← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

وتبنَّى النازيون أيضاً نجمة داود رمزاً لليهود. وكان على اليهود ارتداؤها رمزاً للفولك أو الشعب اليهودي العضوي، ولتمييزهم عن الفولك الألماني العضوي. ولهذا، أصبحت النجمة مرتبطة في الوجدان اليهودي بالإبادة. ويري بعض اليهود أن العلامة التي ارتبطت في الأذهان بذُلّ اليهود وإبادتهم لم تَعُد تصلح لأن تكون رمزاً لهم، في حين يرى البعض الآخر أنها (لذلك) أصبحت رمزاً لتاريخ الشعب. ومهما كان الأمر، فإن الدولة الصهيونية اتخذت شمعدان المينوراه شعاراً لها، ولم تَعُد النجمة تظهر إلا على العَلَم. ويستخدم الإسرائيليون نجمة داود حمراء مقابلاً للصليب الأحمر، أو الهلال الأحمر، وتُسمَّى هذه النجمة بالعبرية «ماجن ديفيد أدوم» . وترفض منظمة الصليب الأحمر الدولي الاعتراف بالنجمة السداسية الحمراء رمزاً، ولذا فإنها لم تقبل إسرائيل عضواً في المنظمة الدولية، إذ أن إسرائيل تجعل انضمامها مشروطاً بذلك. المدرسة اليهودية Ecole Juive مصطلح «المدرسة اليهودية» (بالفرنسية: إيكول جويف Ecole Juive) يُستخدَم للإشارة إلى مجموعة من الفنانين اليهود المهاجرين إلى باريس في أوائل القرن من أهمهم مارك شاجال، وجاك ليبشيتس، وأماديو موديلياني، وحاييم سوتين، ولحق بهم جيل آخر في العشرينيات والثلاثينيات. ومعظم هؤلاء الفنانين جاءوا من روسيا وشرق أوربا، وتجمَّعوا في مساكن رخيصة (استوديوهات) في باريس في حي لاروش واتبعوا أسلوب الحياة نفسه، وكان نفس النقاد يتابعون أعمالهم، وكانت لغة الحوار بينهم هي اليديشية والروسية. ورغم استخدام مصطلح «المدرسة اليهودية» ، إلا أن أعمال هؤلاء الرسامين ليست ذات مضمون يهودي واضح. ومع هذا، حاول عدد منهم أن يؤسسوا فناً يهودياً فكوَّنوا عام ١٩١٢ مدرسة باسم «ماكماديم» . وقد عبَّر شاجال عن احتقاره لهذه المحاولة التي فشلت بطبيعة الحال. موريتز أوبنهايم (١٨٠٠ – ١٨٨٢ ( Moritz Oppenheim

стр. 2942

رسَّام ألماني يهودي، يُعَدُّ أول فنان يهودي في العصر الحديث. يُسمَّى «روتشيلد الفنانين وفنان آل روتشيلد» لأنه حقَّق ثراءً كبيراً في حياته، ورسم صوراً لآل روتشيلد. وُلد بالقرب من مدينة فرانكفورت. تلقَّى تعليماً دينياً وعلمانياً، ثم التحق بأكاديمية الفنون في ميونخ حيث تدرَّب على فن الطباعة على الحجر (ليثوجرافي) وكان لا يزال فناً وليداً، ثم ذهب بعد ذلك إلى باريس وتدرب على يد أحد الفنانين الفرنسيين ثم قضى أربعة أعوام في روما. ورغم أنه ظل يهودياً أرثوذكسياً إلا أنه ارتبط بجماعة من الفنانين تُسمَّى «الناصريين» نسبة إلى مدينة الناصرة التي وُلد فيها المسيح. وتخصَّص أعضاء هذه المدرسة في رسم صور من العهد الجديد تتسم بالبساطة والسذاجة المتعمدة والمثالية المفرطة. حصل أوبنهايم عام ١٨٢٣ على جائزة عن لوحة رسمها بعنوان «المسيح والمرأة السامرية عند البئر» . رسم أوبنهايم صوراً للأباطرة الألمان (بتكليف من مدينة فرانكفورت) وللشخصيات التاريخية والأدبية الألمانية وبعض مشاهير أعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا مثل هايني وجابربيل رايسر. ومن أشهر لوحات أوبنهايم سلسلة اللوحات المعنونة «صور من الحياة اليهودية التقليدية» وهي تصوير لمشاهد الحياة اليومية لأعضاء الجماعة اليهودية، وحققت نجاحاً كبيراً واقتناها كثير من أعضاء الجماعات اليهودية في ألمانيا (وهو ما يبيِّن تصاعُد معدلات التحديث والعلمنة بينهم، والذي أدَّى إلى تحول الحياة التقليدية إلى مجرد صورة جميلة يحيطها إطار وتُعلَّق على الحائط لإشباع الحنين إلى الماضي وللزينة) . وتبيِّن الصور بدقة بالغة دورة الحياة اليهودية وأعياد اليهود وشعائرهم بطريقة رومانسية حزينة باعتبار أنها نمط من أنماط الحياة آخذ في الاختفاء.

стр. 2943

وأشهر لوحات أوبنهايم لوحة «عودة المتطوع اليهودي من حروب التحرير إلى أسرته التي لا تزال تعيش حسب التقاليد القديمة» . ورسم أوبنهايم مجموعة من اللوحات الخيالية عن اللقاء بين بعض الشخصيات اليهودية والمسيحية (مندلسون ولافاتر ومندلسون وفريدريك الأعظم (. ولا يمكن الحديث عن أوبنهايم كفنان يهودي، فمصطلحه الفني ألماني وموضوعات فنه ألمانية. بل إنه، حينما نظر إلى الموضوع اليهودي، نظر إليه من الخارج من خلال عيون ألمانية. كاميل بيسارو (١٨٣٠ – ١٩٠٣ ( Camille Pissaro فنان فرنسي وأحد مؤسسي المدرسة الانطباعية أو التأثيرية، وهو أول فنان حديث عظيم من أصل يهودي. وُلد لأسرة سفاردية (من أصل ماراني) هاجرت من بوردو إلى جزيرة سانت توماس (التي كانت تابعة آنذاك للدنمارك) . تلقَّى تعليمه في إحدى الكنائس في الجزيرة. ثم انتقل إلى فرنسا لإكمال تعليمه ثم عاد عام ١٨٤٧ إلى سانت توماس ليدير أعمال الأسرة التجارية، ولكنه قرَّر العودة إلى باريس عام ١٨٥٥ ليكرس حياته للفن، وهناك تعرَّف إلى مونيه وسيزان، وقابل بازيل ورينوار وسيسلي. تزوج من جولي فيلاي، وهي فتاة صغيرة كاثوليكية كانت تعمل في المطبخ عند أسرته وظلت زوجته الوفية عبر حياتهما معاً وأنجب منها أطفاله الثمانية. كان بيسارو ملحداً ويؤمن بالفكر الفوضوي، وكان كوزمبولتانياً، يرى أنه مواطن عالمي ليست له أية جذور دينية أو عرْقية أو قومية. وهو لم يَختنْ أطفاله أو يعمِّدهم، ولم يرسم لوحة واحدة ذات مضمون يهودي.

стр. 2944

انتقل بيسارو عام ١٨٦٩ إلى مدينة لوفيسين وكان مونيه ورينوار يعيشان بالقرب منه، وكان جميعهم قد بدأوا تجاربهم في الرسم في الخلاء وبلورة أفكارهم التي أصبحت الأساس النظري للمدرسة الانطباعية. ومع اندلاع الحرب الفرنسية البروسية، اضطر بيسارو إلى أن يرحل هو وأسرته إلى إنجلترا، وعند عودته عام ١٨٧١ وجد أن كل أعماله الفنية التي رسمها عبر الخمسة عشر عاماً السابقة دُمِّرت أو سُرقت، ولكن هذا لم يَفُت في عضده. انتقل عام ١٨٧٢ إلى بونتواز واستقر هناك حيث رسم كثيراً من لوحاته والتي بلور من خلالها لغته الخاصة والتي تُعبِّر في الوقت نفسه عن الأفكار الأساسية للمدرسة الانطباعية ولغتها الفنية. ويمكن القول بأن الانطباعية هي الحقيقة الأساسية في حياة بيسارو الفنية والشخصية، ولذا يكون التعريف بها هو التعريف بفكره ولغته الفنية. والمدرسة الانطباعية تُعبِّر عن استجابة عدد من الفنانين الفرنسيين للحقائق السياسية والاقتصادية والاتجاهات الفلسفية والعلمية في عصرهم. ثار مؤسسو هذه المدرسة على التقاليد الأكاديمية والاتجاهات الواقعية والرومانسية، وحاولوا أن يُدخلوا على الفن دقة العلوم الطبيعية ومناهجها (تمركز حول الموضوع) ، ولكنهم في الوقت نفسه كانوا يؤمنون بأن الواقع متغيِّر وأنه لا يبقى منه إلا ما ينطبع على مخيلة المدرك (تمركز حول الذات) . وفنهم هو مزيج من هذين القطبين المتنافرين. حاول أتباع هذه المدرسة أن ينقلوا إلى لوحاتهم الجوانب المتغيِّرة للواقع المرئي بسرعة خاطفة كما تنعكس على وجدان الرسام في لحظة محدَّدة من خلال مواجهة مباشرة مع الطبيعة وتفاعُل إيجابي معها دون أية حواجز أو وسائط. ولذا، هجروا المراسم ليسجلوا انطباعاتهم المرئية المتغيِّرة في الخلاء لإبراز أثر الضوء على الألوان وتسجيله مباشرة وبسرعة حتى لا يتأثر الانطباع المباشر بتحركات الضوء المستمرة. ورسموا لوحاتهم بضربات الريشة اللونية السريعة وقاموا

стр. 2945

بتجارب مع الظلال الملونة وانعكاسات الضوء. وكان موضوع لوحاتهم هو الطبيعة ومناظر الحياة اليومية التي صوروها بطريقة غير رومانسية وغير عاطفية. ولكن الموضوع الأثير لديهم كان ما يمكن تسميته بالنقطة الحدودية، حيث تلتقي القرية بالمدينة واليابس بالماء والسماء بالأرض، وحيث ينعكس الضوء على الماء وتذوب أعمدة الكنائس في الأشجار والبشر في المناظر الطبيعية المحيطة بهم (ويُقال إن الرسوم اليابانية التي اكتشفها الأوربيون في ذلك الوقت كان لها تأثير عميق فيهم (. ومن رواد هذه المدرسة مانيه ومونيه وسيزلي، وشارك فيها رينوار وديجا. وكان بيسارو أحد مؤسسيها، وكتب الميثاق القانوني للجماعة، كما كان العضو المؤسس الوحيد الذي قدَّم أعمالاً للمعارض الثمانية التي أقامها الانطباعيون بين ١٨٧٤ و١٨٨٦.

