى حدٍّ كبير عن محيطها السلافي على المستوى الحضاري والديني والوظيفي، يتحدث أعضاؤها اليديشية ويرتدون أزياء مغايرة لتلك السائدة في المجتمع، ويطلقون لحاهم وسوالفهم بطريقة غريبة. وقد كانت تهيمن عليهم قيادات أرثوذكسية وحسيدية تقليدية غير مدركة للانقلابات الحضارية الاقتصادية التي كانت تحدث في أوربا آنذاك. وكانت أغلبية يهود شرق أوربا من أتباع الحسيدية، كما أن اليهودية نفسها (كنسق ديني) كانت قد وصلت إلى مرحلة من التحجر والتخلف بعد جفاف الفكر التلمودي وبعد هيمنة الحسيدية والقبَّالاه، بحيث أصبح من العسير عليها التأقلم مع الوضع الجديد. ولذا، قوبلت محاولات التحديث في أغلب الأحيان بمعارضة حادَّة من قبل الجماهير اليهودية التي كانت تشعر بأن عملية التحديث هذه ستفقدها مهاراتها وقناعتها التقليدية وستدخلها في عالم غريب عليها. كما أن هذه الجماهير كانت تشعر بأن دعاة الاندماج والتحديث ليسوا إلا نخبة مستفيدة لديها ـ وحدها ـ الكفاءات اللازمة للدخول في هذا العالم الجديد الغريب. وإلى جانب كل هذا، لم يكن يهود شرق أوربا، رغم عزلتهم وتميُّزهم، يشكِّلون وحدة على نحو ما كانوا حتى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، فقد تهدّم نظام الشتتل تماماً، وانتشرت العلمانية في صفوفهم، وانصرف كثير من الشباب عن العقيدة اليهودية، بل سلكوا درب الجماعات الثورية.
стр. 2470
٦ ـ وكان من الممكن أن تخف حدة المشكلة عن طريق الهجرة من روسيا وبولندا ورومانيا إلي الولايات المتحدة. وبالفعل، راحت جماهير اليهود غير القادرة على التأقلم تهاجر بالمئات ثم بالآلاف ثم بمئات الآلاف، حتى بلغ عدد من هاجر من يهود اليديشية عدة ملايين. ولكن، لم ينتج عن هذه الهجرة أي تخفيف من حدة الموقف، إذ أن نسبة تزايُد اليهود كانت مرتفعة جداً، شأنها في هذا شأن نسبة تزايُد سكان أوربا بعد الثورة الصناعية. وعلى سبيل المثال، تضاعف يهود جاليشيا على مدى خمسين عاماً. أما في روسيا، فرغم معدلات الهجرة العالية إلى الولايات المتحدة، ورغم اندماج أعداد لا بأس بها، فإن معدل تزايُد السكان اليهود كان يفوق معدل الهجرة والاندماج ويفوق معدل الزيادة بين الروس أنفسهم. فقد كان عدد اليهود عام ١٨٥٠ نحو ٢,٣٥٠,٠٠٠، ولكنه تضاعف خلال خمسين عاماً ليصبح ٥٠٠٠.٠٠٠ عام ١٨٩٥. ومن المعروف أن عدد سكان كيشينيف كان قد زاد من عشرة آلاف إلى ثمانية عشر ألفاً في عشرين عاماً، قبل قوع المذبحة التي كثيراً ما تُذكَر في الأدبيات الصهيونية. ويذكر أبراهام ليون أن عدد اليهود قد تضاعف خمس مرات بين عامي ١٨٢٥ و١٩٢٥، فتكون نسبة الزيادة أكثر مرة ونصف المرة من نسبة الزيادة بين شعوب أوربا.
стр. 2471
وقد أدَّى كل هذا إلى تعثُّر عملية التحديث عدة سنوات، ثم إلى توقفها شبه الكامل مع بداية القرن العشرين. وأدَّى هذا، بالتالي، إلى تصعيد حدة الصراع الطبقي وإلى الثورات الاجتماعية الحادة التي انتهت بالثورة البلشفية. وتمثَّل هذا التعثر في صدور قوانين مايو عام ١٨٨١ التي حرَّمت على أعضاء الجماعة اليهودية الانتقال خارج منطقة الاستيطان اليهودية في روسيا، وفي المذابح المتكررة التي وقعت في ذلك الوقت. ويمكن التأريخ لظهور الحركة الصهيونية بين اليهود بهذا التاريخ. ففي هذه الفترة طُرح بين أعضاء الجماعات اليهودية بشكل جدي الحل الصهيوني للمسألة اليهودية، وهو الحل الذي يرى ضرورة إقامة الدولة الصهيونية في فلسطين ليهاجر إليها اليهود. وقد تحالفت العناصر الصهيونية، متمثلة في الصهيونية التوطينية في الغرب، مع الصهيونية الاستيطانية في شرق أوربا، ومع بعض القطاعات الدينية التي اكتشفت خطر سقوط الجيتو على اليهودية كما عرفوها وخبروها. والحل الصهيوني لمسألة يهود شرق أوربا هو، في جوهره، الحل الاستعماري الذي يتلخص في تصدير المشاكل إلى الشرق، سواء أكانت هذه المشاكل متمثلة في الفائض السلعي أم كانت متمثلة في الفائض البشري الذي كان اليهود يشكِّلون نسبة كبيرة منه. وفي هذه الحالة، تم ربط المسألة اليهودية بالمسألة الشرقية (أي تقسيم الدولة العثمانية) ،فيتم حل المسألة اليهودية (فائض يهودي لا نَفْع فيه) بتصديره إلى الشرق وتوطينه في فلسطين، ويقوم المستوطنون هناك بتأسيس قاعدة للاستعمار الغربي تحمي مصالحه. وهكذا، ينجح الغرب في التخلص من فائضه البشري ويوظفه في خدمته. أما الفائض اليهودي ذاته، فإنه ينجح بذلك في تحقيق الانتماء إلى الغرب خارج أوربا ولكن من خلال التشكيل الإمبريالي الغربي، وذلك بعد أن فشل في تحقيق هذا الانتماء داخلها من خلال التشكيل الحضاري والقومي الغربي. وقد طُرحت تصورات لحل المسألة اليهودية من بينها الاندماج
стр. 2472
وقومية الدياسبورا.
