Полный текст (8 511 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2871
ولكن المشكلة الأخرى هي أن هذا المعجم يضم أسماء مثقفين يهود معادين بشكل أساسي لليهودية ولا يمكن فهم فكرهم إلا في إطار تقاليد معاداة اليهود في الحضارة الغربية، فهل يُصنَّف هؤلاء باعتبارهم مثقفين يهوداً يُعبِّرون عن الثقافة اليهودية، بينما يُستبعَد المثقفون الشرقيون اليهود؟
وهناك مشكلة ثالثة وهي مجموعة المثقفين اليهود الذين يؤكدون انتماءهم للحضارة المسيحية باعتبارها مصدراً لوحيهم ولرؤيتهم للكون، مثل بوريس باسترناك وإيليا إهرنبرج (في مرحلة من مراحل حياته) . بل هناك فيلسوف روسي يُسمَّى ليف شستوف ظهر اسمه في كتاب حول أهم ثلاثة فلاسفة يهود في العصر الحديث ومعه مارتن بوبر وروزنزفايج. ولكن المعجم الذي نتحدث عنه لم يورد اسمه لسبب وجيه هو أن هذا الفيلسوف الذي وُلد لأم يهودية يُعتبَر فيلسوفاً مسيحياً لأنه يتحدث عن واقعة صلب المسيح باعتبارها أهم حدث تاريخي. ولكن، رغم استبعاد معجم بلاكويل لاسمه، فإننا نجد أن اسمه ورد في الموسوعة اليهودية. وهناك أيضاً حالة نعوم تشومسكي، وهو من أشهر علماء اللغة في العصر الحديث ويجيد العبرية وعاش بعض الوقت في إسرائيل، ومع هذا تهمل الموسوعات اليهودية كافة ذكره ربما بسبب عدائه لإسرائيل والصهيونية. فهل موقف المثقف اليهودي السياسي يُسقط عنه إثنيته اليهودية؟
стр. 2872
وإنكارنا وجود ثقافة يهودية مستقلة ومثقفين يهود خالصين لا يعني إنكار وجود بُعد يهودي أو عناصر يهودية مستقلة. كل ما نذهب إليه أن مثل هذه العناصر، إن وُجدت، فليست ذات مركزية تفسيرية، أي أننا لتفسير بنية فكر فيلسوف أو مفكر يهودي ما، وطبيعة أدب أديب يهودي ما، فعلينا تبنِّي نماذج تفسيرية مشتقة من الحضارات التي ينتمي إليها هذا المفكر أو الأديب اليهودي بدلاً من العودة للتوراة والتلمود وتاريخ العبرانيين والكنعانيين (كما فعل الصهاينة والمعادون لليهود) فالنماذج المشتقة من هذه الحضارات تفوق كثيراً مقدرة النماذج المشتقة من الثقافة اليهودية.
стр. 2873
ويمكن دراسة العناصر اليهودية باعتبارها عناصر مكملة، دون أن تكتسب مركزية تفسيرية. انطلاقاً من هذا نطرح نموذجاً تفسيرياً مشتقاً من الحضارة الغربية الحديثة ومن تطوُّر العقيدة اليهودية داخلها فنشير إلى أن العقيدة اليهودية أصبحت عقيدة حلولية كمونية بعد هيمنة القبَّالاه عليها منذ القرن الرابع عشر، وأن الميراث الحلولي للمثقفين اليهود في العصر الحديث (ابتداءً بإسبينوزا وانتهاء بدريدا) ، ساهم ولا شك في جعلهم أكثر استعداداً لقبول الحضارة الغربية الحديثة، بحلوليتها وكمونيتها. ويمكن أن نشير إلى تصاعُد معدلات العلمنة بين الجماعات اليهودية بدرجات تفوق المعدل السائد في المجتمع الغربي (كما هو الحال دائماً مع الأقليات) . ويمكن أن نشير كذلك إلى أن إحساس أعضاء الجماعات اليهودية بالغربة وعدم الأمن (كما هو الحال أيضاً مع أعضاء الأقليات) جعلهم تربة صالحة وخصبة لتقبُّل الحضارة الغربية الحديثة. ويمكن أخيراً أن نذكر أن موقف كثير من المثقفين اليهود يتسم بأنه موقف نقدي جذري من الحضارة الغربية، يتسم بالشك المعرفي والأخلاقي وسيطرة الفلسفات العدمية. كل هذه العناصر اليهودية ساهمت ولا شك في أن تجعل المثقفين اليهود أكثر استعداداً لتقبُّل الحضارة الغربية الحديثة وأكثر قدرة على التعبير عنها ـ أي أن البُعد اليهودي في ثقافة المثقف اليهودي الغربي قد يُفسِّر حدة نبرته وجذريتها وعمق عدميتها وحلوليتها. كما قد يُفسِّر تزايُد عدد المثقفين اليهود من الثوريين والعدميين ودعاة العقلانية المادية، ولكنه لا يُفسِّر بأية حال ظهور المنظومة الحضارية الغربية الحديثة العقلانية المادية، فهذا مرتبط بآليات المجتمع الغربي، الثقافية والاقتصادية. بل إننا نذهب إلى أن بروز أعضاء الجماعات اليهودية في الحضارة الغربية الحديثة، ناجم عن انتمائهم إلى هذه الحضارة واندماجهم فيها واستيعابهم لها لا انعزالهم عنها، ويتزايد بروزهم بمقدار تخليهم عن
стр. 2874
عزلتهم واستقلالهم. وليس من قبيل الصدفة أن أول مفكر يهودي بارز في الحضارة الغربية الحديثة هو إسبينوزا الذي تخلَّى عن يهوديته تماماً. وقد أعلن هايني أن التنصُّر هو تأشيرة دخول الحضارة الغربية، فتنصَّر هو نفسه (كما فعل أبو ماركس وأولاد هرتزل وأولاد موسى مندلسون ونصف يهود برلين في القرن التاسع عشر.. إلخ) . ولكن الأدق هو القول بأن التخلي عن العقيدة اليهودية (وليس بالضرورة التنصُّر) هو تأشيرة الدخول (فليس مطلوباً من أحد التنصُّر، باعتبار أن مرجعية الحضارة الغربية لم تَعُد المسيحية وإنما العقلانية المادية أو الحلولية الكمونية) .
وتنبغي الإشارة إلى أن البُعد اليهودي قد ينصرف إلى بنية فكر المثقف اليهودي وإلى الموضوعات الكامنة، وليس إلى مضمونه الواضح. بل إن المضمون الواضح يمكن أن يكون عالمياً وإنسانياً بل معادياً لليهود أو الصهيونية، وتظل البنية والمقولات الأساسية الكامنة يهودية بالمعنى المحدَّد الذي نطرحه، كما هو الحال مع كل من إسبينوزا ودريدا وفرويد وكافكا. فإسبينوزا وقف موقفاً رافضاً تماماً لكل الأديان، بل اختص اليهودية بالهجوم الشرس، وهو في هذا لا يختلف كثيراً عن كثير من المفكرين الغربيين منذ عصر النهضة وهيمنة العقلانية المادية، ومع هذا لا يمكن فهم حدة هذا الرفض وهذا الهجوم إلا بالعودة للقبَّالاه اللوريانية والتراث الماراني.
واهتمام فرويد الحاد بالجنس يمكن رؤيته كتعبير طبيعي عن تصاعُد معدلات العلمنة ومحاولة رد كل شيء إلى عنصر واحد (كامن/ حال) في المادة (الجنس في حالة فرويد) وهو بالفعل كذلك. ولكن القبَّالاه اللوريانية كانت قد قامت بإنجاز هذا معرفياً وبشكل متبلور قبل ذلك بعدة قرون. وقد وصف أحد المراجع القبَّالاه بأنها جنَّست الإله، وألَّهت الجنس: أي جعلت الجنس نموذجاً تفسيرياً كلياً ونهائياً، يُرَدُّ له كل شيء. وهذا ما فعله فرويد.
стр. 2875
وتلجأ بعض المراجع لحيلة رخيصة لتأكيد وجود حضارة يهودية مستقلة وهوية يهودية ثقافية مستقلة نابعة منها. فتتحدث موسوعة التاريخ اليهودي عن هذا الزي «اليهودي الصميم» الذي يرتديه يهود المغرب والذى يُسمَّى «keswa kubra» وهي «الكسوة الكبرى» ، وتُكتب الكلمة بحروف لاتينية دون ترجمة فيتصور القارئ الذي لا يعرف العربية أن هذه كلمة عبرية أو كلمة عربية عبرية! ويوجد للزي اليهودي الصميم شيء يُسمَّى «cum» وهو «الكم» (ويأكل أعضاء الجماعة اليهودية في بخارى طعاماً يهودياً مميَّزاً يُسمَّى «yachni» أي «الياخني» ، أما في اليمن فهم يأكلون طعاماً خاصاً للغاية لم نسمع عنه قط من قبل يُسمَّى «khubz» أي «خبز» . وفي إسرائيل بلد العجائب، يأكلون طعاماً موغلاً في يهوديته اسمه «falafel» أي «الفلافل» والتي اكتشفت أنها طعام إسرائيلي فريد حينما كنت أعيش في مدينة نيويورك) . ورؤساء يهود الفلاشاه، نوع خاص من الحاخامات، يسمونهم «قسيم» وهي صيغة الجمع العبرية لكلمة «قس» العربية (وربما الأمهرية) التي اقتبسها يهود الفلاشاه الذين دخلت على يهوديتهم عناصر مسيحية كثيرة! وحينما يحاول الإسرائيليون أن يرقصوا فهم يرقصون رقصة يهودية صميمة تُسمَّى «الهورا» (من أصل روماني أو أوكراني) أو رقصة يهودية صميمة أخرى تُسمَّى «الدبكة» ! وحينما ترتدي مضيفات شركة العال زي الفلاحة الفلسطينية، فهذا زي إسرائيلي نابع من الثقافة اليهودية. وحينما أُسِّس متحف في قرى حيفا على هيئة قرية عربية أَخبر كتيب المعرض الزائر أن هذه قرية من حوض البحر الأبيض المتوسط حتى يمكن تحاشي ذكر كلمة «فلسطيني» ، وحتى يختبئ الأصل الحقيقي للمُنتَج الحضاري.
