← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

والتركيز على الكوارث، واعتبارها أساساً للتأريخ وتقسيم التاريخ إلى فترات ومراحل، ظاهرة مرضية تترك أثراً سلبياً في نفسية أعضاء الجماعات اليهودية. ومن الصعب تحديد سبب واحد لتفسيرها. ولكن مما لا شك فيه أن التركيز على الكوارث يساعد على تماسُك الهوية، إذ يميل البشر نحو التضامن في وقت المحن. ولكن أهم الأسباب هو محاولة بعض المؤرخين اليهود أو غير اليهود، المتأثرين بالإدراك الإنجيلي لليهود، العثور على عنصر واحد مشترك بين تجارب أعضاء الجماعات اليهودية التاريخية يصلح مسوغاً لاستخدام مصطلح «تاريخ يهودي» . ولو أننا قارنا تاريخ الجماعة اليهودية في إسبانيا والأندلس بتاريخ أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا، فلن نجد أية عناصر مشتركة، إذ أن كل جماعة لها تاريخ مستقل عن الأخرى. فتاريخ الجماعة اليهودية في إسبانيا، يبدأ قبل الميلاد ويمر بمراحل مختلفة قبل الفتح الإسلامي وإبانه وبعده، ويستمر إلى أن يُطرَد اليهود منها مع من تبقَّى من المسلمين. وقد تفاعل يهود إسبانيا مع الحضارة الإسلامية فتحدثوا العربية وأبدعوا أدباً عربياً وفكراً عربياً يهودياً، ثم تفاعلوا مع الحضارة المسيحية في إسبانيا وظهرت بينهم لهجة اللادينو، كما ظهر بينهم يهود المارانو. وبعد طردهم، استوطنوا مدن حوض البحر الأبيض المتوسط حيث كان أكبر تجمُّع لهم في سالونيكا، كما استقروا في بعض المراكز التجارية في أوربا من أهمها أمستردام. ولا يوجد أي عنصر مشترك بين هذه التجربة التاريخية وبين تجربة اليهود الذين استوطنوا بولندا في القرن الثاني عشر إبّان حروب الفرنجة وتزايد عددهم من خلال هجرة يهود الخزر والذين كانوا يتحدثون رطانة ألمانية هي اليديشية. ولكنهم نتيجة ارتباطهم بطبقة النبلاء البولنديين، تعرضوا للسخط الشعبي الفلاحي. وحين قُسِّمت بولندا، تم تقسيم أعضاء الجماعة اليهودية بين روسيا وألمانيا والنمسا. وحدث بينهم انفجار سكاني في منتصف القرن التاسع

стр. 3922

عشر، فهاجرت أعداد كبيرة منهم إلى الولايات المتحدة حيث تم دمجهم بسرعة، كما تم دمج بقيتهم في روسيا وأوكرانيا. وإذا بحثنا عن عنصر مشترك، فلن نعثر إلا على الاضطهاد والكوارث التي تعرَّض لها كل من يهود إسبانيا وبولندا. ولكن إذا دققنا النظر، فإن مصدر هذه الكوارث ليس يهودية اليهود وإنما الوظائف التي اضطلعوا بها باعتبارهم جماعة وظيفية في المجتمعات التي وجدوا فيها. فأساس الوحدة هنا ليس التاريخ اليهودي وإنما الوظيفة التي اضطلع بها كثير من الجماعات اليهودية في أنحاء العالم، شأنها شأن كثير من أعضاء الأقليات الدينية والإثنية الأخرى.

стр. 3923

والتواريخ التي تستخدم الكوارث كنقطة مرجعية أساسية تحاول قدر إمكانها أن تجعل اليهود ضحية وحسب مقابل الأغيار. وهي، لتحقيق هذا، تستبعد العناصر الإيجابية من التجارب التاريخية للجماعات اليهودية. فعلى سبيل المثال، يجري التركيز على تحطيم الهيكل، أما واقعة إعادة بنائه بأمر قورش إمبراطور الفرس فتُذكَر بشكل عارض. ويُذكَر أن أنطيوخوس الرابع (إبيفانيس) اضطهد اليهود دون ذكر حقيقة أن الحضارة الهيلينية فتحت صدرها لهم فاندمجوا فيها تماماً. وتؤكد التواريخ أن نفي اليهود من فلسطين وشتاتهم كان نتيجة العنف الروماني الموجه ضدهم والذي تمثَّل في هدم الهيكل ولا تُذكَر حقيقة أن انتشار اليهود من فلسطين ظاهرة تاريخية سبقت تحطيم الهيكل، أو أن الانتشار كان نتيجة إتاحة الفرص أمامهم، أو أن عددهم خارج فلسطين قبل هدم الهيكل كان أكبر من عددهم فيها. ويأتي ذكر أن الكنيسة اضطهدت اليهود في العصور الوسطى، في حين يتم استبعاد قرب اليهود من النخبة الحاكمة وتمتعهم بمستوى معيشي مرتفع يفوق مستوى بقية السكان. كما تلجأ مثل هذه التواريخ إلى إسقاط دور بعض أعضاء الجماعة اليهودية في الكوارث التي تحيق بالجماعة ككل. فلا يأتي ذكر أن النخبة اليهودية الثرية كانت تؤيد موقف الرومان من المتمردين اليهود، أو أنه كان يوجد جيش يهودي بقيادة أجريبا الثاني يحارب إلى جوار تيتوس، أو أن بيرنيكي أخت أجريبا كانت عشيقة للإمبراطور، أو أن يوسيفوس فلافيوس كان مترجمه الخاص. ويصل هذا الاتجاه إلى قمته في الهولوكوست (المحرقة) حيث يُسدَل ستار كثيف من الصمت على تعاون عدد لا بأس به من اليهود مع النازيين، بل يصبح الحديث عن تعاون النازيين والصهاينة شيئاً محرماً.

стр. 3924

وأخيراً، تلجأ هذه التواريخ إلى تصوير اليهود باعتبارهم الضحية الوحيدة. فحينما يقوم البابليون بسبي وتهجير كثير من الأقوام السامية في فلسطين والشام لا يُذكَر سوى العبرانيين، وحينما يبيد النازيون الملايين لا يُذكَر أي من السلاف أو الغجر أو المعوقين أو غيرهم ممن تمت إبادتهم، وذلك حتى تظل الأضواء مسلطة على اليهود وحدهم. وكما أسلفنا، فإن عمليات التأكيد والاستبعاد تهدف إلى ترسيخ نموذج اختزالي بسيط هو أن اليهود ضحية وحيدة مقابل الأغيار، الذئب الدائم. التسامح مع اليهود كمفهوم تحليلي Tolerance towards the Jews as an Analytical Concept «التسامح» من المعايير التي عادةً ما تُستخدَم في دراسة تواريخ الجماعات اليهودية إذ يحدد المؤرخ موقفه من شخصية أو مرحلة تاريخية على أساس مدى التسامح الذي تمتَّع به أعضاء الجماعات اليهودية على يد هذه الشخصية أو تلك أو إبّان هذه المرحلة أو تلك. ونحن نذهب إلى أن المقدرة التفسيرية لمقولة التسامح ضعيفة للغاية، فالتسامح قيمة أخلاقية مطلقة يتعين على الإنسان أن يتمسك بها ويدافع عنها، وهي حالة عقلية وسمة إنسانية يتسم بها بعض البشر دون غيرهم. ولكن كل هذا لا يجعل التسامح صفة في الظاهرة موضع الدراسة، وإنما هو سمة يتسم بها بعض البشر ممن يوجدون داخل الظاهرة ولا يتحكمون فيها في كليتها. إن مقولة التسامح مقولة أخلاقية مطلقة بينما الظواهر التاريخية مركبة. والتسامح أمر متعلق بإرادة الإنسان ويتم بحرية الأفراد ورغبتهم، أما الظواهر التاريخية فكثير من أبعادها يقع خارج نطاق الرغبة والإرادة والاختيار. ولذا، فإن محاولة تفسير ظاهرة ما تفسيراً مركباً يتطلب منذ البداية رؤية تركيبيتها التاريخية قبل الحكم الأخلاقي عليها.

стр. 3925

ولبيان تركيبية الظواهر وعجز مقولة التسامح بمفردها عن تفسيرها سنضرب مثلاً بـ «تسامح» ملوك بولندا ونبلائها تجاه اليهود، فقد قاموا بتوطينهم في بولندا وشجعوهم على الاستيطان فيها. ولكن «التسامح» هنا نابع من رؤية أعضاء النخبة الحاكمة في بولندا لليهود كجماعة وظيفية استيطانية يمكن الاستفادة منها. فالهدف عملي إلى حد كبير، كما أن التسامح هنا يؤدي إلى اضطهاد الآخرين، فالطبقة الحاكمة أبدت تسامحاً واضحاً مع أعضاء الجماعة اليهودية حتى يتسنى لها استخدامهم كأداة لقمع الفلاحين والأقنان في بولندا وليتوانيا وأوكرانيا. وفي واقع الأمر، فإننا نجد أن التسامح الغربي مع اليهود هو في العادة تعبير عن هذا الموقف وهذا الإدراك لنفع اليهود وإمكانية الاستفادة منهم كأداة في استغلال الآخرين، أي أنه لا ُيعبِّر عن تسامح أخلاقي حقيقي فيه تَقبُّل للآخر. ولعل موقف بلفور (وكل الصهاينة من غير اليهود) هو خير تعبير عن هذا الموقف الذي ينم بلا شك عن تسامح مع اليهود حيث وقف إلى جوارهم حتى أعلن الوعد المعروف باسمه عام ١٩١٧. ولكن من الواضح أن تسامحه هذا نابع من رغبته في وضع اليهود في خدمة المصالح الإمبريالية البريطانية بحيث يحولهم إلى أداة لقمع العرب واغتصاب أرضهم. ومن ثم، نجد أن بلفور المتسامح هو نفسه الذي حاول أن يوقف هجرة يهود اليديشية إلى إنجلترا، واستصدر من القوانين ما يكفل ذلك حينما كان رئيساً للوزراء. فكأن تسامحه مع المشروع الاستيطاني الصهيوني تعبير عن رغبته الصادقة في التخلص منهم وتوظيفهم. ويمكن أن نقول الشيء نفسه عن نابليون بونابرت وغيره من الزعماء الغربيين ممن أبدوا تسامحاً كبيراً تجاه اليهود.

