← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

ونحن نفرِّق بين وحدة المصير اليهودي وبين تشابك المصائر، إذ أن أحوال إحدى الجماعات اليهودية تؤثر أحياناً على جماعة يهودية أخرى، وذلك رغم وجودهما في مسارين تاريخيين مختلفين، وبرغم انتمائهما إلى حركيات تاريخية مختلفة. وعلى سبيل المثال، فإن حركيات التحديث المتعثر في شرق أوربا قذفت بملايين اليهود الفائضين إلى غربها، فاشتبك مصيرهم بمصير يهود هذه البلاد دون أن يتَّحد المصيران بالضرورة، وبذل يهود غرب أوربا أقصى جهدهم للتخلص من الوافدين الجدد. وظهرت، في هذا الإطار، الصهيونية الخارجية التوطينية التي يُطلَق عليها مصطلح «صهيونية الدياسبورا» ، وهي صهيونية لا تطلب من المؤمن بها الاستيطان، وإنما تطلب منه المساهمة في توطين الفائض البشري اليهودي الذي يهدِّد مكانته بالخطر. وقد أثر المشروع الاستيطاني الصهيوني، وهو مشروع إشكنازي غربي بالدرجة الأولى، في الجماعات اليهودية في العالم العربي، إذ أن مصيرهم اشتبك مع مصير المستوطنين الإشكناز، الأمر الذي اضطرهم إلى الخروج من بلادهم العربية وإلى استيطان أعداد منهم فلسطين. ومع هذا، ظل الوضع الاقتصادي المتدني والهوية الحضارية المستقلة داخل المُستوطَن الصهيوني، وهو ما يعني أن مصيرهم ليس متوحداً بعد مع مصير الإشكناز وإن كان الوضع قد بدأ في التغير في الآونة الأخيرة (وقد يصبحون جزءاً من المُستوطَن الصهيوني لهم نفس مصيره) . ومع هذا، فثمة عناصر تتفاعل داخل المُستوطَن الصهيوني وتوسِّع الهوة بين الإشكناز ويهود العالم الإسلامي، وتفرض على كلٍّ مصيراً مختلفاً. القدر اليهودي Jewish Fate عبارة مرادفة لعبارة» المصير اليهودي « الاستمرار اليهودي Jewish Continuity

стр. 3887

«الاستمرار اليهودي» نموذج تفسيري يفترض أن الجماعات اليهودية تكوِّن في العصر الحديث كلاًّ متجانساً عل مستوى العالم، وأن ثمة استمرارية تاريخية وثقافية (بل أحياناً عرْقية) تسم ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» ، ويُعَدُّ هذا النموذج عنصراً محورياً في الفكر الصهيوني. وانطلاقاً منه، يذهب الصهاينة إلى أن اليهود المحدَثين هم ورثة العبرانيين القدامى، وأن حكومة إسرائيل الحالية في فلسطين المحتلة ما هي إلا الكومنولث اليهودي الثالث. ويرى بعض الصهاينة أن الصهيونية هي تعبير عن هذه الاستمرارية فأصولها تمتد بعيداً إلى أيام الأنبياء الأوائل وأن الدعوة الى العودة شيء متصل منذ بداية التاريخ اليهودي إلى الآن من الأنبياء إلى هرتزل. وفكرة الاستمرار هذه فكرة حلولية ذات أصول إنجيلية، إذ أن الوجدان الغربي ينظر إلى أعضاء الجماعات اليهودية من خلال الكتب المقدَّسة، فيرى العبرانيين القدامى يدخلون كنعان، ثم يرى حكم القضاة فالملوك، فالسبي البابلي، فعودة عزرا ونحميا، وبعد ذلك ثورة الحشمونيين، ثم هدم الهيكل على يد تيتوس، وهو ما أدَّى إلى نفي اليهود. وهذا ما يعني أنهم في حالة انتظار، قابعون داخل تاريخهم المقدَّس الذي حلّ فيه الإله. وتُستأنَف الحلقة بعودة اليهود مرة أخرى إلى فلسطين. وبالتالى، فإن الاستيطان الصهيوني تعبير عن نمط متكرر ومستمر ومتوقع. كما أن دخول المستوطنين الصهاينة إلى فلسطين، وقيامهم بذبح الفلسطينيين، ليس إلا استمراراً وتكراراً لدخول العبرانيين إلى أرض كنعان وإبادتهم لأهلها.

стр. 3888

ويُعبِّر نموذج الاستمرار هذا عن نفسه فيما يمكن تسميته القياس التاريخي الزائف الذي يفترض أن الظواهر المحيطة بيهود اليوم تشبه في كثير من الوجوه الظواهر التي واجهها اليهود في ماضيهم السحيق. فنجد، مثلاً، أن حاييم وايزمان يطالب العرب في خطابه أمام المؤتمر الصهيوني العشرين (١٩٣٧) بالتفاوض مع اليهود مذكراً إياهم بأنه، في الفترات العظيمة من التاريخ العربي، تعاون الشعبان معاً في بغداد وقرطبة على حفظ كنوز الثقافة العربية. فالعرب في نظره ما زالوا كما كانوا، واليهود أيضاً لم يتغيروا، أما الظروف التاريخية المتغيرة فهي أمر ثانوي يحسن التغاضي عنه كلية. ومن أطرف الأمثلة على هذا الإيمان باستمرار إسرائيل، وعلى القياس التاريخي الزائف، ما صرح به أستاذ للتاريخ بالجامعة العبرية من أن جنود إسرائيل رأوا البحر الأحمر لأول مرة في يونيه عام ١٩٦٧ بعد غياب دام بضعة آلاف من السنين، أي بعد عبورهم إياه مع موسى حينما كان يطاردهم فرعون مصر! وقد كان من الشائع في الولايات المتحدة، بعد حرب ١٩٦٧ مباشرة، أن يحاول بعض الحاخامات تفسير أسفار العهد القديم، مبينين أن معارك يونيه ليست إلا تكراراً لمعارك حدثت من قبل. ويحاول بن جوريون تبرير عسكرة المجتمع الإسرائيلي باللجوء إلى أسطورة الاستمرار، فيقول: «إن جنود موسى ويوشع وداود لم يكفُّوا عن القتال ... وكذلك جنود صهيون [أي دولة إسرائيل] لن يتوقفوا عن القتال» . ويقوم بعض المعلقين العسكريين الإسرائيليين بعقد المقارنات بين فرسان داود وسليمان ودبابات الجيش الإسرائيلي، كما يقيمون الندوات لبحث أوجه الشبه والخلاف بين أساليبب جدعون وتكتيكات ديان. بل إن الصراع العربي الإسرائيلي بأسره ينظر إليه على أنه استمرار لصراع العبرانيين مع الفراعنة والآشوريين والبابليين والفينيقيين. ويتبدَّى نموذج الاستمرار اليهودي في فكرة النقاء العرقي والحضاري لليهود، لأن فكرة الاندماج والاختلاط بالآخرين

стр. 3889

تنسف فكرة الاستمرار من جذورها. وتذهب الرؤية الصهيونية في تفسير هذا الاستمرار اليهودي إلى أن الوجود اليهودي عبر التاريخ اتبع نمطاً واحداً، وعبَّر عن جوهر يهودي واحد، فهو أقرب إلى التكرار منه إلى الاستمرار ويأخذ شكلاً هندسيٍّا متسقاً يشبه إلى حدٍّ كبير الأساطير البدائية التي تصل إلى درجة عالية من الاتساق العضوي مع نفسها. وعلى أية حال، فإن هذا الاتساق يجعل الصهيونية نظاماً مغلقاً مكتفيًّا بذاته لا علاقة له بالواقع المتعيِّن الحي، وهي في هذا تشبه كثيراً من الأساطير الشمولية مثل الأسطورة النازية. ويجد الصهاينة نفس القدر من الاستمرارية في ظاهرة معاداة اليهود، إذ يرون أنها دائمة ما دام اليهود في المنفى. وكما هو الحال مع «البقاء اليهودي» وغيره من المفاهيم الصهيونية، نجد أن مفهوم الاستمرار اليهودي يعطي اليهودي حقوقاً مطلقة مستمرة لا تنقطع، ويسقط الحقوق القائمة للآخرين. فباسم هذا الاستمرار يدَّعي الصهاينة لأنفسهم شرعية احتلال فلسطين وطرد أهلها. فالدولة اليهودية، حسب رؤيتهم، هي وريثة الدويلات اليهودية التي قامت منذ آلاف السنين. الاستمرار اليهودي: منظور إسلامي Jewish Continuity: An Islamic Perspective من المفاهيم الصهيونية المحورية مفهوم الاستمرار اليهودي، ويُقصَد به أن ثمة استمرارية في الصفات الأساسية (الثقافية والدينية بل والعرْقية أحياناً) التي تسم أعضاء الجماعات اليهودية وتفصلهم عن غيرهم من الشعوب والجماعات. وانطلاقاً من هذه الاستمرارية يرى المؤمنون بها أن كلمة «يهودي» تشير إلى يهود العالم في الحاضر والماضي والمستقبل، وأن كلمة «يهودية» تشير إلى نظامهم العقدي، وكأن سمات اليهود الثقافية لم يطرأ عليها أي تَغيُّر جوهري، وكذلك موروثهم الديني. ونحن نرى أن مثل هذا التصور يتنافى تماماً مع الواقع التاريخي ومع الرؤية الإسلامية، ويمكن أن نسجل الملاحظات الآتية:

стр. 3890

١ ـ لا يملك الدارس المتأني إلا أن يُلاحظ وجود تَنوُّع هائل بين أعضاء الجماعات اليهودية على المستوى العرْقي، فهناك يهود بيض ويهود سود ويهود صفر، وتختلف أحجام الرأس باختلاف انتماء اليهودي، كما يظهر الاختلاف والتباين على المستوى الثقافي/الإثني (انظر الباب المعنون «إشكالية العزلة والخصوصية اليهودية» ) . ٢ ـ يُلاحَظ أن اليهودية ليست عقيدة متكاملة محددة المعالم بشكل معقول فهي أساساً تركيب جيولوجي تراكمي يحوي داخله طبقات عقيدية مختلفة ومتناقضة، بعضها يقترب من الشرك الصريح وبعضها يصل إلى التوحيد الكامل، وهذه الطبقات جميعاً جزء من اليهودية. وإن آمن اليهودي بطبقة دون أخرى، فهو مع هذا يظل يهودياً من منظور الشرع اليهودي. وفي عهد الهيكل الثاني، كان الصدوقيون الذين لا يؤمنون باليوم الآخر يجلسون في السنهدرين جنباً إلى جنب مع الفريسيين الذين يؤمنون بالبعث واليوم الآخر. وإلى جانب هؤلاء توجد بعض كتب الأنبياء في العهد القديم التي تقترب من التوحيد الخالص، بل تصل إليه أحياناً. وقد جاء في القرآن الكريم «قالت اليهود عزير ابن الله» (التوبة: ٣٠) وبالفعل، هناك من اليهود من يستخدم مفهوم ابن الله باعتباره مفهوماً محورياً (انظر: «ابن الله» ) ، ولكن هناك من يُهمِّش هذا المفهوم بل يرفضه تماماً، ويصر على قدر عال من التوحيد. وهناك العشرات من اليهود في العصور الوسطى في الغرب ممن تقدموا إلى النار التي أُضرمت لإرغامهم على الرجوع عن التوحيد ولاقوا حتفهم وهم يرددون أن الإله واحد.