стр. 2946

وفن بيسارو ينتمي إلى هذا التيار الانطباعي، فكان يستوعب الطبيعة داخله، ثم يعيد إنتاجها حسب إحساسه ومعرفته الخاصة بها وملاحظته «الموضوعية» لها. فكان يحاول أن يرصد تقلبات الجو وتحولات الضوء بكل دقة، فيرسم المنظر الواحد في لحظات مختلفة ومن زوايا رؤية مختلفة. لكل هذا، كان بيسارو يفضل رسم الطرق الملتوية منظورياً، وتلك التي تنحو جانباً، وكانت لوحاته تركِّز على العناصر البنائية والمعمارية للفضاء وتؤلِّف الظلال والأضواء المتعرجة وتجعل العين تُركِّز على وسط المسافة. وقد ركَّز على انسياب الضوء وانكسار أشعته على الماء المترقرق. وتبيِّن لوحاته رغبة حقيقية وعميقة في البحث عن النظام في الكون، وإحساساً أكثر عمقاً بحركيته وتنوع سطحه، ولذا نجده في معظم الأحيان يحاول أن يوجد توازناً بين المعمار والطبيعة، وأحياناً أخرى كان يمزج العناصر الحضرية والصناعية الحديثة بالعناصر الطبيعية، وكثيراً ما تظهر في خلفية المنظر الطبيعي مدينة صناعية. يظهر هذا في أعماله في فترة بونتوييز حيث يُبيِّن مدى تغلغل العنصر الصناعي في العصر الطبيعي، فدخان المصانع المتماوج يمتزج بالسحب، ومداخن المصنع تتوارى مع الأشجار العالية.

стр. 2947

في عام ١٨٨٥، قابل بيسارو بول سينياك الذي قدَّمه إلى جورج سيورا الذي كانت لوحته الشهيرة " عصر يوم الأحد في جزيرة جراند جات "، التي وضح فيها طريقته الجديدة في الرسم من خلال النقط الملونة، تُعَدُّ أساساً لما كان يُعرَف بالمدرسة التنقيطية (وهي أساساً تنويع على المدرسة الانطباعية) . والتنقيطية هي أسلوب فني في استخدام نقط لونية صافية نقية بجوار بعضها البعض تكوِّن نسيج الصورة، فيكون ثمة امتزاج وهمي بين الألوان داخل عين الرائي، فكأن اللوحة في ذاتها ليست موجودة في الواقع ولا في عين الرائي وإنما يتم توليدها من خلال علاقة الرائي بالمرئي. والمدرسة التنقيطية هي امتداد للمدرسة الانطباعية، ولكنها أكثر حدةً وتطرُّفاً، ولذا نجد أن أعضاء المدرسة التنقيطية يبتعدون عن التلوين العابر والتكوين الفني الذي يسم المدرسة الانطباعية ويلجأون إلى المكونات الشكلية الصارخة، ولذا تُسمَّى هذه المدرسة أيضاً بالانطباعية الجديدة. وتبنَّى بيسارو هذا المنهج بعض الوقت بحماس بالغ باعتباره أكثر «علمية» ، بل توقفت علاقته بعض الوقت مع أصدقائه الانطباعيين بين ١٨٨٦ و١٨٨٩ وتعمقت علاقته مع الانطباعيين الجدد. ولكنه سَئم هذه الجماعة بعد فترة. ومع موت سيورا، انتهت المرحلة التنقيطية وعاد مرة أخرى إلى الرسم في الخلاء. ولكن أسلوبه، مع هذا، تأثَّر بشكل دائم بمنهجهم في الرسم، بما في ذلك استخدام مجموعات من الألوان الصارخة، كما أن إحساسه بأهمية واستقلالية كل نقطة لون كان عالياً.

стр. 2948

رسم بيسارو في الثمانينيات لوحات بها أشخاص، ولكنه فعل ذلك بطريقة جديدة. فالفلاحون في هذه اللوحات مُستوعَبون تماماً في أنفسهم ولا يحاولون أن يقصوا قصته. كما رسم بيسارو صوراً شخصية (بورتريهات) لأعضاء أسرته (زوجته وأمه) . وفي عام ١٨٩٤، أُصيب بيسارو بمرض في عينيه منعه من الرسم في الخلاء، ولكنه استفاد من مرضه هذا فكان يجلس في غرفة وينظر من النافذة إلى مناظر المدينة الحية وشوارعها فرسم الميناء والكباري والكاتدرائيات ومعمار المدينة، وكان يرسم المنظر الواحد عدة مرات في أوقات مختلفة (تماماً مثل مونيه في سلسلة لوحات «أكوام القش» التي رسمها في الفترة نفسها) . وكان بيسارو يغيِّر محل إقامته حينما يشعر أنه استنفد المنظر الذي أمامه، وفي هذه الفترة (التي امتدت حتى نهاية حياته) رسم ما يزيد على ٣٥٥ لوحة. ويعتبر بيسارو من مؤسسي فن الليثوجراف. ويرى بعض النقاد أن أعمال بيسارو تتسم بعدم الاتساق في المستوى، فقد كان مضطراً لإنتاج الكثير من الأعمال حتى ينفق على أسرته الكبيرة المُكوَّنة من ثمانية أشخاص. وقال زولا عن بيسارو: «هذا الفنان يهتم بالحقيقة فقط، وحين يقف في إحدى زوايا الطبيعة، ينقل الآفاق بأوسع ما فيها من جهامة دون محاولة إضفاء أي شيء من تحويراته. لم يكن شاعراً أو فيلسوفاً، بل فناناً طبيعياً وحسب ينقل المشاهد الطبيعية.. تمتَّع أنت بحلمك إن شئت، أما هو فإنه يُريك ما يراه مباشرةً.. هذه الواقعية أرفع شأناً من الحلم» . وعبارة زولا هذه تُبيِّن هذا التأرجح الحاد بين الذات والموضوع الذي يسم الفلسفة الغربية والنظرية الجمالية الغربية في القرن التاسع عشر.

стр. 2949

ومن الواضح أن بيسارو ثمرة خلفيته الفكرية والفنية التي استقى منها أفكاره ولغته الفنية وقد ساهم في تطوير هذه الأفكار واللغة، فلم يكن متلقياً، وإنما كان فناناً ومفكراً عميقاً يستقي عظمته وعُمقه من المنظومة الفكرية واللغة الفنية السائدة في عصره. فتأثَّر بالفكر الفوضوي وبالأفكار العلمية عن السببية ونظريات الضوء واختراع الصور الفوتوغرافية، واستوعب الثورة الصناعية وآثارها العميقة في الإنسان والبيئة، وتأثَّر بالرسامين الإنجليز كونستابل وترنر، وبالفرنسيين كورو وكوربيه ومانيه ومونيه وسيرا. وأثَّر بدوره في سيزان (الذي كان يُعتبَر في منزلة أب له) وجوجان وفان جوخ. وهذا يفضي بنا إلى أن نطرح سؤالاً بشأن يهودية بيسارو. فاسمه يظهر في جميع الموسوعات اليهودية باعتباره فناناً يهودياً. وقد أشرنا من قبل إلى إلحاده وعدم تناوله موضوعاً يهودياً واحداً في لوحاته. ورغم كل هذا يبحث دليل بلاكويل للثقافة اليهودية وغيرها من الموسوعات عن عناصر تبرِّر تصنيفه باعتباره يهودياً. ١ ـ فدليل بلاكويل ـ على سبيل المثال ـ يرى أن هناك خصوصية يهودية لبيسارو، ولكنها تظهر «بطريقة أكثر اتساعاً وأقل طائفية» . ثم يستمر الدليل ليشير إلى بعض مظاهر هذه اليهودية المتسعة غير الطائفية، فيرى أن تبنِّي بيسارو المُثُل العليا اليسارية ومواقفه الإنسانية العميقة والتي تُعبِّر عن نفسها بشكل فني في الصور التي رسمها للريف، هي من بين هذه المظاهر.

стр. 2950

٢ ـ ثم يشير الدليل بعد ذلك إلى ما يسميه «الجدية الأخلاقية التي نظر بها بيسارو للمشروع الانطباعي في محاولته أن يجعل حياة الناس العاديين موضوعاً مناسباً للفن» . ويؤكِّد الدليل أن العنصرين السابقين إن هما إلا تعبير عن يهودية بيسارو. وغني عن القول أن هذا أمر متهافت تماماً، إذ يصعب على المرء أن يرى أي ترادف موضوعي بين «اليهودية» و «الإنسانية العميقة» و «المُثُل العليا اليسارية» ، أو بين «اليهودية» وبعض أهداف المدرسة الانطباعية. ٣ - ثم يأتي الدليل بعنصر آخر يؤكد يهودية بيسارو. وهذا العنصر أكثر تهافتاً وكوميدية من سابقيه، إذ يشير الدليل إلى أن ملامح بيسارو كانت يهودية، ولذا كان معاصروه يقولون حينما يرونه: «ها هو موسى قد جاء يحمل لوحي الشريعة» ، ولا ندري ما هذه الملامح اليهودية؟ وحتى لو كانت مثل هذه الملامح موجودة بالفعل، وحتى لو كان بيسارو ذا ملامح يهودية تجعله شبيهاً بموسى!! فهل هذا يجعل منه فناناً يهودياً؟! ٤ ـ أما العنصر الرابع الذي يشير إلى يهودية بيسارو فهو أن الهجوم على أعماله الفنية، لم يكن ينطلق في واقع الأمر من الاعتبارات الفنية وإنما من العداء لليهود. ولم يُبيِّن لنا الدليل كيف أن عداء النقاد التقليديين لأعمال مانيه أو مونيه (التي استُقبلت استقبالاً عاصفاً غير حافل) عداءٌ فنيّ في حين أن عداءهم لأعمال بيسارو عداء عنصري! ٥ ـ تذكر إحدى الموسوعات أن بيسارو كان مؤمناً ببراءة دريفوس، وأنه كتب لإميل زولا يؤيده في موقفه. وقد سبَّب هذا جفاءً بينه وبين ديجا ورينوار، فكأن هناك فنانين يهوداً مؤيدين لدريفوس وفنانين أغياراً معادين لليهود. وهذا تقسيم غير حقيقي بالمرة، فزولا لم يكن يهودياً، ولكنه كان مع ذلك أكثر رجالات الفن والأدب تأييداً لدريفوس، وقد كتب مقالاته الشهيرة إني أتهم دفاعاً عنه. كما أن معظم أبطال قصة دريفوس المدافعين عنه كانوا من غير اليهود.