التراث اليهودي
The Jewish Heritage
стр. 2876
يتواتر مُصطلَح «التراث اليهودي» في الكتابات التي تصف الجماعات اليهودية. وهو مُصطلَح يفترض أن تراث أعضاء الجماعات اليهودية هو تراث يهودي منفصل عن تراث المجتمع الذي يعيش اليهود بين ظهرانيه. ونحن نذهب إلى أنه لا تُوجَد ثقافة يهودية مستقلة، ومن ثم لا يُوجَد تراث يهودي مستقل.
وقد يكون ما يدفع البعض للحديث عن «تراث يهودي مستقل» و «ثقافة يهودية مستقلة» هو انفصال اليهود النسبي عن محيطهم الحضاري. فيهود بولندا كانوا يتحدثون اليديشية التي تبدو كأنها لغة يهودية خالصة، كما كانوا يبدعون الأدب اليديشي الذي يبدو كأنه جزء من تراث يديشي يهودي مستقل. ولكن اليديشية، كما هو معروف، هي ألمانية العصور الوسطى، دخلت عليها كلمات سلافية وعبرية، وتُكتَب بحروف عبرية. أما الأدب اليديشي، فهو نتاج التقاليد الأدبية السلافية. ولا يمكن فهم فتراته وحركاته إلا بالعودة إلى التراث الأدبي الغربي، خصوصاً في روسيا وألمانيا. ثم يحمل المهاجرون اليهود معهم هذه اللغة وهذه الثقافة إلى البلاد التي هاجروا إليها، فيبدو كما لو أن هذا هو تراثهم الخاص بهم، المقصور عليهم، الذي يحملونه معهم أينما ذهبوا في كل زمان ومكان. ومما يزيد الأمر حدة أن هؤلاء المهاجرين يُظهرون ولاءً شديداً لهذه الثقافة التي أحضروها معهم فهي تراثهم الوحيد، يتمسكون بها، ويدافعون عنها، تماماً مثلما يتمسك أعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة بانتمائهم إلى وطنهم القومي الوهمي أو بيهوديتهم الإثنية الخالصة المستمدة - في واقع الأمر - من محيطهم الحضاري السابق أو الحالي. ويتمسك المهاجرون بتراثهم باعتباره تراث الأجداد وباعتباره تراثاً يهودياً خالصاً وعاماً. وقد تجتمع عدة أقليات يهودية لكل تراثها في بلد واحد. ومع هذا، تستمر كل أقلية في الحفاظ على موروثها اليهودي الذي أتت به رغم أنه مختلف عن موروث الجماعات اليهودية الأخرى. وتجربة الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية مثال
стр. 2877
جيد على ذلك، فكل جماعة تحافظ على تراثها بتعصُّب شديد وهو تراث ألماني بالنسبة للألمان وسوري حلبي بالنسبة ليهود حلب وسوري دمشقي بالنسبة ليهود دمشق! ومهما يكن من أمر تمسُّك المهاجرين اليهود بموروثهم، فإن هذا الموروث عادةً ما يأخذ في الاختفاء كما حدث مع اليديشية التي لم يعد لها سوى صدى خافت في وعي المهاجرين اليهود إلى الولايات المتحدة أو جنوب أفريقيا وفي رؤيتهم لأنفسهم وللواقع.
تراث الجماعات اليهودية الديني
Religious Heritage of the Jewish Communities
يذهب بعض الباحثين (في الغرب) إلى أن الإبداع الحضاري الأساسي لليهود يكمُن في تراثهم أو موروثهم أو رؤيتهم الدينية وفي الثقافة الدينية التي أشاعوها، أي أن عبقرية اليهود الثقافية عبقرية دينية. وهذه رؤية سادت أوربا في القرن التاسع عشر. ومع هذا، كان مفكرو أوربا حتى نهاية ذلك القرن يرون اليهودية باعتبارها مسيحية ناقصة. ومهما يكن من أمر، يمكننا القول بأن التراث الديني لأعضاء الجماعات اليهودية يتسم بقدر من الاستقلال غير موجود على مستوى التراث الحضاري،. فالتراث الديني له سماته وإشكالاته الخاصة، وأحياناً لغته.
ومع هذا، فلابد أن نلاحظ ما يلي:
стр. 2878
١ ـ لم يكن التراث الديني اليهودي القديم مستقلاًّ تماماً بأي حال عن التقاليد والأفكار الدينية السائدة في الشرق الأدنى القديم، وخصوصاً في بلاد الرافدين، كما لا يمكن فصله عن الإرهاصات الدينية التوحيدية في مصر، وعبادة يهوه في سيناء. وفي الحقيقة، فإن تطوُّر اليهودية من عبادة يسرائيل شبه الوثنية، التي تخلو من أي مفهوم لليوم الآخر والثواب والعقاب، إلى اليهودية التي تُعَدُّ نسقاً دينياً توحيدياً متكاملاً، أو التي تحوي داخلها عنصراً توحيدياً قوياً، هو أكبر دليل على تأثير الحضارات المصرية والبابلية والآشورية، ثم الفارسية والهيلينية، في المعتقدات الدينية اليهودية. هذا لا يعني بطبيعة الحال تبنِّي نموذج تراكمي، فالتوحيد، تماماً مثل الشرك، أمر كامن في نفس الإنسان التي ألهمها الله فجورها وتقواها.
٢ ـ يمكن الحديث بشكل ما عن موروث ديني يهودي عام حتى بداية العصور الوسطى. ولكن مع اختفاء السلطة المركزية اليهودية، ومع دخول اليهودية في فلكي حضارتين توحيديتين مختلفتين، ظهرت تقاليد دينية مختلفة متناقضة وموروثات دينية متباينة. كما ظهرت، في إثيوبيا والهند والصين، مراكز يهودية مختلفة بعيدة تماماً عن تأثير السلطات الحاخامية وتتأثر بالموروث الديني لكل بلد. ومع تصاعُد معدلات العلمنة الشاملة حدث تفجُّر كامل، وخصوصاً بعد عصر الإعتاق والانعتاق، إذ تصاعدت معدلات العلمنة والاندماج وازداد تأثر أعضاء الجماعات اليهودية كما تأثر الدين اليهودي بالسياقات الحضارية المحيطة. وأصبح من المستحيل الحديث عن موروث ديني يهودي واحد، بل لم يَعُد هناك أي تأثير للموروثات الدينية في الأجيال الجديدة. وقد سمينا هذه الظاهرة «الخاصية الجيولوجية لليهودية. «
стр. 2879
٣ ـ يُلاحَظ أن التراث التلمودي وكتب التفسيرات الضخمة (الشريعة الشفوية) التي تحاول أن تحتفظ لليهودية بهويتها، لم تكن معروفة عملياً للعامة من أعضاء الجماعات اليهودية. وكانت هذه الكتب، أو على الأقل الرؤى التي تتجسد من خلالها، تؤثر بغير شك في سلوك اليهودي. لكن هذا التأثير لم يكن يماثل، بأية حال، أثر التراث الحضاري لبلدهم الذي يتفاعلون معه ويبدعون من خلاله ويدورون في إطاره ويدركون العالم ككل من خلاله. وعلى كلٍّ، لا يمكن فصل الشريعة الشفوية ذاتها عن سياقها الحضاري، وقد ازداد اليهود جهلاً بهذه الكتب في العصر الحديث.
٤ ـ يُلاحَظ أن جوانب كثيرة من الرسالات العامة للعهد القديم من تعظيم للخالق الواحد الذي لا تدركه الأبصار والمتجاوز للطبيعة والتاريخ المتعالي عليهما، والوصايا العشر، والروح العامة للأنبياء العبرانيين، والأمثال والمزامير، أصبحت جزءاً من التراث الديني المسيحي، أي أنها لم تَعُد مقصورة على اليهود حيث تداخل الموروثان اليهودي والمسيحي. ويمكن هنا أن نطرح ما يمكن تسميته «إشكالية فيلون» ، فقد كان يهودياً منبت الصلة إلى حدٍّ كبير بالثقافة العبرية الآرامية، وحاول صبغ العقيدة اليهودية بصبغة إغريقية، ولكنه لم يترك أي أثر في تطور اليهودية اللاحق في حين تأثرت به العقيدة المسيحية أيما تأثر، فهل يُعَدُّ فيلون، إذن، جزءاً من الموروث المسيحي أم يُعَدُّ جزءاً من الموروث اليهودي؟
ميراث الجماعات اليهودية الاقتصادي
Economic Heritage of the Jewish Communities
стр. 2880
» الميراث أو التراث أو الموروث الاقتصادي لأعضاء الجماعات اليهودية» ، عبارات تتواتر في كثير من الكتابات التي تتناول أعضاء الجماعات اليهودية. ومناقشة هذا الموضوع ستتطلب منا أن نخفض من مستوى تعميمنا قليلاً فنتحدث عن يهود العالم الغربي بمعزل عن بقية يهود العالم لأننا لو ضممنا كل يهود العالم في إطار واحد لأصبح التعميم، أياً كان مستواه، مستحيلاً. ولعل الدور الذي لعبه اليهود باعتبارهم جماعة وظيفية وسيطة هو الحقيقة الأساسية في هذا الميراث الاقتصادي، وقد اكتسبوا مجموعة من الخبرات حملوها معهم أينما هاجروا استمرت في تحديد نشاطاتهم الاقتصادية حتى بعد أن زالت الوظيفة. فعلى سبيل المثال يُلاحَظ أن ميراث أعضاء الجماعة اليهودية الاقتصادي في الغرب (باعتبارهم جماعة وظيفية وسيطة تقف دائماً على الهامش) يجعلهم يتخصصون في الصناعات القريبة من المستهلك ويبتعدون عن الصناعات الثقيلة، إذ أن عضو الجماعة الوسيطة كان لا يحب الاستثمار في المنقولات الثابتة (مثل الأرض والصناعات الثقيلة) . وكان يفضل الاستثمار في الصناعات الخفيفة وفي المشاريع التجارية التي تتطلب قدراً عالياً من المهارة الإدارية، ونتج عن ذلك هامشية اليهود، أي أن نشاطاتهم الاقتصادية ليست في قلب العملية الإنتاجية.