стр. 3891

وقد جمع حاخامات اليهود تفسيراتهم للعهد القديم في التلمود الذي يُسمَّى أيضاً «الشريعة الشفوية» ، وجعلوا الإيمان بهذه الشريعة الشفوية أساساً للعقيدة اليهودية يفوق في الأهمية الإيمان بالتوراة (الشريعة المكتوبة) . والتلمود يحوي آراء أقل ما تُوصَف به أنها تُناقض أية رؤية توحيدية. وقد ازداد الأمر سوءاً بظهور تراث القبَّالاه التي وصفها بعض الحاخامات بأنها شرك صريح. وكان هناك إلى جوار هذا كله أشكال من اليهودية غير الحاخامية مثل يهودية الفلاشاه في إثيوبيا ويهودية بني إسرائيل في الهند. وازدادت المسألة ارتباكاً في العصر الحديث مع ظهور اليهودية الإصلاحية واليهودية التجديدية واليهودية المحافظة، وهي صيغ مخفَّفة من اليهودية بعضها لا يؤمن أتباعه بأن التوراة مُوحىً بها، وبعضها لا يؤمن بالبعث، وهكذا. ثم ظهر لاهوت موت الإله الذي ينطلق من فكرة أن الإله مات مع الإبادة النازية (ليهود الغرب) ، وأن الدولة اليهودية حلت محل الإله! ثم ظهر أخيراً اليهود الملحدون والإثنيون الذين يرون أن يهوديتهم تكمن في خواص عرْقية أو إثنية أو حتى نفسية لا علاقة لها بالدين.

стр. 3892

٣ ـ كل هؤلاء يعتبرون أنفسهم «يهوداً» وهذا أمر يحدث في كثير من العقائد حين يرفض شخص ما معيارية عقيدة ما ويرفض الاحتكام لها (مثل الإيمان بالإله في الإسلام والمسيحية واليهودية) ومع هذا يستمر في ادعاء الانتماء لها. ويُلاحَظ أن المسيحية والإسلام لا يمكن أن يقبلا مثل هذا الشخص في حظيرة الدين. فرغم وجود قدر من الاختلاف والتنوع وعدم التجانس يسمح به النسق الديني الإسلامي والمسيحي إلا أن ثمة معيارية نهائية لابد من قبولها. هذا على عكس اليهودية التي تفتقر إلى مثل هذه المعيارية، فلم تتبن تعريفاً عقيدياً وحسب (اليهودي هو من يؤمن باليهودية) ، ولكنها تبنت أيضاً تعريفاً بيولوجياً مادياً (اليهودي هو من وُلد لأم يهودية) ، وفي الآونة الأخيرة تبنت تعريفاً نفسياً (اليهودي هو من يشعر بذلك في قرارة نفسه، ومن قَبل أن يربط مصيره بمصير الشعب اليهودي) ، وهذه تعريفات تُسقط المعيارية وتفتح الباب على مصراعيه لكل من يريد أن يُسمِّي نفسه يهودياً. فالتعريفان الثاني والثالث لا علاقة لهما بأية معيارية عقيدية. ولذا يمكن الحديث عن «يهودي ملحد» ، أي يهودي لا يؤمن بالإله، ولكن لا يمكن أن نتحدث عن «مسلم ملحد» أو عن «مسيحي ملحد» . انطلاقاً من كل هذا سنطرح مجموعة من الإشكاليات وسنجتهد في الإجابة عليها لنبيِّن استحالة افتراض الاستمرار اليهودي (الثقافي أو البيولوجي) من منظور إسلامي: ١ ـ إشكالية المجال الزمني لمصطلح «يهودي» (هل يشير إلى كل يهود العالم في كل زمان ومكان، في الماضي والحاضر والمستقبل، أو إلى يهود المدينة أيام البعثة المحمدية وحسب؟) :

стр. 3893

لفظ «يهودي» في اللغة من «هاد» أي «تاب ورجع إلى الحق» و «التَهوُّد» هو «التوبة والعمل الصالح» . ويُقال أيضاً «هاد» و «تهود» أي «صار يهودياً» بمعنى أنه يؤمن بالعقيدة اليهودية. ولكن كلمة «يهودي» ليست الكلمة الوحيدة التي تدل على اليهود في القرآن، فقد وردت عدة مصطلحات أخرى: بني إسرائيل [٤١ مرةٍ] ، واليهود [٨ مرات] ، وهود [٣ مرات] ، والذين هادوا [٩ مرات] ، وأوتو الكتاب [١٢ مرة] ، وأهل الكتاب [٣١ مرة] . ومن الواضح أن القرآن الكريم لا يفترض وجود استمرارية بين يهود العالم، ولذا وردت هذه المصطلحات غير المترادفة ليعبِّر كل مصطلح عن وضع زماني ومكاني مختلف. فالقرآن يُفرِّق تفرقة واضحة بين اليهود الذين عاشوا في الجزيرة العربية وتعامل المسلمون معهم في فترة البعثة المحمدية من جهة وبين بني إسرائيل من جهة أخرى. فمصطلح «بني إسرائيل» جاء مخصصاً للحديث عن يهود عصر موسى وعيسى وأنبياء بني إسرائيل، ولم يُستخدَم هذا اللفظ تخصيصاً ليهود عصر البعثة المحمدية إلا في موضعين (من المواضع الإحدى والأربعين) وهما: ـ «سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة» (سورة البقرة ـ ٢١١ ( ـ «إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون» (سورة النمل ـ ٧٦ (. وواضح أن في هذين الموضعين إحالة إلى موروثات قديمة يمكن أن يتناقلها اليهود، أياً كانت أصولهم العرْقية، عن بني إسرائيل، أي يهود عصر موسى، الأمر الذي يفتح الباب لإمكانية توجيه الخطاب العام (اليهودي) بصفة الخاص (بنو إسرائيل) الذي هو مسئول مسئولية مباشرة عن هذه الموروثات.

стр. 3894

وهذا التمييز مفهوم تماماً في إطار الواقع التاريخي. فيهود المدينة والجزيرة العربية كانوا يؤمنون بصياغة دينية يُقال إنها شبه توحيدية، فهم في أغلب الظن لم يكونوا يعرفون التلمود حتى مع احتمال أن يكون قد تم جمعه آنذاك. (ومع هذا، تجب الإشارة إلى أن الفكر السبئي [نسبة إلى عبد الله بن سبأ] يدل على تَصاعُد العنصر الحلولي في اليهودية) . وقد كان يهود الجزيرة العربية منعزلين عن يهود العالم، وعن مراكز الدراسة التلمودية والفقهية في فلسطين وبابل، بل ويُقال إن يهود العالم آنذاك لم يكونوا يعتبرونهم يهوداً. ومن هنا تكون التفرقة بين يهود عصر موسى ويهود المدينة، ومن هنا تكون ضرورة افتراض عدم وجود استمرار يهودي، فلابد من التفرقة بين يهود الماضي من جهة ويهود العالم الحديث في أيامنا هذه من جهة أخرى، فالمجالان الدلاليان لكلمتي «يهودي» و «بني إسرائيل» كما وردتا في القرآن محددان ولا ينطبقان بالضرورة على يهود العصر الحديث.

стр. 3895

وربما كان من المفروض أن تُولَد داخل المعجم العربي الإسلامي، من البداية، مجموعة ألفاظ للإشارة إلى المدلولات المختلفة: «بنو إسرائيل» ، و «اليهود بالمعنى القرآني» ، و «اليهود عبر التاريخ» ، و «اليهود في العصر الحديث» ، وهكذا. وقد حاولنا من جانبنا أن نولّد مبدئياً مجموعة من المصطلحات مثل: «العبرانيون» للإشارة إلى اليهود القدامى كجماعة عرْقية، و «جماعة إسرائيل» للإشارة إليهم كجماعة دينية، و «الجماعات اليهودية» للإشارة إلى الجماعات البشرية ممن اتُفق عرفاً أنهم يهود، وهو حل مؤقت للمشكلة إلى حين بحثها فقهياً ولغوياً. ولعل الفقهاء لم يتوجهوا لهذه المشكلة بالحماس المطلوب، لأن اليهود لم يكونوا يمثلون إشكالية خاصة أو مستقلة داخل التشكيل الحضاري الإسلامي نظراً لعدم أهميتهم وبسبب استقرار وضعهم داخل الحضارة الإسلامية بعد استقرار مفهوم أهل الذمة. أما في القرن العشرين، بعد تَركُّز غالبية يهود العالم داخل الحضارة الغربية العلمانية أو في الدولة الصهيونية، فإن الوضع جدُّ مختلف ويتطلب فتح باب الاجتهاد والنظر في هذه المسألة. ٢ ـ التناقض بين تعريف العقيدة اليهودية لليهودي والتعريف الإسلامي له: كلمة «يهود» في الإسلام تعني «أتباع الكتاب الذي جاء به موسى ﵇» . ورغم أنهم قاموا بتحريفه أو أصروا على اتباع المحرَّف منه إلا أن ثمة مبادئ أساسية وردت فيه لم يتم تحريفها من بينها الإيمان بالله واليوم الآخر.