стр. 3926

وأحياناً تكون الرغبة في التسامح حقيقيةً ولكن القوى التاريخية البنيوية (التي تتجاوز النوايا) تكون أقوى منها، فحينما استولى كاسترو على الحكم في كوبا كان معروفاً بتعاطفه مع أعضاء الجماعة اليهودية، كما كان يرغب صادقاً في أن يستفيد من خبراتهم. وللتعبير عن نواياها الحسنة تجاه أعضاء الجماعة اليهودية بذلت الحكومة الكوبية قصارى جهدها لتوفير اللحم المذبوح شرعياً لهم، غير أن التحولات الاقتصادية الجوهرية، وتأميم كثير من القطاعات الاقتصادية التي كان اليهود مركَّزين فيها، دفع أعضاء الجماعة لأن ينزحوا عن كوبا، ولم يُجد التسامح فتيلاً. وحينما انتُخب النظام الاشتراكي في شيلي بزعامة ألليندي، نزح كثير من أعضاء الجماعة اليهودية عنها، رغم أن النظام منح الأقليات حريات واسعة، ولكن أعداداً كبيرة منهم عادت مع حكم بينوشيه رغم أنه حكم شمولي. ولكل ذلك، فإن مقولة التسامح لا يمكن أن تفسر شيئاً. وقد يكون التسامح شكلاً من أشكال عدم الاكتراث بالهوية، ففي المجتمعات التعاقدية الحديثة لا يدخل الأعضاء في علاقة كاملة جوَّانية وإنما يدخلون في علاقة جزئية برانية وحسب، فالإنسان يتعامل مع الآخر لا باعتباره إنساناً وإنما باعتباره مهندساً أو بائعاً أو سمساراً، وبالتالي فالهوية الإنسانية لشخص، أو سماته المختلفة، تصبح غير ذات موضوع. وقد كان هذا وضع اليهود في الحضارة الغربية إذ كان يتم التسامح معهم كتجار، وكان وضعهم يستند إلى مواثيق خاصة تمنحهم الحماية والمزايا، وكانوا يوضعون في جيتوات خاصة تخلق المسافة اللازمة للأمن الاجتماعي وتحقق لهم العزلة بحيث يمكنهم التعبير عن هويتهم دون أن يشكل ذلك تحدياً للمجتمع، بل دون أن يشعر المجتمع بوجودهم. وقد كانت بعض الجماعات غير اليهودية تبذل جهداً غير عادي للحصول على حق استبعاد اليهود، باللاتينية: دي نون توليرانديس جودايس de non tolerandis Judaeis، أي «عدم التسامح مع اليهود» ) .

стр. 3927

وما حدث في المجتمع الحديث هو أنه أصبح مجتمعاً ذرياً يحتفظ فيه كل فرد بمسافة بينه وبين الآخر، بحيث تصبح سماته الإنسانية وهويته المتعينة أمراً شخصياً محضاً لا يعني أحداً، ويدخل في علاقة تعاقدية مع بقية أعضاء المجتمع (وهذا ما كان يعنيه ماركس بتهويد المجتمع) وهي علاقة خاضعة لقواعد عامة، ومن ثم تتوارى الهويات الخاصة ويتم التحرك في رقعة الحياة العامة، وهي الرقعة التي يفقد فيها الجميع خصوصياتهم ويصبح الإنسان إنساناً طبيعياً مادياً (إنسان اقتصادي أو إنسان جسماني) . والإنسان، داخل هذا الإطار، غير مطلوب منه تَقبُّل أية خصوصيات دينية أو إثنية، فاليهودي لا يقابل المسيحي ويقبله، كما أن المسيحي لا يقابل اليهودي ويقبله (باعتباره الآخر) وإنما يجب أن يتخلى اليهودي عن يهوديته والمسيحي عن مسيحيته على أن يلتقي الجميع عند مستوى علماني مجرد من رقعة الحياة العامة باعتبارهم مواطنين. ويتم تَقبُّل اليهودي بمقدار تخليه عن يهوديته أو بمقدار إظهاره الاستعداد للتخلي عن هويته، فالتسامح هنا ليس تسامحاً مع الآخر وإنما هو تَربُّص به، وهي ليست عملية مساواة وإنما عملية تسوية. إن ما يقابله الإنسان العلماني في رقعة الحياة العامة هو الإنسان الاقتصادي والإنسان الجسماني، وهي أنماط عامة يمكن التعامل معها بكفاءة ويمكن التسامح معها بسهولة إذ أن التسامح هنا لا يعني ضبط النفس أو كبح الذات. وهذا ما عناه دعاة التنوير حينما قالوا إن على اليهودي أن يصبح إنساناً في الشارع يهودياً في منزله، فهي تعني أن على اليهودي أن يصبح إنساناً طبيعياً في رقعة الحياة العامة، أي في معظم حياته. وحينما قرر دعاة التنوير إعطاء اليهود كل شيء كمواطنين ولا شيء كتجمُّع ديني مستقل نسبياً، فهم كانوا يطالبون اليهودي بأن يصبح إنساناً طبيعياً، ومادة بشرية نافعة.

стр. 3928

ولكن إخفاء الهوية وعزلها، والاحتفاظ بها في المنزل، يؤديان إلى ضمورها واختفائها في نهاية الأمر. وهنا نجد أن التسامح ليس شكلاًً من أشكال عدم الاكتراث، وإنما هو أيضاً محاولة للقضاء على الهويات المختلفة وعلى الآخر حتى يصبح الجميع مواطنين منتجين ومستهلكين (فقط) يتم تنميطهم حسب المواصفات التي تضعها الدولة. ويُلاحَظ أنه، بعد انتشار التسامح في المجتمع الغربي، وبعد أن تمت مساواة أعضاء الجماعات اليهودية بغيرهم من الجماعات والأفراد، وبعد أن أصبح وجودهم يستند لا إلى المواثيق الخاصة وإنما إلى الحقوق الثابتة (أي بعدما أصبح اليهود مواطنين) ، فإنهم آخذون في الاختفاء إذ يترك اليهودي عزلته ويندمج هو وغيره من أعضاء الأقليات مع بقية المواطنين لينصهر الجميع في بوتقة الوطن ويصبحوا نمطاً واحداً. ولذا، يُلاحَظ أنه، مع تزايد التسامح، تتزايد معدلات موت الشعب اليهودي وتَناقُص أعداده. ولذا، فإن بعض الصهاينة يرون أن الاضطهاد هو وحده الكفيل بتحقيق وحدة الشعب اليهودي، وهذا ما أشار إليه آي. إف. ستون حين قال «الصهيونية تزدهر بالكوارث» . وقد كان كثير من المستوطنين الصهاينة يطالبون دائماً بحسن معاملة العرب، وبضرورة التسامح معهم. ولكن الوضع البنيوي للمستوطنين الصهاينة، كجزء من بنية استيطانية إحلالية، يجعل تسامحهم غير ذي موضوع. فالمستوطن الصهيوني، مهما صدقت نيته، ومهما امتلأ قلبه حباً للعرب، يأخذ مكان مواطن عربي شاء أم أبى. احتكار دور الضحية (من المسئول ومن الضحية؟ ( Monopolizing the Role of the Victim ,Who is to Blame and Who is the Victim

стр. 3929

من الأسئلة التي تثار دائماً في دراسة تواريخ الجماعات اليهودية محاولة تحديد المسئولية عما حدث لليهود عبر التاريخ، وهل هم المسئولون عن العنف الذي يحيق بهم، أم أنهم ضحية لهذا العنف؟ فيقول الصهاينة إن اليهود هم دائماً الضحية وأنهم تم طردهم من بلد لآخر واضطهادهم دون سبب واضح ودون رحمة أو شفقة. بل يحاول الصهاينة في كثير من الأحيان تضخيم دور اليهود كضحية بحيث يحتكرون هذا الدور ويبذلون قصارى جهدهم في إنكار هذا الدور على الآخرين. ولذا حينما يحاول أحد المؤرخين أن يبيِّن أن عدد البولنديين الذين أبيدوا على يد النازيين يفوق عدد من أُبيد من أعضاء الجماعات اليهودية وأن نسبة من أبيد من الغجر أعلى من نسبة من أبيد من اليهود فإن الصهاينة يثيرون صخباً وضجيجاً بشكل ممجوج ومبتذل. وقد استمر تضخيم دور اليهود كضحية حتى أصبح الشعب اليهودي يعادل المسيح المصلوب في بعض مدارس الفكر الديني اليهودي الحديث. ويحاول الصهاينة توظيف دور اليهود كضحية في خدمة مشروعهم السياسي الاستعماري، فيطالبون ألمانيا بأن تدفع بلايين الدولارات تعويضاً لليهود عما وقع لهم من مذابح، بل يصبح احتلال فلسطين وطرد سكانها منها مجرد تعويض عما حاق باليهود من أذى على يد النازيين! وقد ركَّز المدعي العام الإسرائيلي إبان محاكمة أيخمان على هذه القضية، وعلى دور اليهود كضحية أزلية، عبر الزمان والمكان. وقد كان رد محامي الدفاع على أطروحة المدعي العام ذكياً للغاية، فقد تساءل عن هذا الشعب الذي يضطهده الجميع في كل زمان ومكان، ألا يمكن أن يكون هو المسئول عما يحدث له؟ وقد أصيبت قاعة المحكمة بالذهول حين طرحت القضية على هذا النحو غير المتوقع. ويجيب المعادون لليهود على هذا السؤال بالإيجاب قائلين: «نعم إن اليهود هم ولا شك المسئولون» .

