Полный текст (8 511 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.
стр. 3991
وقد ظن صهاينة الغرب أن هيمنتهم على المنظمة ستستمر وأن صهاينة الشرق سيستمرون في تلقِّي الأوامر والإذعان لها. لكن، بعد موت هرتزل بفترة قصيرة، استولى صهاينة شرق أوربا على المنظمة على أساس أن الكثافة السكانية اليهودية تتركز في بولندا وروسيا، وعلى أساس أنهم أولى بالتعبير عنها وعن مصالحها، وخصوصاً بعد أن تعلموا الدرس من هرتزل وتجاوزوا الإطار اليهودي المحض واتصلوا بالقوات الاستعمارية الغربية.
ويُعَدُّ وعد بلفور الشكل الجديد الذي يحدد العلاقة بين الجماعات اليهودية والحضارة الغربية حيث قامت الزعامة الصهيونية بدور الشتدلان أو الوسيط الحديث، فعرضت تهجير فائض أوربا من اليهود إلى فلسطين تخلُّصاً منهم، ولتأسيس قاعدة للاستعمار الغربي، على أن يقوم الغرب بحمايتهم في المقابل. وقد قبل الغرب هذه الرؤية، وتم توقيع وعد (عقد) بلفور في هذا الإطار، حيث يقوم اليهود تحت زعامة الحركة الصهيونية بتصريف أمورهم الدينية باستقلال كامل، وتصريف أمورهم الإدارية والسياسية المحلية في المُستوطَن الصهيوني، على أن يتحرك الجميع في إطار المصالح الإمبريالية الغربية. وهذا الوضع لا يختلف في أساسياته عن وضع الجماعات اليهودية داخل إطار الإمبراطوريات القديمة. ولذا، تم القضاء على المعارضة اليهودية للصهيونية أو كبح جماحها واستولت الصهيونية على الجماهير اليهودية من خلال الضغط «من فوق» أي من جهة الدولة الإمبريالية الراعية. ومن الأمور التي تستحق التأمل والدراسة أن معظم كبار المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية لا ينضمون إلى الحركة الصهيونية وهو ما يعني أن قيادة الجماعات اليهودية قد سقطت في يد صغار المفكرين الصهاينة الذين لا يتمتعون بأية آفاق فكرية فسيحة أو رؤى تاريخية عميقة.
стр. 3992
ولم يتوقف الصراع على زعامة الجماعات اليهودية، بعد وعد بلفور، سواء على الصعيد العالمي أو داخل المُستوطَن الصهيوني. أما على الصعيد العالمي وداخل الحركة الصهيونية، فإن الصراع أصبح يدور بين أعضاء الجماعات اليهودية بما لهم من مصالح وارتباط بأوطان وهويات ثقافية متنوعة من جهة وبين المنظمة الصهيونية من جهة أخرى، فهي تريد أن توظف كل شيء لصالح المُستوطَن الصهيوني وترى أن الجماعات اليهودية ليست إلا وسيلة تخدم الغايات النهائية للصهيونية. وهذا الصراع مستمر حتى الآن وينعكس في حوادث متفرقة كما حدث عند اكتشاف نشاط بولارد، الجاسوس الأمريكي اليهودي.
كما نشب صراع جانبي آخر على قيادة الجماعات بين صهاينة الداخل المستوطنين (أي الإسرائيليين) وصهاينة الخارج التوطينيين (أي أعضاء المنظمة الصهيونية العالمية) . وقد حُسم الصراع إلى حدٍّ كبير لصالح الصهاينة المستوطنين، وتحولت المنظمة الصهيونية العالمية إلى أداة تابعة لحكومة المُستوطَن الصهيوني. ولا تزال هناك أصداء للصراع القديم على قيادة الجماعات بين الصهيونية وأعداء الصهيونية من اليهود. ولكن هذا الصراع، مثل كثير من الصراعات الشبيهة، تم حسمه لصالح الحركة الصهيونية.
стр. 3993
ودار صراع ثالث حول القيادة داخل المُستوطَن الصهيوني، وهو صراع ذو أبعاد عديدة. وينبغي ملاحظة أنه لا يوجد تجانس كبير بين أعضاء النخبة الحاكمة في إسرائيل وزعاماتها، ولا داخل أعضاء المُستوطَن الصهيوني فيما بينهم، فأمثال بن جوريون وبيجين وبيريز وشامير جاءوا من بولندا، وأمثال حاييم وايزمان وجابوتنسكي وإشكول مهاجرون من روسيا، وآلون وشارون وإيتان ورابين ولدوا في فلسطين، وليفي وشاحل من الدول العربية، وجولدامائير وأرينز وكهانا وأبا إيبان من الدول الناطقة بالإنجليزية. ومعظم القادة المذكورين لادينيون ولا يؤمنون باليهودية كعقيدة وإنما يتخذونها انتماءً إثنياً وحسب. أما ليفنجر ويتسحاق بيريتس ومناحيم كوهين وأبراهام شابيرا، فيعيشون وفق الشريعة (هالاخاه) . ولذا، فقد نشب كثير من الصراعات بينهم حول تَوجُّه الدولة الصهيونية وقيادتها، فهناك صراع إثني بين الإشكناز وبقية أعضاء المُستوطَن من يهود سفارد وعرب وغيرهم. كما يوجد صراع بين المؤسسة العمالية الصهيونية من جهة وبعض كبار المموِّلين ودعاة الاقتصاد الحر ومن يتبعهم من قطاعات شعبية محبطة لا تجد وسيلة للإفصاح عن سخطها من جهة أخرى. وقد أخذ الصراع بين الدينيين واللادينيين في التصاعد، كما يُلاحَظ أن هناك صراع أجيال غير واضح على سطح الأحداث، ويطرح كل قطاع من أعضاء النخبة والزعامات نفسه باعتباره القيادة الأكثر كفاءة. بل يدور الآن صراع حاد بين القوى الدينية المختلفة: الصهاينة المتدينين والليتوانيين وحبد والسفارد ... إلخ.
стр. 3994
ومن الأمور المرتبطة بقضية القيادة ما يُسمَّى بمشكلة عجز اليهود بسبب انعدام السيادة وعدم المشاركة في السلطة. وقد طرحت الصهيونية نفسها باعتبارها الحركة التي ستقوم بحلها وتستعيد السلطة والسيادة لليهود بحيث تصبح لهم سيادتهم القومية وقيادتهم المستقلة. وتثار الآن هذه القضية مرة أخرى في الصحافة الإسرائيلية، كما يثار مدى نجاح القيادة الصهيونية داخل إسرائيل في تحقيق هذا الهدف على ضوء الاعتماد المالي والعسكري والسياسي المتزايد على الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى ضوء تَدخُّل الولايات المتحدة في كثير من القضايا التي لها علاقة بالسيادة القومية مثل إنتاج طائرة لافي.
ومع ظهور ما يُسمَّى «لاهوت البقاء» ، الذي يجعل الهدف الأساسي من التاريخ اليهودي بقاء اليهود، طرح الحاخام ريتشارد روبنشتاين رؤية مفادها أن القيادة الحاخامية لليهود قيادة فرضها الرومان على اليهود بعد إخمادهم التمردات اليهودية، وأن هذه القيادة هي التي علَّمت اليهود الخنوع والخضوع وتَقبُّل العجز وأن هذا الوضع قد استمر حتى الحرب العالمية الثانية حين تعاونت المجالس اليهودية مع القوات النازية وسلمتهم أعضاء الجماعات اليهودية ليرسلوهم إلى معسكرات الاعتقال. ومن ثم، فإن ظهور القيادة الصهيونية (العسكرية) هو تصحيح لمسار التاريخ اليهودي كتاريخ زمني.
رأس الجالوت (المنفى)
Exilarch; Resh Galuta....
стр. 3995
«رأس الجالوت» ترجمة عربية للعبارة الآرامية «ريشي جالوتا» ، وهي بالعبرية «روش جولاه» ، وتعني حرفياً «رئيس المنفى» . وهو لقب أمير الجماعة اليهودية في بلاد الرافدين قبل الإسلام وبعده. وتبدأ القائمة عادةً بالملك يهوياقيم، ولكن أول ذكر تاريخي لرأس الجالوت يقع في القرن الثاني بعد الميلاد (في فترة حكم الفرثيين) . وكانت وظيفة رأس الجالوت وراثية، الأمر الذي أدَّى إلى الفساد والتآمر من أجل الاستيلاء عليها، ولكن كان لابد لمن يشغلها أن يكون من نسل داود. وقد فقد المنصب مكانته بعض الوقت، ولكنه استعادها بعد الفتح العربي عام ٦٤٢م، إلى أن انشقَّ عنان بن داود، مؤسس فريق القرائين. وقد ساد الظن بأن المنصب استمر حتى عام ١٠٤٠، ولكن العلماء يرون الآن أنه استمر (وإن كان ذلك بشكل اسمي) حتى القرن الثالث عشر أو حتى بعد ذلك، حينما قضى تيمورلنك على المنصب عام ١٤٠١، ثم حل محله منصب رئيس اليهود (في الدول الإسلامية) ومنصب الحاخام باشي (في الدولة العثمانية (.
