← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

ولكن أهم المتاحف اليهودية هو المتحف اليهودي في نيويورك الموجود في الفيفث آفنيو Fifth Avenue (الطريق الخامس) والذي كان في أصله بيت فيلكس وفريدا ووربورج. ومن المفارقات أن المتحف مبني على الطراز القوطي، وهو طراز معماري وفني انتشر في أوربا في الفترة من القرن الثاني عشر وحتى القرن الخامس عشر حين حل محل الفن الرومانسكي، ويتميَّز الفن القوطي بأنه انسيابي تصوُّفي روحاني. أما المعمار القوطي فكان يتميَّز بالأبراج المرتفعة والأسقف المرتفعة المعقودة (المقنطرة) وتوجد بين النوافذ الملونة المرتفعة ما يُسمَّى بالإنجليزية «تريسري tracery» أي «الزخرفة التشجيرية» ، وهي زخرفة قوامها خطوط مشجرة، خصوصاً في أعلى النافذة. كما يتَّسم المعمار القوطي بالأكتاف الطائرة. وهو، على كل حال، طراز مسيحي مرتبط تماماً بالحضارة المسيحية ويعبِّر عن روحها. وحينما تقترب من المتحف لا تجد ما يُميِّزه من الخارج، فالزخارف كلها قوطية. وحتى بعد أن تدخله يظل الطراز القوطي محيطاً بك. ومعروضات هذا المتحف أعمال فنية مختلفة تتبع في أسلوبها وبنيتها ولغتها أسلوب وبنية ولغة الحضارات التي يعيش فيها أعضاء الجماعات اليهودية، وقد تعرَّضنا لبعض مقتنيات المتحف اليهودي في مدخل «الفن اليهودي» . ولكل ما تقدَّم، نجد أن مصطلح» المتحف اليهودي» لا يتسم بالدقة، ونجد أن مقدرته التفسيرية والتصنيفية منخفضة للغاية، بل تكاد تكون منعدمة، ولذا نقترح بدلاً من ذلك مصطلح «متاحف أعضاء الجماعات اليهودية.» متاحف أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية Museums of the Jewish Community in the U. S. A

стр. 2977

الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة أهم الجماعات اليهودية فى العالم وأكثرها ثراءً وثقافةً واندماجاً في المجتمع الذي تعيش فيه. ولكنهم، رغم اندماجهم الفعلي، محتفظون بالخطاب الصهيوني العالي النبرة بشكل ملحوظ. وعلو النبرة يُخبِّئ تزايُد معدلات الدمج والعلمنة. والعقد الاجتماعي الأمريكي مبني على السماح للمواطنين بأن يمارسوا هويتهم الدينية أو الإثنية خارج رقعة الحياة العامة، وبشكل لا يتناقض مع ولائهم للدولة الأمريكية، أي مع العقد الاجتماعي الأمريكي الأكبر. ولذا لا يمانع المجتمع الأمريكي في أن يشيِّد المواطنون متاحف تحتفي بوطنهم الأصلي وبأصولهم الإثنية، وبإسهام أعضاء هذه الأقليات في مجتمعهم الجديد، أي أن الوطن الأصلي يصبح الماضي الجميل ويصبح موضع الحنين الذي لا فاعلية له، أما أمريكا فهي الوطن الحالي، مسرح العمل والإنتاج ومصدر القيم. ومتاحف أعضاء الجماعات اليهودية تُعبِّر عن هذا الازدواج، حنين رومانسي دون مضمون أو انتماء حقيقي. وفيما يلي عرض لأهم متاحف أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة. ١ ـ المتحف اليهودي في نيويورك: من أكبر وأهم متاحف الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، ومن أقدمها حيث تأسَّس عام ١٩٠٤، ويضم واحدة من أكبر مجموعات المقتنيات الخاصة بالجماعات اليهودية المختلفة، وأكثرها تنوُّعاً في العالم، وتغطي فترة زمنية تمتد من العصور القديمة وحتى الوقت الحاضر. وتشمل المقتنيات التي يبلغ عددها ١٦.٠٠٠ قطعة، قطعاً تخص الشعائر والطقوس الدينية اليهودية، ومنسوجات وأعمالاً خشبية ومعدنية، ومخطوطات، وعملات وميداليات وصوراً زيتية، ومطبوعات وأعمال نحت وصوراً فوتوغرافية. وتضم هذه القطع أعمالاً لفنانين قدامى ومعاصرين تتناول أعمالهم موضوعات تخص الجماعات اليهودية، كما تضم أعمالاً لفنانين إسرائيليين.

стр. 2978

ورغم أن هذا المتحف، مثله مثل غيره من المتاحف اليهودية الأمريكية، يحاول طرح تصوُّر لهوية يهودية عالمية، إلا أنه في الواقع يبرز عدم التجانس بين الجماعات اليهودية المختلفة وغياب ما يمكن أن يُسمَّى «الفن اليهودي» ، حيث نجد أن مقتنياته من قطع إثنوجرافية وفنية تتنوَّع، من حيث البنية الجمالية وطريقة التناول والصناعة والطراز، بتنوُّع التشكيل الحضاري الذي يُوجَد فيه أعضاء الجماعات اليهودية وباختلاف المرحلة التاريخية التي ترجع إليها كل قطعة. ومخزون المتحف من المعروضات ضخم والمساحة ضيقة، ولذا يتم تغيير المعروضات دائماً. وإن كان هناك بعض اللوحات والأعمال الفنية المهمة (والتي أشرنا لبعضها في مدخل «فنون الجماعات اليهودية» ) تُعرَض بشكل دائم. كما يضم المتحف قسماً لأرشفة البرامج الإذاعية والمرئية والتي تتناول مواضيع تخص الجماعات اليهودية أو أعمالاً يشارك فيها الأمريكيون اليهود. ويقوم المتحف بنشاطات كثيرة، كما هو الحال مع متاحف الولايات المتحدة التي تحوَّلت إلى مؤسسات تعليمية مجانية. وهناك عروض سينمائية ومحاضرات وجولات في المتحف (أسبوعياً) ، بل وينظِّم المتحف رحلات خارج الولايات المتحدة لأعضائه. ويُوجَد فيه محل لبيع الكتب والتحف ذات المضمون اليهودي الأمريكي وغير الأمريكي. ٢ ـ متحف سكيربال لكلية الاتحاد العبري بلوس أنجلوس: يُقارب هذا المتحف، المتحف اليهودي في نيويورك من حيث أهمية مقتنياته. افتُتح عام ١٩٧٢. وتضم مقتنياته قطعاً أثرية من الشرق الأدنى القديم، وقطعاً فنية تخص الشعائر والطقوس الدينية، من أهمها: أغلفة مُطرَّزة للتوراة من بافاريا، وعقود زواج (كتوبوت) إيطالية مزخرفة، ومجموعة من المشغولات الفضية الأوربية من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ٣ ـ متحف بناي بريت كلوتزنيك في واشنطن:

стр. 2979

تأسَّس عام ١٩٥٧، وتضم مقتنياته قطعاً فنية تخص الشعائر والطقوس الدينية، وقطعاً من الرسم والصور الزيتية والنحت والمطبوعات. ومن أهم المقتنيات، غلاف حريري ايطالي للتوراة من القرن السادس عشر، وأزياء السيدات البولنديات اليهوديات تعود للقرن الثامن عشر. ٤ ـ متحف يهودا ماجنيس التذكاري في بركلي (كاليفورنيا (: افتُتح عام ١٩٦٢، وهو من أكبر متاحف الجماعات اليهودية. وتتميَّز مقتنياته بتنوُّع مصادرها، فيضم قطعاً قيمة تخص الشعائر الدينية ومنسوجات وأزياء وميداليات وأحجبة تخص الجماعات اليهودية في أوربا وفي المغرب وتونس ومصر والهند، والتي تعكس اللغة الفنية والتقاليد الحضارية السائدة في هذه المجتمعات. كما يضم مجموعة من المقتنيات الخاصة بالإبادة. كما يضم المتحف مكتبة وثائقية تعرض إسهامات الأمريكيين اليهود في تطوُّر الفن الأمريكي، ومكتبة من الكتب النادرة والمخطوطات تضم كتباً ودوريات بالإنجليزية والعبرية واليديشة واللادينو. ومن بين المخطوطات: خطابات تحمل توقيعات من شخصيات يهودية شهيرة مثل ألبرت أينشتاين وهنريش هايني. ٥ ـ متحف إسبيرتوس للمقتنيات اليهودية في شيكاغو: تأسَّس عام ١٩٦٧، ويتشكل الجزء الأكبر من مقتنياته من قطع تخص الشعائر والطقوس الدينية، خصوصاً المنسوجات والأزياء، وقطع ذات صلة بالإبادة النازية. ومن بين مقتنياته، مخطوطات يمنية من القرن التاسع عشر وقطع فنية دينية من شمال أفريقيا. ونظراً لأن الجزء الأكبر من المقتنيات تنتمي إلى فترة ما بعد القرن الثامن عشر، فإن كثيراً منها يعكس القيم الجمالية وتأثيرات الحركات الفنية السائدة في بدايات القرن العشرين. فهناك مثلاً كثير من القطع المتصلة بالشعائر الدينية تعكس الطراز الفني الألماني المعروف باسم آرت نوفو. ويقدِّم المتحف، مثله مثل غيره من المتاحف الأمريكية، خدمات تثقيفية وتعليمية. ٦ ـ متحف جامعة يشيفاه في مدينة نيويورك:

стр. 2980

تأسَّس عام ١٩٧٣، وتضم مقتنياته قطعاً ذات صلة بالشعائر الدينية، ومنسوجات وأزياء تنتمي إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وصوراً زيتية وقطعاً من النحت، ومخطوطات، وكتباً نادرة وصوراً فوتوغرافية. كما يضم قطعاً تخص الأمريكيين اليهود. ومن بين المقتنيات، قطعة من منسوجات الجوبلان من القرن الثامن عشر لفنان فرنسي، ومتعلقات تخص بعل شيم طوف مؤسِّس الحسيدية في شرق أوربا، وقطع فنية لفنانين من اليهود في فترة بداية الحركة الصهيونية. ويقدِّم المتحف أيضاً برامج تثقيفية وتعليمية. ٧ ـ المتحف القومي للتاريخ اليهودي الأمريكي في فيلادلفيا: تأسَّس عام ١٩٧٦، وهو مخصَّص لتوثيق تاريخ الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، ولعرض إسهام أعضائها ودورهم في الحياة والحضارة الأمريكية، ولكنه لا يطرح تصوُّر هوية يهودية عالمية. متاحف الإبادة في الولايات المتحدة Holocaust Museums in the U. S. A موضوع الإبادة من الموضوعات الأساسية التي تختص بها متاحف أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة. وقد بدأت تظهرمتاحف مكرَّسة لهذا الموضوع أهمها: أولاً: متحف إحياء ذكرى الإبادة النازية ليهود أوربا:

стр. 2981

اسمه الرسمي بالإنجليزية هو: هولوكوست ميموريال ميوزيام Holocaust Memorial Museum، وقد افتتحه الرئيس كلنتون في الأسبوع الأخير من أبريل ١٩٩٣. وبُني المتحف في ميدان (أو أرض) المعارض الشهير في واشنطن (يُشار إليه بالإنجليزية على أنه «ذي مول The Mall» ) . ويمكن رؤية تمثال واشنطن الشهير من البقعة التي أُقيم فيها المتحف. وقد تكلَّف نحو ٩٠ مليون دولار، وصمَّمه المهندس الأمريكي اليهودي جيمس فريد Freed الذي يبلغ من العمر ٥٦ عاماً والذي هرب مع أسرته من ألمانيا عام ١٩٣٩. وينطلق المتحف من فكر فلسفي واضح يترجم نفسه إلى معمار، إذ يذهب فريد إلى أن ثمة شيئاً لا يمكن تصديقه، شيئاً مستحيلاً في هذا المشروع، أي مشروع إنشاء المتحف، وهو بهذا يؤكد الرؤية الصهيونية للإبادة، إذ تم تحويلها من مجرد جريمة شنعاء ارتكبها أحد المجتمعات الغربية (ألمانيا النازية) ، ضد مجموعات بشرية مختلفة في أوربا من بينها اليهود، إلى شيء ميتافيزيقي لا يمكن فهمه، يقف خارج التاريخ والزمان وهو موجَّه ضد اليهود وحدهم. ولذا، قرر فريد أن يبني متحفاً لا يتسم بالتناسق أو التحضر على حد قوله، ثم أضاف: «لا أعتقد أن هذا المبنى سيكون حسن السير والسلوك، فأنا لا أُطيق التجميل، فهذا هو ما فعله النازيون في معسكرات الاعتقال، فالواجهات كانت على الطراز التيرولي Tyrolean وكانت النوافذ تزينها «أصص الورد» . ولذا، لابد أن يبعث هذا المبنى الإحساس بالسر والخوف وعدم التصديق» . والمشكلة التي واجهها المهندس المصمم فريد ـ على حد قول أحد النقاد ـ هي: هل يمكن أن يعبِّر المعمار المتحضر عن شيء غير متحضر؟

стр. 2982

ولحل كل هذه المشاكل، قرر المهندس ألا يكون المتحف جميلاً أكثر من اللازم، وإلا تصوَّر المشاهد أن الإبادة هي مجرد حدث كبير آخر في مسار التاريخ. ولو أخذ المتحف شكلاً عكسياً وتحاشى المصمم معمار الضخامة النيو كلاسيكي السائد في واشنطن وتبنَّى طرازاً صناعياً (حتى يوحي بجو آلية المصنع الذي كان سائداً في معسكرات الاعتقال) فإنها قد تؤدي إلى تتفيه الحدث. وإن تبنَّى المتحف أسلوباً حرفياً في تقديم الإبادة، فإنه قد يبعث الاشمئزاز في نفس الزوار فينصرفون عنه، ولذا، فإن هذا المبنى يجب ألا يكون جميلاً أكثر من اللازم، ولا قبيحاً أكثر من اللازم، وهو ما يعني أن أي مبنى تقليدي لن يَصلُح له. وكان من الممكن (هكذا كان يفكر المصمم على حد قول أحد النقاد) أن يكون المبنى محايداً تماماً، مجرد حائط يضم المعروضات باعتبارها قيمة مطلقة لا يستطيع أي معماري مهما بلغ ذكاؤه أن يبرزها، فهي تقف بذاتها وكأنها السر الإلهي. ولكن هذا الحل يعني فشل المعمار الحديث في أن يواجه التحدي. وأخيراً كان من الممكن أن يتخلى المصمم تماماً عن الفكرة ويعلن أنها لا يمكن التعبير عنها. ولكن هذا الحل حل يتسم بالجبن، فهو يعني أن الفنان ليست له رسالة اجتماعية.

стр. 2983

بقيت مشكلة أخيرة، وهي أن هذا المبنى رغم تفرُّده لابد أن يكون جزءاً من مباني المتاحف في واشنطن. وقد تقدَّم المهندس المصمم برسومات المعرض للجنة الفنون الجميلة التي تراقب المعمار في واشنطن، ولكنها رفضته؛ إذ وجدته يؤكد رسالته بشكل جازم أكثر من اللائق. بل إن بعض أعضاء اللجنة ألمحوا إلى أن مثل هذا المتحف لا ينتمي إلى عاصمة الولايات المتحدة لأن الإبادة النازية ليست جزءاً من تاريخ أمريكا، وذلك إلى جانب أنها تجربة مؤلمة. ولكن، تم التغلب على هذا الاعتراض الأخير بالإشارة إلى الحائط التجريدي الذي صممه مايا يانج لين لضحايا حرب فيتنام، فهو نصب تذكاري سيُذكِّر المشاهدين بلحظة تاريخية محزنة. وتمت في نهاية الأمر، الموافقة على تصميم المبنى بعد تعديله، وهو يمتد من شارع ١٤ إلى شارع ١٥ شرقي طريق الاستقلال ليكون بين مبنيين، أحدهما على الطراز الكلاسيكي والآخر على الطراز الفكتوري. وهنا أثيرت قضية واجهة المعرض، ودار الحوار لا في إطار جمالي محض، وإنما في إطار معرفي عميق. فواجهة المعارض الموجودة في المول Mall تتبع في معظم الأحيان الطراز النيوكلاسيكي، وهو طراز يحاكي بشكل واع المعمار اليوناني الروماني الوثني، أي أنه يشكِّل عودة إلى الحضارة الوثنية التي سبقت عصور الظلام المسيحية، وهي حضارة سادت فيها قيم العقل والتوازن دون غيب أو أساطير، ولذا فإن المعمار يتسم بالبساطة والجلال. وقد كان مؤسسو الجمهورية الأمريكية مغرمين بهذا الطراز، ولذا نجد أن جيفرسون أسس منزله في مونتشيلو على نفس الطراز، وكانت معظم مباني واشنطن حتى عهد قريب تتبع هذا النمط.

стр. 2984

قرر المهندس فريد أن واجهة متحف الإبادة لا يمكن أن تعبِّر عن عصر التنوير والعقل (بالإنجليزية: إنلايتينمنت Enlightenment) ، بل لابدوأن تعبِّر عن الإظلام واللاعقل (بالإنجليزية: إنداركنمنت Endarkenment) . ولذا، تقرر أن تكون واجهة المتحف ومدخله على الطراز التيرولي (مثل معسكرات الاعتقال والإبادة) . وهو يتشابه تشابهاً لا يستهان به مع اتجاه الحداثة الفيينِّي (نسبة إلى فيينا) الذي ظهر مع نهاية القرن، وذلك من حيث دقة القوس والتفاصيل الكلاسيكية البارزة. وتم تصميم هذا المدخل بناءً على طلب لجنة الفنون الجميلة (ففي التصميم الأصلي كان هناك إفريز بارز يتصف بأنه مصطنع وينذر بالشؤم ويوحي بالخوف) . ويؤدي المدخل إلى صالة الشهادة وهي مصنوعة من الطوب الخشن ولها سقف زجاجي مُعلَّق على عروق حديدية مكشوفة، تسمح بدخول الضوء (الأمر الطبيعي الوحيد الذي لم ينجح النازيون في القضاء عليه) .وهي بذلك تذكِّر المشاهد بمعسكرات الاعتقال وأفران الغاز. ويخيِّم على هذا المعمار الصناعي فراغ معتم ثقيل يوحي بجو من القلق المتعمد، فخطوطه غير مستقيمة. ويوجد في المتحف سلم متسع عند قاعدته يضيق بالتدريج حتى يُشْعر الزوار بالزحام وكأنهم في أحد معسكرات الاعتقال. ويبدو السلم في نهايته منحرفاً داخل منظور زائف.

стр. 2985

ويحاول المهندس أن يعبِّر عن إحساسه بعدم الراحة بطرق مختلفة. فعلى سبيل المثال، يوجد في الحائط الحجري في آخر هذه الصالة شقوق. وبوابات الأجنحة معدنية ثقيلة. وتوجد مكاتب موظفي المتحف داخل أربعة أبراج، لتذكِّر الزائر بأبراج المراقبة في معسكر الإبادة، بل إن المصعد الذي يُستخدَم للوصول إلى هذه المكاتب يجعل الزائر يشعر بعدم الراحة، فهو ضيِّق والإضاءة فيه بيضاء متوهجة وأبوابه مصنوعة من المعدن الرمادي، تُغلَق وتُفتَح بصعوبة كأبواب أفران الغاز. وتضم صالات العرض صوراً وأعمالاً فنية عن الإبادة، وكل مقتنيات المتحف هي أشياء أصلية كانت تستخدم بالفعل في معسكرات السخرة والإبادة، وتوجد شاشات تليفزيون تُعرَض فيها أفلام تروي أحداث الهولوكوست وأخرى تروي تاريخ معاداة اليهود، ولهذا السبب وضعت الشاشات على ارتفاع متر ونصف حتى لا تسبِّب إزعاجاً للأطفال. ويُعْطَى كل زائر بطاقة كومبيوتر عليها صورة أحد الضحايا، بحيث يمكنه أن يتابع قصته من خلال شاشات عرض موجودة في أماكن مختلفة ويسمع مُشاهد العرض تسجيلات لأصوات الجنود الأمريكيين الذين حرروا معسكرات الاعتقال وهم يعبِّرون عن إحساسهم بالصدمة العميقة لما يشاهدونه. ويُوجَد في الدور الثالث شارع من الحجر وكوبري خشبي تؤدي بالزائر الى جناح عن جيتو وارسو الذي شهد أعمال المقاومة اليهودية ضد النازيين. ويُقال إن المتحف لم ينس ضحايا الإبادة الآخرين مثل الغجر وغيرهم. ولم ينس كذلك بعض الأغيار الذين ساعدوا اليهود على الفرار من النازيين، ولذا يضم هذا المتحف قارباً من ذلك النوع الذي كان يستعمله الدنماركيون في إنقاذ اليهود.