وقد قُدِّر للمسألة اليهودية أن تُحَلّ، ولكن الصهيونية لم تكن المسئولة عن ذلك في واقع الأمر. بل إن ظهور الصهيونية يعوق إتمام هذه العملية التي ستؤدي في نهاية الأمر إلى تحوُّل اليهودية إلى انتماء ديني وحسب، وإلى سقوط الأوهام الدينية القومية التي أفرزها وضع الجماعات اليهودية المتميِّزة كجماعة وظيفية وسيطة. وقد اندمج يهود غرب أوربا في مجتمعاتهم، وازداد هذا الاندماج بعد انحسار موجة هجرة يهود اليديشية. وفي ألمانيا، حُلَّت المسألة نتيجة لظروفها الخاصة بالطريقة النازية، أي بالإبادة، وذلك بعد فشل محاولات التهجير القسري لليهود. أما في الولايات المتحدة، ورغم أن الجذور الجيتوية اليديشية (الشرق أوربية) لا يزال لها أثر في التكوين الاقتصادي والنفسي للجماعة اليهودية، مثل تركُّزهم في أحياء خاصة بهم وزيادة عددهم في الصناعات الاستهلاكية والمهن الحرة، إلا أن أعضاء الجماعة اليهودية قد حققوا على وجه العموم الاندماج الاقتصادي والحضاري شبه الكامل. ومن ثم، فإن الهجرة من صفوف يهود أمريكا إلى إسرائيل تكاد تنعدم. وقد حلَّت الثورة البلشفية المسألة اليهودية في روسيا، ثم في بولندا، بتحقيق المساواة بين الأقليات الدينية والعرْقية كافة.
ومن الضروري، ونحن ندرس المسألة اليهودية، أن نميِّز بينها وبين المسألة الإسرائيلية. فالمسألة اليهودية هي مشكلة يهود أوربا، وبخاصة يهود اليديشية في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي. أما المسألة الإسرائيلية، فهي مشكلة التجمع الاستيطاني الصهيوني، خصوصاً جيل الصابرا الذي وُلد على أرض فلسطين، ونشأ فيها، ولا يعرف لنفسه وطناً آخر. وقد تشابكت المسألتان، ولكن يظل لكل مسألة حركياتها وآلياتها ومسرحها التاريخي والجغرافي المختلف.
стр. 2473
الباب الرابع: الإعتاق
الإعتاق
Emancipation
كلمة «إمانسبيشن emancipation» الإنجليزية يمكن أن تُترجَم إما بكلمة «عتق» أو «إعتاق» ونستعمل في هذه الموسوعة مصطلح «إعتاق» كما في عبارة «إعتاق الأقنان في روسيا القيصرية» على أساس أن عملية تحرير اليهود قد تمت، لا بمبادرة من أعضاء الجماعات اليهودية، وإنما نتيجةً لحركيات اجتماعية وسياسية عامة داخل المجتمعات الغربية، كما أن التحرر والتحديث كانا يُفرَضان في كثير من الأحيان فرضاً على أعضاء الجماعات اليهودية، وبخاصة في شرق أوربا. ولفظة «الإعتاق» من الفعل المتعدي «أعتق» الذي يفيد وقوع الفعل على العبد (مثلاً (.
وحركة الإعتاق هي ثمرة تطبيق قيم حركة الاستنارة الأوربية ومُثُلها على أعضاء الجماعات اليهودية كالتسامح، والمساواة بين البشر، والإيمان بأن الإنسان نتاج بيئته وليس مولوداً بكل صفاته، والإيمان بأن العقل هو المصدر الأساسي وربما الوحيد للمعرفة.
وحركة الإعتاق هي في جوهرها حركة تحديث للمجتمع ككل، بما في ذلك أقلياته. لكن إعتاق اليهود لم يكن شيئاً فريداً نادراً أو مقصوراً عليهم وإنما كان جزءاً من حركة عامة في أوربا في القرن التاسع عشر الميلادي وتضم أقليات وفئات أخرى كثيرة: الزنوج، والنساء، والأقنان، والكاثوليك في البلاد البروتستانتية، والبروتستانت في البلاد الكاثوليكية. وقد حصل أعضاء هذه الأقليات على حقوقهم كاملة كمواطنين. ولكن الدولة القومية العلمانية الحديثة التي حوَّلت نفسها إلى المطلق الأوحد، وفصلت نفسها عن الدين، وعن القيم المطلقة بشكل عام، منحتهم هذه الحقوق، ثم طلبت إليهم أن يقوموا بدورهم بفصل حياتهم داخل الدولة (كمواطنين) عن انتماءاتهم الدينية، أو عن أية انتماءات قد تتعارض مع الانتماء القومي. أما اليهود، فقد كان عليهم أن يتخلوا عن خصوصيتهم الإثنية الدينية وانعزاليتهم التقليدية وعن ولائهم الغامض إلى أرض الميعاد البعيدة مقابل أن يصبحوا مواطنين لهم كل الحقوق.