стр. 2881
وهذا الوضع يُفسِّر ظاهرة الرأسمالية المنبوذة التي تحدث عنها ماكس فيبر، وهي النشاط الرأسمالي في المجتمع الإقطاعي، الذي ليس له علاقة كبيرة بالرأسمالية الرشيدة (أي الرأسمالية الحديثة) . وينتج عن ميراث اليهود الاقتصادي في العالم الغربي أنهم كثيراً ما يكونون عرضة للتأميم والتصفية، وربما يصلح تركُّزهم في صناعة النسيج والملابس مثلاً على ذلك. فقد قامت كوبا بتأميم هذه الصناعات، الأمر الذي نتج عنه تصفية الأساس الاقتصادي للوجود اليهودي في كوبا، فهاجروا منها. ويمكن القول بأن تركُّز بعض أعضاء الجماعات اليهودية في تجارة الرقيق الأبيض ـ قوادين وبغايا ـ هو نتيجة ميراثهم كجماعة وظيفية وسيطة. فالجماعة الوظيفية الوسيطة عادةً ما تتحرك بسرعة لسد حاجة نشأت في المجتمع. ويبدو أنه، في أواخر القرن التاسع عشر، نشأت في العالم الغربي حاجة للخدمات الجنسية خارج مؤسسة الزواج بسبب ضعف الأسرة وتصاعُد معدلات العلمنة.
وفي المجتمعات الاستيطانية مثل أمريكا اللاتينية كان الأمر أكثر حدة حيث كان عدد الإناث أقل بكثير من عدد الذكور. وتزامن ذلك مع ضعف التجارة اليهودية الصغيرة ودور اليهود كباعة متجولين. ومن ثم، تحولت أعداد كبيرة من اليهود إلى التجارة الجديدة. ومما يجدر ذكره أن ميراث المهاجرين اليهود الاقتصادي، شأنه شأن الميراث اللغوي والثقافي والديني، يؤثر بشكل واضح في الجيل الأول ثم يفقد فعاليته بالتدريج إلى أن يفقدها كلها تقريباً بعد جيلين أو ثلاثة.
стр. 2882
ولكن هناك جانباً مهماً في الميراث الوظيفي ليهود العالم الغربي حدَّد بشكل جوهري طبيعة وجودهم في القرن العشرين، وهو رؤية الغرب لهم كمادة استيطانية نافعة، وتوظيفهم في هذا المجال. ولعل أهم تجارب الجماعات اليهودية مع الاستيطان هي تجربة يهود بولندا (يهود أوكرانيا على وجه التحديد) مع نظام الأرندا إذ كان اليهود يُشكِّلون عنصراً استيطانياً مالياً. ومما يَجدُر ذكره أن يهود العالم الغربي كافة في العصر الحديث من نسل يهود بولندا. ومما لا شك فيه أن هذا الجانب من الموروث الاقتصادي اليهودي في الغرب هو الذي رشحهم للعب دور الجيب الاستيطاني في الغرب والشرق والذي أخذ شكل الدولة الصهيونية الوظيفية التي حوَّلت عدة ملايين من يهود العالم إلى جماعة استيطانية قتالية.
الموقف الصهيوني من تراث أعضاء الجماعات اليهودية والتناقض بين القول والفعل في إسرائيل والعالم
Zionist Attitude to the Heritage of the Jewish Communities and the Contradictions between Theory and Practice in Israel and the World
стр. 2883
تنطلق الصهيونية من افتراض وجود ثقافة يهودية مستقلة وتراث يهودي مستقل، بل تجعلهما من ركائزها الأساسية. والصهيونية في هذا وليدة العصر الإمبريالي الغربي الذي ظهرت فيه فكرة الشعب العضوي (فولك) ذي الثقافة العضوية التي تُعبِّر عن هويته. وهذه الثقافة العضوية يفترض فيها أنها ذات امتداد في الماضي (أي ذات تراث) ، ويجب أن تكون ذات امتداد في المستقبل. ومن ثم، دعا الصهاينة إلى بعث الثقافة العبرية واللغة العبرية تعبيراً عن كونهم شعباً عضوياً. وازدادت هذه الدعوة قوة بعد أن انضم إلى صفوفها يهود شرق أوربا (يهود اليديشية) من دعاة الصهيونية الثقافية الذين كانوا ينادون بأن اليهودية هي بالدرجة الأولى هوية إثنية ذات تراث ثقافي مستقل وشخصية ثقافية مستقلة ولغة مستقلة (العبرية) . واكتسبت الدعوة للتراث ركيزة دينية داخل اليهودية المحافظة التي خلعت صفة الإطلاق على الشعب العضوي بحيث حل محل الخالق، فالتراث هو محور اليهودية المحافظة، ويكاد يصبح الركيزة النهائية والنقطة المرجعية للنسق الفكري. وفي اليهودية التجديدية، يصبح التراث، دون مواربة أو حرج، مصدر الإطلاق وموضع القداسة.
وقد عارضت ثلاثة اتجاهات يهودية هذا المفهوم:
١ ـ اليهود المتدينون: وهؤلاء يؤمنون بأن اليهودية ليست مجرد تراث ثقافي وإنما هي انتماء ديني، وبأن اللغة العبرية لغة مقدَّسة (بالعبرية: ليشون هاقدوش) لا يصح استخدامها في الحياة اليومية أو في شئون الدنيا.
٢ ـ اليهود الاندماجيون: وكانوا يتركزون أساساً في فرنسا وإنجلترا وألمانيا (أي في غرب أوربا) ، وبعد ذلك في الولايات المتحدة وغيرها من الدول الاستيطانية (باستثناء إسرائيل) ، وهؤلاء يرون أن اليهود يكتسبون هويتهم الثقافية من الثقافات القومية المختلفة التي يتفق وجودهم فيها. وقد استبعد معظم هؤلاء كل الإشارات القومية والمُصطلَحات العبرية حتى من الصلوات اليهودية ذاتها.
стр. 2884
٣ ـ دعاة الثقافة اليديشية. وكانوا مركزين في شرق أوربا التي كانت تضم أغلبية يهود العالم آنذاك (في روسيا وبولندا أساساً) . وكان دعاة هذا التيار يرون أن يهود شرق أوربا من يهود اليديشية يشكلون جماعة بشرية ذات شخصية ثقافية قومية مستقلة، ولكن هذه الشخصية ليست يهودية بشكل عام وإنما هي شرق أوربية تتحدث وتفكر وتكتب باليديشية وليس لها أية علاقة بالعبرية (ولذا، يمكن إطلاق اصطلاح «القومية اليديشية» عليها) . وقد كان حزب البوند أكبر تنظيم اشتراكي في أوربا في أواخر القرن التاسع عشر يضم أعضاء الطبقة العاملة اليهودية في شرق أوربا من أهم المدافعين عن هذا الاتجاه.
واحتدم الصراع بين ممثلي هذه التيارات، ولكن كان من المحتم أن ينتصر التيار الصهيوني بين الجماعات اليهودية، وذلك لسبب بسيط وهو أن كلاًّ من دعاة اليديشية والاندماج لا يؤمنون بضرورة التوجه إلى الجماعات اليهودية كافة، فكلاهما ينكر أساساً وجود ثقافة يهودية عالمية مستقلة ويعترف بانتماء أعضاء الجماعات إلى تشكيلات حضارية قومية مختلفة. أما التيار الديني المناوئ للدعوة الصهيونية، وهو تيار عالمي بمعنى أنه يرى أن اليهودية انتماء ديني (مثل الإسلام والمسيحية) لا تحده الحدود القومية، فقد انحسر بالتدريج وتحوَّل إلى جيب صغير معارض بسبب تزايُد معدلات العلمنة في الغرب. هذا إلى جانب صهينة الدين اليهودي ذاته، أي فرض الأطروحات الصهيونية عليه.
стр. 2885
وقد تم الاستيطان الصهيوني تحت راية الإمبريالية الغربية ومن خلال ديباجات الثقافة اليهودية العالمية العبرية الوهمية. وكان المستوطنون الأوائل يرفضون أن يُسمَّوا «اليهود» ، إذ كانوا يعتبرون أنفسهم عبرانيين يهدفون إلى إنشاء دولة عبرية أو عبرانية تقطع علاقتها تماماً بالتراث اليهودي باعتباره تراث المنفى. وظل هذا الوضع قائماً حتى منتصف الثلاثينيات، ثم تم تبنِّي مُصطلَح «الدولة اليهودية» بسبب إمكاناته التعبوية الواضحة. ولكن، بعد إنشاء الدولة، لا تزال قضية الثقافة اليهودية تلاحق الصهاينة داخل المستوطَن الصهيوني وخارجه. فكل مهاجر صهيوني يستوطن فلسطين يحضر معه من وطنه الأصلي ثقافته الحقيقية التي تعلمها ونشأ عليها، وتراثه الذي تغلغل في وجدانه وفي عقيدته الدينية، بحيث تحوَّلت إسرائيل إلى ساحة صراع بين هذه الحضارات المختلفة، وظهرت الطبيعة الجيولوجية للهوية اليهودية. وقد تفاقم هذا الوضع، وبحدة، حينما وصلت مؤخراً أعداد كبيرة من إثيوبيا من يهود الفلاشاه الذين يتحدثون الأمهرية (لغة معظم أهل إثيوبيا) ويصلون باللغة الجعزية (لغة الكنيسة القبطية هناك) . وتذكر إحدى الصحف الإسرائيلية أن معلقاً إذاعياً إسرائيلياً سأل أحد المهاجرين عن اللغة التي يتحدث بها، ويبدو أنه لم يكن قد سمع عنها قط من قبل، فلقد طلب إليه أن يكرر الإجابة ثلاث مرات قبل أن يستوعب كلمة «أمهرية» ، ثم طلب إليه أن يشرح معنى الكلمة!
стр. 2886
ولكن الصراع الأكبر هو الصراع الدائر بين ثقافة مؤسسي الدولة من الإشكناز من جهة، وثقافة السفارد (من المتحدثين باللادينو) وثقافة يهود العالم العربي من جهة أخرى. فالثقافة المهيمنة في المُستوطَن الصهيوني والتي تسم المؤسسات الثقافية في إسرائيل بميسمها هي ثقافة ذات طابع إشكنازي. أما ثقافة السفارد، فقد استُبعدت قدر المستطاع، فلا تذكر الكتب المدرسية شيئاً عن إنجازات العرب اليهود داخل التشكيل الحضاري العربي، ولا عن إسهامات السفارد داخل تشكيل البحر الأبيض المتوسط بشكل عام. ورغم أن اليهود السفارد والعرب يشكلون الآن أكثر من نصف سكان التجمع الصهيوني، فإن التوجه العام لا يزال إشكنازياً غربياً.