стр. 3930

وكل من الطرحين الصهيوني والمعادي لليهود يتسم بعدم إدراك لتركيبية الظواهر الاجتماعية، فسؤال من المسئول ومن الضحية يفترض أن الظواهر الاجتماعية في جميع جوانبها نتاج وعي الإنسان وإرادته، مع أن هناك جوانب كثيرة في الواقع تتشكل خارج إرادة الإنسان ووعيه، بل تؤثر في وعيه أحياناً دون إدراكه. فاشتغال اليهود بالربا داخل سياق الحضارة الغربية حوَّلهم إلى مستغلين للجماهير ولكنهم أصبحوا كذلك لا بقرار واع منهم أو من النخب الحاكمة الأوربية وإنما نتيجة مركب من الأسباب. ويُلاحَظ أحياناً أن كثيراً من ظواهر العنف في التاريخ نتيجة مسئولية مشتركة بين من مارس العنف ومن وقع ضحيته. وقد ميَّز مالك بن نبي بين الاستعمار والقابلية للاستعمار. فالاستعمار ظاهرة عنف واستغلال لا مراء في هذا، ولكنه يتحوَّل إلى حقيقة لا من خلال عنف الإمبريالية وحسب وإنما من خلال ضحية هذا العنف، التي تتصف بالقابلية للاستعمار. ويمكن أن نطبق هذا المنطق على أعضاء الجماعات اليهودية في الحضارة الغربية. وأخيراً يمكن القول بأن طرح سؤال: من المسئول ومن الضحية؟ تحوِّل دراسة التاريخ إلى محاكمة تسبق الفهم وتؤدي إلى شكل من أشكال الاختزال والاستقطاب الذي يُسقط كثيراً من العناصر التي أشرنا لها من قبل. التفسير الحرفي Literalist Interpretation

стр. 3931

«الحرفية» في التفسير هي أن يصر المؤمن بكتاب مقدَّس على أن نصوص هذا الكتاب معناها واضح وبسيط ويحمل رسالة مباشرة صريحة (مثل القاعدة العلمية أو اللغة الجبرية) يمكن التوصل إليها مباشرةً دون اجتهاد كبير أو إعمال عقل، ولذا لابد من التمسك بحرفية النص. وعادةً ما يؤمن الحرفيون بأن ما جاء في كتابهم المقدَّس يتحقق حرفياً في الواقع الإنساني والتاريخي والمادي، وأن الأحداث التاريخية والحقائق العلمية تتفق تماماً مع ما جاء في النص المقدَّس. كما أنهم يرون أن المجاز في الكتاب المقدَّس ليس مجازاً دائماً وإنما واقع حقيقي مادي. وبهذا المعنى نجد أن التفسير الحرفي لا يختزل الواقع وحسب ولا النص المقدَّس وحسب وإنما كليهما، فهو يلغي المسافة بينهما تماماً ويلغي ثنائية النص والواقع فيختزل الواقع المادي للنص المقدَّس (المتجاوز للعالم المادي) كما يختزل النص المقدَّس للواقع المادي، وتزداد الدائرة ضيقاً واتساعاً حسب أهواء المفسر. هذا على عكس الأصولية، وهي العودة إلى الأصول الأولى كما تتبدَّى في النصوص المقدَّسة وفي ممارسات الأولين والصالحين واجتهادات الفقهاء، وهذه الأصول بمنزلة الكل الذي ينتظم الأجزاء جميعاً، وهي بمنزلة الجذر الذي تتفرع عنه كل الاجتهادات، وهي القيمة الحاكمة والركيزة النهائية للنسق الديني. وهذه الأصول، لأنها «الكل» و «الجذر» و «القيمة الحاكمة» ، تشكل الإطار العام لعملية اجتهاد مستمرة في كل عصر يقوم بها عقل المؤمن المفسِّر المجتهد بالعودة إلى النص المقدَّس وفي إطار مرجعيته. وهذا يعني أن الاجتهادات التي يصل إليها الإنسان ليست هي نفسها النص المقدَّس (رغم أنه يظل المرجعية النهائية) وإنما تتراوح في قربها وبعدها عنه، ومن هنا ضرورة تجديد الاجتهاد، الذي ينطلق من النص ويعود إليه.

стр. 3932

والتفسير الحرفي يستند إلى نموذج معرفي كامن، فالنص المقدَّس ليس كلام الإله الذي تم التعبير عنه من خلال لغة مجازية مركبة تشير إلى المطلقات المتجاوزة الأمر الذي يعني انفصال الدال (المحسوس) عن المدلول (المتجاوز) وإنما هو تَجسُّد مباشر للإله في العالم، بل هو الإله نفسه، وهو ما يعني اندماج الدال (المحسوس) بالمدلول (المتجاوز) واختفاء المسافة بينهما. وهذا يعني في واقع الأمر إنكار ثنائية المخلوق والخالق وثنائية الدال والمدلول وثنائية النص والواقع الأمر الذي يعني محو ثنائية المطلق والنسبي والتاريخي والأزلي. وإنكار مجازية اللغة تعني في واقع الأمر إنكار تَنزُّه الإله عن العالم ومحاولة فرض الواحدية عليه، ولذا يصبح التاريخ المقدَّس الذي ورد في الكتاب المقدَّس تصوُّراً مادياً مباشراً (صورة طبق الأصل من الواقع) آخذاً في التحقق الآن (ولذا لا يمكن الاجتهاد في التفسير) ، وكل ما ورد في النص المقدَّس يتحقق حرفياً في الواقع التاريخي والطبيعي، ولذا فالتاريخ المقدَّس (المطلق) يصبح التاريخ الإنساني (النسبي) ، والحقائق التي وردت في النص المقدَّس تصبح حقائق علمية، وكلام الإله المتجاوز يصبح قوانين الحركة.

стр. 3933

ورغم الاختلاف الظاهر للتفسير الإشراقي عن التفسير الحرفي فإن ثمة تلاقياً بينهما على مستوى النموذج الكامن. فالمفسر الحرفي يجتزيء فقرة ما من النص المقدَّس ويعزلها عن النموذج الكامن فيها والرؤية العامة، ثم يلوي بعد ذلك عنق النص ويوظفه بالطريقة التي تعن له، أي أنه يفرض عليه أي معنى، إذ أن المفسر الحرفي قد تحرَّر تماماً من القيود الأخرى التي يفرضها عليه النص المقدَّس من خلال معناه الكلي فيرى أن هذه الفقرة نبوءة بهذه الحادثة التاريخية وهذه الجملة صياغة لقانون طبيعي تم اكتشافه مؤخراً. وهذا لا يختلف كثيراً عن التفسير الباطني، فالمفسر الباطني يفرض أيضاً على النص المقدَّس المعنى الذي يراه. وإذا كان المفسر الحرفي يجتزيء فقرة واحدة ويؤسس رؤيته عليها، فالمفسر الإشراقي يأخذ كلمة واحدة ويكتشف معناها الرقمي ويستخلص منه المعنى «الحقيقي» . وقد يُقال إن المفسر الحرفي لا يكتفي بحرفية النص وإنما يذهب إلى الواقع التاريخي أو العلمي ومن ثم فهو لا يفرض رؤيته هو. ولكن ما يحدث هنا أن المفسر الحرفي يتأرجح بين التمركز حول الموضوع والتمركز حول الذات (على عكس المفسر الباطني المتمركز تماماً حول الذات) . وقد بيَّنا الاتفاق بين الحرفي والباطني في التمركز حول الذات. أما التمركز حول الموضوع فيأخذ شكل أن النص المقدَّس يكتسب مصداقيته من تطابقه مع الحوادث التاريخية أو الحقائق العلمية، فكأن المرجعية النهائية هنا هي الواقع التاريخي الزمني أو العلمي وليس النص المقدَّس. والطريف أنه نتيجةً لذلك تتم محاكمة النص المقدَّس من منظور الواقع، وليس محاكمة الواقع المادي من منظور النص المقدَّس.

стр. 3934

ويمكن القول بأن ثمة متصلاً في أقصى جانبيه التفسير المادي الذي ينكر ثنائية الروح والمادة ويمحوها لحساب المادة ويدور في إطار الواحدية المادية، وفي الجانب الآخر التفسير الإشراقي الذي ينكر هو الآخر ثنائية الروح والمادة ويمحوها لحساب الروح ويدور في إطار الواحدية الروحية. أما التفسير الحرفي فيقف بينهما فهو تفسير واحدي مثلهما ولكنه يتأرجح بين القول بأن النص المقدَّس (كعبارات وفقرات بسيطة) يحوي حوادث التاريخ والقوانين الطبيعية، ولذا يمكن فهمها بالعودة للنص، ولكنه يقول أيضاً إن النص يتطابق مع الواقع (التاريخي والطبيعي) ومن ثم يمكن الوصول إلى معنى الكتاب المقدَّس بالعودة لحوادث التاريخ والقوانين الطبيعية. وهذا التأرجح هو الذي يسم العقل الغربي منذ عصر النهضة وقد اكتشفه إسبينوزا الذي توصل إلى أنه داخل المنظومة الحلولية الكمونية يمكن أن تكون وحدة الوجود الروحية هي وحدة الوجود المادية، وأن الإله هو الطبيعة. وما يحدث هو أن التأرجح يستمر بعض الوقت ويتزايد الإيمان بتطابق النص المقدَّس مع الواقع التاريخي والطبيعي. وبالتدريج ينتقل الاهتمام من النص المقدَّس إلى الواقع الذي يصبح مكتفياً بذاته. وبذا ننتقل من التأرجح بين وحدة الوجود الروحية ووحدة الوجود المادية إلى وحدة الوجود المادية أي العلمانية الشاملة. ولذا يمكن القول بأن انتشار التفسيرات الحرفية يصلح مؤشراً على تصاعد معدلات العلمنة. وعندنا ما يساند مثل هذه الأطروحة في تاريخ الحضارة الغربية، فعصر النهضة وظهور الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية هو أيضاً عصر ظهور الحركات الشعبوية الحلولية والتفسيرات الحرفية.