стр. 2474
وحركة الإعتاق ذات شقين: شق سياسي يتمثل في إعطاء اليهود حقوقهم السياسية والمدنية، وشق اجتماعي هو إعطاء اليهود حقوقهم الاقتصادية وإتاحة فرص العمل والحراك الاجتماعي أمامهم. وثمة شق ثقافي مرتبط بالشقين السابقين.
وقد تمثَّل الإعتاق السياسي والمدني في هدم أسوار الجيتو وإسقاط كثير من مؤسسات الإدارة الذاتية، مثل القهال، وحصول اليهود على المساواة السياسية.
وفيما يلي نورد بعض التواريخ المهمة الخاصة بمنح اليهود حقوقهم، مع ملاحظة أن كل هذه القوانين والإعلانات الدستورية والتصرفات قد صدرت في أقل من مائة وخمسين عاماً، وهي فترة قصيرة للغاية حتى لو نُظر إليها من وجهة نظر الفرد اليهودي وليس فقط من وجهة نظر التاريخ الإنساني أو تواريخ الجماعات اليهودية في العالم:
١٧٨٧ يصدرالإمبراطور جوزيف الثاني (النمسا) براءة التسامح.
١٧٨٨ يعلن دستور الولايات المتحدة أنه لن يطالب أي مواطن يبحث عن عمل ... أن يدخل امتحاناً دينياً.
١٧٨٩ ينص إعلان حقوق الإنسان والمواطن في فرنسا على أن: "الناس يولدون ويظلون أحراراً متساوين في الحقوق".
١٧٩١ يمنح المجلس الوطني الفرنسي اليهود الجنسية الفرنسية والحقوق المدنية الكاملة وجيوش نابليون تحمل لواء الإعتاق أينما ذهبت.
١٧٩٥ يحصل اليهود في هولندا على حقوق متساوية، ثم يتم انتخاب أول رئيس يهودي للبرلمان في عام ١٧٩٨.
١٧٩٧ إلغاء الجيتو في إيطاليا.
١٨١٢ يعلن فريدريك وليم الثاني، ملك بروسيا، أن اليهود مواطنون بروسيون.
١٨٣٩ إعلان المساواة في الحقوق في كندا.
١٨٤٨ يعلن المجلس الوطني الألماني في فرانكفورت أن «الولاء الديني للإنسان لن يُقرِّر أو يُحدِّد حقوقه الوطنية أو السياسية» . وقد ظل هذا المبدأ هو النموذج الذي يُحتذَى في كل الدساتير التي أصدرتها الدويلات الألمانية إلى أن صدر دستور ألمانيا الموحَّد.
١٨٦٧ إجراء تعديلات دستورية في الإمبراطورية النمساوية المجرية لإعطاء اليهود حقوقهم.
стр. 2475
١٨٧٠ سقوط روما في أيدي القوات الاتحادية التي قررت على الفور منح الحقوق السياسية لكل اليهود في إيطاليا.
١٨٧١ يلغي الدستور الإمبراطوري الألماني سائر القواعد والقوانين المبنية على أسس دينية.
١٨٧٤ يمنح الدستور السويسري الحرية الدينية للكافة.
١٨٨٧ تلغي معاهدة برلين كل القوانين التي تحدّ من حرية اليهود في رومانيا وبلغاريا.
١٩١٧ سقوط القيصرية في روسيا وإلغاء الامتيازات والقيود الدينية والقومية كافة.
١٩٣٦ يعلن دستور الاتحاد السوفيتي أن «المناداة بالعزلة أو الكراهية العنصرية أو القومية جريمة يعاقب عليها القانون» .
وقد نتج عن حركة الإعتاق ظهور طبقة وسطى بين اليهود. ولكن، لم يَعُد ليهود الجيتو، بخبراتهم الخاصة، مجال في المجتمعات الجديدة، ولذلك ازداد معدل الهجرة. وقامت في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية محاولات مماثلة لدمج اليهود، وتحديثهم، والقضاء على هامشيتهم الثقافية والإنتاجية، وتحويلهم إلى قطاع اقتصادي منتج في المجتمع الجديد، وهو ما كان يُطلَق عليه «إنتاجية اليهود» . وقد أصدرت الحكومات أيضاً التشريعات التي تُلزم أعضاء الجماعات اليهودية بتغيير أسلوب حياتهم حتى يندمجوا في المجتمع. ومما يجدر ذكره أن عملية الإعتاق كانت تتم أساساً في أوربا. أما في العالم الجديد، فلم تكن ثمة حاجة إلى ذلك إذ لم تكن هناك قيود تُذكَر على أعضاء الجماعة اليهودية. وكان الإعتاق يتم بالنسبة إلى اليهود الإشكناز المتميِّزين اقتصادياً وثقافياً عن المجتمعات التي كانوا يعيشون بين ظهرانيها. أما السفارد، فكان عدد كبير منهم يتمتع بمعظم الحقوق السياسية.