ورغم زعم الصهاينة أن الثقافة اليهودية مستقلة عن الثقافات الأخرى، فإنهم لا يكفون عن تأكيد أن إسرائيل هي امتداد للحضارة الغربية وأنها لا تنتمي إلى الشرق الأوسط إلا بمعنى جغرافي. بل إن المؤرخ الإسرائيلي يعقوب تالمون يرى أن الثقافة اليهودية بأسرها إنما هي ثقافة غربية، وهو أمر يصعب قبوله من جانب يهود بني إسرائيل في الهند أو يهود الفلاشاه الذين انقطعت علاقتهم بالعالم الخارجي منذ مئات السنين.
ويرى بعض دارسي المُستوطَن الصهيوني أن ثمة ثقافة جديدة متميِّزة آخذة في الظهور هناك وعاؤها اللغة العبرية الجديدة، وأن هذه الثقافة تتخطى الانقسامات القديمة وتتجاوز الثقافات المختلفة التي حملها المهاجرون معهم، فهي ثقافة تعبِّر عن وضع المستوطنين الإسرائيليين. ورغم أن مثل هذه الثقافة الجديدة لا تزال في طور التكوين، باعتبار أن الاختلافات والانقسامات الثقافية لا تزال واضحة، فإن بإمكان هذه الثقافة، من الناحية النظرية والمنطقية إن لم يكن من الناحية الفعلية أيضاً، أن تظهر وتكتمل معالمها بمرور الزمن. ومع هذا، يمكن أن نضيف التحفظات التالية:
стр. 2887
١ ـ هذه الثقافة الجديدة (ثقافة الصابرا) ، أي ثقافة الإسرائيليين المولودين على أرض فلسطين، ستكون ذات صبغة إشكنازية واضحة، وذلك نظراً لاستبعاد اليهود السفارد والعرب من مؤسسات صنع القرّار، ذلك لأن صورة الذات في إسرائيل إشكنازية، ولأن أجهزة الإعلام يديرها أساساً إشكناز ينظرون إلى العالم بعيون إشكنازية، وفي النهاية، نظراً لأن الأشكال الأولى لهذه الثقافة تمت صياغتها في غياب السفارد واليهود العرب.
٢ ـ حينما تكتمل هذه الثقافة بأشكالها المختلفة، لن تكون «ثقافة يهودية» وإنما ستكون «ثقافة إسرائيلية» تُعبِّر عن تجربة المستوطنين الصهاينة في فلسطين، ولن تكون ذات علاقة كبيرة بثقافات أعضاء الجماعات، إذ سيظل هؤلاء داخل تشكيلاتهم الثقافية المختلفة يتفاعلون معها ويؤثرون فيها ويتأثرون بها. ومن المعروف أن أعضاء جيل الصابرا لا يكنون كثيراً من مشاعر الاحترام والمودة لأعضاء الجماعات اليهودية خارج فلسطين الذين تصفهم الأدبيات الصهيونية بأنهم شخصيات مريضة هامشية خانعة قابلة لحالة النفي كحالة نهائية. وقد حدا هذا بعالم الاجتماع الفرنسي اليهودي جورج فريدمان إلى أن يصف الإسرائيليين بأنهم «أغيار يتحدثون العبرية» ، أي أن مواقفهم ورؤاهم لا تختلف كثيرا عن مواقف ورؤى غير اليهود إلا في الوعاء اللغوي. وقد أُعلن مؤخراً أنه سيُكَّرس شهراً في كل عام يُسمَّى «شهر التراث اليهودي» ليتعلم الإسرائيليون هذا التراث بعدما اكتُشف جهلهم العميق به.
стр. 2888
٣ ـ ولكن، حتى الوعاء اللغوي، أي العبرية التي ارتبطت دائماً بأعضاء الجماعات اليهودية من الناحية الدينية وبأعضاء المُستوطَن في نشاطات حياتهم كافة، بدأت تحيط به المشاكل. فقد كتب مواطن عربي من إسرائيل (أنطون شماس) رواية بالعبرية تُسمَّى آرابيسك أثنى عليها الناقد الإسرائيلي يائيل لوتان. وعبَّر الروائي الإسرائيلي يهوشاوا عن إعجابه بها، وشبَّه كاتبها بالروائي الروسي نابوكوف الذي يكتب بالإنجليزية. ويبدو أن الرواية باعتبارها عملاً فنياً جيداً ستفرض نفسها على الأدب العبري، ولكن كاتبها عربي فلسطيني غير يهودي، أي شخص «لا يحمل عبء الوعي اليهودي» ، وليس «عضواً في القبيلة اليهودية» ، على حد قول لوتان. أي أن العبرية نفسها، كوعاء يهودي، قد انكسر على يد هذا الروائي العربي. ومن قبل، كتبت الشاعرة الروسية (المسيحية) اليشيفا قصائد بالعبرية، وهي تُعَد من شعراء العبرية.
стр. 2889
هذا هو وضع «الثقافة اليهودية» بالنسبة للمستوطن الصهيوني. أما بالنسبة لأعضاء الجماعات اليهودية في العالم، فمن الممكن تقسيمهم إلى قسمين أساسيين: أعضاء الجماعات اليهودية ممن احتفظوا بثقافتهم المحلية (وعلى رأسهم يهود اليديشية) ، ويهود العالم الغربي المندمجين حضارياً في مجتمعاتهم وبقية اليهود في العالم. ولنبدأ بالقسم الأول. أسهم النازيون وكذلك الحرب العالمية الثانية في تصفية المراكز السكانية اليهودية في بولندا (وغيرها) والتي كانت تزدهر فيها الثقافة اليديشية. ويُلاحَظ كذلك أن اليديشية آخذة في الضمور في روسيا وأوكرانيا، رغم اعتراف الاتحاد السوفيتي بها كلغة قومية، وذلك بسبب معدلات الاندماج السريع وإحجام أعضاء الجماعة اليهودية عن الهجرة إلى مقاطعة بيروبيجان التي أعلنت أن لغتها القومية هي اليديشية، وفي نهاية الأمر بسبب إحساسهم بأن هذه اللغة لا مستقبل لها (ولذا، فإنهم لا يشجعون أولادهم على تعلُّمها) . والوضع نفسه يسري على الولايات المتحدة حيث حمل إليها المهاجرون اليهود اليديشية. فالصحف والجرائد اليديشية آخذة في الانقرّاض ولم يبق منها سوى صحيفة واحدة ومجلة أو مجلتين يتناقص عدد قرّائها. كما أن معهد الدراسات اليديشية (ييفو) في نيويورك يعاني من أزمة مالية دائمة لا يخرجه منها سوى معونات الحكومة الأمريكية. ويعود هذا إلى أن أبناء المهاجرين يفهمون اليديشية ولكنهم لا يتحدثونها في العادة. أما أبناء الجيل الثالث فهم ينسونها تماماً ولا يبقى منها سوى ذكرى، إذ أن الجميع يود الاندماج بسرعة في المجتمع الجديد ويود تحقيق حراك اجتماعي أهم شروطه، في مجتمع تعاقدي مثل المجتمع الأمريكي، هو تملُّك ناصية اللغة مثل أهلها. وأعضاء الجماعة اليهودية لا يختلفون في هذا عن بقية جماعات المهاجرين (الإيطاليين أو البولنديين أو الألمان أو الروس) وإن كان من الملاحَظ أنهم كانوا من أوائل الجماعات المهاجرة التي فقدت اللغة التي
стр. 2890
أحضرتها معها.
وغني عن الذكر أن الثقافات اليهودية المحلية الأخرى قد اختفت هي الأخرى. فاللادينو (الرطانة التي يتحدث بها السفارد) اختفت تماماً، كما أن أية جيوب ثقافية أخرى انتهت بتصفية الجماعات اليهودية في الهند وإثيوبيا وفي كل أرجاء العالم العربي الإسلامي. ولا شك في أن الحركة الصهيونية حاربت بلا هوادة، قبل بعد إنشاء الدولة، ضد اليديشية (الوعاء الأساسي لثقافة يهود شرق أوربا) في مختلف أنحاء العالم وضد كل لهجات وثقافات الجماعات اليهودية. ولكن الإنصاف يتطلب منا أن نقرر أنه رغم شراسة الهجمة الصهيونية ضد الثقافة اليديشية وغيرها من الثقافات اليهودية المحلية، ورغم أن هذه الهجمة ساهمت ولا شك في سرعة ضمور واختفاء هذه الثقافة، إلا أن ظاهرة الاختفاء ذاتها لا يمكن تفسيرها إلا على أساس حركيات المجتمعات الحديثة التي يعيش أعضاء الجماعات اليهودية في كنفها، وهي حركيات تقضي على مختلف الخصوصيات الدينية والإثنية، أو على الأقل تهِّمشها.