стр. 3935

والتفسيرات الحرفية تفسيرات ديموقراطية، لأنها بالغة السهولة. إذ يفتح المفسر النص المقدَّس ويأخذ منه سطراً أو سطرين ويفسرهما بطريقة مباشرة، ولذا نجد أن الحركات الثورية الشعبية ذات الطابع المشيحاني الحلولي الكموني عادةً ما تكون تربة خصبة لظهور التفسيرات الحرفية للنصوص المقدَّسة والتنبؤات التي ترى أنه سيحدث تجسد كامل وفجائي للإله في التاريخ الإنساني (فيعود المركز إلى داخل النموذج) وتمتلئ الدنيا عدلاً بعد أن امتلأت جوراً وتنتهي كل الآلام، ويتوقف التاريخ البشري باعتباره مجال الحرية والجبر والانتصار والانكسار ويصل إلى نهايته السعيدة (نهاية التاريخ) . والعقيدة الألفية الاسترجاعية في التراث المسيحي واليهودي مثل جيد على ذلك. فهي عقيدة فسرت بعض الإشارات العابرة التي وردت في العهد القديم تفسيراً حرفياً ومنحتها مركزية مطلقة. وقد حاولت الكاثوليكية واليهودية الحاخامية تهدئة النزعة المشيحانية عن طريق وضع بعض الحدود على مسألة حلول المركز في النموذج وحلول الإله في التاريخ وهو ما يؤدي إلى تصفية الثنائيات وظهور التفسيرات الحرفية المادية. ولذا، طرحت التفسيرات المجازية وأكدت ضرورة البُعد عن التفسيرات الحرفية. فصهيون بالنسبة للكاثوليكية واليهودية الحاخامية فكرة مثالية (مدينة الإله - أرض الماشيَّح) التي تتعلق بها الأفئدة والضمائر وتتطلع للعودة إليها في آخر الزمان خارج التاريخ بأمر الإله ولا علاقة لها بالمنطقة الجغرافية التي تُسمَّى فلسطين ولا بالزمان الإنساني، والشعب المختار جماعة من المؤمنين تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

стр. 3936

والبروتستانتية المتطرفة والصهيونية ذات الديباجة المسيحية والديباجة اليهودية تتبعان منهجاً حرفياً لا أصولياً. فالجماعات البروتستانتية المتطرفة جماعات تقدم تفسيرات حرفية للعهد القديم تختلف تماماً عن التفسيرات المجازية والرمزية التي كانت تطرحها الكنيسة الكاثوليكية. ومن هنا الطبيعة الثورية المبدئية للتفسيرات الحرفية، فبإمكان المفسر الحرفي البسيط أن يتجاوز التفسيرات المؤسسية المركبة السائدة. ولكن ما يحدث أنه بعد المرحلة الثورية المبدئية، تظهر الطبيعة الرجعية المحافظة للتفسيرات الحرفية، فهي تجعل الواقع المباشر، الزماني والمكاني، مرجعيتها الوحيدة ولا تتجاوزه، فالجماعات التي يُقال لها مسيحية أصولية في الولايات المتحدة، هي في واقع الأمر جماعات حرفية، تدافع عن القيم المسيحية وعن تماسك الأسرة ومع هذا تساند اقتصاديات السوق الحر، بل سياسات أمريكا الخارجية والدولة الصهيونية. وهذا يدل على سذاجة الحرفيين، ويبيِّن مدى ارتباط رؤيتهم بالواقع الذي يرفضونه ومدى اعتمادهم عليه وعجزهم عن تجاوزه. فالاقتصاد الحر أكبر آلية لتقويض كل القيم، مسيحية كانت أم إنسانية، والدولة الصهيونية لا تلتزم بأية معايير دينية أو أخلاقية أو إنسانية. والجماعات اليهودية الصهيونية ترفض هي الأخرى التفسيرات المجازية التي طرحتها اليهودية الحاخامية لتحل محلها تفسيرات حرفية. فبدلاً من «صهيون» مدينة الإله، تظهر «فلسطين» باعتبارها موقعاً جغرافياً يصلح للاستيطان، ويتحول الشعب المختار إلى شعب بالمعنى البيولوجي الحرفي، وتصبح العودة لا عودةً خارج التاريخ بعد انتهاء الزمان وإنما عودةً فعلية وحرفية للشعب اليهودي إلى فلسطين كجماعة استيطانية في أول فرصة تسنح له (وحينما تسمح له قوته العسكرية بذلك وحسب إجراءات علمية مادية صارمة) .

стр. 3937

ويُلاحَظ ترابُط التفسير الحرفي للعهد القديم والبُعد العسكري، وهذا أمر متوقع فحين تتحول صهيون إلى فلسطين (ثم تصبح إسرائيل) ، فلا مناص من وضع الرؤية الصهيونية الحرفية موضع التنفيذ من خلال العنف العسكري. ولعل حروب الفرنجة أول تطبيق عملي لهذه الحرفية. ويمكننا أن نقول إن معظم الحركات الشمولية اليمينية واليسارية حركات حرفية، فهي حركات لها كتبها المقدَّسة (أعمال هتلر ـ كتابات ماركس ـ كتابات لينين) التي تحتوي على كل ما يلزم للتعامل مع الواقع المادي (فثمة تطابق كامل بين النص المقدَّس وهذا الواقع) وإن حدث أن اختلف الواقع عما جاء في النص المقدَّس فيتم إصلاح الواقع فيتفق مع حرفية النص. وحينما نستخدم كلمة «أصولية» فنحن عادةً ما نردفها بكلمة «حرفية» حتى نفرق بين هذه الحرفية والأصولية الحقة التي تصدر عن الإيمان بأن الإله متجاوز، وأن العالم المادي ليس البداية والنهاية، وأن مركز العالم ليس كامناً في المادة. ولذا، فإن ثمة ثنائية لا يمكن تصفيتها تجعل التفسيرات الحرفية أو الباطنية أو المادية الواحدية تعجز عن تفسير عالم مركب، فهي تعبير عن الرغبة الرحمية الكمونية في الهروب من التركيب والثنائيات الفضفاضة. النصوصية Textualism «النصوصية» نسبة إلى «نص» وهي محاولة تفسير سلوك فرد أو جماعة ورؤيتها ومخططاتها بالعودة إلى النصوص المقدَّسة التي يؤمن بها الفرد أو أعضاء هذه الجماعة. والنصوصية شكل من أشكال الحرفية التي تفترض التقابل الكامل بين النص المقدَّس والواقع، ولكن الواقع هنا هو الإنسان. فكأن النص المقدَّس هنا لا يتحقق ولا يتجسد في الواقع وإنما في سلوك الإنسان وفي رؤيته.

стр. 3938

وكثير من العرب يحاولون تفسير سلوك أعضاء الجماعات اليهودية بل سلوك الحركة والدولة الصهيونية بالعودة إلى نص ما في العهد القديم أو التوراة أو بروتوكولات حكماء صهيون التي يظن البعض أنها إحدى كتب اليهود المقدَّسة. كما أنهم يفعلون الشيء نفسه بالنسبة للمخططات الصهيونية، فكلها حسب التصور النصوصي، قد وردت في كتب اليهود المقدَّسة، بل نجد بعض الصهاينة أنفسهم يلجأون لهذا الأسلوب في التفسير فيقولون إن الدولة الصهيونية لابد أن تضم الضفة الغربية لأن العهد القديم ورد فيه كذا وكذا أو لأن التلمود ينص على ذلك. ونموذج تفسير السلوك من خلال النصوص نموذج اختزالي مريح. وعملية التفسير عادةً تأخذ الشكل التالي: ١ ـ يسلك اليهودي أو الصهيوني بطريقة معينة أو يخطط لشيء ما. ٢ ـ يتجاهل الدارس الدوافع المركبة والمتعينة لمثل هذا السلوك أو المخطَّط، كما يتجاهل الظروف الإيجابية والسلبية التي قد تساعد الصهيوني على (أو تعوقه عن) تحقيق مخطَّطه. ٣ ـ يتجاهل الدارس تركيبية الكتب اليهودية المقدَّسة وتداخُلها، بل تناقضها أحياناً. ٤ ـ يبحث الدارس عن النص المناسب الذي يتماثل والسلوك أو المخطَّط (متجاهلاً النصوص غير المناسبة) . ٥ ـ يعلن الدارس أن اليهودي أو الصهيوني قد سلك مثل هذا السلوك أو وضع مثل هذا المخطط لأن كتبه المقدَّسة تدعوه إلى ذلك. والأطروحة الأساسية الكامنة هنا بسيطة وساذجة إذ تذهب إلى أن ثمة تماثلاً كاملاً بين النص المقدَّس وسلوك الإنسان. والعملية التفسيرية تتم من خلال عملية تبسيط واختزال لكلٍّ من النص المقدَّس (استبعاد الفقرات غير المناسبة) وسلوك الإنسان (استبعاد الدوافع والظروف المركبة) . والتفسير النصوصي يتجاهل عدة عناصر:

стр. 3939

١ ـ أن اليهودية باعتبارها تركيباً جيولوجياً تراكمياً، لها عدة كتب مقدَّسة كُتبت في عدة مراحل تاريخية وتحتوي على رؤى للكون مختلفة، فتوحيدية كتب الأنبياء متناقضة بشكل جذري مع حلولية القبَّالاه. والتلمود هذا الكتاب الضخم المكون من سبعة عشرة جزءاً والذي كتب على مدار ألف عام وكتبه مئات الحاخامات يحوي الشيء ونقيضه. ٢ ـ لا تشغل الكتب المقدَّسة عند اليهود المركزية نفسها التي يشغلها القرآن في الإسلام. فاللوجوس عند اليهود هو الشعب نفسه، كما أن القداسة في كثير من الأحيان تنتقل من الكتاب المقدَّس (التوراة على سبيل المثال) إلى التفسير الحاخامي (المشناه) . ٣ ـ يتجاهل التفسير النصوصي مشكلة التفسير، فثمة مدارس تفسير كثيرة لكلٍّ منها نموذجه المعرفي. وبعض هذه المدارس ذو اتجاه توحيدي إنساني متفتح، والبعض الآخر ذو اتجاه حلولي شوفيني. ٤ ـ يتجاهل التفسير النصوصي (الحرفي) تركيبية الكتاب المقدَّس وأن فقراته المختلفة لا توجد مستقلة وإنما توجد في سياق النص ككل. ومن ثم لا يمكن اجتزاء فقرة واحدة والتعميم منها، وإنما يجب أن يكون التعميم استناداً إلى النص في كليته. ٥ ـ يتجاهل التفسير النصوصي تركيبية الدوافع الإنسانية والظروف التي تؤثر في سلوك الإنسان وأن النص لا يتحكم في سلوك اليهود. ٦ ـ تتجاهل النصوصية أن النص المقدَّس بالنسبة للمؤمن به يطرح رؤية مثالية، يحاول بعض المؤمنين تحقيقها، ومن ثم فهي بطبيعتها غير متحققة في كليتها في الواقع المادي.