стр. 2986

وهناك خارج المتحف، صالة أخرى تُسمَّى «صالة الذكرى» بنيت على شكل سداسي وارتفاعها ٧٥ قدماً، وسقفها على هيئة قبة. وكان ارتفاع الصالة في الأصل ٨٠ قدماً، كما أن المتحف كله كان من المفروض أن يكون بارزاً في ميدان المتاحف بنحو ٤٠ قدماً. ولكن اللجنة أصرت على أن يكون بمحاذاة المباني الأخرى، كما تم إنقاص حجم المتحف كله ١٠% (يبلغ حجم المتحف ٣٦ ألف قدم مربع، وتستغرق مشاهدته ثلاث ساعات) ، ولكن هذا المبنى السداسي يظل بمفرده بارزاً في أرض المتاحف، لا نوافذ له ولا زخارف على حوائطه سوى اقتباسات من العهد القديم تأخذ شكل نقوش بارزة. كما أن هناك على الحائط كوَّات تشبه المحراب الصغير يمكن أن تُوضَع فيها مئات الشموع المشتعلة لإحياء ذكرى ضحايا الإبادة النازية. وتُضَاء هذه الصالة بالنور الطبيعي من ناحية السقف، حيث تكون الحوائط فارغة تماماً. وهيئة الصالة من الخارج لا تختلف عن داخلها، فهي عارية من الزخارف أيضاً إلا من بعض التفاصيل ذات الطابع الكلاسيكي الصارم. وتعطي الصالة الإحساس بأنها شيء ضخم ومجرد يقف في أرض المتاحف. وتُذكِّر صالة الذكرى المرء بقدس الأقداس في هيكل سليمان وهيرود. بل يمكن القول بأن المتحف ككل يشبه هيكل سليمان. وإذا كان اليهود يعبدون في هيكل سليمان إلههم، فإنهم في متحف الإبادة النازية يعبدون أنفسهم (اليهود أو الشعب اليهودي الذي يتحوَّل هو نفسه إلى الشيم هامفوراش، الاسم المقدَّس والأعظم الذي لا يستطيع أحد أن يتفوَّه به إلا كبير الكهنة في قدس الأقداس يوم الغفران) باعتبار أن تجربة الإبادة التي حدثت لليهود تجربة تتحدى قدرة الإنسان على الإفصاح عما في داخله.

стр. 2987

وقد وُصف معمار المتحف بأنه تفكيكي ينتمي إلى عالم ما بعد الحداثة، ونحن نرى أن هذا وصف دقيق للنموذج الكامن وراء هذا المتحف ولكل تفاصيله التي يتجلى من خلالها النموذج. ففكر ما بعد الحداثة (التفكيكي) يصدر عن الإيمان بأن العلاقة بين الدال والمدلول (الكلمة ومعناها أو الاسم والمُسمَّى) علاقة عشوائية مترهلة، ولذا فاللغة ليست أداة جيدة لتوصيل المعنى أو التواصل بين الناس، وكأن الكلام حبر على ورق: حادثة إمبريقية مادية قد لا تحمل مدلولاً يتجاوز وجودها المادي، بل هو كسائل أسود تناثر بطريقة ما على صفحة بيضاء. ويواكب هذا إدراك الإنسان الغربي أن كل أشكال اليقين داخل منظومته الحضارية قد تهاوت بتهاوي المنظومات والمرجعيات المعرفية الأخلاقية والإنسانية، الإيمانية وغير الإيمانية، ولذا فالواقع الخارجي لا يمكن الوصول إليه ولا يمكن تصنيفه أو ترتيبه، فهو لا مركز له ولا يمكن الحكم عليه ولا يمكن محاكمته. ولذا لا يبقى إلا الشيء في ذاته، فيصبح هو نفسه دالاً ومدلولاً وهو مرجعية ذاته. والإبادة هي حدث مرئي يستطيع الإنسان أن يجرِّبه، ولكنه لا يمكنه الإفصاح عنه، فالإبادة صورة تكاد تكون دالاً بلا مدلول أو مدلولاً لا يمكن لأي دال أن يدل عليه. إن الإبادة هي الأبوريا aporia: الهوة التي تفغر فاها والتي لا قرار لها؛ الهوة التي تنفتح بعد تساقُط كل المرجعيات فلا يرى الإنسان سوى العدم، أو الإبادة النازية لليهود. وكيف تم توصيل ذلك؟ عن طريق إعادة خلق جو المعسكرات ومن خلال وضع الأشياء التي استُخدمت فيها أمام المتفرج حتى يجربها دون وساطة أو دوال، والأشياء هنا (مثل الإبادة) هي أيضاً دال دون مدلول أو مدلول دون دال، أو دال هو ذاته مدلول، فالشيء هو الاسم والمسمَّى.

стр. 2988

ورغم ذكر بعض الضحايا غير اليهود، إلا أن المتحف بطبيعة الحال يحاول أن يؤكد أن اليهود هم الضحية، وأن الأغيار تركوا اليهود لمصيرهم (ولعل ذكر الغجر وغيرهم من ضحايا النازي كان ذراً للرماد في العيون وتحسباً لما قد يثار من ضجة بسبب الرؤية الصهيونية التقليدية التي تجعل اليهود الضحية الوحيدة) . ويُذَكِّر المتحف الشعب الأمريكي بعدم اكتراثه بالإبادة النازية، وبأن الحكومة الأمريكية رفضت السماح للباخرة سانت لويس عام ١٩٣٩ بالرسو في الشواطئ الأمريكية رغم أنها كانت تحمل ١١٢٨ لاجئاً يهودياً فارين من هتلر، ورغم أنها وصلت حتى هافانا. إلا أنها أُعيدت إلى ألمانيا ليلاقي الفارون مصيرهم. ورفض الحلفاء أن يقوموا بغارات على معسكرات الاعتقال ورفضوا كذلك ضرب خطوط السكك الحديدية التي تؤدي إليها. ويشير المتحف كذلك إلى مؤتمر إيفيان الذي دعا إليه الرئيس روزفلت عام ١٩٣٨، حيث رفض ممثلو بعض الدول الأوربية أن يسمحوا لليهود الهاربين من الرايخ الثالث بالهجرة إليها. وإذا كان المتحف يُجسِّد أطروحة فكرية أساسية في تجربة أعضاء الجماعات اليهودية (الإبادة باعتبارها دالاً متجاوزاً يعجز العقل عن الإحاطة به) وفي الحضارة الغربية الحديثة (فكرة ما بعد الحداثة والتفكيكية) ، فإن من حقنا أن نثير من جانبنا بعض الإشكاليات، فالإبادة ظاهرة تاريخية، يمكن تفسير كثير من جوانبها وفهمها واستيعابها: ١ ـ الإبادة النازية ليست فعلاً فريداً في الحضارة الغربية الحديثة التي قامت بإبادة سكان الأمريكتين وملايين السود من أفريقيا.

стр. 2989

٢ ـ رغم أن المتحف قد ذكر الضحايا غير اليهود، إلا أن التركيز ظل أساساً على اليهود. والسؤال الذي طرحه الكثيرون هو سؤال ذو مغزى عميق: لماذا لم يُقَم متحف عن الإبادة الأمريكية للسكان الأصليين ولتاريخ أمريكا المظلم في استغلال العبيد السود إلى درجة تكاد تكون مترادفة مع الإبادة؟ ولماذا لم يذكر المتحف عشرات القساوسة الكاثوليك والرعاة البروتستانت الذين ضحوا بحياتهم من أجل اليهود؟ ٣ ـ هناك الكثير من الحقائق التي قام المتحف بإخفائها، فالمتحف لم يذكر شيئاً عن تعاون كثير من قيادات الجماعات اليهودية (خصوصاً الصهاينة) مع النازيين، وتجاهل سؤالاً مهماً هو: هل كانت المقاومة اليهودية للإبادة النازية بالقوة المطلوبة؟ وهل كان بإمكان آلة الفتك الألمانية أن تستمر في الدوران لو رفض ملايين الضحايا أن يتعاونوا مع قاتليهم؟ بل ولنأخذ قضية مثل إنقاذ اليهود. فمن المعروف أن القيادات الصهيونية لم تكترث بذلك كثيراً، بل من المعروف أن القيادات الصهيونية كانت تعارض إنقاذ اليهود عن طريق فتح أبواب الهجرة أمامهم في بلاد أخرى غير فلسطين. وقد جلست مندوبة المُستوطَن الصهيوني في مؤتمر إيفيان، وكان اسمها جولدا مائير، دون أن تبدي أي اهتمام بعمليات الإنقاذ التي عُقد المؤتمر من أجلها. وبعد الحرب، حينما سُئلت عن سبب عدم اكتراثها هذا، عللته بأنها لم تكن تعرف حجم الكارثة. ٤ ـ احتج الألمان على الصورة المُبتسَرة التي قُدِّمت عن ألمانيا. فتاريخ ألمانيا يمتد عدة مئات من السنين قبل الإبادة، وما يزيد على أربعين سنة بعدها، فلماذا التركيز على هذه الحقبة دون غيرها؟. ولذا، اقترحت الحكومة الألمانية أن يُلحَق جناح عن ازدهار الديموقراطية الألمانية بعد الحرب. وغني عن القول أن الطلب قد رُفض. ثانياً: متحف الإبادة فى لوس أنجلوس:

стр. 2990

يبدو أن بعض قطاعات الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة بدأت تدرك خطورة احتكار دور الضحية، ولذا نجد أن متحف الإبادة الذي شُيِّد في لوس أنجلوس (الذي افتُتح في فبراير ١٩٧٩) يُدعَى «بيت شواح (أي بيت الإبادة) ومتحف التسامح» . ولهذا الاسم المزدوج أعمق دلالة، فهو يضع الدائرة اليهودية داخل دوائر أخرى مشابهة. تتسم واجهة المتحف بأنها حديثة محايدة، فهي مصنوعة من الجرانيت والزجاج، ويمكن القول بأن معمار المتحف ككل يتسم بالحداثة (ولا يتحيَّز إلى ما بعد الحداثة) . فهو بواجهته وأدواره الأربعة لا يختلف عن كثير من المباني المحيطة به. وكما أسلفنا ينقسم المتحف إلى قسمين، ولنبدأ بالقسم المُخصَّص للتسامح، وهو يغطي تاريخ التعصب في الولايات المتحدة منذ إبادة السكان الأصليين (الهنود الحمر) حتى حادثة ضرب رودني كينج وتبرئة ضباط الشرطة الذين قاموا بضربه. وتتضح حداثة المتحف في استخدامه التكنولوجيا المتقدمة بشكل مكثف. فحينما تدخل المبنى يقابلك إنسان مكوَّن من ١٠ أجهزة فيديو، يخبرك أنك إنسان فوق المتوسط، لا تشعر بأي تعصُّب ضد الآخرين، ولكنه يستمر في الحديث ليُبيِّن بعض أشكال التعصب الكامنة في النفس البشرية. وحينما تتركه، ستجد أمامك بابين: واحد للمتعصبين وواحد لغير المتعصبين. وبطبيعة الحال، سيتجه الجميع وبشكل تلقائي للباب الثاني، ولكنهم سيكتشفون أنه مغلق (فهل هذا يعني أن كل البشر متعصبون؟) .ثم يدلف المتفرجون إلى صالة يسمعون فيها همسات المتعصبين، ويشاهدون فيها أفلاماً عن إبادة الأرمن والكمبوديين وسكان أمريكا الأصليين في أمريكا اللاتينية.