وفي الواقع، فإن وظيفة رأس الجالوت كانت عملاً إدارياً مُعتَرفاً به من قبل الدولة وخاضعاً لسلطانها. وكانت الإمبراطوريات القديمة عادةً تلجأ إلى أسلوب إداري مبني على اللامركزية بحيث كانت كل جماعة (إثنية أو دينية أو مهنية) تتمتع بشيء من الاستقلال في أمورها الداخلية (الدينية أو الشرعية أو التربوية) وتسيِّرها بنفسها، على أن تقوم قيادة الجماعة بجمع الضرائب من الأعضاء وبمراقبة الأمن بينهم. وقد كان مورد رأس الجالوت يأتي من ضرائب خاصة يفرضها. وكان رأس الجالوت يشبه، في منصبه هذا، منصب الكاثوليكوس (رئيس الجماعة النسطورية) ، مع فارق أن رئيس الحلقات التلمودية الذي كان يُقال له «الجاءون» أو «رأس المثيبة» كان يشارك رأس الجالوت في السلطة، بحيث يختصُّ الأول بالأمور الدينية ويختصُّ الثاني بالأمور الدنيوية.
стр. 3996
كان رأس الجالوت يقوم بجمع الضرائب من الجماعة ليقدمها إلى الدولة، كما كان يلعب دور القاضي في القضايا الخاصة بالجماعة اليهودية، وهو الذي كان يعيِّن القضاة الشرعيين (ديانيم) ، ويشاركه في ذلك رئيس الحلقة التلمودية (عادةً حلقة سورا) ، الذي كان ذا سلطات تنفيذية تشبه سلطة الشرطة، فكان على سبيل المثال يراقب التجارة والموازين والمقاييس والأسعار. وكان له حق توقيع العقوبات، بالضرب أو الغرامة أو السجن. وهذه هي أهم الوظائف التي كان يمكن أن يضطلع بها رئيس الجماعة الوظيفية الوسيطة.
ولقد كان نطاق سلطات رأس الجالوت يتفاوت من فترة زمنية إلى أخرى. وقد أدَّى ذلك إلى نشوب صراع دائم بينه وبين رئيسي الحلقتين التلموديتين في كلٍّ من سورا وبومبديثا وصل إلى درجة أن بعض اليهود كانوا يرسلون الضرائب المقررة عليهم إلى رأس الجالوت بينما البعض الآخر كانوا يرسلونها إلى رؤساء الحلقات. ومن أشهر هذه الصراعات، ذلك الصراع الذي دار بين داود بن زكاي وسعيد بن يوسف الفيومي. وقد كانت الكفة الراجحة للعلماء الذين كانوا يتحالفون مع التجار، فكانوا هم الذين يعينون رأس الجالوت، ثم يعتمد خليفة المسلمين تعيينهم. وقد أصبح اللقب شرفياً في القرن الحادي عشر. ومع القرن الثالث عشر، اندمج منصبا رأس الجالوت ورئيس الحلقة التلمودية.
وفي فترات معيَّنة، كان الخليفة يستقبل رأس الجالوت في قصره كل ثلاثاء ويطلب إلى كل الحاضرين) المسلمين وغير المسلمين) أن يقفوا في حضرته. وحينما يسير موكبه، كان يتقدمه مناد يرفع صوته بين الناس: «اعملوا الطريق لسيدنا ابن داود» .
стр. 3997
وفي حوار دار بين ابن نجريلة وابن حزم، حاول الأول أن يضخِّم من أهمية هذا المنصب، وحاول أن يبرهن على صدق آية وردت في سفر التكوين (٤٩/٨ ـ ١١) تقول إن صولجان الحكم سيظل دائماً في يد يهودا (بالإشارة لهذا المنصب!) . وقد رفض ابن حزم ما ذهب إليه ابن نجريلة وبيَّن أن رأس الجالوت لا نفوذ له لا على اليهود ولا على غيرهم، كما بيَّن أنه يفتقر إلى سلطة، كما بيَّن أن لقبه شرفي محض، وخال من أي معنى حقيقي. والمنصب، في هذا، يشبه منصب بطريرك فلسطين تحت حكم الرومان.
المجمع الكبير
Great Synagogue
«المجمع الكبير» هو المقابل العربي للكلمة العبرية «كنيست هجدولا» وهو المجلس التشريعي الذي يُقال إن عزرا أسسه بعد عودته من بابل بعد صدور مرسوم قورش (٥٣٨ ق. م) . ومعنى هذا أن المجمع الكبير يرجع إلى تلك الفترة الفارسية من تاريخ اليهود في فلسطين والتي لا يُعرف عنها الكثير. لكن هناك نظرية تذهب إلى أنه يعود إلى أيام العبرانيين الأوائل، وأنه استمر في فترة التهجير البابلي، وأن كل ما فعله عزرا هو دعوة المجلس للانعقاد. ولم تصلنا معلومات واضحة أو أكيدة عن هذه المؤسسة التشريعية، ولكن يبدو أنه كان مجلساً يضم ممثلين عن كل اليهود ومنهم الكهنة.
стр. 3998
ويُقال إن عدد أعضاء المجمع الكبير كان مائة وعشرين، وهو عدد أعضاء البرلمان الإسرائيلي الذي يُقال له الكنيست. ويُقال أيضاً إن العدد كان خمسة وثمانين في بداية الأمر. ويبدو أن المجلس كان يعقد اجتماعات كلما ظهرت قضية خطيرة، واشترك في المجلس الأول الشيوخ والأنبياء الذين عادوا من بابل، من بينهم عزرا ونحميا وحجاي وزكريا. كما يبدو أن هذا هو المجلس الذي عيَّن شمعون الحشموني كاهناً أعظم وقائداً أعلى، واستمر المجلس حتى الفترة الهيلينية. وقد قرَّر هذا المجمع الثمانية عشر دعاء (شمونه عسره) ودعاء مقدم السبت (قيدوش) وكثيراً من الصلوات والبركات الأخرى. وهو أيضاً الذي قام بتقسيم الشريعة الشفوية إلى مدراش وهالاخاه وأجاداه. وهو أيضاً الذي ضم أسفار حزقيال ودانيال وإستير، وكذلك أسفار الأنبياء الصغار، إلى العهد القديم.
البوليتيوما
Politeuma
«بوليتيوما» كلمة يونانية تشير إلى الإطار الإداري الذي كان ينتظم الجماعة اليهودية في مدن مثل الإسكندرية. وقد اعترف اليونان، ومن بعدهم الرومان، باليهود كقوم (إثنوس) لهم تقاليدهم وعاداتهم وديانتهم. ولذا، فقد أُعفوا من العبادة الوثنية ومن تقديم القرابين إلى الأباطرة أو الاشتراك في الأعياد والمناسبات الوثنية. لكن هذا كان يعني أن اليهود أصبحوا غرباء لا مواطنين كاملي المواطنة، إذ كانت المواطنة في المدينة تعني الانتماء الكامل: اجتماعياً وسياسياً ودينياً أيضاً.
ومن هنا، لم يصبح اليهود، في الإسكندرية أو في غيرها من المدن، أعضاء في المدينة (بوليس) ، فهذا كان يعني بالضرورة الاشتراك في العبادة والجمنازيوم وتلقِّي التعليم اليوناني اللازم. ولذا، فقد مُنحوا مكانة غرباء لهم حق السكنى، كما كانت تنتظمهم مؤسسة البوليتيوما.
стр. 3999
وبمقتضى تنظيم البوليتيوما، تمتع اليهود بشيء من الاستقلال الإداري الذاتي في الأمور الدينية والقضائىة، ولكن لم يكن لهم حق المشاركة في إدارة المدينة من الناحية السياسية. وكان لمؤسسة البوليتيوما (ومثلها القهال فيما بعد) موظفوها الإداريون المستقلون عن الجهاز الإداري للمدينة. وكان للبوليتيوما محاكمها الخاصة، كما كان يترأسها رئيس القوم (إثنآرخ) . ومن أشكال الاستقلال الإداري مجلس الشيوخ (جيروسيا) ، وهو المجلس الذي كان يمثل يهود الإسكندرية ويزاحم رئيس القوم السلطة.
وقد ظل وضع اليهود داخل البوليتيوما مستقراً ماداموا يقومون بدور الجماعة الوظيفية للبطالمة. ولكن، مع الغزو الروماني، اختل التوازن وتحوَّل اليونانيون أنفسهم إلى جماعة وظيفية للرومان تزاحم اليهود. وقد أثر هذا في وضع البوليتيوما. فألغى الحاكم الروماني فلاكوس وضع اليهود كغرباء لهم حق السكنى، فأصبحوا غرباء وحسب يمكن طردهم، فاشتكوا إلى الإمبراطور الروماني الذي أنصفهم وأكد وضعهم باعتبارهم بوليتيوما. وقد تزايدت التوترات إلى أن نشب التمرد اليهودي الأول (٦٦ ـ ٧٠م) والتمرد اليهودي الثاني (١٣٢ ـ ١٣٥م) وضعفت البوليتيوما بوصفها مؤسسة وإطاراً تنظيمياً (كما حدث للقهال فيما بعد) .
ولم تكن البوليتيوما مقصورة على اليهود وإنما كانت شكلاً من أشكال التنظيم الإداري العام. وكانت هناك بوليتيوما في الفيوم تضم الكريتيين.
الملك الروماني (دوكس (
Dux
«دوكس» كلمة لاتينية تعني «ملك» وهو لقب كان يخلعه الرومان على بعض من كانوا يمثلون مصالحهم من زعماء الأقوام (إثنوس) الذين كانوا يحكمونها. وهو لقب شرفي لا يعني أن حامله ملك بالمعنى الصحيح للكلمة، وهو لا يُعطي صاحبه سلطات الملك ولكنه كان يعطيه حق ارتداء تاج! وقد خُلع لقب «ملك» على سبيل المثال على كل من هيرود وأجريبا الأول وأجريبا الثاني. وكان بعض حكام سوريا من الرومان يحملون لقب «دوكس» .