стр. 3896

هذا التعريف الإسلامي لو طُبِّق على يهود العالم الحديث لتم استبعاد ما يزيد عن ٩٠% منهم، أو إذا توخينا الدقة لقلنا لاستُبعد ٥٠% منهم (الملحدون واللاأدريون) ولتَعَذَر تَقبُّل ٤٠% (الإصلاحيون والمحافظون والتجديديون) كيهود، ولربما قُبل الـ ١٠% الأرثوذكس (فقط) كيهود. وحتى هذا أمر خلافي بسبب تَزايُد النزعة الحلولية التي هيمنت على اليهودية الحاخامية. والمسلم لا يمكنه إلا أن يستبعد أولئك الذين لا ينطبق عليهم التعريف الإسلامي لليهودي، حتى لو سموا أنفسهم «يهوداً» ، وحتى لو قبلتهم الشريعة اليهودية كيهود. وقد تنبه الشهرستاني (صاحب الملل والنحل) إلى ظاهرة مماثلة إذ أشار إلى أن الجماعة التي تُسمَّى «الصابئة» في العراق ليسوا هم في حقيقة الأمر بالصابئة الذين يشير إليهم القرآن، فهؤلاء جماعة غنوصية تُدعَى «المندائية» اتخذت الاسم بغية أن يُعامَلوا معاملة أهل الكتاب، أي أن كلمة «صابئة» (كما عرَّفها القرآن) لا تنطبق في واقع الأمر على هؤلاء الذين يُسمون أنفسهم «صابئة» . ٣ ـ التناقض بين مفهوم الاستمرار اليهودي ومفهوم الفطرة في الإسلام:

стр. 3897

افتراض الاستمرار اليهودي، البيولوجي والثقافي، يتناقض مع إحدى القيم الحاكمة الكبرى في الإسلام، ونقصد به مفهوم الفطرة. فالإنسان ـ حسب التصور الإسلامي ـ يُولَد على الفطرة، وإن كان ثمة صفة وراثية فهي الفطرة الإنسانية والاستعداد لعمل الخير، وهو مفهوم يضع على الفرد عبء المسئولية الخلقية ويطرح إمكانية التوبة الدائمة (من جانب المخلوق) وإمكانية المغفرة (إن شاء الخالق) . ومن ثم فإن فكرة الاستمرار اليهودي تُشكّل سقوطاً في المنطق العنصري العلماني الشامل الذي يرى الإنسان محكوماً بموروثه البيولوجي أو الاقتصادي أو العرْقي أو مجموعة من الحتميات المادية الأخرى. ومن الواضح أن النص القرآني حذَّر من ذلك ففرَّق بين اليهود عموماً من ناحية وبين الصالحين والطالحين منهم من ناحية أخرى، وحكم على كل فريق منهم بما يستحقه من خير أو شر، مُلتزماً في ذلك طريقة العدالة والصدق. والإنسان المسلم مُلزَم أولاً وأخيراً بالتعامل مع اليهود والمسيحيين من خلال مفهوم أهل الذمة الذي حدد حقوقهم وواجباتهم وأكد المساواة الكاملة والمطلقة بينهم وبين المسلمين، ولم يطرح تصوراً لوجود استمرار بيولوجي أو ثقافي بينهم. ٤ ـ الفوائد العملية لافتراض الاستمرار اليهودي: رغم وضوح الموقف الإسلامي من فكرة الاستمرار اليهودي، هناك من يرى قيمة تعبوية عملية في التأكيد على النزوع اليهودي الأزلي والحتمي والطبيعي، في كل زمان ومكان، نحو الشر (وهو أمر مخالف لتعاليم الإسلام ـ كما أسلفنا) . ومثل هؤلاء يرون أن أية عملية للتفرقة بين اليهود والصهاينة وبين اليهودية والصهيونية وبين يهود الماضي ويهود الحاضر هي عملية أكاديمية تضيع الوقت ولا جدوى من ورائها، وأن من الأفضل أن يتم التعامل مع الأمور على إطلاقها.

стр. 3898

وابتداءً، فإن هذا الموقف العملي المادي يتنافى مع القيم الأخلاقية المطلقة (المُرسَلة من الله) . فالإنسان المؤمن يرفض التنازل عن قيمه بسبب نفع مادي. ولكن حتى على المستوى العملي، نجد أن تَبَنِّي هذا المنطق خطر لأقصى درجة للأسباب التالية: أ) افتراض وحدة اليهود سيقلل مقدرتنا على رصد الظواهر اليهودية والصهيونية إذ سنكتفي برصد العموميات دون رصد المنحنى الخاص للظواهر، وسنبحث عن الدلائل والقرائن التي تدعم وجهة نظرنا دون النظر إلى خصوصيات الظواهر. ب) عادةً ما يذهب دعاة الاستمرار اليهودي إلى أن اليهود مسئولون عن الشرور كافة، الأمر الذي ينسب لهم قوى شيطانية خارقة تُولِّد الرعب في قلب المجاهد حتى قبل دخول الحرب. جـ) ينسب دعاة الاستمرار اليهودي أولوية سببية لليهود ويجعلهم المتحكمين في شئون العالم بأسره الأمر الذي يقلب الأولويات تماماً، وخصوصاً في زمن النظام العالمي الجديد. فالدولة الصهيونية، في واقع الأمر، إن هي إلا أداة في يد الاستعمار الأمريكي على وجه الخصوص، والغربي على وجه العموم، وهذا هو العدو الحقيقي الذي يحاول أن يفرض منظومته على العالم فيُحوِّله إلى سوق ومصنع، والدولة الصهيونية هي الوسيلة والجزء وليست الغاية والكل. د) مثل هذا المنطق الذي يرى مجموعة بشرية غير متجانسة كتلة بيولوجية واحدة يُكرِّس رؤية علمانية عنصرية تُقوض دعائم القيم الأخلاقية وضرورة الحكم الأخلاقي الفردي على الآخر. وفي منطقة مثل منطقتنا العربية الإسلامية، حيث تُوجَد أقليات عديدة (دينية وإثنية ولغوية) عاشت عبر مئات السنين داخل الفسيفساء الإسلامية الثرية، نجد أن مثل هذا المنطق يؤدي إلى تَفجُّرات عرْقية وإثنية ودينية وربما أدَّى إلى تآكُل العقد الاجتماعي الإسلامي.

стр. 3899

هـ) رؤية اليهود باعتبارهم كلاً لا يتجزأ تَصوُّر صهيوني يرى أن من الصعب تفتيتهم، ويرى أن من الصعب على العناصر اليهودية الرافضة للصهيونية (وللحلولية الوثنية) أن تنشط وتظهر وتعبِّر عن نفسها. ومثل هذا الطرح يتجاهل الحقيقة التاريخية، وهي أن الصهيونية حركة إلحادية معادية لليهودية وتطرح نفسها بديلاً لها. ولذلك، فإن الطرح المجرد والتعميمي، وقبول الأمور على إطلاقها، سيجعل الاستفادة من هذه التناقضات الداخلية أمراً صعباً، وسيؤدي إلى القضاء على العناصر الرافضة. و) يُلاحَظ أن كثيراً من الحركات العلمانية الإلحادية في أوربا، في القرن الثامن عشر، كانت تخشى الهجوم على المسيحية ومؤسساتها نظراً لوجود قطاعات كبيرة في المجتمع الغربي كانت لا تزال تؤمن بالمسيحية. ولذا، بدلاً من الهجوم المباشر على المسيحية، كان يتم الهجوم على اليهود واليهودية. وكان بعض دعاة الخطاب الإلحادي يلمحون إلى أن اليهودية نموذج لأي دين وأي نظام عقيدي يستند إلى الغيب، وأصبح الهجوم على اليهود واليهودية أكبر دعاية إلحادية. ولم تتنبه الكنيسة لهذه الشفرة إلا في وقت متأخر. والهجوم على اليهود (والنصارى) يحمل حتماً تضمينات إلحادية، فهو هجوم غير واع على النموذج الإيماني ككل، طالما تضمن هجوماً على الوحي/الغيب. ز) إذا كان الهدف هو شحذ الهمم للجهاد، فلابد أن يتم هذا من منطلقات إسلامية وبديباجات إسلامية، إذ أن تَقبُّل أطروحات الآخر وديباجاته (كل اليهود صهاينة ـ كل اليهود سواء ـ اليهودي هو من وُلد لأم يهودية) هو سقوط في منطقه وفقدان للهوية. والإسلام يدعو إلى الجهاد ضد أعدائه، وضد من يسلبون حقوق المسلمين دون السقوط في أية عنصرية «وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين» (البقرة: ١٩٠) . ويقول تعالى «أُذنَ للذين يقاتلون بأنهم ُظلموا وإن الله على نصرهم لقدير» (الحج: ٩٣) . ٥ ـ اليهودية كنموذج عام:

стр. 3900

رغم ارتباط دال «يهودي» بأزمنة وأمكنة محدَّدة، ورغم أن دال «يهودية» يُشير إلى مجموعة من العقائد إلا أن بالإمكان القول بأن إحدى استخدامات كلمة «يهودي» في القرآن لها مجال دلالي عالمي متحرر من الزمان والمكان. واليهودي حسب هذا التعريف هو الشخص الذي تتوفر فيه مجموعة من السمات (بغض النظر عن انتمائه العقيدي) . ويمكن هنا مقارنة استخدام الدال «يهودي» باستخدام الدال «فرعون» فهو دال يشير إلى شخص بعينه وإلى واقعة تاريخية محددة ومع هذا لم يُقصَر أمر استخدامه على هذا الشخص أو هذه الواقعة. كما لم يربط أيٍّ من المفسرين الدال «فرعون» بحكام مصر المحدثين (إلا من قبيل المجاز) . ويبدو أن دوال مثل «مصري» أو «فرعون» دوال تشير إلى وقائع تاريخية محددة وإلى سمات وأنماط بشرية متكررة تنفصل عن سياقها التاريخي لتصبح ذات مدلول أخلاقي عام يصلح لكل زمان ومكان. وإن أخذنا بهذا الرأي فيمكن القول بأن اليهودي كنموذج واليهودية كنموذج يتسمان بالسمات الأساسية للجماعات والعقائد الحلولية الكمونية ويتضح هذا في عدة جوانب: أ) يرى القرآن أن اليهود يصبغون دينهم بصبغة مادية، ويتضح هذا في ميلهم الشديد نحو التجسيد. «وإذ قُلتُم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرةً» (البقرة: ٢٥٥) . ويتضح هذا الاتجاه في اتخاذهم العجل إلهاً. والميل نحو التجسيد الذي يتحوَّل إلى عبادة للأوثان هو سمة أساسية في العقائد الحلولية. ب) تتضح الحلولية والنزوع نحو المادية والتجسيد في الفهم اليهودي للنصوص المقدَّسة فهو فهم يتسم بالظاهرية والحرفية، ولذا فقد فهموا دعوة القرآن للإنفاق في سبيل الله باعتباره قرضاً لله، إذ قالوا «إن الله فقير ونحن أغنياء» (آل عمران: ١٨١) .