стр. 2891
أما يهود الغرب المندمجون، فقد تبنَّت الصهوينية تجاههم إستراتيجية مختلفة بسبب طبيعة العلاقة الخاصة مع حكومات الدول الغربية التي لا يمكن اتهامها بالاضطهاد والإبادة وبسبب حاجة الصهيونية إلى يهود الغرب، وخصوصاً يهود الولايات المتحدة باعتبارهم عنصر ضغط سياسي ودعم مالي. وأخذت هذه الإستراتيجية شكل محاصرة إعلامية تؤكد أطروحة الهوية اليهودية والثقافة اليهودية المستقلة، ومهاجمة كل كاتب أو مؤلف يهودي يحاول أن يُعبِّر عن هويته القومية المتعينة كأمريكي أو إنجليزي أو فرنسي، باعتبار أنه يتسم بالجبن، وأنه منقسم على نفسه. كما تأخذ هذه الحملة شكل تأكيد أية جوانب يهودية كامنة أو واضحة في كتابات أي مؤلف يهودي. وقد أنكر شاجال ذات مرة، في مجلة تايم، أن رسومه يهودية بالمعنى العام للكلمة، وأصر على هويته الروسية الفرنسية، فانهالت عليه عشرات الخطابات تؤكد يهوديته، مع أن من المعروف أن اليهودية تُحرِّم التصوير، وأن الفنون التشكيلية لم تزدهر بين أعضاء الجماعات اليهودية عبر تواريخهم إلا في داخل التشكيل الحضاري الغربي في القرن التاسع عشر بعد علمنة اليهود وبعد اندماجهم في الحضارة الغربية الحديثة. وتُنظَّم حملات شرسة ضد كاتب أمريكي، مثل فيليب روث، تتهمه بأنه يعامل هويته اليهودية باستخفاف شديد، بل يخضعها للنقد والتمحيص والتشريح (كما يفعل الكُتَّاب الأمريكيون مع كل شيء) . وقد وصف الكاتب الأمريكي اليهودي سول بلو نفسه بأنه أمريكي وفيٌّ لتجربته ولثقافته الأمريكية، كما ذكر أن لغته هي الإنجليزية وتربيته أمريكية وأنه لا يمكن أن يرفض ستين عاماً من حياته في الولايات المتحدة. وأضاف قائلاً: «إن اصطلاح «كاتب يهودي» هو اصطلاح سوقي ومُبتذَل من الناحية الفكرية، ويفرض قيوداً ضيقة دون جدوى، ولا فائدة منه على الإطلاق» . وتعبِّر روايات بلو عن هذه التجربة الأمريكية (ولكنه، مع هذا، كان عليه أن يكتب كتيباً عنصرياً صهيونياً عن
стр. 2892
الصراع العربي الإسرائيلي عنوانه إلى القدس مع العودة وذلك قبل أن يحصل على جائزة نوبل في الآداب) .
وقد نجح الصهاينة في الولايات المتحدة في أن يضعوا مفهوماً للثقافة اليهودية داخل إطار أمريكي. فالعقد الاجتماعي يسمح للمواطن الأمريكي أن يعتز بتراثه الإثني مادام ذلك لا يتناقض مع انتمائه الأمريكي أو التزامه الوطني. فالأمريكي من أصل إيطالي يعتز بإثنيته الإيطالية، ويقيم الاحتفالات الراقصة القومية، وقد يطلق أسماء إيطالية على أولاده، ويتناول الأطعمة الإيطالية بحماس قومي زائد. وقد نمَّى الصهاينة في يهود أمريكا، بغض النظر عن أوطانهم الأصلية، الإحساس بأن وطنهم القومي الأصلي هو إسرائيل وأن ثقافتهم هي الثقافة اليهودية. ولكن إذا نظرنا إلى مضمون هذه الثقافة اليهودية بين اليهود العاديين، فإننا نجد أنها تتكون أولاً من ذكريات الإبادة النازية، ثم تأخذ شكل تعلُّم الرقص الشعبي الإسرائيلي الذي هو في واقع الأمر رقص شعبي من شرق أوربا، والاحتفال ببعض الأعياد اليهودية (وليس كلها) وعلى الطريقة الأمريكية، والإبقاء على بعض الشعائر الدينية بعد تفريغها من أي مضمون أخلاقي، وتناول بعض الأطعمة اليهودية التي أحضرها أعضاء الجماعة اليهودية من بولندا (تماماً كما يتناول الأمريكيين، من اليهود وغير اليهود، الفلافل المصرية باعتبارها طعاماً إسرائيلياً!) .
стр. 2893
وكما قال أحد المفكرين الأمريكيين اليهود، فإن هؤلاء اليهود الأمريكيين (بثقافتهم اليهودية المزعومة) لا يعرفون إلا أقل القليل عن دينهم اليهودي، ولم يسمعوا قط بموسى بن ميمون (العربي) . وهم، بلا شك، لم يسمعوا بالحاخام راشي (الفرنسي) . وكثيرون منهم لا يعرفون أن التلمود يتكون من عدة أجزاء، لأن أحدهم لم ير نسخة واحدة منه طيلة حياته، وكل نصيبهم من العبرية هو بضع كلمات يتفوهونها بصعوبة بالغة، على طريقة تيودور هرتزل في المؤتمر الصهيوني الأول (١٨٩٧) . ومن المؤكد أنهم هم وأولادهم يعرفون والت ويتمان شاعر الديموقرّاطية الأمريكية، ومارك توين المؤلف الأمريكي، وأسماء رؤساء الولايات المتحدة، والتاريخ الذي نشبت فيه الحرب الأهلية الأمريكية، والبرامج السياسية للأحزاب الأمريكية. ولا شك في أنهم يرتدون البنطلون الجينز والقمصان المعروفة باسم «تي شيرت T.Shirt» ، ويلتهمون الهامبورجر وفطيرة التفاح الأمريكية الشهيرة بشراهة أمريكية معهودة.
стр. 2894
وربما كان اليهود الأمريكيون محقين في جهلهم بموسى بن ميمون، فهذا المفكر جزء من التشكيل الثقافي العربي، وهو ليس ذا أهمية ثقافية عالمية. أما إسهامه في صياغة الأطروحات الأساسية أو أصول الدين اليهودي، فهو أمر لا يعنيهم لأنهم علمانيون كبقية المجتمع الأمريكي وأغلبيتهم العظمى لا أدرية. وإن كانت لدى أحد منهم بقايا انتماء ديني، فهي تأخذ شكل صياغة مخفَّفة للغاية، مثل اليهودية الإصلاحية، ولا يشغل هذا الانتماء سوى حيِّز صغير من وجدانه. ويمكننا أن نقول إن اليهودي الأمريكي، رغم كل الادعاءات الصهيونية، أمريكي عادي غارق حتى أذنيه في الثقافة الأمريكية بكل محاسنها ومساوئها. وهو حينما يدافع عن إسرائيل، فإنه لا يختلف كثيراً عن أي مواطن أمريكي آخر إلا في نبرته العالية. فإسرائيل هي الحليف الإستراتيجي لبلده. وكما قال القاضي الأمريكي والزعيم الصهيوني برانديز، فإن صهيونية اليهودي الأمريكي تنبع من أمريكيته. ولذا، فإننا نجد أن هذا اليهودي الأمريكي لا يمانع في حمل لواء الثقافة اليهودية الوهمية التي لا يعرف عنها شيئاً. وهو يفعل ذلك لأن الأمر لا يكلفه شيئاً، ولا يتناقض البتة مع ولاءاته القومية الأمريكية الحقة.
يهود الصدفة
Chance Jews
«يهود الصدفة» مُصطلَح يشير إلى عباقرة اليهود الذين أسهموا في الحضارة الإنسانية دون أن تكون هويتهم اليهودية هي العنصر الأساسي في إسهاماتهم. وكما يقول الكاتب العربي الفلسطيني محمد رمضان، فإن كل من يقرأ لأينشتاين أو فرويد أو هايني أو إسبينوزا، أو يستمع إلى مندلسون أو روبنشتاين بل حتى إلى ألفيس بريسلي (المغني الأمريكي) ، لا يخطر له قط أنهم يهود لأن تأثير اليهودية في كتاباتهم وإبداعاتهم معدوم تماماً. فهم لا يستعملون المُصطلَحات العبرية إن عرفوها ولا يستخدمون ما يُسمَّى «الصور اليهودية» ، فلكلورية كانت أو دينية، أي أنهم غرباء عما يُسمَّى «الثقافة اليهودية» .
стр. 2895
ومن المضحك، مثلاً، أن تصر حكومة إسرائيل على الاحتفال كل عام بذكرى الملحن المصري الكبير داود حسني لمجرد أنه يهودي، مع أنه كان مصرياً أصيلاً يتمسك بالتقاليد الشعبية المصرية العربية وليس في ألحانه وأغانيه ذات الطابع الشرقي الصميم ذرة من التأثير الموسيقى أو التراث اليهودي المزعوم.
هذا هو المقصود من القول بأن هؤلاء العباقرة كانوا من «يهود الصدفة» . فحتى إن كان بعضهم متديناً، فإن البُعد اليهودي في شخصيتهم وثقافتهم لم يكن عنصراً أساسياً أو حاسماً، ولم تكن له أية فعالية في عملية الإبداع.
بعض أهم الصحف والمجلات والدوريات ودور النشر اليهودية في الولايات المتحدة وكندا وإنجلترا وفرنسا
Some Important Newspapers, Magazines, Periodicals and Publishing Houses of the Jewish Communities in the U. S. A., Canada, England, and France
تُوجَد عدة صحف ومجلات ودوريات يُصدرها أعضاء الجماعات اليهودية في العالم، ومعظمها ذات توجُّه صهيوني واضح، وإن كان حقل اهتمامها أوسع من الإصدارات الصهيونية المحضة، كما أنها أحياناً تتخذ موقفاً رافضاً للصهيونية أو متملصاً منها أو محتجاً عليها. وهذا المدخل لا يقدم سوى قائمة مبدئية للإصدارات الأساسية المهمة:
١ ـ الولايات المتحدة:
ـ الديلي نيوز بوليتن Daily News Bulletin، وهي نشرة يومية تُصدرها الوكالة التلغرافية اليهودية Jewish Telegraphic Agency ومقرها نيويورك.
ـ جيوش فوروارد Jewish Forward، وهي جريدة يديشية أسبوعية كانت تَصدُر في نيويورك وتَصدُر بالإنجليزية في الوقت الحاضر.
ـ مورننج فرايهايت Morning Freiheit، وهي الجريدة اليديشية الأخرى التي تَصدُر في نيويورك وتُطبَع ثلاث مرات أسبوعياً، وهي ذات تَوجُّه اشتراكي.
ـ كما تُوجَد أكثر من ٧٥ مجلة أسبوعية في جميع أنحاء الولايات المتحدة من بينها جويش برس Jewish Press، وجويش ويك Jewish Week، اللتان تَصدُران في نيويورك.
стр. 2896
ـ مجلة كومنتري Commentary التي تُصدرها اللجنة اليهودية الأمريكية منذ عام ١٩٤٥، وتُعَدُّ من أبرز المجلات باللغة الإنجليزية في العالم.
