← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

رغم أن الشريعة اليهودية لا تضم أية شروط أو قوانين خاصة بالطعام في الأعياد اليهودية فيما عدا عيد الفصح، إلا أن أغلب هذه الأعياد (سواء عند اليهود السفارد أو عند الإشكناز) ارتبطت بها بعض الأصناف الخاصة من الطعام. ورغم أن المناسبة الدينية اليهودية قد توجِّه اختيارات أعضاء الجماعات اليهودية وتحدِّدها على مستوى الشكل أو النوعية، إلا أن البيئة الثقافية التي يعيش فيها أعضاء الجماعات اليهودية (أو كانوا يعيشون فيها قبل هجرتهم) ، وما توفره من أطعمة وطرق في الطهي، تظل هي الإطار النهائي الذي يدورون فيه والذي يحكم اختياراتهم وذوقهم. ولنضرب مثلاً بالطعام الذي يتناوله أعضاء الجماعات اليهودية في ليلة السبت، حيث يُلاحَظ أن يهود شرق أوربا يفضلون بعض الأكلات في يوم السبت (طبق سمك الجيفلت المحشو مثلاً) ، أما يهود بخارى فيأكلون السمك المقلي بالثوم. ونظراً لأنه محرَّم على اليهود القيام بأي نشاط في يوم السبت (مثلاً إيقاد النار بما في ذلك النار التي تُوقَد للطهو) ، فقد نتج عن ذلك أسلوب في إعداد الطعام يتمثَّل في الطهي على نار هادئة ابتداءً من مساء يوم الجمعة وحتى يوم السبت. وفي شرق أوربا، كان يُطلَق على هذا الطبق اسم «تشولنت cholent» وهي كلمة مشتقة من كلمتين فرنسيتين هما «شو chaud» أي «دافئ» ، و «لنت lent» أي «بطيء» . وعادةً ما يضم هذا الطبق خليطاً من اللحم الدسم والسجق (كيشكه) والبطاطس والبقول. أما في تونس والمغرب والجزائر، فيُسمَّى هذا الطبق «دفينة» وفي بعض دول الشرق الأوسط الأخرى، يُسمَّى هذا الطبق «سخينة» أو «حامين» أي «الطبق الدافئ» أو «الطبق الحار» وبين يهود بخارى يُسمَّى هذا الطبق «بحش bahsh» ، وهو خليط من الأرز واللحم والكبدة والخضراوات والتوابل.

стр. 2907

ومن الأكلات المفضلة أيضاً بين الإشكناز في يوم السبت حساء الدجاج والبيتشا pitcha أو الكوارع، وسمك الرنجة المُملَّحة المُسمَّى «الجيكهات» وأطباق اللحم المسماه «التزيم» . ومقارنةً باليهود السفارد واليهود الشرقيين، يفضل يهود بخارى مثلاً الكباب واليخني وفطيرة اللحم أو الفاكهة وُتسمَّى «ماموس mamossa» . أما يهود إيران، فإنهم يفضلون أطباق الأرز المتنوعة أو «البيلاو pilaw» ، وأيضاً طبق الجيبا gipa وهو الأمعاء المحشو بالأرز (المنبار) . ويأكل السفارد فطائر البستيلا أو البوريكاس وهي فطائر بالسمسم والبندق واللحم والبصل. وبالنسبة للحلويات، يفضل يهود شرق أوربا كومبوت الفواكه، أما يهود وسط أوربا فيفضلون الكعك الإسفنجي وكعك اللوز وفطيرة الشتروديل، ويفضل يهود اليمن صنف الغينينون ghininun وهو نوع من البودنج يُقدَّم أحياناً بالجبن. كما يأكل يهود اليمن الجعلة ga'le وهي الفول السوداني والزبيب واللوز والفاكهة والحلوى المُحمَّصة. وفي حين يتناول اليهود الإشكناز النبيذ أو البراندي مع وجبة يوم السبت، يتناول اليهود الشرقيون شراب العرقي. ويصاحب وجبة يوم السبت وأغلب الأعياد الأخرى، خصوصاً عند اليهود الإشكناز، خبز الحالا hallah الذي يُخبَز من الدقيق الأبيض. ونظراً لأن يهود شرق أوربا كانوا يأكلون الخبز الأسود طوال الأسبوع، أصبح تناول الخبز الأبيض يوم السبت (وفي الأعياد الأخرى) رمزاً للاحتفال. ويُعجَن خبز الحالا عادةً على شكل ضفائر وتُرَش عليه حبات السمسم رمزاً للمانا manna المذكورة في العهد القديم. أما يهود إسبانيا، فإنهم يتناولون الخبز الإسباني الذي يُخبَز بالبيض والسكر، ويَكثُر بين اليهود الشرقيين تناول الأنواع المختلفة من الفاكهة في يوم السبت حيث يُعتبَر ذلك في الشرق رمزاً للاحتفال. كل هذا يبين كيف يتنوُّع طعام السبت بتنوع البيئة التي يعيش في كنفها أعضاء الجماعات اليهودية.

стр. 2908

ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة للأعياد الأخرى، ففي عيد الفصح، يأكل اليهود خبزاً لا يدخله خميرة أو ملح. وفي هذا اليوم، تُعَدُّ أنواع متنوعة من خبز الفطير (ماتسوت) ، ويُستخدَم في ذلك دقيق خبز الفطيرة (ماتساه) . كما يُستخدَم دقيق البطاطس لإعداد أصناف مختلفة من الطعام. ومن الأطباق الإشكنازية الشهيرة لهذا اليوم ما يُسمَّى «كنيدلاخ kneidlaeh» أو «كور الماتساه» حيث يُعجَن دقيق الماتساه بالبيض والسمن والبصل في شكل كور ويُطهَى في الماء المغلي أو المرقة. أما أطباق عيد الفصح بين اليهود الشرقيين (في اليمن) فتضم ما يُسمَّى «فتوت fahthut» وهو نوع من الحساء يدخل في إعداد دقيق الماتساه والميناس minas، والمحموراس في تركيا (وهي رقائق الماتساه محشوة بالجبن أو الخضراوات أو اللحوم) . أما في عيد الأسابيع، فيَكثُر تناول الألبان والجبن، ويُقال إن هذا التقليد يرجع إلى أن التوراة التي يُحتَفل بنزولها في هذا اليوم يُشار إليها أحياناً باسم «اللبن والعسل» ، وتتنوع أصناف الأطباق التي تُقدًَّم في هذا اليوم من جماعة إلى أخرى، وعادةً ما يتم إعداد الحلوى والكعك بالجبن على شكل جبل موسى (سيناء) . ومن الأطباق التي يفضلها اليهود الإشكناز في هذا اليوم فطائر البلنتسس وعجائن الكريبلاخ وفطائر الشتردول الألمانية وكعكة الجبن البولندية وفطيرة الجبن الأمريكية وعجينة الكنيش knishes وهي عجينة الخميرة التي تُحشَى باللحم أو البطاطس والجبن أو الفاكهة وأصلها ليتواني. ويُخبَز في هذا اليوم خبز الحالا الأبيض بالجبنة. أما السفارد، فإنهم يُعدُّون لهذا اليوم كعكة السماوات السبع رمزاً للسماوات السبع التي شقها الإله لكي تنزل التوراة على موسى. ويستخدم السفارد جبن الشاه لتحضير العديد من الأطباق مثل طبق السفونجوس sphongous والذي يُعدُّ بالجبن والسبانخ.

стр. 2909

وفي عيد رأس السنة اليهودية، يتم تقديم الأصناف الحلوة والفواكه كرمز لعام جديد مليء بالخير والطيبات. وعادةً ما يضاف العسل إلى كثير من الأطباق. وتقوم كل جماعة بإعداد الخضراوات واختيار الفواكه التي لها دلالة خيرة في المجتمعات التي يعيشون فيها، فيهود شمال أفريقيا يأكلون السلق والسبانخ في هذا اليوم باعتبار أنهما «يحملان البركة» وفقاً للاعتقاد العربي المحلي. وعند تناول السلق تتلو العائلة اليهودية دعاء للتبريك يشمل كلمة «يستلقو» أي «تشتيت الأعداء وهروبهم» والتي تتشابه في النطق مع كلمة «سلق» . وفي اليمن، يتناول اليهود الحلبة ويقابلها في العبرية «روبيا» ، وبالتالي فإن تناولها يرمز إلى التكاثر إذ أن منطوقها يشبه العبارة العبرية «شيه يربو» والتي تفيد التكاثر. أما بين الإشكناز، فيتم إعداد أطباق التزيم بالجزر والشرائح المستديرة للجزر ذهبيّ اللون حيث يرمز ذلك إلى الخير والثراء (ولها معنى مماثل باللغة الألمانية) . كما يأكل الإشكناز أيضاً سمك الليبوخن الذي يُعَدُّ بالزبيب والعسل. وفي هذا العيد، يقدِّم اليهود الشرقيون رأس سمكة أو رأس خروف إلى رب البيت رمزاً لبقائه دائماً على رأس العائلة. ويُخبَز خبز الحالا على شكل عجلة مستديرة رمزاً لدوام الخير طوال العام.

стр. 2910

وفي يوم الغفران، يخبز الإشكناز خبز الحالا، حيث يُعجن جزء منه على شكل مدرج أو رأس طير رمزاً لصعود الصلوات والأدعية سريعاً إلى السماء. ويأكل اليهود الإشكناز قبل بدء الصيام حساء الدجاج مع عجين السكر. وتتنوع الأطباق التي يفطر عليها أعضاء الجماعات بانتهاء الصيام. ففي وسط أوربا، يفطر هؤلاء على الـ «باركس barkes» أو الـ «شنيكين shneken» وهي كعكة بالقرفة والجوز أو الزبيب، وهم يفضلون أطباق الرنجة والأصناف التي تجمع بين الطعم الحلو والحمضي مثل السمك المُخلَّل بالجيلي أو «زيس زوير zise-zoyre» . أما السفارد، فإنهم يفضلون الإفطار بفنجان قهوة محوجة بالقرفة (هولندا) أو بحب الهال (سوريا ومصر) أو بالزنجبيل (اليمن) . وفي بعض دول الشرق الأوسط، مثل تركيا واليونان والعراق، يفطر أعضاء الجماعات اليهودية على مشروب اللوز أو السوبيا أو غيرها من المشروبات التي يرمز لونها الأبيض إلى النقاء. أما في العراق، فإن أعضاء الجماعات يفطرون على البامية وكعك الزنجبيل أو الشدجوباده، كما تأكل كثير من الجماعات الشرقية الكعك بالسمسم. أما في إيطاليا، فإنهم يأكلون كعكة لها نكهة البن أو الموكا اسمها «دولشي ربيكا dolce Rebeca» . وفي عيد المظال، تتنوع الأصناف التي تُقدَّم في الأكواخ الخاصة أو المظال الصغيرة التي تقام احتفالاً بهذه المناسبة. فبين الإشكناز، يُقدَّم حساء البورشت الروسي والجولاش المجري وعجينة الفلودن fluden، وهي حلوى تُعَدُّ بالفواكه، إلى جانب فواكه الموسم. وفي الشرق الأدنى القديم، كان تُقدَّم الكبة والمسقَّعة والمحشيات المختلفة. وفي اليوم السابع من عيد المظال، يُخبَز خبز الحالا، وأحياناً يُعجَن جزء منه على هيئة يد ممدودة رمزاً لتلقِّي البركة، أو على هيئة مفتاح رمزاً لفتح باب السماء للأدعية.