стр. 2991

أما القسم الثاني الخاص بالإبادة، فتوجد به صالة الشهادة التي يمكنك فيها أن تسمع التواريخ الشفهية التي يرويها الضحايا، وشهادات من لا يزال على قيد الحياة. وهناك إحياء لذكرى الأغيار الأتقياء «رايتيوس جنتايلز righteous gentiles» ممن ساعدوا أعضاء الجماعات اليهودية في محاولة الفرار من النازيين، كما توجد غرفة يمكنك أن تجد فيها تقارير متجددة عن جرائم الكره والتعصب. وفي الوقت الحالي، على سبيل المثال، يمكن أن يتابع الزوار أولاً بأول جرائم التطهير العنصري في البوسنة. وكما هو الحال في متحف إحياء ذكرى الإبادة في واشنطن، فإن كل زائر في المتحف يُعطَى بطاقة تحمل صورة أحد الضحايا يمكنه أن يتابع قصة حياته من خلال شاشات العرض المختلفة في المتحف. وتوجد في الولايات المتحدة بضعة مراكز تذكارية ومتاحف أخرى صغيرة مُخصَّصة للإبادة النازية (مركز دالاس التذكاري لدراسات الإبادة ـ مركز الإبادة النازية التذكاري في ميشحان) . ويبدو أن من المقرر إقامة متحف في نيويورك باسم «ذكرى الإبادة النازية ـ متحف التراث اليهودي» . ويذهب بعض المعلقين إلى أن هذه المتاحف لن تؤدي إلى إحياء ذكرى الإبادة، وإنما سيتم من خلالها أمركة الهولوكوست، وأن الإبادة النازية ليهود أوربا ستصبح مثل ميكي ماوس وكوكاكولا وماكدونالد وألعاب الأتاري الإلكترونية المسلية. وبعد عدة سنين ستصبح الإبادة ماركة تجارية مسجلة (De Shoah Business على حد قول المجلة الألمانية دير شبيجل) لا علاقة لها بأوشفيتس، وإنما بمتحف في لوس أنجلوس أو واشنطن.

стр. 2992

ويعتقد الكثيرون، بناء على المنطق والملاحظة المباشرة، أن إنشاء متاحف الإبادة في الولايات المتحدة هو مؤشر آخر على الهيمنة الصهيونية واليهودية. ولكن من المفارقات أننا لو تعمقنا بعض الشيء لاكتشفنا شيئاً مدهشاً ومغايراً تماماً لما نتصور، فمما لا شك فيه أن هذا المتحف تعبير عن قوة الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة. ولكن هل هذا يعني بالضرورة تعاظُم قوة إسرائيل؟ إن الربط الذي يقوم به العقل العربي بين النفوذ اليهودي والنفوذ الإسرائيلي هي عملية منطقية لا علاقة لها بالواقع المتعيِّن. فقد اعترضت الصحف الإسرائيلية على إقامة هذا المتحف وبقوة. وفي إسرائيل يوجد ضريح ياد فاشيم (النصب والاسم) الذي أُقيم لإحياء ذكرى ضحايا الإبادة. وقد أصبح هذا النصب المزار الأساسي الذي يتعيَّن على كبار الزوار زيارته حينما يذهبون إلى إسرائيل. ويرى المستوطنون الصهاينة أن إسرائيل هي المركز القومي والحضاري والمعنوي ليهود العالم الذين يُشكِّلون بالنسبة لها مجرد الهامش أو الأطراف، ومن ثم لابد أن يظل المزار الأساسي للشعب اليهودي في الوطن القومي. ولذا، فإن إقامة متحف لإحياء ذكرى الإبادة النازية على هذا المستوى في عاصمة الولايات المتحدة، وآخر في لوس أنجلوس، يُشكِّل تحدياً لوجهة النظر الصهيونية، ويُشكِّل محاولة من جانب يهود الولايات المتحدة لخلق مسافة بينهم وبين المستوطَن الصهيوني ليزيدوا قوة استقلالهم. ومن ثم، فإن متاحف الإبادة قد تكون تعبيراً عن مدى قوة الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، ولكنها لا تُشكِّل تعاظماً للنفوذ الصهيوني وإنما تحدياً له. متاحف أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا Museums of the Jewish Communities in Europe

стр. 2993

إذا حاولنا المقارنة بين المتاحف اليهودية الأمريكية والمتاحف اليهودية الأوربية، فسنجد أن مثل هذه المتاحف تعبِّر عن اتجاه داخل المجتمع الأمريكي وبين أبناء وأحفاد المهاجرين الذين جرى صهرهم وأمركتهم تماماً مع احتفاظهم بقشرة إثنية تعبِّر عن جذورهم وتراثهم الثقافي والإثني. أما في أوربا، فإن المتاحف اليهودية تهتم بالدرجة الأولى بعرض تراث الجماعات اليهودية التي عاشت في المجتمعات الأوربية، وهو تراث وتاريخ لا ينفصل عن تراث وتاريخ هذه المجتمعات، أو عن تطوراتها الاجتماعية والاقتصادية عبر الزمان. إنجلترا: تضم إنجلترا المتحف اليهودي في لندن، كما تم مؤخراً افتتاح متحفين جديدين: ـ متحف لندن للحياة اليهودية الذي تأسَّس عام ١٩٨٣، وهو مُخصَّص لعرض جوانب من الحياة الاجتماعية للجماعة اليهودية في لندن في بداية القرن العشرين. ـ متحف مانشستر اليهودي، الذي افتُتح عام ١٩٨٤، وهو مُخصَّص لعرض تاريخ الجماعة اليهودية المحلية. فرنسا: تضم فرنسا متحف الفن اليهودي في باريس، وأغلب مقتنياته تخص الشعائر الدينية، كما يضم قطعاً من الفن الحديث. كذلك تضم بعض المتاحف الفرنسية، في باريس وفي الأقاليم، أقساماً مُخصَّصة لتاريخ وتراث الجماعة اليهودية في فرنسا. هولندا:

стр. 2994

تضم هولندا المتحف التاريخي اليهودي الذي أُعيد افتتاحه في مقره الجديد عام ١٩٨٧، ويعتبر أكبر متحف من نوعه في أوربا الغربية. والمقر الجديد للمتحف يتكون من أربعة معابد إشكنازية يرجع تاريخها إلى القرنين السابع عشر والثامن عشر، وقد تم ترميمها ووصلها ببعضها البعض. وتعبِّر معروضات المتحف الفنية والتاريخية عن التراث الثقافي للجماعة اليهودية في هولندا. وتعكس المعروضات المتصلة بالديانة اليهودية الاختلاف بين المذاهب اليهودية المختلفة. كما تعكس القطع المتصلة بالشعائر الدينية الاختلافات بين السفارد والإشكناز. ويُقدِّم المتحف أيضاً معروضات تتناول موضوعات الاضطهاد وتفاعُل الجماعة مع مجتمع الأغلبية والعلاقة مع إسرائيل. ألمانيا: تضم مدينة كولونيا متحفاً يهودياً، كما تم تحويل كثير من المعابد اليهودية في المقاطعات الألمانية المختلفة إلى متاحف تعرض تاريخ الجماعة اليهودية وتراثها المحلي. كما تم تحويل أحد المباني اليهودية القديمة في بلدة ورمز إلى متحف يعرض تاريخ يهود ورمز منذ القرون الوسطى وحتى الوقت الحاضر. وفي عام ١٩٨٨، تم افتتاح متحف يهودي جديد في فرانكفورت مقره بيت عائلة روتشيلد. ويعتبر هذا المتحف أكبر متحف من نوعه في ألمانيا. ويعرض تاريخ وثقافة الجماعة اليهودية في ألمانيا بصفة عامة وفرانكفورت بصفة خاصة ومساهمتهم في المجتمع الألماني. كما يضم متحف برلين قسماً يهودياً. وقد تم استخدام المقر السابق للجستابو لعرض مقتنيات تتصل بفترة الإبادة النازية. النمسا: تضم النمسا المتحف اليهودي النمساوي الذي تأسَّس عام ١٩٨٢ في ايزنشتادت في منزل يهودي البلاط سامسون فرتايمر (١٦٥٨ ـ ١٧٢٤) . وهو مُخصَّص لعرض دور ومساهمة الجماعة اليهودية في المجتمع النمساوي منذ القرون الوسطى وحتى الوقت الحاضر. ومن المقرر افتتاح متحف يهودي في فيينا. إيطاليا: تضم إيطاليا عدة متاحف يهودية، من أهمها:

стр. 2995

ـ المتحف اليهودي في البندقية الذي افتُتح عام ١٩٥٢. وتضم مقتنياته قطعاً من الفضة والمنسوجات المتصلة بالشعائر الدينية والتي يعود تاريخها إلى القرن السادس عشر، وكذلك عقود زواج من عدة مدن إيطالية. ـ المتحف اليهودي في فلورنسا وتأسَّس عام ١٩٨٢. ـ كما يوجد متحف يهودي في روما افتُتح عام ١٩٧٧. اليونان: تضم اليونان المتحف اليهودي اليوناني في أثينا الذي تأسَّس عام ١٩٧٧. وتضم مقتنياته قطعاً تخص الشعائر الدينية والأزياء التقليدية للجماعة اليهودية في اليونان والتي يعود تاريخ وجودها في اليونان إلى ٢٤٠٠ سنة مضت. بولندا: تم إعادة ترميم المعبد اليهودي في كراكوف، وتحويله إلى متحف عام ١٩٨٠، وهو مُخصَّص لعرض تاريخ وثقافة يهود كراكاوف. كما يضم المعهد اليهودي التاريخي متحفاً إلى جانب مكتبة وأرشيف. المجر: تضم المجر متحفاً يهودياً في بودابست تأسَّس عام ١٨٩٥، وهو مُخصَّص لعرض تاريخ وتراث الجماعة اليهودية في المجر منذ القرن الثالث وحتى الوقت الحاضر. ويضم المتحف قسماً يتناول الفترة النازية، وقسماً آخر يتناول الحياة المعاصرة لأعضاء الجماعة اليهودية في المجر. وقد تمت إعادة ترميم بعض المعابد القديمة في أنحاء المجر، وقُدِّمت بعض المعروضات من خلال هذه المعابد. تشيكوسلوفاكيا: تضم تشيكوسلوفاكيا المتحف اليهودي التابع للدولة الذي أسَّسه النازيون وجمعوا فيه ٢٠٠ ألف قطعة فنية من تشيكوسلوفاكيا، بل ومن كل أنحاء أوربا، وتُعَدُّ أهم مجموعة تُحَف تخص الجماعات اليهودية في العالم من ناحية الكم والكيف. ولا يزال هذا المتحف من أهم المتاحف اليهودية في العالم، ولا تزال نشراته ذات مستوى علمي رفيع. وللمتحف فروع في بعض المدن التشيكية. المتاحف في الدولة الصهيونية Museums in the Zionist State

