Полный текст (8 511 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.
стр. 3956
ويرى توينبي أن الفكرة اليهودية الخاصة بالشعب المختار من أهم المؤثرات في الحضارة الغربية. فالمجتمع العبراني القديم كان منغلقاً هامشياً داخل الحضارة السريانية الأوسع. وقد أصبح يهوه الغيور إله هذا المجتمع. وبسبب الانغلاق القَبَلي لهذه الحضارة على نفسها، أخفقت اليهودية في أن تنتهز الفرصة التي سنحت لها بظهور المسيحية حتى تتحول إلى ديانة عالمية. ولكن، بدلاً من ذلك، وقع التمرد اليهودي ضد الرومان. وعندما أُخمد هذا التمرد، انتهى دور اليهودية تماماً وأصبحت حفرية جامدة ميتة. وقد كانت استجابة اليهود الوحيدة لتحدي النفي والاضطهاد هو الإبقاء على الانغلاق وعلى الإطار الشعائري المركب الذي يكرسه.
وفي نهاية الأمر، انعكست هذه العملية التاريخية الطويلة في تَفجُّر آخر للعجرفة القبلية عبَّر عن نفسه في الصهيونية. فاليهود بدلاً من أن يركزوا آمالهم في الخلاص الإلهي، هاجموا الفلسطينيين العرب وطردوهم من ديارهم وأقاموا دويلة صغيرة هي قلعة عسكرية وتَجمُّع لرعاة البقر.
وسواء أكانت اليهودية السبب في انحراف الحضارة الغربية نحو الغزو والقتل والانغلاق والإمبريالية أم لا، فإن توينبي يبين أن ثمة تماثلاً بنيوياً عميقاً بين البنية الأساسية لليهودية (الشعب المختار، والإله الغيور، والانغلاق، والرؤى الأخروية، وهو ما نسميه الحلولية اليهودية في مصطلحنا) وبين كثير من الظواهر الدينية والسياسية والاجتماعية في الحضارة الغربية. وقد قامت مناظرات عديدة بين توينبي وبعض ممثلي الصهيونية.
وأهم مؤلفات توينبي كتاب دراسة في التاريخ المكون من أحد عشر جزءاً، وآخر مؤلفاته هو الجنس البشري وأمنا الأرض.
سالو بارون (١٨٩٥ – ١٩٩٠ (
Salo Baron
стр. 3957
مؤرخ أمريكي يهودي وُلد في جاليشيا ونشأ وتعلَّم في فيينا. تم ترسيمه حاخاماً عام ١٩٢٠، ولكنه لم يمارس المهنة قط. وقد قام سالو بتدريس التاريخ في الفترة ١٩١٩ ـ ١٩٢٦. ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث قام بالتدريس في جامعة كولومبيا. ومن أهم كتبه تاريخ اليهود الاجتماعي والديني (١٩٥٢ ـ ١٩٦٩) ، وقد بيَّن في هذا الكتاب (الذي يتكون من تسعة عشر جزءاً) أثر البيئات المختلفة في الجماعات اليهودية بدلاً من الانشغال برصد عدد المذابح وكمية العذاب الذي يحيق باليهود كعادة بعض مؤرخي الجماعات اليهودية. وقد أكد سالو أهمية القوى الاجتماعية. ومن أهم أعماله الأخرى: الجماعة اليهودية (ثلاثة أجزاء) (١٩٤٢) ، والقومية الحديثة والدين (١٩٤٧) ، ويهود الولايات المتحدة (١٧٩٠ ـ ١٨٤٠) ، وتاريخ وثائقي (ثلاثة أجزاء) (١٩٦٣) ، ويهود روسيا تحت حكم القياصرة والسوفييت (١٩٦٤ (.
تاريخ العبرانيين وتواريخ الجماعات اليهودية
History of the Hebrews, and Histories of the Jewish Communities
стр. 3958
نستخدم عبارة «تاريخ العبرانيين» و «تواريخ الجماعات اليهودية» للإشارة إلي التواريخ الدنيوية والإنسانية للعبرانيين والجماعات اليهودية، بدلاً من مصطلح «التاريخ اليهودي» . وهذه التواريخ تختلف عن تاريخ العقيدة اليهودية بكل مدارسها واتجاهاتها وشيعها وفرقها، كما أنها ليست ذات علاقة كبيرة بالتاريخ المقدَّس أو التوراتي. وسنحاول تقديم مخطَّط عام يتسم بشيء من التبسيط والتجريد لتواريخ الجماعات اليهودية في العالم عبر التاريخ. وبإمكان القارئ أن يعود إلى المداخل المختلفة للاستزادة. وقد استبعدنا كثيراً من الجماعات اليهودية مثل الفلاشاه في إثيوبيا، وبني إسرائيل في الهند، ويهود كايفنج في الصين، ويهود الخزر، وغيرهم من الجماعات، وذلك من أجل التبسيط (كما هو الحال دائماً مع أي مخطَّط تاريخي موجز) . هذا رغم أن تواريخ هذه الجماعات يدعم وجهة نظرنا الرافضة لفكرة التاريخ اليهودي المُوحَّد. وفي المخطَّط المقترح، نؤكد في تواريخ الجماعات تلك العناصر التي تُفسِّر ظهور المسألة اليهودية في شرق أوربا أو ظهور الحركة الصهيونية أو المُستوطَن الصهيوني. ويعود هذا إلى أسباب عديدة من بينها أن الصهيونية والمستوطَن الصهيوني قد نجحا في فرض وجودهما بحيث أصبحا الحقيقة الأساسية والمحورية بالنسبة لكل أعضاء الجماعات اليهودية في العالم. وينطبق هذا على مؤيدي الصهيونية انطباقه على مناهضيها. ويحاول هذا المخطَّط أن يبتعد عن المصطلحات الدينية أو العقائدية، مثل «ما قبل سقوط الهيكل» ، إما باستبعادها أو باستبدال مصطلحات أكثر حياداً بها أو بوضعها داخل إطار التاريخ العالمي. ولكننا، على أية حال، لم نستبعد الدين باعتباره أحد الأبعاد المهمة للتجارب التاريخية لأعضاء الجماعات.
وقد تم تقسيم هذه التواريخ إلى قسمين أساسيين (تاريخ العبرانيين ـ وتواريخ الجماعات اليهودية) ، ثم تم تقسيم كل قسم إلى عدة مراحل وقُسِّمت بعض المراحل إلى عدة فترات:
стр. 3959
أولاً: تاريخ العبرانيين (جماعة يسرائيل) :
١ ـ المرحلة السامية السديمية: وهي المرحلة التي شهدت الهجرات السامية من شبه الجزيرة العربية أو صحراء الشام إلى بلاد الرافدين والشام، ويمكن تقسيمها إلى:
أ) فترة الآباء (٢١٠٠ ـ ١٢٠٠ ق. م) : هجرة إبراهيم (١٩٩٦ أو ١٨٠٠ ق. م) إلى فلسطين، ثم هجرة يعقوب ثم يوسف إلى مصر عام ١٧٢٠ ق. م.
ولا يُعرَف سوى القليل عن التنظيم الاجتماعي والسياسي للعبرانيين في هذه الفترة، أو عن إنجازاتهم الحضارية إن وجدت. ومع هذا، يبدو أنهم كانوا من البدو الرُحل الذين يعيشون على أطراف المدن ويتنقلون على الطرق الأساسية للتجارة. وأكثر الظن أن قياداتهم السياسية كانت بدوية هي الأخرى، كما أن عباداتهم لم تكن تختلف كثيراً عن العبادات السامية المنتشرة في منطقة الشرق الأدنى القديم حيث يرتبط الإله بالقوم الذين يعبدونه ويكون مقصوراً عليهم. ونحن نشير إلى اليهودية في هذه المرحلة بعبارة «عبادة يسرائيل» التي تطورت لتصبح «العبادة القربانية المركزية» مع تأسيس هيكل سليمان، ولهذا فإننا نشير إلى العبرانيين من حيث كونهم جماعة دينية، بمصطلح «جماعة يسرائيل» ) .
стр. 3960
ب) فترة القضاة: وتبدأ بخروج موسى من مصر أمام جيش فرعون عام ١٢٧٥ ق. م ووصوله إلى سيناء. ثم يأتي بعد ذلك التسلل العبراني إلى كنعان (١٢٥٠ - ١٢٠٠ ق. م) تحت قيادة يوشع بن نون ومحاولة الاستيطان فيها، والحرب ضد الفلستيين الذين حققوا نصرهم على العبرانيين عام ١٠٥٠ ق. م، ثم انسحبوا بالتدريج واقتصروا على ساحل فلسطين الغربي. ولقد كانت القيادة السياسية في هذه الفترة قَبَلية تظهر عند الحاجة إليها وحسب. وكانت أواصر التضامن بين العبرانيين واهية حيث كانوا لا يزالون مجموعة من القبائل. ولا يمكن الحديث عن أية منجزات حضارية عبرانية مستقلة في تلك الفترة. وقد ظهرت عبادة يهوه أثناء فترة سيناء. ولكن العبرانيين تأثروا، بعد دخولهم إلى كنعان بالعبادات الكنعانية المختلفة، فعبدوا آلهه كنعان نظراً لاندماجهم بالسكان. ولا توجد مصادر كافية عن هذه المرحلة السديمية، بل يقترب فيها التاريخ من الأسطورة، فيلجأ المؤرخون إلى الحدس والتخمين كما هو الحال مع مشكلة الخابيرو.
وقبل أن ننتقل إلى المراحل التالية، مثل مرحلة الإمبراطوريات وغيرها، يجب أن ننبه إلى أن هذه المرحلة جزء من كلٍّ أكبر سنطلق عليه المرحلة التقليدية وهي التي استمرت حتى الثورة الصناعية والإعتاق والانعتاق.