стр. 2911

وفي عيد التدشين، يجرى إعداد الفطائر والحلوى المقلية في الزيت رمزاً لمعجزة استمرار الزيت في الاحتراق عند إعادة تدشين الهيكل في أورشليم في عهد يهودا المكابي. ويقوم الإشكناز بإعداد فطائر اللاتكيس latkes أو الفاسبوتشس fasputches أو البونتشكس pontshkes ويُقال إنه جرت العادة على إعداد هذه الفطائر بين يهود شرق أوربا لأن لعب الورق (الكوتشينة) كان من عادات الاحتفال بهذا العيد. وكانت هذه الفطائر تُعتبَر من الوجبات التي يَسهُل إعدادها وتناولها دون إحداث تعطيل أو انقطاع في جلسات اللعب التي كانت تستمر أحياناً طوال الليل وحتى فجر اليوم اللاحق. ويقوم يهود شرق أوربا أيضاً بإعداد سلطة من الفجل واللفت والزيتون والبصل المحمَّر في سمن الإوز، كما تُقدَّم أطباق الإوزّ في هذا اليوم. وفي اليمن، يتم إعداد طبق من الجزر المطهو على نار هادئة اسمه «لحيس جزر lahis gizar» ، كما يأكلون الزلابيا، وفي العراق يأكلون القطايف، وفي بخارى الدوشبير dushpire، وفي ليبيا السبانزس spanzes وكلها أصناف من الفطائر. ومن أشهر الوجبات التي يتم إعدادها بين الإشكناز في عيد النصيب، فطائر مُسلسَلة الشكل تُحشَى بحبوب الخشخاش وأيضاً بالزبيب أو البرقوق أو الخوخ. وتُسمَّى هذه الفطائر بين يهود شرق أوربا «هامان تاشن haman tashen» أو «جيوب هامان» فهي ترمز إلى جيوب هامان المليئة بالرشاوى التي تقاضاها. وفي وسط أوربا، تُسمَّى هذه الفطائر «قبعة هامان» . ويُقال إن شكل الفطيرة جاء من قبعات جنود نابليون حيث يبدو أن اليهود في عصر نابليون كانوا يعتبرونه محرِّراً. وقد كان يُطلَق عليها أيضاً اسم «آذان هامان» لأنه كان يتم قديماً قطع آذان المجرمين عقب إعدامهم. ويُقال أيضاً إن هذه الفطيرة ارتبطت بعيد النصيب لأن الكلمة الألمانية التي تعني حبوب الخشخاش وهي كلمة «مون mohn» مشابهة لاسم هامان.

стр. 2912

وخبز عيد النصيب كبير الحجم ومضفَّر رمزاً للحبال التي استُخدمت لشنق هامان. ويُعدّ السفارد فطائر مشابهة تُحشَى باللحوم والخضراوات والفاكهة. ويُعدّ أعضاء الجماعات الشرقية أنواعاً مختلفة من الحلويات والكعكات المحشوة باللوز والجوز، ويوزِّع يهود إيران بعد قراءة أجزاء من العهد القديم نوعاً من الحلوى تُسمَّى «حلافا كاشكا» . أزياء وملابس الجماعات اليهودية Dress and Costumes of the Jewish Communities لا يمكن الحديث عن «أزياء يهودية» ، وإنما يمكن الحديث عن الأزياء والملابس والثياب التي يرتديها أعضاء الجماعات اليهودية المتعددة والتي تختلف باختلاف المجتمعات التي يعيشون في كنفها، ومن ثم يكون اصطلاح «أزياء الجماعات اليهودية» أكثر دقة وأعلى قدرة على التفسير والتصنيف، فالذي يحدِّد السمات الأساسية لهذه الأزياء المجتمعات التي يعيش أعضاء الجماعات اليهودية في كنفها. ولا يمكن فهم تحولات وتطوُّر أزياء أعضاء هذه الجماعات إلا في هذا الإطار وهو أمر طبيعي تماماً فالأزياء، شأنها شأن اللغة، رموز اجتماعية لا يبتدعها المرء وإنما يتلقاها من المجتمع، وقد يحاول التغيير في بعض التفاصيل (وحينئذ قد يوصف بالأصالة أو بالشذوذ) ، لكن الأزياء في نهاية الأمر لغة اجتماعية. وقد كان العبرانيون في مصر يرتدون (على ما يبدو) أزياء قدماء المصريين، كما ارتدوا أزياء البابليين ثم الفرس وهم في بابل وفارس، وأزياء اليونان والرومان إبان حكم الإمبراطوريات الهيلينية والرومانية. ولم يختلف زي اليهود المستعربة عن أزياء العرب. ولا نرى يهود الدولة العثمانية يرتدون سوى الزي السائد في زمانهم ومكانهم. وحينما بدأ العثمانيون يرتدون الطربوش ارتدوه، وعندما تخلوا عنه واستعملوا الأزياء الغربية تحولوا بتحوُّلهم. ويرتدي يهود الهند، من الذكور والإناث، الأزياء الهندية المعروفة، كما ارتدى يهود الصين أزياء أهل بلدهم.

стр. 2913

ومع هذا، لابد من الإشارة إلى أن أعضاء الجماعات اليهودية، شأنهم شأن الأقليات والجماعات الدينية والإثنية الأخرى قبل العصر الحديث، لهم بعض الثياب المميَّزة المرتبطة بشعائر دينهم وأعيادهم ومناسباتهم التي لا يشاركون فيها أعضاء الأغلبية. فعلى سبيل المثال، يرتدي أعضاء الجماعة اليهودية من المتدينين (أي غالبية اليهود الساحقة حتى أواخر القرن الثامن عشر، وأقلية صغيرة للغاية في العصر الحديث) شال الصلاة (طاليت) وهم في طريقهم إلى المعبد يوم السبت، ويرتدي بعضهم شال صلاة صغيراً تحت ملابسه طيلة الوقت، وإن كانت أغلبية يهود العالم هجرت هذه الممارسات الدينية. وحيث إن قوانين المجتمعات التقليدية كانت مبنية على الفصل الحاد بين الطبقات والجماعات، فإن الأزياء كانت تُستخدَم وسيلةً لتدعيم هذا الفصل، فلا يرتدي الفرسان زي الفلاحين، ولا يرتدي هؤلاء زي التجار، وهكذا. ولأن أعضاء الجماعة اليهودية كانوا يتركزون عادةً في مهنة واحدة مثل التجارة، فإنهم كانوا يرتدون زي أهل هذه المهنة حينما يتطلب الأمر اشتغالهم بها. كما أن انتماء الفرد في تلك المجتمعات إلى إحدى الأقليات، خصوصاً إذا كانت الأقلية من الجماعات الوظيفية الوسيطة، كانت تصحبه مجموعة من المزايا والأعباء كما كان الحال في العصور الوسطى في الغرب، إذ كان لابد له من ارتداء شارة تميِّزه عن الآخرين. ومن هنا، وُجدت شارة اليهود المميَّزة التي كانت تُعَدُّ ميزة يحصلون عليها ويسعون من أجلها، فهي تَكفُل لهم الحماية وتضمن لهم الإعفاء من جمارك المرور على سبيل المثال. ولكن أحياناً كان يُفرَض على اليهود في العالم الغربي، وعلى غيرهم من أعضاء الأقليات، زي محدَّد لضمان الأمن الداخلي أو كمحاولة للحد من نشاطهم وتضييق الخناق عليهم، خصوصاً حينما يصبح المجتمع بلا حاجة إليهم. ولكنه، في جميع الحالات، لم يكن هناك زي واحد يُفرَض على اليهود في كل زمان ومكان، بل كانت هناك أزياء

стр. 2914

مختلفة ومتعددة باختلاف وتعدُّد الأماكن والمراحل التاريخية والظروف الاجتماعية والسياسية. وإذا كنا قد شبَّهنا الأزياء باللغة، فبوسعنا الآن أن نشبه أزياء أعضاء الجماعات اليهودية باللهجات التي يتحدثون بها. فلهجات أعضاء الجماعة اليهودية تنبثق من لغة ما يتبنونها ثم يضيفون إليها بعض العبارات العبرية، ويستمرون في استخدامها حتى بعد أن تتطور اللغة الأصلية، كما حدث مع اليديشية التي هي عبارة عن ألمانية العصور الوسطى نقلها اليهود إلى بولندا واستمروا في استخدامها كما هي (مع أنها تطورت في وطنها الأصلي) وأضافوا إليها كلمات سلافية وعبرية.