стр. 3901

جـ) حينما يصبح الإنسان موضع الحلول في المنظومات الحلولية فإنه يتأله فينسب لنفسه الخلود. وقد وصف القرآن اليهود بأنهم أحرص الناس على الحياة وبأنهم يكرهون الموت ويخافونه ولا يتمنونه أبداً. (وهو ما يتناقض مع قولهم بأنهم أولياء الله وأنهم أبناء الله وأحباؤه) ، وهم لهذا لا يقاتلون غيرهم إلا في قرى محصنة أو من وراء جُدُر. وحكى القرآن عنهم أنهم طالبوا أنبياءهم بالقتال في سبيل الله بعد إخراجهم من مصر فلما كُتب عليهم القتال تولوا، بل وعندما دعاهم موسى ﵇ للقتال ودخول الأرض المقدَّسة قالوا لموسى ﵇ اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون. د) تعبِّر المنظومة الحلولية عن نفسها في موقفين متناقضين الأول زيادة الحدود والطقوس والاهتمام الشديد بالتفاصيل، والثاني إلغاء الحدود والطقوس تماماً. ويظهر هذا في الوصف القرآني لليهود إذ يصفهم بالتشدد فقد قست قلوبهم حتى أصبحت أشد قسوة من الحجارة وهو ما جعلهم يتعنتون مع الأنبياء فرفضوا أن يؤمنوا بنبي ما لم يأتهم بقربان تأكله النار (آل عمران: ١٨٣) ، وأكثروا من السؤال عن المحرمات بشكل أدى إلى تضييقهم على أنفسهم. فقد أحل الله لهم كل الطعام إلا ما حرَّم إسرائيل على نفسه فتشددوا جدالاً وسؤالاً حتى حرَّم عليهم كل ذي ظفر ومن الغنم والبقر الشحوم إلا ما حملت ظهورها أو الحوايا (الأنعام: ١٤٦) ، وهو تشريع يؤكد إغراقهم في التفاصيل ويُبيِّن إلى أي حد أكثر اليهود من السؤال والاختلاف حتى حرَّم الله عليهم بعض ما أحل لهم عقاباً لهم. وفي خروجهم من مصر تشددوا مع موسى ﵇ في مطالبهم فطلبوا منه أن يدعوا الله أن يخرج لهم نباتاً مختلفاً لأنهم لا يصبرون على طعام واحد (البقرة: ٢٦١) ، وتعكس قصة البقرة التي رواها القرآن إلى أي حد عذبوا أنفسهم وضيقوا على أنفسهم بالسؤال مرات عديدة عن صفة البقرة وعندما ذبحوها أطاعوا الله بعد مشقة (البقرة: ٦٧ ـ ٧١)

стр. 3902

هـ) أما الجانب الآخر للحلولية وهو إلغاء الحدود تماماً فيتضح في أن اليهود يحوّلون أنفسهم إلى مرجعية ذاتهم فهم يبحثون عن دين يجعلهم شعباً مختاراً. وبدلاً من طاعة الإله يطوعونه، ولذا فهم يستخدمون الدين استخداماً نفعياً. فلم يؤمن بنو إسرائيل لرسول ما لم يأت بما تهوى أنفسهم «أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون» (البقرة: ٨٧) . ونقضهم ينبع من عملية تَوثُّن الذات هذه فقد وصف القرآن اليهود في غير موضع بنقض العهود ( «وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور ... ثم توليتم من بعد ذلك» [البقرة: ٦٣ـ ٦٤]ـ «وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله ... ثم توليتم إلا قليلاً» [البقرة: ٨٣] و «أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون» [البقرة: ١٠٠] ) . فقد نبذوا عهود الله وعهود الأنبياء وعهود الناس، وإن كان الوصف القرآني الدقيق ينسب نبذ العهد إلى فريق وعدم الإيمان إلى الأكثرية لا إلى كل اليهود. و) وتتضح الحلولية وتحطيم الحدود في أن العقيدة اليهودية، كما يصفها القرآن، ليست لها معيارية ثابتة وإنما تتداخل مع العقائد الأخرى. ولذا فاليهود يتأثرون بعقائد وثقافات الأمم التي يعيشون بينها أو يحتكون بها " قالوا يا موسى إجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة " (الأعراف: ١٣٨) وهذا ما نعبِّر عنه بعبارة «اليهودية كتركيب جيولوجي تراكمي» .

стр. 3903

إن وصف القرآن لليهود وللعقيدة اليهودية هو في واقع الأمر وصف لأتباع أية عقيدة حلولية. وقد لاحظ كثير من المفسرين تشابه وصف اليهود في القرآن مع بعض سمات الإنسان العلماني الشامل الحديث الذي يتوثن ويتأله ويصبح هو ذاته مرجعية ذاته، ويعيش في عالم الحواس الخمس يرفض تَجاوُزه. فكأن كلمة «يهودي» هنا تصف الإنسان الحلولي الكموني الذي يتصف بهذه الصفات، يهودياً كان أم مسيحياً أم مسلماً أم ملحداً. ولعل هذا التماثل هو الذي يجعل البعض يتصور أن اليهود مسئولون عن الشرور كافة، وما فاتهم أن وصف اليهودية في القرآن هو وصف لعقيدة حلولية وأن وصف اليهود هو وصف لأتباع عقيدة حلولية، وأن هذا الوصف لا ينطبق على اليهود ممن يدورون في إطار الحلولية وإنما ينطبق كذلك على كل أتباع العقائد الحلولية المختلفة، سواء كانوا من أتباع عقيدة الشنتو اليابانية، أو الفلسفة النيتشوية الألمانية، أو العلمانية الشاملة. البقاء اليهودي Jewish Survival «البقاء اليهودي» عبارة تتواتر في التواريخ المتأثرة بالرؤية الصهيونية، بل نجدها دائماً مقرونة بكلمة «معجزة» . ومصطلح «البقاء اليهودي» مرتبط بمصطلحات صهيونية أخرى مثل «الاستمرار اليهودي» و «الشعب اليهودي» و «التاريخ اليهودي» و «الشخصية اليهودية» ، وهي جميعاً تنبع من نموذج تفسيري واحد يفترض وجود جماعة متجانسة يُقال لها «اليهود» احتفظت بهويتها المستقلة، رغم انتقالها من مكان إلى آخر، ورغم تواجدها في أزمنة مختلفة. وعادةً ما يُقارَن هذا البقاء اليهودي باختفاء بعض الشعوب الأخرى مثل اختفاء الآراميين والبابليين، وحدوث بعض الشعوب الأخرى مثل العرب.

стр. 3904

وهذا المفهوم، مثل غيره من المفاهيم الصهيونية، يفترض نوعاً من الاستمرار والوحدة والتجانس لا وجود له لا على مستوى النسق الديني أو على مستوى الجماعات اليهودية. فبقاء اليهود لم يكن مطلقاً، فمن الوقائع الأساسية في التاريخ العبراني واقعة تهجير القبائل العبرانية العشر من سكان المملكة الشمالية إلى آشور، ثم لم يُسمَع بهم بعد ذلك، ولا يزال البحث عنهم جارياً. وقد أصدر حاخام السفارد الأكبر فتوى بأن الفلاشاه من قبيلة دان (إحدى هذه القبائل) .والقول نفسه ينطبق على يهود الخزر الذين لا نعرف شيئاً عن مصيرهم إلا إذا كانت بقاياهم قد اتجهت إلى المجر ومنها إلى بولندا واستقرت هناك. كما أن نسبة كبيرة من اليهود تختفي من خلال الاندماج. ولذا، فرغم أن عدد اليهود في القرن الأول الميلادي كان يصل (حسب بعض الإحصاءات) إلى ما يقرب من سبعة ملايين، فإن عددهم في القرن السابع الميلادي لم يتجاوز المليون. ويمكننا أن ننظر إلى بعض آليات بقاء بعض الجماعات اليهودية، فيُلاحَظ مثلاً أنه بعد القضاء على المملكة الشمالية قُيِّض للمملكة الجنوبية البقاء بسبب انضوائها في كنف الإمبراطورية الآشورية ثم البابلية، وهو أمر مُتوقَّع إذ كيف تستطيع دولة صغيرة أن تضمن لنفسها البقاء إلا بهذه الطريقة؟ هذا أمر يذكره ديَّان في كتاباته، كما يدركه كل المفكرين والساسة الصهاينة الذين يُصرِّون على عقد تحالف مع دولة عظمى لحماية الكيان الصهيوني، والذين لا يقومون بأية عملية عسكرية إلا بعد الحصول على غطاء من دولة عظمى. وقد انتهى الوجود العبراني حينما وقفت المملكة الجنوبية في وجه القوة البابلية العظمى. والبقاء إشكالية أساسية في كتب الأنبياء، ولذا فإنهم يحاولون دائماً العثور على إستراتيجية ما لتحقيقه مع الاحتفاظ بهوية دينية توحيدية.

стр. 3905

ومع اختفاء دويلة يهودا الجنوبية، اختفى الوجود العبراني. فالعائدون من بابل كانوا قد نسوا العبرية ـ المصدر الأساسي لهويتهم الدينية ـ كما كانوا قد تأثروا تأثراً عميقاً بالتراث الديني في بابل. وبعودتهم تبدأ الجماعة اليهودية مرحلة جديدة في تاريخها، إذ يتحقق بقاؤها لا بسبب استقلالها وإنما نتيجة خضوعها لقوى عظمى أخرى مثل القوة الفارسية ومن بعدها القوة اليونانية. كما يتحقق هذا البقاء لا بسبب تمسُّك الجماعة اليهودية بهويتها، وإنما نتيجة تَغيُّر هذه الهوية من هوية ذات طابع ديني قومي تعبِّر عن نفسها من خلال الدولة إلى هوية دينية إثنية تعبِّر عن نفسها من خلال مؤسسات مختلفة خاضعة للقوة الإمبراطورية، مثل الكاهن الأعظم والسنهدرين وأمير اليهود (بطريرك) . وحينما اصطدمت الجماهير اليهودية تحت قيادة الغيورين بالقوة الرومانية، تم القضاء على فلسطين باعتبارها مركزاً لليهود واليهودية. ومع هذا، لم يتم القضاء على اليهود بوصفهم قوماً (إثنوس) ، لا بسبب معجزة البقاء ولكن لأن القضاء على اليهود لم يكن أحد أهداف الرومان الذين كانوا يعتبرون اليهود أصدقاء لهم، بدليل أن تيتوس كان يحارب إلى جانبه جيش يهودي بقيادة أجريبا الثاني. وقد حققت اليهودية البقاء لأن الرومان سمحوا ليوحنان بن زكاي بأن يؤسس مدرسة يفنة التي تم تطوير أسس اليهودية الحاخامية فيها.