стр. 3961
والواقع أن المجتمعات التقليدية كانت تتسم بلامركزيتها الإدارية المتفاوتة، ويُلاحَظ في الوقت نفسه أن النخبة الحاكمة كانت تعتمد في إدارة المناطق التابعة لها على إدارات محلية بحيث تصبح لكل طائفة دينية أو إثنية أو لكل إقليم إدارته شبه المستقلة. كما أن حكومات المجتمعات التقليدية لم تكن تبحث عن الولاء الكامل والانتماء المطلق على طريقة الدولة القومية الحديثة، إذ كان يكفيها أن تدفع الشعوب والأقليات والأقاليم التابعة لها الضرائب، التعبير الواضح عن التبعية وثمرته الحقيقية. وقد كانت الإدارات المحلية هي التي تقوم بهذه الوظيفة نيابة عن الإدارة العليا ولصالحها. وقد أدَّى ذلك إلى احتفاظ كل الطوائف بهويتها متمثلة في كتبها المقدَّسة ورموزها ومحاكمها، إذ أن السلطات المركزية كانت عادةً تشجع هذه الهوية وتحافظ عليها لأنها تُيسِّر لها تسيير دفة الحكم. وقد استمر هذا الإطار الإداري سائداً في العالم بدرجات متفاوتة حتى القرن التاسع عشر حين انفجرت الثورة الصناعية الرأسمالية وظهرت الحكومات القومية التي كانت تتسم بالمركزية والهيمنة على السوق المحلية والتي طلبت من الجميع الولاء لها وحدها. ومن هذه النقطة بدأت التجارب التاريخية للجماعات اليهودية في الغرب، ثم في بقية العالم، تأخذ شكلاً جديداً، كما بدأ أعضاء الجماعات اليهودية يواجهون مشاكل من نوع جديد لم يواجهوها من قبل، مثل الاندماج والزواج المُختلَط، أو لعلهم لم يواجهوها بنفس الحدة والكثرة. ولذا، يمكننا أن نتجاوز التقسيمات التاريخية المقترحة كافة ونتحدث عن إطارين أساسيين هما: ما قبل الثورة الصناعية وما بعد الثورة الصناعية، مع العلم بأن كثيراً من المؤرخين يتبعون هذا الرأي.
٢ ـ مرحلة الإمبراطوريات القديمة (آشور، بابل، الفرس، اليونان، الرومان) والاستقلال الذاتي المحدود للشعوب. ويمكن تقسيمها بدورها إلى الفترات التالية:
стр. 3962
أ) الفترة الآشورية والبابلية والمصرية: وتضم عهد الملوك (١٠٢٠ ـ ٥٨٦ ق. م) ابتداءً من داود وسليمان، ثم انقسام المملكة العبرانية المتحدة، وانتهاءً بالتهجير الآشوري والبابلي. وتمثلت القيادة السياسية في تلك الفترة في الملك (الكاهن الأعظم) يسانده الكهنة وقواد الجيش، كما كان الحال في الشرق الأدنى القديم والحلوليات الوثنية. ومع هذا، لم تكن المؤسسة الملكية مستقرة بسبب قوة النزاعات القَبَلية. وقد يكون من الأفضل الحديث عن اتحاد القبائل في المملكة المتحدة، فأكبر دليل على أن النزعة القَبَلية كانت في حالة كمون وحسب أثناء حكم داود وسليمان هو ظهورها بعد موت سليمان مباشرةً، الأمر الذي أدَّى إلى انحلال المملكة المتحدة ثم حدوث التناحر بين الدويلتين العبرانيتين، وهو التناحر الذي لم ينته إلا مع التهجير الآشوري ثم البابلي. وكانت منجزات العبرانيين الحضارية في ذلك الوقت ضعيفة ومتأثرة بمن حولهم. وينحصر هذا الإنجاز في العهد القديم المتأثر بالنصوص والتشريعات في الشرق الأدنى القديم. وبظهور الأنبياء، يبدأ التوتر الذي يسم تاريخ العبرانيين بين التوجه الديني العالمي والتوجه الإثني المحلي للإله، إذ يقف معظم الأنبياء إلى جانب عبادة يهوه والتوحيد ويتبنون نزعة عالمية أخلاقية تساوي بين العبرانيين والأقوام كافة. ولم تكن هناك هجرة تُذكَر بين صفوف العبرانيين رغم أن بعض الملوك العبرانيين كانوا يبادلون ملوك مصر فيعطونهم المحاربين المرتزقة من اليهود نظير الحصول على أحصنة. وكان هؤلاء المرتزقة يوطَّنون جزيرة إلفنتاين على حدود مصر الجنوبية، وبذا تكون حامية إلفنتاين أول دياسبورا يهودية أو أول انتشار لليهود خارج فلسطين بعد التسلل الكنعاني، وكذلك أول جماعة وظيفية يهودية.
стр. 3963
ب) الفترة الفارسية والهيلينية والرومانية (٥٣٨ ـ ١٣٥ ق. م) : وتبدأ بسماح قورش للعبرانيين بالاستقرار في فلسطين تحت الحكم الفارسي. وقد استمرت الفترة الفارسية حتى عام ٣٣٣ ق. م، حين فتح الإسكندر الأكبر فلسطين، وأخضعها لحكم الهيلينيين. ومن الممكن أن نقول إن العبرانيين أصبحوا بالتدريج عبرانيين يهوداً ثم أصبحوا يهوداً فقط مع نهاية هذه الفترة. وتبسيطاً للأمور، سنشير إليهم بلفظ الجماعات اليهودية. وقد شهدت هذه الفترة التمرد الحشموني عام ١٦٨ ق. م، ثم استيلاء الحشمونيين على القدس وظهور الأسرة الحشمونية، إلى أن ظهرت القوة الإمبراطورية الرومانية التي سمحت للأسرة الحشمونية بحكم فلسطين تحت رعايتها في عام ٦٧ ق. م. وقد انتهت أشكال الإدارة الذاتية بعد أن أُخمد التمرد اليهودي ضد الرومان الذين هدموا الهيكل عام ٧٠م وحكموا فلسطين بصورة مباشرة. وكانت القيادة المحلية في تلك المرحلة تتركز أساساً في كهنوت الهيكل والأرستقراطية اليهودية في فلسطين مثل الحشمونيين ثم الهيروديين. أما في بابل، فكان يترأس الجماعة اليهودية رأس الجالوت وتسانده طبقة الفقهاء والأثرياء. واقتصر اليهود على تصريف أمورهم الدينية، وكذلك بعض الأمور الدنيوية المحلية ذات الطابع الإداري مثل جمع الضرائب وفض المنازعات التي قد تنشأ فيما بينهم. أما السلطة السياسية فكانت في يد القوة الإمبراطورية الحاكمة. ويمكن استثناء فترة حكم الحشمونيين من هذا النمط، فبعد التمرد الحشموني قام الحشمونيون في الفترة ١٤٢ ـ ٦٧ ق. م بتأسيس دولة تتسم بالاستقلال السياسي النسبي عن الإمبرطورية الهيلينية وإن كانت هيلينية من الناحية الحضارية. أما حكم الهيروديين فكان حكماً تابعاً للرومان، وكان لقب «دوكس» ، أي ملك روماني، الذي كان يحمله الهيروديون لقباً شرفياً وحسب. وبعد هدم الهيكل، بدأ أمير اليهود (ناسي ـ بطريرك) ، وهو قائد ديني ذو صلاحيات دنيوية محدودة، يترأس اليهود. وحتى هذه
стр. 3964
الفترة، كان اليهود شعباً ينتمي إلى الشرق الأدنى القديم، ذا سمات إثنية محددة، ولم تكن الديانة اليهودية قد انفصلت كلية عن المكان (فلسطين) أو عن العبادة القربانية (الهيكل) أو عن الانتماء الإثني (جماعة قومية تتحدث العبرية ثم الآرامية تعي نفسها في مواجهة الآخرين) . وقد ظهرت في هذه الفترة طائفة السامريين وهي أول حركة يهودية انفصلت عن التيار الأساسي.
كما يُلاحَظ أيضاً، في هذه الفترة، ظهور التحولات التي أدَّت في نهاية الأمر إلى تَحوُّل العبرانيين إلى عبرانيين يهود ثم إلى يهود أو جماعات يهودية منتشرة في العالم تضطلع بدور الجماعة الوظيفية. فعلى سبيل المثال، ظهرت الجماعة اليهودية القوية في بابل، التي أصبح لها تراثها الديني المستقل ومعاهدها الدينية، واضطلع بعض أعضائها بوظائف التجارة والربا وجمع الضرائب. ثم ظهرت، بعد ذلك، الجماعات اليهودية المختلفة المنتشرة في مدن حوض البحر الأبيض المتوسط، مثل الإسكندرية، وكانت جماعات وظيفية قتالية واستيطانية ومالية. وكان لكل جماعة مراكزها ومؤسساتها الدينية القوية المحلية التي كانت تمثل نقاطاً تجذب بعيداً عن الهيكل. بل إن اليهود فقدوا، مع نهاية هذه الفترة، مقوماتهم الإثنية أو ما بقي منها، فلم يكن يهود الإسكندرية يعرفون سوى اليونانية.
ومع القرن الأول المسيحي (قبل هدم الهيكل) ، كان عدد اليهود خارج فلسطين أكثر من عددهم داخلها. ولا يمكن بطبيعة الحال الحديث عن إنجاز حضاري يهودي مستقل في تلك المرحلة، فكتابات فيلون هي نتاج التراث الهيليني ولم يكن لها تأثير يُذكَر في التطور اللاحق لليهودية، وكذلك تواريخ يوسيفوس. أما من ناحية الفنون، فلا توجد إنجازات معمارية تشكيلية ذات أهمية تُذكَر.
ثانياً: تواريخ الجماعات اليهودية:
стр. 3965
مع انتهاء المرحلتين السابقتين، يمكننا أن نُسقط تماماً مصطلح «تاريخ العبرانيين» أو «تاريخ العبرانيين اليهود» ، ليحل محله مصطلح «تواريخ الجماعات اليهودية» ، إذ يصبح الحديث عن اليهود بشكل عام داخل إطار تاريخي موحَّد أمراً مستحيلاً. فبعد أن اكتسبت الجماعات اليهودية المختلفة استقلالها الثقافي عن مركز عبراني موحد، أصبح لكل جماعة يهودية ظروفها التاريخية وحركيتها المستقلة عن ظروف وحركيات الجماعات الأخرى، ولا يمكن فهم سلوكها ومصيرها إلا في إطار تاريخ المجتمع الذي تنتمي إليه. وبدأت تظهر أشكال جديدة من القيادة السياسية لتحل محل كهنوت الهيكل والأرستقراطية الحشمونية واليهودية، فقد استمر أمير اليهود (ناسي ـ بطريرك) تحت حكم الرومان، ورأس الجالوت تحت حكم الفرس، في إدارة شئون الجماعة اليهودية، كلٌّ في بلده، بالنيابة عن السلطة الحاكمة. وقد ادَّعى بعضهم أنهم من نسل داود، ليكتسب قدراً من الشرعية، ولكن هذه الشرعية ظلت شرعية دينية رمزية لا تحمل أي مضمون سياسي. وقد واكب هذا ظهور اليهودية الفريسية التي حاولت أن تطرح صيغة جديدة لليهودية تفصل الدين عن الدولة أو عن القومية، كما تفصله أيضاً عن المكان (الهيكل) ، ولا تفصله عن الإثنية. وقد انعكس هذا الاتجاه في الاهتمام بتدوين المشناه وفي البدء بكتابة الجماراه (وهما القسمان المكونان للتلمود) . كما يتضح هذا الاتجاه في ظهور المعابد اليهودية المستقلة عن الهيكل والعبادة القربانية.