стр. 3940

٧ ـ تُسقط النصوصية أمراً مهماً للغاية وهو أن كثيراً من اليهود لا يعرفون نصوصهم المقدَّسة مع تزايد معدلات العلمنة. فهي ابتداءً نصوص ضخمة وهي ثانياً مكتوبة بلغات ميتة. فمارتن بوبر على سبيل المثال (وهو أهم مفكر ديني يهودي في العصر الحديث) رأى التلمود لأول مرة في حياته في عيد ميلاده الستين، فقد كان يفضل الغوص في التراث القبَّالي والقصص الحسيدية (إلى جانب أيديولوجيات الشعب العضوي والتربة والدم والرومانسية الشمولية) . وقد صرح ما يزيد على ٨٦% من الإسرائيليين بأنهم لم يقرأوا التلمود قط، ولعلهم لا يعرفون سوى بعض السطور التي ترد في بعض المقالات والدراسات. ٨ ـ لا تؤمن غالبية يهود العالم الآن باليهودية كعقيدة ومن ثم لا تؤمن بكتبها المقدَّسة ولا تعيرها التفاتاً إذ انتقل اهتمام غالبية أعضاء الجماعات اليهودية من العقيدة اليهودية إلى الإثنية اليهودية والثقافة اليهودية (عادةً ذات الجذور الشرق أوربية) . ولذا فإن الكتب المقدَّسة اليهودية أصبحت بمنزلة الفلكلور لهم، ومن ثم ليست ملزمة. والتفسير النصوصي ليست له قيمة تفسيرية كبيرة، وهو دائماً تفسير بأثر رجعي، أي أنه يفسر الظاهرة بعد وقوعها ولا يَصلُح للتنبؤ بسلوك اليهودي ومخططاته.

стр. 3941

ويظهر ضعف المقدرة التفسيرية للنصوص في محاولة تفسير التوسعية الصهيونية. فعادةً ما يُقال إن التوسعية الصهيونية حتمية ويُشار إلى عبارات مثل «من النيل إلى الفرات» باعتبارها دليلاً على حتمية التوسعية. ولكن من المعروف أن خريطة إرتس يسرائيل غير محددة المعالم، وخريطة إسرائيل الكبرى لم يتم الاتفاق عليها. كما أن التوسعية الصهيونية لم تتبع أي نمط يمكن تفسيره بالعودة إلى النصوص. فمن المعروف أن الضفة الشرقية لنهر الأردن تتمتع بقداسة خاصة في الوجدان الديني اليهودي، فهي جزء لا يتجزأ من إرتس يسرائيل التي وُزِّعت على القبائل العبرانية. وقد كان نشيد الحركة الصهيونية التصحيحية هو إنشاء الوطن القومي اليهودي على ضفتي الأردن. ومع هذا ضمت إسرائيل عام ١٩٦٧ شبه جزيرة سيناء ومرتفعات الجولان. وقد قام المتحدثون الصهاينة بترديد نصوص دينية عن قداسة مرتفعات الجولان وعن شبه جزيرة سيناء. ومع هذا فقد أخلوا سيناء ويتحدثون عن إخلاء الجولان. وموقف بن جوريون من التوسع والنصوص الدينية له دلالة في هذا المضمار. فحينما كانت القوات المصرية أثناء حرب الاستنزاف تحقق انتصارات كانت عبارة «من النيل إلى الفرات» تتحول قليلاً ويتذكر ابن جوريون أن كلمة «النيل» لم ترد في النصوص المقدَّسة وإنما وردت عبارة «نهر مصر the brook of Egypt» وفي هذه الحالة يمكن الإشارة إلى أي مجرى مائي في العريش، أي أن الأرض المقدَّسة تنكمش بمدى تَزايُد القوة العربية والعكس أيضاً إذ أن نهر مصر يصبح النيل في حالة التفوق العسكري الإسرائيلي. وهذا هو الحال ككل مع التوسعية الصهيونية، فهي لا تخضع للنص وإنما للموازنات الواقعية الداروينية التي يؤمن بها الصهاينة ويحترمونها تمام الاحترام، ثم تخرج النصوص لعمليات التبرير. والصراع الذي دار حول تفسير مفهوم بكوح نيفيش (انظر: «احترام حياة اليهودي [بكوّح نيفيش] » ) هو أيضاً مثل جيد على تبعية النص للواقع. وقد سخر

стр. 3942

رابين ممن يستخدمون النصوص المقدَّسة لتفسير السلوك الصهيوني. فبعد توقيع اتفاقية غزة أريحا ثار بعض الحرفيين من الصهاينة فذكرهم رابين بأن يشوع قد قال " ملعون قدام الرب الرجل الذي يقوم ويبني هذه المدينة " (يشوع ٦/٢٧) ومن ثم يكون منحها للسلطة الفلسطينية ليس أمراً ممكناً وإنما مرغوباً فيه، فهي ملعونة. وغني عن القول أن أريحا قد ضُمَّت إلى غزة كمجال لممارسة السلطة الفلسطينية لأسباب لا علاقة للتوراة بها. والتفسير النصي يشوه رؤيتنا للواقع، فنحن نتصور أن اليهود سيتدافعون للاستيطان في الضفة الغربية بالآلاف إن أُتيحت لهم الفرصة. وهذا يجعلنا ننسى أن معظم أعضاء الجماعات اليهودية قد تمت علمنتهم وبالتالي فهم باحثون مرنون عن المنفعة واللذة والحراك الاجتماعي وأن من الأجدر تفسير دوافعهم وسلوكهم في هذا الإطار وأنهم حينما يهاجرون إلى أرض الميعاد فهم يفعلون ذلك بحثاً عن الثروة. كما أننا بتركيزنا على النصوص نهمل العناصر البنيوية فلا نرى مثلاً أن ثمة حقيقة أساسية، رغم كل ما يقوله النص، وهي أن عدد اليهود في العالم ـ ومن ثم فعدد اليهود القادرين على الاستيطان ـ آخذ في التناقص. فثمة حقيقة بنيوية لابد أن نأخذها في الاعتبار عند محاولة التعامل مع الواقع الصهيوني. هذا لا يعني أنه لا توجد علاقة على الإطلاق بين النص الديني وبين سلوك الإنسان وخططه ورؤيته، فثمة علاقة لا شك فيها تتفاوت قوة وضعفاً من إنسان لآخر ومن مرحلة تاريخية لأخرى ومن موقف لآخر. وتزيد قوة تأثير النص الديني على المستوى الفردي وتضعف على المستوى المجتمعي، فمعظم الدول في العصر الحديث ذات تَوجُّه علماني واضح تجد أن صالحها هو المطلق، وهو ما يجعلها تدرس موازين القوى جيداً قبل دراسة أي نص ديني. لابد إذن من أخذ النص الديني في الاعتبار دون اختزال تركيبيته أو تركيبية الدوافع أو الظروف، فسلوك الإنسان نتاج عملية تفاعل بين كل هذه العناصر.

стр. 3943

يوسيفوس فلافيوس (٣٨ – ١٠٠ ( Josephus Flavius هو يوسف بن ماتيتياهو هاكوهين. سياسي وقائد عسكري ومؤرخ يهودي من مقاطعة يهودا الرومانية في العصر الهيليني. من أسرة كهنوتية أرستقراطية. وكانت لأمه صلة قرابة بالأسرة الحشمونية، أي أنه كان من الطبقة الحاكمة والنخبة المتأغرقة القريبة من روما المرتبطة بها المتعاونة معها. درس الشريعة اليهودية، حسبما قال، ومن ذلك تعاليم الفريسيين والصدوقيين والأسينيين. وقضى ثلاثة أعوام في الصحراء مع أحد الزهاد (لعله من الأسينيين) ، وانضم في سن التاسعة عشرة إلى فريق الفريسيين. وُصف بأنه كان شخصاً شديد الطموح لا ضمير له. ورغم أن التعليم الذي تلقاه يوسيفوس كان تعليماً دينياً يهودياً فحسب، فإنه كان على دراية كبيرة بالعالم، فقد سافر إلى روما وعرف مدى قوتها وعدم جدوى الوقوف أمامها.

стр. 3944

وحينما نشب التمرد اليهودي الأول (٦٦ ـ ٧٠م) ، حاول في بادئ الأمر، حسب روايته، أن يقنع الثوار بالعدول عن خطتهم، ولكنه اضطر في النهاية إلى الانضمام لهم. وقد عينته الحكومة الجديدة قائداً عسكرياً لمنطقة الجليل عام ٦٦م وهي منطقة كانت معروفة بخصبها وثرائها، كما أنها كانت تُعَد أهم منطقة من الناحية العسكرية إذ من المتوقع أن يأتي الرومان من الشمال ليواجهوا أول ما يواجهون تحصينات هذه المنطقة العسكرية. وحينما وصل الرومان، سرعان ما تساقطت التحصينات والمدن اليهودية، الواحدة تلو الأخرى، فحاول يوسف هاكوهين الهرب، ولكنه لم يفلح إذ أبقاه جنوده رغم أنفه، ثم تمكَّن القائد والجنود من الفرار إلى أحد الكهوف حيث قرر الجنود الانتحار بطريقة جماعية. فقام يوسف هاكوهين بعمل القرعة بنفسه، وأشرف على عملية الانتحار ذاتها، وكفل له ذلك أن يكون آخر المنتحرين. وحينما لم يتبق إلا هو وشخص آخر، أقنعه بالاستسلام للرومان بدلاً من الانتحار. وعندما مثل هاكوهين بين يدي القائد الروماني فلافيوس فسبسيان ادعى أنه مطلع على الغيب وتنبأ للقائد الروماني بأن له مستقبلاً باهراً وأنه سيتبوأ عرش روما. وبعد هذا، قام المتنبئ هاكوهين بحملة إعلامية للترويج لنبوءته، وصحب فسبسيان إلى مصر وانضم إلى تيتوس أثناء حصاره القدس، وأصبح المتحدث باسم الرومان، وطلب إلى المتمردين اليهود الاستسلام. وبعد هزيمة المتمردين، سار يوسيفوس معه في موكب النصر الذي عُرض فيه الأسرى اليهود. ثم قطن في منزل تيتوس السابق وحصل على المواطنة الرومانية وعلى معاش وقطعة أرض خصبة في الجليل (فلسطين) كانت ضمن الأراضي التي صادرها الرومان. وقد غيَّر يوسف هاكوهين اسمه إلى يوسيفوس فلافيوس، أي أنه لتَّن اسمه العبراني يوسف واتخذ اسم الإمبراطور الروماني اسماً للأسرة.