стр. 2996

تضم إسرائيل متاحف كثيرة لأقصى حد، فهي تضم ١٥٠٠ متحف معظمها متاحف آثار. ولكن يوجد أيضاً متاحف للتاريخ والعلوم والتكنولوجيا والتاريخ الطبيعي. لكن بعض هذه المتاحف لا يعدو أن يكون غرفة صغيرة في كيبوتس عُثر فيه على بعض التماثيل أثناء زراعة الأرض. وقد كوَّن موشيه ديان مجموعة كبيرة من الآثار قام بسرقتها (وقد كان مشهوراً بذلك) . وبعد موته، قامت أرملته ببيعها للدولة بثلاثة ملايين شيكل، وهو ما أثار حفيظة بعض الصحف التي وصفت هذا الفعل بأنه «موت ثان لديان» ، إذ كان يتعيَّن على أرملته أن تكفِّر عن سيئاته بإهداء مجموعة الآثار للدولة. وقبل تناول موضوعنا قد يكون من المفيد أن نحاول تفسير ظاهرة كثرة عدد المتاحف في إسرائيل أكثر من أي بلد بالنسبة لعدد السكان. فكثرة المتاحف تعود إلى عدة عناصر من بينها أن التجمُّع الصهيوني تجمُّع فسيفسائي يضم جماعات بشرية غير متجانسة أتت كل واحدة منها تحمل حضارتها وتراثها (البولندي أو الروسي أو العربي أو الإثيوبي) ، وقد عبَّر هذا عن نفسه في عديد من المتاحف الإثنوجرافية. كما أن كثيراً من هذه المتاحف يموِّلها أعضاء الجماعات اليهودية، إذ أنها بمثابة حلقة وصل بينهم وبين المُستوطَن الصهيوني، وهي حلقة عاطفية ليس لها أي مضمون سياسي أو ديني، ولذا، فهي لا تسبِّب حرجاً ولا إحساساً بازدواج الولاء. كما أن تمويل المتحف عمل ثقافي إنساني عام تماماً مثل زراعة الشجرة، على عكس تمويل المستوطنات في الضفة الغربية، فهذا عمل سياسي مائة في المائة. ولذا، يُحجم يهود العالم عن تمويل المستوطنات ولكنهم لا يجدون غضاضة في تمويل المتاحف. بل إن بعضاً ممن يدفعون التبرعات للمنظمة الصهيونية العالمية ينبهون على ضرورة عدم استخدامها في أوجه سياسية، كما أن المنظمة ذاتها ترفض تمويل المستوطنات في الضفة والقطاع، على الأقل في سياستها العلنية.

стр. 2997

والمفارقة أن زيادة عدد المتاحف بهذا الشكل الضخم أدَّى إلى الإسهام في أحد الجوانب السلبية في الاقتصاد الإسرائيلي، وهو تضخُّم قطاع الخدمات على حساب القطاع الإنتاجي، الأمر الذي يزيد الاقتصاد الإسرائيلي طفيلية وهامشية. وتوجد في إسرائيل أنواع وأصناف من المتاحف. فهناك متاحف الفنون القديمة وهناك متاحف الفنون الحديثة، الإسرائيلية وغير الإسرائيلية، اليهودية وغير اليهودية، وهناك أيضاً متاحف العلوم التي توجد في أي مجتمع. كما توجد متاحف عن مدينة القدس في مراحل تطورها كافة، ومتحف عن مدينة تل أبيب، ويوجد متحف يُسمَّى «هآرتس» (متحف الأرض) يضم عرضاً للزجاج والسيراميك، وهو أيضاً متحف إثنوجرافي يهتم بتاريخ مدينة تل أبيب وتاريخ حروف الهجاء، وهناك قبة سماوية ملحقة به. وهذه المتاحف جميعاً تميزها الخصوصية الإسرائيلية التي تعبِّر عن استيطانية التجمع الصهيوني. وتظهر هذه الخصوصية، أول ما تظهر في وجود عدد من المتاحف تعبِّر عن تاريخ فلسطين الحقيقي (قبل وصول المستوطنين) . فيوجد متحف روكفلر المتخصص في آثار فلسطين، ومتحف الفلكلور الفلسطيني، ومتاحف الفنون الإسلامية والمسيحية. كما أن الطبيعة العسكرية لنشأة التجمع الصهيوني تظهر في هذا العدد الهائل من المتاحف التي تغطي الجوانب العسكرية الاستيطانية. فهناك متحف للهاجاناه، وآخر للكيبوتسات، وثالث عن الجماعات السرية (العسكرية) الصهيونية قبل ١٩٤٨. وهناك متحف المستوطنات الأولى، ومتحف تاريخ الاستيطان، ومتحف الفصائل اليهودية في الحرب العالمية الأولى، كما أن هناك متاحف لهرتزل وجابوتنسكي ووايزمان. وقد تم تأسيس متحف للقوات الجوية. متحف ياد فاشيم:

стр. 2998

من أهم المتاحف في إسرائيل، متحف ياد فاشيم الذي تحوَّل إلى ما يُشبه المزار المقدَّس ليهود العالم. وعبارة «ياد فاشيم» هي عبارة عبرية معناها «النصب والاسم» ( «إني أعطيهم في بيتي وفي أسواري نصباً واسماً، أفضل من البنين والبنات. أعطيهم اسماً أبدياً لا ينقطع» [أشعيا ٥٦/٥] ) . ويقع مُركَّب مباني هذا المتحف على حافة جبل تطل على قرية عين كريم. ويضم ياد فاشيم صالة الذكريات، وأرشيف الإبادة الذي يضم حوالي ٥٠ مليون وثيقة. كما يضم المتحف ما يُسمَّى «شارع الأتقياء بين الأغيار» الذي غُرست فيه ٥٠٠ شجرة تكريماً لأشخاص غير يهود ضحوا بأنفسهم أو عرَّضوا أنفسهم للخطر لحماية اليهود. أما صالة الأسماء، فتضم ما يُسمَّى «صفحات الشهادة» التي تضم حوالي ثلاثة ملايين اسم من أسماء أعضاء الجماعات اليهودية التي قضى عليها النازيون. أما المناطق المكشوفة، فتضم تماثيل ونصباً عن الإبادة. وعلى سبيل المثال، يوجد نصب يُسمَّى «أوشفيتس» للمثّالة إلسا بولاك، وهو عبارة عن عمود يوحي بأنه مدخنة أفران الغاز كُتبت عليه أرقام ضحايا أوشفيتس (الضحايا اليهود فقط بطبيعة الحال) . أما تمثال «عمود البطولة» للفنان الإسرائيلي بوكي شفارتز، فيحتفي بما يُسمَّى «المقاومة اليهودية» . ومن أشهر التماثيل، تمثال نادور جيلد المسمَّى «نصب ضحايا معسكرات الإبادة» ، وهو عبارة عن أجسام بشرية نحيفة، تُشبه أسلاك المعسكرات الشائكة، ترفع يدها وعيونها نحو السماء. ويوجد ميدان صغير على هيئة شمعدان المينوراه في نهايته تمثال برتي فينك «نصب الجنود ومحاربي الجيتو والمقاومين» والذي يرمز إلى الستة مليون يهودي الذين أُبيدوا، وتأخذ المينوراه شكل نجمة داود. وهناك سيف صلب ضخم مغمد في النجمة.

стр. 2999

ويلي ذلك ما يُسمَّى «وادي الجماعات التي دُمِّرت» نُقشت فيه أسماء خمسة آلاف جماعة يهودية في ٢٢ بلداً على بناية صخرية منحوتة في الجبل. وحوائط صالة الذكرى بُنيت من كتل ضخمة من البازلت المصقول وعلى أرضها الرمادية الفسيفسائية كُتبت أسماء أهم ٢٢ معسكراً للإبادة. وهناك ما يُسمَّى «النور الأزلي» ، كما هو الحال في المعبد اليهودي، تحت قنطرة أو عقد يحوي رماد الضحايا الذي جُمع من المعسكرات. ويدخل ضوء النهار بين الحائط والسقف. متحف إسرائيل: من أهم المتاحف على الإطلاق، وهو موجود في القدس، ويضم مجموعة من الأعمال الفنية وغير الفنية، العالمية وتلك التي صُنِّفت باعتبارها يهودية. وهذا المتحف ظاهرة إسرائيلية حقة، فالمبنى تكلف حوالي ٥,٧٣٠,٠٠٠ دولار وصمَّمه مهندسون إسرائيليون مولودون في أوربا. وقامت الولايات المتحدة بدفع أول نصف مليون دولار أُنفقت في تأسيسه، كما قام يهود الولايات المتحدة بدفع مبالغ طائلة مساهمة فيه، وقامت الحكومة الإسرائيلية بتدبير الأرض (التي ُسلبت بطبيعة الحال من الفلسطينيين) . ومن ثم، فهو في تركيبه يُشبه تركيب المستوطَن الصهيوني. ويتكون المتحف من أربعة أقسام: ١ ـ متحف بزاليل القومي للفنون. ويضم أعمالاً فنية بعضها عالمي وبعضها صُنِّف باعتباره يهودياً. ٢ ـ متحف صموئيل برونفمان الإنجيلي والأثري. ويضم آثار فلسطين عبر العصور. ٣ ـ حديقة بيلي روز للفنون التي صممها الفنان الياباني ايسامو نوجوشي. وتضم بعض أعمال النحت من القرنين التاسع عشر والعشرين. ٤ ـ مقام (أو مزار) الكتاب، صممه الفنانان فريدريك كسلر وأرمان بارتوسي، وتُحفَظ فيه مخطوطات البحر الميت.

стр. 3000

ومن الواضح أن هذا المتحف يجابه مشكلة هوية حقيقية، فالمتحف الأول يضم أعمالاً فنية ليست بالضرورة يهودية، كما أن تلك الأعمال التي صُنِّفت باعتبارها يهودية هي أعمال صاغها فنانون يهود واتبعوا فيها تقاليد فنية من مختلف الحضارات. وإن كان هناك جزء يخص الفن الإسرائيلي، فإنه لابد أن يكون فناً إسرائيلياً وليس فناً يهودياً عاماً. وعلى كلٍّ، فإن مثل هذا الفن لم يظهر إلى حيز الوجود بعد. أما المتحف الثاني، الذي يضم آثار فلسطين عبر العصور، فإنه سيتعامل مع تاريخ غير يهودي، فالوجود اليهودي في فلسطين لا يتجاوز بضع مئات من السنين بينما يمتد تاريخ فلسطين آلاف السنين. فقبل وصول العبرانيين كان هناك الكنعانيون، كما أن الفلستيين وصلوا مع العبرانيين، وقبل القرن الأول الميلادي كانت العناصر غير اليهودية في فلسطين تتزايد، وكان اليهود يهاجرون منها إلى كثير من مدن البحر الأبيض المتوسط. وازداد انتشار اليهود بعد تحطيم تيتوس للهيكل، وبعد دخول فلسطين في التشكيل الحضاري البيزنطي ثم الإسلامي بدءاً من عهد عمر بن الخطاب وحتى العهد العثماني. فأي عرض لتاريخ فلسطين سيؤكد هوية فلسطين التاريخية المُركَّبة، وإذا كان لنا أن نؤكد مرحلة تاريخية على حساب أخرى، فأعتقد أن المرحلة الإسلامية هي أهمها على الإطلاق وليست المرحلة العبرانية. فالإسلام لا يزال هو الماضي الحي، أي الماضي المستمر في الحاضر، ومعظم سكان فلسطين من المسلمين، والمعجم الحضاري السائد هو المعجم الإسلامي. ولكننا لسنا في مجال الاختيار أو الدفاع عن القضية العربية، وإنما نود فقط أن نُبيِّن أحد جوانب الورطة التي يمكن أن تجابه من يحاول تشييد متحف يهودي.