стр. 3906

وقد ضمن أعضاء الجماعة اليهودية بقاءهم داخل التشكيلين الحضاريين الإسلامي والمسيحي لاضطلاعهم بدور الجماعة الوظيفية الوسيطة، وهو دور يتطلب عزلة أعضاء هذه الجماعة وبقاءهم بشخصيتهم المستقلة، وذلك حتى يمكنهم القيام بوظيفتهم هذه على أكمل وجه تحت حماية الطبقات الحاكمة التي تستخدمهم كأداة. وهناك أمثلة كثيرة على أقليات دينية إثنية أخرى تمتعت بما يُسمَّى «معجزة البقاء» هذه عبر عدة قرون، دون أن تنصهر في محيطها الثقافي، وذلك لقيامها بنشاط اقتصادي واجتماعي محدَّد كما تفعل الجماعات الصينية في جنوب شرقي آسيا. ومما ساعد على بقاء اليهود أن قوى المركزية وكذلك التوحيد الإداري لم تكن قوية لا في العالم المسيحي الغربي ولا في العالم الإسلامي، كما هو الحال في معظم المجتمعات التقليدية، الأمر الذي خلق المجال لوجود جيوب إثنية ولبقائها واستمرارها. كما أن العقائد الدينية السائدة في المجتمعات المسيحية سمحت ببقاء اليهود، بوصفهم الشعب الشاهد الذي يقف شاهداً على عظمة الكنيسة وصدق العقيدة المسيحية. ولذا، كانت الكنيسة الكاثوليكية تحمي بقاءهم وتدافع عنهم. أما في المجتمعات الإسلامية فقد صُنِّف اليهود باعتبارهم من أهل الكتاب في الإسلام، حيث حُدِّدت حقوقهم وواجباتهم منذ البداية، وأصبح من واجب الدولة الإسلامية حمايتهم. وقد حقق أعضاء الجماعات في العصر الحديث بقاءهم بالطريقة نفسها تقريباً، إذ أحرزوا البقاء بأن أصبحوا جزءاً من التشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي. ويحقق يهود جنوب أفريقيا بقاءهم بالعيش في سلام في كنف الجيب السكاني الأبيض، ولن يزولوا أبداً إلا بزواله. كما أن أعداداً كبيرة منهم تُحقّق البقاء في أمريكا اللاتينية بالابتعاد عن الحركات اليسارية والقومية، وبالتعاون مع النظم الشمولية. وقد حققوا قدراً كبيراً من البقاء في أمريكا الشمالية بتَقبُّل مُثُل المجتمع والتعامل مع الواقع من خلالها.

стр. 3907

ويأخذ البقاء اليهودي شكل التكيف مع المحيط الثقافي بحيث يصبح اليهودي جزءاً من كل، فيضمن لنفسه بذلك البقاء والاستمرار، ومن هنا تَنوُّع وعدم تجانس الجماعات اليهودية وسمتها الجيولوجية، فلا يوجد يهودي خالص ولا يهودي عالمي بل هناك يهود أمريكيون ويهود صينيون ويهود عرب، وهكذا. وقد أحرزت اليهودية نفسها البقاء عن طريق تغيير هويتها تغييراً جوهرياً، فقد بدأت عبادةً إسرائيلية، هي عبادة يهوه بعد أن دخلت عليها عناصر كنعانية، ثم انفتحت على التراث الديني البابلي بنزعته العالمية، وبمعتقداته الخاصة بيوم الحساب. وانفصلت هذه العبادة عن الدولة والملك لترتبط بالهيكل، ثم انفصلت عن الهيكل على يد الفريسيين. وفي الوقت نفسه، تعدلت الشريعة حيث لم تَعُد شريعة تغطي كل جوانب الحياة وإنما بعض جوانبها وحسب. وقبلت اليهودية قوانين الدولة التي يعيش اليهود في ظلالها انطلاقاً من أن شريعة الدولة هي الشريعة. وقد تعدلت اليهودية بشكل جوهري بعد حركة الإعتاق وتداعي أسوار الجيتو، فظهرت اليهودية الإصلاحية والمحافظة والاتجاهات اليهودية المختلفة، أي أن البقاء اليهودي الديني قد تحقق هو الآخر نتيجة التغيرات الجوهرية التي غيَّرت هوية اليهودية تغييراً شاملاً.

стр. 3908

وقد اختفى كثير من العناصر التي ضمنت بقاء اليهود في التشكيل الحضاري الغربي، وذلك بظهور الدولة الحديثة والطبقات والمؤسسات التي تضطلع بوظائف الجماعات الوظيفية وتحل محلها. وكان على اليهود أن يعيدوا صياغة هويتهم وشروط بقائهم بالشكل الذي يتفق مع الأوضاع الجديدة. وهنا يُطرَح السؤال التالي: هل سيتمكن أعضاء الجماعات اليهودية من البقاء بعد أن اختفى دورهم كجماعة وظيفية وسيطة يعملون بالتجارة والأعمال المالية مثل الربا وبعد ظهور نظام عالمي مصرفي وشركات متعددة الجنسيات؟ وإن هم ضمنوا البقاء لأنفسهم، فهل ستثمر هذه العملية يهوداً يُعدُّون استمراراً ليهود ما قبل عصر الانعتاق؟ يمكننا القول - في محاولة الإجابة على هذه الأسئلة - بأن حركتي اليهودية الإصلاحية والمحافظة، اللتين تضمان معظم يهود الولايات المتحدة المتدينين، قد نجحتا في ضمان بقاء اليهودية عن طريق إعادة صياغتها بطريقة تتفق مع المواصفات السائدة في المجتمع العلماني المعاصر في الغرب. وهنا يمكن أن نطرح سؤالاً آخر: هل توجد صلة قوية بين هؤلاء واليهودية الحاخامية التي سبقت حركة الإصلاح الديني؟ وإذا أردنا أن نجيب عن هذا السؤال من داخل النسق الديني اليهودي نفسه، فإن بوسعنا أن نشير فقط إلى حكم اليهود الأرثوذكس، الورثة الحقيقيين لليهودية الحاخامية، الذين يذهبون إلى أن هؤلاء ليسوا يهوداً ولا علاقة لهم باليهودية.

стр. 3909

إن ما حدث ليس معجزة بقاء وإنما هو استمرار وجمود لدال (اليهود واليهودية) مع تَغيُّر وتَبعثر في المدلولات. فكلمة «يهودية» التي كانت تشير إلى نسق ديني يتسم بحد أدنى من الوحدة أصبحت تشير إلى عدد هائل من الحركات الدينية التي لا يربطها رابط. وكذلك فإن مصطلح «يهودي» أصبح يشير إلى مجموعات غير متجانسة من البشر. إن بقاء اليهود بهذا المعنى لا يختلف مثلاً عن بقاء الدماهرة (أهل دمنهور) ، وهي مدينة مصرية في دلتا النيل استمرت منذ بداية التاريخ البشري تحمل نفس الاسم وتوجد في نفس المكان، ومع هذا لا توجد علاقة كبيرة بين الدمنهوري العربي المسلم المعاصر والدمنهوري الذي عاش في نفس المدينة منذ آلاف السنين في المدينة التي سُمِّيت باسم الإله حوريس التي يُقال إنه وُلد فيها أو بالقرب منها وسُمِّيت باسمه، فكلمة «دمن» معناها «مدينة» ، وكلمة «هور» من كلمة «حوريس» ، فهي إذن مدينة الإله حوريس الذي لا يعرف أهل دمنهور عنه شيئاً! ولكن حتى لو أخذنا بالمقولة الصهيونية القائلة بمعجزة البقاء هذه، فإننا نجد أنها ليست حالة مقصورة على الجماعات اليهودية، فالبقاء الصيني مثلاً مستمر وثابت يهتز بجواره هذا البقاء اليهودي. وإذا نظرنا إلى التشكيل الحضاري السامي ككلٍّ آخذ في التشكل، فإننا سنجد أن المرحلة البابلية الآشورية وما يتبعها من مراحل وتشكيلات (مثل الفينيقيين والآراميين والكنعانيين وغيرهم) إنما هي مراحل وتشكيلات أولية وسديمية في التاريخ العربي أخذت في التبلور إلى أن عبَّرت عن نفسها من خلال التراث العربي الإسلامي الذي حافظ على سماته الأساسية منذ ذلك الحين. وبالتالي، فإن الشعوب المعاصرة للعبرانيين لم تختف وإنما استمرت وبقيت، وأخذ استمرارها وبقاؤها أشكالاً مختلفة متجانسة وغير متجانسة وصلت إلى تَحدُّدها الأخير في التشكيل الحضاري العربي.

стр. 3910

وحتى لو كان البقاء اليهودي معجزة وحقيقة، فهو لا يعطي صاحبه أية حقوق ولا يفرض عليه أية واجبات. فالبقاء ليس فضيلة أو رذيلة، وإنما هو حقيقة تاريخية لا يقبلها المرء ولا يرفضها، بل يرصدها ويدرسها ويدركها فحسب. فبقاء اليهود لا يعطي يهود روسيا وأوكرانيا أية حقوق في الاستيطان في فلسطين، حتى إن أرادوا ذلك وأصروا عليه أو شعروا بحاجة نفسية جامحة إليه. وتتجلى مقولة البقاء في علاقة الدولة الصهيونية بالجماعات اليهودية، فالأطروحات الصهيونية الأولى تنادي بنفي الدياسبورا، أي تصفيتها وإنهاء بقائها تماماً لصالح المشروع الصهيوني. ولكن هذا الموقف تعدَّل، وأصبح الهدف هو استغلال الجماعات وتوظيفها لصالح المشروع الصهيوني. ويحاول الصهاينة في الوقت الحالي أن يربطوا بين بقاء الدولة الصهيونية والبقاء اليهودي خارج فلسطين، بحيث يُنظَر إلى الدولة الصهيونية باعتبارها الضمان الوحيد لاستمرار بقاء اليهود، فهي التي ستساعدهم على عدم الاندماج في الأغيار، وهي التي ستحمي هويتهم، كما أنها ستمد يد العون إلى أعضاء الجماعات اليهودية الذين قد يشعرون بأن وجودهم الجسدي نفسه مهدد بالفناء. ومع هذا، يمكن القول بأن الدولة الصهيونية لم تقم بدورها الذي حددته لنفسها. فمن ناحية الاندماج، لم تنجز الدولة الصهيونية شيئاً في هذا المضمار، فالثقافة السائدة فيها ثقافة غربية حديثة ذات طابع أمريكي. ومعدلات الاندماج بين يهود العالم لا تزال عالية، الأمر الذي يهدد بقاءهم من منظور صهيوني. كما أن الدولة الصهيونية لا تساعد حتى على بقاء اليهود جسدياً. فعلى سبيل المثال، لم تقم الحركة الصهيونية بجهد يذكر للحفاظ على بقاء أعضاء الجماعات في أوربا أثناء الحرب العالمية الثانية، بل عارضت الجهود الرامية إلى توطينهم خارج فلسطين. وبعد إعلان الدولة، دخلت الحكومة الصهيونية في علاقات تخدم مصالحها هي، بغض النظر عن مصالح أعضاء الجماعات، مثلما حدث مع الأرجنتين