ويمكن تقسيم تواريخ الجماعات اليهودية في معظم أنحاء العالم إلى مراحل تاريخية تنقسم كل منها بدورها جغرافياً إلى مناطق، وتاريخياً إلى فترات:
١ ـ مرحلة العصور الوسطى في الغرب ومرحلة العصر الإسلامي الأول (الأموي والعباسي) حتى القرن الخامس عشر:
стр. 3966
بتحول الإمبراطورية الرومانية إلى المسيحية في القرن الرابع، وبعد بعث الزرادشتية في الإمبراطورية الفارسية في القرن الثاني والتي حل الإسلام محلها، وجد اليهود أنفسهم جماعات دينية إثنية في بلاد تحكمها حكومات تستمد شرعيتها من ديانات متعارضة مع اليهودية. وتولت القيادات الدينية قيادة اليهود، بالاشتراك مع الأثرياء منهم، فكانت هذه النخبة تضطلع بأعباء دنيوية ودينية مختلفة، شأنها في ذلك شأن أعضاء الطوائف والجماعات الأخرى غير اليهودية. وقد تَحدَّد وضع اليهود في العصور الوسطى في الغرب كأقنان بلاط يعملون أساساً بالتجارة والربا. أما في العصر الإسلامي الأول، فقد كان اليهود أهل ذمة يعملون بالتجارة وبوظائف أخرى عديدة. ومعنى هذا أن الجماعات اليهودية تحولت إلى جماعات وظيفية. ولكن، نظراً لوجود طبقة مهمة من التجار المسلمين، لم يكتسب اليهود القدر نفسه من التميز الوظيفي الذي اكتسبوه في الغرب. كما أن يهود العالم الإسلامي كانوا يتَّسمون بقسط كبير من التجانس والوحدة استمدوهما من وحدة الحضارة الإسلامية في عصرها الأول. وهذا على خلاف الجماعات اليهودية في الغرب، حيث كانت تتسم بالاختلاف وعدم التجانس بسبب انقسام أوربا في العصر الوسيط إلى وحدات إقطاعية متنافرة مختلفة. وشهدت هذه المرحلة سيطرة التلمود بصفته كتاباً مقدَّساً لدى اليهود يفوق في أهميته التوراة ذاتها. كما بدأت تظهر الحركات والكتب الصوفية الحلولية الكمونية التي استشرت بين اليهود في مرحلة لاحقة. وشهد العالم الإسلامي ظهور أول حركات الاحتجاج على اليهودية الحاخامية وهي حركة القرّائين.
стр. 3967
ويتلخص الإسهام الحضاري للجماعات اليهودية في نقل الأفكار بصفة خاصة بين الحضارات المختلفة، وذلك من خلال أعمال الترجمة. أما كتابات مؤلفين مثل راشي وموسى بن ميمون، فهي إسهامات يهودية لتطوير الفكر الديني اليهودي، وليس لها ثقل كبير في التراث الثقافي العالمي في عصرهما. ويُلاحَظ أن نمط انتشار اليهود في هذه المرحلة كان الهجرة من بلاد غرب أوربا ووسطها إلى شرقها، أي من البلاد المتقدمة نوعاً إلى البلاد الأقل تقدماً من الناحية الاقتصادية. وقد انتهت هذه المرحلة بطرد يهود إسبانيا (المارانو) الذين انتشروا في مدن البحر الأبيض المتوسط والدولة العثمانية.
٢ ـ بعد القرن الخامس عشر وحتى منتصف القرن الثامن عشر، عصر النهضة والاستنارة في الغرب والعثمانيين في الشرق:
стр. 3968
ظل وضع الجماعات اليهودية كما كان عليه دون تغيير كبير رغم التطورات الجوهرية التي دخلت في تلك المرحلة على المجتمعات الوسيطة في الغرب والمجتمعات الإسلامية في الشرق. ومع هذا، يجب أن نميِّز بين اليهود الإشكناز واليهود السفارد. ففي هذه المرحلة، تَمركز الإشكناز في منطقة الحدود (أوكرانيا) بين بولندا وروسيا القيصرية، وكانت تابعة آنذاك لبولندا. وقد لعبوا دور الجماعة الوظيفية التجارية في مجتمع متخلف اقتصادياً. أما السفارد (المارانو) ، فقد استقروا في بلاد مثل هولندا وإنجلترا وجنوب فرنسا، وهي بلاد كانت قد خاضت ثورتها التجارية فأصبحت على عتبات الثورة الصناعية بنهاية هذه المرحلة. كما أنهم كانوا، بسبب خلفيتهم الثقافية المتميِّزة، قادرين على أن يلعبوا دوراً تجارياً مصرفياً نشيطاً في مجتمعات متقدمة اقتصادياً استفادت من خبرتهم ومن اتصالاتهم الدولية ولم تفرض عليهم تميزاً وظيفياً اقتصادياً كبيراً. ولذا، فقد شارك السفارد في تَطوُّر مجتمعاتهم ولم يسقطوا ضحية التحولات الاقتصادية، كما اشتركوا في الاستيطان في العالم الجديد، وقد ظهرت فئة يهود البلاط في هذه المرحلة. ويُلاحَظ أن قيادة اليهود في هذه المرحلة، في غرب أوربا ووسطها، بدأت تسيطر عليها العناصر التجارية المالية، وبدأت العناصر الدينية تحتل مرتبة أقل أهمية. أما الإشكناز الموجودون حينذاك في مسام المجتمع البولندي، فقد قبعوا داخل الأشكال الجيتوية المختلفة مثل الشتتل والقهال، وارتبطوا بالإقطاع البولندي، وخصوصاً الإقطاع الاستيطاني في أوكرانيا في نظام الأرندا، وسيطرت عليهم اليهودية الحاخامية الجامدة. ولذا، فمع تَحوُّل المجتمع البولندي ثم الروسي، ومع ظهور بورجوازية محلية، وجد اليهود أنفسهم خارج العملية الانقلابية، وازداد بينهم انتشار الأفكار الصوفية الغيبية مثل الحركة الفرانكية والحسيدية، إذ كانت كتب القبَّالاه تشغل المكانة المركزية التي كان يشغلها
стр. 3969
التلمود من قبل، وخصوصاً أن قيادات اليهود في شرق أوربا ظلت متركزة أساساً في يد العناصر الدينية. وقد حدث تحوُّل جذري في هذه المرحلة، إذ زاد عدد يهود الغرب من الإشكناز بحيث أصبحوا يشكلون الأغلبية العظمى من يهود العالم، وهذا تطور له أثره العميق في التطور اللاحق لليهود. ومن هنا، فإن تواريخ الجماعات اليهودية، بدءاً من هذه النقطة الزمنية، هي من ناحية الأساس تواريخ الجماعات اليهودية في العالم الغربي (شرق أوربا أو غربها) إذ أن يهود العالم الإسلامي تضاءلت أهميتهم وعددهم ووزنهم منذ هذا التاريخ، وفرض ذلك عليهم في نهاية الأمر مصيراً صهيونياً.
شهدت هذه المرحلة ثورة شميلنكي، قائد القوزاق، وبدايات الثورة التجارية في غرب أوربا. ولذا، فقد أخذ انتشار أعضاء الجماعات شكلاً جديداً. فبدأت الهجرة من شرق أوربا إلى غربها وإلى العالم الجديد والدول الاستيطانية، وهذا هو النمط السائد حتى الوقت الحاضر. كما شهدت هذه المرحلة ظهور الحركات الشبتانية، وكذلك ظهور إسبينوزا الذي يُعَد أول مفكر يهودي بارز في الحضارة الغربية، وقد كان معاصراً لشبتاي تسفي. وبظهور إسبينوزا، بدأ البروز والتميز الفكري والحضاري لأعضاء الجماعات اليهودية في الغرب. ولكن إسبينوزا كان خارجاً على يهوديته، كما أن إنجازه الحضاري كان نتيجة تفاعله مع التشكيل الحضاري الغربي ورفضه التراث اليهودي الحاخامي. ويُعَدُّ ظهور إسبينوزا والشبتانية علامة على تدهور المؤسسة الحاخامية وينهض شاهداً على تَزايُد ضيق أعضاء الجماعات اليهودية بها.
٣ ـ مرحلة الانقلاب الرأسمالي الليبرالي في الغرب، ابتداءً من منتصف القرن الثامن عشر في غرب أوربا، وبدايات القرن التاسع عشر في شرقها:
стр. 3970
وقد مارس المجتمع الغربي تحولات عميقة أدَّت إلى تَغيُّر بنائه الطبقي ونظمه السياسية، الأمر الذي كان له أعمق الأثر في اليهود وخلق لهم موقفاً تاريخياً مختلفاً كل الاختلاف عما ألفوه ولا مقابل له في تجاربهم التاريخية السابقة. وأصبحت قيادات اليهود جزءاً من النخبة الحاكمة تمارس صنع القرار من داخل مؤسسات المجتمع (أحزاباً وبرلمانات) وإن ظلت هناك قيادات تتحدث باسم الجماعات اليهودية. كما اضطلعت الحركة الصهيونية بمهمة القيادة في مرحلة لاحقة، أو طرحت نفسها على الأقل باعتبارها المتحدث باسم كل اليهود.