الحاكم التابع (تترارخ (
стр. 4000
Tetrarch
«الحاكم التابع» هي الترجمة العربية للكلمة اليونانية «تتراخ» وتعني حرفياً «رأس الأربعة» ولكنها فقدت معناها الأصلي وأصبحت بمعنى «حاكم تابع» ، وهو أقل مرتبة من الملك الروماني (دوكس) . وقد كان لقب «الحاكم التابع» يُمنَح في المرحلة الرومانية للحكام الذين يقلون أهمية عن حكام مقاطعات يهودا وسوريا. وكان الحاكم الروماني هو الذي يُعيِّن الحاكم التابع. وكانت المنطقة التي يحكمها الحاكم التابع تُسمَّى «التتراخية» . وكان للحاكم التابع، داخل مقاطعته، حقوق الملوك في الأمور الداخلية، كما كان له دخل سنوي ثابت، ولكنه كان خاضعاً تماماً لروما في الشئون الخارجية. وقد عُيِّن هيرود في منصب الحاكم التابع قبل أن يُعيَّن ملكاً رومانياً (دوكس) . وقد كانت المقاطعة التابعة شكلاً من أشكال الإدارة الذاتية.
رئيس القوم (إثنآرخ (
Ethnarch
стр. 4001
«رئيس القوم» ترجمة عربية لعبارة «إثنآرخ» اليونانية المكونة من كلمتين: كلمة «إثنوس» ، التي يمكن ترجمتها بمعنى «قوم» أو «جماعة» (مقابل «بوبولوس» بمعنى «شعب» ) ، و «آرخ» أي «الرئيس» أو «الحاكم» . وقد صُنِّف اليهود في الدولتين اليونانية والرومانية باعتبارهم إثنوس أي قوم لهم قوانينهم التقليدية وديانتهم التوحيدية التي قرَّرت الدولة الاعتراف بها، وهو ما كان يعني إعطاءهم حقوقاً ومزايا معيَّنة، كما كان يعني حجب بعض الحقوق الأخرى عنهم، إذ لم يكن بمقدورهم أن يصبحوا مواطنين إلا بالتخلي عن انتمائهم لقومهم (إثنوس) وباعتناقهم الديانة الوثنية. وكان يترأس القوم (إثنوس) رئيس القوم وهو باليونانية «إثنآرخ» ، وهو اللقب الذي كان يُمنَح لرئيس الجماعة اليهودية في الإسكندرية. وكانت للإثنآرخ صلاحيات قضائية وإدارية واسعة من أهمها جمع الضرائب. ولكن يبدو أن مجلس الشيوخ (جيروسيا) ، كان يزاحمه في السلطة. وقد حل لقب «الأراباخيس (ألبارخ) » أي ملتزم الضرائب محل الإثنآرخ. وفي العصر الروماني، أحل أوغسطس (٣١ ـ ١٤ ق. م) مجلس الألبارخ محل رئيس القوم.
أما في فلسطين، فقد كان رؤساء الجماعة اليهودية يحملون لقب «إثنآرخ» . وكان من يحمل لقب «ملك روماني (دوكس) » أعلى ممن يحمل لقب «إثنآرخ» . وقد عين بومبي يوحنا هيركانوس الثاني في منصب إثنآرخ إلى جانب كونه كاهناً أعظم، ولكنه منعه من ارتداء تاج لأنه لم يكن ملكاً مثل هيرود الذي كان يحمل هذا اللقب. وحينما عُيِّن أرخيلاوس رئيساً للقوم، وعده أوغسطوس بأنه إذا أثبت جدارته فسيحصل على لقب «ملك روماني (دوكس) » وهو لقب شرفي وحسب ولكنه لا يعادل الملك بكل ما في الكلمة من معنى.
مجلس الشيوخ (جيروسيا (
Gerusia
стр. 4002
«مجلس الشيوخ» ترجمة عربية لكلمة «جيروسيا» اليونانية والتي تعني أيضاً «مجلس الكبار» . والجيروسيا مؤسسة إدارية معروفة في العالم الهيليني كان يترأسها الكاهن الأعظم لليهود تقوم بإدارة شئون اليهود الداخلية. وقد وصف أنطيوخوس الثالث استقباله استقبالاً حافلاً من قبَل جيروسيا فلسطين وليس من قبَل كاهنها الأعظم. ونتيجة هذا الاستقبال، أعفى أعضاء الجيروسيا وكهنة الهيكل من الضرائب. وقد وجَّه أنطيوخوس الرابع رسائله إلى الجيروسيا لا إلى الكاهن الأعظم.
ويرى بعض المؤرخين أن الجيروسيا ليست المجمع الكبير. وهناك رأي يذهب إلى أن الجيروسيا هي التي أصبحت السنهدرين فيما بعد، وخصوصاً بعد أن اتَّسعت سلطاتها.
وكان يوجد جيروسيا في الإسكندرية، حيث أصبحت المؤسسة المسيطرة أثناء حكم الرومان، وكان يترأسها) الجيروسياآرخ) الذي حل هو والجيروسيا محل رئيس القوم (إثنآرخ (.
السنهدرين الأكبر
Great Sanhedrin
стр. 4003
ويُشار إليه بلفظ» سنهدرين» فقط. و «السنهدرين» صيغة عبرية للكلمة اليونانية «سندريون» وتعني «مجلس» . وقد كان هذا الاسم يُطلق على الهيئة القضائية العليا المختصة بالنظر في القضايا السياسية والجنائية والدينية المهمة في المناطق التي كان يعيش فيها اليهود في فلسطين. وكان السنهدرين بمنزلة المحكمة (بيت دين) . ولذا، فإنه يُطلَق عليه بالعبرية اسم «بيت دين جادول» أي «المحكمة العليا» ، وهي محكمة تمارس تطبيق العدالة وإصدار الأحكام طبقاً للشريعة اليهودية في ذلك الوقت، وتشريع القوانين الخاصة بالعبادات ومحاكمة من ينتهك هذه القوانين، وكذلك الإشراف على الاحتفالات الكهنوتية في المعبد. وكان السنهدرين يقوم أيضاً بوظيفة محكمة الاستئناف. والسنهدرين أعلى سلطة قضائية لليهود وله الرأي النهائي في تفسير القوانين وإصدارها. وقد كانت أحكامه تَصدُر بموافقة أغلبية الأعضاء. وكان السنهدرين يشرف على المحاكم الصغرى، كما كان من صلاحياته تعيين القضاة في المحاكم الدنيا سواء في محاكم السنهدرين الأصغر أو في غيرها. وهو الذي كان يحاكم كبار الموظفين، مثل الكاهن الأعظم، ويتحرَّى مدى صدق أو كذب مدعي المشيحانية. وقد كان السنهدرين هو المجلس الذي جمع الحقائق وقدمها للحاكم الروماني حين اتهم اليهود المسيح (عيسى بن مريم) بأنه ليس الماشيَّح المنتظر. وقد حكم المجلس بصلبه. وكان يترأس السنهدرين، في مرحلة من المراحل، الكاهن الأعظم، ولكنه في مرحلة أخرى كان يترأسه الزوجوت، أي رئيسان أحدهما يحمل لقب «ناسي (أمير اليهود) » ويحمل الثاني لقب «آب بيت دين (رئيس المحكمة) » . ومن الرؤساء المشهورين للسنهدرين الكبير، شمعون بن شطح (حوالي عام ١٠٠ ق. م) وهليل (حوالي ٣٠ ق. م) . وتختلط الآراء فيما يتعلق بتاريخ ظهور السنهدرين ووظائفه:
стр. 4004
١ ـ يذهب بعض الباحثين إلى أن السنهدرين استمرار للمجمع الكبير. وهو هيئة تشريعية لا نعرف عنها الكثير ولا حتى متى ظهرت، إذ تختلف الآراء أيضاً بالنسبة إلى هذه المؤسسة ذاتها.
٢ ـ ويرى البعض أنه ظهر أثناء حكم السلوقيين عام ٣٠٠ ق. م.
٣ ـ وثمة نظرية تذهب إلى أنه ظهر أثناء حكم الحشمونيين حين تم فصل المجال السياسي عن المجال الديني وفصل الطقوس الكهنوتية والتفسير الديني عن الحكم المطلق للدولة. وبالتالي، فإن تاريخ ظهور السنهدرين، حسب هذه النظرية، يعود إلى حكم شمعون الحشموني عام ١٤٢ ق. م، فيكون هو الذي أسس السنهدرين لتفسير الشريعة.
٤ ـ وتناقض هذه النظرية تماماً وقائع التاريخ، فالملوك الحشمونيون كانوا ملوكاً كهنة (كان الملك الحشموني هو قائد الشعب والكاهن الأعظم) . وبذلك، يكون السنهدرين التعبير عن الجمع بين السلطتين الدينية والدنيوية لا الفصل بينهما.
٥ ـ كما أن هناك نظرية تذهب إلى أنه يوجد مجلسان للسنهدرين لا مجلس واحد فقط كما سنبين فيما بعد.
وهكذا تختلط النظريات بشأن تاريخ السنهدرين ووظيفته. ولكننا نعرف أنه ظل قائماً حتى عام ٦٦م، أي حتى نشوب التمرد اليهودي الأول ضد الرومان. ولم يكن السنهدرين مثل مجلس الشيوخ (جيروسيا) وإن كان قد حل محله. ولم يكن أيضاً له صلاحيات مجلس المدينة اليونانية (بوليس) ، كما لم يكن مثل المجمع الكبير الذي كان لا يجتمع إلا وقت الأزمات وفي الطوارئ. وكان السنهدرين يتكون من واحد وسبعين عضواً وكان مقرُّه القدس، وكان يجتمع في القاعة العظمى أو في قاعة الحجارة المنحوتة (بالعبرية: لشكت هجازيت) ، ويُقال لها أيضاً «قاعة القرارات» .