стр. 3911

ومثلما يحدث الآن بالتحالف القائم بين حكومة إسرائيل والجمعيات الأصولية المسيحية في الولايات المتحدة (وهي جمعيات تمثل مجموعة من القيم لا تخدم صالح هذه الجماعات، بل تدعو بشكل ضمني إلى تصفيتها عن طريق تنصيرها) . وحتى إن أرادت الدولة الصهيونية الحفاظ على بقاء إحدى الجماعات اليهودية، فهي لا تملك من القوة العسكرية ما يؤهلها لإنجاز ذلك. وحينما اقتربت القوات الألمانية من الإسكندرية أثناء الحرب العالمية الثانية، أعد بعض المستوطنين الصهاينة خطة للانتحار إن وصلت هذه القوات إلى فلسطين. بل إن المستوطنين في الدولة الصهيونية، وأعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، يدينون بأمنهم وبقائهم لدولة عظمى تمنحهم رضاها ورعايتها، وهذه قضية تعذب الوجدان الصهيوني الذي يزداد إدراكاً لاعتماده المتزايد على الولايات المتحدة. والكتابات الصهيونية التي تتباهى دائماً بمعجزة البقاء اليهودي، تشير دائماً إلى الإبادة النازية لليهود، وإلى خطر الفناء الذي يهدد اليهود إما من خلال الاندماج أو على يد المنظمات الإرهابية العربية، ثم تهيب باليهود للدفاع عن بقائهم، وهذه ديباجة مختلفة تماماً عن سابقتها. ومن الموضوعات الأساسية المطروحة في الأدبيات الخاصة بأعضاء الجماعات اليهودية «موت الشعب اليهودي» ، أي تَناقُص أعضاء الجماعات اليهودية إلى درجة التلاشي تقريباً.

стр. 3912

ويجد بعض الدارسين أن هذا الاهتمام المرضي بموضوعات مثل البقاء والإبادة وغيرها، قد سبب خللاً نفسياً عميقاً لأعضاء الجماعات اليهودية، وخصوصاً الأجيال الناشئة التي تملأ الدعاية الصهيونية وجدانها بفخار البقاء اليهودي الأزلي الحتمي، وتشبعها رعباً من خطر الفناء الوشيك الذي ينتظر اليهود في كل زمان ومكان، فمثل هذه النظرة المتطرفة لا تساعد كثيراً لا على النضج ولا على الطمأنينة. وقد حوَّلت اليهودية التجديدية البقاء إلى مطلق، وأصبح معيار الإيمان مدى الالتزام ببقاء الشعب اليهودي. وقد ظهر في الفكر الديني اليهودي ما يُسمَّى «لاهوت البقاء» الذي يحوِّل البقاء إلى قيمة مطلقة وهدف نهائي، بحيث يصبح البقاء الغاية من الوجود اليهودي الديني، ويكون الشعب اليهودي ببقائه قد حقق الهدف الأخلاقي من وجوده. لكن البقاء ليس قيمة أخلاقية وإنما هو قيمة طبيعية، فكل الكائنات الحية تبذل جهداً كبيراً للبقاء وبأية شروط، متجاوزة قيم الخير والشر. وبالتالي، فلاهوت البقاء لاهوت غير أخلاقي نابع من النموذج الدارويني الذي يؤكد ضرورة «الصراع من أجل البقاء» و «البقاء للأصلح» ، أي أنه خطاب علماني يستخدم ديباجات دينية. وهناك بعض المفكرين الصهاينة والإسرائيليين يرون أن رغبة يهود العالم الملحة في البقاء وتَمسُّكهم به هما السبب في تدني الشخصية اليهودية وطفيليتها، وأن الملايين التي ذهبت إلى أفران الغاز في معسكرات الاعتقال والإبادة دون مقاومة فعلت ذلك من أجل البقاء بأي ثمن وتحت أية شرط وأنهم فقدوا كرامتهم الإنسانية بذلك. ومقابل ذلك، يطرح الصهاينة عدة أساطير انتحارية، أهمها أسطورة ماسادا، حيث يقرر الإنسان اليهودي التخلي عن البقاء في سبيل الشرف، وأسطورة شمشون حيث يقرر تدمير ذاته وتدمير الآخر. وهذه الرؤية تقف على الطرف النقيض من واقع تكيُّف وبقاء يهود العالم. التمركز اليهودي Judeo-Centricity

стр. 3913

» التمركز اليهودي» مصطلح وُضع على منوال مصطلحات مماثلة مثل «إثنو سنترستي ethno-centricity» أي «التمركز حول الإثنية» أو «يورو سنترستي Euro-centricity» ، أي «التمركز حول الأوربية» . وهو يشير إلى المفهوم الكامن وراء كثير من الدراسات والتصريحات عن أعضاء الجماعات اليهودية، ذلك المفهوم الذي يتجه نحو رؤية الأمور والأحداث لا في تَعيُّنها، ولا في علاقتها بالقوى التي أدَّت إلى ظهورها أو التي تدخل في تركيبها أو في معناها العام، وإنما في مدى تأثيرها في اليهود وتأثرها بهم وبمغزاها بالنسبة إليهم. وبالتالي، فإن السؤال الذي يطرحه الشخص المتمركز تمركزاً يهودياً هو: هل هذا الأمر نافع لليهود أم ضار؟ وما معناه بالنسبة إليهم؟ ذلك بدلاً من: هل هو نافع للجنس البشري أم ضار؟ أو ما معناه بالنسبة للجنس البشري؟ والتمركز اليهودي يؤدي إلى عزل اليهود عن مجرى الأحداث التاريخية العامة التي تتحكم بشكل أو بآخر في كل الجماعات البشرية الأخرى، وكأن لهم قوانينهم الخاصة التي تجعلهم سراً من الأسرار تحيطهم هالة من الغموض الميتافيزيقي. وترجع ظاهرة التمركز إلى عدة عناصر ثقافية واقتصادية، من بينها الحلولية اليهودية التي تسم النسق الديني اليهودي الذي يجعل اليهود مركز الكون ومحوره والهدف من وجوده. كما أن وجود الجماعات اليهودية على هيئة جماعات وظيفية في كثير من المجتمعات ـ والجماعة الوظيفية تكون أساساً جماعة غريبة متماسكة إثنياً ـ خلق لديها استعداداً للتمركز حول الذات من الناحية الإدراكية.

стр. 3914

والصهيونية، في رؤيتها لتواريخ الجماعات اليهودية وفي برنامجها السياسي، متمركزة تمركزاً يهودياً تاماًً. فهي في قراءتها هذه التواريخ تراها تاريخاً يهودياً واحداً ذا مركز يهودي واحد وحسب ويعبِّر عن نفسه من خلال حركيات يهودية. وبالتالي، فإن موسى بن ميمون ليس مفكراً عربياً يؤمن باليهودية، تفاعل مع التراث العربي الإسلامي وتأثر به، بل هو أحد العلماء الدينيين اليهود وحسب. ويُنظَر إليه لا في علاقته بمحيطه الحضاري وإنما في علاقته بالعلماء اليهود في البلاد الأخرى، مع أن بعضهم عارض النزعة العقلانية التي كان يمثلها، بل كفَّره بعض هؤلاء وطلبوا من محاكم التفتيش حرق أعماله. ومن أهم الأمثلة على ذلك واقعة ليو فرانك، وهو يهودي أمريكي عاش في جنوبي الولايات المتحدة وحوكم بتهمة اغتصاب فتاة مسيحية وقتلها، ولكنه بُرِّئ من تهمته فاختطفه بعض المتظاهرين وشنقوه وعلقوه من قدميه. وهذه العملية تُسمَّى في الإنجليزية الأمريكية «لينشينج lynching» . ويأتي ذكر هذه الواقعة في الدراسات التي تتناول تاريخ الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة بطريقة توحي بأنها نمط متكرر وبأن أعضاء الجماعة كانوا ضحايا القمع العنصري في الجنوب. ولكن الحقائق التاريخية العامة تقول إن أعضاء الجماعة اليهودية كانوا مندمجين تماماً في محيطهم الحضاري الأمريكي وأن عدد الزنوج الذين قُتلوا بطريقة اللينشينج في الفترة من ١٨٨٩ إلى ١٩١٨ يبلغ ألفين وخمسمائة، بينما لا يزيد عدد الضحايا اليهود في الفترة نفسها على فرد واحد فقط هو ليو فرانك نفسه. ويُنظَر إلى الشتتل والجيتو من هذا المنظور، فهما من وجهة النظر اليهودية مؤسستان يهوديتان تعبِّران عن رغبة اليهود في الاستقلال القومي، ولا تُعتبران من المؤسسات الإقطاعية أو طريقتين من طرق الإدارة التي كانت تُطبَّق على أعضاء الجماعات اليهودية وغير اليهودية دون تمييز أو استثناء.

стр. 3915

ويَخلُص الصهاينة من قراءة التاريخ بهذه الطريقة المتمركزة تمركزاً يهودياً إلى الحديث عن اليهود باعتبارهم جماعة فريدة متميزة، ثم يتحدثون عن معجزة البقاء اليهودي، كما لو كان البقاء أمراً مقصوراً على اليهود وحدهم دون عشرات الطوائف والأقليات والشعوب الأخرى، مثل الأكراد أو الأرمن أو النوبيين! ويظهر التمركز اليهودي بشكل حاد في تناول كثير من المؤلفين الغربيين اليهود وغير اليهود لظاهرة الإبادة النازية، وهي أحد إفرازات الحضارة الغربية الحديثة التي أودت بحياة الملايين من اليهود وغير اليهود داخل وخارج معسكرات الاعتقال. ومع هذا، لا حديث إلا عن ضحايا النازية من اليهود، ويتم إهمال الإشارة إلى ملايين الضحايا الآخرين الذين يفوق عددهم عدد الضحايا اليهود. ومن الناحية السياسية، قامت الحركة الصهيونية بترجمة هذا التمركز اليهودي إلى سلوك سياسي، فعزلت اليهود عن الحركات القومية والثورية في أواخر القرن التاسع عشر، وأكدت ضرورة أن يعمل اليهود لصالح اليهود وحسب وألا يشاركوا الأغيار في أنشطتهم. وكان هرتزل ينطلق من هذه المقولة دائماً، ولذا فقد تعاون مع كبار الرجعيين في الغرب ومن بينهم ألد أعداء اليهود فون بليفيه وزير الداخلية الروسي. وبيَّن أن الحركة الصهيونية ستفصل الشباب اليهودي عن نشاط الأغيار الثوري من خلال تسريب طاقاتهم داخل قنوات يهودية صهيونية. وقد اتخذت الحركة الصهيونية موقفاً مماثلاً من النازية فلم تحاول تجنيد أعضاء الجماعة لينخرطوا في صفوف حركة المقاومة ضد النازية.