стр. 3945

كتب يوسيفوس كل مؤلفاته في روما ومن أهمها كتاب الحرب اليهودية الذي كتبه بالآرامية وأشرف بنفسه على ترجمته إلى اليونانية عام ٧٧ م وقد فُقدت النسخة الآرامية ولم يبق سوى الترجمة. والهدف من هذا الكتاب إقناع يهود بابل بقوة روما وإظهار براءة الرومان أمام اليهود، فبين على سبيل المثال أن الهيكل قد أُحرق بدون أمر تيتوس. كما استهدف الكتاب الدفاع عن اليهود أمام الرومان وإظهار براءة اليهود وكذلك تبرير انشقاقه على بني جلدته. وقد صوَّر يوسيفوس الحرب اليهودية (من وجهة نظر فريسية) باعتبارها حرباً من صنع بعض المهووسين من الغيورين، فهي حرب لم يردها اليهود قط. والغيورون من وجهة نظره ليسوا يهوداً أصلاً، فقد دنسوا الهيكل وكانوا يحتقرون الشريعة. لقد فُرض التمرد إذن فرضاً على اليهود من قبل جماعة من اللصوص لم تترك إثماً دون اقترافه. أما كتابه الضخم قدَم اليهود فقد كتبه يوسيفوس (عام ٩٣م) لأغراض إعلامية إن صح التعبير، فهو كتاب يسرد تاريخ اليهود من بدء الخليقة حتى التمرد اليهودي، يدافع فيه عن اليهود وشرائعهم وتقاليدهم بالبراهين العقلية، ويصف عاداتهم وأخلاقهم بطريقة تحبِّبها إلى النفس وتلائم فيما بينها وبين الثقافة الهيلينية المعاصرة، كما يحاول أيضاً في كتابه هذا أن يبرئ نفسه من تهمة الخيانة التي لصقت به. ويعد كتابه، بهذا، من أهم الاعتذاريات اليهودية.

стр. 3946

وكتب يوسيفوس سيرة ذاتية تُسمَّى السيرة يبدو أنها ظهرت ملحقاً لكتاب قدم اليهود. ويحاول يوسيفوس في هذا الكتاب أن يرد على أحد المؤرخين الذي اتهمه بأنه تسبب في الحرب اليهودية وأنه كان من دعاة الحرب مع روما. ومن الجدير بالذكر أن ما يذكره يوسيفوس عن دوره في الحرب في هذا الكتاب يختلف من عدة أوجه عما ذكره في كتابه السابق. وكتب كذلك الرد على أبيون وهو رد على اتهامات السفسطائي السكندري أبيون ضد اليهود. وقد وصفت الموسوعة اليهودية يوسيفوس بأنه لا يُعتَد به كمؤرخ، وأن طموحه كان أساساً طموحاً أدبياً، كما وُصفت كتبه بأنها ذات قيمة أدبية بالدرجة الأولي. ورغم كل الشكوك التي تحيط بيوسيفوس، سواء من الناحية الأخلاقية أو من الناحية النفسية أو العلمية، فإن الحركة الصهيونية قد روَّجت للقصة التي نشرها عن ماساده وعن الانتحار الجماعي لليهود، وذلك رغم أنه هو أهم مصدر لهذه القصة (ولعله المصدر الوحيد) ورغم شك كثير من العلماء اليهود وغير اليهود في صحة هذه القصة. نحمان كروكمال (١٨١٧ – ١٨٨٨ ( Nahman Krochmal

стр. 3947

مؤرخ وفيلسوف روسي يهودي كان يعمل بالتجارة، ثم قرر أن يكرس حياته ليدرس تواريخ الجماعات اليهودية. وأهم كتبه دليل الحائرين في هذا الزمان. وفي هذا الكتاب، يحاول كروكمال تفسير مسار التاريخ اليهودي مستخدماً الأنماط الفكرية السائدة في الفكر الألماني المثالي، خصوصاً عند هردر. كما يظهر أيضاً تأثره بفكر فيكو، فيؤكد أن لكل شعب عبقرية روحية كامنة فيه منذ بداية تاريخه، وهي عبقرية تترك أثرها على كل منتجات هذا الشعب الفكرية والروحية، وهذه هي اللبنة الأساسية في فكرة الشعب العضوي. فما عبقرية الشعب اليهودي؟ حاول كروكمال الإجابة عن هذا السؤال مستخدماً الجدل الهيجلي، فأكد أن الأمة اليهودية ليست مثل بقية الأمم، فكل الأمم تمر بدورة نمو ثم نضوج ثم اضمحلال ثم موت نهائي، أما اليهود فلا يمرون بمثل هذه الدورة إذ أن الحياة تدب فيهم مرة أخرى بعد موتهم المؤقت ويبدأون دورة أخرى. وهذه علمنة لفكرة الشعب الأزلي (الدينية (.

стр. 3948

ويُفسِّر كروكمال مقدرة اليهود على التغلب على الموت والاضمحلال بأن لليهود روحاً سرمدية تعرف سر تَجدُّد الحياة ذاتياً. فبينما سيطر الوجود الجسدي أو الأرض القومية على الأمم الأخرى، سيطر على اليهود روح الجماعة وحدها. بل إن كروكمال يرى أن روح هيجل المطلقة ليست سوى إله يسرائيل الذي يرتبط به الشعب المقدَّس برباط وثيق. وتحقيق إرادة هذا الإله أو الروح المطلق هو بمنزلة المثل الأعلى والمصير المحتوم للشعب اليهودي. وبذا، تصبح الأمة اليهودية لا مجرد ظاهرة حضارية منعزلة عن كل الحضارات القومية الأخرى، بل على العكس تصبح وثيقة الصلة بها وتحتويها جميعاً في وحدة عضوية منسجمة. والواقع أن كروكمال، بهيجليته العضوية الواحدية، لم يبتعد كثيراً عن أحد التيارات المهمة في الفكر الديني اليهودي، أي الحلولية الواحدية. ونحن نرى، في واقع الأمر، أن الصورة المجازية الحلولية التقليدية حينما تتم علمنتها تتحول إلى صورة مجازية عضوية متطرفة. ويُعَدُّ كروكمال من أوائل المفكرين اليهود (في العصر الحديث) الذين حاولوا علمنة المفاهيم الدينية التقليدية مثل الشعب المختار. كما أنه، في دراساته، لم يعالج الدين اليهودي وحسب، بل حاول أن يربط الدين بما سماه «الشعب اليهودي» أي أنه مزج بين فلسفة التاريخ والميتافيزيقا وجعل من التاريخ (وليس النسق الديني) مركزاً للمطلقية والقداسة. وقد مهَّد بهذا لظهور الفكر الصهيوني بغيبياته العلمانية وبخلطه بين الانتماءين الديني والقومي. هاينريش جرايتز (١٨١٧ – ١٨٩١) Heinrich Graetz

стр. 3949

مؤرخ ألماني وعالم توراتي وُلد في بوزنان (مقاطعة بولندية ضُمَّت إلى ألمانيا) لوالد كان يعمل جزاراً. درس في أحد المعاهد الدينية الحاخامية، وتعلَّم الفرنسية واللاتينية بمفرده. ونظراً للتناقض بين تعليمه الديني وتعليمه العلماني، خاض أزمة عميقة لم ينقذه منها سوى قراءته لكتاب هيرش تسعة عشر خطاباً عن اليهودية. ثم كتب رسالته للدكتوراه عن الغنوصية في اليهودية. وقد فَترت العلاقة بينه وبين هيرش، وأصبح زكريا فرانكل الشخصية المؤثرة في حياته. وجرايتز مثل صموئيل لوتساتو، ومثل موسى مندلسون بدرجة أقل، يفترض وجود جانبين في الوجود اليهودي: أحدهما عالمي عام، والآخر فريد وخاص. وإذا كانت رقعة العالمي في فكر مندلسون أكبر منها في فكر لوتساتو، فهي تكاد تختفي تماماً في فكر جرايتز الذي يفترض وجود جوهر ثابت كامن في اليهودية وبالتالي في اليهود وينعكس في كل أنشطتهم. فاليهود، أينما كانوا، شعب من المشحاء (جمع «ماشيَّح» ) ، شعب على استعداد للتضحية بكل شيء ومن ذلك الحياة نفسها من أجل مهمته ورسالته. إنه شعب يعبِّر عن مفاهيم دينية وأخلاقية فريدة وخاصة (الجوهر الثابت الكامن) ، واستمراره، برغم كل المذابح التي تحاك ضده، هو معجزة البقاء الدائم.

стр. 3950

والتاريخ اليهودي هو أيضاً تجلٍّ لهذا الجوهر الثابت الكامن. وقد كتب جرايتز أهم أعماله تاريخ اليهود (١٨٣٥ - ١٨٥٧) ليثبت هذه الفكرة. وهو ليس تاريخاً بالمعنى الدقيق للكلمة وإنما هو حشد من التفاصيل لإثبات وحدة اليهود ولإنكار وجود أية اختلافات بين أعضاء الجماعات والتواريخ المختلفة التي يتفاعلون معها. فتاريخ اليهود واليهودية جوهر متسق مع نفسه رغم كل التحولات. وتاريخ اليهود الخارجي في المنفى تاريخ معاناة مستمرة لم يعان شعب مثلها من قبل. وقد اهتم جرايتز بعلم اليهودية باعتباره العلم الذي يحاول أن يصل إلى ذلك الجوهر الكامن الثابت ليعرفه ويعرف قوانينه. ولكنه كأي مؤرخ لتواريخ الجماعات اليهودية، كان عليه أن يتوجه إلى مشكلة تنوع هذه التواريخ وعدم ترابطها وعدم تجانسها، كما كان عليه أن يتعامل مع بعض الجوانب السلبية في النسق الديني اليهودي. وقد فسر هذا باعتباره انحرافاً عن الجوهر. فاليهودية، عبر تاريخها المأساوي، قد راكمت طقوساً مركبة عديدة وعادات «بولندية» نمت كما ينمو الفطر (على حد قوله) . والحل هو التخلص من هذه العادات والطقوس والشعائر حتى يظهر الجوهر الثابت الكامن الحقيقي.