стр. 4005
وبعد تحطيم الهيكل، انتقل السنهدرين إلى يفنه، ولكن لم تَعُد له السلطة ولا الصلاحية السابقة، بل يفضل بعض المؤرخين تسمية سنهدرين يفنه «البطريركية» التي اعترف الرومان بها كسلطة مركزية لكل اليهود لها الصوت المسموع في الأمور الدينية والقضائية وفي تحديد التقويم وتقرير رؤية القمر.
وباضمحلال أهمية الجماعة اليهودية في فلسطين، بدأ السنهدرين (أو البطريركية) يفقد أهميته، واختفى في نهاية الأمر عندما ألغى الرومان الشرقيون وظيفة أمير اليهود (ناسي ـ بطريرك) عام ٤١٥م.
стр. 4006
وثمة رأي يقول إن السنهدرين كان هيئة سياسية يترأسها الكاهن الأعظم، وإن كان بعض الباحثين يرى أنه كان يوجد، منذ البداية، مجمعان للسنهدرين: واحد للأمور السياسية وآخر للأمور الدينية. ولم يكن السنهدرين السياسي، بحسب هذا الرأي، يضم رجال الدين ولكن كبار رجال الشعب والأرستقراطية. كما يذهب هذا الرأي إلى أن الرومان ألغوا المجمع الأول وأبقوا على الثاني وحسب. ولعل الهدف من هذه النظرية أنها تلقي مسئولية محاكمة المسيح والحكم بصلبه على السلطة الدنيوية اليهودية وحدها، وتعفي السلطة الدينية من ذلك. ومن الصعب حسم هذه القضية لأن رأي المصادر اليهودية فيها يختلف عن رأي المصادر الهيلينية، فالمصادر اليهودية تقصر مهمته على الأمور الدينية في حين ترى المصادر الهيلينية، ومن بينها يوسيفوس، أنه كان يختص بالأمور السياسية أيضاً. وقد اختفى السنهدرين تماماً في القرن الرابع الميلادي. وحاول بعض الحاخامات (جوزيف كارو وآخرون) بعث السنهدرين ولكنهم لم يُوفَّقوا. ويُدعى أحد كتب التلمود «السنهدرين» ويتناول تركيب المجلس ووظيفته. وقد سُمِّي الاجتماع اليهودي الذي عُقد عام ١٨٠٧ بناء على طلب نابليون بونابرت «السنهدرين الأعظم» . تَكوَّن هذا الاجتماع من واحد وسبعين عضواً من اليهود ذوي النفوذ، وذلك ليضعوا الصياغات المناسبة للقرارات الخاصة بالحالة الاجتماعية لليهود. وفي العصر الحديث، لم تنجح الدولة الصهيونية في إعادة بعث تقاليد السنهدرين بسبب الصعوبات القانونية والدستورية التي كانت ستقف أمام مثل هذه الخطوة.
دار القضاء (بيت دين)
Beit Din
стр. 4007
«دار القضاء» هي الترجمة العربية لكلمة «بيت دين» العبرية والتي تعني أيضاً «دار الحكم» . وهي محكمة يهودية كانت تعمل بهدي الشريعة، تجبي الضرائب وتتولى القضاء وتُصدر القرارات الخاصة بالطعام وبكل الأمور الدينية والمدنية. وكانت توجد ثلاثة أنواع من المحاكم، أدناها المحكمة المُشكَّلة من ثلاثة قضاة وسلطتها الحكم في القضايا المدنية. وكانت هناك سلطة قضائية أعلى تحكم في القضايا الجنائية وهي ما كان يُطلَق عليه السنهدرين الصغير وعدد قضاته ثلاثة وعشرون. أما أعلى سلطة قضائية، فكانت السنهدرين الذي كان يُطلَق عليه أيضاً اسم «بيت دين جادول» أي «دار القضاء الأكبر» أو «المحكمة العليا» .
وبعد انتشار اليهود خارج فلسطين، وبعد إخماد التمرد اليهودي الثاني (١٣٢ ـ ١٣٥م) ، أصبح لكل جماعة يهودية نظامها القضائي الخاص بها المتأثر بالبيئة المحيطة به. وقد كان النمط السائد عبارة عن نظام قضائي يترأسه الحاخام أو الديان (القاضي الشرعي) وهي وظيفة ظهرت في العالمين الإسلامي والمسيحي. والديان هو قاض متخصص تلقَّى تدريباً خاصاً يُمكِّنه من إصدار أحكام في القضايا الدينية، ولذا كان يُعَدُّ عالماً توراتياً من الناحية الأساسية، وأيضاً عالماً في القضايا الأخرى التي تخص الجماعة اليهودية ولا تخص السلطة المركزية غير اليهودية.
стр. 4008
ويرى بعض المفكرين الصهاينة أن احتفاظ اليهود، بعد نفيهم، بنظم قضائية مستقلة (مثل: بيت دين والقهال ومجلس البلاد الأربعة) أكبر علامة على الاستمرار والاستقلال اليهوديين. ولكن معظم المجتمعات التقليدية تتَّسم بوجود محاكم خاصة لكل أقلية دينية بل لكل جماعة حرفية، كما هو الحال مع المحاكم الشرعية في البلاد الإسلامية في أيام الخلافة العثمانية. ولذلك، وبعد حركة عتق اليهود في القرن الثامن عشر، انحسرت مهمة المحاكم اليهودية وأصبحت مقصورة على المسائل الخاصة بالطقوس الدينية. وفي الوقت الحاضر، تشير عبارة «بيت دين» إلى المحكمة الحاخامية أو المحكمة الشرعية، وهي المحكمة المختصة رسمياً والمخولة من قبَل المؤسسة الدينية بأمور الأحوال الشخصية التي لا يحقُّ لأي محكمة أن تنظرها. كما أن الجماعات الأرثوذكسية في الولايات المتحدة أسست بيت دين أي محاكم شرعية لاستصدار أحكام في مسائل الزواج والطلاق والزواج المُختلَط.
بيت دين
Beit Din
» بيت دين» عبارة عبرية تعني «دار الحكم» أو «دار القضاء» ، وتعني «بيت دين» في الوقت الحاضر «المحكمة الشرعية «.
أمير اليهود (ناسي – بطريرك (
Nasi; Patriarch
стр. 4009
» أمير اليهود» هي الترجمة العربية لكلمة «ناسي» العبرية، وهو لقب تلمودي يُستخدَم للإشارة إلى رئيس السنهدرين الذي كان يُعَدُّ قائداً روحياً لليهود في فلسطين وخارجها، وكانت له بعض الصلاحيات الدنيوية التي كانت تمنحه إيَّاها السلطة الحاكمة، ولذا فإننا نستخدم اصطلاح «أمير اليهود» . وكان يليه في السلطة رئيس المحكمة (آب بيت دين) وهما معاً يكونان الزوجوت اللذين أتى ذكرهما في المشناه. وثمة نظرية تذهب إلى أن أمير اليهود (ناسي) لم يكن رئيساً للسنهدرين، وأن الكاهن الأعظم هو الذي كان يضطلع بهذه الوظيفة. وقد اقتُرح حلاًّ لهذا التناقض تفسير يرى أنه كان هناك مجمعان للسنهدرين: أحدهما سياسي والآخر ديني، وأن أمير اليهود (ناسي) كان رئيساً للمجمع السياسي وحسب. وقد اعترفت السلطات الرومانية، ابتداءً من القرن الثاني الميلادي، بأمير اليهود كبطريرك لليهود. وقد كان أمير اليهود في العادة من نسل هليل أو من نسل داود، ثم أصبح موظفاً رومانياً يمثل الجماعة اليهودية في فلسطين أمام السلطات الرومانية، وذلك بعد سقوط كل أشكال الإدارة الذاتية أو الحكم الذاتي (عام ٧٠ ميلادية) مع سقوط القدس وهدم الهيكل. وكان أمير اليهود أو البطريرك يُعَدُّ رجلاً مهماً متميِّزاً (باللاتينية: فير إلستريس vir illustris) في مقام القنصل أو كبار رجال الدولة العسكريين أو الوزراء المقربين إلى العرش، لا يعلوه في المرتبة إلا أعضاء الأسرة المالكة، وكان يعلو في مقامه الحاكم الإقليمي. وقد أعدم الإمبراطور ثيودوسيوس الأول (الأعظم) أحد حكامه الإقليميين لأنه سبَّ أمير اليهود (بطريرك (.
стр. 4010
وقد كان أمير اليهود يقوم بفرض الضرائب ويُعيِّن بعض الحاخامات ويعفيهم من الضرائب نظير اضطلاعهم بدور جهازه التنفيذي ومساهمتهم في حفظ الأمن، وهو ما يعني أن النخبة الدينية الحاكمة كانت أداةً في يد الحاكم الروماني أو كانت جماعة وظيفية وسيطة (من الملاحَظ أن منصبي رأس الجالوت [المنفى] ورئيس اليهود [نجيد] ، هما المنصبان المقابلان في الحضارة الإسلامية، ولكنهما لم يحملا هذا القدر من الأهمية قط) . ومع استقرار دعائم الإمبراطورية الرومانية، فقدت النخبة الدينية أهميتها، فألغى الرومان الضرائب التي كان يجمعها أمير اليهود، ثم أُلغي المنصب نفسه عام ٤٢٥م.
وفيما بعد، استُخدم اللقب بين أعضاء الجماعات للإشارة إلى الرؤساء الدنيويين للجماعة كما هو الحال في إسبانيا. وفي نهاية الأمر، أصبح هذا اللقب مجرد اسم عائلة. وقد اتخذ بركوخبا لنفسه لقب «ناسي» .