стр. 2476
وقد ترك الإعتاق أثراً عميقاً في اليهودية، فأُعيد بعث القاعدة التلمودية التي تقضي بأن «شريعة الدولة هي الشريعة» . وكانت هذه القاعدة تشير فيما قبل إلى القوانين المدنية فحسب، ولكن نطاقها أخذ يتسع بحيث أصبحت تنطبق على جميع القوانين التي من شأنها عَزْل اليهود، مثل قوانين الطعام. وقد تعثرت حركة إعتاق أعضاء الجماعات اليهودية، فحدثت انتكاسات وانتفاضات ضد اليهود، وبخاصة في ألمانيا ودول شرق أوربا. وكان وضع اليهود مرتبطاً بالحركة السياسية والاجتماعية في المجتمع ككل. فإذا كان المناخ السياسي السائد مناسباً لانتشار قيم الحرية وتطبيقها، سار الإعتاق إلى الأمام. أما إذا انتكست قضية حقوق الفرد، فإن حقوق اليهود كانت تنتكس معها. وبعد هزيمة نابليون، تراجعت عملية الإعتاق بالنسبة إلى شعوب أوربا، وبالنسبة إلى كل الأقليات بما فيها الجماعات اليهودية. أما أثناء ثورة ١٨٤٨، فقد حقق اليهود تقدماً ملحوظاً ومهماً. ولذا، فمع سيادة التفكير الرجعي والعنصري والإمبريالي في أوربا، في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، ومع تعثُّر التحديث في شرق أوربا، تراجعت عملية الإعتاق بين شعوب أوربا وحلت محلها فكرة التفاوت بين الشعوب.
стр. 2477
ومما ساهم في تعثُّر حركة الإعتاق أنها لم تكن ثمرة جهود أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب، كما أنها لم تنبع من تجربتهم الحضارية وإنما جاءت نتيجةً للتطور الخارجي للمجتمع بمبادرة من العالم غير اليهودي. ولم يكن أعضاء الجماعات اليهودية في شرق أوربا (أي يهود اليديشية) مهيئين نفسياً أو حضارياً لتقبُّل الوضع الجديد، وهو ما جعل عملية دمجهم عسيرة. لكل هذا، أدَّت عملية الإعتاق إلى ظهور بعض المشاكل والأزمات ليهود أوربا. فعلى سبيل المثال، أدَّت حركة الإعتاق إلى ظهور أزمة هوية بين اليهود، إذ كان عليهم إعادة تعريف أنفسهم كجماعة دينية وحسب، وهو ما أثار وبحدة قضية الشعائر والمفاهيم اليهودية التي سُمِّيت «قومية» مثل الرغبة في العودة إلى صهيون أو الحديث عن الشعب اليهودي. وتُعَدُّ الفرق اليهودية الحديثة المختلفة، مثل اليهودية الإصلاحية والمحافظة والأرثوذكسية، محاولةً للإجابة عن مشكلة الهوية هذه. كما أن عملية الإعتاق التي تمت بمبادرة العالم غير اليهودي كانت كثيراً ما تدفع بعض أعضاء الجماعات اليهودية إلى التشبه بأعضاء الأغلبية وبأسلوب حياتهم وتبنِّي سائر الأشكال الدينية والحضارية السائدة في المجتمع بشكل متطرف، الأمر الذي نجم عنه انصهار أعداد كبيرة من اليهود في المجتمع الأم وتفسُّخ أعداد أخرى منهم أخلاقياً بسبب فقدان الهوية. وقد حدث العكس أيضاً إذ رفض بعض أعضاء الجماعات اليهودية حركة الإعتاق وآثروا الانسحاب إلى الماضي.
وتحت تأثير الفكر العنصري والإمبريالي في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، وفشل بعض قطاعات اليهود في تحقيق الحراك الاجتماعي الذي كانت تطمح إليه، ووبخاصة بسبب تعثُّر التحديث في روسيا وبولندا، ظهرت المُثُل الصهيونية بديلاً لفكرة الإعتاق والاندماج.
стр. 2478
وتحمل كلمة «إعتاق» ، وكذلك كلمة «انعتاق» ، إيحاءات سلبية في الأدبيات الصهيونية. وتزعم هذه الأدبيات أحياناً أن حركة الإعتاق قد فشلت تماماً، وأن أعضاء الجماعات لا يزالون يعانون من التمييز القانوني والسياسي. وموقف الصهاينة هذا ناجم عن أن توقعاتهم من حركة الإعتاق فاقت ما كان ممكناً بالفعل. فالتقدم التاريخي والتحولات الاجتماعية لا تسير، كما نعلم، على وتيرة واحدة، وإنما تأخذ شكل خط متعرج. وقد كان معدل إعتاق أعضاء الجماعات عالياً للغاية إذا ما قورن بمعدل إعتاق الأقليات الدينية والعرْقية الأخرى، فبدأت حركة الدفاع عن الحقوق المدنية للزنوج في الولايات المتحدة، منذ عهد طويل ولكنها لم تؤت أُكُلها بعد. ومع هذا، لم يجرؤ أحد على إعلان فشل هذه الحركة. أما الصهاينة من أمثال بيريتس سمولنسكين، فكانوا، بعد مرور أقل من خمسين عاماً على ظهور هذه الحركة الفكرية والاجتماعية والسياسية، ينعونها للعالم. ولعل هذا يعود إلى انتشار الأفكار الخاصة بالشعب المختار وما يصاحب ذلك من توقعات متطرفة أحياناً. كما يعود هذا ولاشك إلى قلة ذكاء القيادة الصهيونية، وإلى افتقارها إلى التكوين الثقافي والسياسي المناسب لتقييم ظاهرة مثل الإعتاق أو الانعتاق، وكذلك افتقارها إلى رؤية كاملة للكون وإلى رؤية تاريخية مركبة.