ويمكن تقسيم تواريخ الجماعات اليهودية في الغرب، في تلك المرحلة، إلى الفترتين التاليتين:
стр. 3971
١ ـ فترة الانعتاق والاندماج والإصلاح الديني اليهودي (١٨٠٠ ـ ١٨٨٠) . وهي الفترة التي شهدت سقوط أسوار الجيتو والأشكال الإدارية الجيتوية مثل القهال، ومحاولة تحديث اليهود ودمجهم في المجتمعات الغربية في غرب أوربا في بداية الأمر ثم في شرقها ووسطها فيما بعد، وتصفية الدين اليهودي من الطقوس والعبادة ذات الشكل القومي المنغلق. وقد استجاب أعضاء الجماعات اليهودية في شرق أوربا وغربها لحركة الإعتاق والإصلاح والتنوير، وظهرت بينهم حركات دينية وفكرية، مثل اليهودية الإصلاحية، التي تطالب اليهودي بالتحول إلى مواطن محدد الولاء والهوية. وظهرت طبقة من كبار المموّلين اليهود في غرب أوربا وفي شرقها بدرجة أقل وقفت وراء حركة التنوير والاندماج. وقد اتجهت هجرة أعضاء الجماعات من شرق أوربا إلى غربها ووسطها، ووصلت أعداد صغيرة إلى العالم الجديد. ويُلاحَظ تَزايُد معدل علمنة اليهود في هذه الفترة، وانخراط الشباب اليهودي بأعداد متزايدة، وخصوصاً في شرق أوربا، في الحركات الثورية. وقد بدأت العناصر العلمانية أو ذات التوجه الديني الإصلاحي، تساندها بعض القطاعات البرجوازية اليهودية الكبيرة، تتولى قيادة الجماعة اليهودية في غرب أوربا ووسطها، كما بدأت قبضة القيادات الدينية تتخلخل في شرق أوربا إلى أن تراخت تماماً مع نهاية القرن.
٢ ـ فترة الإمبريالية: وهي الفترة التي اقتسمت فيها دول الغرب الإمبريالية كلاًّ من آسيا وأفريقيا فيما بينها، وبدأت في تصدير مشاكلها وفائضها إليهما. ويمكن تقسيم تواريخ الجماعات اليهودية في هذه الفترة إلى ثلاثة أقسام:
стр. 3972
أ) تَزايُد علمنة أعضاء الجماعات اليهودية ودمجهم وإعتاقهم: ويُلاحَظ في السنوات الأولى لهذه الفترة ازدياد معدلات التحديث في غرب أوربا، وبالتالي زيادة اندماج اليهود. هذا على عكس شرق أوربا حيث تعثرت عملية التحديث. وقد صاحب ذلك انفجار سكاني هائل بين يهود شرق أوربا، فزاد عددهم إلى أكثر من خمسة أضعاف. وقد أدَّى كل ذلك إلى ظهور الصهيونية في شرق أوربا وتبنيها في غربها، كما أدَّى إلى ظهور حزب البوند وتزايد انخراط الشباب اليهودي في الحركات الثورية. وقد اتجهت الهجرة في هذه السنوات الأولى إلى العالم الجديد، حيث هاجر ملايين اليهود إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي أصبحت تضم أكبر جماعة يهودية في العالم. كما اتجه بضعة آلاف إلى فلسطين بعد صدور وعد بلفور. واستمرت الهجرة ضئيلة للغاية إلى أن استولى هتلر على الحكم في ألمانيا فتضاعف عدد المستوطنين. ومع حلول عام ١٩٤٨، كانت الحرب العالمية الثانية، والإبادة النازية، وتَناقُص معدلات الإنجاب، قد قضت على معظم يهود أوربا.
стр. 3973
ب) إعلان الدولة الصهيونية: ويُلاحَظ أنه بعد أن آلت قيادة معظم الجماعات اليهودية في العالم إلى العناصر الثورية الاندماجية أو إلى العناصر الدينية التقليدية، تغيَّر الأمر وتولت القيادة عناصر صهيونية من شرق أوربا أساساً طرحت صيغة قومية هلامية ذات طابع ديني دون التزام بالقيم الدينية الأخلاقية والعقائدية. وقد قوبلت هذه الصيغة بمعارضة شديدة من أعضاء الجماعات اليهودية في غرب أوربا وشرقها في بادئ الأمر. ولكن الصهيونية اكتسبت الشرعية من خلال تحالفها مع القوى الإمبريالية، ومن خلال غزو الأرض الفلسطينية، ولذا أمكنها أن تطرح نفسها باعتبارها المتحدث الوحيد باسم اليهود واليهودية، وهذا هو الوضع السائد في الوقت الحالي. ويُلاحَظ أن أعضاء الجماعات لعبوا دوراً نشيطاً ومستقلاً عن الحركة الصهيونية حتى عام ١٩٤٨، لكن هذا الدور أخذ في التضاؤل بعد ذلك نتيجةً للهجمة الصهيونية ونجاحها. ويُلاحَظ هنا أن أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي قد سلكوا المسار نفسه بسبب قوة الصهيونية التي تلقت منذ البداية دعماً إمبريالياً كبيراً. وانتهى الأمر بتصفية الجماعات اليهودية من العالم العربي وأنحاء أخرى من العالم حتى أصبحت هناك ثلاثة تجمعات يهودية أساسية في العالم: في الولايات المتحدة وفي روسيا وأوكرانيا ثم في الدولة الصهيونية. وقد أصبح التجمع الاستيطاني اليهودي في فلسطين أكبر التجمعات اليهودية قوة وهيمنة، كما أصبحت كل جماعة يهودية تتبع الدولة التي تعيش فيها. ولكن، لم تَعُد هناك أشكال سياسية أو إدارية مستقلة مقصورة على الجماعات اليهودية كما كان الحال قبل الثورة الصناعية. لقد أصبح أعضاء الجماعات اليهودية في روسيا السوفيتية (سابقاً) ، مثلهم مثل أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، يشاركون في الحياة السياسية والاجتماعية مشاركة كاملة من حيث هم أفراد ومواطنون، وبدون تميُّز وظيفي أو اقتصادي واضح. وتطرح المنظمة
стр. 3974
الصهيونية نفسها، وكذلك المنظمات اليهودية التابعة لها، باعتبارها المتحدث باسم الجماعات اليهودية في العالم. ومع هذا، فإن المنظمة الصهيونية لا تشكل إطاراً للعمل السياسي ليهود العالم، فنشاطها كان محرماً وضئيلاً للغاية حتى عهد قريب في الاتحاد السوفيتي (سابقاً) وقد نشطت قليلاً في السنوات الأخيرة قبل سقوطه، ولا نعرف الكثير عن طبيعة النشاط الصهيوني في روسيا وأوكرانيا والدول الأخرى (مثل جورجيا وكازاخستان) التي تضم جماعات يهودية كبيرة نسبياً. ولكن يُلاحَظ أن هذه الجماعات أصبحت لها حركيات مستقلة. أما في إسرائيل، فالمنظمة تابعة للدولة التي لا تسمح لها إلا برقعة صغيرة للحركة المستقلة. وفي الولايات المتحدة، تقوم المنظمة بحشد اليهود وراء سياسات إسرائيل التي لا تختلف في جوهرها عن السياسة الأمريكية. والشيء الإداري المستقل الوحيد ليهود الولايات المتحدة هو الجمعيات الخيرية المعفاة من الضرائب التي تقوم بجمع التبرعات لتمويل المؤسسات الاجتماعية التي تسد الاحتياجات الخاصة بالجماعة اليهودية، ملاجئ العجزة والمدارس الدينية وغيرها. واليهود لا يختلفون في ذلك عن الجماعات الدينية والإثنية الأخرى.
стр. 3975
أما الهجرة، فقد كادت تتوقف تماماً بعد فترة هجرة محمومة أعقبت عام ١٩٤٨ من جانب بعض الأوربيين اليهود الذين لم يكن لهم مأوى بعد الحرب، وبعد هجرة آلاف اليهود من العالم العربي. لكن الهجرة تزايدت في السبعينيات، من خلال الهجرة السوفيتية التي توقفت بدورها تماماً في أواخر العقد ثم نشطت مرة أخرى عام ١٩٨٩ بعد سياسة البريسترويكا وسقوط الاتحاد السوفيتي وتفككه. وبانتهاء هذه الموجة من الهجرة، يُتوقَّع أن تتم تصفية الجماعات اليهودية في الاتحاد السوفيتي (سابقاً) . ويُلاحَظ أن الهجرة مازالت تجري من الدول المتخلفة نوعاً إلى البلاد الأكثر تقدماً ذات الاقتصاد الرأسمالي الحر والماضي الاستيطاني. ولذا، فإن الولايات المتحدة لا تزال أكثر الدول جاذبية بالنسبة لليهود ومنهم أعضاء التجمع الصهيوني.
ويُلاحَظ تَزايُد معدلات العلمنة بشكل غير عادي بين اليهود بحيث أصبح أكثر من نصف يهود العالم، وفيهم التجمع الصهيوني، لا يؤمنون باليهودية الحاخامية التقليدية وبالتالي لا يقيمون كثيراً من الشعائر الأساسية مثل السبت وقوانين الطعام. أما النصف الآخر، فإن غالبيتهم العظمى من اليهود الإصلاحيين والمحافظين. ويشكل الأرثوذكس أقلية صغيرة للغاية لا تتجاوز ١٠% من يهود العالم، وهو ما نجم عنه تضاؤل دور الحاخامات في المعابد اليهودية. وقد نجحت الحركة الصهيونية في تحويل هؤلاء إلى أدوات تسخرها لمصلحتها.
أما من ناحية الإبداع الحضاري، فقد حافظ أعضاء الجماعات اليهودية على تميزهم وبروزهم في العالم الغربي. ولكن لا يمكن الحديث عن إبداع حضاري يهودي مستقل، ذلك أن إسهامات يهود الولايات المتحدة الأمريكية جزء من التراث الحضاري الأمريكي. كما يظل البعد اليهودي لهذه الإسهامات سطحياً وجانبياً.