стр. 2951

٦ ـ ذكرت دراسة صدرت عن المتحف اليهودي في نيويورك أن يهودية بيسارو تتضح في إستراتيجيته في فصل الدين عن الخلفيات الدينية والثقافية، وهي إستراتيجية تبنَّاها كثير من الفنانين اليهود تُعبِّر عن رغبتهم في الوصول إلى الأممية الحقة. ولكن هل هذه النزعة الأممية الكوزموبوليتانية كانت أمراً مقصوراً على اليهود أم أنه كان أمراً كامناً في مفهوم الإنسان الطبيعي وفي فكر حركة الاستنارة على وجه العموم؟ ولعل أعضاء الجماعات اليهودية أكثر تطرفاً في أمميتهم، ولكنهم لا يختلفون في هذا كثيراً عن أعضاء الأقليات الأخرى. ومع ذلك، فإن أممية بيسارو لم تكن متطرفة بأية حال. ٧ ـ يمكن الإشارة إلى أن المدرسة الانطباعية، بتركيزها على النقط الحدودية المتوترة، وحيث ينفرج التوتر (التقاء الماء باليابس والسماء بالأرض والمدينة بالريف والمداخن بالأشجار والدخان بالسحاب) ، تشبه إلى حدٍّ ما وضع اليهودي في المجتمع الغربي باعتباره عضو الجماعة الوظيفية. ولكن تهميش الإنسان وتوظيفه أصبح سمة أساسية في المجتمع الحديث ولم تعد مقصورة على اليهود (بعد تهويد المجتمع) . ومهما يكن الأمر، فإن التركيز على النقط الحدودية جزء من لغة المدرسة الانطباعية ككل وليس مقصوراً على بيسارو اليهودي. ولكل هذا، فإن الحديث عن بيسارو باعتباره فناناً يهودياً ليس ذا قيمة تفسيرية تُذكَر. جيكوب إبشتاين (١٨٨٠-١٩٥٩ ( Jacob Epestien

стр. 2952

نحَّات بريطاني يهودي من أهم النحاتين في القرن العشرين. وُلد في نيويورك في الحي الشرقي (إيست سايد) . بدأ حياته الفنية حين طلب منه المؤلف (غير اليهودي) هتشينس هابجود أن يرسم صوراً لكتاب كان يُعدُّه عن الحي الشرقي يُسمَّى روح الجيتو، وكانت اللوحات التي أعدها إبشتاين على مستوى رفيع. ونجح في الاستمرار في دراسته (في باريس) من عائد هذا الكتاب، ومنها ذهب إلى لندن عام ١٩٠٥ حيث استقر فيها بقية حياته، وأصبح من طلائع الحداثيين في عالم الرسم، كما أصبح عضواً في جماعة الدوامة (بالإنجليزية: فورتيسيتس Vorticists) بحماسها النيتشوي الفائق لحركيات عالم الآلة. تأثر إبشتاين أيضاً بالنحت القديم وفنون ما قبل التاريخ والنحت الإفريقي والبولونيزي وفنون الأمريكتين قبل وصول كولومبوس. وكما أن جذوره الفنية متنوعة، نجد أن مصطلحه الفني أيضاً متميِّز ومرَّ بعدة مراحل، ففي بداية حياته الفنية أعد إبشتاين نحتاً بارزاً بعنوان «مولد الطاقة» لتزيين واجهة رابطة الطب في بريطانيا، واستخدم فيه أسلوباً طبيعياً كلاسيكياً مباشراً. وكان النحت يتضمن شخصيات عارية تم إبراز أعضائها الجنسية بشكل واضح الأمر الذي سبَّب احتجاج الكثيرين. وفي عام ١٩١٣، أعد إبشتاين تمثالاً تجريدياً يُسمَّى «الحفر في الصخر» وهو تمثال يمجِّد قوة الآلة. وبعد تجربتين أخريين (فينوس I وفينوس II) ترك إبشتاين التجريد لأنه (على حد قوله) لا فائدة منه في حد ذاته، ولكنه مع هذا يساعد الفنان على أن يعمِّق إحساسه بالشكل ويطوِّره. أما مقبرة أوسكار وايلد في باريس فكانت مختلفة تماماً، فهي شكل مركب له وجه إنسان وأجنحة تجعله يشبه الثيران المجنحة في النحت الآشوري، وقد تُوِّج وجهه بتاج يحمل الخطايا السبع المميتة.

стр. 2953

وبعد الحرب العالمية الأولى، تبنَّى إبشتاين الأسلوب التعبيري الأمر الذي أثار مرة أخرى ضيق الناس بسبب تشويهه لكثير من الأشكال وتناوله لكثير من الموضوعات الدينية والمقدسة بطريقة كانوا يرون أنها فظَّة وبدائية. وكان هو يرى أن هذه هي الطريقة المُثلى للتعبير عن القوى الكونية، فتمثال «التكوين» (١٩٣١) هو صورة امرأة عارية بدائية حامل، فهي ليست فينوس اليونانية ولا ملكة من ملكات الفراعنة، فبطنها ممتلئة وشفتاها غليظتان ووجهها مستطيل يشبه الأقنعة الإفريقية وعيونها متجهة نحو اللاشيء، وأعضاء التأنيث، رغم محاولة تجريدها، واضحة، وفخذاها كتلتان سميكتان. أما تمثال «آدم» فهو كتلة متماسكة رأسها غير واضح محني إلى الخلف واليدان مرفوعتان إلى أعلى ويشكلان جزءاً من الصدر والقدمان غليظتان والأعضاء التناسلية مرة أخرى واضحة. هذا هو الإنسان الكوني، الآدم قدمون. أما «جيكوب والملاك» (١٩٤٠ ـ ١٩٤١) فتُذكِّرنا بموضوع صراع هرقل مع أنتايوس أو صراع بروميثوس مع النسر. وهكذا تتحوَّل الرموز الدينية اليهودية في يدي إبشتاين إلى رموز وثنية من خلال لغة التأيقن الحلولي (ولم يكن تناول إبشتاين للموضوعات المسيحية يختلف كثيراً عن تناوله لموضوعات العهد القديم) .

стр. 2954

وقد كرَّس إبشتاين طاقته الفنية بعض الوقت لرسم صُوَر لشخصيات على هيئة نحت بارز لتماثيل نصفية تُصَب في البرونز (وهو يُعَدُّ من أهم الفنانين في هذا المضمار) . ومن أهم خصائص هذه الصور/التماثيل البرونزية أن سطحها خشن ليوحي بالقالب الفخاري الذي صُبَّ فيه البرونز. ورغم أن هذه الصور الشخصية البرونزية لم تكن تتسم بالحيوية نفسها التي تتسم بها تماثيله الأولى، إلا أنها تبيِّن مقدرة إبشتاين على الغوص في ثنايا النفس البشرية والإحساس بها والتعبير عنها، من خلال قَدْر من المبالغة المقبولة مع تجاهل نسبي للملامح الجسمانية المباشرة. وهو بذلك يتبع تقاليد الصورة الشخصية في عصر النهضة في الغرب، حيث يقوم الفنان بتصوير الشخصية لا الوجه. وقد رسم صوراً من هذا النوع لبرناردشو وجوزيف كونراد وأينشتاين. وفي نهاية حياته، تلقَّى إبشتاين عدداً من التكليفات المهمة من الكنائس المسيحية، ومن أهم أعماله تمثال «أليعازر» ويوجد في كنيسة نيوكوليدج في أكسفورد (١٩٤٧) و «العذراء والطفل» (١٩٥٣) في ميدان كافندش في لندن، و «المسيح في جلاله» (١٩٥٧) في كاتدرائية لانداف، و «القديس ميخائيل والشيطان» (١٩٥٩) في كاتدرائية كوفنتري.

стр. 2955

ويُعلِّق دليل بلاكويل للثقافة اليهودية على هذا بقوله: «لا شك أنه لو قُدِّر للمعابد اليهودية أن تستفيد من موهبته، لكان هذا من أكبر مصادر غبطته» وهي جملة تهدف إلى اختلاق بُعد يهودي حيث لا يوجد مثل هذا البُعد. ولكن هذا البُعد ليس سوى تعبير عن أمل أو رغبة، لا علاقة له بمصادر إبشتاين الفنية ولا إمكانياته ولا الطريقة التي تحققت بها هذه الإمكانيات، ولا حتى تأثيره في غيره من الفنانين (ترك إبشتاين أثراً عميقاً في إريك جيل وهنري مور) ، فإبشتاين لم يكن يهودياً متديناً أو إثنياً مع أن تجربته في الحي الشرقي تركت أثراً عميقاً فيه. وفي نهاية الحرب العالمية الثانية، تقبَّل المجتمع البريطاني إبشتاين ومُنح لقب «سير» . أماديو موديلياني (١٨٨٤-١٩٢٠) Amadeo Modigliani رسَّام ونحَّات إيطالي يهودي، وشقيق فيتوريو موديلياني الزعيم الاشتراكي الإيطالي. وُلد لأسرة يهودية سفاردية، وكان عليلاً منذ طفولته. درس الفن في فلورنسة والبندقية قبل أن يستقر في باريس عام ١٩٠٦ حيث انضم لرواد الحداثة. قام جاك لبشيتس بتقديم حاييم سوتن له وأصبحا صديقين حميمين. وكانت حياته الشخصية عاصفة، إذ أدمن الكحوليات والمخدرات وكان وضعه المالي غير مستقر بشكل دائم، وأصيب في نهاية الأمر بالسل ومات في إحدى المستشفيات الخيرية (وانتحرت عشيقته التي كان يعيش معها في اليوم التالي) .