ـ تُصدر اللجنة اليهودية الأمريكية المجلة الربع سنوية برزنت تنس Present Tense،كما تُصدر، بالتعاون مع جمعية الإصدارات اليهودية في أمريكا، الكتاب الأمريكي اليهودي السنوي American Jewish Year Book، ومومنت Moment، وهي مجلة شهرية فكرية.
ـ يُصدر المؤتمر اليهودي الأمريكي مجلة شهرية هي كونجرس منثلي Congress Monthly، وأخرى ربع سنوية هي جودايزم Judaism، وهي دورية علمية تقدِّم دراسات في اليهودية.
ـ للتيارات الدينية المختلفة داخل الجماعة اليهودية إصداراتها الشهرية الخاصة.
ـ ومن أهم دور النشر اليهودية دار هرتزل Herzl في نيويورك، والجمعية اليهودية للإصدار Jewish Publication Society في فيلادلفيا، وشركة بلوخ للنشر Bloch Publishing Company التي تأسَّست عام ١٨٥٤ في نيويورك، وكتب شوكن Schocken Books.
٢ ـ كندا:
ـ كنيديان جويش نيوز Canadian Jewish News، وهي جريدة أسبوعية تَصدُر في تورنتو ويصل حجم توزيعها إلى ٥٥ ألف نسخة.
ـ مينوراه Menorah، وهي مجلة أسبوعية تَصدُر باللغة المجرية، وتُعَدُّ ثاني أكبر مجلة أسبوعية من حيث حجم التوزيع، والذي يبلغ ٣٠ ألف نسخة، وهي تُوزَّع أيضاً في الولايات المتحدة.
ـ جويش ستار Jewish Star نصف الشهرية، وتَصدُر في طبعتين منفصلتين في كل من أدمنتون وكالجاري.
ـ كوفنانت Covenant، وهي ربع سنوية تُصدرها البناي بريت في طبعة من ١٢ ألف نسخة باللغتين الإنجليزية والفرنسية.
ـ إيمجز Images، وهي شهرية تُصدرها الاتحادات اليهودية لجامعتي يورك وتورنتو خلال العام الدراسي.
ـ جورنال أوف سايكولوجي آند جودايزم Journal of Psychology and Judaism (مجلة علم النفس اليهودية) ، وهي مجلة علمية متخصصة ذات توزيع محدود وتَصدُر في أوتوا.
٣ ـ إنجلترا:
стр. 2897
ـ جويش كرونيكل Jewish Chronicle، وهي جريدة أسبوعية تأسست عام ١٨٤١، وتُعَدُّ أقدم جريدة يهودية في العالم، وتُعتبَر جريدة الجماعات اليهودية الرئيسية في إنجلترا حيث تصل إلى ٨٠% من أعضائها، وتغطي الأخبار والقضايا الخارجية والمحلية.
ـ جويش كوارترلي Jewish Quarterly، وهي مجلة ثقافية ربع سنوية تَصدُر منذ عام ١٩٥٣.
ـ جويش جورنال أوف سوسيولوجي Jewish Jouranl of Sociology (المجلة اليهودية لعلم الاجتماع) ، وهي مجلة مستقلة تَصدُر مرتين كل عام، كان يُصدرها المؤتمر اليهودي العالمي، وهي تَصدُر منذ عام ١٩٥٩.
ـ جورنال أوف جويش ستاديز Jouranl of Jewish Studies (مجلة الدراسات اليهودية) ، وتأسَّست عام ١٩٤٩.
ـ ويصدر معهد الشئون اليهودية ثلاث مجلات علمية مهمة:
باترنز أوف بريجيديس Patterns of Prejudice (أنماط التحيز) ، وهي مخصَّصة لقضايا معاداة اليهود والعنصرية.
ـ سوفييت جويش أفيرز Soviet Jewish Affairs (الشئون اليهودية السوفيتية) .
ـ كريستيان جويش ريليشنز Christian Jewish Relations (العلاقات المسيحية اليهودية) .
كما يُصدر المعهد سلسلة من التقارير Research Reports بصفة دورية تتناول قضايا دولية ذات أهمية خاصة للجماعات اليهودية في العالم.
ـ وتقوم دار جويش كرونيكل للنشر Jewish Chronicle Publications بإصدار الكتاب اليهودي السنوي Jewish Year Book، والدليل السياحي اليهودي جويش ترافل جايد Jewish Travel Guide.
ـ يُصدر الاتحاد الصهيوني نشرة شهرية هي زايونست ريفيو Zionist Review، كما يُصدر الكتاب الصهيوني السنوي زايونيست يير بوك Zionist Year Book.
ـ يُصدر الاتحاد اليهودي لتنمية التعليم The Jewish Educational Development Trust كتاباً سنوياً حول تعليم اليهود.
ـ وهناك جرائد ودوريات يهودية أخرى تَصدُر في المدن البريطانية المختلفة، وتُصدر معظم المنظمات والمعابد اليهودية إصدارات خاصة محدودة التوزيع.
٤ ـ فرنسا:
стр. 2898
ـ نشرة الوكالة التلغرافية اليهودية ايجنس تلجرافيك جويف Agence Telegraphique Juive.
ـ أونزر فرت Unzer Wort وهي جريدة يديشية صهيونية ذات ديباجات اشتراكية.
ـ جريدة ناي برس Naie Presse وهي جريدة يديشية يسارية.
ـ تربيون جويف Tribune Juive.
ـ جريدة أونزر فج Unzer Weg وهي جريدة أسبوعية يديشية يُصدرها المزراحي.
ـ وجريدة أونزر ستيم Unzer Stime وهي مجلة أسبوعية يديشية بوندية.
ـ مجلة لارش L' Arche الشهرية - إنفورماسيون جويف Information Juive الشهرية ـ لاتير رتروفيه La Terre Retrouve، وهي مجلة شهرية ذات توجُّه صهيوني ـ أميتيه فرانس إسرائيل Amitie France-Israel ـ هامور Hamore وهي شهرية خاصة بالتعليم.
ـ نوفو كاييه Noveaux Cahiers (الكراسات الجديدة) وهي حولية ربع سنوية أكاديمية تُصدرها الأليانس إسرائيليت يونيفرسل ـ أميف Amif وحولية ربع سنوية تُصدرها الجمعية الطبية اليهودية في فرنسا Association Medicale Israelite de France (Amif) .
ـ ريفو ديز إتيد جويف Revue des Etudes Juives (مجلة الدراسات اليهودية) وتَصدُر مرتين في السنة عن جمعية الدراسات اليهودية منذ عام ١٨٨٠ ـ لي كاييه برنار لازار Les Cahiers Bernard Lazare وتَصدُر كل شهرين وهي ذات توجُّه صهيوني وديباجات يسارية ـ كونفرساسيون أفك لي جون Conversations Avec Les Jeunes، وهي نصف شهرية وتُصدرها حركة لوبافيتش ـ مساجيه Messager (حاملة الرسالة) ويُصدرها الليبراليون ـ ريفو ديلا ويزو Revue de La Wize، وتَصدُر كل شهرين، وهي مجلة نسائية.
ـ ويُصدر المجلس الكنسي المركزي Consistiore Central كتاباً سنوياً وتقويماً سنوياً.
стр. 2899
الباب الثانى: فلكلور (طعام وأزياء) الجماعات اليهودية
فلكلور الجماعات اليهودية
Folklore of the Jewish Communities
لا يمكن الحديث عن «فلكلور يهودي» ، لأن مثل هذا الفلكلور سيضم مواد من حضارات مختلفة لا يمكن تصنيفها على أساس يهوديتها، وإنما يمكن تصنيفها على أساس الحضارات التي تنتمي إليها. وبإمكان القارئ أن يرجع إلى المدخل الخاصة بـ «التراث اليهودي» ليجد تناولاً للإشكالية الكامنة في المصطلح، وليجد أساس تفضيلنا لمُصطلَح مثل «فلكلور الجماعات اليهودية» .
طعام الجماعات اليهودية
Food of the Jewish Communities
لا يمكن الحديث عن «الطعام اليهودي» لأن هذه العبارة تعني أن ثمة طعاماً يهودياً متميِّزاً نابعاً من ثقافة يهودية متميِّزة ويعبِّر عن إثنية يهودية متفردة. وهي أمور نتصوَّر أنها وهمية ولذا فإننا نستخدم مُصطلَح «طعام أعضاء الجماعات اليهودية» أي أنواع الطعام التي يتناولونها. وهذا المُصطلَح ذو مقدرة تفسيرية وتصنيفية أعلى بكثير.
стр. 2900
تتنوَّع وتتعدَّد أنواع وأصناف الأطعمة، التي يقوم بإعدادها وتناولها أعضاء الجماعات اليهودية، بتعدُّد وتنوُّع المجتمعات التي يعيش أعضاء الجماعات اليهودية في كنفها باستثناء بعض التفاصيل التي ترجع إلى قوانين الطعام الشرعي (التي تُحدِّد طريقة الذبح والإعداد وتُحرِّم أنواعاً معيَّنة من الطعام أو تُحرِّم الجمع بين أنواع منه) وربما بعض الوصفات التي حملها أعضاء الجماعات اليهودية من تشكيلات حضارية أخرى تواجدوا فيها قبل هجرتهم إلى مجتمعهم الجديد. فإذا استبعدنا هذين العنصرين فإن من الصعب أن نجد، فيما يتعلق بأصناف الطعام أو مكوناتها أو طرق الإعداد، سمة مشتركة أو مميِّزة تسمح لنا بإطلاق صفة «الطعام اليهودي» على الطعام الذي اعتاد أعضاء الجماعات اليهودية في مختلف أنحاء العالم تناوله سواء في وجباتهم اليومية أو في احتفالاتهم وأعيادهم الدينية. فالأطباق والأصناف التي تملأ موائد العائلات اليهودية لا تختلف كثيراً (بل إطلاقاً) عن تلك الأطباق والأصناف التي تملأ موائد غير اليهود في المجتمعات المختلفة التي يعيش بينها أعضاء الجماعات اليهودية، والتي تعتمد بالدرجة الأولى على أنواع المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية المتوافرة في كل منطقة وعلى تقاليد وعادات الطهي المتوارثة لدى شعوب هذه المناطق.