стр. 2479
ومع أن الصهاينة نعوا حركة الإعتاق والانعتاق، فإنهم يقفون ضدها في واقع الأمر بشكل مبدئي، وذلك لأنهم يؤمنون بأن العلاقة بين اليهود والأغيار علاقة تضاد جذري، كما أنهم ينطلقون من تصوُّر أن اليهود عنصر قومي له خصوصيته وتفرُّده ولا يمكنه الاندماج في العناصر الأخرى. ولذا، تصبح القضية بالنسبة إليهم هي تهجير اليهود إلى وطنهم القومي الافتراضي وليس الدفاع عن حقوقهم المدنية والسياسية. وتتجلى مثل هذه المفاهيم في موقف الصهاينة من يهود الاتحاد السوفيتي (سابقاً) ، فالحركة الصهيونية لا تحاول أن تكسب لليهود السوفييت حقوقاً مدنية جديدة، ولا تحاول الدفاع عن حقوقهم التي اكتسبوها بمقتضى القانون السوفيتي، وإنما تبذل قصارى جهدها لتهجيرهم إلى إسرائيل باعتبارهم أعضاء من الشعب اليهودي لا يمكنهم العيش في المجتمع السوفيتي.
стр. 2480
ولكن، ورغم الادعاءات الصهيونية، فإن الأغلبية الساحقة من يهود العالم الموجودين في العالم الغربي يتمتعون بثمرة نجاح حركة الإعتاق، ومن ثم يطلق عليهم «يهود مرحلة ما بعد الانعتاق» . فيهود الولايات المتحدة مندمجون تماماً في مجتمعاتهم، وقد حصلوا على الحقوق المدنية والسياسية كافة، ويساهمون في مجتمعهم كمواطنين أمريكيين. ويهود الاتحاد السوفيتي لا يختلفون عن ذلك كثيراً. فرغم عدم سيادة المُثُل الديموقراطية والليبرالية في المجتمع السوفيتي حتى عهد قريب، فإن اليهود السوفييت حصلوا على حقوق سياسية مماثلة لحقوق المواطنين في مجتمعهم، وبالتالي فقد تحققت مُثُل المساواة بالنسبة إليهم. وهم مندمجون حضارياً في بيئتهم ولا يتسمون بأيِّ تمايز وظيفي أو مهني (إلا بدرجات قليلة للغاية) ، فليس لهم مؤسسات قانونية مقصورة عليهم. ومعاناة اليهود السوفييت لم تكن مقصورة عليهم بوصفهم يهوداً، وإنما هي ناجمة عن انتمائهم إلى المجتمع السوفيتي الاشتراكي، وكذلك فإن دوافع الهجرة عند اليهود السوفييت هي دوافع مرتبطة تماماً بحركيات المجتمع السوفيتي وليس بأية حركيات يهودية مستقلة. ولذا، فإن أغلبية المهاجرين من اليهود السوفييت كانت تتجه إلى الولايات المتحدة، وإن اتجهوا إلى الدولة الصهيونية فإن دوافعهم كانت في العادة اقتصادية محضة. ومن هذا المنظور، فإن مُثُل الاستنارة والانعتاق قد تحققت تماماً بالنسبة لأغلبية يهود العالم. وأدَّى نجاح حركة إعتاق اليهود إلى ظهور مشاكل خاصة بمرحلة ما بعد الانعتاق. وفي مواجهة حقيقة نجاح حركة الإعتاق، يصبح من العسير على الصهاينة الدفاع عن فكرة فشلها. ولذا، تلجأ الأدبيات الصهيونية إلى إثارة الشك بشأن مدى إيجابية حركة الإعتاق باعتبار أنها تؤدي إلى الاندماج والإبادة الصامتة. وقد طالب المفكر الصهيوني حاييم كابلان بالكف عن الإعتاق والرجوع عن مُثُله، والنظر إلى أعضاء الجماعات لا باعتبارهم أفراداً لكلٍّ
стр. 2481
حقوقه وواجباته وإنما باعتبارهم جماعة عضوية.
الانعتاق
Emancipation
«الانعتاق» من الفعل «انعتق» الذي جاء على زنة الفعل المطاوع، وهو فعل لازم بطبيعة تشكيله حيث نقول «أعتق السيدُ العبدَ فانعتق العبدُ» . وهو مصطلح يُستخدَم للإشارة إلى تحرُّر بعض الأقليات في المجتمع الغربي إبان القرن التاسع عشر الميلادي أو ما قبله. أما مصطلح «الإعتاق» ، فيشير إلى تحرُّر أعضاء الجماعات اليهودية. والعلاقة البنيوية بين كلمتي «الانعتاق» و «الإعتاق» هي نفسها العلاقة بين كلمتي «التحرر» و «التحرير» ، أو ما يكون بين اللازم والمتعدي من الأفعال بصفة عامة. ولم تكن هناك حركة تحرُّر في صفوف الجماعات اليهودية، كما أن التحرر لم يكن تعبيراً عن تحولات اجتماعية داخل هذه الجماعات وإنما كان تعبيراً عن حركة داخل المجتمع الغربي أثرت فيهم وغيَّرت من الأنساق التقليدية لحياتهم بشكل جذري وحررتهم. وهم في الحقيقة لم يسعوا إلى إعتاق أنفسهم، ولم يثوروا من أجله وإنما تم إعتاقهم على يد الآخرين. ولذا، فإن مصطلح «إعتاق» يُعبِّر عن الظاهرة منظوراً إليها من ناحية التحولات الاجتماعية التي أثرت في الجماعة اليهودية، أما مصطلح «انعتاق» فيُعبِّر عن الظاهرة نفسها منظوراً إليها من ناحية استجابتهم لما وقع عليهم من مؤثرات.