стр. 2956

يقف فن موديلياني على الطرف النقيض من حياته، فقد كان فناً خصباً (٢٠ تمثالاً ـ ٥٠٠ لوحة ـ آلاف اللوحات بالألوان المائية) ، يتسم بالحسيَّة يسري فيها حزن هادئ وقَدْر من الصفاء. ويتضح هذا أكثر ما يتضح في صور الأشخاص (البورتريهات) التي رسمها. وفي البورتريه النماذجي عند موديلياني، يظهر رأس الشخص أمام خلفية غير محدَّدة، مائلاً قليلاً وفي حالة إعياء كامل وعزلة عما حوله وإحساس بالغربة، وأيدي الشخصيات، إن ظهرت، تكون متدلية منهكة. أما العيون، فهي عيون شاخصة لا ترى شيئاً وتُعبِّر عن فتور الهمة. وتتسم صور النساء عنده بأنها تشبه النبات الطويل الرأسي، والرقبة طويلة أسطوانية تربط الرأس بالجسد الذي يتسم بأكتاف عريضة. ورغم تحرُّك موديلياني في أوساط رواد الحداثة الفنية، إلا أنه لم يتأثر بها كثيراً، وإن كان قد تأثَّر بمدرسة ما بعد الانطباعية (سيزان ـ جوجان ـ تولوز لوتراك) . كما تأثَّر بفن عصر النهضة في الغرب، بخاصة البساطة الكلاسيكية للشكل. ومن المصادر الأخرى لفن موديلياني الفنون غير الغربية مثل النحت الإفريقي. ويظهر هذا في الوجوه المستطيلة لدى بعض نسائه التي تشبه الأقنعة البولينيزية أو الإفريقية. ولكن بعض النقاد يرون أن مثل هذه التشوهات مشتقة من التماثيل القوطية في العصور الوسطى المسيحية. ولا يوجد أي أثر ليهودية موديلياني في فنه مع أنه كان دائماً معتزاً بإثنيته. وقد حاول بعض النقاد تفسير إحساسه العميق والمأساوي بالغربة على أساس يهوديته. ولكن هذا الإحساس بالغربة هو سمة عامة في الفن الحداثي ولا يوجد فارق في ذلك بين الفنانين اليهود والفنانين غير اليهود. ومصادر لغته الفنية إما مسيحية أو إفريقية أو بولينيزية. مارك شاجال (١٨٨٧-١٩٨٥) Marc Chagall

стр. 2957

رسَّام روسي فرنسي، وُلد لأسرة حسيدية تقية (عائلة سيجال، ولكن شاجال غيَّر اسمه أو غيَّر طريقة نُطقه) في قرية فايتبسك في روسيا داخل منطقة الاستيطان، وهي القرية التي خلَّدها في أعماله والتي تشكِّل خلفية معظم هذه الأعمال. درس في عدة مدارس فنية في روسيا القيصرية، من بينها المدرسة الإمبراطورية لحماية الفنون ومدرسة سفانسيفا. ويُلاحَظ أن قراره بتعلُّم الرسم كان يُعَدُّ تحدياً صارماً للتقاليد الدينية اليهودية آنذاك.

стр. 2958

انتقل إلى باريس عام ١٩١٠ حيث درس في عدة مدارس للفنون بشكل متقطِّع، ثم انتقل إلى لاروش. وبدأت تتحدَّد، في هذه المرحلة، ملامح فنه، إذ بدأت تظهر الألوان الفاقعة (متأثراً بالمدرسة الوحشية وجوجان) والمساحات الهندسية (متأثراً بالمدرسة التكعيبية) ، لكن تكعيبيته لم تكن من النوع الهندسي الصارم، إذ أن المضمون يظل واضحاً والألوان تحتفظ بحيويتها على عكس التكعيبيين الذين ترجموا كل شيء إلى مكعبات وأشكال هندسية، بما في ذلك الأشكال منحنية الأضلاع، مع الابتعاد عن الألوان الطبيعية. كما بدأت تظهر موضوعات الطفولة، وعالم الأحلام المبهم والأشخاص الذين يطيرون في الهواء والرموز والوجوه والأجساد المقلوبة، وعالم الأساطير الذي يتحدَّى المنطق العملي المادي. كما تحدَّدت النغمة الأساسية لأعماله، وهي نغمة طفولية فلاحية تحاول أن تَنقُل عالم الباطن والأحلام وكأنه العالم الحقيقي الوحيد. وفي عام ١٩١٤، سافر شاجال إلى برلين لأول معرض منفرد له، ومن هناك سافر إلى قريته فايتبسك حيث اضطر إلى البقاء فيها بسبب نشوب الحرب العالمية الأولى. وفي عام ١٩١٥، تزوج من بيلا روزنولد التي ظلت مصدر وحي له في فنه. وعُيِّن شاجال قوميساراً للفنون في فايتبسك عام ١٩١٨. ولكن سرعان ما نشبت الخلافات بينه وبين الثورة، فانتقل هو وزوجته وابنته إلى موسكو عام ١٩٢٠ حيث رسم عدة جداريات لمسارح الدولة التي تقدِّم مسرحيات يديشية، كما رسم جدارياته المشهورة لمسرحيات جوجول وتشيكوف.

стр. 2959

ترك شاجال الاتحاد السوفيتي عام ١٩٢٢، واستقر في باريس حيث انضم إلى جماعة الفنانين الروس اليهود المهاجرين فيما يُسمَّى «مدرسة باريس» أو «المدرسة اليهودية» ، وكانت أعماله، في الفترة التي قضاها في روسيا، ذات طابع غنائي رقيق، وحسِّية إلى حدٍّ ما، ولكن أعماله بدأت في الثلاثينيات تأخذ شكلاً أكثر ظلمة بسبب الأحداث في أوربا، وقد استقر في الولايات المتحدة في الفترة من عام ١٩٤١ حتى عام ١٩٤٨، ثم عاد واستقر في فرنسا، وعادت أعماله للغنائية القديمة. وبعد هذا التاريخ اتسع نطاق الموضوعات التي يتناولها والمواد والخامات التي يستخدمها، فرسم بألوان الماء والجواش والزيت والطباعة وأقام بعض التماثيل واستخدم السيراميك. ونفَّذ العديد من الأعمال بمعاونة الحرفيين، غير أن طفولته ظلت المصدر الأساسي لأعماله.

стр. 2960

وعلاقة شاجال باليهودية مُركَّبة إلى أقصى حد، فهو لم ينكر قط أهمية خلفيته اليديشية، ولكنه صرَّح أكثر من مرة بأنه ليس فناناً يهودياً، وإنما فنان يرسم لكل البشر. ولذا، فقد عارض شاجال محاولة بعض الفنانين اليهود المهاجرين (من روسيا إلى باريس) تأسيس مدرسة فنية يهودية. وعادةً ما كانت تصريحاته هذه تُقابَل باستهجان شديد من النقاد الفنيين اليهود. ولحسم القضية، يمكن العودة لأعمال شاجال ذاتها. فالمؤثرات الفنية في رسمه غربية، ولا يمكن فهمها إلا في إطار التطورات الفنية في العالم الغربي. بل نجد أنه، حتى على مستوى الموضوعات، يستخدم موضوعات وصوراً مسيحية، خصوصاً واقعة الصلب. ولعله، في هذا، تأثَّر بعمق بالمسيحية الأرثوذكسية التي تؤكد واقعة الصلب على حساب واقعة القيام، كما أنه يستخدم الصور المسيحية للتعبير عن الموضوعات اليهودية. فالمسيح المصلوب يصبح هو اليهودي المعذَّب. ولعل هذا يلقي ضوءاً على طريقة تناوله ليهوديته أو للموضوع اليهودي، فهو تناول لا يستبعد الأغيار، ولا يَسقُط في ثنائيات التفكير الحلولي الحادة، بل هو تناول يحوِّل اليهودي إلى نموذج إنساني يستطيع أي فرد أن يتعاطف معه لا أن يقف ضده. ولوحاته عن الزواج والحب تعبِّر عن احتفائه الشديد بهذه المواضيع الإنسانية. وقد أشار أحد النقاد إلى أن رسومات شاجال تشبه من بعض الوجوه الرسومات التركية أو الفارسية، وهو ما قد يشي بالأصول التركية (الخزرية) لفنه.

стр. 2961

قام شاجال بتنفيذ الشبابيك الملونة (بالزجاج المعشق) لمعبد يهودي واحد (معبد مستشفى الهاداساه في القدس) ، ولعدد كبير من الكنائس المسيحية (من بينها الكاتدرائية الكاثوليكية في متز، والكنيسة الكاثوليكية في آس في الألب الفرنسية، ونافذة ملونة ضخمة في الفاتيكان) . ومن بين أعماله الأخرى، سقف أوبرا باريس، وجداريات دار الأوبرا التابعة للنكولن سنتر في نيويورك، وجدارية ولوحات قماشية وأرضية فسيفسائية للكنيست، ونافذة ملونة ضخمة في مبنى سكرتارية هيئة الأمم. وقد عاد شاجال إلى موسكو عام ١٩٧٣ حيث قُدِّم له أول معرض منفرد. كما أُسِّس متحف لأعماله في جنوب فرنسا. جاك ليبشيتس (١٨٩١-١٩٧٣ ( Jacques Lipchitz نحَّات أمريكي/فرنسي يهودي، اسمه الأصلي حاييم يعقوب. وُلد في ليتوانيا لأسرة من المصرفيين الأثرياء. درس في باريس حيث غيَّر اسمه إلى جاك وأصبح مواطناً فرنسياً عام ١٩٢٥. وفي عام ١٩٣٠، أقام معرضاً يضم كل أعماله وأحرز شهرة واسعة. تعرَّف إلى النحت المسيحي القديم والوسيط وعلى الفنون غير الغربية، وبخاصة الإفريقية، كما تعرف إلى حاييم سوتين وأماديو موديلياني ودييجو ريفيرا وأعضاء المدرسة التكعيبية، خصوصاً براك وبيكاسو، وتأثر بأعمالهم حتى أصبح من أهم النحاتين التكعيبيين حتى منتصف العشرينيات. تركَّز فنه حول الموضوعات التي تناولها الفنانون التكعيبيون، كالمهرجين والموسيقيين والمستحمين والطبيعة الصامتة. وكانت معظم التماثيل حجرية تتسم بحوافها الحادة وسطحها المسطح وتقترب من التجريد الكامل. وبعد ذلك التاريخ، اكتسبت لغته الفنية أبعاداً تذكِّر المشاهد بفن الباروك، فأصبحت خطوطه أكثر انسيابية وأشكاله دائرية، واتسع نطاق موضوعات فنه ليشمل موضوعات أسطورية وإنجيلية وموضوعات ذات دلالة رمزية عامة.