стр. 2901
وسوف يتضح لنا ذلك إذا أجرينا مقارنة بين أنواع وأصناف الطعام التي يتميَّز بها اليهود السفارد والشرقيون من جهة واليهود الإشكناز من جهة أخرى، وذلك من خلال رصد أصناف الطعام التي اعتادت كل جماعة إعدادها للاحتفال بنفس الأعياد الدينية اليهودية. فبين اليهود السفارد واليهود الشرقيين، يَكثُر استخدام الأعشاب والتوابل مثل النعناع والكمون والزعفران والقرفة، وأيضاً الأرز والحبوب والبقول مثل العدس والفول والبرغل، وكذلك الزيتون ولحم الضأن والماعز والحلويات المقلية والمضاف إليها محلول السكر المُركَّز. وهذه الأصناف من الغذاء هي نفسها التي يكثر استخدامها وتناولها بين شعوب العالم الإسلامي وحوض البحر المتوسط. ويقوم اليهود السفارد واليهود الشرقيون بإعداد الأصناف والأطباق المميِّزة لهذه المناطق مثل مختلف المحشيات والكباب والكبة والأرز المخلوط بالخضراوات واللحوم والمسقَّعة والبامية، والحلويات الشرقية المتنوعة كالقطايف والكعك بالسمسم. ومن الطريف أن كثيراً من المراجع اليهودية تضم هذه الأصناف الشرقية تحت بند «الطعام اليهودي» ، وتشير لأسمائها الشرقية أو العربية مكتوبةً بالحروف اللاتينية دون ذكر أصولها العربية أو الشرقية، فيهود بخارى مثلاً يأكلون يوم السبت قطعاً صغيرة من لحم مشوي مع البصل يُسمَّى «kabab» أي «الكباب» ، أو قطعاً من لحم بارد يُسمَّى «yachni» أي «اليخني» . أما يهود اليمن، فيفضلون يوم السبت أكل الـ «kur'i» أي «الكوارع» ، ويأكلون خبزاً اسمه الـ «Khubs» (أي الخبز) يُخبَز في الأفران الطينية (وهي الأفران التي تَكثُر وتنتشر في قرى وأرياف الشرق الأوسط) . أما يهود العراق، فإنهم يفطرون بعد صيام يوم الغفران بالـ «bamya» أي «البامية» ، كما يأكلون حلوى تُسمَّى «ata-if» أي «القطايف» . والقارئ غير العربي الذي يقرأ مثل هذه الكلمات، يظن لأول وهلة أنها أسماء عبرية لأطعمة يهودية موغلة في القدم، وأن ترجمتها للغة
стр. 2902
غير عبرية أمر عسير ظناً أن لها ارتباطاً عضوياً بالثقافة اليهودية العريقة!
ولا يمكن إطلاق صفة «يهودية» على مثل هذه الأصناف الشرقية بدعوى أنها أصبحت من الأطباق المميَّزة في أعياد اليهود الشرقيين الدينية أو أنها تشكل جزءاً من وجباتهم اليومية، كما لا يمكن الادعاء بأنها تهوَّدت بفعل قوانين الطعام اليهودية. فهي في النهاية تشكِّل جزءاً من التراث الغذائي للشعوب العربية وشعوب حوض البحر المتوسط والتي استمد منها اليهود السفارد والشرقيون تقاليدهم وعاداتهم الاجتماعية والغذائية.
стр. 2903
أما بالنسبة لليهود الإشكناز، خصوصاً يهود شرق أوربا، فيَكثُر بينهم استخدام اللحم البقري والخضراوات قليلة التتبيل، مثل البطاطس والكرنب والبقول ومنتجات الألبان. ونظراً لأن اللحم المذبوح شرعاً لم يكن متوافراً بشكل دائم، أصبح السمك يشكِّل جزءاً مهماً من غذاء الجماعات اليهودية في وسط وشرق أوربا، خصوصاً بعد العصور الوسطى، وكذلك الدواجن. ومن أصناف السمك الشائعة لدى يهود شرق أوربا سمك الجيفيلت gefilte وهو سمك محشو يبدو أنه من أصل ألماني، وسمك الليبكوخن lebkukhen وهو سمك بالزبيب والعسل وهو من أصل سويسري، وسمك الرنجة المُملَّحة التي يُخرَّط عليها البصل والبيض والتفاح والخبز ويُضاف إليها الخل، وهناك أيضاً الجيهاكت gehakte وهو صنف من أصل روسي بولندي ليتواني. كما يَكثُر بين يهود شرق أوربا الأصناف النشوية مثل عجائن لوكشين lokshen والكريبلاخ kreplach، ويبدو أنهما من أصل إيطالي نظراً لتشابُه اللوكشين مع الإسباجيتي أو المكرونة الإيطالية، وتشابُه الكريبلاخ مع الرافيولي الإيطالي. كما تُستخدَم عجينة اللوكشين نفسها لإعداد حلوى البودنج أو لوكشين كوجيل lokshen kugel حيث يُضاف إلى العجين الزبيب والسكر. ويبدو أن هذا الصنف من أصل ألزاسي. ومن الأصناف التي تشتهر أيضاً بين يهود شرق أوربا حساء الكرنب أو البورشت borsht الروسي الأصل، وفطائر اللحم البيروجين pirogen الروسية الأصل أيضاً. وهناك السجق أو الكيشكه kishke المحشوة بالبصل والدقيق، وطبق الماماليجا mamaliga الروماني الأصل والذي يتم إعداده من دقيق الذرة ويُقدَّم بقشدة اللبن الرايب أو الزبدة. وتُستخدَم قشدة اللبن الرايب بشكل واسع في شرق أوربا وتضاف لكثير من الأكلات، ويأكلها اليهود مع الخضراوات الطازجة والجبن.
стр. 2904
وتشتهر بين يهود الإشكناز أيضاً كعكة عجينة الخمير. وهي رغم اعتقاد الكثيرين أن لها خصوصية يهودية، إلا أنها من أصل روسي. كما أن فطائر البلنتسس blintses من أصل روسي بولندي، أما فطيرة الشترودل strudel فهي من أصل ألماني، كذلك الكعكة الإسفنجية التورته torta وكعك اللوز مانديلتروت mandeltrot. وقد أخذ يهود الإشكناز عن الألمان أيضاً المخللات والأطباق التي تجمع بين الطعم الحلو والحمضي مثل أصناف التزيم tzimmes وهي أطباق من اللحم تُضاف لها البطاطس والدقيق أو الخوخ أو الزبيب.
ويتبيَّن مما سبق أن كثيراً من الأصناف والأطباق التي أصبحت معروفة في الغرب، وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص، بأنها يهودية وتضمها كتب الطهي اليهودي، ما هي إلا أصناف وأطباق سلافية أو ألمانية تشتهر بها مناطق شرق ووسط أوربا وجاء بها يهود اليديشية إلى الولايات المتحدة وارتبطت بهم. ومع هجرة الجزء الأكبر من يهود شرق أوربا إلى الولايات المتحدة، اكتسب هؤلاء اليهود العادات الأمريكية في الطعام، وأصبح كثير من هذه الأصناف والأطباق تُقدَّم فقط في الأعياد والمناسبات الدينية لدرجة أنه أصبح هناك ما يُسمَّى «يهودية المطبخ» أو «يهودية الطعام» (بالإنجليزية: كيوليناري جودايزم culinary Judaism) حيث لا يربط اليهودي أي شيء بالعقيدة اليهودية أو طقوسها سوى الحرص على تناول الطعام اليهودي التقليدي في الأعياد اليهودية المختلفة. ففي ظل المجتمعات الغربية العلمانية الحديثة، وفي ظل تزايُد علمنة واندماج أعضاء الجماعات اليهودية، أصبح الطعام يمثل بالنسبة لكثير من اليهود شكلاً من أشكال الإثنية اليهودية أو الانتماء اليهودي الإثني، ولعله الشكل الوحيد. ولكن المفارقة هنا هي أن هذا الطعام الذي يُقال له «طعام إثني» أي يعبِّر عن الهوية أو الإثنية اليهودية هو في الواقع طعام روسي أو بولندي أو ليتواني أو ألماني.
стр. 2905
والواقع أن نمط ما يُسمَّى «الطعام اليهودي» لا يختلف عن معظم الأشكال الثقافية التي يُقال لها «يهودية» ، وهي في العادة منتَج ثقافي (طعام ـ لغة ـ شكل من الأشكال الفنية ـ زي) يتبناه أعضاء إحدى الجماعات اليهودية ثم تهاجر أعداد منهم إلى بلد آخر يحملون معهم هذا المنتَج الثقافي والذي يُطلَق عليه اصطلاح «يهودي» . ويتصوَّر البعض أن هذا المنتَج الثقافي يشارك فيه كل اليهود في كل زمان ومكان، وهم أبعد ما يكونون عن الواقع، إذ أن هذا المنتَج الثقافي يظل مقصوراً على أعضاء الجماعة اليهودية في مجتمع ما وعلى من هاجر منهم واستقر في بلد آخر.
طعام الجماعات اليهودية في الأعياد اليهودية
Food of the Jewish Communities in Their Festivals
стр. 2906
رغم أن الشريعة اليهودية لا تضم أية شروط أو قوانين خاصة بالطعام في الأعياد اليهودية فيما عدا عيد الفصح، إلا أن أغلب هذه الأعياد (سواء عند اليهود السفارد أو عند الإشكناز) ارتبطت بها بعض الأصناف الخاصة من الطعام. ورغم أن المناسبة الدينية اليهودية قد توجِّه اختيارات أعضاء الجماعات اليهودية وتحدِّدها على مستوى الشكل أو النوعية، إلا أن البيئة الثقافية التي يعيش فيها أعضاء الجماعات اليهودية (أو كانوا يعيشون فيها قبل هجرتهم) ، وما توفره من أطعمة وطرق في الطهي، تظل هي الإطار النهائي الذي يدورون فيه والذي يحكم اختياراتهم وذوقهم. ولنضرب مثلاً بالطعام الذي يتناوله أعضاء الجماعات اليهودية في ليلة السبت، حيث يُلاحَظ أن يهود شرق أوربا يفضلون بعض الأكلات في يوم السبت (طبق سمك الجيفلت المحشو مثلاً) ، أما يهود بخارى فيأكلون السمك المقلي بالثوم. ونظراً لأنه محرَّم على اليهود القيام بأي نشاط في يوم السبت (مثلاً إيقاد النار بما في ذلك النار التي تُوقَد للطهو) ، فقد نتج عن ذلك أسلوب في إعداد الطعام يتمثَّل في الطهي على نار هادئة ابتداءً من مساء يوم الجمعة وحتى يوم السبت. وفي شرق أوربا، كان يُطلَق على هذا الطبق اسم «تشولنت cholent» وهي كلمة مشتقة من كلمتين فرنسيتين هما «شو chaud» أي «دافئ» ، و «لنت lent» أي «بطيء» . وعادةً ما يضم هذا الطبق خليطاً من اللحم الدسم والسجق (كيشكه) والبطاطس والبقول. أما في تونس والمغرب والجزائر، فيُسمَّى هذا الطبق «دفينة» وفي بعض دول الشرق الأوسط الأخرى، يُسمَّى هذا الطبق «سخينة» أو «حامين» أي «الطبق الدافئ» أو «الطبق الحار» وبين يهود بخارى يُسمَّى هذا الطبق «بحش bahsh» ، وهو خليط من الأرز واللحم والكبدة والخضراوات والتوابل.