стр. 3916

ولا تزال هذه هي إستراتيجية الصهيونية في الوقت الحالي، فنجد أن الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة تزداد محافظةً ورجعية وتتخلى عن ليبراليتها التقليدية وتتبنى سياسة الحرب الباردة وتضع نفسها في خدمة النظام العالمي لأن ذلك يخدم مصلحة اليهود وإسرائيل من وجهة نظرهم. ومن أكبر الأمثلة وضوحاً على التمركز اليهودي في الآونة الأخيرة عملية نقل الفلاشاه وإنقاذهم. فقد تجاهلت الدولة الصهيونية كل ضحايا المجاعة الآخرين، ولم تقدم لهم المعونة، بل قصرت مساعدتها على اليهود وحسب. وقد شجب القس جيسي جاكسون هذا السلوك لأنه يتنافى مع أبسط قواعد الإنسانية. ويمكن القول بأن ثمة تمركزاً صهيونياً مقابل التمركز اليهودي، بمعنى أن الصهيونية تحكم على الواقع وعلى تواريخ الجماعات اليهودية لا في سياقها الإنساني أو حتى اليهودي العام، ولا من ناحية معناها الإنساني أو حتى اليهودي العام، وإنما في سياق صهيوني عقائدي ضيق. وانطلاقاً من هذا، طرح الصهاينة مفاهيم مثل نفي (الدياسبورا) ، أي تصفية الجماعات اليهودية خارج فلسطين لحساب المستقبل الصهيوني، كما طرحوا مفهوم مركزية إسرائيل في حياة الجماعات. ومن هذا المنظور وقَّع الصهاينة معاهدة الهعفراه (التهجير) مع النازيين، وتعاون رودولف كاستنر مع أيخمان وسلَّم يهود المجر إلى النازيين مقابل أن يُسمَح لبعض الصهاينة بالهجرة إلى فلسطين. الهيكل الأول والهيكل الثاني First and Second Temples يستخدم بعض المؤرخين مصطلحي «مرحلة الهيكل الأول» و «مرحلة الهيكل الثاني» للإشارة إلى مراحل ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» .

стр. 3917

ومرحلة الهيكل الأول، فيما يذكر هؤلاء المؤرخون، تبدأ مع بناء الهيكل في عهد سليمان عام ٩٦٠ ق. م أو قبل ذلك بقليل (مع بداية مؤسسة المملكة العبرانية عام ١٠٢٠ ق. م أو باعتلاء داود سدة الحكم عام ١٠٠٤ ق. م) ، ثم تنتهي بسقوط المملكة الجنوبية عام ٥٨٦ ق. م. أما مرحلة الهيكل الثاني، فتبدأ عام ٥١٦ ق. م مع عودة اليهود من بابل إعادة تشييد الهيكل، وتنتهي بتحطيم تيتوس له عام ٧٠ ميلادية. وإذا كان الحديث عن الكومنولث الأول والكومنولث الثاني ينطلق من فكرة وجود اليهود ككيان سياسي مستقل، فإن تقسيم ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» إلى مرحلتي الهيكلين الأول والثاني يفترض أن التاريخ الديني لليهود هو الذي يقرر مسار تاريخهم بل مسار تاريخ كل سكان فلسطين من يهود وغير يهود، وهو افتراض عقائدي حلولي لا سند له في الواقع، بل يتناقض مع الصياغات التوحيدية اليهودية. وعبارة «الهيكل الأول» و «الهيكل الثاني» تفترض وجود نمط متكرر ووجود تشابه بين النمطين، وهو أمر تنفيه الوقائع. ففي المرحلة المسماة فترة الهيكل الأول، كان العبرانيون يشكلون دولة مستقلة هي دولة سليمان وداود (المملكة العبرانية المتحدة) . ثم انقسمت هذه الدولة إلى دويلتين عبرانيتين، فاستقلت المملكة الجنوبية بالهيكل وبنى ملوك المملكة الشمالية أماكن مستقلة للعبادة. وحينما أعيد بناء الهيكل، بناء على أمر قورش، لم تُسترجع معه الحكومة العبرانية إذ صار اليهود مجرد قوم من الأقوام التابعة للدولة الفارسية يترأسهم الكهنة. وظل هذا الوضع حتى التمرد الحشموني، حين استقلت الأسرة الحشمونية وأصبح كبير الكهنة هو الملك الحشموني، وهو أمر لم يدم طويلاً إذ ظهر الرومان وبسطوا سيطرتهم على فلسطين ثم هدموا الهيكل في نهاية الأمر. ومرحلة الهيكل الأول تضم عدة فترات سياسية تختلف تماماً عن فترة الهيكل الثاني التي تضم بدورها ثلاث أو أربع فترات مختلفة.

стр. 3918

ولهذا، فلكي نفهم تاريخ العبرانيين وتواريخ الجماعات اليهودية، يجب وضعهما في سياقهما التاريخي، بالنظر إليهما من خلال تاريخ الإمبراطوريات العظمى في المنطقة. كما ينبغي الابتعاد عن المصطلحات الدينية العقائدية التي تفترض استقلال اليهود التام عن الحضارات والشعوب التي عاشوا بين ظهرانيها. هذا، وتشير الأدبيات الإسرائيلية إلى الدولة الصهيونية باعتبارها «الهيكل الثالث» . الكومنولث اليهودي Jewish Commonwealth «الكومنولث اليهودي» مصطلح أوربي يُستخدَم للإشارة إلى المرحلة التي ارتبط فيها تاريخ فلسطين بوجود يهودي سياسي مستقل أو شبه مستقل، وهو متأثر بالتاريخ المقدَّس الذي يعتمد بناء الهيكل أو هدمه كواقع أساسي وإطار مرجعي. وتنقسم هذه المرحلة إلى مرحلتين: أولاً: الكومنولث الأول: يشير مصطلح «الكومنولث الأول» إلى الفترة الممتدة من ١٢٥٠ ق. م حتى ٥٨٦ ق. م، وهي الفترة التي شهدت اتحاد القبائل وحكم القضاة،ثم فترة حكم داود التي بدأت بتوحيده القبائل العبرانية في المملكة العبرانية المتحدة التي حكمها ابنه سليمان من بعده، ثم انقسامها إلى مملكتين (المملكة الشمالية والمملكة الجنوبية) ، وسقوطهما في يد الآشوريين والبابليين على التوالي. ويشير المصطلح على وجه التحديد، إلى الفترة من ١٠٠٤ ق. م (حكم داود) إلى ٥٨٦ ق. م (سقوط المملكة الجنوبية على يد البابليين) . ثانياً: الكومنولث الثاني: يشير مصطلح «الكومنولث الثاني» إلى المرحلة التي تبدأ بثورة الحشمونيين على حكم السلوقيين في عام ١٦٥ ق. م وإعلانهم استقلال البلاد بعد ذلك بخمسة وعشرين عاماً. وقد زاد الحشمونيون عدد اليهود عن طريق التبشير باليهودية وفرضها على الشعوب الواقعة تحت حكمهم مثل الأدوميين. وقد سقط هذا الحكم اليهودي المستقل بقيام الرومان بغزو المنطقة عام ٦٣ ق. م، فاختفى وجود اليهود السياسي المستقل تقريباً.

стр. 3919

وتقسيم تواريخ الجماعات اليهودية إلى فترات، مثل الكومنولث الأول والثاني أو الهيكل الأول والثاني، يفترض استقلال هذا التاريخ عما حوله، وهو افتراض غير واقعي مطلقاً، ذلك أن ظهور الكومنولث الأول، على سبيل المثال، مرتبط بالفراغ السياسي المؤقت في الشرق الأدنى القديم، كما أن انهياره مرتبط بحركة الإمبراطوريات الكبرى. ولذا، فإن استخدام مثل هذه المصطلحات ليس دقيقاً، ومقدرته التفسيرية محدودة. ومن الأفضل أن نحدِّد هذا التاريخ بالعودة إلى إطاره المرجعي الصحيح، أي تاريخ الشرق الأدنى القديم. وعلى أية حال، لم تزد مدة الوجود اليهودي السياسي المستقل أو شبه المستقل في البقعة الجغرافية الحضارية التي تُعرَف باسم فلسطين على ثلاثمائة عام، تسبقها آلاف السنين من الحضارات السامية غير العبرانية وغير اليهودية، ويتبعها ما يزيد على ألفي عام من الحضارات العربية الإسلامية وغير الإسلامية. ومع هذا، يرى الصهاينة أن أي وجود غير الوجود اليهودي هو عرض زائل وظاهرة مؤقتة، وأن إسرائيل الحديثة وحدها هي الاستمرار الحقيقي والوحيد لتاريخ هذه الأرض، ولذا يُشار إليها في الأدبيات الصهيونية بمصطلح «الكومنولث الثالث» . التأريخ من خلال الكوارث Disaster-Based Historiography

стр. 3920

«التأريخ من خلال الكوارث» عبارة تستخدم للإشارة إلى اتجاه بعض كُتَّاب ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» حيث يركزون على ما يحل بالجماعات اليهودية من كوارث. ويبدأ هذا التاريخ ـ حسب هذه الرؤية ـ بالخروج من مصر نتيجة قيام الفراعنة باضطهاد جماعة يسرائيل، ويعقبه سقوط الهيكل الأول والسبي البابلي ثم سقوط الهيكل الثاني وطرد اليهود من فلسطين والقدس ونفيهم في كل بقاع الأرض. ثم تعقب ذلك عمليات الطرد المتكررة من بلاد أوربا، والمذابح التي راح اليهود ضحيتها. وتصل الكوارث إلى قمتها في الهولوكوست (أي المحرقة) . وكما كان المؤرخون في الماضي يتحدثون عن «مرحلة ما قبل أو ما بعد الهيكل الأول أو الثاني» ، فإنهم الآن يتحدثون عن «ما قبل ما بعد أوشفيتس» . والرؤية التي تركز على الكوارث هي نتاج ما نسميه «الثنائية الصلبة» المرتبطة بالرؤية الحلولية الكمونية والتي تقسم العالم إلى الأنا والآخر، المقدَّس والمدنَّس، وهي ثنائية تعبِّر عن نفسها هنا في رؤية التاريخ اليهودي باعتباره مجال الفوضى الكاملة (الكوارث) ولكنه سيتحقق في لحظة يتجلى فيها النظام الكامل (نهاية التاريخ المشيحانية) .