البطريرك
Patriarch
انظر:» أمير اليهود (ناسي – بطريرك) »
الناسي
Nasi
انظر:» أمير اليهود (ناسي – بطريرك « (
البطريركية
Patriarchate
مصطلح «بطريركية» يُستخدَم للإشارة إلى المؤسسة التي يرأسها أمير اليهود (ناسي) ، وهي المؤسسة التي حلت محل السنهدرين.
النجيد (رئيس اليهود (Nagid
«نجيد» كلمة عبرية معناها «الزعيم» أو «الأمير» ، وجمعها «نجيديم» . و «نجيد» هو رئيس الجماعة اليهودية في الدويلات الإسلامية التي استقلت عن الخلافة العباسية ابتداءً من القرن العاشر في إسبانيا والقيروان ومصر واليمن. وكان هناك رؤساء في المغرب والجزائر وتونس ابتداءً من القرن السادس عشر وحتى التاسع عشر.
стр. 4011
والواقع أن رئيس اليهود هو نفسه «البطريرك» (ناسي) تحت حكم الرومان، و «رأس الجالوت» تحت حكم العباسيين، و «الحاخام باشي» تحت حكم العثمانين. وقد كانت الدولة الإسلامية تُعيِّن رؤساء لكل الجماعات غير الإسلامية لإدارة الشئون الداخلية للجماعة، أي علاقة الأعضاء بعضهم ببعض وعلاقة الجماعة بالدولة. ولأن أهم الوظائف الخارجية هي جمع الضرائب وحفظ الأمن بين أعضاء الجماعة، فقد كان بطريرك الأقباط ونجيد اليهود أو رئيسهم يتم تعيينهم. وقد كان المنصب يتم توارثه أحياناً، وفي أحيان أخرى كان وجهاء الجماعة يرشحون رؤساء لها ثم تُصدِّق الدولة على ترشيحه وتعيينه. وفي مصر، صار المنصب وراثياً بين أولاد موسى بن ميمون إذ شغلوا هذا المنصب لمدة قرنين. وقد كان رئيس اليهود في مصر من الحاخاميين في العادة، ولكن كان عليه أن يعين رئيساً للقرائين وآخر للسامريين (ولكن رئيس السامريين كان يتلقى خطاب تعيينه من الحكومة مباشرة) . وعادةً ما كان رئيس اليهود بمنزلة وكيل يمثل مصالح التجار اليهود في الخارج، وكانت وظيفتا الوكيل التجاري والنجيد يشغلهما شخص واحد تقريباً.
وكان رئيس اليهود، مثل كبار الموظفين، يرتدي الخلعة. وكانت وظيفته تقتضي المحافظة على ترابط الجماعة، والحكم بين أعضائها حسب شريعتهم، والحكم في الأحوال الشخصية وحق الطرد من حظيرة الدين (حيريم) . كما كان من حقه أن يُوقِّع عقوبات مثل الجلد والسجن. وكان يشرف على إقرار تعاليم الدين حسب الشريعة وفتاوى الحاخامات، وعلى تحديد مستويات أعضاء الجماعة وثرواتهم (لتحديد الضرائب) ، كما كان يقوم بالحفاظ على الأمن بشكل عام، وتعيين قضاة شرعيين (ديانيم) في المحكمة الشرعية (بيت دين) . وكان مندوب رئيس اليهود هو المقدَّم.
وقد ظل المنصب قائماً حتى الفتح العثماني، ولكنه أُلغيَ في القرن التاسع عشر وحل محله منصب الحاخام الأعظم الذي كان يتبع الحاخام باشي في إستنبول.
مملكة حدياب اليهودية
Adiabene
стр. 4012
«حدياب» إقليم في منطقة نهر دجلة العليا نشأت فيه إمارة تابعة للفرثيين في العصر الهيليني، وقد ذكرها يوسيفوس كما ذكر دولة الأخوين أسيناي وأنيلاي. وكانت هذه الإمارة تقع في منطقة حدودية بين تخوم الرومان والفرثيين وكانت عاصمتها أربيل. كان يحكم حدياب في الفترة بين سنتي ٣٦ و٦٠ الميلاديتين إيزاط وأمه الملكة هيلانة. وقد ازداد نفوذ إيزاط لأنه ساعد الملك الفرثي أرطبان الثالث على استعادة عرشه ولعب دوراً مهماً في الصراعات الدائرة بين أعضاء الأسرة المالكة بعد موت الملك.
ولقد شهدت هذه الفترة جهداً تبشيرياً يهودياً قوياً، وخصوصاً في حوض البحر الأبيض المتوسط ويبدو أنه وصل إلى بلاد الرافدين. فقد تَهوَّد إيزاط أمير حدياب كما تهوَّدت أمه، وتحوَّلت الإمارة إلى إمارة يهودية أو على الأقل إلى إمارة يحكمها أمير مُتهوِّد. ولكن هذا لا يعني بالضرورة تَحوُّل جماهير المملكة إلى اليهودية، وإن كان هناك رأي يذهب إلى أنه كان يوجد بالفعل أعداد كبيرة من اليهود في هذه المنطقة هم بقايا التهجير الآشوري. ويبدو أن بعض الأمراء عارضوا تَهوُّد الأسرة المالكة دون جدوى. وظلت السلالة اليهودية حاكمة نحو ثمانين عاماً حتى غزاها الرومان في عهد الإمبراطور تراجان سنة ١١٥ ميلادية وقضوا عليها.
стр. 4013
وقد حاربت قوات من حدياب إلى جانب المتمردين اليهود أثناء التمرد اليهودي الأول ضد الرومان (٦٨ - ٧٠) . وتجب ملاحظة أن حدياب كانت تابعة للفرثيين وهم القوة العظمى الأخرى في الشرق الأدنى القديم والتي كانت تنافس الرومان وتهاجمهم في فلسطين بالذات. وقد حاول الفرثيون تجنيد اليهود إلى جانبهم ضد الرومان متبعين في ذلك سياسة الإمبراطورية الفارسية. وبرغم وجود علاقات دينية قوية بين الأسرة الحاكمة في حدياب والهيكل، إذ كانت الملكة هيلانة ترسل الصدقات إلى الفقراء في القدس، كما أنها شيَّدت مظلة في اللد بمناسبة عيد المظال وأرسلت هي وابنها العديد من الهدايا إلى الهيكل، رغم كل ذلك فإن ظهور مثل هذه الدويلة واكتسابها صبغة يهودية ورفض أبنائها الهجرة إلى فلسطين تدلُّ على أن الجماعات اليهودية كانت قد بدأت في تكوين مراكز سكانية وثقافية خارج فلسطين لها ثقافتها المستقلة عن الثقافة العبرية الآرامية هناك، كما تدل هذه الأشياء على قوة المركز البابلي لليهودية واستمراريته. وإذا ما وضعنا المركز السكندري (الهيليني) إلى جوار المركز البابلي، وذلك باعتبارهما مركزين للثقافات اليهودية المختلفة، فإنه يصعب الحديث عن فلسطين كمركز واحد. كما أن هدم الهيكل على يد تيتوس (٧٠م) لم يكن سوى تتويج لهذا الاتجاه.
ورغم أن اليهودية كانت في القرن الثاني قد ازدادت انتشاراً في حدياب، فإن المسيحية انتشرت بين صفوف اليهود هناك واعتنقتها أعداد متزايدة منهم كما حدث في مصر وغيرها من الأماكن في حوض البحر الأبيض المتوسط حتى تحوَّلت الأغلبية العظمى إلى المسيحية.
ذو نواس (٥١٨-٥٢٥) ومملكة حمير اليهودية
Dhu Nawas and the Jewish Himyarite Kingdom
стр. 4014
يوسف ذو نواس، ويُقال له «المسروق» . وقد أورد المسعودي والطبري وقائع حياته. وذو النواس أحد ملوك حمْير (في جنوب الجزيرة العربية ـ اليمن حالياً) . ويُقال إنه تَهوَّد قبل أن يعتلي العرش (وأضاف اسم يوسف العبري إلى اسمه العربي) ونجح في توحيد أعضاء النخبة الحاكمة ورؤوس العائلات الأرستقراطية في حمْير، من أهمها عائلة ذي يزن. وقد حاول ذو نواس أن يضمن ولاء كل المدن والمناطق التابعة له. ويبدو أنه كان ثمة إحساس عام بأن هناك حرباً وشيكة ستقع بين الفرس والروم (القوتان العظميان آنذاك) وأن الحمْيريين يمكنهم الاستفادة منها. وكانت مملكة حمْير تضم أقلية من اليهود، وكانت تخشى مطامع الدولة البيزنطية والقوة المسيحية في إثيوبيا، كما كان ثمة إحساس بأن المسيحيين يتجهون بولائهم للقوى المسيحية. وبالفعل، استولى الثوار المسيحيون على العاصمة الحمْيرية عام ٥١٧. فجمع ذو نواس قواته وأنزل بهم هزيمة ساحقة وحطم كنيستهم كما ألحق الهزيمة بالقوات المسيحية الإثيوبية في العام التالي. وقد شك الملك في ولاء السكان المسيحيين في نجران حيث اندلعت فيها ثورة بالفعل، فهاجمها ونَكَّل بأهلها وذبح منهم المئات أو الألوف (لعل الإشارة في القرآن؛ ق/ ٤: ٥ هي لتلك الحادثة) . وبدأت حملة في العالم المسيحي ضد ذي نواس وحكمه. وبالفعل، جرد الإثيوبيون حملة عبرت البحر الأحمر (عام ٥٢٥) . وفي هذه الأثناء، كان التحالف الذي كوَّنه ذو نواس قد تفكك، الأمر الذي أدَّى إلى هزيمته. وقيل إنه ركب فرسه واندفع إلى البحر فابتلعته الأمواج ولم يَعُد. ولكن بعثة ألمانية اكتشفت قبره عام ١٩٣١.