стр. 3976
جـ) أزمة الصهيونية في أواخر الستينيات: وهذه أزمة إن كتب لها الاستمرار قد تؤدي إلى تقويض سيطرة الصهيونية على الجماعات اليهودية في العالم، بحيث تكتسب هذه الجماعات شيئاً من استقلاليتها مرة أخرى، وبحيث تطرح مرة أخرى إمكانية الفصل بين الدين والقومية. وثمة تنبؤات عديدة بشأن مسار تواريخ الجماعات اليهودية، منها التنبؤ بموت الشعب اليهودي من خلال التزاوج والاندماج خارج إسرائيل ومن خلال العلمنة المتزايدة داخلها وخارجها. وهناك أيضاً التنبؤ بحدوث ازدواجية يهودية بحيث يصبح يهود الغرب يهوداً بالمعنى الديني ويصبح يهود إسرائيل يهوداً بالمعنى الإثني. ومما لا شك فيه أن تواريخ الجماعات اليهودية، نتيجة لهيمنة الصهيونية، أصبحت مرتبطة بأحداث الشرق الأوسط وبالنضال الفلسطيني ضد التجمع الصهيوني. ومن هنا تبرز أهمية الانتفاضة التي قوَّضت قدراً كبيراً من شرعية الدولة الصهيونية، ومن ثم بدأت قطاعات من يهود العالم في التحرر من قبضتها.
تاريخ اليهود الاقتصادي
Economic History of the Jews (Jewish Economic History)
«تاريخ اليهود الاقتصادي» مصطلح يفترض أن ثمة تاريخاً اقتصادياً واحد ًيضم كل الجماعات اليهودية في العالم عبر التاريخ. ويصعب على دارسي الجماعات اليهودية أن يجدوا معالم تاريخ اقتصادي واحد يضم كلاًّ من يهود إثيوبيا (الذين يعيشون في مجتمع أفريقي قبلي بسيط) ويهود الولايات المتحدة (الذين يعيشون في مجتمع غربي رأسمالي متقدم) ويهود الهند (الذين يعيشون في مجتمع نام من مجتمعات العالم الثالث) . ولذا، فنحن نطرح مصطلح «التواريخ الاقتصادية للجماعات اليهودية» باعتباره أكثر تفسيرية.
التواريخ الاقتصادية للجماعات اليهودية
Economic Histories of the Jewish Communities
بإمكان القارئ الذي يود أن يحيط بالتواريخ الاقتصادية للجماعات اليهودية أن يقرأ المداخل التالية، وربما بالترتيب التالي:
стр. 3977
١ ـ الجزء الثالث من المجلد الثاني والمعنون «يهود أم جماعات يهودية وظيفية؟» ، حيث نطرح نموذج الجماعات اليهودية باعتبارها جماعات وظيفية.
٢ ـ الجزء الأول من المجلد الثالث:
أ) الأبواب المعنونة «الرأسمالية والجماعات اليهودية» ـ «رأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية في العالم (ما عدا الولايات المتحدة) » ـ «رأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة» ، حيث نناقش أطروحة علاقة أعضاء الجماعات اليهودية بظهور الرأسمالية (الرشيدة) .
ب) المدخل المعنون «الفكر الاشتراكي وموقفه من الجماعات اليهودية» ، حيث نتناول رؤية بعض المفكرين الاشتراكيين الغربيين لدور أعضاء الجماعات اليهودية.
جـ) قد يكون من المفيد أيضاً قراءة المداخل التالية: «البلاشفة والجماعات اليهودية» ـ «العمال من أعضاء الجماعات اليهودية» .
٣ ـ المجلد الرابع حيث سيجد القارئ فيه معالجة مستفيضة للدور الاقتصادي الذي لعبته كل جماعة يهودية في المجتمع الذي تنتمي إليه. فبالإمكان معرفة تاريخ يهود إنجلترا الاقتصادي بالعودة إلى الباب المعنون «إنجلترا» ، وتاريخ يهود فرنسا الاقتصادي في الباب المعنون «فرنسا» ، وهكذا.
٤ ـ الجزء الأول من المجلد السابع والمعنون «الدولة الصهيونية الوظيفية» ، لمعرفة الأبعاد الاقتصادية للكيان الصهيوني.
تاريخ الفكر اليهودي أو الحضارة (أو الثقافة) اليهودية
Intellectual or Cultural History of the Jews (Jewish Intellectual or Cultural History)
«تاريخ الفكر اليهودي» أو «التاريخ الفكري لليهود» أو «تاريخ الثقافة اليهودية» أو «تاريخ الحضارة اليهودية» ... إلخ. كلها مصطلحات تفترض أن ثمة تاريخاً واحداً لما يُسمَّى «الفكر اليهودي» أو «الثقافة اليهودية» أو «الحضارة اليهودية» ، وأن هذا التاريخ يضم كل الجماعات اليهودية في العالم ويفسر وحدتهم وتنوعهم والتحولات الفكرية التي تطرأ عليهم.
стр. 3978
ومن الصعب على أي دارس أن يكتشف عناصر الوحدة بين ثقافة أعضاء الجماعات اليهودية في الصين وثقافة أعضاء الجماعة اليهودية في مصر أو في الولايات المتحدة أو في إثيوبيا. ولذا، فنحن نجد أن مصطلح «التواريخ الفكرية (أو الثقافية أو الحضارية) للجماعات اليهودية» هو مصطلح أكثر تفسيرية.
التواريخ الفكرية أو الحضارية (أو الثقافية) لأعضاء الجماعات اليهودية
Intellectual or Cultural Histories of the Jewish Communities
للإحاطة بالتواريخ الفكرية أو الثقافية أو الحضارية لأعضاء الجماعات اليهودية، بإمكان القارئ أن يقرأ المداخل التالية، وربما بالترتيب التالي:
١ ـ المجلد الثالث، حيث نتناول جوانب مختلفة من هذه التواريخ في الأبواب الخمسة الأولى من الجزء الأول، وفي الجزء الثاني بأسره.
٢ ـ المجلد الخامس، وبخاصة الباب الخامس من الجزء الأول المعنون «تاريخ الصهيونية» . وتُعدُّ الصهيونية من أهم الحركات الفكرية التي لعبت دوراً حاسماً في تطوُّر التواريخ الفكرية لأعضاء الجماعات اليهودية.
٣ ـ المجلد السادس، الجزء الثاني المعنون «الفرق الدينية اليهودية» حيث نتناول تطور الفكر الديني اليهودي.
٤ ـ المجلد الرابع، حيث سيجد القارئ معالجة للتطور الفكري والثقافي لكل جماعة يهودية على حدة في إطار التطور الثقافي للمجتمع الذي تنتمي إليه.
стр. 3979
الباب الثانى: أشكال الإدارة الذاتية
الإدارة الذاتية للجماعات اليهودية
Autonomy of Jewish Communities
«الإدارة الذاتية للجماعات اليهودية» مصطلح نستخدمه بدلاً من المصطلح الإنجليزي ذي الأصل اللاتيني «أوتونومي autonomy» والذي يعني «الاستقلال أو الحكم الذاتي» ، وهو مصطلح شائع في الأدبيات الغربية عادةً ما يُستخدَم ليصف علاقة أعضاء الجماعات اليهودية بالمجتمعات التي يعيشون بين ظهرانيها، وهو في تصورنا أبعد ما يكون عن وصف حقيقة هذه العلاقة. ولذا نفضل استخدام مصطلح «الإدارة الذاتية» لأن مقدرته التفسيرية أعلى. فمن المعروف أن الحضارات التقليدية تتسم بالفصل الحاد بين الطبقات والفئات والأقليات، فكان لكل فئة مؤسساتها الإدارية التي تمثل الأقلية أمام الدولة والحاكم، وكانت الدولة بدورها لا تتعامل مع الأفراد مباشرة وإنما مع الفئات والطبقات والأقليات المختلفة باعتبارها تجمعات لها مؤسساتها. فكانت هذه المؤسسات تتولى جمع الضرائب مثلاً، كما كانت تتولى الشئون التعليمية والقضائية الخاصة بأعضائها. وكان لكل فئة أو أقلية مدارسها التي تديرها وتشرف عليها، كما كان لها محاكمها التي تفصل في النزاعات التي تنشب داخلها. ولم يكن يُستثنَى من ذلك فئة أو طبقة أو أقلية. والواقع أن الهدف من هذا التقسيم والاستقلال الإداري النسبي كان، على المستوى المحلي، هو تسهيل عملية الإدارة وضبطها.
стр. 3980
وكانت الجماعات الوظيفية (القتالية والمالية) تشكل حالة متطرفة من هذا الوضع العام، فهي جماعات كانت تضطلع بوظائف تتسم بأنها مصدر رهبة أعضاء المجتمع أو اشمئزازهم. ولذا، كان المجتمع يعزل أعضاء هذه الجماعات حتى يصبح لهم مؤسساتهم وأماكن إقامتهم المقصورة عليهم. وأعضاء الجماعات اليهودية في معظم الحضارات، وخصوصاً الحضارة الغربية، قاموا (حتى القرن التاسع عشر) بدور الجماعة الوظيفية الوسيطة، ومن ثم كانت عملية عزلهم تأخذ شكلاً حاداً. ففي بابل، بعد التهجير، كان لليهود مؤسساتهم المستقلة التي يترأسها رأس الجالوت (المنفى) ويساعده رؤساء الحلقات الدراسية. كما كان يهود الإسكندرية البطلمية، في القرن الثاني قبل الميلاد، يكوِّنون بوليتيوما (جماعة من الغرباء يحق لهم السكنى) ويترأسها رئيس القوم (إثنآرخ) الذي كانت له صلاحيات إدارية وقضائية واسعة، وكان يشاركه السلطة ويعلو عليه أحياناً مجلس الشيوخ (جيروسيا) . وقد سمح الرومان لليهود بأن تكون لهم محاكمهم ومؤسسات الإدارة الذاتية، وكان يترأسها أمير اليهود (ناسي أو بطريرك) الذي يعود تاريخه إلى عصر السلوقيين، وكان يتمتع بصلاحيات واسعة في الأمور الخاصة باليهود. ولم يكن تنظيم الجماعة في إسبانيا المسيحية، والذي كان موروثاً عن إسبانيا الإسلامية (الأندلس) ، يختلف كثيراً عن مؤسسات الإدارة الذاتية. ويمكن رؤية مجالس القهال التي كانت ممثلة في مجلس البلاد الأربعة في بولندا، أو اللانديودينشافت في وسط أوربا، أو الماهاماد في هولندا وغيرها من البلاد، أو نظام الملة في الإمبراطورية العثمانية، تعبيراً عن الوضع نفسه. ومؤسسة الجيتو بطبيعة الحال تعبير عن هذه الظاهرة.