стр. 2962

ومنذ منتصف الثلاثينيات، شعر ليبشيتس بجو الشمولية السائدة في أوربا آنذاك، فأصبح الموضوع الأساسي لفنه هو الكفاح الضاري ضد الوحوش الأسطورية: صراع بروميثيوس مع النسر واغتصاب أريادني على يد زيوس. وفي عام ١٩٤١، هاجر ليبشيتس إلى نيويورك. وأصبح أسلوبه يميل إلى التفاصيل الثرية، كما بدأت تظهر نبرات دينية عميقة وإن كانت كامنة غير صريحة. وفي عام ١٩٤٨، قبل تكليفاً ليقيم تمثالاً للعذراء فوافق شريطة أن يُكتَب على قاعدة التمثال العبارة التالية: «جيكوب ليبشيتس، اليهودي، المؤمن بعقيدة أسلافه، صنع تمثال العذراء لينمي التفاهم بين البشر على الأرض، حتى تسود حياة الروح» . ولا شك في أن العبارة تُبيِّن مدى احترام ليبشيتس لجذوره اليهودية، إلا أنها في الوقت نفسه تُبيِّن أنه يميل نحو اليهودية الإثنية (الموروثة) وليس الإيمان بالعقيدة اليهودية. كما أن العبارة لا تغيِّر على الإطلاق حقيقة أن التمثال الذي نحته هو جزء من التراث المسيحي، ولا ينتمي إلى عالم الفن اليهودي! وحينما أقام ليبشيتس تمثالاً لجيكوب يصارع الملاك، فقد أعاد تفسير الواقعة في إطار بروميثي وثني وقال: إن التمثال هو عن صراع الإنسان مع الملاك. وأقام ليبشيتس تمثالاً بعنوان «الصلاة» ، وهو عبارة عن يهودي يقوم بشعائر الكاباروت ولكنها هنا رمز ذبح اليهود. وعند تأسيس دولة إسرائيل، أقام تمثالاً بعنوان «المعجزة» ، وهو عبارة عن شكل له أذرع مرتفعة يقف أمام لوحىّ الشريعة وينمو منها أفرع شمعدان المينوراه السبعة، وفي نهايتها يُوجَد شكل عبارة عن لهب صغير أو أوراق شجر صغيرة. وقد زار ليبشيتس إسرائيل عدة مرات وترك كل قوالب تماثيله لمتحف إسرائيل في مدينة القدس التي دُفن فيها. مارك جرتلر (١٨٩١-١٩٣٩) Mark Gertler

стр. 2963

رسَّام بريطاني يهودي، وُلد في لندن لأسرة يهودية مهاجرة من جاليشيا تتحدث اليديشية في المنزل. حاول دراسة الفن ولكنه لم يتمكن من الاستمرار بسبب فقره المدقع، وبدلاً من ذلك، اشتغل صبياً تحت التمرين في ورشة لصنع الزجاج المعشق. وتعرَّف الرسام الإنجليزي اليهودي روثنشتاين على موهبته وأقنع إحدى المؤسسات اليهودية التعليمية بأن تساعده على الاستمرار في تعليمه. وأتاح له هذا أن يختلط بالأوساط الثقافية فتعرَّف إلى الدوس هكسلي ود. هـ. لورانس وأعضاء جماعة بلومزبري. وتتسم الأعمال الأولى عند جرتلر بأنها تقليدية إلى حدٍّ كبير، تتبع التقاليد الفنية المتعارف عليها في الغرب آنذاك. ولكنه، ابتداءً من عام ١٩١٢، بدأ يتجه نحو الفن البدائي، واستخدم لغته الفنية بشكل واع. كما تأثَّر بالمدرسة الانطباعية، بخاصة سيزان ورينوار. اتجه نحو الفن التجريدي بعض الوقت ولكنه تركه بعد فترة قصيرة. تتسم أعماله بحرية التعبير في الشكل وبالاستخدام الأصيل للألوان. وإذا كانت الجذور الفنية للغة جرتلر غير يهودية، فكذلك موضوعات لوحاته. فبعد مرحلة أولى في حياته، ركَّز على الموضوعات اليهودية (أسرته والجماعة اليهودية بشكل عام) ورسم لوحات مثل «الحاخام والحفيد» (١٩١٣) ، ثم ترك هذه الموضوعات تماماً بعد عام ١٩١٤، وبدأ يركِّز على تصوير جسد الأنثى بطريقة حسية زادت رواج أعماله. ولم تكن حياة جرتلر الخاصة سعيدة على الإطلاق. وقد انتحر عام ١٩٣٩. حاييم سوتين (١٨٩٣-١٩٤٣) Chaim Soutine

стр. 2964

فنان فرنسي يهودي وُلد في ليتوانيا لأسرة أرثوذكسية فقيرة للغاية (كان أبوه يعمل رافياً للملابس) . ويُقال إن سوتين طلب من حاخام قريته أن يجلس أمامه ليرسم صورته، فضربه ابن الحاخام ضرباً مبرحاً لدرجة أن الحاخام اضطر إلى أن يدفع للأم تعويضاً، وأن سوتين استخدم هذا التعويض في تمويل دراسته للفن في فلنا. ويُقال إن كل لوحاته في هذه الفترة كانت تتسم بالحزن المرضي (الدفن ـ الهجران ـ المعاناة) . استقر سوتين بعد ذلك في باريس وعاش في فقر شديد حيث تعرَّف إلى موديلياني. وحينما مات هذا الأخير، رسم سوتين مجموعة من اللوحات تحتوي على الإشارات الدينية الوحيدة في أعماله الفنية الناضجة. وكانت حياته بائسة لدرجة أنه حاول الانتحار. وحقَّق بعض الاستقرار المالي بعد أن اكتشفه أحد جامعي اللوحات. وقد قضى سوتين الأعوام الثلاثة الأخيرة من حياته مختبئاً من النازيين، ولكنه مات في باريس لأسباب طبيعية. تتكوَّن لوحات سوتين أساساً من لوحات للأصدقاء والشحاذين والشخصيات الهامشية في باريس، ومن طبيعة صامتة ونسخ من لوحات كبار فناني عصر النهضة في متحف اللوفر. وكان فنه يتسم بالتوتر الشديد، فكل ما في لوحاته مُشوَّه وينزف دماً ويشع عدمية (يُقال إن الدم هو احتجاج سوتين على قوانين الطعام اليهودية) . وحتى مناظره الطبيعية لا تتسم بالهدوء، فهي قلقة عاصفة. وقد دفع هذا البعض إلى الحديث عن الخصوصية اليهودية لدى سوتين، وهو أمر مناف للحقيقة، فالفن الحداثي الغربي تتواتر فيه مثل هذه الصور والموضوعات بغض النظر عن الجذور الإثنية أو الدينية للفنان. بن شان (١٨٩٨-١٩٦٩) Ben Shahn

стр. 2965

رسَّام أمريكي تخصَّص في فن الرسوم المطبوعة (بالإنجليزية: جرافيك آرتس graphic arts) . وُلد في ليتوانيا لأسرة كان يعمل أعضاؤها في الحفر على الخشب والفخار، وكان معظمهم ينتمون للتيار الاشتراكي. فرّ أبو شان إلى أمريكا الجنوبية هرباً من الاضطهاد القيصري ومنها إلى الولايات المتحدة. وتعلَّم شان على يد فنان تخصَّص في فن الطباعة بواسطة الحجر، وتلقى أول تدريب له على عملية مزج الصورة والنص. تلقَّى تعليماً فنياً في جامعة نيويورك، ثم سافر إلى أوربا والمغرب العربي وفي جزيرة جربا (في تونس) سجل انطباعاته عن يهود هذه الجزيرة. رسم شان مجموعة من الصور عام ١٩٢٠ عن حادثة دريفوس، وكانت أول مجموعة صَُور يهاجم فيها الظلم. وفي عام ١٩٣١، أصدر مجموعة ثانية عن حادثة ساكو وفانزيتي (بالجواش) ، ثم مجموعة ثالثة بين عامي ١٩٣١ و١٩٣٢ عن أحد القيادات العمالية اتُّهم ظلماً في حادث إلقاء متفجرات ثم بُرِّئ. وقد استأجره الفنان المكسيكي دييجو ريفيرا مساعداً في رسم جدارية " الإنسان في منعطف القرن " لمبني RCA في مركز روكفلر. وكانت الجدارية ثورية المنحى فأثارت غضباً شديداً وتم نقلها لمدينة مكسيكو سيتي. وأثناء فترة الكساد، رسم شان ما يقرب من ٦٠٠٠ صورة فوتوغرافية للمتعطلين والفقراء وحياة المدن الصغيرة في الولايات المتحدة. وكان مشروعه هذا مُموَّلاً من قبل الحكومة الأمريكية. كما رسم مجموعة من الجداريات (بتمويل من الحكومة أيضاً) لبعض المؤسسات الحكومية. وفي عام ١٩٤٤، رسم شان لوحة تُسمَّى «معسكرات الاعتقال» يُعبِّر فيها عن بؤس ضحايا المحرقة النازية، كما صمَّم طابعاً بريدياً بعنوان «هذه هي الوحشية النازية» (١٩٤٢) إحياءً لذكرى قرية ليديس البولندية التي محاها النازيون من على وجه الأرض.