стр. 4015
لكن وقائع تَهوُّد ذي نواس ليست واضحة تماماً، ولعلها تشبه من بعض الوجوه وقائع تَهوُّد النخبة الحاكمة في مملكة الخزر. ولعل الدافع وراء التَهوُّد هو تَبَنِّي أيديولوجيا مستقلة عن الوثنية العربية وعن أيديولوجيا المسيحية الغازية، وهي أيديولوجيا تستند إلى ديانة توحيدية مرسلة لها كتاب مقدَّس، وهو ما يضفي شيئاً من الهيبة على النخبة الحاكمة. ويبدو أن محاولة مملكة اليمن السيطرة على التجارة قد لعبت دوراً في ذلك، فلعل ذا نواس، ومن تَهوَّد من ملوك حمْير من قبله، كانوا يفكرون في شبكة التجارة اليهودية وكيفية الاستفادة منها. ولعل الحاخامات الذين جاءوا من طبرية للتبشير باليهودية في حمْير قد بينوا له بعض مزايا تَبَنِّي اليهودية من هذا المنظور. ويمكن أخيراً أن نشير إلى أن كلاًّ من مملكة الخزر ومملكة حمْير تتسمان بالحدودية، أي أن كلاًّ منهما تقع في مناطق تفصل بين تشكيلين مختلفين، وهما في حالة مملكة حمْير التشكيل الوثني العربي من جهة والتشكيل الإثيوبي المسيحي الذي كانت تقف وراءه الإمبراطورية البيزنطية من جهة أخرى، وهذه محاولة للتفسير وحسب.
стр. 4016
ولكن الثابت تاريخياً أن عدد المتهودين في حمْير كان صغيراً للغاية حتى بين أعضاء النخبة، ومن ثم لم يحدث أي انتشار لليهودية في هذه المنطقة. ويكون من الشطط الحديث عن مملكة حمْير اليهودية، كما يفعل بعض المؤرخين، وخصوصاً أننا لا نعرف الكثير عن مدى عمق يهودية ذي نواس ولا شكل اليهودية التي تبناها، ولا عدد المتهودين من رعاياه، وهكذا. غير أن بعض المراجع اليهودية تتحدث عن مخطَّط طرحه ذو نواس وحاخامات طبرية للاستفادة من الحرب الوشيكة بين الفرس والروم لتأسيس إمبراطورية تمتد من الشام إلى حمْير، وهو مخطَّط ليس له ما يسنده من وثائق أو مصادر على الإطلاق. وفي الواقع، فإن الكثافة السكانية في الشام والجزيرة العربية وفي حمْير ذاتها لم تكن يهودية، ومن ثم فالأحلام الإمبراطورية هنا كانت ولا شك جزءاً من الأحلام المشيحانية. وقد وضع كثير من الكُتَّاب اليهود الدينيين واقعة ذي نواس في إطار قبائل العبرانيين العشر المفقودة.
مجالس يهود وسط أوربا) لاندزيودينشافت (
Landesjudenschaft
стр. 4017
«لاندزيودينشافت» كلمة ألمانية تعني «الجماعة اليهودية في البلد» أو «يهود البلد» ، وهو الاسم الذي كان يُطلَق على الجماعات اليهودية ومجالسها الإدارية في وسط أوربا: مورافيا وبوهيميا وتشيكوسلوفاكيا وألمانيا والنمسا. وهي المجالس التي اضطلعت بكثير من الوظائف التي كان يضطلع بها القهال في بولندا والماهاماد في هولندا وغيرها من البلاد. وكان يُوجَد لهذه المجالس مجلس إقليمي في مورافيا وبوهيميا ثم انشق مجلس براغ عنه. ولأنه لم تكن هناك دولة ألمانية مركزية، حيث كانت ألمانيا مُقسَّمة إلى إمارات ودوقيات، فإن هذا الوضع انعكس على نظام الإدارة الذاتية الخاصة باليهود ولم يظهر مجلس إقليمي مركزي على غرار مجلس البلاد الأربعة. وقد كانت هناك مجامع مركزية تُعقَد من آونة إلى أخرى. ولكن بعد عام ١٧٧٠، مع ضعف خلفاء إمبراطور ألمانيا تشارلز الخامس، قَلَّت هذه الاجتماعات وعُقد آخرها في فرانكفورت عام ١٦٠٣ ومنذ ذلك التاريخ، أصبح لكل جماعة مجلسها، وأصبحت كل جماعة يهودية مستقلة تماماً عن غيرها حيث كانت شرعية مجلسها لا تتجاوز حدود الإمارة أو الدوقية، بل إن بعض الأمراء كان يمنع رعاياه اليهود من اللجوء إلى محاكم حاخامية خارج إمارته. وحيث إن عدد أعضاء الجماعة اليهودية الذين يعيشون داخل كل إمارة كان صغيراً، فقد كان اختيار أعضاء المجالس يتم بالتعيين. وقد سيطرت بعض الأسر اليهودية الثرية، وخصوصاً يهود البلاط، على الجماعات اليهودية ومجالسها، كما حدث في كليفس Cleves حين هيمنت أسرة جومبيريز على الجماعة اليهودية فيها زهاء قرن من الزمن. فكان منهم الرئيس (برناس) والوسيط (شتدلان) والحاخام وأمين الصندوق. وفي بعض الأحيان، كان يضطلع بكل هذه الوظائف فرد واحد. ومع هذا، كانت توجد جماعات كبيرة، مثلما كان في فيينا وبرلين وبراغ، يتم اختيار أعضائها بالانتخاب من بين أعضاء الأسر الثرية. وكثيراً ما كان ينشب صراع بين اللاندزيودينشافت
стр. 4018
والماهاماد. وقد اختفت معظم هذه المجالس مع تَغيُّر وضع اليهود الطبقي والوظيفي وظهور الدولة القومية الحديثة.
الماهاماد أو الماماد
Mahamad; Maamad
«ماهاماد» كلمة معناها «أئمة المصلين» . من الكلمة العبرية «عماد» أي «وقف» . وهي تشير إلى المجلس الذي كان يتولى قيادة الجماعات اليهودية الإسبانية والبرتغالية السفاردية. ويقابل الماهاماد القهال عند الإشكناز (وإن كان يختلف عنه في أنه لم يكن يقوم بجمع الضرائب) ، كما يقابل مجلس يهود وسط أوربا. وكان عدد أعضاء المجلس سبعة، وأحياناً أربعة فقط، يقوم أحدهم بوظيفة أمين الصندوق.
وقد قامت مجالس الماهاماد في هولندا (أمستردام وروتردام ولاهاي) ، وفي إنجلترا (لندن) ، بل في المستعمرات الهولندية (في كوراساو وسورينام في البحر الكاريبي) . وكانت سلطات الماهاماد شاملة ومطلقة تشكل حكماً للأقلية الثرية التي كان أعضاء المجلس يُختارون من بينها. ففي أمستردام على سبيل المثال، كان أعضاء المجلس السبعة يقومون بتعيين خلفائهم من بين أعضاء الجماعة الذين كانوا يشكلون ٢٠% منها وحسب. ولم يكن من حق العضو الذي يقع عليه الاختيار أن يرفض المنصب الذي يُعرَض عليه وإلا كان عليه دفع غرامة. وهذا ما حدث لإسرائيل دزرائيلي، والد بنيامين دزرائيلي، عندما رفض المنصب الذي رُشِّح له، فوُقِّعت عليه غرامة مقدارها أربعون جنيهاً، فقرر ألا يدفعها وترك الجماعة وتَنصَّر.
стр. 4019
وكان لمجلس الماهاماد وزن وثقل وسيطرة كاملة على الحياة الدينية والدنيوية لأعضاء الجماعة اليهودية. فكان المجلس يدير مؤسسات الصدقة والرفاه الاجتماعي ومؤسسات التربية اليهودية. كما كان يمارس الرقابة على الكتب، فلم يكن من الممكن نشر كتاب عبري دون تصريح منه. وماهاماد أمستردام هو الذي منع كتب أورييل داكوستا من التداول، وهو الذي وقع على إسبينوزا العقوبة القاضية بطرده من حظيرة الدين. ومع هذا، كان الماهاماد أكثر اندماجاً في مجتمع الأغلبية من القهال من بعض النواحي. فكان السفارد يتحدثون البرتغالية والإسبانية ويتعلمونهما، وهما لغتان أوربيتان، على عكس الإشكناز الذين كانوا يتحدثون اليديشية، وهي رطانة ألمانية، ولا يجيدون القراءة بالألمانية. وقد أتاح هذا الفرصة أمام السفارد لقراءة الفكر الغربي. كما أنه بحلول القرن الثامن عشر الميلادي، كان معظم اليهود السفارد يعرفون الهولندية. كما سمح الماهاماد لليهود بحضور الحفلات الموسيقية والمسرحيات والأوبرا طيلة العام، على عكس القهال الذي لم يسمح بذلك إلا في مناسبة أو مناسبتين (مثل عيد النصيب) .