стр. 3951

ويحاول جرايتز أن يربط بين الخاص والعام وأن يحل مشكلة الخصوصية اليهودية والانتماء الإنساني العام، فيذهب إلى استحالة التمييز بين اليهودية واليهود. فاليهودية ليست مسألة إيمان بنسق ديني منفصل عن ذات الإنسان يخضع له الفرد ويحكم على أفعاله وأفعال الآخرين بتطبيق أحكامه ومعاييره، إنما هي مسألة هوية وتلاحم عضوي وممارسة تاريخية وروح شعبية، الأمر الذي ينقل القداسة من النسق الديني إلى أفعال اليهود ذاتها. ولذا، يعادل جرايتز بين اليهودية والتاريخ اليهودي من جهة واليهود أنفسهم من جهة أخرى، فيرى أن العقيدة اليهودية نسق سياسي ديني فريد، روحه التوراة وجسده الأرض المقدَّسة والشعب اليهودي. وهنا يشير جرايتز إلى أن الشعب اليهودي في منزلة المركز للتاريخ العالمي. ولكن الجنس البشري لا يحتاج إلى فكرة اليهودية المجردة، وإنما يحتاج بالدرجة الأولى إلى هذا الشعب اليهودي المشيحاني الذي لا تُهزَم روحه والذي يُجسِّد بشكل متعيِّن ومحسوس روح اليهودية وجوهرها الثابت الكامن. وبالتالي، تصبح أكبر خدمة يسديها اليهود للعالم هي التمسك بهويتهم المتعينة والحفاظ على تفردهم الذي يترجمون من خلاله الفكرة العامة إلى واقع محسوس. ومن ثم، تصبح اليهودية ديناً عالمياً، لا بالرغم من أنها دين قومي وإنما بسبب ذلك. ويُلاحَظ أن الحل هنا لا يختلف كثيراً عن حل مندلسون ولوتساتو، كما يُلاحَظ أن فكرة الشعب اليهودي كمركز للكون، وباعتبار أن أفراده مشحاء مخلِّصون وأن الخلاص لا يمكن أن يتم بدونهم فكرة أساسية في تراث القبَّالاه، سيطرت على رؤية كثير من المفكرين اليهود في القرن التاسع عشر، مع العلم بأن جرايتز ما كان يكن كثيراً من الاحترام للقبَّالاه أو للحسيديين.

стр. 3952

ونحن نرى أن كل ما فعله جرايتز هو علمنة المفاهيم الدينية التقليدية واستخدام رؤية عضوية حديثة لا تختلف كثيراً عن الرؤية الحلولية الكمونية التقليدية. فالرؤية العضوية ترى كل شيء وهو ينمو من الداخل بدون حاجة إلى قوة خارجية، والرؤية الحلولية هي الأخرى تجعل المطلق يحل في النسبي وبالتالي يصبح لا حاجة له بقوة خارجية. وقد اتبع جرايتز، في ذلك، الخطاب العلماني العضوي في الغرب، خصوصاً في ألمانيا، والذي نبتت منه فكرة الشعب العضوي (فولك) والفكر الهيجلي بتركيزه على الفكرة المطلقة الكامنة التي تدفع التاريخ البشري إلى الأمام. وانطلاقاً من مواقفه هذه، اتخذ جرايتز موقفاً معارضاً لليهودية الإصلاحية والأرثوذكسية. فكان يرى أن الإصلاحيين في واقع الأمر أعداء لليهود واليهودية، فهم سيمزقون وحدة الشعب العضوي وسيقللون من تميُّزه وتفرُّده الأمر الذي سيؤدي في نهاية الأمر إلى اندماجه. ولكن جرايتز كان مختلفاً أيضاً عن الأرثوذكس فرفض الإيمان بأن اليهودية مسألة طاعة الإله، كما رفض أن يقبل الشولحان عاروخ باعتباره الشريعة التي لا تتغيَّر. ويقترب جرايتز في أفكاره كثيراً من أفكار اليهودية المحافظة التي رأت أن القداسة في اليهودية لا توجد في الكتب المقدَّسة وإنما في الشعب اليهودي ذاته وفي تراثه أو موروثه الشعبي، وهذا جوهر الصهيونية أيضاً. ولذا، لا غرو أن أفكار جرايتز صهيونية في مبناها ومعناها، فرؤيته لما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» هي اللبنة الأساسية في الفكرة الصهيونية. ولكن ما يجدر ذكره أنه، على الرغم من بنية أفكاره الصهيونية، لم ينضم للحركة الصهيونية ذاتها، إذ رفض الانضمام إلى جماعة أحباء صهيون. وقد اشترك في جهود الأليانس الإنقاذية والتوطينية، وكان عضو لجنتها المركزية. ولكن يظل التاريخ الذي كتبه والرؤية الصهيونية التي يجسدها هي المحك الأساسي الحقيقي.

стр. 3953

وغني عن القول أن رؤية جرايتز عضوية متطرفة، وأنها تنطلق من الفكرة التي سميناها «الشعب العضوي المنبوذ» . وقد بيَّن المؤرخ الألماني هاينريش فون ترايتشكه، وهو من أهم دعاة القومية الألمانية العضوية، أن أفكار جرايتز تعني أن يهود ألمانيا لا يمكنهم الاندماج في وطنهم، ولهذا السبب تصدى كثير من يهود ألمانيا المندمجين لأفكار جرايتز. وقد أثرت رؤية جرايتز في كل الأجيال التي تلته بحيث دوِّنت تواريخ الجماعات اليهودية وكأنها تاريخ أفكار دينية أو تاريخ يهودي مطلق متكامل لا علاقة له بما يدور حوله، وكأن القوى الدافعة لأعضاء الجماعات اليهودية هي يهوديتهم وحسب وليس ما يحيط بهم من ظروف. وقد وُجِّهت انتقادات عديدة لتاريخ جرايتز، فقد أشار إليه هيرش باعتباره فانتازيا تتكون من توليفات سطحية. أما جايجر، فقد قال عنه «إنه قصص وليس تاريخاً» . ولم يوافق الكثير من المعلقين على عملية تبسيط التاريخ بحيث يعبِّر عن مبدأ واحد أو فكرة واحدة: تاريخ الروح والمعاناة اليهودية. كما بيَّن نقاده أحاديته وسطحيته وأخطاءه وبينوا أن منهجه القومي ذاته هو الذي يؤدي إلى معظم هذه الأخطاء. وإلى جانب هذا، هناك فراغات كثيرة في تاريخه، فهو لم يكن مهتماً بتاريخ يهود روسيا وبولندا وتركيا، أي تاريخ أغلبية يهود العالم الساحقة، بل إن احتقاره كيهودي ألماني ليهود بولندا كان يقترب من الكره العميق لهم، فكان يشير إليهم باعتبارهم «التلموديين البولنديين المتحجرين» ، وكان يشير إلى اليديشية باعتبارها «رطانة كريهة» . وهو لم يهتم بالجوانب السياسية والقانونية للتاريخ، كما لم يكن يستخدم مثل هذه العناصر إلا خلفيةً لوصف عذاب اليهود أو لإنجازات الشخصيات البطولية منهم. وقد وُصف تاريخه بأنه «قصة بطولية» أو «سيرة شعبية» أكثر من كونه تاريخاً حقيقياً. وقد تُرجم هذا التاريخ إلى عدة لغات من بينها الفرنسية والبولندية والروسية والمجرية واليديشية والعبرية.

стр. 3954

أرنولد توينبي (١٨٨٩ – ١٩٧٥) Arnold Toynbee واحد من أشهر مؤرخي العصر الحديث. قدم في دراساته التاريخية رؤية متوازنة لتطور الإنسان من خلال الحضارات العالمية المختلفة دون أن يعطي الغرب مركزية خاصة كما اعتاد معظم المؤرخين الغربيين. وهو لا يجعل من الدولة القومية وحدته التحليلية، فهو يرى العالم من خلال التشكيلات الحضارية المختلفة. ومن الموضوعات الأساسية التي يتناولها في كتاباته، التناقض الأساسي بين التقدم التكنولوجي الذي أحرزه الإنسان من ناحية وعدم كفايته الأخلاقية والمعنوية من ناحية أخرى. وقد أصبحت هذه القضية أكثر محورية عن ذي قبل بعد أن اكتسب الإنسان القدرة على تحطيم البيئة كلها وكل أشكال الحياة التي عليها. ويصف توينبي نفسه بأنه لا أدريٌّ مؤمن، فهو يؤمن بوجود قوة خارقة وراء الطبيعة ليس بإمكاننا إدراك كنهها ولذلك يصعب على الإنسان أن يؤمن بدين محدَّد. ولهذا، فإن كل الأديان متساوية من وجهة نظره.

стр. 3955

ويرى توينبي أن خطيئة الغرب الكبرى هي عبادة الذات (توثين الذات) . فالكنيسة المسيحية منغلقة على نفسها، غير متسامحة تستبعد الآخرين، وهي التي تحولت بمرور الوقت إلى القومية الضيقة كما حدث في إنجلترا وفرنسا وغيرهما من الدول. هذا على خلاف الدولة العثمانية، على سبيل المثال، حيث ضمت عدداً هائلاً من الجنسيات والأديان، وتمكنت من أن تخلق لهم إطاراً يتعايشون داخله في سلام لعدة قرون. كما أن الحضارة الغربية، بعد أن أدارت ظهرها للإله الواحد المتسامي، استسلمت تماماً لإله المال (مامون) ، وكرست كل قواها لتحسين وسائل تراكم الثروة والوصول إلى أعلى درجات الكفاية العقلانية النفعية في الغرب الرأسمالي. أما في الغرب الشيوعي، فإن توينبي يرى أن الشيوعية والاشتراكية نسخة من الأفكار الأخروية الرؤياوية (الإسكاتولوجية والأبوكاليبسية) اليهودية. لكن الرؤية الأخروية الاشتراكية ستتحقق عن طريق تفجرات اجتماعية وثورية لا عن طريق تدخُّل الإله كما هو الحال في الرؤية اليهودية التقليدية. ويرى توينبي أن الغرب قد تطوَّر بهذا الشكل بسبب العلاقة الوطيدة بينه وبين اليهودية. بل إنه، أكثر من ذلك، يرى أن الغرب ككل قد تم تهويده بالتدريج. ومعنى هذا أنه تبنَّى الرؤية اليهودية للكون.