مرحلة ما بعد الانعتاق
Post-Emancipation Era
стр. 2482
يُطلَق على يهود العالم الغربي يهود مرحلة «ما بعد الانعتاق» ، وهي عبارة تفترض أن عملية إعتاق اليهود قد اكتملت وأن أعضاء الجماعات اليهودية قد أُعتقوا وانعتقوا تماماً. ولكن الأدبيات الصهيونية تذهب إلى أن اكتمال هذه العملية لم تكن كل ثمراته إيجابية بل أدَّى إلى ظهور مشاكل جديدة مختلفة تماماً عن تلك التي كان يواجهها اليهود قبل تلك المرحلة. فأعضاء الجماعات اليهودية، قبل إعتاقهم، كانوا يواجهون مشكلة عزلتهم عن بقية أعضاء المجتمع، كما كانوا يواجهون مشكلة عدم حصولهم على حقوقهم. وكان المجتمع بدوره يشكو من خصوصيتهم وتكاتفهم المتطرف. ولكن، بعد الإعتاق والانعتاق، نجد أن الوضع قد انقلب تماماً. إذ أصبح الخطر الأكبر الذي يتهدد اليهود، من وجهة نظر الصهاينة وبعض الدارسين، هو الاندماج وأحياناً الانصهار أو ضياع الهوية وأي شكل من أشكال الخصوصية. ويعود هذا إلى تزايد معدلات العلمنة في المجتمع الغربي وانتشار مُثُل حركة الاستنارة، وهي حركة تؤكد أهمية العام على الخاص، وتطرح فكرة الإنسان الطبيعي الأممي كمثل أعلى، ومن ثم فإنها تعادي الخصوصية والهوية. وقد أدَّت عملية الإعتاق (المرتبطة بالعلمنة) إلى ضعف الدين اليهودي بمؤسساته المختلفة والذي كان يحتفظ لأعضاء الجماعات اليهودية بشيء من الهوية كما كان يمنعهم من الزواج المختلط. كما أن تزايد انتشار مُثُل الإعتاق قد أدَّى إلى تراجع الأفكار العنصرية المختلفة وإلى تراجع ظاهرة معاداة اليهود، وهي الأخرى من أهم دعائم ما يُسمَّى «الهوية اليهودية» .
стр. 2483
ومن القضايا الأساسية الأخرى ليهودية ما بعد الانعتاق الحوار اليهودي المسيحي الذي يفترض وجود تراث يهودي مسيحي مشترك، ومثل هذا الحوار لم يكن أمراً مطروحاً في الماضي. غير أن اليهودية، باعتبارها نسقاً دينياً، ليست مهيأة للدخول في هذا الحوار، نظراً لخاصيتها الجيولوجية التراكمية، ولعدم تحديدها عقائدها الأساسية. كما أن اليهود جماعات إثنية منقسمة إلى فرق لا تعترف الواحدة بالأخرى. ويخشى كثير من اليهود المتدينين (الأرثوذكس) أن يؤدي هذا الحوار إلى توسيع رقعة الاتفاق بين اليهودية والمسيحية إلى درجة يصبح التنصر معها أمراً سهلاً وربما منطقياً. وهذا ما حدث فعلاً في ألمانيا بعد ظهور اليهودية الإصلاحية التي أعادت صياغة اليهودية على أسس المسيحية البروتستانتية، الأمر الذي أدَّى في النهاية إلى تنصُّر أعداد كبيرة من يهود ألمانيا.
ومن الصعب على الصهاينة أو غيرهم الاحتجاج على النتائج السلبية لإعتاق اليهود، إذ أن المُثُل العليا للمجتمعات الغربية التي يعيش فيها معظم أعضاء الجماعات اليهودية هي مُثُل علمانية عقلانية من نتاج عصر الاستنارة، تشجع على الاندماج وتمازج الأفراد، وعلى امتزاج هويتهم وخصوصيتهم في هوية قومية عامة عظمى. ولذا، فإن هذه المجتمعات هي مجتمعات تقبل من اليهود احتجاجهم على معاداة اليهود ولكنها تجد أن من الصعب عليها أن تقبل الاحتجاج على نتائج عملية الإعتاق.
стр. 2484
ولكن أهم المشاكل التي يواجهها اليهود واليهودية، في مرحلة ما بعد الانعتاق، هي ظهور الصهيونية باعتبارها حركة تدَّعي التحدث باسم كل اليهود، وكذلك تأسيس الدولة الصهيونية التي تطلق على نفسها اسم «الدولة اليهودية» . ويهود مرحلة ما بعد الانعتاق يتمتعون، كما أسلفنا، بدرجة عالية من الاندماج في مجتمعاتهم، ويشعرون بالانتماء الكامل لها والولاء العميق نحوها. ولكن الصهيونية تضع هذا موضع التساؤل إن لم يكن موضع الشك أيضاً. كما أن سلوك الدولة الصهيونية، وبخاصة بعد اندلاع الانتفاضة المجيدة، أصبح يسبب لهم كثيراً من الحرج. (انظر: «موقف الجماعات اليهودية من الصهيونية» (.