стр. 4020
وكان الماهاماد يتدخل في كل دقائق الحياة الخاصة بأعضاء الجماعة، فكان يقرر نظام الجلوس في المعبد (حسب السلم الطبقي) . ولم يكن بمقدور الإشكناز أن يُصلّوا في المعبد اليهودي، ولا كان بوسع أي يهودي أن يشتري أو يستأجر بيتاً من يهودي آخر أو ينضم إلى الجماعة إلا بتصريح من الماهاماد. وحتى في الأمور الشخصية، لم يكن أي يهودي يستطيع الزواج أو الطلاق إلا بإذن خاص منه. كما كان المجلس يراقب السلوك الجنسي لأعضاء الجماعة، وكانت هذه قضية مهمة آخذة في التفاقم نظراً لازدحام الجيتو في معظم مدن أوربا ولتزايد العلمنة والتسامح في كثير من المناطق التي تركز فيها اليهود. وقد أدَّى وجود خادمات يهوديات ومسيحيات في منازل أثرياء اليهود وغير اليهود إلى زيادة نسبة الأطفال غير الشرعيين، فكان المجلس يبذل جهداً غير عادي للبحث عن أبى الطفل. وكان يشكل أحياناً لجنة خاصة لهذا الغرض. وقد كان المجلس يراقب أيضاً أزياء أعضاء الجماعة ويرى ما إذا كانت مترفة أكثر من اللازم أو فاضحة.
ولكن يجب إدراك أن هذه السلطة الشاملة لم تكن شيئاً غير عادي في القرن السابع عشر الميلادي، فالحكومات المطلقة مارست سلطات مماثلة على مواطنيها المسيحيين. ولكن الماهاماد مارس، مع هذا، سلطاته بقدر أكبر من التطرف. وربما يعود ذلك إلى سببين أساسيين:
١ ـ تعود أصول الماهاماد إلى شبه جزيرة أيبريا حيث تَشرَّب اليهود السفارد ثقافة إسبانيا والبرتغال رغم أنهم طُردوا منهما وتأثروا بنظام محاكم التفتيش.
стр. 4021
٢ ـ تجب ملاحظة أن الأقليات تخضع دائماً لملاحظة الأغلبية في الأحوال العادية، وفي كثير من أنحاء أوربا كانت الجماعات اليهودية تحظى بمستوى معيشي أعلى من مستوى الجماهير وهو ما كان يعني أنها كانت مثار حقدها. ولذا، كان على القيادة أن تحاول قدر طاقتها مراقبة أي سلوك استفزازي من جانب أيٍّ من أعضاء الجماعة اليهودية، كأن يُظهر ثروته بشكل مُبالَغ فيه مثلاً. ومن هنا ظهرت قوانين الترف التي تمنع المبالغة في إظهار الثروة، ومن هنا نجد أن ماهاماد هامبورج، على سبيل المثال، منع أعضاء الجماعة من استخدام الزلاقات على الثلج (ويبدو أن ذلك كان يُعدُّ شكلاً من أشكال الترف) حتى لا يستفزوا جيرانهم. وفي حالة الطوارئ، كان على أيٍّ من أعضاء الجماعة أن يحصل على تصريح خاص باستخدام الزلاقة، تماماً مثلما حاول القهال التدخل حتى لا يقع تنافس حاد بين كبار التجار في ليتوانيا وطبقة النبلاء على الامتيازات التجارية والمالية، وهو تَنافُس قد يضر بمصلحة الجماعة ككل. كما أن الجماعات اليهودية كانت، في معظم الأحيان، جماعات وظيفية لابد أن تخضع لعملية ضبط اجتماعي هائلة حتى يتسنى عزل الجماعة عن المجتمع وضمان أداء أعضائها.
وكان أهم ماهاماد هو ماهاماد أمستردام الذي كان يضم أهم جماعة سفاردية. وكان يليه في الأهمية ماهاماد هامبورج. وقد اختفى الماهاماد أو انكمشت سلطاته مع ظهور الدولة القومية وحركة الإعتاق، مثلما حدث للقهال ولكثير من المؤسسات الوسيطة. ولا يزال هناك مجالس ماهاماد بين يهود الولايات المتحدة وإنجلترا من (السفارد (، ولكنها لا تتمتع بسلطاتها القديمة.
القهال
Kahal or Kehillah
стр. 4022
«قهال» كلمة عبرية بمعنى «جماعة» ، وهي تشير إلى أعضاء الجماعة اليهودية ككل، كما تشير الكلمة بالمعنى الضيق إلى الهيئة الإدارية أو المجلس الذي كان يدير شئون التجمعات اليهودية المختلفة. وكان ينتظم كل مجالس القهال مجلس البلاد الأربعة. وكانت بولندا مملكة متعددة الجنسيات والديانات، فقد كان ثلث سكانها من غير البولنديين وكانوا يدينون بديانات أخرى غير المسيحية الكاثوليكية. وكما هو الحال دائماً مع الممالك والإمبراطوريات التي تضم مجموعة سكانية غير متجانسة، نشأت أشكال من الإدارة الذاتية تُيسِّر للسلطة الحاكمة عملية جمع الضرائب من أعضاء الجماعات والأقليات وتضمن ولاءهم لها. وقد كان هناك تنظيمات إدارية ذاتية للأرمن والتتار ومختلف أعضاء الجماعات الأخرى. كما كان من حقهم أن يُطبِّقوا شرائعهم فيما يقوم بينهم من منازعات، فكان الأرمن مثلاً يحتكمون إلى الشريعة الخاصة بهم وتُدعَى «الداتاستانا جيرك» ، وقد تُرجمت إلى البولندية حتى تمكن الاستفادة منها أمام المحاكم.
стр. 4023
ويستند القهال، كشكل من أشكال الإدارة الذاتية، إلى الميثاق الذي أصدره الملك سيجسموند الأول عام ١٥٠١ وتم بمقتضاه تشكيل تنظيم القهال. وكانت كل جماعة يهودية يديرها مجلس قهال يتكون من سبعة أعضاء يتم اختيارهم إما بالتعيين أو بالانتخاب. وكان لابد أن توافق الحكومة البولندية على الأعضاء المنتخبين قبل أن يصبح انتخابهم نهائياً. ولا شك في أن نظام انتخاب القهال كان متأثراً بكون بولندا جمهورية/ملكية. ولكن كلمة «انتخاب» هنا فضفاضة للغاية، فرغم أن أي يهودي كان من حقه أن يشارك في العملية الانتخابية (من الناحية النظرية على الأقل) إلا أن قلة قليلة من الناحية العملية هي التي كانت تشترك في الانتخابات. ففي كراكوف مثلاً، كان الانتخاب يتم بأن يجتمع مجلس إدارة القهال بمستشاريه فيلقي كل واحد منهم بقائمة من تسعة أسماء وتُختار إحدى القوائم بالقرعة، وكان يُطلَق على هؤلاء اسم «الناخبين المرحليين» (حرفياً «ما قبل الناخبين» ) ، ذلك لأنهم كانوا يقومون باختيار خمسة ناخبين هم الذين يقومون باختيار كل أعضاء القهال. وفي عام ١٦٤٠، أصبح من حق كبار دافعي الضرائب أن يتقدموا بقوائمهم لاختيار الناخبين المرحليين، كما كانت توجد قهالات من حق الأسر الثرية أن ترسل إليها مرشحيها مباشرة ليشغلوا وظائفهم في مجالس القهال دون انتخاب أو قرعة.
стр. 4024
وقد أدَّى ذلك في نهاية الأمر إلى سيطرة أقلية من المموِّلين والحاخامات على مجالس القهال والتحكم فيها، شأنهم في هذا شأن معظم المؤسسات السياسية في العصور الوسطى في الغرب، حتى تحولوا في نهاية الأمر إلى طبقة مسيطرة احتفظت بالسلطة في يدها. وبذلت هذه الطبقة جهداً منظماً، وناجحاً في معظم الوقت، في استبعاد العناصر المشاغبة والعوام والغوغاء من العملية التي كان يُقال لها «انتخابية» . وقد تم استبعاد معظم أرباب البيوت في المدن الكبرى وكل سكان المدن الصغيرة وكل سكان الريف رغم أنهم كانوا من دافعي الضرائب. كما استُبعدت كل الطبقات الفقيرة مثل الحرفيين الذين كانوا يمثلون واحداً من أكبر القطاعات المعارضة للقهال. وفي نهاية الأمر، لم يكن يزيد عدد اليهود الذين لهم حق التصويت على ٥%، أو حتى ١% في بعض الأحيان، من أعضاء كل جماعة أو تَجمُّع.
وكانت مجالس القهال، في بداية الأمر، تتبع الملك مباشرة دون أن تكون بينهم سلطة وسيطة. ومع ضعف الملكية والحكومة المركزية في بولندا، خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، بدأ يسيطر على مجالس القهال كبار النبلاء كما بدأوا يتدخلون في تعيين أو انتخاب الممثلين في المدن التابعة لهم أو حتى في المدن الملكية، ويفرضون عملاءهم ويسيطرون على الجماعة اليهودية.
стр. 4025
والقهال تعبير عن كون اليهود يشكلون جماعة وظيفية وسيطة تضطلع بوظائف معيَّنة (التجارة وجمع الضرائب والربا) يستخدمها الحاكم في استغلال جماعات الفلاحين وفي تحطيم القوى التجارية الصاعدة التي كانت تحقق أرباحاً لصالحها. وكانت مجالس القهال مستقلةً الواحدة عن الأخرى في بداية الأمر، فكان لكل قهال قوانينه ومصالحه وامتيازاته التي يدافع عنها ضد القهالات الأخرى. ثم تم ضمها كلها في إطار واحد هو مجلس البلاد الأربعة. وكانت مجالس القهال تقوم بتنظيم جميع جوانب الحياة اليهودية من الداخل، أي في علاقة اليهود بعضهم ببعض (كالإشراف على الزواج والطلاق والختان والطعام والتعليم وتعيين الحاخامات والقضاة وجباة الضرائب والذابحين الشرعيين) . وكان شيوخ الجماعة، مع الحاخامات، يُكوِّنون محكمة شرعية (بيت دين (يحكمون فيها بين اليهود بمقتضى القانون التلمودي، وكان لهذه المحاكم حق طرد اليهود من حظيرة الدين (حيريم) أو من الجماعة. وكانت مؤسسة القهال تنظم حياة اليهود كجماعة اقتصادية/دينية وسيطة في علاقتها بالعالم الخارجي. ولكن مهمتها الأساسية ظلت جمع الضرائب من المحكومين لصالح الحاكم.