стр. 2966

وظل أسلوب شان واقعياً حتى عام ١٩٥٠. ولكنه، بعد ذلك التاريخ، بدأ يغوص في ذاته وينتج أعمالاً فنية ذات طابع رمزي تستجيب لاحتياجاته الشخصية وتطلعاته «الدينية» . وتجمع أعماله في هذه المرحلة بين الألوان الذهبية والثرية والكتابة التي تشبه الأرابيسك (وقد ساعده في ذلك تدريبه في مطلع حياته على الكتابة العبرية) . وكان شان قد رسم صوراً لطبعة من الهاجاداه عام ١٩٣١، ولطبعة من سفر الأمثال. ثم عاودت هذه الموضوعات الدينية الظهور في أعماله مرة أخرى في الخمسينيات، فرسم لوحة بعنوان «الوصايا العشر» (١٩٦٠) و «المزمور ١٣٣ والـ ١٥٠» و «نضيء هذه الشموع» (١٩٦١) . كما رسم مجموعة من الصور تُسمَّى «الفبائية الخلق» استخدم فيها بعض المفاهيم القبَّالية (من الزوهار) المتصلة بعلاقة الألفبائية العبرية بالألوهية. اشترك شان في عملية زخرفة وتزيين بعض المعابد اليهودية، فرسم جدارية بعنوان «دعوة الشوفار» وجدارية فسيفسائية في ممر معبد أوهيم شالوم في ناشفيل (في ولاية تنسي) ، وهي تستند إلى فقرة في العهد القديم (سفر ملاخي ١١/١٥) تدعو للمساواة. وفي عام ١٩٦٠، صمَّم باب تابوت العهد لمعبد مشكن إسرائيل في مدينة هامدن في ولاية كونتيكت. وفي عام ١٩٦٥ صمَّم بعض النوافذ من الزجاج المعشق (تصوِّر بعض المشاهد من سفر أيوب) في معبد بيت زيون في بافالو (نيويورك) . وألَّف شان كتاب شكل المضمون (١٩٥٧) ، وهو عبارة عن محاضرات ألقاها في جامعة هارفارد. ورغم أن المضمون اليهودي للوحات شان أمر واضح، ورغم أن معرفته بالكتابة العبرية قد أثَّرت في شكل ومضمون بعض أعماله الفنية، إلا أن الغالبية الساحقة من لوحاته تظل ذات مضمون إنساني أو أمريكي عام. كما أن لغته الفنية لا يمكن فهمها بالعودة إلى تراث فني يهودي أو لغة فنية يهودية خاصة، وإنما بالعودة إلى فَهْم اللغة الفنية السائدة في المجتمع وسياقه الحضاري الذي كان يعيش فيه. ليونيل أبرامز (١٩٣١-)

стр. 2967

Lionel Abrams رسَّام من أعضاء الجماعة اليهودية في جنوب أفريقيا. وُلد في جوهانسبرج وتلقَّى تعليمه فيها وفي إنجلترا. أقام أول معرض له عام ١٩٥٧، وتتسم أعماله بالتجريد. وهو يفضل رسم المناظر الطبيعية والحياة الصامتة. طوَّر طريقة في الرسم تُسمَّى فوتو باستيل، حيث يتم استخدام العناصر الكيميائية في حفر الصورة الفوتوغرافية ويُعَاد رسمها بالباستيل. وقد أقام أول معرض لصور الفوتو باستيل عام ١٩٧٥. ويرسم أبرامز لوحات موضوعها الأساسي أعمال الفنانين الآخرين أو مواقف من حياتهم (حقيقية أو مُتخيَّلة) ، مثل «بيسارو يقابل سيزان» و «دريفوس يزور مونيه» . ورسم مجموعة من اللوحات هي تنويعات على لوحة مانيه «الإفطار فوق العشب» وسلسلة أخرى من مونيه وهو في الاستوديو محاطاً بلوحاته المشهورة «زنبق الماء Water Lilies» . اهتم إبرامز بعض الوقت برسم بعض المناظر من حياة جماعة لوبافيتش في جنوب أفريقيا، واستمر لمدة أربعة أعوام في تناول الموضوعات اليهودية، منها سلسلة من الصور بالباستيل لخمسة أجيال لحاخامات اللوبافيتش. ويُعتبَر أبرامز من أهم فناني جنوب أفريقيا ومثَّلها في العديد من المعارض الدولية. ر. ب. كيتاج (١٩٣٢-١٩٩٥ ( R.B. Kitaj

стр. 2968

فنان أمريكي تربطه علاقة ما باليهودية يصعب تعريفها، وُلد في كليفلاند أوهايو، ودرس في معاهد الفنون في الولايات المتحدة والنمسا وإنجلترا. وعاش في إنجلترا معظم حياته. ويُعتبَر كيتاج من رواد فن البوب (بالإنجليزية: بوب آرت pop art) وإن كان لم يقبل قط مثل هذا التصنيف، لأن مصادره الفنية متنوعة ومتعدِّدة من ضمنها التيارات الفنية المختلفة في العصر الحديث والفن الإيطالي في عصر النهضة وأعمال أدبية مثل شعر ت. س. إليوت أو عزرا باوند. لم ينشأ كيتاج كيهودي، ولا تذكر الموسوعات اليهودية شيئاً عن الانتماء الديني لأمه وأبيه أو عن خلفيتهما الإثنية، ولكنها تذكر أن زوج أمه كان يهودياً! كما تذكر بعض هذه الموسوعات أن كيتاج اكتشف ما يُسمَّى «الهوية اليهودية» بعد أن تجاوز الخمسين من عمره، فرسم مجموعة من اللوحات ذات المضمون اليهودي مثل «اليهودي ... إلخ» (١٩٧٦) وهي صورة لرجل في قطار يتجه إلى المنفى. وفي لوحته «إن لم يكن، If not, not» (١٩٧٥ ـ ١٩٧٦) ، صوَّر بوابات أوشفيتس من خلال قصيدة الأرض الخراب لإليوت. وفي لوحة «سيسيل كورت، لندن (المهاجرون) » (١٩٨٣ ـ ١٩٨٤) ، يصوِّر الفنان نفسه في شارع ضيق مليء بمحلات بيع الكتب التي كان يديرها في وقت من الأوقات بعض المهاجرين من يهود اليديشية، ومنهم زوج أمه، جو سنجر، الذي تحوَّل في رسومات كيتاج إلى رمز اليهودي. ويظهر في خلفية اللوحة ضحايا لا أسماء لهم يسبحون في يأس نحو شواطئ أكثر أمناً. تزايد انشغال كيتاج بشخصية اليهودي في الثمانينيات، بخاصة في مجموعة من اللوحات الخاصة بآلام اليهود (بالإنجليزية: باشون Passion) وكلمة «باشون» في الإنجليزية عادةً ما تُستخدَم للإشارة لآلام المسيح. فكأن اليهود ضحايا المحرقة في منزلة المسيح المصلوب، وتحل مداخن أفران الغاز محل الصليب.

стр. 2969

رسم كيتاج لوحة بعنوان «المدرسة اليهودية (رسم الجوليم) » (١٩٨٠) معارضاً بها لوحة أخرى بهذا العنوان رسمها فنان ألماني يُدعَى ج. إي. أوبيتس. وكان أوبيتس قد رسم لوحته ليُبيِّن الفوضى الضاربة أطنابها في المدرسة اليهودية وفشل الحاخام في أن يفرض أي نوع من أنواع النظام على طلبته. والصورة كانت تحاول أن تثبت للعنصر الآري الراقي مدى تخلُّف العنصر اليهودي السامي (يهود اليديشية) الذي يعيش وسط المجتمع الألماني. يأخذ كيتاج موضوع هذه اللوحة ويعطيه مضموناً مختلفاً تماماً. فمركز اللوحة هو زجاجة حبر تَقطُر دماً رمز تهمة الدم، ولذا، فالحاخام يشعر أنه يصطدم بحائط من الطوب، وفي وسط اللوحة يُوجَد طفل آخر يرمز لما يسميه كيتاج «التقاليد الثقافية اليهودية» التي ستستمر وتبقى رغم كل المصاعب. أما الطفل الثالث، فيود أن ينعتق كفنان، فيرسم الجوليم على السبورة، وتبدأ الحياة تدب في الجوليم بالفعل، ولكن الصورة تتوقف عند هذه النقطة. ورغم أن الموضوع يهودي بالمعنى الأمريكي الإثني، إلا أن لغته الفنية أمريكية حداثية تماماً. فاللوحة تتكوَّن من ألوان مُسطَّحة. كما أنها تضطر الرائي إلى أن يصبح جزءاً منها لا أن ينظر إليها. ورغم أن هناك خطة عامة وراء التفاصيل، إلا أن الإحساس العام الذي تنقله هو إحساس بالفوضى يُعبِّر عن إحساس الإنسان الغربي بفوضى العالم الغربي الحديث. فالصورة تستخدم لغة فنية غير يهودية، وهذا ما أدركه كيتاج تماماً في تعليقه على هذه الصورة، إذ يقول: «في سنوات تكشفي [للفن] وقبل أن أرسم هذه الصورة، لم يطرأ على بالي أن أحاول أن أُبرهن على وجود شيء يُسمَّى «الفن اليهودي» ... لم يكن هناك قط تقاليد للفن اليهودي بشكل واضح محدَّد كما هو الحال مع الفن الإسلامي أو الياباني أو المصري، ومن ثم فإن يهودية لوحة مثل هذه لابد أن تعتمد على اهتمامات دياسبورية يهودية حاولت أن أضفيها عليها بغير حساب» (يستخدم كيتاج فعل

стр. 2970

«لافيش أبون lavish upon» والذي يعني «ينفق بغير حساب» أو «يبذر» . ومهما كانت الترجمة، فالفعل يعني أن ثمة إضافة لأبعاد لم تكن موجودة في الشيء أصلاً وليست جزءاً من بنيته. فكأن الاهتمامات الدياسبورية هي شيء يضاف إلى الموضوع حتى يصبح يهودياً. فاستخدام الكلمة يعني أن ثمة إضافة يهودية برانية لعمل فني له لغته الخاصة. وكلمة «دياسبورا» عند كيتاج ذات معنى خاص للغاية. فقد نشر عام ١٩٨٧ ما سماه «المانفيستو الدياسبوري الأول» حيث عبَّر عن رغبته في أن نربط بين تجاربنا الخاصة بالدياسبورا في الماضي وفهمنا المعاصر لها من خلال صور ذات مغزى عالمي يمكنها أن تتحدث لكثير من الناس. وكلمة «دياسبورا» هنا كلمة عامة للغاية تعني «اغتراب» أو «غربة» ، أي أنها تعبير عن الرؤية الحداثية للكون) . ثم يُبيِّن كيتاج أن تَوجُّهه البروميثي النيتشوي لا علاقة له بأي دين حينما يقول: «وقد فكرت في أن أرسم لوحة تُعبِّر عن مفهوم مارتن بوبر عن خسوف الإله ... لم أحاول من قبل أن أرسم الإله، ولذا بدأت أنظر إلى وليام بليك والفنانين الإيطاليين الأوائل» . وغني عن القول أن حكاية رسم الإله هذه تقف على الطرف النقيض من المعايير الدينية اليهودية، حيث تُحذِّر الوصية الأولى من الوصايا العشر من تصوير الإله! فن العمارة عند أعضاء الجماعات اليهودية Architecture of Members of Jewish Communities لا يمكن الحديث عن «فن العمارة اليهودي» ، تماماً مثلما لا يمكن الحديث عن «الفن اليهودي» أو «التاريخ اليهودي» . فالعبرانيون القدامى كانوا، في بداية الأمر، قوماً رحلاً، لا يعرفون فن العمارة أساساً. وبعد استقرارهم في كنعان تبنوا الخطاب الفني السائد في محيطهم الحضاري. ولذا نجد أن هيكل سليمان لا يختلف كثيراً عن الهياكل الكنعانية الأخرى (وكلمة «هيكل» نفسها من أصل كنعاني) .