стр. 3001

أما حديقة النحت، فإنها تثير قضية دينية، لأن اليهودية حرَّمت التماثيل. كما أن مشكلة الأسلوب الفني لابد أن تثار هنا وبحدة، إذ لا يوجد بالتأكيد نحت يهودي. ولعل الجناح اليهودي حقاً هو «مزار الكتاب» الذي يضم مخطوطات البحر الميت وخطابات بركوخبا، ومع هذا، يمكن أن تثار هنا قضيتان: ١ ـ مخطوطات البحر الميت كُتبت في مرحلة لم يكن الفكر الديني اليهودي قد اكتمل فيها بعد. ولذا، فإن هناك أفكاراً عديدة رفضتها اليهودية الحاخامية فيما بعد. بل يُقال إن فرق الزهاد (الأسينيين) ، الذين كتبوا مخطوطات البحر الميت، هم الذين انضموا لصفوف المسيحيين. وهناك نظرية تذهب إلى أن المسيح نفسه كان عضواً في إحدى هذه الفرق. ٢ـ أما بركوخبا، فهو الذي قاد ثورة عبرانية (يهودية) ضد الرومان فشلت وأدَّت في نهاية الأمر إلى تدمير البقية الباقية من الوجود اليهودي في فلسطين. كما أن الحاخامات عارضوا ثورة بركوخبا. وهناك الآن اتجاه في إسرائيل لإعادة تفسير ثورة بركوخبا باعتبارها كانت ثورة هوجاء تدل على الصلف وعلى عدم فهم الملابسات الدولية. ويذهب يهوشوفاط هاركابي إلى أن الإسرائيليين مصابون بمرض يُسمِّيه هو «أعراض بركوخبا» ، أي تبنِّي مواقف تؤدي بصاحبها إلى التهلكة. متحف الدياسبورا (بيت هاتسوفوت) :

стр. 3002

تذهب العقيدة الصهيونية إلى أن ثمة هوية قومية يهودية واحدة عالمية تضم كلاًًّ من يهود العالم ويهود إسرائيل (فلسطين) . ولذا، لابد من إقامة متحف يُجسِّد هذه الفكرة. ومن ثم قرر المؤتمر اليهودي العالمي عام ١٩٥٩ إنشاء متحف عن يهود العالم يُقَام في إسرائيل، باعتبارها مركز يهود العالم، وذلك للتعبير عن فكرة الهوية العالمية هذه. وهنا تبدت المشكلة في أقصى درجات حدتها، إذ اكتشفوا أن الأعمال الفنية الرفيعة التي يُقال لها يهودية موزَّعة على متاحف العالم. ولذا، قرروا أن يكون متحفاً لا يضم أعمالاً فنية تقليدية، وإنما تكون معروضاته مُصنَّعة وتعتمد على التكنولوجيا المتقدمة، أي أنه سيكون متحفاً يتكون من تماثيل توضيحية وشرائح ملونة وبانورامات ومستنسخات، وهو حل ولا شك ذكي. وقد قُسِّم المتحف حسب الموضوع: الأسرة ـ الجماعة ـ العقيدة ـ الثقافة ... وهكذا، لأنه لو قُسِّم حسب المناطق الجغرافية أو المراحل التاريخية لاختفت الهوية اليهودية الافتراضية. ولذا، فإن تقسيمها حسب الموضوع ينزع أعضاء الجماعات من سياقهم حتى يصبحوا يهوداً وحسب وبشكل عام: أعضاء في أسر يهودية أو جماعات يهودية يؤمنون بعقيدة يهودية واحدة ويعيشون من خلال ثقافة يهودية واحدة. ورغم ذكاء الفكرة والمحاولة إلا أنها باءت - في تصورنا - بالفشل، إذ أن عدم التجانس أطل برأسه. ويضم كتاب قصة الدياسبورا صوراً لمعظم معروضات المتحف مع التعليقات. وحينما يدخل الزائر المعرض، فإنه يجد عرضاً يُسمَّى «وجوه من خلال الفن» ، وهو عبارة عن صور وجوه يهودية من حضارات مختلفة، كل واحد منهم تعبير عن نمط عرْقي مختلف عن الآخر (هذا على الرغم من استبعاد اليهود الصينيين والإثيوبيين والهنود) ، فصورة الحاخام من أمستردام بعيونه الخضراء تُبيِّن مدى اختلافه عن صورة السيدة المغربية اليهودية.

стр. 3003

ويظهر عدم التجانس في الجزء الخاص بصور المعابد اليهودية. فمعبد التنيوشول في براغ، أقدم معبد يهودي في أوربا، هو مَثَل طيب للمعمار القوطي في القرن الثالث عشر والرابع عشر (والفن القوطي فن مسيحي حتى النخاع) ، ثم يليه معبد مدينة كايفنج الصينية الذي لا يختلف عن المعابد الكونفوشيوسية، وبجوارهما معبد ديورا إيوربوس الهيليني، ومعبد فاس الإسلامي الطراز، ومعبد كوشين الهندي المبني على الطراز الهندي، وهكذا. وعلى أية حال، ورغم التصنيف حسب الموضوع، وهو تصنيف بنيوي يُلغي الزمان ويبعد المكان، فإن المكان والزمان يؤكدان نفسيهما. والكتاب الذي نُشرت فيه صور المعرض يُسمَّى - كما أسلفنا - قصة الدياسبورا، والدياسبورا تفترض أن ثمة قسراً وارغاماً، ولكن مما له دلالة أن الاسم الرسمي للمتحف هو «بيت هاتسوفوت» ، وكلمة «تسوفوت» كلمة عبرية تعني «الهجرة الإرادية والطواعية» أي «الدياسبورا الاختيارية» ، بمعنى أن هؤلاء المشتتين لا ينوون العودة لأرض الميعاد، وأن حالة انتشارهم حالة نهائية، إذ اختاروها بمحض إرادتهم، وكل هذا يضمر رفضاً للرؤية الصهيونية التي ترى أن الدياسبورا حالة قسرية ومؤقتة، وأن اليهودي إن تُرك وشأنه فإنه لابد أن يعود إلى وطنه القومي. والاختلاف هنا يُبيِّن مدى عمق الصراع بين يهود العالم والصهيونية . فالصهيونية ترى أن حياتهم خارج فلسطين ليست ذات قيمة وأنها مؤقتة، بينما هم يصرون على أن لحياتهم قيمة كبرى وأنها تستحق الحفاظ عليها، وقد تكون إسرائيل مركز حياتهم، الحقيقي أو المزعوم، لكن المركز لا يُلغي الأطراف. وعلى هذا، فهي دياسبورا مؤقتة من وجهة نظر الصهاينة، وهي تسوفوت دائم من وجهة نظر يهود العالم.

стр. 3004

الباب الخامس: الموسيقى والرقص والجماعات اليهودية الموسيقى اليهودية Jewish Music «الموسيقى اليهودية» عبارة تفترض وجود أشكال موسيقية خاصة مقصورة على أعضاء الجماعات اليهودية، ذات سمات وخصائص يهودية معيَّنة تتَّسم بها هذه الموسيقى أينما وُجد أعضاء الجماعات اليهودية وتميِّزها عن غيرها من موسيقى الشعوب. وهذه العبارة ليست لها أية قيمة تفسيرية أو تصنيفية، إذ ليس من المعروف أن أعضاء الجماعات اليهودية كان لهم موسيقى أو آلات موسيقية مستمدة من محيطهم الحضاري. وقد حاول كورت ساخس (أحد أساتذة علم الموسيقى الإثنية البارزين) وَصْف الموسيقى اليهودية خلال المؤتمر الأول للموسيقى اليهودية الذي انعقد في باريس عام ١٩٥٧، فقال: «إنها الموسيقى التي يلحنها اليهود لليهود باعتبارهم يهوداً» ، وهذا الوصف لا يضع معياراً لتحديد مدى «يهودية» أية قطعة موسيقية سوى الأصل أو العقيدة اليهودية دون اعتبار للشكل أو المضمون أو البناء الموسيقي لها، ويحاول إيجاد مظلة فضفاضة تضم تحتها تراث الجماعات اليهودية المختلفة الموسيقي المتنوع والمتباين. فهل يجوز مثلاً تصنيف سيمفونيات الموسيقار الألماني الرومانسي فليكس مندلسن، والطقاطيق الشرقية للموسيقار المصري داود حسني باعتبارها «موسيقى يهودية» لأن كلاًّ من الملحنين يهودي أو من أصل يهودي؟ وهل يجوز اعتبار الموسيقى التي تُرتَّل أو تُنشَد في المعابد اليهودية موسيقى يهودية رغم أن ألحانها قد تكون ألحاناً سلافية أو ألمانية أو عربية؟ وإذا أضفنا إلى هذا صعوبة (بل واستحالة) تعريف من هو اليهودي ـ الركيزة النهائية لتعريف ساخس ـ فإن الحديث عن «موسيقى يهودية» يصبح أمراً مستحيلاً.