جوزيف الثاني (١٧٨٠-١٧٩٠ (
Joscph II
стр. 2485
إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة، ابن جوزيف الثاني وماريا تريزا. وهو من أشهر حكام أوربا ممن أُطلق عليهم «المستبدون المستنيرون» . حاول قدر استطاعته أن يُصلح الإمبراطورية النمساوية المجرية وأن يحدِّثها، بعد أن تلقَّى تعليمه الحقيقي من كتابات فولتير والفلاسفة الموسوعيين الفرنسيين، بحيث أصبح من أكبر المدافعين عن مُثُل حركة الاستنارة. وكان إيمانه عميقاً بمقدرة الدولة المطلقة على أن تُصلح كل شيء إن هي عملت بهدي العقل. كما كان من المتحمسين للتجارة الحرة وضرورة تقليل نفوذ الكنيسة. ولذا، فبعد أن تقلَّد الحكم، قام بإصلاح النظام التعليمي في الإمبراطورية وبفصل القضاء عن الجناح التنفيذي، وأصلح نظام الصحة العامة، وألغى نظام الرق، وأصدر براءة التسامح (١٧٨٢) التي حددت حقوق الجماعات غير الكاثوليكية في الإمبراطورية. وقد اصطدم بالكنيسة الكاثوليكية إذ أنه أسس كليات تابعة للدولة لتخريج القساوسة، وقلَّص سلطة الأساقفة، وحد من علاقة الكنيسة بالبابا. بل قام جوزيف الثاني بحل ٧٠٠ دير لا تعمل في وظائف نافعة مثل التدريس أو التمريض، وشطب حوالي ٣٦ ألفاً من قوائم الرهبان وأعطاهم تعويضات كي يعودوا إلى مواطنهم الأصلية. وقد أدَّت سرعة تنفيذ القرارات الخاصة بحل الأديرة إلى تدمير عدد كبير من الأعمال الفنية. وقد حاول البابا التدخل شخصياً للتخفيف من الأثر السلبي، لكن دون جدوى. ويبدو أن حماس جوزيف الثاني الزائد لتغيير كل شيء قد جلب عليه عداء الكثيرين من سكان المناطق المحافظة. وأثناء حكمه، تم تقسيم بولندا، وضمت النمسا أجزاء منها، وضمنها جاليشيا.
стр. 2486
وقد وجَّه جوزيف الثاني اهتمامه للمسألة اليهودية، في محاولته تحديث إمبراطوريته. فحاول أن يجعل أعضاء الجماعات اليهودية أكثر نفعاً للدولة، تماماً كما فعل مع الكنيسة الكاثوليكية والأديرة، فأصدر قوانين تحظر على أعضاء الجماعات اليهودية بيع الخمور أو جمع الضرائب أو إدارة الفنادق، وفرض علىهم أن يتسموا بأسماء ألمانية تُختار من قائمة أُعدت خصيصاً لهذا الغرض، وذلك حتى يتسنى دمجهم في المجتمع. كما منع استخدام العبرية أو اليديشية في المعاملات التجارية أو الوثائق الرسمية، وألغى المحاكم الحاخامية والزي اليهودي الخاص. ولإبقاء عدد اليهود قليلاً كما هو، لم يُلغ جوزيف الثاني القوانين التي كانت ترمي إلى الحد من حجم العائلات اليهودية.
وقد أصدر في عام ١٧٨٢ براءة التسامح التي أكدت الحقوق القائمة لأعضاء الأقليات غير الكاثوليكية وأضافت لها حقوقاً جديدة. وبالنسبة لأعضاء الجماعة اليهودية، أعطت البراءة اليهود الحق في حرية التنقل والسكنى في أي مكان واختيار أية مهنة أو وظيفة. وظلت قوانين وتشريعات جوزيف الثاني أساس التعامل مع أعضاء الجماعات اليهودية في الإمبراطورية النمساوية المجرية حتى نشوب ثورة ١٨٤٨.
وقد قوبلت إصلاحات جوزيف الثاني بالترحاب من بعض زعماء الاستنارة مثل فيسيلي. أما مندلسون، فقد عبَّر عن شكوكه نحوها، كما أن المتدينين وصفوها بأنها كارثة. ومهما كانت استجابة أعضاء الجماعة اليهودية، فإن هذه القوانين، بما في ذلك براءة التسامح، قد أتاحت الفرصة أمام كل الأقليات غير الكاثوليكية ليُحقِّقوا حراكاً اجتماعياً كبيراً وليندمجوا في المجتمع.
براءة التسامح
Toleranz Patent
стр. 2487
«براءة التسامح» فرمان أصدره جوزيف الثاني في عام ١٧٨٢ وطُبِّق في بادئ الأمر على فيينا والنمسا ثم طُبِّق على سائر مقاطعات الإمبراطورية النمساوية المجرية. وهي واحدة من سلسلة البراءات التي مُنحت للأقليات غير الكاثوليكية، ومن بينها اليهود، تتضمن حقوقهم القائمة وتضيف لها حقوقاً جديدة وتحدد واجباتهم. (انظر: «جوزيف الثاني» ـ «النمسا» ـ «جاليشيا» ) .
التحديث المتعثر
Setbacks in Modernization
«التحديث المتعثر» مصطلح نستخدمه لنشير إلى تلك الفترة من تاريخ روسيا، السابقة على الحرب العالمية الأولى والثورة البلشفية، ومن تاريخ معظم بلاد شرق أوربا (بولندا ورومانيا والمجر، وغيرها) في الفترة السابقة على الحرب العالمية الثانية وانضمام هذه البلاد إلى المعسكر الاشتراكي، وهما فترتان لم تتمكن فيهما النظم الحاكمة من إنجاز عملية التحديث. ونحن نذهب إلى أن السبب الأساسي لتعثُّر التحديث في هذه الدول هو عدم وجود مشروع استعماري لديها أساساً، أو أن مشروعها الاستعماري لم يكن ناجحاً، أو كان باهظ التكاليف لأنه كان بعد في مراحله الأولى (ويُقال إن تكاليف ضم وإدارة المستعمرات التابعة للإمبراطورية القيصرية الروسية كانت تفوق كثيراً عائدها، ولذا كان هناك كثير من المفكرين الروس ذوي الاتجاه السوفيتي والعنصري والرجعي ممن يعادون التوسع الإمبريالي الروسي) .