стр. 3956

ويرى توينبي أن الفكرة اليهودية الخاصة بالشعب المختار من أهم المؤثرات في الحضارة الغربية. فالمجتمع العبراني القديم كان منغلقاً هامشياً داخل الحضارة السريانية الأوسع. وقد أصبح يهوه الغيور إله هذا المجتمع. وبسبب الانغلاق القَبَلي لهذه الحضارة على نفسها، أخفقت اليهودية في أن تنتهز الفرصة التي سنحت لها بظهور المسيحية حتى تتحول إلى ديانة عالمية. ولكن، بدلاً من ذلك، وقع التمرد اليهودي ضد الرومان. وعندما أُخمد هذا التمرد، انتهى دور اليهودية تماماً وأصبحت حفرية جامدة ميتة. وقد كانت استجابة اليهود الوحيدة لتحدي النفي والاضطهاد هو الإبقاء على الانغلاق وعلى الإطار الشعائري المركب الذي يكرسه. وفي نهاية الأمر، انعكست هذه العملية التاريخية الطويلة في تَفجُّر آخر للعجرفة القبلية عبَّر عن نفسه في الصهيونية. فاليهود بدلاً من أن يركزوا آمالهم في الخلاص الإلهي، هاجموا الفلسطينيين العرب وطردوهم من ديارهم وأقاموا دويلة صغيرة هي قلعة عسكرية وتَجمُّع لرعاة البقر. وسواء أكانت اليهودية السبب في انحراف الحضارة الغربية نحو الغزو والقتل والانغلاق والإمبريالية أم لا، فإن توينبي يبين أن ثمة تماثلاً بنيوياً عميقاً بين البنية الأساسية لليهودية (الشعب المختار، والإله الغيور، والانغلاق، والرؤى الأخروية، وهو ما نسميه الحلولية اليهودية في مصطلحنا) وبين كثير من الظواهر الدينية والسياسية والاجتماعية في الحضارة الغربية. وقد قامت مناظرات عديدة بين توينبي وبعض ممثلي الصهيونية. وأهم مؤلفات توينبي كتاب دراسة في التاريخ المكون من أحد عشر جزءاً، وآخر مؤلفاته هو الجنس البشري وأمنا الأرض. سالو بارون (١٨٩٥ – ١٩٩٠ ( Salo Baron

стр. 3957

مؤرخ أمريكي يهودي وُلد في جاليشيا ونشأ وتعلَّم في فيينا. تم ترسيمه حاخاماً عام ١٩٢٠، ولكنه لم يمارس المهنة قط. وقد قام سالو بتدريس التاريخ في الفترة ١٩١٩ ـ ١٩٢٦. ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث قام بالتدريس في جامعة كولومبيا. ومن أهم كتبه تاريخ اليهود الاجتماعي والديني (١٩٥٢ ـ ١٩٦٩) ، وقد بيَّن في هذا الكتاب (الذي يتكون من تسعة عشر جزءاً) أثر البيئات المختلفة في الجماعات اليهودية بدلاً من الانشغال برصد عدد المذابح وكمية العذاب الذي يحيق باليهود كعادة بعض مؤرخي الجماعات اليهودية. وقد أكد سالو أهمية القوى الاجتماعية. ومن أهم أعماله الأخرى: الجماعة اليهودية (ثلاثة أجزاء) (١٩٤٢) ، والقومية الحديثة والدين (١٩٤٧) ، ويهود الولايات المتحدة (١٧٩٠ ـ ١٨٤٠) ، وتاريخ وثائقي (ثلاثة أجزاء) (١٩٦٣) ، ويهود روسيا تحت حكم القياصرة والسوفييت (١٩٦٤ (. تاريخ العبرانيين وتواريخ الجماعات اليهودية History of the Hebrews, and Histories of the Jewish Communities

стр. 3958

نستخدم عبارة «تاريخ العبرانيين» و «تواريخ الجماعات اليهودية» للإشارة إلي التواريخ الدنيوية والإنسانية للعبرانيين والجماعات اليهودية، بدلاً من مصطلح «التاريخ اليهودي» . وهذه التواريخ تختلف عن تاريخ العقيدة اليهودية بكل مدارسها واتجاهاتها وشيعها وفرقها، كما أنها ليست ذات علاقة كبيرة بالتاريخ المقدَّس أو التوراتي. وسنحاول تقديم مخطَّط عام يتسم بشيء من التبسيط والتجريد لتواريخ الجماعات اليهودية في العالم عبر التاريخ. وبإمكان القارئ أن يعود إلى المداخل المختلفة للاستزادة. وقد استبعدنا كثيراً من الجماعات اليهودية مثل الفلاشاه في إثيوبيا، وبني إسرائيل في الهند، ويهود كايفنج في الصين، ويهود الخزر، وغيرهم من الجماعات، وذلك من أجل التبسيط (كما هو الحال دائماً مع أي مخطَّط تاريخي موجز) . هذا رغم أن تواريخ هذه الجماعات يدعم وجهة نظرنا الرافضة لفكرة التاريخ اليهودي المُوحَّد. وفي المخطَّط المقترح، نؤكد في تواريخ الجماعات تلك العناصر التي تُفسِّر ظهور المسألة اليهودية في شرق أوربا أو ظهور الحركة الصهيونية أو المُستوطَن الصهيوني. ويعود هذا إلى أسباب عديدة من بينها أن الصهيونية والمستوطَن الصهيوني قد نجحا في فرض وجودهما بحيث أصبحا الحقيقة الأساسية والمحورية بالنسبة لكل أعضاء الجماعات اليهودية في العالم. وينطبق هذا على مؤيدي الصهيونية انطباقه على مناهضيها. ويحاول هذا المخطَّط أن يبتعد عن المصطلحات الدينية أو العقائدية، مثل «ما قبل سقوط الهيكل» ، إما باستبعادها أو باستبدال مصطلحات أكثر حياداً بها أو بوضعها داخل إطار التاريخ العالمي. ولكننا، على أية حال، لم نستبعد الدين باعتباره أحد الأبعاد المهمة للتجارب التاريخية لأعضاء الجماعات. وقد تم تقسيم هذه التواريخ إلى قسمين أساسيين (تاريخ العبرانيين ـ وتواريخ الجماعات اليهودية) ، ثم تم تقسيم كل قسم إلى عدة مراحل وقُسِّمت بعض المراحل إلى عدة فترات:

стр. 3959

أولاً: تاريخ العبرانيين (جماعة يسرائيل) : ١ ـ المرحلة السامية السديمية: وهي المرحلة التي شهدت الهجرات السامية من شبه الجزيرة العربية أو صحراء الشام إلى بلاد الرافدين والشام، ويمكن تقسيمها إلى: أ) فترة الآباء (٢١٠٠ ـ ١٢٠٠ ق. م) : هجرة إبراهيم (١٩٩٦ أو ١٨٠٠ ق. م) إلى فلسطين، ثم هجرة يعقوب ثم يوسف إلى مصر عام ١٧٢٠ ق. م. ولا يُعرَف سوى القليل عن التنظيم الاجتماعي والسياسي للعبرانيين في هذه الفترة، أو عن إنجازاتهم الحضارية إن وجدت. ومع هذا، يبدو أنهم كانوا من البدو الرُحل الذين يعيشون على أطراف المدن ويتنقلون على الطرق الأساسية للتجارة. وأكثر الظن أن قياداتهم السياسية كانت بدوية هي الأخرى، كما أن عباداتهم لم تكن تختلف كثيراً عن العبادات السامية المنتشرة في منطقة الشرق الأدنى القديم حيث يرتبط الإله بالقوم الذين يعبدونه ويكون مقصوراً عليهم. ونحن نشير إلى اليهودية في هذه المرحلة بعبارة «عبادة يسرائيل» التي تطورت لتصبح «العبادة القربانية المركزية» مع تأسيس هيكل سليمان، ولهذا فإننا نشير إلى العبرانيين من حيث كونهم جماعة دينية، بمصطلح «جماعة يسرائيل» ) .

стр. 3960

ب) فترة القضاة: وتبدأ بخروج موسى من مصر أمام جيش فرعون عام ١٢٧٥ ق. م ووصوله إلى سيناء. ثم يأتي بعد ذلك التسلل العبراني إلى كنعان (١٢٥٠ - ١٢٠٠ ق. م) تحت قيادة يوشع بن نون ومحاولة الاستيطان فيها، والحرب ضد الفلستيين الذين حققوا نصرهم على العبرانيين عام ١٠٥٠ ق. م، ثم انسحبوا بالتدريج واقتصروا على ساحل فلسطين الغربي. ولقد كانت القيادة السياسية في هذه الفترة قَبَلية تظهر عند الحاجة إليها وحسب. وكانت أواصر التضامن بين العبرانيين واهية حيث كانوا لا يزالون مجموعة من القبائل. ولا يمكن الحديث عن أية منجزات حضارية عبرانية مستقلة في تلك الفترة. وقد ظهرت عبادة يهوه أثناء فترة سيناء. ولكن العبرانيين تأثروا، بعد دخولهم إلى كنعان بالعبادات الكنعانية المختلفة، فعبدوا آلهه كنعان نظراً لاندماجهم بالسكان. ولا توجد مصادر كافية عن هذه المرحلة السديمية، بل يقترب فيها التاريخ من الأسطورة، فيلجأ المؤرخون إلى الحدس والتخمين كما هو الحال مع مشكلة الخابيرو. وقبل أن ننتقل إلى المراحل التالية، مثل مرحلة الإمبراطوريات وغيرها، يجب أن ننبه إلى أن هذه المرحلة جزء من كلٍّ أكبر سنطلق عليه المرحلة التقليدية وهي التي استمرت حتى الثورة الصناعية والإعتاق والانعتاق.
следующие страницы →