стр. 3005

وأكدت الدراسات المختلفة لما يُسمَّى «الموسيقى اليهودية» ، سواء أكانت موسيقى دينية أم شعبية أم فناً موسيقياً رفيعاً، أن هذه الموسيقى تعدَّدت وتنوَّعت أشكالها وألحانها ولغتها من جماعة يهودية إلى جماعة يهودية أخرى، ومن مرحلة تاريخية إلى مرحلة تاريخية أخرى، وعبَّرت عن التقاليد الموسيقية والقيم الجمالية السائدة في المجتمعات التي عاش بينها أعضاء الجماعات اليهودية. ويؤكد لنا العَالم والمؤلف الموسيقيّ الأمريكي اليهودي هوجو ويزجال ذلك، فيقول: «لا تُوجَد أية مواصفات أو سمات محدَّدة أو موضوعية تجعل قطعة موسيقية يهودية أو غير يهودية» . ولذلك، فإن عبارة «موسيقى يهودية» ، مثلها مثل عبارات «ثقافة يهودية» و «فن يهودي» و «تاريخ يهودي» ، تحاول افتراض نوع من الوحدة والاستمرارية، بينما لا تُوجَد مثل هذه الوحدة أو الاستمرارية. ولهذا السبب، فنحن لا نتحدث عن «موسيقى يهودية» ، وإنما عن «موسيقى الجماعات اليهودية» . موسيقى الجماعات اليهودية Music of the Jewish Communities يضم العهد القديم إشارات عديدة إلى استخدام الموسيقى في الطقوس والعبادات اليهودية القديمة. وقد اقتبس العبرانيون الكثير من التراث الموسيقي في بابل ومن التراث الكنعاني والمصري والهيليني. واحتلت الموسيقى مكانة مهمة في الطقوس الدينية للهيكل، وكان يضطلع بها اللاويون، وكانت تجمع بين الغناء والعزف على الآلات الموسيقية. أما بعد هدم الهيكل (عام ٧٠ ميلادية) ، فقد بدأ ظهور الموسيقى الدينية التي تُرتَّل أو تُنشَد في المعابد اليهودية، وتم تحريم استخدام الآلات الموسيقية فيها إلى أن يأتي الماشيَّح، كما اعتبر صوت المرأة غير محتشم وغير لائق للإنشاد الديني في المعبد.

стр. 3006

وكان يتم ترتيل المزامير على وتيرة واحدة وعلى لحن بسيط، وكانت تُرتَّل عن طريق منشد منفرد، أو من خلال التبادل الصوتي بين المنشد المنفرد ومجموعة المصلين. كما كانت تتم قراءة أو تلاوة العهد القديم بتنغيم بسيط. وفي القرن السادس، تم إدخال الترنيمة الدينية التي عُرفت باسم «بيوط» . ومع ظهور هذه الترنيمة، تطوَّر دور المنشد الديني (حازان) الذي كان يقوم بتلحين كلمات الترنيمة إلى جانب إنشادها. وتميَّز أسلوب الإنشاد بالإرتجال والتموجات الصوتية والزخارف اللحنية. وكانت الألحان تُتوارث من خلال النقل الشفوي، ولم تبدأ عملية تدوينها إلا في القرن السادس عشر بين بعض الجماعات الإشكنازية والسفاردية.

стр. 3007

والتراث والرصيد الموسيقي المختلف للجماعات اليهودية (سواء الجماعات الشرقية والسفاردية في العالم العربي الإسلامي أو الجماعات السفاردية التي استقرت في أوربا بعد طردها من إسبانيا في القرن الخامس عشر أو الجماعات الإشكنازية في غرب وشرق أوربا) تَشكَّل من خلال البيئة الثقافية التي وُجدت فيها كل جماعة على حدة. فبعد أن وصلت الفتوحات الإسلامية إلى الأندلس في القرن الثامن، بدأت الأوزان تُستخدَم في الشعر العبري. وبحلول القرن العاشر، كانت الأوزان والمقامات والألحان العربية تُستخدَم في ترتيل وإنشاد الترانيم والمزامير في المعابد اليهودية في العراق وسوريا والمغرب والأندلس. وأصبح العهد القديم يُرتَّل على مقام سيجا، وأصبحت الأناشيد والترانيم المخصصة للأعياد والمناسبات السعيدة تُرتَّل على مقام عجم، كما أصبحت تلك المخصصة للأعياد الحزينة مثل العاشر من آب أو المخصصة للجنازات تُرتَّل على مقام حجاز. وزاد الاقتباس من ألحان المجتمعات العربية الإسلامية المحيطة مع نمو النزعات القبَّالية خلال القرن السادس عشر في فلسطين، والتي أعطت للموسيقى والغناء مكانة مهمة باعتبارهما أداتين للتعبير عن حب الإله وبلوغ مراحل من الشفافية الروحية. وقد وضع إسحق لوريا وإسرائيل نادجارا أشعارهما الدينية على أنغام وألحان عربية وتركية وأندلسية، وكان نادجارا أول من خصَّص مقاماً لكل قصيدة ونَظَم الترانيم التي كتبها في ديوان من اثنى عشر مقاماً.

стр. 3008

واستخدمت الجماعات اليهودية الشرقية السلم الموسيقي العربي الذي ينقسم إلى أربعة أرباع الدرجة ويضم أربعة وعشرين صوتاً، في حين استخدمت الجماعات الإشكنازية في أوربا السلم الغربي الذي ينقسم إلى أنصاف الدرجة ويضم اثنى عشر صوتاً فقط. كما استخدم اليهود الشرقيون في أغانيهم هيكل الأغنية الشرقية الذي يعتمد على التتراكورد، وهو تَسلسُل أربعة أنغام مجموع أبعادها يساوي مسافة رابعة. أما الجماعات الإشكنازية، فاعتمدت على هيكل الأغنية الغربية الذي يعتمد على ثلاثة أنغام يفصل بين كل منها نغمة كاملة. ومازالت بعض الجماعات السفاردية في إيطاليا وبعض مناطق فرنسا تستخدم التتراكورد. كما استخدمت الجماعات الإشكنازية المقامات الغربية التي تضم نوعين فقط؛ مقام كبير ومقام صغير، في حين تكثُر في الموسيقى الشرقية المقامات والأوزان. كما تميَّز غناء الجماعات الشرقية بالطابع الشرقي الذي تسوده الجمل الموسيقية القصيرة والارتجال والزخارف اللحنية. وظهر في العصر الأموي والعباسي (الأول والثاني) ، على المستوى الشعبي، الشعراء المغنون المتجولون الذين ضموا في صفوفهم يهوداً اقتبسوا عن الشعراء العرب قواعد ممارسة فن الموسيقى والغناء، وعزفوا موسيقاهم وألقوا أشعارهم في القرى والمدن، وأيضاً في قصور الأمراء والخلفاء المسلمين. وكانوا بذلك، عاملاً مهماً في نقل الألحان والأساليب الموسيقية المحلية إلى الجماعات اليهودية، وفي تشكيل ذوقهم الموسيقي. كما كوَّن الموسيقيون الشعبيون من اليهود، وخصوصاً في المغرب العربي وفي تركيا، فرقاً موسيقية شرقية كان لبعضها صيت واسع. وفي إستنبول، كان الموسيقيون اليهود يُشكِّلون ٥,٦% من إجمالي الحرفيين المسجلين لدى الجماعة اليهودية في المدينة عام ١٨٥٦. كما ضمت صفوف الموسيقيين والملحنين الأتراك البارزين يهوداً، خصوصاً في خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر.

стр. 3009

وفي أوربا، لعب الموسيقيون الشعبيون والمتجولون اليهود دوراً مماثلاً في نقل التراث الموسيقي الشعبي الأوربي إلى أعضاء الجماعات اليهودية خلال القرون الوسطى. واقتبست الجماعات اليهودية الإشكنازية كثيراً من ألحان ترانيمها ومزاميرها من الألحان الشعبية الأوربية. فلحن «ماوز تزور» هو الترنيمة الخاصة بعيد التدشين (حانوكاه) والذي أُخذ من لحنين شعبيين ألمانيين من القرن السادس عشر أحدهما لحن ديني لوثري، والآخر لحن أغنية للحرب. وترنيمة عيد الفصح «أدير هو» مأخوذة من لحن ألماني من القرن السابع عشر يُستخدَم أيضاً في الكنيسة المسيحية. كما أن اللحن الذي يصاحب دعاء كل النذور مقتبس من الألحان الدينية المسيحية من مدرسة دير سانت جول الغنائية بسويسرا (والتي تعود إلى القرن الحادي عشر) . كما نجد أيضاً أن لحن ترنيمة «يجدال» الذي اتخذته الحركة الصهيونية، ثم إسرائيل من بعدها، كنشيد قومي (نشيد الهاتيكفاه، أي الأمل) ، اقتُبس من الألحان الشعبية السلافية والبولندية. ورغم أن الجماعات السفاردية احتفظت ببعض الملامح الشرقية في موسيقاها الدينية، إلا أنها سرعان ما تطبعت بالتراث الموسيقي المحيط. واقتبس السفارد الكثير من الألحان الأوربية من بينها لحن مزمور «شيرا» الذي أُخذ عن لحن شعبي من القرن الخامس عشر يُسمَّى «لوم آراميه» . واستُخدم هذا اللحن نفسه في الموسيقى الخاصة بأكثر من ٣٠ قداساً مسيحياً. كما استخدم السفارد شكل الكانتاتا الغنائي للاحتفال ببعض الأعياد والمناسبات السعيدة.

стр. 3010

وخلال عصر النهضة، بدأ ظهور موسيقيين يهود في الغرب، خصوصاً في إيطاليا، حيث جسدت موسيقاهم التراث الموسيقي والأشكال الموسيقية السائدة في ذلك العصر، مثل المادريجال، وهي القصيدة الغزلية القصيرة. وقد دعا الحاخام جودا موسكاتا (المُتوفي عام ١٥٩٠) حاخام بلدة مانتوا الإيطالية إلى ضرورة دراسة علم الموسيقى كجزء من الدراسات اليهودية. كما زاد الاتجاه نحو تبنِّي عناصر الموسيقى الغربية، مثل تعدُّد الأصوات (البوليفوني) وتآلفها (الهارموني) ، في الغناء والإنشاد الديني اليهوديين. وتأسَّست جمعية موسيقية يهودية في مانتوا، وجرت محاولات لإدخال الآلات الموسيقية إلى المعبد، ولكن دون جدوى (بسبب معارضة الحاخامات) . وكان سالومون روسي (حوالي ١٥٦٥ ـ حوالي ١٦٣٠) من أبرز الموسيقيين اليهود في ذلك العصر، وكان أول من أدخل الغناء الكورالي الذي يعتمد على تعدُّد الأصوات إلى موسيقى المعبد اليهودي. كما كانت له مساهمات مهمة في مجال تطوير موسيقى الحجرة. أما الجماعات اليهودية الإشكنازية في شرق أوربا (يهود اليديشية) ، فتميَّزت موسيقاهم بطابعها الخاص، ويُقال إن جذورها تعود إلى يهود الخزر ويهود بيزنطة، وإن كان ذلك غير مؤكد. ولكن المؤكَّد أنها قد تأثرت بموسيقى المجتمعات السلافية المحيطة بهؤلاء اليهود سواء من حيث اللحن أو من ناحية الإيقاع. وقد انعكس تأثير الحركة الحسيدية التي بدأت تظهر في منتصف القرن الثامن عشر على الموسيقى الدينية. وقد احتلت الموسيقى لدى الحسيديين مكانة مهمة باعتبارها وسيلة اتصال بين الروح البشرية والإله، حيث لم يترددوا في اقتباس كثير من الألحان الشعبية السلافية لترانيمهم الدينية عملاً بالمقولة الحسيدية القائلة بضرورة «إنقاذ الألحان العلمانية من الشيطان» .