стр. 2971

ومع انتشار أعضاء الجماعات اليهودية في العالم زاد عدم التجانس بينهم، ومن ثم تعددت الطرز المعمارية التي تبنوها من محيطاتهم الحضارية المختلفة. فمنازل الفلاشاه لا تختلف عن الأكواخ الأفريقية المماثلة في المنطقة التي يعيشون فيها. وقصور أثرياء اليهود من أصحاب مزارع العبيد في الجنوب الأمريكي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر لا تختلف عن قصور أقرانهم من غير اليهود، بكل ما تحتويه من أبهة ومظاهر الترف. وقد صُممت هذه القصور بطريقة تسمح لصاحب المزرعة بالإشراف عليها وعلى عبيده. ونفس الشيء ينطبق على أثرياء وفقراء أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة في الوقت الحاضر. ولا تختلف معابد أعضاء الجماعات اليهودية عن منازلهم. ولعل من أهم الطرز المعمارية طراز المعبد/القلعة في أوكرانيا الذي كان يتفق تماماً مع وضع الجماعة اليهودية كجماعة تجارية استيطانية شبه قتالية. (انظر: «المعبد اليهودي» - «المعبد/القلعة» ) .

стр. 2972

الباب الرابع: إشكالية المتحف اليهودي المتحف اليهودي أم متاحف الجماعات اليهودية؟:إشكالية وتاريخ The Jewish Museum or Museums of the Jewish Communities: Problematic and History مصطلح «المتحف اليهودي» ، مثل كثير من المصطلحات الأخرى التي تُستخدَم لدراسة الجماعات اليهودية، وهو يُخبِّئ مجموعة من المفاهيم العقائدية المتميِّزة ذات طابع صهيوني. فمفهوم المتحف اليهودي يفترض وجود فن يهودي وفلكلور يهودي وأسلوب حياة يهودي، ويفترض كذلك أن هذا الفلكلور وأسلوب الحياة لا يتغيَّر بتغيُّر الزمان والمكان أو يتغيَّر بالمعدل نفسه والطريقة نفسها بين أعضاء الجماعات اليهودية بمعزل عن المجتمعات التي يوجدون فيها، لأن كل هذه الظواهر إنما هي تعبير عن هوية يهودية مستقلة ثابتة، وشخصية يهودية لها سماتها المحددة وخصوصيتها الواضحة، فهي مفاهيم تفترض وجود وحدة قومية يهودية وتستند إليها. وفكرة القومية اليهودية فكرة لا نرفضها لأنها تتناقض مع مصالحنا، وإنما لأنها تتناقض مع واقع أعضاء الجماعات اليهودية ذاتها، إذ أن هوياتهم لا تتحدَّد بالعودة إلى مطلقات يهودية ثابتة أو هوية يهودية مركزية، وإنما تتحدَّد من خلال الحضارات الكثيرة والمتنوعة التي يعيشون بين ظهرانيها. فيهود أثيوبيا، اكتسبوا هويتهم من خلال التشكيل الحضاري الأفريقي، تماماً مثلما اكتسب يهود الولايات المتحدة من محيطهم الحضاري. ومتاحف أعضاء الجماعات اليهودية ليست ذات أهمية خاصة في ذاتها، غير أنها ذات أهمية منهجية خاصة، إذ تُبىِّن بشكل مثير زيف مقولة الهوية اليهودية والتراث اليهودي وضعف مقدرتها التفسيرية.

стр. 2973

ولنتخيل أحد العلماء يود أن يشيِّد متحفاً إثنو جرافياً يهودياً، فماذا سيواجه؟ سيجد أمامه مواد عديدة: أزياء وتماثيل وشمعدانات مينوراه بعضها من بخارى والبعض الآخر من اليمن، ومن الصين القديمة والحديثة، وروسيا في القرن التاسع عشر، وبولندا في القرن السادس عشر، ومن مصر في العصر الهيليني والروماني، ثم في بداية الفتح الاسلامي، ثم بعد ذلك في عصورها المختلفة (الطولوني والفاطمي والأيوبي والمملوكي والعثماني) ، ثم في العصر الحديث. كما سيجد أمامه مواد من عشرات البلاد والعصور الأخرى. فإن أصر على أن يهودية هذه الأشياء الإثنوجرافية هي العنصر الأساسي فيها، فلن يمكنه التعامل معها ولا تصنيفها، ولذا سيجد نفسه مضطراً لتصنيفها على أساس عشرات المجتمعات التي وُجد داخلها اليهود، وكان لكل منها عاداتها وتقاليدها التي استوعبها اليهود بحيث أصبحوا جزءاً منها وأصبحت جزءاً منهم. ولنتخيل عالماً يحاول أن يؤسس متحفاً للفنون اليهودية، فإنه سيجد لوحات وتماثيل من عشرات الأزمنة والأمكنة لا تتبع نمطاً فنياً يهودياً، وإنما أنماطاً فنية مختلفة. ولا شك في أن الأعمال لها علاقة بأعضاء الجماعات اليهودية كأن يكون العمل الفني يتناول موضوعاً يهودياً أو صاغته يد فنان يهودي، ومع هذا لا يمكن فهم هذا العمل إلا بالعودة للحضارة التي أبدع فيها.

стр. 2974

بل إن معمار المتحف نفسه سيكون مشكلة، إذ لا يُوجَد «معمار يهودي» . ويتبدَّى هذا في معمار المعابد اليهودية التي تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. ولذا، نجد أن متحفاً يهودياً في الولايات المتحدة يأخذ شكلاً حداثياً تفكيكياً وآخر يُشيَّد على الطراز القوطي وثالث يأخذ شكلاً يُقال له سفاردي وهو في واقع الأمر إسباني أو برتغالي. وفي إسرائيل شُيِّد أحد المتاحف على هيئة قرية عربية على تل، وأخذ كل جناح شكل منزل عربي، وقد أورد مدير المتحف هذه العبارة في الكتيب الذي يوزع في المتحف فشطبتها الرقابة الإسرائيلية، وكتبت بدلاً من ذلك أن المتحف شُيِّد على طراز قرية من قرى البحر الأبيض المتوسط، وذلك لاستبعاد كلمة «عربية» . ولكن ما يهمنا في هذا السياق أنه لم يتحدث عن «قرية يهودية» أو «معمار يهودي» . وقد أُسِّس أول متحف لأعضاء الجماعات اليهودية في ألمانيا في برونزويك في منتصف القرن الثامن عشر، وكان متحفاً دينياً، أي أن اليهودية فيه عُرِّفت على أساس ديني وحسب. فكان المتحف يضم بعض الأدوات التي تُستخدَم في الشعائر، وقد عرضت بسبب وظيفتها الدينية لا لأنها تعبِّر عن هوية قومية أو إثنية. ثم بدأت بعض المتاحف القومية تضم أقساماً يهودية (مثل الصالة العبرية في متحف اللوفر) ، ويظل الهدف هنا دينياً أو تاريخياً بالمعنى الديني، بمعنى أنه تعبير عن اهتمام العالم المسيحي بالعهد القديم، أحد كُتب المسيحية المقدَّسة. وفي عام ١٨٧٨، تم تنظيم معرض للأدوات الشعائرية اليهودية والفنون المرتبطة بالشعائر في باريس (في المعرض العالمي في تروكا ديرو) .

стр. 2975

وكان التوجه، في كل المعارض السابقة دينياً. ولكن، مع تزايُد معدلات العلمنة في المجتمعات الغربية، ومع ظهور الحركات القومية والعرْقية، أصبحت كلمة «شعب» مقصورة على جماعة ذات تراث مشترك وتنتمي لعرْق واحد. ولذا، بعد أن كان الشعب اليهودي يُعرَّف تعريفاً دينياً، أُعيد تعريفه تعريفاً عرْقياً علمانياً حتى يصبح «شعب مثل كل الشعوب» كما يقول الشعار الصهيوني. ولكن إشكالية المتحف اليهودي (العامة) تكمن في أن كل جماعة يهودية أخذت تؤسِّس متحفاً خاصاً بها، وبالتالي أصبح هذا المتحف تعبيراً عن هويتها المحدَّدة (كالألمان اليهود أو البولنديين اليهود، وهكذا) لا تعبيراً عن هوية قومية يهودية عامة ومجردة. فتم تأسيس متحف في وارسو لأعضاء الجماعة اليهودية في بولندا، ومتحف في برلين لأعضاء الجماعة اليهودية هناك، وعدة متاحف أخرى أُسِّست جميعاً في العقد الأخير من القرن التاسع عشر والثلاثة عقود الأولى من القرن العشرين، وقد سقطت معظم هذه المتاحف في يد النازي. والنازيون لا يعارضون البتة فكرة الهوية اليهودية القومية العالمية، وفكرة الشعب اليهودي ذي التراث المستقل والشخصية والهوية المستقلة والتراث الحضاري المستقل، ولذا أسَّس النازيون متحفاً يهودياً في براغ (تشيكو سلوفاكيا) ، وهذا ينهض دليلاً حياً على مدى تلاقي الرؤيتين الصهيونية والنازية.