стр. 2907
ومن الأكلات المفضلة أيضاً بين الإشكناز في يوم السبت حساء الدجاج والبيتشا pitcha أو الكوارع، وسمك الرنجة المُملَّحة المُسمَّى «الجيكهات» وأطباق اللحم المسماه «التزيم» .
ومقارنةً باليهود السفارد واليهود الشرقيين، يفضل يهود بخارى مثلاً الكباب واليخني وفطيرة اللحم أو الفاكهة وُتسمَّى «ماموس mamossa» . أما يهود إيران، فإنهم يفضلون أطباق الأرز المتنوعة أو «البيلاو pilaw» ، وأيضاً طبق الجيبا gipa وهو الأمعاء المحشو بالأرز (المنبار) . ويأكل السفارد فطائر البستيلا أو البوريكاس وهي فطائر بالسمسم والبندق واللحم والبصل. وبالنسبة للحلويات، يفضل يهود شرق أوربا كومبوت الفواكه، أما يهود وسط أوربا فيفضلون الكعك الإسفنجي وكعك اللوز وفطيرة الشتروديل، ويفضل يهود اليمن صنف الغينينون ghininun وهو نوع من البودنج يُقدَّم أحياناً بالجبن. كما يأكل يهود اليمن الجعلة ga'le وهي الفول السوداني والزبيب واللوز والفاكهة والحلوى المُحمَّصة. وفي حين يتناول اليهود الإشكناز النبيذ أو البراندي مع وجبة يوم السبت، يتناول اليهود الشرقيون شراب العرقي.
ويصاحب وجبة يوم السبت وأغلب الأعياد الأخرى، خصوصاً عند اليهود الإشكناز، خبز الحالا hallah الذي يُخبَز من الدقيق الأبيض. ونظراً لأن يهود شرق أوربا كانوا يأكلون الخبز الأسود طوال الأسبوع، أصبح تناول الخبز الأبيض يوم السبت (وفي الأعياد الأخرى) رمزاً للاحتفال. ويُعجَن خبز الحالا عادةً على شكل ضفائر وتُرَش عليه حبات السمسم رمزاً للمانا manna المذكورة في العهد القديم. أما يهود إسبانيا، فإنهم يتناولون الخبز الإسباني الذي يُخبَز بالبيض والسكر، ويَكثُر بين اليهود الشرقيين تناول الأنواع المختلفة من الفاكهة في يوم السبت حيث يُعتبَر ذلك في الشرق رمزاً للاحتفال. كل هذا يبين كيف يتنوُّع طعام السبت بتنوع البيئة التي يعيش في كنفها أعضاء الجماعات اليهودية.
стр. 2908
ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة للأعياد الأخرى، ففي عيد الفصح، يأكل اليهود خبزاً لا يدخله خميرة أو ملح. وفي هذا اليوم، تُعَدُّ أنواع متنوعة من خبز الفطير (ماتسوت) ، ويُستخدَم في ذلك دقيق خبز الفطيرة (ماتساه) . كما يُستخدَم دقيق البطاطس لإعداد أصناف مختلفة من الطعام. ومن الأطباق الإشكنازية الشهيرة لهذا اليوم ما يُسمَّى «كنيدلاخ kneidlaeh» أو «كور الماتساه» حيث يُعجَن دقيق الماتساه بالبيض والسمن والبصل في شكل كور ويُطهَى في الماء المغلي أو المرقة. أما أطباق عيد الفصح بين اليهود الشرقيين (في اليمن) فتضم ما يُسمَّى «فتوت fahthut» وهو نوع من الحساء يدخل في إعداد دقيق الماتساه والميناس minas، والمحموراس في تركيا (وهي رقائق الماتساه محشوة بالجبن أو الخضراوات أو اللحوم) .
أما في عيد الأسابيع، فيَكثُر تناول الألبان والجبن، ويُقال إن هذا التقليد يرجع إلى أن التوراة التي يُحتَفل بنزولها في هذا اليوم يُشار إليها أحياناً باسم «اللبن والعسل» ، وتتنوع أصناف الأطباق التي تُقدًَّم في هذا اليوم من جماعة إلى أخرى، وعادةً ما يتم إعداد الحلوى والكعك بالجبن على شكل جبل موسى (سيناء) .
ومن الأطباق التي يفضلها اليهود الإشكناز في هذا اليوم فطائر البلنتسس وعجائن الكريبلاخ وفطائر الشتردول الألمانية وكعكة الجبن البولندية وفطيرة الجبن الأمريكية وعجينة الكنيش knishes وهي عجينة الخميرة التي تُحشَى باللحم أو البطاطس والجبن أو الفاكهة وأصلها ليتواني. ويُخبَز في هذا اليوم خبز الحالا الأبيض بالجبنة. أما السفارد، فإنهم يُعدُّون لهذا اليوم كعكة السماوات السبع رمزاً للسماوات السبع التي شقها الإله لكي تنزل التوراة على موسى. ويستخدم السفارد جبن الشاه لتحضير العديد من الأطباق مثل طبق السفونجوس sphongous والذي يُعدُّ بالجبن والسبانخ.
стр. 2909
وفي عيد رأس السنة اليهودية، يتم تقديم الأصناف الحلوة والفواكه كرمز لعام جديد مليء بالخير والطيبات. وعادةً ما يضاف العسل إلى كثير من الأطباق. وتقوم كل جماعة بإعداد الخضراوات واختيار الفواكه التي لها دلالة خيرة في المجتمعات التي يعيشون فيها، فيهود شمال أفريقيا يأكلون السلق والسبانخ في هذا اليوم باعتبار أنهما «يحملان البركة» وفقاً للاعتقاد العربي المحلي. وعند تناول السلق تتلو العائلة اليهودية دعاء للتبريك يشمل كلمة «يستلقو» أي «تشتيت الأعداء وهروبهم» والتي تتشابه في النطق مع كلمة «سلق» . وفي اليمن، يتناول اليهود الحلبة ويقابلها في العبرية «روبيا» ، وبالتالي فإن تناولها يرمز إلى التكاثر إذ أن منطوقها يشبه العبارة العبرية «شيه يربو» والتي تفيد التكاثر. أما بين الإشكناز، فيتم إعداد أطباق التزيم بالجزر والشرائح المستديرة للجزر ذهبيّ اللون حيث يرمز ذلك إلى الخير والثراء (ولها معنى مماثل باللغة الألمانية) . كما يأكل الإشكناز أيضاً سمك الليبوخن الذي يُعَدُّ بالزبيب والعسل. وفي هذا العيد، يقدِّم اليهود الشرقيون رأس سمكة أو رأس خروف إلى رب البيت رمزاً لبقائه دائماً على رأس العائلة. ويُخبَز خبز الحالا على شكل عجلة مستديرة رمزاً لدوام الخير طوال العام.
стр. 2910
وفي يوم الغفران، يخبز الإشكناز خبز الحالا، حيث يُعجن جزء منه على شكل مدرج أو رأس طير رمزاً لصعود الصلوات والأدعية سريعاً إلى السماء. ويأكل اليهود الإشكناز قبل بدء الصيام حساء الدجاج مع عجين السكر. وتتنوع الأطباق التي يفطر عليها أعضاء الجماعات بانتهاء الصيام. ففي وسط أوربا، يفطر هؤلاء على الـ «باركس barkes» أو الـ «شنيكين shneken» وهي كعكة بالقرفة والجوز أو الزبيب، وهم يفضلون أطباق الرنجة والأصناف التي تجمع بين الطعم الحلو والحمضي مثل السمك المُخلَّل بالجيلي أو «زيس زوير zise-zoyre» . أما السفارد، فإنهم يفضلون الإفطار بفنجان قهوة محوجة بالقرفة (هولندا) أو بحب الهال (سوريا ومصر) أو بالزنجبيل (اليمن) . وفي بعض دول الشرق الأوسط، مثل تركيا واليونان والعراق، يفطر أعضاء الجماعات اليهودية على مشروب اللوز أو السوبيا أو غيرها من المشروبات التي يرمز لونها الأبيض إلى النقاء. أما في العراق، فإن أعضاء الجماعات يفطرون على البامية وكعك الزنجبيل أو الشدجوباده، كما تأكل كثير من الجماعات الشرقية الكعك بالسمسم. أما في إيطاليا، فإنهم يأكلون كعكة لها نكهة البن أو الموكا اسمها «دولشي ربيكا dolce Rebeca» .
وفي عيد المظال، تتنوع الأصناف التي تُقدَّم في الأكواخ الخاصة أو المظال الصغيرة التي تقام احتفالاً بهذه المناسبة. فبين الإشكناز، يُقدَّم حساء البورشت الروسي والجولاش المجري وعجينة الفلودن fluden، وهي حلوى تُعَدُّ بالفواكه، إلى جانب فواكه الموسم. وفي الشرق الأدنى القديم، كان تُقدَّم الكبة والمسقَّعة والمحشيات المختلفة. وفي اليوم السابع من عيد المظال، يُخبَز خبز الحالا، وأحياناً يُعجَن جزء منه على هيئة يد ممدودة رمزاً لتلقِّي البركة، أو على هيئة مفتاح رمزاً لفتح باب السماء للأدعية.
следующие страницы →