стр. 3981
ولكن هذه الإدارة الذاتية عادةً ما تختفي مع بداية عملية التحديث وظهور الدولة القومية العلمانية الحديثة ذات النظام التعليمي والاقتصادي الشامل والتي تضطلع بمعظم وظائف الجماعات الوظيفية مثل جمع الضرائب. ومن ثم، فإنها تتطلب ولاءً كاملاً من أعضائها، وترفض منافسة أية جيوب دينية أو إثنية فرعية منغلقة على نفسها. وقد بدأت هذه العملية في أوربا مع بداية القرن الثامن عشر، واستمرت حتى نهاية القرن التاسع عشر. ويمكن رؤية المسألة اليهودية كتعبير عن الفجوة الحضارية الناجمة عن هذا التحول السريع.
والمفهوم الذي طرحته حركة الانعتاق والاندماج للهوية اليهودية، هو أن اليهودي فرد ينتمي إلى مجتمعه ويكتسب هويته منه، شأنه شأن سائر أعضاء المجتمع، ولذا فلا توجد أية ضرورة إدارية أو حضارية لقيام مؤسسات الإدارة الذاتية.
وعلى العكس من هذا تحاول التواريخ التي تنطلق من المنطلقات الصهيونية إظهار أن مؤسسات الإدارة الذاتية مؤسسات حكم ذاتي ( «دولة داخل دولة» حسب التعبير الصهيوني والمعادي لليهود) مقصورة على اليهود وحدهم، وبالتالي فإنها تعبير عن هويتهم القومية الجمعية التي ترفض الاندماج، لتستخلص من ذلك أن اليهود يشكلون كلاًّ واحداً وأنهم تجمُّع قومي مستقل عبر التاريخ في كل زمان ومكان. ينطلق الفكر الصهيوني من هذا المفهوم الجمعي للهوية اليهودية الذي يضرب بجذوره في العصور الوسطى والجيتو، والذي يصل إلى تعبيره الحقيقي عن نفسه في الدولة الصهيونية؛ التجربة الكبرى في الإدارة الذاتية.
ولكن الدولة الصهيونية سبقتها تجارب أخرى في الإدارة الذاتية من أهمها تجربة سورينام في الاستعمار الاستيطاني اليهودي وتجربة جيتو وارسو ومستوطنة تيريس آينشتات اللتين حاول النازيون من خلالهما أن يبينوا أن الشعب اليهودي شعب عضوي له مكوناته الحضارية المستقلة.
стр. 3982
وقد اختفت كل مؤسسات الإدارة الذاتية التقليدية (والنازية والصهيونية) وحلت محلها مؤسسات حديثة تختلف في وظيفتها تماماً عن مؤسسات الإدارة الذاتية التقليدية. فالهدف من مقاطعة بيروبيجان حل مشكلة الجماعة اليهودية في روسيا باعتبارها جماعة قومية ليست لها أرض خاصة بها (ولذا انخرط بعض أعضائها في الوظائف الطفيلية الهامشية) . أما مؤسسات القهال وروابط المهاجرين وحلقات العمال والنادي اليهودي في الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية وغيرها فهي لا تختلف عن مثيلتها من المؤسسات التي تجمع أعضاء الجماعات الإثنية والدينية المهاجرة في المجتمعات الحديثة وهي مؤسسات توفر لهم إطاراً يمكنهم من خلاله التواصل على مستوى أقل عمومية وأكثر خصوصية من تواصلهم في رقعة الحياة العامة وتفي ببعض حاجاتهم النفسية والمادية الخاصة. ومن ثم فهي ليست مؤسسات إدارة ذاتية رغم أن اسمها قد يوحي بذلك.
وتحاول بعض الكتابات الصهيونية أن تُقدِّم بعض الحوادث التاريخية الاستثنائية مثل مملكة حمير ومملكة حدياب ومملكة الخزر باعتبارها تعبيراً عن رغبة اليهود الأزلية في الاستقلال الذاتي. وغني عن القول أن الدراسة التاريخية تبيِّن أن هذه مجرد استثناءات يمكن تفسيرها لا في إطار التاريخ اليهودي وإنما في إطار التشكيلات الحضارية المختلفة التي ظهرت في إطارها.
قيادات الجماعات اليهودية
Leadership of the Jewish Communities
стр. 3983
«قيادات الجماعات اليهودية» هي الشخصيات أو المجموعة التي تتولى قيادة الجماعات اليهودية وتوجيهها والتفاوض باسمها مع النخب الحاكمة. ومن المشاكل التي يواجهها أعضاء الجماعات اليهودية، عبر تواريخهم دائماً، مشكلة القيادة ومشكلة من يتحدث باسمهم أمام السلطة الحاكمة. ولم يواجه العبرانيون القدامى هذه المشكلة، ففي فترة الآباء كانت قيادتهم تتشكل من شيوخ القبيلة (القضاة) . وحسبما وصلنا من معلومات عن هذه الفترة السديمية، لم يكن هناك ما يميِّز العبرانيين عن سواهم من الأقوام المتجولة في الشرق الأدنى في العالم القديم من ناحية البناء السياسي والطبقي. وقد استمر الوضع على ذلك أثناء فترة القضاة حين ظهرت القيادة الكاريزمية القَبَلية التي لم تكن تختلف في جوهرها عن القيادة القَبَلية في عصر الآباء. وبعد ذلك، ظهرت مؤسسة الملكية تساندها طبقة الكهنة، فقد حكم العبرانيين ملوك ابتداء من ١٠٢٠ حتى ٥٨٦ ق. م. ولكن، وبطبيعة الحال، كانت ثمة صراعات على القيادة لازمت هذه الممالك. فبعد وفاة شاؤول، انقسمت المملكة إلى قسمين؛ الجنوبي (يهودا) وقد استولى عليه داود، والشمالي (يسرائيل) الذي استولى عليه إشبعل ابن شاؤول. وبعد سبع سنين ونصف السنة، اتحدت المملكتان ثانية تحت قيادة داود، ثم جاء سليمان وكانت أول خطوة قام بها أن قتل جميع منافسيه في الملك ليستريح من متاعبهم. ولكن المملكة الموحَّدة انقسمت بعد موته مباشرةً إلى مملكتين مستقلتين متخاصمتين ومتحاربتين: المملكة الشمالية وبقيت حتى عام ٧١٢ ق. م، والمملكة الجنوبية وبقيت حتى عام ٥٨٦ ق. م. كما أن المملكتين كانتا بدورهما ميداناً لنزاعات داخلية مستمرة. كما كان هناك صراع دائم بين الكهنة والملوك (المؤسسة الحاكمة) من جهة والأنبياء من جهة أخرى.
стр. 3984
وبعد هذا التاريخ، أخذت مشكلة القيادة في الظهور بكل أشكالها، إذ تحوَّل كثير من الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية. وتتسم الجماعة الوظيفية بأن قياداتها تهيمن على أعضائها لأنها عادةً جماعة صغيرة عددياً، كما أنها لابد أن تخضع لعملية ضبط اجتماعي هائلة حتى يتسنى لأعضائها القيام بوظائفهم وحتى يمكنهم توارث الخبرات من خلال الجماعة الوظيفية. وعادةً ما كانت النخبة الحاكمة تطلق يد قيادة الجماعة الوظيفية في تصريف أمور الجماعة كشكل من أشكال الإدارة الذاتية. ومع أن الوضع في فلسطين كان مختلفاً، بطبيعة الحال، إلا أنه يُلاحَظ أن الجماعة اليهودية على أرض فلسطين فقدت استقلالها السياسي (باستثناء فترة الحشمونيين القصيرة) وأصبحت دولة تابعة لإمبراطورية كبرى. ولكن علاقة النخبة الحاكمة الإمبراطورية بالقيادة اليهودية المحلية كانت لا تختلف كثيراً عن علاقة أية نخبة حاكمة بقيادات الجماعات اليهودية الوظيفية.
стр. 3985
ومنذ فترة التهجير إلى بابل، قام أعضاء الجماعات اليهودية بتصريف أمورهم الدينية وبعض أمورهم الدنيوية المحلية ذات الطابع الإداري، مثل جمع الضرائب، بتصريح من السلطة الحاكمة وفي إطار الإدارة الذاتية المعمول بها في معظم الإمبراطوريات القديمة، شأنهم في هذا شأن كل الطوائف والجماعات الوظيفية في المجتمعات التقليدية وفي هذا الإطار تم تأسيس المجمع الكبير. وقد استمر هذا النمط وساد بين أعضاء الجماعات اليهودية حتى القرن التاسع عشر، ثم تقلص بعد ذلك التاريخ إلى تصريف الأمور الدينية وحدها. ولا يُستثنَى من هذا النمط إلا أعضاء التجمع الصهيوني. وقد تولي القيادة في غالب الأمر تحالف من رجال الدين وأثرياء اليهود وكانت التفرقة بينهم صعبة في معظم الأحيان. وبعد مرسوم قورش بالعودة من بابل (٥٣٨ ق. م) ، آلت القيادة إلى طبقة الكهنوت المتركزة حول الهيكل، وتحالف معهم أثرياء اليهود الذين تأغرقوا، فقاومتهم العناصر العبرانية المحلية. ثم ظهر من بينهم، لفترة زمنية قصيرة، ملوك الحشمونيين (١٤٢ ـ ٦٥ ق. م) الذين كانوا يحملون لقب الكاهن الأعظم، وقد تأغرق هؤلاء أيضاً وتعاونوا في نهاية الأمر مع السلطة السلوقية ثم الرومانية. أما حكم الهيروديين (ابتداءً من ٣٧ ق. م) ، فكان تابعاً للرومان تماماً. ومن المعروف أن لقب «ملك روماني (دوكس) » الذي كان يحمله ملوكهم وبعض ملوك الحشمونيين من قبلهم، كان لقباً شرفياً وحسب إذ كانوا يدينون بالتبعية الكاملة لروما. وقد كان الملوك الهيروديون يعينون كاهناً أعظم يعمل موظفاً لديهم ويدين لهم بالولاء. وقد أصبح للجماعة اليهودية في بابل مركز سلطة مستقل يترأسه رأس الجالوت (المنفى) . وحين تعاظم عدد يهود مصر وتزايد نفوذهم، أصبح لهم، هم أيضاً، قيادتهم المستقلة بل هيكلهم المستقل. وفي نهاية القرن الأول قبل الميلاد، ظهرت داخل اليهودية تيارات متعددة كان من أهمها الصدوقيون والفريسيون والغيورون، طرح كلٌّ منهم
стр. 3986
نفسه باعتباره قيادة اليهود الحقيقية، في فلسطين أساساً، وفي العالم ككل. ثم نشب التمردان اليهوديان الأول والثاني ضد الرومان واللذان انتهيا بتهديم الهيكل بيد الرومان، الأمر الذي وضع نهاية للمرحلة العبرانية اليهودية.