стр. 2915

وعلى سبيل المثال، فإن الزي الذي يُسمَّى «الكسوة الكبرى» ، وهو رداء العروس اليهودية في المغرب، يضم عناصر من أزياء إسبانيا كان أعضاء الجماعة اليهودية قد تبنوها قبل طردهم منها وأضافوا إليها عناصر من أزياء المغرب. وحدث تطوُّر مماثل في أزياء يهود شرق أوربا، فهم يرتدون رداءً طويلاً مصنوعاً من الحرير ذا أكمام طويلة ومفتوحاً من الأمام حيث يُثبَّت بحزام في الوسط ويُسمَّى «كفتان» (من الكلمة العربية «قفطان» ) . وكان النبلاء البولنديون يرتدونه، ويبدو أن هؤلاء بدورهم كانوا قد نقلوه من زى المغول الرسمي في القبيلة الذهبية والتي كانت تمثل القوة العظمى في أوربا السلافية. وتطوَّر الكفتان بعد ذلك وأصبح ما يُسمَّى «كابوت» . وقد تبنَّى يهود شرق أوربا إلى جانب ذلك بعض العناصر الأخرى من رداء النبلاء البولنديين، حيث كان اليهود يشكلون جماعة وظيفية وسيطة تمثل مصالح هؤلاء النبلاء في أوكرانيا وغيرها من الأماكن. ومن أهم هذه العناصر قبعة اليرمولك، وهو غطاء الرأس الصغير الذي أصبح السمة المميِّزة لأعضاء الجماعة اليهودية من المتدينين، بل ويرتديه غير المتدينين كذلك باعتباره طقساً من طقوس حفاظهم على هويتهم. ومن الملامح المميِّزة أيضاً لرداء يهود شرق أوربا قبعة خارجية تُسمَّى «الشترايميل» . ومن الواضح أنها من أصول سلافية، فهي قبعة ثُبِّت في طرفها ذيول ثعالب، وكانت كثرة عدد الذيول من علامات الثروة. ويذهب آرثر كوستلر إلى أن هذه القبعة كان يرتديها يهود الخزر وأنهم نقلوها عن قبائل الكازاك. أما النساء، فقد كن حتى منتصف القرن التاسع عشر يرتدين عمامة عالية بيضاء كانت نسخة طبق الأصل من «الجولوك» التي كانت تلبسها نساء الكازاك والتركمان. ومازالت الفتيات اليهوديات الأرثوذكسيات ملزمات، حتى اليوم، بأن يضعن عوضاً عن العمامة البيضاء العالية شعراً مستعاراً من شعورهن ذاتها، ثم ينزعنه عندما يتزوجن.

стр. 2916

واحتفظ يهود شرق أوربا بهذا الزي بتنويعاته المختلفة. وبقيت لهذا الزي المميَّز وظيفته في مجال عَزْل أعضاء الجماعة اليهودية الوظيفية الوسيطة عن محيطهم (إلى جانب الرموز والأشكال الأخرى مثل اللهجة المميَّزة والعقيدة المختلفة) . ولكن، مع التحولات العميقة في وسط أوربا وشرقها، ورغبة الدولة القومية المركزية في إنهاء عزلة اليهود وغيرهم من الجماعات والأقليات، طُلب إلى أعضاء الجماعة اليهودية التخلي عن هذا الزي وارتداء الأزياء الغربية، وصدرت قوانين تُحرِّم ارتداء أزياء خاصة بالجماعات اليهودية. لكن أعضاء الجماعة اليهودية رفضوا هذا التغيير القسري في بادئ الأمر، قبل أن يندمجوا في نهاية المطاف. ولا يحافظ على زي يهود شرق أوربا سوى الجماعات الحسيدية، وهم قلة صغيرة. ومنذ عام ١٨٨١ وحتى عام ١٩٣٥، اشتغل كثير من اليهود في تجارة الرقيق الأبيض المشينة، وكان القوادون يرتدون الكفتان حتى أصبح الكفتان والبغاء مرتبطين تمام الارتباط في الذهن الشعبي في الغرب. وفي الوقت الحاضر، ترتدي الغالبية الساحقة من أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الأزياء السائدة في مجتمعاتهم ويتبعون آخر الموضات، إن سمح لهم دخلهم بذلك، وهم في هذا لا يختلفون عن معظم البشر في القرن العشرين. أما في الدولة الصهيونية، فلم يُلاحَظ ظهور زي إسرائيلي أو يهودي خاص، وإن كان يُلاحَظ أنهم يرتدون الصندل (حتى أصبح إحدى العلامات المميِّزة لجيل الصابرا) . ولكن ارتداء الصندل ليس تعبيراً عن هوية يهودية كامنة أو عن أي شيء من هذا القبيل، وإنما هو تعبير عن حرارة الجو في الشرق الأوسط، ومن ثم نجد أن الصندل منتشر في كل دول المنطقة! كما يُلاحَظ أن المضيفات في خطوط العال الإسرائيلية يرتدين زياً قريباً جداً من زي الفلاحات الفلسطينيات!

стр. 2917

ولا يُوجَد زي خاص وموحَّد للحاخامات. فحاخامات يهود فرنسا يرتدون زي الوعاظ الهيجونوت، أما في إنجلترا فبعضهم يرتدي زي قساوسة الكنيسة الإنجليكانية، وفي الولايات المتحدة يرتدون الزي الغربي العادي، شأنهم في هذا شأن الوعاظ في كنائس البروتستانت، وفي الدولة العثمانية كان الحاخامات يرتدون زي الشيوخ أي جُبّة وقفطاناً وعنترية وعمامة. الباب الثالث: الفنون التشكيلية والجماعات اليهودية الفن اليهودي Jewish Art من الصعب الحديث عن «الفن اليهودي» بشكل عام، ولذلك فإننا نجد أن الحديث عن «فنون الجماعات اليهودية» أكثر دقة وتفسيرية. فعبارة «الفن اليهودي» ، شأنها شأن عبارات أخرى، مثل «الثقافة اليهودية» و «الأدب اليهودي» ، تفترض وجود هوية يهودية محدَّدة مستقلة وثابتة ومنفصلة عن التشكيلات الحضارية التي تُوجَد فيها، وتفترض وجود شخصية يهودية لها خصوصيتها المتميِّزة. فنون الجماعات اليهودية Arts of the Jewish Communities نحن نذهب إلى أنه لا توجد هوية يهودية واحدة، وإنما هناك هويات عديدة تختلف باختلاف الزمان والمكان وباختلاف التشكيلات الحضارية التي يعيش أعضاء الجماعات اليهودية في كنفها. ومن ثم، لا يوجد فن يهودي ولا حتى فنون يهودية بشكل عام، وإنما يوجد فنانون عبرانيون وفنانون يهود تختلف طرقهم في الإبداع باختلاف التشكيلات الحضارية التي ينتمون إليها. ويظهر هذا في فن العمارة على سبيل المثال، فهيكل سليمان يتبع النماذج المصرية والفينيقية والآشورية. أما هيكل هيرود، فيتبع النمط الروماني السائد في ذلك العصر. وكانت مباني العبرانيين تتبع النمط السائد، ولذا كانت كنعانية في البداية ثم هيلينية ورومانية. وفي العالم الإسلامي، شُيِّدت المعابد اليهودية حسب الطراز المعماري الإسلامي، كما تُشيَّد الآن في العالم الغربي حسب الطرز المعمارية السائدة فيه.

стр. 2918

وقد أثار اكتشاف معبد ديورا أوروبوس، الذي بُني في العصر الهيليني، قضية تحريم التصوير والتماثيل في اليهودية (كما وردت في الوصية الثانية من الوصايا العشر) . ويبدو أن هذا التحريم لم يُنفَّذ إبان حكم الممالك العبرانية. فتماثيل الكروب (الملائكة) فيه تدل لا على تقبُّل التصوير وحسب، وإنما تدل على بناء التماثيل أيضاً. كما أن تماثيل العجول التي كانت في هيكل المملكة الشمالية تدل على أن الكروب لم تكن استثناء فريداً، وإنما كانت نمطاً متكرراً. ولكن، بعد العودة من بابل، حدثت محاولة لتنفيذ هذا الحظر، وإن تم الاحتفاظ بتماثيل الكروب. وبمرور الوقت، ازداد تشبُّع اليهود بالحضارة الهيلينية، وبالتالي بدأ الاهتمام بالتماثيل إلى أن نُسي الحظر الديني تماماً، فنجد أن معبد ديورا أوروبوس تظهر فيه لوحات فسيفساء تمثل أنبياء العهد القديم وبعض الشخصيات الأخرى. وهناك لوحة تمثل ميلاد موسى وقد حملته أفرودَيت (فينوس) إلهة الجمال، في حين ظهر هارون في لوحة أخرى، وقد تبعه أحد الكهنة اللاويين، ويسير وراءهما عبد. ولكن، ومن خلال التأثر بالحضارة الإسلامية، اكتسب الحظر شرعية جديدة، وتزايد ابتعاد يهود الحضارة الإسلامية عن التصوير. أما في إيطاليا، مثلاً، حيث ازدهر فن النحت، فإننا نجد أن جيتو روما كان يزينه تمثال نصفي لموسى. وكل هذا يبين أن عبارة «فن يهودي» بغير مضمون، والصحيح أن هناك فناً يبدعه فنانون يهود، أو فناً ذا مضمون يهودي، أو فناً موجهاً إلى جمهور يهودي يتبع التقاليد الحضارية السائدة في المجتمع المضيف.

стр. 2919

ويمكن القول بأن مساهمة اليهود في الفن الغربي ظلت ضئيلة حتى القرن التاسع عشر، باعتبار أنهم كانوا جماعة وظيفية وسيطة منعزلة عن أعضاء المجتمع، لها لغتها الخاصة على الصعيدين اللغوي والحضاري. كما أن الدين كان مرتبطاً بالفن في المجتمعات التقليدية، ارتباطه بمعظم نشاطات الإنسان الأخرى، وهو ما كان يعني استبعاد اليهود كمنتجين لهذه الفنون، وضمور إبداعهم في مثل هذه المجالات. وتغيَّر هذا الوضع تماماً، مع القرن التاسع عشر، بعد الإعتاق والانعتاق، وبعد علمنة المجتمع الغربي. ويُلاحَظ منذ ذلك التاريخ ظهور عدد من الفنانين الغربيين من أصل يهودي، ولكن إبداعهم كان يتم من خلال المصطلح واللغة الفنية السائدة في مجتمعهم وزمانهم ومكانهم. ومن أهم الفنانين من أعضاء الجماعات اليهودية الفنان الانطباعي كاميل بيسارو (الفرنسي) والفنان مارك شاجال (الروسي) وبن شان (الأمريكي) وأماديو مودلياني (الفرنسي) ، وكلهم من الرسامين. وأهم النحاتين من أعضاء الجماعات اليهودية جاك ليبشيتس (الأمريكي) . ويُوجَد عدد كبير من تجار الأعمال الفنية ونقاد الفنون من أصل يهودي. ولكن تظل نشاطات أعضاء الجماعات اليهودية، كفنانين مبدعين أو ناقدين للفن أو متاجرين فيه، نابعة من محيطها الحضاري، فهي تعبير عن المجتمعات التي ينتمي إليها أعضاء الجماعات اليهودية وعن تفاعلهم معها، وهذه المجتمعات هي التي تحدِّد موضوعات هذه الفنون ولغتها الفنية.