стр. 3011

كما ظهرت بين يهود اليديشية في القرن السادس عشر فئة من الموسيقيين المتجولين الذين يعزفون على الآلات الموسيقية، كانوا يطوفون المدن والقرى بآلاتهم الموسيقية لإحياء الأعياد والأفراح اليهودية وغير اليهودية. وقد أخذت ألحانهم الكثير من الألحان البولندية والمجرية والروسية والأوكرانية والرومانية والغجرية. وكانت لهم نقابات خاصة بهم. وحقَّق بعضهم شهرة واسعة بين اليهود وغير اليهود بفضل مهارتهم في العزف، كما نالوا إعجاب بعض كبار موسيقيي القرن التاسع عشر. ومع انعتاق الجماعات اليهودية في أوربا، خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وتزايد اندماجهم في مجتمعاتهم الأوربية، أصبح من الطبيعي احتكاك قطاعات أوسع من أعضاء الجماعات بالقيادات الموسيقية السائدة في عصرهم واكتسابهم واستيعابهم لغتها وأشكالها وأساليبها. وفي ظل هذا التطور، كان حدوث تغيُّرات في شكل وتقاليد الموسيقى الدينية للمعابد اليهودية حتمياً حتى بين الطوائف الأرثوذكسية التي كانت ترفض أي تغييرفي الطقوس الدينية، الأمر الذي أثار كثيراً من الجدل في حينها. فدخلت آلة الأرغن الموسيقية إلى المعبد اليهودي، وكانت المعابد الإصلاحية في ألمانيا أول من بادر بذلك، كما اتجهت إلى ترتيل الترانيم باللغة الألمانية واقتباس ألحان بعض الترانيم البروتستانتية الشهيرة. كما تم إدخال فرق الكورال التي تضم رجالاً ونساءً بشكل دائم في بعض المعابد. وقد استخدم كثير من المنشدين أسلوب الغناء الأوبرالي في الإنشاد، ولم يكن غريباً أن يجمع كثير منهم بين الإنشاد الديني في المعبد والغناء الأوبرالي خارجه. وكان ذلك يثير أحياناً اعتراض رجال الدين اليهودي، حيث تعرَّض أحد منشدي معبد لندن الكبير، وهو مايير ليوني (١٧٤٠ ـ ١٧٩٨) ، للطرد بعد أن أصر على الاشتراك في «أوبرا المسيح» لهاندل. وتَرَك كثير من المنشدين المعابد، وانخرطوا في الحياة الموسيقية العامة.

стр. 3012

وكانت فيينا، مهد كبار الموسيقيين أمثال هايدن وبيتهوفن وموزار وشوبرت، مركزاً مهماً من المراكز التي شهدت هذه التحولات. وكان من أبرز المجددين اليهود في ذلك العصر (١٨٠٤ ـ ١٨٩٠) الملحن الموسيقي وكبير منشدي الجماعة اليهودية في فيينا سولومون سولزر، الذي أدخل تعديلات مهمة على الأداء الموسيقي في المعبد اليهودي، خصوصاً موسيقى وفرق الكورال، واستعان بالخبرات الموسيقية لشوبرت وغيره من الملحنين غير اليهود في تلحين عمله الكبير «أغنية صهيون» . وقد تتلمذ على يدي سولزر كثير من منشدي الجماعات اليهودية في شرق أوربا الذين أثروا بدورهم في التقاليد الموسيقية للمعابد اليديشية. وشهد القرنان التاسع عشر والعشرون صعود عدد غير قليل من الملحنين الموسيقيين اليهود احتل بعضهم مكانة متميِّزة في التاريخ الموسيقي الغربي. ونظراً لأن التلحين الموسيقي ظل خاضعاً لفترات طويلة لرعاية الكنيسة المسيحية والنبلاء، لم يجد أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا مجال التلحين الموسيقي متاحاً أمامهم. ومع انعتاق اليهود، وتزايُد معدلات العلمنة والليبرالية في القرن الثامن عشر، وصعود الطبقات الوسطى، وانتشار الحفلات الموسيقية العامة، اتسعت فرص ومجالات التلحين الموسيقي أمام الموسيقيين اليهود.

стр. 3013

ويُعَدُّ فيلكس مندلسن (١٨٠٩ - ١٨٤٧) أول ملحن موسيقيّ بارز من أصل يهودي منذ عصر النهضة في الغرب، وجسَّدت مؤلفاته التراث الرومانسي السائد في عصره. وكان مندلسن، وهو حفيد موسى مندلسن مؤسِّس حركة التنوير اليهودية، يمثل طبقة أثرياء اليهود الذين اندمجوا تماماً في محيطهم الثقافي الألماني. وتُعتبَر أعمال الموسيقار الألماني جوستاف ماهلر (١٨٦٠ ـ ١٩١١) من تراث المرحلة الرومانسية المتأخرة. أما الموسيقار النمساوي المولد الأمريكي الجنسية أرنولد شونبرج (١٨٧٤ ـ ١٩٥١) ، فهو أحد الموسيقيين والملحنين البارزين في القرن العشرين، وهو الذي طوَّر نظاماً جديداً للتأليف الموسيقي (نظام الاثنتي عشرة نغمة) . وتُعتبَر مؤلفاته السريالية جزءاً من تراث مرحلة ما بعد الرومانسية. وقد اعتنق كلٌّ من مندلسون وجوستاف ماهلر وأرنولد شونبرج الدين المسيحي، لكن شونبرج عاد إلى اليهودية في أواخر حياته. وفي الولايات المتحدة، احتل الموسيقيون اليهود مكانة متميِّزة في مجال الموسيقى الشعبية الأمريكية، خصوصاً موسيقى المسرح الاستعراضي الغنائي (برودواي) والموسيقى التصويرية للأفلام، والموسيقى الخفيفة، وكانوا من العناصر الرائدة فيها. أما الموسيقيون اليهود الذين جاءوا إلى الولايات المتحدة قادمين من شرق أوربا حاملين معهم تراث الموسيقيين الشعبيين في هذه البلاد، فوجدوا فرصاً أوسع للعمل في المجال الموسيقي، خصوصاً في المجالات التي لا تزال تُعتبَر حديثة مثل المسرح الاستعراضي وموسيقى الأفلام والموسيقى الخفيفة. ومن أهم الموسيقيين الأمريكيين في هذا المجال، جورج جيرشوين (١٨٩٨ ـ ١٩٣٧) ، الذي لحن الكثير من موسيقى المسرح الاستعراضي الغنائي. ويُعَدُّ أهم أعماله «بورجي وبس» محاولة للجمع بين موسيقى الجاز والموسيقى الشعبية للزنوج في إطار أوبرالي.

стр. 3014

وتفوَّق أعضاء الجماعات اليهودية أكثر في مجال العزف، سواء من حيث عدد العازفين أو مستوى أدائهم. أما في مجال التأليف الموسيقيّ، فلم يكن الأمر كذلك رغم وجود عدد من الملحنين اليهود في القرن التاسع عشر والقرن العشرين. ويرجع السبب في ذلك إلى أن فرصة اقتحام مجال التلحين لم تُتَح لأعضاء الجماعات اليهودية بشكل واسع إلا منذ مائتي عام، في حين كان هناك رصيد من العازفين الشعبيين المهرة، وخصوصاً في شرق أوربا، والذين تميَّزوا في العزف على آلة الكمان. وبالفعل، حقَّق عازفو الكمان من اليهود، من أمثال يوسف يواقيم (١٨٣١ ـ ١٩٠٧) ، درجة رفيعة في العزف والأداء الموسيقيّ. وبعد أن اكتسبت آلة البيانو شعبية بين الطبقات المتوسطة الأوربية، انضم الموسيقيون اليهود إلى قائمة العازفين المتميِّزين على البيانو، ويعد أنطون روبنشتاين (١٨٢٩ ـ ١٨٩٤) من أعظم عازفي البيانو في القرن التاسع عشر. ومن أشهر عازفي الكمان في الوقت الحاضر يهودي مينوهين.

стр. 3015

وقد جرت محاولات، من جانب أعضاء الجماعات اليهودية ومن جانب المعادين لليهود، لتحديد ما يتصورونه سمات مميَّزة لمؤلفات وأعمال الموسيقيين اليهود. وقد كان الموسيقار ريتشارد فاجنر من أشهر من اتجهوا إلى مثل هذا الاتجاه، فكان ينسب إلى الموسقيين اليهود بعض السمات والخصائص الفنية السلبية والمدمرة. وفي مقاله «اليهود في الموسيقى» (عام ١٨٥٠) هاجم فاجنر بكل شدة فيلكس مندلسن وغيره من الموسيقيين اليهود بشكل عام. وتبنَّى النازيون آراء فاجنر الذي نال شعبية في عهدهم. وقد ذكر النازي ريتشار إيخيناو في الموسيقى والجنس أن الملحنين والموسيقيين اليهود يُشكِّلون عنصراً مدمراً لأنهم يمثلون الاتجاهات الراديكالية في الموسيقى. ومما يُذكَر أن أعمال فاجنر الموسيقية ممنوعة في إسرائيل. ومن جهة أخرى، حاول البعض وصف الأعمال الموسيقية للملحنين اليهود بأنها تمثل جمال «الفن العبري» وتتميَّز بالانفعالات العاطفية المتطرفة والمبالغة، كما تعبِّر عن أعماق الروح. وهذا الاتجاه، سواء الذي يبحث عن سمات مدمرة أو ذلك الذي يبحث عن سمات متميِّزة لأعمال الموسيقيين اليهود ليس ذا قيمة تفسيرية عالية. فإذا أمكننا وصف أعمال شونبرج بالراديكالية، فهذا لا ينطبق على غيره من الموسيقيين اليهود مثل ماهلر وغيره. وإذا كانت بعض الصفات السابق ذكرها يمكن أن تنطبق أيضاً على موسيقيين من غير اليهود مثل تشايكوفسكي وموسورسكي وفاجنر وبرامز، فإن معنى ذلك أنه ليست هناك أية سمات خاصة، تُميِّز أعمال الموسيقيين اليهود وتعزلها عن أعمال غيرهم من الموسيقيين. وكما تعدَّدت وتنوعت موسيقى أعضاء الجماعات اليهودية من تشكيل حضاري إلى آخر، تعدَّدت وتنوعت داخل كل تشكيل حضاري على حدة من مرحلة تاريخية إلى أخرى، ومن مدرسة موسيقية إلى أخرى. ولذا، فإننا نجد بين الموسيقيين اليهود (الكلاسيكيين والرومانسيين والراديكاليين والمحافظين) العاطفيين أو العقلانيين.
следующие страницы →