стр. 2488
وقد أثر تعثُّر التحديث في هذه البلاد في عمليات إعتاق اليهود ومحاولة اندماج أعضاء الجماعات اليهودية إذ أن تعثُّر التحديث أدَّى إلى ظهور رؤى شمولية واستبدادية تستبعد الأقليات وتحاول منعهم من الاندماج ومن المشاركة في السلطة. كما أن تعثُّر التحديث، على المستوى البنيوي، أدَّى إلى بطء النمو الاقتصادي، وهذا ما كان يعني عدم وجود فرص للحراك الاجتماعي أمام أعضاء الأقلية والأغلبية. ولكن النظم الاشتراكية نجحت حينذاك في استئناف التحديث وبالتالي في إعتاق اليهود ومنحهم حقوقهم المدنية والسياسية الكاملة. وعلى أية حال، فإن الصهاينة لا يتحدثون عن تعثُّر التحديث وإنما عن فشله، وبالتالي عن استحالة اندماج اليهود، مع أن التعثُّر أمر مؤقت يقف بين النجاح والفشل، بينما الفشل أمر نهائي مطلق يستطيع المرء أن يؤسس بناءً عليه أحكاماً نهائية ذات طابع اختزالي.
كما نستخدم المصطلح للإشارة إلى ما حدث بعد الحرب العالمية الأولى حين جُرِّدت ألمانيا من مستعمراتها بعد إبرام اتفاقية فرساي عام ١٩١٩، فتعثرت عملية نموها وتحديثها، ولم يُستأنَف التحديث إلا على الطريقة الشمولية النازية.
стр. 2489
الباب الخامس: الاستنارة اليهودية
الاستنارة اليهودية (الهسكلاه)
Haskalah
يُستخدَم في الكتابات العربية مصطلح «الاستنارة اليهودية» للإشارة للحركة التي انتشرت بين أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا في منتصف القرن الثامن عشر (في ألمانيا وغيرها من الدول) . ولكننا نؤثر استخدام مصطلح «التنوير اليهودي» باعتبار أن هذه الحركة قد أتت بمثل وقيم من خارج الموروث الديني والفكري اليهودي، وباعتبار أن هذه المثل والقيم فُرضت على أعضاء الجماعات اليهودية إما من خلال الدولة أو من خلال طليعة ثقافية يهودية تشربت أفكار حركة الاستنارة الغربية ثم حاولت تنوير اليهود. وكان أعضاء الجماعات اليهودية يتلقون مُثُل الاستنارة بشكل متفاوت؛ فمنهم من تبناها بحماس وطبقها، ومنهم من خضع لها وسايرها، وأخيراً هناك من تصدى لها وقاومها.
الهسكلاه
Haskalah
«هسكلاه» كلمة عبرية مشتقة من الجذر العبري «سيخيل» ، ومعناها «عقل» أو «ذكاء» ثم اشتُقت منها كلمة «سيكّيل» بمعنى «نوَّر» ثم استُخدمت الكلمة بمعنى «استنارة» ، والاسم منها «مسكيل» وجمعه «مسكليم» .
وفي هذه الموسوعة، نستخدم مصطلح «الاستنارة» للإشارة إلى الحركة المعروفة بهذا الاسم في الحضارة الغربية. ونستخدم كلمة «تنوير» للإشارة إلى أثر هذه الحركة في بعض المفكرين الغربيين اليهود وفي أعضاء الجماعات اليهودية. كما تُستخدَم الكلمة للإشارة للمحاولات التي بذلها بعض المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية لتطبيق فكر ومُثُل عصر الاستنارة على أعضاء الجماعات اليهودية.
التنوير اليهودي: تاريخ
Haskalah: History
стр. 2490
كلمة «هسكلاه» العبرية تعني «التنوير» ، ويُعبَّر عنها أيضاً في الأدبيات العربية بكلمة «الاستنارة» . وقد ظهر المصطلح عام ١٨٣٢ للإشارة إلى حركة في الآداب المكتوبة بالعبرية حاول دعاتها أن يبتعدوا عن الأشكال الأدبية التقليدية المرتبطة إلى حدٍّ كبير بالدين وأن يستعيروا أشكال الأدب العلماني الغربي. ولكن التنوير لم يكن مجرد حركة أدبية وإنما كان أيضاً رؤية متكاملة نسميها «العقلانية المادية» . وتُستخدَم الكلمة بالمعنى العام للإشارة إلى الحركة الفكرية الاجتماعية التي ظهرت بين يهود غرب أوربا (في ألمانيا ووسطها) ثم انتشرت منها إلى شرقها. وقد بدأت حركة التنوير في صورة تيار أساسي بين اليهود منذ منتصف القرن الثامن عشر واستمرت حتى عام ١٨٨٠. ورغم انحسارها كحركة فكرية واعية، إلا أن مقولاتها ظلت سائدة بين أعضاء الجماعات اليهودية بشكل ظاهر أو كامن حتى تم اندماج أعضاء الجماعات اليهودية واستيعابهم في المجتمع الغربي العلماني.
следующие страницы →