стр. 2920

ولننظر الآن إلى بعض الأعمال الفنية التي تُوصَف بأنها «يهودية» ، وهي أعمال محفوظة في المتحف اليهودي في نيويورك باعتبارها نماذج من «الفن اليهودي» . من هذه الأعمال ستار يُستخدَم في أكثر الأماكن قداسة في المعبد اليهودي، أي تابوت العهد الذي تُحفَظ فيه مخطوطات التوراة. والستار من تركيا وهو على الطراز العثماني في القرن الثامن عشر، تتوسطه صورة للمسجد الأزرق بمآذنه المُدبَبة، ويحيط بها عمودان ملفوفان على تاج كل منهما آنية للزهور، وهي طريقة للزخرفة شائعة في الفن العثماني آنذاك. ويظهر فيها تأثُّر الفن العثماني بالفن الأوربي. والواقع أنه لا يوجد شيء يهودي في هذا الستار سوى الكتابة العبرية في وسطه، وإن كانت هناك يد وسط الكتابة العبرية، هي كف عائشة (خمسة وخميسة عند المصريين) ، وهذا يُشكِّل جزءاً من فلكلور المنطقة. ولننظر إلى هذا الوعاء النحاسي من العصر المملوكي، وهو مُطعَّم بالفضة والذهب. والوعاء مُقسَّم إلى مساحات طولية عليها كتابة بالعربية تقطعها أشكال دائرية تحوي زخارف. وداخل هذه الزخارف يُلاحَظ وجود نجمة داود وكتابات بالعبرية. ويبدو أن هذه الآنية صمَّمها حرفي عربي يهودي من سوريا (ومن هنا معرفته بالحروف العبرية) . ولكن طريقة الصناعة والطراز والبنية الجمالية كلها إسلامية، أي أن صانع هذا الوعاء قد يكون حرَفياً يهودياً ولكن ذوقه إسلامي مملوكي.

стр. 2921

ومن بين مقتنيات المتحف اليهودي في نيويورك ميدالية من طراز إيطالي تعود إلى منتصف القرن السادس عشر، ونُحت عليها رأس دونا جراسيا ناسي. ولكن صانع الميدالية نفسه هو باستور ينو دي جيوفان ميشيل دي باستوريني (١٥٠٨ ـ ١٥٩٢) ، وهو فنان إيطالي مشهور قام بصك عدة ميداليات، من أشهرها ميدالية لفرانسيسكو ميديتشي. وفن الميداليات هو فن انتشر في إيطاليا في عصر النهضة، وهو محاولة لتقليد العملات القديمة (الرومانية وغيرها) بحيث يظهر الشخص المُحتفَى به، والذي تظهر صورته على الميدالية على هيئة أحد أبطال الرومان. وكانت الصورة تهدف إلى إبراز السمة الأساسية في الشخصية (باللاتينية: «فيرتو vertu» ) وتمجِّدها. ولكن الميدالية، مثل كل أنواع الفن الكلاسيكي، لم تكن تهدف إلى إبراز الشخصية كما هي، وإنما كما ينبغي أن تكون في أكثر لحظاتها سمواً ونبلاً. وتوجد حول رأس المُحتفَى به نقوش. وربما كان العنصر اليهودي الوحيد هنا أن هذه النقوش كُتبت بالعبرية. وفن الميداليات، والمفهوم الكامن وراءه، هو فن يحاكي الفن الروماني، وله أبعاد وثنية عميقة كما هو الحال مع فن عصر النهضة وبدايات علمنة العقل الأوربي وكذلك علمنة رغبات وقيم الإنسان الغربي. فإذا كان الفن أوربياً (عصر النهضة) والفنان إيطالياً، والقيم الجمالية والخلقية وثنيةً، فبأي معنى يمكن تسمية هذا الفن «يهودياً» ؟

стр. 2922

ومن المقتنيات الأخرى، لوحة رمبرانت «اليهود في المعبد اليهودي» . وهذه اللوحة الرائعة (وهي حفر على الورق) تبيِّن رؤية رمبرانت للجماعة اليهودية في عصره. فرغم أن اليهود كانوا أقلية صغيرة، فإنه هو نفسه كان يعيش في حارة اليهود. ويقول النقاد الفنيون إن رمبرانت في هذه اللوحة يدرس موضوع الغربة، وهو موضوع إنساني عام، فمركز اللوحة هو اليهودي الجالس على قطعة من الحجر، وقد أعطى المشاهد ظهره. ويُلاحَظ أن كل الأشخاص الآخرين في الصورة يتحدث الواحد منهم مع الآخر وجميعهم غير مكترث بوجوده، بل نجد أنهم ينظرون بعيداً عنه. ورغم أنه يُوجَد في بقعة التوتر (في الوسط تماماً) ، فإن وجهه متجه نحو الظلمة. ويبدو أن أزياء اليهود قد اجتذبت انتباه رمبرانت (وهي أزياء لم تكن هولندية، فقد جاء الإشكناز من بولندا، أما السفارد فمن إسبانيا) ، وأحضرت كل جماعة منهما أزياءها المحلية. ومن الأعمال الفنية الأخرى، شمعدان المينوراه، وهو الشمعدان الذي يُشعَل في منازل اليهود وفي معابدهم. وهو على الطراز الألماني (من القرن السابع عشر إلى القرن التاسع عشر) . ومن الحقائق التي ينبغي ذكرها أن شمعدان المينوراه كان يُوجَد في بعض الكنائس في العصور الوسطى أيضاً (لأن الكنيسة كانت ترى نفسها إسرائيل الحقيقية التي حلَّت محل إسرائيل غير الحقيقية، أي الشعب اليهودي) . ويُلاحَظ في المينوراه الألمانية وجود موضوعات ونقوش ألمانية مثل القاعدة التي اتخذت شكل أُسود، والتي تظهر في كثير من المينورات في الكنائس، وكذلك الفروع التي زُيِّنت بأوراق.

стр. 2923

ويُوجَد في المتحف اليهودي قسم خاص بما يُسمَّى «كتوباه» ، أي عقود الزواج. والكتوباه، شأنها شأن الأعمال الفنية اليهودية الأخرى، نابعة من التشكيل الحضاري الذي تُوجَد فيه. ومن أشهر عقود الزواج التي يحتفظ بها المتحف، عقد زواج من ليفورنو (إيطاليا) في القرن الثامن عشر، وكانت المدينة قد اختارت النحات إيزيدور باراتا (من كرارا) ليزِّين المعبد اليهودي بالزخارف، ويبدو أن صانع هذه الكتوباه تأثر بسفينة العهد التي صنعها الفنان الإيطالي، فاستخدمها إطاراً للكتوباه، وأضاف إليها ملاكين، أخذهما من إحدى اللوحات التي نقشها باراتا على الرخام، وهي لوحة «صلب بطرس الرسول» . وزيَّن الكتوباه بعد ذلك بورود رائعة. وفي وسط الخرطوشة (شكل بيضاوي أو مستدير في وسطه اسم شخص مشهور) ، يوجد منظر ذو مضمون ديني: يظهر إبراهيم وهو يُضحِّي بإسحق (بحسب رؤية اليهود) ، ثم يصل الملاك بالرسالة من الخالق في اللحظة المناسبة.

стр. 2924

ولكن أبطال العهد القديم يصبحون، في هذا العمل الفني، مثل الأبطال الوثنيين. ولذا، نجد أن التركيز يتجه نحو ملامحهم الجسدية. فصورة إبراهيم وإسحق تشبه صور أو تماثيل زيوس وأوربا مثلاً، ولا تعطي أي إحساس بالرهبة الدينية. والكتوباه خليط من فن الباروك والروكوكو. ويجب أن نذكِّر القارئ هنا بأن اليهودية تُحرِّم التصوير أساساً، فما بالك بتصوير أبي الأنبياء والأمم بهذه الطريقة (لفظة إبراهيم تعني في العبرية «أبو الأمم» ) ؟ ولعل أهمية هذه اللوحة بالنسبة لنا أنها تعطينا صورة عن كيفية إنتاج الفن الذي يُقال له «يهودي» من خلال اللغة الفنية والحضارية السائدة. فقد قام فنان مسيحي إيطالي في عصر النهضة الذي سادته الاتجاهات الوثنية بتزيين معبد يهودي، ثم تأثر حرفي يهودي بزخارفه فنقلها إلى الكتوباه. ويُلاحَظ أيضاً أن الحرفي أضاف زخارف أخرى قام الفنان الإيطالي نفسه بإبداعها لعمل فن مسيحي. وهكذا، لا يبقى سوى الكتابة العبرية في هذه الكتوباه. ولا ندري، هل كانت كتابة الخط شكلاً فنياً قائماً بين يهود إيطاليا، كما كان الحال ومازال عند العرب المسلمين، وعند كل المسلمين الذين يستخدمون الحرف العربي؟ في غالب الأمر سنجد أن الخط لم يكن مما يُعَدُّ من الفنون الجميلة في أوربا آنذاك.