стр. 3921

والتركيز على الكوارث، واعتبارها أساساً للتأريخ وتقسيم التاريخ إلى فترات ومراحل، ظاهرة مرضية تترك أثراً سلبياً في نفسية أعضاء الجماعات اليهودية. ومن الصعب تحديد سبب واحد لتفسيرها. ولكن مما لا شك فيه أن التركيز على الكوارث يساعد على تماسُك الهوية، إذ يميل البشر نحو التضامن في وقت المحن. ولكن أهم الأسباب هو محاولة بعض المؤرخين اليهود أو غير اليهود، المتأثرين بالإدراك الإنجيلي لليهود، العثور على عنصر واحد مشترك بين تجارب أعضاء الجماعات اليهودية التاريخية يصلح مسوغاً لاستخدام مصطلح «تاريخ يهودي» . ولو أننا قارنا تاريخ الجماعة اليهودية في إسبانيا والأندلس بتاريخ أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا، فلن نجد أية عناصر مشتركة، إذ أن كل جماعة لها تاريخ مستقل عن الأخرى. فتاريخ الجماعة اليهودية في إسبانيا، يبدأ قبل الميلاد ويمر بمراحل مختلفة قبل الفتح الإسلامي وإبانه وبعده، ويستمر إلى أن يُطرَد اليهود منها مع من تبقَّى من المسلمين. وقد تفاعل يهود إسبانيا مع الحضارة الإسلامية فتحدثوا العربية وأبدعوا أدباً عربياً وفكراً عربياً يهودياً، ثم تفاعلوا مع الحضارة المسيحية في إسبانيا وظهرت بينهم لهجة اللادينو، كما ظهر بينهم يهود المارانو. وبعد طردهم، استوطنوا مدن حوض البحر الأبيض المتوسط حيث كان أكبر تجمُّع لهم في سالونيكا، كما استقروا في بعض المراكز التجارية في أوربا من أهمها أمستردام. ولا يوجد أي عنصر مشترك بين هذه التجربة التاريخية وبين تجربة اليهود الذين استوطنوا بولندا في القرن الثاني عشر إبّان حروب الفرنجة وتزايد عددهم من خلال هجرة يهود الخزر والذين كانوا يتحدثون رطانة ألمانية هي اليديشية. ولكنهم نتيجة ارتباطهم بطبقة النبلاء البولنديين، تعرضوا للسخط الشعبي الفلاحي. وحين قُسِّمت بولندا، تم تقسيم أعضاء الجماعة اليهودية بين روسيا وألمانيا والنمسا. وحدث بينهم انفجار سكاني في منتصف القرن التاسع

стр. 3922

عشر، فهاجرت أعداد كبيرة منهم إلى الولايات المتحدة حيث تم دمجهم بسرعة، كما تم دمج بقيتهم في روسيا وأوكرانيا. وإذا بحثنا عن عنصر مشترك، فلن نعثر إلا على الاضطهاد والكوارث التي تعرَّض لها كل من يهود إسبانيا وبولندا. ولكن إذا دققنا النظر، فإن مصدر هذه الكوارث ليس يهودية اليهود وإنما الوظائف التي اضطلعوا بها باعتبارهم جماعة وظيفية في المجتمعات التي وجدوا فيها. فأساس الوحدة هنا ليس التاريخ اليهودي وإنما الوظيفة التي اضطلع بها كثير من الجماعات اليهودية في أنحاء العالم، شأنها شأن كثير من أعضاء الأقليات الدينية والإثنية الأخرى.

стр. 3923

والتواريخ التي تستخدم الكوارث كنقطة مرجعية أساسية تحاول قدر إمكانها أن تجعل اليهود ضحية وحسب مقابل الأغيار. وهي، لتحقيق هذا، تستبعد العناصر الإيجابية من التجارب التاريخية للجماعات اليهودية. فعلى سبيل المثال، يجري التركيز على تحطيم الهيكل، أما واقعة إعادة بنائه بأمر قورش إمبراطور الفرس فتُذكَر بشكل عارض. ويُذكَر أن أنطيوخوس الرابع (إبيفانيس) اضطهد اليهود دون ذكر حقيقة أن الحضارة الهيلينية فتحت صدرها لهم فاندمجوا فيها تماماً. وتؤكد التواريخ أن نفي اليهود من فلسطين وشتاتهم كان نتيجة العنف الروماني الموجه ضدهم والذي تمثَّل في هدم الهيكل ولا تُذكَر حقيقة أن انتشار اليهود من فلسطين ظاهرة تاريخية سبقت تحطيم الهيكل، أو أن الانتشار كان نتيجة إتاحة الفرص أمامهم، أو أن عددهم خارج فلسطين قبل هدم الهيكل كان أكبر من عددهم فيها. ويأتي ذكر أن الكنيسة اضطهدت اليهود في العصور الوسطى، في حين يتم استبعاد قرب اليهود من النخبة الحاكمة وتمتعهم بمستوى معيشي مرتفع يفوق مستوى بقية السكان. كما تلجأ مثل هذه التواريخ إلى إسقاط دور بعض أعضاء الجماعة اليهودية في الكوارث التي تحيق بالجماعة ككل. فلا يأتي ذكر أن النخبة اليهودية الثرية كانت تؤيد موقف الرومان من المتمردين اليهود، أو أنه كان يوجد جيش يهودي بقيادة أجريبا الثاني يحارب إلى جوار تيتوس، أو أن بيرنيكي أخت أجريبا كانت عشيقة للإمبراطور، أو أن يوسيفوس فلافيوس كان مترجمه الخاص. ويصل هذا الاتجاه إلى قمته في الهولوكوست (المحرقة) حيث يُسدَل ستار كثيف من الصمت على تعاون عدد لا بأس به من اليهود مع النازيين، بل يصبح الحديث عن تعاون النازيين والصهاينة شيئاً محرماً.

стр. 3924

وأخيراً، تلجأ هذه التواريخ إلى تصوير اليهود باعتبارهم الضحية الوحيدة. فحينما يقوم البابليون بسبي وتهجير كثير من الأقوام السامية في فلسطين والشام لا يُذكَر سوى العبرانيين، وحينما يبيد النازيون الملايين لا يُذكَر أي من السلاف أو الغجر أو المعوقين أو غيرهم ممن تمت إبادتهم، وذلك حتى تظل الأضواء مسلطة على اليهود وحدهم. وكما أسلفنا، فإن عمليات التأكيد والاستبعاد تهدف إلى ترسيخ نموذج اختزالي بسيط هو أن اليهود ضحية وحيدة مقابل الأغيار، الذئب الدائم. التسامح مع اليهود كمفهوم تحليلي Tolerance towards the Jews as an Analytical Concept «التسامح» من المعايير التي عادةً ما تُستخدَم في دراسة تواريخ الجماعات اليهودية إذ يحدد المؤرخ موقفه من شخصية أو مرحلة تاريخية على أساس مدى التسامح الذي تمتَّع به أعضاء الجماعات اليهودية على يد هذه الشخصية أو تلك أو إبّان هذه المرحلة أو تلك. ونحن نذهب إلى أن المقدرة التفسيرية لمقولة التسامح ضعيفة للغاية، فالتسامح قيمة أخلاقية مطلقة يتعين على الإنسان أن يتمسك بها ويدافع عنها، وهي حالة عقلية وسمة إنسانية يتسم بها بعض البشر دون غيرهم. ولكن كل هذا لا يجعل التسامح صفة في الظاهرة موضع الدراسة، وإنما هو سمة يتسم بها بعض البشر ممن يوجدون داخل الظاهرة ولا يتحكمون فيها في كليتها. إن مقولة التسامح مقولة أخلاقية مطلقة بينما الظواهر التاريخية مركبة. والتسامح أمر متعلق بإرادة الإنسان ويتم بحرية الأفراد ورغبتهم، أما الظواهر التاريخية فكثير من أبعادها يقع خارج نطاق الرغبة والإرادة والاختيار. ولذا، فإن محاولة تفسير ظاهرة ما تفسيراً مركباً يتطلب منذ البداية رؤية تركيبيتها التاريخية قبل الحكم الأخلاقي عليها.

стр. 3925

ولبيان تركيبية الظواهر وعجز مقولة التسامح بمفردها عن تفسيرها سنضرب مثلاً بـ «تسامح» ملوك بولندا ونبلائها تجاه اليهود، فقد قاموا بتوطينهم في بولندا وشجعوهم على الاستيطان فيها. ولكن «التسامح» هنا نابع من رؤية أعضاء النخبة الحاكمة في بولندا لليهود كجماعة وظيفية استيطانية يمكن الاستفادة منها. فالهدف عملي إلى حد كبير، كما أن التسامح هنا يؤدي إلى اضطهاد الآخرين، فالطبقة الحاكمة أبدت تسامحاً واضحاً مع أعضاء الجماعة اليهودية حتى يتسنى لها استخدامهم كأداة لقمع الفلاحين والأقنان في بولندا وليتوانيا وأوكرانيا. وفي واقع الأمر، فإننا نجد أن التسامح الغربي مع اليهود هو في العادة تعبير عن هذا الموقف وهذا الإدراك لنفع اليهود وإمكانية الاستفادة منهم كأداة في استغلال الآخرين، أي أنه لا ُيعبِّر عن تسامح أخلاقي حقيقي فيه تَقبُّل للآخر. ولعل موقف بلفور (وكل الصهاينة من غير اليهود) هو خير تعبير عن هذا الموقف الذي ينم بلا شك عن تسامح مع اليهود حيث وقف إلى جوارهم حتى أعلن الوعد المعروف باسمه عام ١٩١٧. ولكن من الواضح أن تسامحه هذا نابع من رغبته في وضع اليهود في خدمة المصالح الإمبريالية البريطانية بحيث يحولهم إلى أداة لقمع العرب واغتصاب أرضهم. ومن ثم، نجد أن بلفور المتسامح هو نفسه الذي حاول أن يوقف هجرة يهود اليديشية إلى إنجلترا، واستصدر من القوانين ما يكفل ذلك حينما كان رئيساً للوزراء. فكأن تسامحه مع المشروع الاستيطاني الصهيوني تعبير عن رغبته الصادقة في التخلص منهم وتوظيفهم. ويمكن أن نقول الشيء نفسه عن نابليون بونابرت وغيره من الزعماء الغربيين ممن أبدوا تسامحاً كبيراً تجاه اليهود.
следующие страницы →