ويُلاحَظ أنه، بعد هدم الهيكل، لا يوجد شكل واحد محدَّد للقيادة يسود الجماعات اليهودية إذ كانت كل جماعة خاضعة للتشكيل الحضاري السياسي الذي توجد فيه. وعلى سبيل المثال، فإن قيادة يهود الفلاشاه التي استمرت حتى العصر الحديث كانت قَبَلية، واصطبغت قيادة يهود بني إسرائيل في الهند بطابع هندي واضح، وتأثرت قيادة يهود كايفنج بالحضارة الصينية. أما يهود الخزر، فقد سادت بينهم مؤسسة الملكية المزدوجة (التركية) . أما في الشرق الإسلامي، فقد ترأس الجماعات اليهودية رأس الجالوت (المنفى) ، وكان منصبه المركزي تعبيراً عن مركزية الإقطاع في العالم الإسلامي. وقد ظهر إلى جواره نخبة قائدة دنيوية تستند هيبتها إلى نجاحاتها التجارية وثرائها، وقد كانت هي التي تتحكم في النخبة الدينية. وهذا وضع يشبه الوضع في الولايات المتحدة في الوقت الحالي، إذ أن أثرياء اليهود قد أمسكوا بزمام قيادة الجماعة اليهودية فعلياً، وتضاءل دور المفكرين الدينيين والحاخامات.
وحين كانت الدولة المركزية قوية، كان اليهود يتبعون مركزاً واحداً وقيادة واحدة. وحينما كانت السلطة المركزية تضعف وتنقسم الدولة إلى دويلات، كانت الجماعات اليهودية ذاتها تنقسم إلى وحدات صغيرة تتبع كل منها الدولة التي تعيش فيها. في العالم الإسلامي على سبيل المثال، حينما كانت تحكمه سلطة مركزية قوية، كان منصب رأس الجالوت يتمتع بنفس القوة. ومع تفكُّك الدولة الإسلامية إلى دويلات أو مقاطعات شبه مستقلة، ظهر منصب رئيس اليهود (نجيد) في مصر وفي غيرها من البلاد الإسلامية.
стр. 3987
ومع هذا، كانت الجماعات اليهودية، داخل الإطار القوي للدولة العثمانية، منقسمة فيما بينها متصارعة الواحدة مع الأخرى، واحتفظت كل جماعة باستقلالها. ولكن حدثت عملية اندماج فيما بينها مع مرور الزمن نظراً لسيادة العنصر السفاردي. ولذا، فقد عينت الدولة العثمانية الحاخام باشي (في القرن التاسع عشر) ليمثل نوعاً من القيادة المركزية ليهود الدولة العثمانية.
ومن ناحية ظهور المسألة اليهودية وتطوُّر الحركة الصهيونية، قد يكون من المفيد التركيز على أوربا وحدها. ويُلاحَظ أن الإقطاع الأوربي لم يكن ذا سلطة مركزية واحدة وإنما كان منقسماً إلى وحدات صغيرة. ومن الحقائق الأساسية التي تتعلق بالإقطاع الأوربي أن القيادات اليهودية انقسمت بانقسام الجماعات، فكان لكل جماعة يهودية وظيفية نخبتها القائدة التي كانت تتكون عادةً من كبار رجال الدين والمموِّلين وتستبعد صغار رجال الدين والتجار. ويظهر هذا في مؤسسة القهال التي كانت تتكون من تنظيمات صغيرة متصارعة فيما بينها، ثم أصبحت في نهاية الأمر مُمثَّلة في مجلس البلاد الأربعة الذي تم حٌله عام ١٧٦٤، فعادت التوترات والصراعات بين منظمات القهال المختلفة مرة أخرى. وفي بداية القرن السابع عشر، ظهر يهود البلاط (وهم من كبار المموِّلين الذين كان يعتمد عليهم الحاكم) الذين كانوا يكتسبون هيبة خاصة وشرعية نتيجة ارتباطهم بالحاكم ويتحولون إلى قيادات للجماعة اليهودية ويتحدثون باسمها أمام الأمير. وكانت أهم وظيفة تُوكَل إلى القيادات وظيفة الوسيط (شتدلان) ، تلك الوظيفة التي كانت مهمتها التوسط بين الحاكم وأعضاء الجماعة. وكان هؤلاء الوسطاء، بسبب ثرائهم ونفوذهم، يقدمون الصدقات للفقراء من أعضاء الجماعة، الأمر الذي كان يعطيهم شرعية هائلة، فشرعية هذه القيادة كانت تستند إلى ثرائها وإلى نجاحها في عالم الأغيار، وإلى تقبُّل عالم الأغيار لها، وهي ليست قيادة دينية أو نابعة من داخل حركيات الجماعة
стр. 3988
اليهودية.
ومع تدهور الجماعة اليهودية في شرق أوربا، في بولندا وروسيا اللتين كانتا تضمان معظم يهود أوربا والعالم، تدهورت هذه القيادات أيضاً وأصبحت فاسدة، وتحوَّل القهال من شكل للإدارة الذاتية إلى أداة استغلال وقمع. وكان منصب الحاخام يُباع ويُشتَرى وكذلك منصب القاضي، وهو ما كان يجعل الرشوة أمراً طبيعياً في المحاكم الشرعية اليهودية، وهكذا ازداد انفصال القيادات الدينية والدنيوية عن جماهيرها. وربما كان هذا الوضع المتردي أحد العناصر التي أدَّت إلى تفجُّر النزعات المشيحانية والحركات الشبتانية التي جاءت بعدها، والتي كانت تمثل، فيما كانت تمثله، ثورة ضد القيادة التقليدية المُكوَّنة من الحاخامات والأثرياء، فضمت عناصر كثيرة من بينها صغار المموِّلين وصغار الحاخامات، وكل من اهتز وضعه الاقتصادي نتيجة التحولات الاقتصادية، وكل من استبعدته أشكال التنظيم القديمة. وقد كان لهذه الحركات قيادتها الكاريزمية، يتبع كل قائد مريدوه وأتباعه وجماهيره. ولما كان لكل جماعة، مثل الدونمه والفرانكيين، طقوسها ومعتقداتها المتميزة عن طقوس ومعتقدات اليهودية الحاخامية، فقد شكلت مثل هذه الجماعات جيوباً مستقلة. وكثيراً ما كانت هذه الجماعات تطلب إلى الحاكم أن يحميها من اضطهاد القيادات الحاخامية والمالية. وقد كانت الحركة الحسيدية أكثر الحركات الصوفية (الشبتانية) انتشاراً وجماهيرية. وكان لكل جماعة حسيدية قائدها (تساديك) وهو زعيمها الديني الصوفي الذي كانت تقوم بينه وبين أتباعه علاقة مباشرة حميمة، فهو الصلة الوحيدة بينها وبين الإله حسب التصور القبَّالي. وقد حلَّ التساديك محل الحاخام بالنسبة إلى الحسيديين.
стр. 3989
غير أن التحدي الأكبر للمؤسسة الحاخامية جاء من بين صفوف دعاة حركة التنوير (مسكليم) مع نهاية القرن الثامن عشر بتأييد من التجار اليهود الذين كانوا يشكلون جزءاً من الاقتصاد الرأسمالي الصناعي الجديد الذي جعل وجود الجماعات الوظيفية (اليهودية وغير اليهودية) غير ذي موضوع. وقد تلقَّى هؤلاء تعليمهم خارج المحيط اليهودي التقليدي. وكانوا قادرين على التعامل بكفاءة مع العالمين اليهودي والمسيحي والتقليدي والحديث، فطرحوا أنفسهم باعتبارهم القيادة المنطقية للجماعات اليهودية، والقادرين على التحدث باسمها، والعارفين بمصالحها، حتى ولو رفض السواد الأعظم من اليهود ذلك الرأي. وكانت الحكومات الغربية الحريصة على تحديث أعضاء الجماعات اليهودية وعلى علمنتهم، تؤثر التعامل معهم، وهذا يعني أن دعاة التنوير كانوا، مثل يهود البلاط، يكتسبون شرعيتهم من عالم الأغيار.
стр. 3990
وحينما ظهرت الحركة الصهيونية، كانت بعض أشكال القيادة التقليدية لا تزال سائدة برغم تَزايُد تحديث أعضاء الجماعات اليهودية ودمجهم في مجتمعاتهم. ولا يمكن فهم سلوك الزعامات الصهيونية في شرق أوربا إلا في ضوء هذه الحقيقة. وقد كانت منظمات أحباء صهيون منظمات حديثة تنطلق من مفاهيم حديثة مثل تطبيع الشخصية اليهودية وحل المسألة اليهودية عن طريق الاستعمار. ولكن، ورغم أن ليو بنسكر وموشيه ليلينبلوم تلقيا تعليماً علمانياً، فإنهما حينما بدآ في التحرك اتبعا النمط التقليدي فطلبا إلى الحاخام موهيليفر أن يتوجه إلى هيرش وروتشيلد (وهما من أثرياء الغرب اليهود) ليطلب منهما تقديم المساعدة لمشروعهما الاستيطاني، أي أنهما توجها للوسيط (شتدلان) التقليدي (الحاخام) الذي يتوجه إلى الثري حتى يتوسط لدى الحكومات المعنية وحتى يزودهما بالدعم المالي الذي يريدانه. وظلت الحركة الصهيونية قابعة داخل هذه الرؤية الضيقة، إلى أن جاء هرتزل وحدَّث الحل الصهيوني فخرج به من الإطار اليهودي التقليدي وتخطَّى الوسطاء التقليديين وطرح المسألة في إطار استعماري غربي لا علاقة له بأشكال القيادة التقليدية المألوفة لدى اليهود فتَوجَّه إلى الدول الغربية الاستعمارية. ولذا، فقد نجح هرتزل فيما فشل فيه أحباء صهيون ويهود شرق أوربا، فأسس المنظمة الصهيونية العالمية التي أصبحت الوسيط المباشر بين أعضاء الجماعات اليهودية والقوى الإمبريالية، وظل مهيمناً عليها تماماً حتى موته.