стр. 2925

وإذا تركنا عصر النهضة والباروك والركوكو ووصلنا إلى عصر العقل والفن الذي يُشار إليه باسم «نيو كلاسيكي» ، فإننا سنجد لوحة لفنان أمريكي يهودي يُسمَّى توماس سللي (١٧٨٣ ـ ١٨٧٢) ، واللوحة عبارة عن بورتريه لسالي إتينج، أي صورة شخصية لها. والفن النيو كلاسيكي يحاكي الفنون الرومانية واليونانية بشكل واع، وهو بهذا يُعَدُّ امتداداً لفن عصر النهضة الغربي. وهنا، فإن بطلة الصورة قد رُسمت على هيئة إحدى بطلات الرومان، فهي ترتدي زياً رومانياً، بل نجد أن تسريحة شعرها على الطريقة الرومانية. ومن الواضح أن انعكاس الضوء على وجهها وجسدها يهدف إلى تأكيد جمالها الجسدي ومثاليتها الخلقية، وستظل هذه هي أهم معالم الفن العلماني، حيث يحاول أن يصل إلى قيم مطلقة من خلال الجسد الإنساني والظاهرة الإنسانية. وقد كانت مثل هذه المحاولات مشُوبة دائماً بالتوتر، فهي تعبير عن نزعة مثالية ولكنها تظل حبيسة الجسد والمادة. ولا ندري هل نجح الفنان هنا في حفظ التوازن بين الحسي والمثالي؟ ولكن، وأياً ما كانت نتيجة المحاولة، إيجاباً أو سلباً، فالفن الذي نشاهده فن غربي نيو كلاسيكي، كما أن المشكلة التي يواجهها الفنان هي على وجه الحصر مشكلة لا يمكن أن تُوصَف بأنها يهودية. وإلى جانب ذلك، فإن المعالجة الجمالية الأخلاقية تنتمي إلى قواعد ذلك العصر. بل إننا، ابتداءً من الميدالية والكتوباه، نلاحظ بداية القيم العلمانية والموضوعات الوثنية في الفنون الغربية. ومن هنا، يمكننا القول بأنه، مع شيوع الفن النيو كلاسيكي، انتصر العنصر الوثني، وهو ما أفضى إلى اختفاء القيم المسيحية والدينية. وقد حدث الشيء نفسه بالنسبة للفنان اليهودي، إذ اختفت الحروف العبرية. كما توقفت أية محاولات، مهما كانت واهية واهنة، تتعلق بإقحام عنصر يهودي على العمل الفني. فنحن هنا في حضرة عمل فني غربي خالص، لا يُوجَد فيه حتى ادّعاء اليهودية.

стр. 2926

ومن أشهر اللوحات التي وُصفت بأنها «يهودية» ، اللوحة المسماة «عودة المتطوع اليهودي من حروب التحرير إلى أسرته التي لا تزال تعيش حسب التقاليد القديمة» للفنان موريتز دانيال أوبنهايم (١٨٠٠ ـ ١٨٨٢) ، وهي تنتمي إلى الأسلوبين الرومانتيكي والواقعي في القرن التاسع عشر. فأسلوب اللوحة رومانتيكي من حيث تأكيده العواطف والبُعد المثالي للمنظر، ولكنه واقعي من حيث اهتمامه المفرط بالتفاصيل. واللوحة تُعبِّر عن هذه النقطة التي بدأت فيها اليهودية التقليدية (الأرثوذكسية) تتفكَّك، وتحل محلها الصيغ اليهودية الجديدة المُخفَّفة، والتي لا يعترف بها الأرثوذكس، وهو ما أدَّى إلى طرح مشكلة من هو اليهودي؟ فالأسرة لا تزال أرثوذكسية، تقيم شعائر السبت كما هو واضح من الكأس والخبز على المائدة، والأب يقرأ من كتاب هو في الغالب كتاب أدعية وصلوات. ولكن الأسرة، مع هذا، بدأت تفقد شيئاً من أرثوذكسيتها، ويدل على ذلك وجود صورة في المنزل. ووصول الابن في ذلك اليوم يعني أنه سمح لنفسه بالسفر في يوم السبت، وهو الأمر الذي تُحرِّمه الشريعة اليهودية. ومن الواضح أن هؤلاء اليهود بدأوا يفقدون هويتهم الإثنية الدينية ويتحولون إلى مواطنين ألمان، ومن هنا فخرهم بقوميتهم. وربما كان وجه الأب الذي ينظر بشغف وزهو وحيرة إلى صدر ابنه هو رمز هذه اللحظة، فالأب ينظر إلى الصليب الحديدي، وهو رمز مسيحي قومي. وموضوع «رحيل المتطوعين» موضوع أساسي في الفن الرومانتيكي في القرن التاسع عشر، وإن كان أوبنهايمر جعله «عودة» المتطوع، ربما متأثراً بلوحة «عودة الأبناء» للفنان الألماني فيليب أوتو رانج.

стр. 2927

وقد كان النقاد الفنيون اليهود يتحدثون، حتى عهد قريب، عن يهودية حاييم سوتين، ولكن الاتجاه الآن نحو دراسة صوره يتم داخل إطار تاريخ الفن في القرن العشرين ومشاكل الحداثة. وقد كوَّن مع موديلياني وأوتريللو وياسين جماعة تُسمَّى «الملاعين» أو «سيِّئو الحظ» (بالفرنسية: «مودي maudit» ) وكلهم يهود ماعدا ياسين. ولكن، هل لعبت يهوديتهم دوراً في تحديد رؤيتهم وأسلوبهم؟ أم أن تجربتهم تجربة أفراد يشعرون بالضياع والغربة في عالم القرن العشرين العلماني؟ (ولعل يهوديتهم تزيد حدة هذا الإحساس بالاغتراب، فمعدلات العلمنة بين اليهود، خصوصاً المثقفين، كانت أعلى منها بين بقية المجتمع) . وقد رسم سوتين لوحته «وعاء زهور» عام ١٩٣٠، واشتهر باللون الأحمر الذي استخدمه في هذه اللوحة وفي لوحاته الأخرى التي رسم فيها لحم حيوانات مخضباً بالدماء، (ويُقال إن هذه اللوحات احتجاج على قوانين الطعام اليهودية) . ويتضح توتُّر سوتين وجرأته في هذه اللوحة التي تُعَدُّ إرهاصاً للتعبيرية التجريدية.

стр. 2928

ومن أهم الأعمال الفنية التي يُقال لها «يهودية» ، النصب التذكاري الذي نفذه جورج سيجال المولود عام ١٩٢٤ لضحايا الهولوكوست أو الإبادة النازية، بناء على طلب بلدية سان فرانسيسكو. وتماثيل النصب مصنوعة من قالب جصى بالحجم الطبيعي لعدة جثث مرتبة على هيئة نجمة داود. وتمسك إحدى الجثث بتفاحة رمزاً لحواء، كما أن جثة أخرى تمد ذراعيها رمزاً للمسيح المصلوب. وهناك رجل عجوز وبجواره صبي، وهو يرمز إلى إبراهيم وإسحق. أما الرجل الواقف، فهو رمز البقاء (بقاء الشعب اليهودي) ، ولكنه في حالة ذهول. ولذا، فهو يمسك بالسلك الشائك دون أن يشعر بالوخز، وربما كان ذلك رمزاً آخر للمسيح. والموضوع هنا يهودي بالمعنى الإثني لا الديني، لكن التناول صهيوني، وهو يؤكد بلا شك مركزية واقعة الإبادة النازية، ويتحدث عن تاريخ يهودي، عن معاناة يهودية. ولكن العمل مع هذا يظل عملاً أمريكياً غربياً حديثاً، لا يمكن فهم قيمه الجمالية إلا بالعودة إلى اللغة الفنية السائدة في الولايات المتحدة، وهي لغة تدخلها الرموز المسيحية. وهذا أمر طبيعي، فقد صاغه فنان أمريكي ليعرضه على جمهور أمريكي. وإذا كان الموضوع يهودياً والفنان الذي تناوله يهودياً، فإن هذا لا يقلِّل من أمريكية العمل، إذ تظل اللغة الفنية لغة أمريكية غربية حديثة.

стр. 2929

وفي عرضنا حتى الآن لما يُسمَّى «الفن اليهودي» ، وجدنا أنفسنا ننتقل من الحضارة الإسلامية إلى الحضارة الغربية. ولو انتقلنا إلى الحضارة الصينية لندرس معمار المعبد اليهودي هناك، لوجدنا أنه لا يختلف كثيراً عن معمار المعابد الكونفوشيوسية. وفي دراستنا للأعمال الفنية اليهودية المختلفة، وجدنا أنفسنا نشير إلى فن عصر النهضة، وفن عصر العقل، وفن عصر الرومانسية، وفن العصر الحديث. وفي محاولة فهم هذه الأعمال، كان علينا أن نعود دائماً إلى تطوُّر الفكر والفن الغربيين، ونحن لم نجد عناصر يهودية إلا في الموضوع، وهو عنصر فرعي لا يحدِّد القيم الجمالية أو طريقة التناول. ومن هنا، نجد أن من الصعب التحدث عن «فن يهودي» ، بينما يمكننا أن نتحدث عن فن غربي في محاولة لتصنيف الأعمال التي نشاهدها.

стр. 2930

وإذا نظرنا إلى الفن الإسرائيلي، فإننا نجد أن الأمر لا يختلف كثيراً عما يُسمَّى «الفن اليهودي» ، فهو فن ليست له شخصيته المستقلة، ولا معجمه الخاص. وقد يتبلور فن إسرائيلي له شخصية فنية مستقلة، ولكننا، حتى الآن، لا يمكن أن نزعم وجود مثل هذا الفن. وللدلالة على هذا القول، يمكننا أن ننظر إلى لوحة الفنان الإسرائيلي ريوفين روبين (١٨٩٣ ـ ١٩٧٤) المولود في رومانيا والذي هاجر إلى فلسطين واستوطن فيها. واللوحة من مقتنيات المتحف اليهودي في نيويورك، ولها عنوانان: «بائع السمك الملون» ، و «الصياد العربي» . والواقع أن إعطاء اسمين للوحة أمر ذو دلالة عميقة في السياق الصهيوني، فعنوان «الصياد العربي» محاولة أولية لتجريد العربي بحيث يصبح جزءاً من الطبيعة. ويظهر هذا في تشكيل اللوحة ذاته. فالصياد تحوَّل إلى شكل هندسي يقف متوازناً بين السمكة التي في يده والسمك الذي في الوعاء الذي يحمله، وعيونه ذاتها تشبه عيون السمك وتجعله هو نفسه يشبه السمك. ويداه: إحداهما تمسك بسمكة ملتوية بحيث تصبح متوازية مع جسده، والأخرى ممسكة بالوعاء، أما أصابعه فتكاد تسبح في الماء كالسمك. وذراعاه يشبهان الإطار، بحيث يأخذ الصياد شكل المربع، ولكنه مربع مليء بتموجات تذوب وتندمج في الخلفية المتموجة بحيث يندمج الفرد في الطبيعة تماماً. وثمة غنائية عميقة في اللوحة رغم ألوانها، ولكنها على أية حال ألوان أرض فلسطين التي يسميها الصهاينة «إرتس يسرائيل» . والعربي موضوع أساسي في الفن الصهيوني، وقد طرح الصهاينة فكرة «أرض بلا شعب» ، أي فكرة أن العرب لا وجود لهم. ولتفسير هذا التناقض، لابد أن نشير إلى عنصرين:

стр. 2931

١ ـ المستوطنون الصهاينة الذين عاشوا في هذه الأرض وجدوا العربي في كل مكان، يسير حولهم ويعمل في الأرض قبل وبعد استيلائهم عليها، آثاره في كل مكان حتى بعد أن طُرد منها. ولذا، لم يكن هناك مفر من أن يظهر العربي على شاشة الوجدان الصهيوني، مهما حاولت الأيديولوجيا المجردة أن تغيِّبه. ٢ ـ يرفض الفكر الصهيوني يهود المنفى (أي كل يهود العالم ما عدا المستوطنين الصهاينة) على أساس أنهم شخصيات هامشية هزيلة تعمل بالربا والتجارة ولا يمكنها أن تقوم بالأعمال اليدوية المنتجة. وكانوا يضعون العربي مقابل يهودي المنفى باعتباره شخصية حيوية منتجة تعيش في وئام مع الطبيعة، فالعربي هنا هو نقيض يهودي المنفى، وعلى المستوطن الصهيوني أن يعيد صياغة شخصيته بحيث يكون مثل هذا العربي. ومن هنا، كُتبت مسرحيات وقصص كثيرة تدافع عن هذه الرؤية حتى اشتكى أحد النقاد الصهاينة في أوائل القرن من أنه لا يوجد عمل أدبي واحد يكتب في فلسطين إلا وفيه تمجيد للعرب. وقد كان الصهاينة يرتدون زي العرب ويحاولون أن يتصرفوا مثلهم.

стр. 2932

ولوحة «الصياد العربي» هي نتاج هذا الموقف الذي استمر حتى أواخر العشرينيات، ثم اختفى بعد ذلك مع بداية انتفاضات العرب، الأمر الذى حوَّلهم من شخصيات رومانسية مندمجة في الطبيعة ملتحمة معها، ومن موضوع للتأمل، إلى شخصيات حقيقية تدافع عن أرضها. ولم يَعُد العربي مجرد مربع يشبه السمكة، ينظر في السمك، ويحمل الأسماك ويذوب في الأمواج، إذ أصبح من الصعب تجريده. ولعل هذا هو ما أدَّى إلى اختيار العنوان الثاني «بائع السمك الملون» ، فهنا تتحوَّل عملية التجريد إلى تغييب كامل، فيصبح العربي مجرد بائع سمك مُلوَّن، وتصبح فلسطين أرضاً بلا شعب. واللوحة متأثرة بفن مودلياني والفن الساذج أو البدائي. وتحليلنا لمضمونها العقائدي العنصري لا ينفي عنها أنها عمل فني جميل، لكن الجمال على كلٍّ ليس له علاقة كبيرة بالأخلاق، فالأعمال العنصرية والإباحية يمكن أن تكون على مستوى عال من الجمال والإبداع الفني. أما العمل الثاني الذي سنختاره للتحليل، فهو للفنان الإسرائيلي جوشوا نيوشتاين، المولود في دانزيج بألمانيا، وهو بعنوان «سلسلة فايمار رقم ٢» ، وهو جزء من مجموعة لوحات عن جمهورية فايمار (١٩١٩ ـ ١٩٣٣) في ألمانيا، والتي كان يحكمها نظام ليبرالي، وحقَّق فيها الألمان من اليهود بروزاً كبيراً، واتسم حكمها بالاضطرابات الاجتماعية والتضخم وعدم الاستقرار السياسي والبطالة والتنازلات المستمرة للحلفاء (إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة) الذين حققوا الانتصارات وأذلوا ألمانيا بمعاهدة فرساي. وقد أدَّى كل هذا إلى تحلُّل وسقوط هذا النظام، ثم ظهر هتلر والحكم الشمولي. وموضوع اللوحات هو التحلل والتآكل.

стр. 2933

وينتمي نيوشتاين إلى حركة فنية تُسمَّى «التجريد المعرفي» ظهرت في الولايات المتحدة، وكانت لها أصداؤها في إسرائيل في أواخر الستينيات. ويشير اسم الحركة إلى نوع من الفن يتعامل مع طبيعة المعرفة والإدراك وكيفية فَهْم وإدراك الحقائق الفيزيقية الأساسية. ويتعين على مشاهد هذه الصورة أن يحاول رؤية عملية ثني الورق وتَشقُّقه ومحاولة إصلاحه، بل وأن يحاول أن يخمن ما تحت الورقة، هذا على الأقل هو رأي الناقد الفني روبرت بنكوس ويتن. كانت كل لوحات نيوشتاين، في البداية، رمادية خالية من اللون. ولكن، مع سلسلة فايمار هذه، لجأ نيوشتاين إلى الألوان الصاخبة وإلى ضربات الفرشاة ليعبر عن إحساسه بالإحباط، فهي محاولة لرسم صورة اللوحات، وهي على هيئة الحطام ذاتها. وكثيراً ما تُستخدَم ألفاظ، مثل: «هشّ» ، و «مُمزَّق» ، و «غير ثابت» ، لوصف أعمال نيوشتاين. ويلجأ أعضاء هذه المدرسة في إسرائيل إلى عمليات تجريبية مادية، مثل تمزيق الورق ومسح الألوان والخربشة. والاختلاف العميق بين عدمية الفنانين الإسرائيليين واتجاه زملائهم الأمريكيين تبيِّن الفرق بين الاهتمامات القومية لكل من الفريقين، فهدم الإسرائيليين للمادة التي يستخدمونها هو تعبير عن وضع الدولة الصهيونية التي تخرج من حرب لتدخل أخرى. وهذه الحركات الفنية داخل المُستوطَن الصهيوني تبدو كما لو كانت تنبع من حركة فنية أمريكية وجدت أصداء لها بين الفنانين الإسرائيليين. وقد يمكن القول بأنهم أضافوا نغمة إسرائيلية خاصة إلى أعمالهم، وأنهم جزء من حركة فنية عالمية هي حركة الحداثة (والتجريد والتجريب) ، وأنهم في هذا لا يختلفون عن معظم فناني العالم في العصر الحديث. الكنيسة والمعبد Ecclesia et Synagoga

стр. 2934

موضوع أساسي في الفنون الكنسيَّة في العصور الوسطى في الغرب، وشكل متكرِّر متواتر أصبح جزءاً من اللغة الأيقونية. وكان هذا الشكل يمثل الكنيسة المسيحية المنتصرة على هيئة امرأة تنظر منتصرة إلى ما حولها وتحمل صليباً، أما اليهودية أو المعبد اليهودي فكان يُمثَّل على هيئة امرأة تشبه الأولى تماماً إلا أنها معصوبة العينين (رمز عدم إدراك اليهود المغزى الحقيقي للعهد القديم) تحمل عصا مكسورة (رمز الهزيمة) أو أحياناً لوحين كُتبت عليهما الوصايا العشر (رمز العهد القديم) . وكان هذا الشكل الأيقوني يظهر إما بالحفر البارز أو على هيئة تماثيل، ومن أشهر هذه التماثيل ذلك التمثال الموجود في كاتدرائيات ستراسبورج وبامبرج. كما تُوجَد مثل هذه التماثيل في باريس وبوردو. أما في إنجلترا، فتُوجَد تماثيل الكنيسة والمعبد في روتشستر ولنكولن. ومن الطريف أن الفنانين من أعضاء الجماعات اليهودية قد تأثروا بهذه اللغة الأيقونية المسيحية لدرجة أنهم هم أنفسهم كانوا يستخدمون الرموز المسيحية في المخطوطات اليهودية. نجمة داود Magen David; Star of David «نجمة داود» ترجمة لعبارة «ماجن ديفيد» ، وهي عبارة عبرية معناها الحرفي «درع داود» . ونجمة داود عبارة عن شكل مُكوَّن من مثلثين كل منهما متساوي أضلاع، ولهما مركز واحد، وهذان المثلثان رأس أحدهما إلى أعلى ورأس الآخر إلى أسفل. ويشكِّل المثلثان المتداخلان نجمة سداسية ذات ستة رؤوس تلمسها جميعاً محيط دائرة افتراضية. ويمكن دراسة تاريخ هذا الشكل على مستويات ثلاثة، أي باعتباره: ١ ـ شكلاً هندسياً زخرفياً. ٢ ـ علامة أو شارة دنيوية دالة على اليهود. ٣ ـ رمزاً دينياً لليهودية. أولاً: النجمة السداسية بوصفها شكلاً هندسياً زخرفياً:

стр. 2935

وُجدت النجمة السداسية في النقوش المصرية القديمة والهندوكية والصينية وفي نقوش حضارات أمريكا الجنوبية. وكانت أيضاً رمز خصب كنعانياً. كما وُجدت هذه النجمة على ختم عبراني يعود إلى القرن السابع قبل الميلاد، وعلى قبر عبراني في القرن الثالث، وعلى معبد يهودي في الجليل في القرن نفسه، وفي مقابر اليهود بالقرب من روما، وعلى حوائط القدس، وفي أحجبة عربية من القرن التاسع، وفي نصوص سحرية بيزنطية، وفي كتب سحر من العصور الوسطى الغربية، وفي الفلكلور الألماني، وفي آثار فرسان المعبد المسيحيين. ونجمة داود هي أيضاً إحدى شارات الماسونيين الأحرار، وقد وُجدت على مبنى المدينة القديمة في فيينا، وعلى كثير من الكنائس في ألمانيا. كما كانت تُوضَع على الحانات في جنوبي ألمانيا، إذ يُقال إن أتباع فيثاغورث كانوا يستخدمون هذه النجمة السداسية حين يتسولون لينبهوا رفاقهم إلى أنهم وجدوا في هذا المكان أهل سخاء وكرم. ولا يزال الشكل يظهر في زخرفة بعض المباني، وإن كان هذا نادراً الآن، لأن الشكل الهندسي المجرد فَقَد براءته الزخرفية واكتسب مضموناً دنيوياً أو دينياً محدداً. وغني عن القول أن استخدام النجمة السداسية بوصفها شكلاً هندسياً، ليس ذا مضمون يهودي أو غير يهودي. ثانياً: النجمة السداسية بوصفها علامة دنيوية:

стр. 2936

مما تقدَّم، يمكن القول بأن النجمة السداسية لم تكن رمزاً يهودياً بل كانت شكلاً هندسياً وحسب. وهي حين ظهرت على بعض المباني اليهودية، لم تكن لها دلالة رمزية، وإنما كان الغرض منها أداء وظيفة زخرفية. وفي القرن الرابع عشر، سمح تشارلز الرابع للجماعة اليهودية في براغ بأن يكون لها علمها الخاص، فصُوِّرت علىه النجمة السداسية. ومن ثم أصبحت النجمة رمزاً رسمياً دنيوياً لليهود. واتخذها بعض طابعي الكتب اليهود في براغ علامة لهم وانتشرت منها إلى إيطاليا وهولندا. ويُلاحَظ أن النجمة السداسية كانت، حتى ذلك الوقت، مجرد علامة، لا رمزاً دينياً أو قومياً. وانتشر استخدام هذه العلامة من براغ إلى الجماعات اليهودية الأخرى. واستخدمها أعضاء الجماعة اليهودية في فيينا سنة ١٦٥٥، وحينما طُردوا منها حملوها إلى مورافيا ووصلت منها إلى أمستردام. ويُلاحَظ أنها لم تنتشر في شرقي أوربا إلا مع بدايات القرن الثامن عشر، ففي هذا التاريخ بدأت النجمة السداسية تتحول إلى شارة لليهود. وفي أوائل القرن التاسع عشر، بدأت تظهر هذه النجمة في أدبيات معاداة اليهود رمزاً دالاً علىهم. وفي عام ١٨٢٢، تبنت عائلة روتشيلد في النمسا هذه النجمة رمزاً لها، بعد أن رُفع بعض أعضائها إلى مرتبة النبلاء. كما استخدمها هايني، الشاعر الألماني المتنصِّر، للتوقيع على خطاباته. ولم تحمل النجمة بالنسبة إلى كل هؤلاء أية دلالة دينية أو قومية أو إثنية، فليس لها امتدادات في تواريخ الجماعات اليهودية. ومن ثم، يمكن اعتبارها علامة ازدادت ارتباطاً ببعض الجماعات اليهودية في الغرب، وكان اختيار عائلة روتشيلد لها هو الذي منحها مكانة وشرعية. ثالثاً: النجمة السداسية باعتبارها رمزاً دينياً:

стр. 2937

يبدو أن عبارة «درع داود» لا تُستخدَم للإشارة إلى النجمة السداسية إلا في المصادر اليهودية، إذ تستخدم المصادر غير اليهودية عبارة «خاتم سليمان» . ويبدو أن التسمية الأخيرة من أصل عربي إسلامي حيث كان يُشار إلى النجمة الخماسية (وهي المنافس الأكبر للنجمة السداسية) باعتبارها أيضاً «خاتم سليمان» . ولكن كيف ارتبطت عبارة «درع داود» بالنجمة السداسية؟ يبدو أن النجمة كانت تُذكَر في الكتابات السحرية اليهودية (في الأحجبة والتعاويذ) جنباً إلى جنب مع أسماء الملائكة. وبالتدريج، أُسقطت الأسماء وبقيت النجمة درعاً ضد الشرور. واكتسبت النجمة السداسية هذه الصفة الرمزية كدرع ابتداءً من القرن الثالث عشر. ومع هذا، استمر استخدام عبارتي «درع داود» و «خاتم سليمان» للإشارة إلىها في الفترة ما بين القرنين الرابع عشر والسابع عشر، كما كانت تُستخدَم عبارة «درع داود» للإشارة إلى شمعدان المينوراه. ولكن، بمرور الوقت، اقتصر استخدام هذه العبارة على الإشارة إلى النجمة السداسية وحدها. وكانت النجمة تُستخدَم في تميمة الباب (ميزوزاه) ، فكانت تُكتَب علىها أسماء سبعة ملائكة، ويصحب اسم كل ملاك النجمة السداسية. وتتحدث القبَّالاه عن العالم العلوي والسفلي المتقابلين. وبهذا يصبح المثلثان (ورأس أحدهما إلى أعلى ورأس الآخر إلى أسفل) رمزاً لهذا التقابل ولحركة الصعود والهبوط، ومعادلاً رمزياً لعلاقة عالم الظاهر بعالم الباطن. وأصبحت النجمة كذلك رمزاً للتجليات النورانية العشرة (سفيروت) حينما تأخذ هيئة شجرة الحياة. وهي ترمز أيضاً إلى ظهور العالم الأصغر الميكروكوزم (أي الإنسان) من العالم الأكبر الماكروكوزم (أي الكون) وزائير أنبين من أبا وأما أي الأب والأم في القبَّالاه. وكانت النجمة ترمز أيضاً إلى ظهور الماشيَّح من صدر إبراهيم. ولذا، كان يشار أحياناً إلى النجمة السداسية باعتبارها درع داود وإبراهيم. وكانت أطرافها الستة، ترمز إلى أيام

стр. 2938

الأسبوع الستة. أما المركز فهو السبت. وكانت النجمة أيضاً رمزاً مشيحانياً يمثل برج الحوت (٢١ فبراير ـ ٢٠ مارس) ، وهو الوقت الذي كان يُفترَض أن يظهر فيه الماشيَّح. وأصبح درع داود رمز درع ابن داود، أي الماشيَّح. واستخدمه أتباع شبتاي تسفي وأصبح رمزاً سرياً للخلاص. وكانت النجمة السداسية مرسومة على الحجاب الشهير الذي كتبه يوناثان ايبيشويتس (الذي أثار ضجة بين يهود شرقي أوربا فيما يُسمَّى «المناظرة الشبتانية الكبرى» ) وكُتبَت عليه الأحرف الأولى لعبارة «درع ابن داود» . ولعل اكتساب الرمز لبعض الإيحاءات الدينية كان سبب انتشاره في زخارف المعابد اليهودية، مع بداية القرن السادس عشر، في الوقت نفسه الذي بدأ فيه انتشار القبَّالاه اللوريانية.

стр. 2939

ولكن النجمة السداسية لم تتحوَّل إلى رمز ديني يهودي إلا بتأثير المسيحية وتقليداً لها. وهذه ظاهرة عامة عند كل من اليهود ومعظم الأقليات: أنهم يكتسبون هويتهم من خلال الحضارة التي يوجدون فيها. وتبنِّي نجمة داود مثل جيد على ذلك. فاليهودية باعتبارها نسقاً دينياً، على الأقل في إحدى طبقاتها الجيولوجية المهمة والرئيسية، معادية للأيقونات وللرموز، تماماً مثل الإسلام. ولكن يهود عصر الإعتاق أخذوا يبحثون عن رمز لليهودية يكون مقابلاً لرمز المسيحية (الصليب) الذي كانوا يجدونه في كل مكان. وحينما بدأت حركة بناء المعابد اليهودية على أسس معمارية حديثة، اتبع المهندسون، الذين كانوا في أغلب الأحيان مسيحيين، ذات الطرز المعمارية المتبعة في بناء الكنائس. ولذا، كان لابد من العثور على رمز ما، ومن هنا كان تبنِّي النجمة السداسية. ثم بدأت تظهر النجمة على الأواني التي تُستخدَم في الاحتفالات الدينية مثل كؤوس عيد الفصح. ولأن النجمة السداسية كانت شائعة في الأحجبة والتعاويذ السحرية، لم يعارض الأرثوذكس استخدام الرمز. ومن ثم، يمكن أن نقول إن انتشار الرمز في القرن التاسع عشر كان دليلاً على أن اليهودية الحاخامية بدأت تَضعُف وتفقد تماسكها الداخلي. ولذا، فإنها كانت تبحث عن رمز حتى يمكنها أن تعيد صياغة نفسها على أسس مسيحية.

стр. 2940

وهنا ظهرت الصهيونية بوصفها أهم تعبير عن أزمة اليهودية الحاخامية. وحاولت هذه العقيدة السياسية أن تطرح نفسها بديلاً للعقيدة الدينية، فتبنَّت النجمة السداسية رمزاً لها، ذلك الرمز الذي ظهر على العدد الأول من مجلة دي فيلت التي أصدرها هرتزل في ٤ يونيه ١٨٩٧، ثم اختير رمزاً للمؤتمر الصهيوني الأول ولعَلَم المنظمة الصهيونية. والواقع أن اختيار الصهاينة للنجمة السداسية كان اختياراً ذكياً يُعبِّر عن غموض موقف الصهيونية من اليهودية. فالصهيونية ترفض العقيدة اليهودية ولكنها تريد في الوقت نفسه أن تحل محلها وتستولي على جماهيرها. ولإنجاز هذا الهدف، احتفظت الصهيونية بالخطاب الديني والرموز الدينية بعد أن أعطتها مضموناً دنيوياً قومياً. وقد احتفظت الصهيونية بفكرة القداسة الدينية، ولكنها خلعتها على الدولة والشعب وعلى تاريخ الأمة، أي أن ثمة تداخُلاً كاملاً بين الدنيوي والمقدَّس. والنجمة السداسية تتسم أيضاً بهذا التداخل، فهي رمز شائع بين اليهود وعلامة علىهم، أي أنها رمز قومي. ولكن هذا الرمز اكتسب إيحاءات دينية لا ترقى إلى مستوى المضمون الديني المُحدَّد، فهو يحمل قداسة ما ولكنها قداسة مرتبطة بالرمز الدنيوي. وقد يكون غموض مصدر القداسة عيباً من المنظور الديني، ولكنه من منظور صهيوني يشكِّل مصدر قوة، إذ كان الصهاينة يبحثون عن رمز يجسد فكرة قداسة اليهود لا قداسة اليهودية، وهذا ما أنجزته لهم نجمة داود.