стр. 2976

ولكن أهم المتاحف اليهودية هو المتحف اليهودي في نيويورك الموجود في الفيفث آفنيو Fifth Avenue (الطريق الخامس) والذي كان في أصله بيت فيلكس وفريدا ووربورج. ومن المفارقات أن المتحف مبني على الطراز القوطي، وهو طراز معماري وفني انتشر في أوربا في الفترة من القرن الثاني عشر وحتى القرن الخامس عشر حين حل محل الفن الرومانسكي، ويتميَّز الفن القوطي بأنه انسيابي تصوُّفي روحاني. أما المعمار القوطي فكان يتميَّز بالأبراج المرتفعة والأسقف المرتفعة المعقودة (المقنطرة) وتوجد بين النوافذ الملونة المرتفعة ما يُسمَّى بالإنجليزية «تريسري tracery» أي «الزخرفة التشجيرية» ، وهي زخرفة قوامها خطوط مشجرة، خصوصاً في أعلى النافذة. كما يتَّسم المعمار القوطي بالأكتاف الطائرة. وهو، على كل حال، طراز مسيحي مرتبط تماماً بالحضارة المسيحية ويعبِّر عن روحها. وحينما تقترب من المتحف لا تجد ما يُميِّزه من الخارج، فالزخارف كلها قوطية. وحتى بعد أن تدخله يظل الطراز القوطي محيطاً بك. ومعروضات هذا المتحف أعمال فنية مختلفة تتبع في أسلوبها وبنيتها ولغتها أسلوب وبنية ولغة الحضارات التي يعيش فيها أعضاء الجماعات اليهودية، وقد تعرَّضنا لبعض مقتنيات المتحف اليهودي في مدخل «الفن اليهودي» . ولكل ما تقدَّم، نجد أن مصطلح» المتحف اليهودي» لا يتسم بالدقة، ونجد أن مقدرته التفسيرية والتصنيفية منخفضة للغاية، بل تكاد تكون منعدمة، ولذا نقترح بدلاً من ذلك مصطلح «متاحف أعضاء الجماعات اليهودية.» متاحف أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية Museums of the Jewish Community in the U. S. A

стр. 2977

الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة أهم الجماعات اليهودية فى العالم وأكثرها ثراءً وثقافةً واندماجاً في المجتمع الذي تعيش فيه. ولكنهم، رغم اندماجهم الفعلي، محتفظون بالخطاب الصهيوني العالي النبرة بشكل ملحوظ. وعلو النبرة يُخبِّئ تزايُد معدلات الدمج والعلمنة. والعقد الاجتماعي الأمريكي مبني على السماح للمواطنين بأن يمارسوا هويتهم الدينية أو الإثنية خارج رقعة الحياة العامة، وبشكل لا يتناقض مع ولائهم للدولة الأمريكية، أي مع العقد الاجتماعي الأمريكي الأكبر. ولذا لا يمانع المجتمع الأمريكي في أن يشيِّد المواطنون متاحف تحتفي بوطنهم الأصلي وبأصولهم الإثنية، وبإسهام أعضاء هذه الأقليات في مجتمعهم الجديد، أي أن الوطن الأصلي يصبح الماضي الجميل ويصبح موضع الحنين الذي لا فاعلية له، أما أمريكا فهي الوطن الحالي، مسرح العمل والإنتاج ومصدر القيم. ومتاحف أعضاء الجماعات اليهودية تُعبِّر عن هذا الازدواج، حنين رومانسي دون مضمون أو انتماء حقيقي. وفيما يلي عرض لأهم متاحف أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة. ١ ـ المتحف اليهودي في نيويورك: من أكبر وأهم متاحف الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، ومن أقدمها حيث تأسَّس عام ١٩٠٤، ويضم واحدة من أكبر مجموعات المقتنيات الخاصة بالجماعات اليهودية المختلفة، وأكثرها تنوُّعاً في العالم، وتغطي فترة زمنية تمتد من العصور القديمة وحتى الوقت الحاضر. وتشمل المقتنيات التي يبلغ عددها ١٦.٠٠٠ قطعة، قطعاً تخص الشعائر والطقوس الدينية اليهودية، ومنسوجات وأعمالاً خشبية ومعدنية، ومخطوطات، وعملات وميداليات وصوراً زيتية، ومطبوعات وأعمال نحت وصوراً فوتوغرافية. وتضم هذه القطع أعمالاً لفنانين قدامى ومعاصرين تتناول أعمالهم موضوعات تخص الجماعات اليهودية، كما تضم أعمالاً لفنانين إسرائيليين.

стр. 2978

ورغم أن هذا المتحف، مثله مثل غيره من المتاحف اليهودية الأمريكية، يحاول طرح تصوُّر لهوية يهودية عالمية، إلا أنه في الواقع يبرز عدم التجانس بين الجماعات اليهودية المختلفة وغياب ما يمكن أن يُسمَّى «الفن اليهودي» ، حيث نجد أن مقتنياته من قطع إثنوجرافية وفنية تتنوَّع، من حيث البنية الجمالية وطريقة التناول والصناعة والطراز، بتنوُّع التشكيل الحضاري الذي يُوجَد فيه أعضاء الجماعات اليهودية وباختلاف المرحلة التاريخية التي ترجع إليها كل قطعة. ومخزون المتحف من المعروضات ضخم والمساحة ضيقة، ولذا يتم تغيير المعروضات دائماً. وإن كان هناك بعض اللوحات والأعمال الفنية المهمة (والتي أشرنا لبعضها في مدخل «فنون الجماعات اليهودية» ) تُعرَض بشكل دائم. كما يضم المتحف قسماً لأرشفة البرامج الإذاعية والمرئية والتي تتناول مواضيع تخص الجماعات اليهودية أو أعمالاً يشارك فيها الأمريكيون اليهود. ويقوم المتحف بنشاطات كثيرة، كما هو الحال مع متاحف الولايات المتحدة التي تحوَّلت إلى مؤسسات تعليمية مجانية. وهناك عروض سينمائية ومحاضرات وجولات في المتحف (أسبوعياً) ، بل وينظِّم المتحف رحلات خارج الولايات المتحدة لأعضائه. ويُوجَد فيه محل لبيع الكتب والتحف ذات المضمون اليهودي الأمريكي وغير الأمريكي. ٢ ـ متحف سكيربال لكلية الاتحاد العبري بلوس أنجلوس: يُقارب هذا المتحف، المتحف اليهودي في نيويورك من حيث أهمية مقتنياته. افتُتح عام ١٩٧٢. وتضم مقتنياته قطعاً أثرية من الشرق الأدنى القديم، وقطعاً فنية تخص الشعائر والطقوس الدينية، من أهمها: أغلفة مُطرَّزة للتوراة من بافاريا، وعقود زواج (كتوبوت) إيطالية مزخرفة، ومجموعة من المشغولات الفضية الأوربية من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ٣ ـ متحف بناي بريت كلوتزنيك في واشنطن:

стр. 2979

تأسَّس عام ١٩٥٧، وتضم مقتنياته قطعاً فنية تخص الشعائر والطقوس الدينية، وقطعاً من الرسم والصور الزيتية والنحت والمطبوعات. ومن أهم المقتنيات، غلاف حريري ايطالي للتوراة من القرن السادس عشر، وأزياء السيدات البولنديات اليهوديات تعود للقرن الثامن عشر. ٤ ـ متحف يهودا ماجنيس التذكاري في بركلي (كاليفورنيا (: افتُتح عام ١٩٦٢، وهو من أكبر متاحف الجماعات اليهودية. وتتميَّز مقتنياته بتنوُّع مصادرها، فيضم قطعاً قيمة تخص الشعائر الدينية ومنسوجات وأزياء وميداليات وأحجبة تخص الجماعات اليهودية في أوربا وفي المغرب وتونس ومصر والهند، والتي تعكس اللغة الفنية والتقاليد الحضارية السائدة في هذه المجتمعات. كما يضم مجموعة من المقتنيات الخاصة بالإبادة. كما يضم المتحف مكتبة وثائقية تعرض إسهامات الأمريكيين اليهود في تطوُّر الفن الأمريكي، ومكتبة من الكتب النادرة والمخطوطات تضم كتباً ودوريات بالإنجليزية والعبرية واليديشة واللادينو. ومن بين المخطوطات: خطابات تحمل توقيعات من شخصيات يهودية شهيرة مثل ألبرت أينشتاين وهنريش هايني. ٥ ـ متحف إسبيرتوس للمقتنيات اليهودية في شيكاغو: تأسَّس عام ١٩٦٧، ويتشكل الجزء الأكبر من مقتنياته من قطع تخص الشعائر والطقوس الدينية، خصوصاً المنسوجات والأزياء، وقطع ذات صلة بالإبادة النازية. ومن بين مقتنياته، مخطوطات يمنية من القرن التاسع عشر وقطع فنية دينية من شمال أفريقيا. ونظراً لأن الجزء الأكبر من المقتنيات تنتمي إلى فترة ما بعد القرن الثامن عشر، فإن كثيراً منها يعكس القيم الجمالية وتأثيرات الحركات الفنية السائدة في بدايات القرن العشرين. فهناك مثلاً كثير من القطع المتصلة بالشعائر الدينية تعكس الطراز الفني الألماني المعروف باسم آرت نوفو. ويقدِّم المتحف، مثله مثل غيره من المتاحف الأمريكية، خدمات تثقيفية وتعليمية. ٦ ـ متحف جامعة يشيفاه في مدينة نيويورك:

стр. 2980

تأسَّس عام ١٩٧٣، وتضم مقتنياته قطعاً ذات صلة بالشعائر الدينية، ومنسوجات وأزياء تنتمي إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وصوراً زيتية وقطعاً من النحت، ومخطوطات، وكتباً نادرة وصوراً فوتوغرافية. كما يضم قطعاً تخص الأمريكيين اليهود. ومن بين المقتنيات، قطعة من منسوجات الجوبلان من القرن الثامن عشر لفنان فرنسي، ومتعلقات تخص بعل شيم طوف مؤسِّس الحسيدية في شرق أوربا، وقطع فنية لفنانين من اليهود في فترة بداية الحركة الصهيونية. ويقدِّم المتحف أيضاً برامج تثقيفية وتعليمية. ٧ ـ المتحف القومي للتاريخ اليهودي الأمريكي في فيلادلفيا: تأسَّس عام ١٩٧٦، وهو مخصَّص لتوثيق تاريخ الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، ولعرض إسهام أعضائها ودورهم في الحياة والحضارة الأمريكية، ولكنه لا يطرح تصوُّر هوية يهودية عالمية. متاحف الإبادة في الولايات المتحدة Holocaust Museums in the U. S. A موضوع الإبادة من الموضوعات الأساسية التي تختص بها متاحف أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة. وقد بدأت تظهرمتاحف مكرَّسة لهذا الموضوع أهمها: أولاً: متحف إحياء ذكرى الإبادة النازية ليهود أوربا:
следующие страницы →