стр. 3991
وقد ظن صهاينة الغرب أن هيمنتهم على المنظمة ستستمر وأن صهاينة الشرق سيستمرون في تلقِّي الأوامر والإذعان لها. لكن، بعد موت هرتزل بفترة قصيرة، استولى صهاينة شرق أوربا على المنظمة على أساس أن الكثافة السكانية اليهودية تتركز في بولندا وروسيا، وعلى أساس أنهم أولى بالتعبير عنها وعن مصالحها، وخصوصاً بعد أن تعلموا الدرس من هرتزل وتجاوزوا الإطار اليهودي المحض واتصلوا بالقوات الاستعمارية الغربية.
ويُعَدُّ وعد بلفور الشكل الجديد الذي يحدد العلاقة بين الجماعات اليهودية والحضارة الغربية حيث قامت الزعامة الصهيونية بدور الشتدلان أو الوسيط الحديث، فعرضت تهجير فائض أوربا من اليهود إلى فلسطين تخلُّصاً منهم، ولتأسيس قاعدة للاستعمار الغربي، على أن يقوم الغرب بحمايتهم في المقابل. وقد قبل الغرب هذه الرؤية، وتم توقيع وعد (عقد) بلفور في هذا الإطار، حيث يقوم اليهود تحت زعامة الحركة الصهيونية بتصريف أمورهم الدينية باستقلال كامل، وتصريف أمورهم الإدارية والسياسية المحلية في المُستوطَن الصهيوني، على أن يتحرك الجميع في إطار المصالح الإمبريالية الغربية. وهذا الوضع لا يختلف في أساسياته عن وضع الجماعات اليهودية داخل إطار الإمبراطوريات القديمة. ولذا، تم القضاء على المعارضة اليهودية للصهيونية أو كبح جماحها واستولت الصهيونية على الجماهير اليهودية من خلال الضغط «من فوق» أي من جهة الدولة الإمبريالية الراعية. ومن الأمور التي تستحق التأمل والدراسة أن معظم كبار المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية لا ينضمون إلى الحركة الصهيونية وهو ما يعني أن قيادة الجماعات اليهودية قد سقطت في يد صغار المفكرين الصهاينة الذين لا يتمتعون بأية آفاق فكرية فسيحة أو رؤى تاريخية عميقة.
стр. 3992
ولم يتوقف الصراع على زعامة الجماعات اليهودية، بعد وعد بلفور، سواء على الصعيد العالمي أو داخل المُستوطَن الصهيوني. أما على الصعيد العالمي وداخل الحركة الصهيونية، فإن الصراع أصبح يدور بين أعضاء الجماعات اليهودية بما لهم من مصالح وارتباط بأوطان وهويات ثقافية متنوعة من جهة وبين المنظمة الصهيونية من جهة أخرى، فهي تريد أن توظف كل شيء لصالح المُستوطَن الصهيوني وترى أن الجماعات اليهودية ليست إلا وسيلة تخدم الغايات النهائية للصهيونية. وهذا الصراع مستمر حتى الآن وينعكس في حوادث متفرقة كما حدث عند اكتشاف نشاط بولارد، الجاسوس الأمريكي اليهودي.
كما نشب صراع جانبي آخر على قيادة الجماعات بين صهاينة الداخل المستوطنين (أي الإسرائيليين) وصهاينة الخارج التوطينيين (أي أعضاء المنظمة الصهيونية العالمية) . وقد حُسم الصراع إلى حدٍّ كبير لصالح الصهاينة المستوطنين، وتحولت المنظمة الصهيونية العالمية إلى أداة تابعة لحكومة المُستوطَن الصهيوني. ولا تزال هناك أصداء للصراع القديم على قيادة الجماعات بين الصهيونية وأعداء الصهيونية من اليهود. ولكن هذا الصراع، مثل كثير من الصراعات الشبيهة، تم حسمه لصالح الحركة الصهيونية.
стр. 3993
ودار صراع ثالث حول القيادة داخل المُستوطَن الصهيوني، وهو صراع ذو أبعاد عديدة. وينبغي ملاحظة أنه لا يوجد تجانس كبير بين أعضاء النخبة الحاكمة في إسرائيل وزعاماتها، ولا داخل أعضاء المُستوطَن الصهيوني فيما بينهم، فأمثال بن جوريون وبيجين وبيريز وشامير جاءوا من بولندا، وأمثال حاييم وايزمان وجابوتنسكي وإشكول مهاجرون من روسيا، وآلون وشارون وإيتان ورابين ولدوا في فلسطين، وليفي وشاحل من الدول العربية، وجولدامائير وأرينز وكهانا وأبا إيبان من الدول الناطقة بالإنجليزية. ومعظم القادة المذكورين لادينيون ولا يؤمنون باليهودية كعقيدة وإنما يتخذونها انتماءً إثنياً وحسب. أما ليفنجر ويتسحاق بيريتس ومناحيم كوهين وأبراهام شابيرا، فيعيشون وفق الشريعة (هالاخاه) . ولذا، فقد نشب كثير من الصراعات بينهم حول تَوجُّه الدولة الصهيونية وقيادتها، فهناك صراع إثني بين الإشكناز وبقية أعضاء المُستوطَن من يهود سفارد وعرب وغيرهم. كما يوجد صراع بين المؤسسة العمالية الصهيونية من جهة وبعض كبار المموِّلين ودعاة الاقتصاد الحر ومن يتبعهم من قطاعات شعبية محبطة لا تجد وسيلة للإفصاح عن سخطها من جهة أخرى. وقد أخذ الصراع بين الدينيين واللادينيين في التصاعد، كما يُلاحَظ أن هناك صراع أجيال غير واضح على سطح الأحداث، ويطرح كل قطاع من أعضاء النخبة والزعامات نفسه باعتباره القيادة الأكثر كفاءة. بل يدور الآن صراع حاد بين القوى الدينية المختلفة: الصهاينة المتدينين والليتوانيين وحبد والسفارد ... إلخ.
стр. 3994
ومن الأمور المرتبطة بقضية القيادة ما يُسمَّى بمشكلة عجز اليهود بسبب انعدام السيادة وعدم المشاركة في السلطة. وقد طرحت الصهيونية نفسها باعتبارها الحركة التي ستقوم بحلها وتستعيد السلطة والسيادة لليهود بحيث تصبح لهم سيادتهم القومية وقيادتهم المستقلة. وتثار الآن هذه القضية مرة أخرى في الصحافة الإسرائيلية، كما يثار مدى نجاح القيادة الصهيونية داخل إسرائيل في تحقيق هذا الهدف على ضوء الاعتماد المالي والعسكري والسياسي المتزايد على الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى ضوء تَدخُّل الولايات المتحدة في كثير من القضايا التي لها علاقة بالسيادة القومية مثل إنتاج طائرة لافي.
ومع ظهور ما يُسمَّى «لاهوت البقاء» ، الذي يجعل الهدف الأساسي من التاريخ اليهودي بقاء اليهود، طرح الحاخام ريتشارد روبنشتاين رؤية مفادها أن القيادة الحاخامية لليهود قيادة فرضها الرومان على اليهود بعد إخمادهم التمردات اليهودية، وأن هذه القيادة هي التي علَّمت اليهود الخنوع والخضوع وتَقبُّل العجز وأن هذا الوضع قد استمر حتى الحرب العالمية الثانية حين تعاونت المجالس اليهودية مع القوات النازية وسلمتهم أعضاء الجماعات اليهودية ليرسلوهم إلى معسكرات الاعتقال. ومن ثم، فإن ظهور القيادة الصهيونية (العسكرية) هو تصحيح لمسار التاريخ اليهودي كتاريخ زمني.
رأس الجالوت (المنفى)
Exilarch; Resh Galuta....
стр. 3995
«رأس الجالوت» ترجمة عربية للعبارة الآرامية «ريشي جالوتا» ، وهي بالعبرية «روش جولاه» ، وتعني حرفياً «رئيس المنفى» . وهو لقب أمير الجماعة اليهودية في بلاد الرافدين قبل الإسلام وبعده. وتبدأ القائمة عادةً بالملك يهوياقيم، ولكن أول ذكر تاريخي لرأس الجالوت يقع في القرن الثاني بعد الميلاد (في فترة حكم الفرثيين) . وكانت وظيفة رأس الجالوت وراثية، الأمر الذي أدَّى إلى الفساد والتآمر من أجل الاستيلاء عليها، ولكن كان لابد لمن يشغلها أن يكون من نسل داود. وقد فقد المنصب مكانته بعض الوقت، ولكنه استعادها بعد الفتح العربي عام ٦٤٢م، إلى أن انشقَّ عنان بن داود، مؤسس فريق القرائين. وقد ساد الظن بأن المنصب استمر حتى عام ١٠٤٠، ولكن العلماء يرون الآن أنه استمر (وإن كان ذلك بشكل اسمي) حتى القرن الثالث عشر أو حتى بعد ذلك، حينما قضى تيمورلنك على المنصب عام ١٤٠١، ثم حل محله منصب رئيس اليهود (في الدول الإسلامية) ومنصب الحاخام باشي (في الدولة العثمانية (.
وفي الواقع، فإن وظيفة رأس الجالوت كانت عملاً إدارياً مُعتَرفاً به من قبل الدولة وخاضعاً لسلطانها. وكانت الإمبراطوريات القديمة عادةً تلجأ إلى أسلوب إداري مبني على اللامركزية بحيث كانت كل جماعة (إثنية أو دينية أو مهنية) تتمتع بشيء من الاستقلال في أمورها الداخلية (الدينية أو الشرعية أو التربوية) وتسيِّرها بنفسها، على أن تقوم قيادة الجماعة بجمع الضرائب من الأعضاء وبمراقبة الأمن بينهم. وقد كان مورد رأس الجالوت يأتي من ضرائب خاصة يفرضها. وكان رأس الجالوت يشبه، في منصبه هذا، منصب الكاثوليكوس (رئيس الجماعة النسطورية) ، مع فارق أن رئيس الحلقات التلمودية الذي كان يُقال له «الجاءون» أو «رأس المثيبة» كان يشارك رأس الجالوت في السلطة، بحيث يختصُّ الأول بالأمور الدينية ويختصُّ الثاني بالأمور الدنيوية.
следующие страницы →