стр. 2941

وتبنَّى النازيون أيضاً نجمة داود رمزاً لليهود. وكان على اليهود ارتداؤها رمزاً للفولك أو الشعب اليهودي العضوي، ولتمييزهم عن الفولك الألماني العضوي. ولهذا، أصبحت النجمة مرتبطة في الوجدان اليهودي بالإبادة. ويري بعض اليهود أن العلامة التي ارتبطت في الأذهان بذُلّ اليهود وإبادتهم لم تَعُد تصلح لأن تكون رمزاً لهم، في حين يرى البعض الآخر أنها (لذلك) أصبحت رمزاً لتاريخ الشعب. ومهما كان الأمر، فإن الدولة الصهيونية اتخذت شمعدان المينوراه شعاراً لها، ولم تَعُد النجمة تظهر إلا على العَلَم. ويستخدم الإسرائيليون نجمة داود حمراء مقابلاً للصليب الأحمر، أو الهلال الأحمر، وتُسمَّى هذه النجمة بالعبرية «ماجن ديفيد أدوم» . وترفض منظمة الصليب الأحمر الدولي الاعتراف بالنجمة السداسية الحمراء رمزاً، ولذا فإنها لم تقبل إسرائيل عضواً في المنظمة الدولية، إذ أن إسرائيل تجعل انضمامها مشروطاً بذلك. المدرسة اليهودية Ecole Juive مصطلح «المدرسة اليهودية» (بالفرنسية: إيكول جويف Ecole Juive) يُستخدَم للإشارة إلى مجموعة من الفنانين اليهود المهاجرين إلى باريس في أوائل القرن من أهمهم مارك شاجال، وجاك ليبشيتس، وأماديو موديلياني، وحاييم سوتين، ولحق بهم جيل آخر في العشرينيات والثلاثينيات. ومعظم هؤلاء الفنانين جاءوا من روسيا وشرق أوربا، وتجمَّعوا في مساكن رخيصة (استوديوهات) في باريس في حي لاروش واتبعوا أسلوب الحياة نفسه، وكان نفس النقاد يتابعون أعمالهم، وكانت لغة الحوار بينهم هي اليديشية والروسية. ورغم استخدام مصطلح «المدرسة اليهودية» ، إلا أن أعمال هؤلاء الرسامين ليست ذات مضمون يهودي واضح. ومع هذا، حاول عدد منهم أن يؤسسوا فناً يهودياً فكوَّنوا عام ١٩١٢ مدرسة باسم «ماكماديم» . وقد عبَّر شاجال عن احتقاره لهذه المحاولة التي فشلت بطبيعة الحال. موريتز أوبنهايم (١٨٠٠ – ١٨٨٢ ( Moritz Oppenheim

стр. 2942

رسَّام ألماني يهودي، يُعَدُّ أول فنان يهودي في العصر الحديث. يُسمَّى «روتشيلد الفنانين وفنان آل روتشيلد» لأنه حقَّق ثراءً كبيراً في حياته، ورسم صوراً لآل روتشيلد. وُلد بالقرب من مدينة فرانكفورت. تلقَّى تعليماً دينياً وعلمانياً، ثم التحق بأكاديمية الفنون في ميونخ حيث تدرَّب على فن الطباعة على الحجر (ليثوجرافي) وكان لا يزال فناً وليداً، ثم ذهب بعد ذلك إلى باريس وتدرب على يد أحد الفنانين الفرنسيين ثم قضى أربعة أعوام في روما. ورغم أنه ظل يهودياً أرثوذكسياً إلا أنه ارتبط بجماعة من الفنانين تُسمَّى «الناصريين» نسبة إلى مدينة الناصرة التي وُلد فيها المسيح. وتخصَّص أعضاء هذه المدرسة في رسم صور من العهد الجديد تتسم بالبساطة والسذاجة المتعمدة والمثالية المفرطة. حصل أوبنهايم عام ١٨٢٣ على جائزة عن لوحة رسمها بعنوان «المسيح والمرأة السامرية عند البئر» . رسم أوبنهايم صوراً للأباطرة الألمان (بتكليف من مدينة فرانكفورت) وللشخصيات التاريخية والأدبية الألمانية وبعض مشاهير أعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا مثل هايني وجابربيل رايسر. ومن أشهر لوحات أوبنهايم سلسلة اللوحات المعنونة «صور من الحياة اليهودية التقليدية» وهي تصوير لمشاهد الحياة اليومية لأعضاء الجماعة اليهودية، وحققت نجاحاً كبيراً واقتناها كثير من أعضاء الجماعات اليهودية في ألمانيا (وهو ما يبيِّن تصاعُد معدلات التحديث والعلمنة بينهم، والذي أدَّى إلى تحول الحياة التقليدية إلى مجرد صورة جميلة يحيطها إطار وتُعلَّق على الحائط لإشباع الحنين إلى الماضي وللزينة) . وتبيِّن الصور بدقة بالغة دورة الحياة اليهودية وأعياد اليهود وشعائرهم بطريقة رومانسية حزينة باعتبار أنها نمط من أنماط الحياة آخذ في الاختفاء.

стр. 2943

وأشهر لوحات أوبنهايم لوحة «عودة المتطوع اليهودي من حروب التحرير إلى أسرته التي لا تزال تعيش حسب التقاليد القديمة» . ورسم أوبنهايم مجموعة من اللوحات الخيالية عن اللقاء بين بعض الشخصيات اليهودية والمسيحية (مندلسون ولافاتر ومندلسون وفريدريك الأعظم (. ولا يمكن الحديث عن أوبنهايم كفنان يهودي، فمصطلحه الفني ألماني وموضوعات فنه ألمانية. بل إنه، حينما نظر إلى الموضوع اليهودي، نظر إليه من الخارج من خلال عيون ألمانية. كاميل بيسارو (١٨٣٠ – ١٩٠٣ ( Camille Pissaro فنان فرنسي وأحد مؤسسي المدرسة الانطباعية أو التأثيرية، وهو أول فنان حديث عظيم من أصل يهودي. وُلد لأسرة سفاردية (من أصل ماراني) هاجرت من بوردو إلى جزيرة سانت توماس (التي كانت تابعة آنذاك للدنمارك) . تلقَّى تعليمه في إحدى الكنائس في الجزيرة. ثم انتقل إلى فرنسا لإكمال تعليمه ثم عاد عام ١٨٤٧ إلى سانت توماس ليدير أعمال الأسرة التجارية، ولكنه قرَّر العودة إلى باريس عام ١٨٥٥ ليكرس حياته للفن، وهناك تعرَّف إلى مونيه وسيزان، وقابل بازيل ورينوار وسيسلي. تزوج من جولي فيلاي، وهي فتاة صغيرة كاثوليكية كانت تعمل في المطبخ عند أسرته وظلت زوجته الوفية عبر حياتهما معاً وأنجب منها أطفاله الثمانية. كان بيسارو ملحداً ويؤمن بالفكر الفوضوي، وكان كوزمبولتانياً، يرى أنه مواطن عالمي ليست له أية جذور دينية أو عرْقية أو قومية. وهو لم يَختنْ أطفاله أو يعمِّدهم، ولم يرسم لوحة واحدة ذات مضمون يهودي.

стр. 2944

انتقل بيسارو عام ١٨٦٩ إلى مدينة لوفيسين وكان مونيه ورينوار يعيشان بالقرب منه، وكان جميعهم قد بدأوا تجاربهم في الرسم في الخلاء وبلورة أفكارهم التي أصبحت الأساس النظري للمدرسة الانطباعية. ومع اندلاع الحرب الفرنسية البروسية، اضطر بيسارو إلى أن يرحل هو وأسرته إلى إنجلترا، وعند عودته عام ١٨٧١ وجد أن كل أعماله الفنية التي رسمها عبر الخمسة عشر عاماً السابقة دُمِّرت أو سُرقت، ولكن هذا لم يَفُت في عضده. انتقل عام ١٨٧٢ إلى بونتواز واستقر هناك حيث رسم كثيراً من لوحاته والتي بلور من خلالها لغته الخاصة والتي تُعبِّر في الوقت نفسه عن الأفكار الأساسية للمدرسة الانطباعية ولغتها الفنية. ويمكن القول بأن الانطباعية هي الحقيقة الأساسية في حياة بيسارو الفنية والشخصية، ولذا يكون التعريف بها هو التعريف بفكره ولغته الفنية. والمدرسة الانطباعية تُعبِّر عن استجابة عدد من الفنانين الفرنسيين للحقائق السياسية والاقتصادية والاتجاهات الفلسفية والعلمية في عصرهم. ثار مؤسسو هذه المدرسة على التقاليد الأكاديمية والاتجاهات الواقعية والرومانسية، وحاولوا أن يُدخلوا على الفن دقة العلوم الطبيعية ومناهجها (تمركز حول الموضوع) ، ولكنهم في الوقت نفسه كانوا يؤمنون بأن الواقع متغيِّر وأنه لا يبقى منه إلا ما ينطبع على مخيلة المدرك (تمركز حول الذات) . وفنهم هو مزيج من هذين القطبين المتنافرين. حاول أتباع هذه المدرسة أن ينقلوا إلى لوحاتهم الجوانب المتغيِّرة للواقع المرئي بسرعة خاطفة كما تنعكس على وجدان الرسام في لحظة محدَّدة من خلال مواجهة مباشرة مع الطبيعة وتفاعُل إيجابي معها دون أية حواجز أو وسائط. ولذا، هجروا المراسم ليسجلوا انطباعاتهم المرئية المتغيِّرة في الخلاء لإبراز أثر الضوء على الألوان وتسجيله مباشرة وبسرعة حتى لا يتأثر الانطباع المباشر بتحركات الضوء المستمرة. ورسموا لوحاتهم بضربات الريشة اللونية السريعة وقاموا

стр. 2945

بتجارب مع الظلال الملونة وانعكاسات الضوء. وكان موضوع لوحاتهم هو الطبيعة ومناظر الحياة اليومية التي صوروها بطريقة غير رومانسية وغير عاطفية. ولكن الموضوع الأثير لديهم كان ما يمكن تسميته بالنقطة الحدودية، حيث تلتقي القرية بالمدينة واليابس بالماء والسماء بالأرض، وحيث ينعكس الضوء على الماء وتذوب أعمدة الكنائس في الأشجار والبشر في المناظر الطبيعية المحيطة بهم (ويُقال إن الرسوم اليابانية التي اكتشفها الأوربيون في ذلك الوقت كان لها تأثير عميق فيهم (. ومن رواد هذه المدرسة مانيه ومونيه وسيزلي، وشارك فيها رينوار وديجا. وكان بيسارو أحد مؤسسيها، وكتب الميثاق القانوني للجماعة، كما كان العضو المؤسس الوحيد الذي قدَّم أعمالاً للمعارض الثمانية التي أقامها الانطباعيون بين ١٨٧٤ و١٨٨٦.
следующие страницы →