وكان لكل قهال قواعده الخاصة (تاقانوت) وامتيازاته وحقوقه التي يدافع عنها ضد يهود المدن المجاورة، وخصوصاً حق حظر استيطان الأجانب (اليهود وغير اليهود) بينهم. ويمكن القول بأن القهال، بانقسامه واستقلاله، هو المؤسسة الإشكنازية التي تلائم النظام الإقطاعي الغربي غير المركزي، واستقلاله يشبه في تركيبه المقاطعة الخاضعة لسلطة حاكم أو قاض في المدن الألمانية في العصور الوسطى في الغرب. ولعل هذا التشابه يعود إلى أن يهود بولندا تعود أصولهم إلى المدن الألمانية، كما أن المدن البولندية قد تم تطبيق القانون الألماني عليها.
وكانت لجنة القهال تتكون من الموظفين التالين:
стр. 4026
١ ـ الرؤوس أو رؤساء المجلس. باللاتينية: سنيوريس seniores. ومفردها «سنيور» ، وهي تساوي كلمة «بارناس» في العبرية، وجمعها «برناسيم» أو «روش» وجمعها «روشيم» . وكان يشكلها في البداية شيوخ الجماعة، ولكن الوظيفة أصبحت، فيما بعد، بالتناوب. وكان الرئيس يتمتع بنفوذ واسع لأنه كان بوسعه التأثير في المحاكم وفي حجم الضرائب وفي كل موظفي القهال. وهو الذي كان يقرر ميزانية القهال في فترة خدمته، ويقرر القروض، ويوقع على كل الوثائق الرسمية باسم الجماعة. وإذا كانت الجماعة توجد في مدينة، ويتعين تحديد عدد التجار اليهود المسموح لهم بالاتجار، فإن القهال كان يقدم قائمة باسم التجار الذين يحق لهم السكنى في المدينة والقيام بأعمالهم. وكثيراً ما كانت الصلاحيات تتحول إلى ديكتاتورية غير مقنعة. وكانت هناك حالات يرفض فيها السنيور أن يترك وظيفته حينما تنتهي مدة خدمته ويستمر يشغلها عدة سنوات بتشجيع من كبار الموظفين البولنديين المسئولين عن اليهود مثل الحاكم الملكي (فويفود) .
٢ ـ الرجال الخيِّرون. باللاتينية: بوني فيري boni viri. وبالعبرية «طوفيم» (الطيبون) . وكان عددهم في العادة سبعة يشكلون مجلس إدارة القهال، كما أنهم كانوا مسئولين عن دفاتر القهال وخزانته.
٣ ـ المستشارون أو أعضاء القهال. وكانوا يكوِّنون لجاناً، من أهمها: لجنة الإحسان، ولجنة المراقبين على الديون والحساب، ولجنة شيوخ السوق الخاصة بفحص الموازين، ولجنة نظافة شوارع الجيتو والشتتل وحراسته، ولجنة الذبح الشرعي، ولجنة النزاعات بين أصحاب العمل والموظفين، ولجنة المدرسة، ولجنة المعبد، ولجنة افتداء الأسرى (بعد انتفاضة شميلنكي) ، ولجنة الصدقات لفلسطين لتمويل إقامة اليهود الذين يستوطنون فلسطين للتعبد، ولجنة رؤساء نقابات الحرفيين اليهود.
٤ ـ كان القهال يضم أيضاً بعض شاغلي الوظائف الأساسية مثل القضاة والمراقبين الذين كانوا يقررون مقدار الضرائب الواجب على كل فرد دفعه.
стр. 4027
وكانت تتبع القهال مجموعة من الموظفين يتقاضون أجراً من أهمهم الحاخام. ورغم أن القانون البولندي منحه سلطات ضخمة، فقد كان المسئول (نظرياً) عن تنفيذ قرارات القهال وضمان سلامة الانتخابات، كما كان يترأس القضاة في اجتماعاتهم ويمنح الألقاب المختلفة مثل «حابير» و «مورينو» ، وهو أيضاً الذي يقرر متى ينبغي طرد شخص من حظيرة الدين، فإنه كان من الناحية الفعلية خاضعاً تماماً لرئيس القهال ومجلس إدارته. وكان يُوجَد، إلى جانب الحاخام، رئيس المدرسة التلمودية العليا (يشيفا) ، وواعظ الجماعة (درشان) والقاضي (ديان) ، وكثيراً ما كان يضطلع شخص واحد بكل هذه الوظائف.
وهناك أيضاً كاتب المدينة الذي كان يدير شئون القهال اليومية ويعمل بالتعاون مع كاتب اليهود وهو مسيحي بولندي كان يقوم بترجمة رسائل القهال للمدينة. وكان الكاتب هو أيضاً الوسيط (شتدلان) بين الجماعة والمدينة، وقد تطورت وظيفته فيما بعد وأصبحت من أهم الوظائف. وكان صغار موظفي القهال يسمون «سكولاي منيستر scholae minister» باللاتينية و «شكولنك szkolink» بالبولندية و «شماس» بالعبرية. وهؤلاء كانوا يضمون الممرضات وحرس البوابة وجامعي الضرائب وخادم (شماس) المعبد.
стр. 4028
وكانت مصاريف القهال تتكون أساساً من المرتبات التي يدفعها لموظفيه. كما كان عليه أن يقدم الهدايا لكبار موظفي الحكومة البولندية حتى يمكن تسيير أمور الجماعة. فكانت الجماعة اليهودية في كراكوف على سبيل المثال تدفع هدية سنوية للحاكم الملكي، ولقاضي اليهود المسيحي المعيَّن من قبَل المدينة للحكم في المنازعات بين اليهود والمسيحيين، ولكاتب اليهود، ولرئيس شرطة المدينة. وكان علىهم أيضاً أن يطعموا الحيوانات في حديقة الملك. كما كان على بعض القهالات أن تدفع مبالغ من المال من قبيل المساعدة للكنيسة والطلبة وأن تزودهما أحياناً بالمؤن. وكان على القهال كذلك دفع ضريبة مقابل عدم قيام اليهود بالخدمة العسكرية أو تزويد الجنود بالمأوى. وكان على القهال أن يؤدي الضريبة المفروضة على الجماعة من قبَل الحكومة. ولذا، كان عليه أن يفرض ضرائب مباشرة على كل شخص (ضريبة الملكية وضريبة الرأس وضريبة القهال) . ومع تَدهور الوضع الاقتصادي للقهال، أخذت هذه الضرائب في التزايد حتى أصبحت تُفرَض على ضروريات الحياة (ويُطلَق عليها «ضرائب السلة» ) ، وكان يُمنَح امتياز جمعها من خلال مزاد عام الأمر الذي كان يعني تَزايُد الضرائب دائماً.
وقد بدأ تداعي القهال، كمؤسسة إدارة ذاتية، في أوائل القرن الثامن عشر بعد انتفاضة شميلنكي ضد الإقطاع الاستيطاني في أوكرانيا وهي الانتفاضة التي اكتسحت الجماعة اليهودية ومؤسساتها فيما اكتسحت من مؤسسات. وظهرت التوترات الاجتماعية داخله بسبب الأزمة الاقتصادية والسياسية الشاملة في بولندا، إذ أن أعضاء الأقلية المسيطرة على القهال كانوا، كما هو متوقع، يؤثرون مصالحهم على مصالح الجماهير، ويحاولون أن يهربوا من استغلال الحاكم عن طريق تحميل معظم العبء على من هم دونهم في السلم الطبقي والاجتماعي. وقد أصبح القهال، بعد قليل، وسيلة قهر فقراء الجماعة اليهودية بدلاً من كونه مؤسسة تنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
стр. 4029
وسادت المصالح الشخصية وسيطرت الشخصيات الطموحة الجشعة ذات النفوذ. وكثيراً ما كانت تباع وظيفة الحاخام ووظيفة القاضي. لذا، كان من المتوقع أن يتقبل القاضي الرشاوي. وأُهملت الإدارة تماماً، الأمر الذي أثر في موارد القهال المالية. وحتى منتصف القرن السابع عشر، كان بوسع مجالس القهال المختلفة أن تفي بالتزاماتها المالية، ولكن وضعها تدهور بتدهور بولندا مالياً، إذ كان على القهال أن يدفع الرشاوي العديدة ويقدم الهدايا لكبار الموظفين لضمان أمنه. وزادت ديون الجماعات اليهودية زيادة رهيبة في القرن الثامن عشر حتى أن بعض الجماعات فشلت في سد أصل الدين واكتفت بدفع الفوائد عليه وحسب. ومن هنا، ضعفت سلطة القهال وبالتالي سلطة مجلس البلاد الأربعة. وفي عام ١٧٦٤، قرر البرلمان البولندي أن ضريبة الرؤوس المفروضة على اليهود لن تُجمَع من خلال مجلس البلاد الأربعة وإنما من خلال مجالس القهال الفردية، وهو ما كان يعني أن الإطار التنظيمي للقهالات قد انفرط تماماً وأن مجلس البلاد الأربعة أُلغي تماماً. ومع صدور مرسوم عام ١٨٢٢، تم حل القهال تماماً وحلت محله مجالس التجمعات الدينية (الأبرشيات) لإدارة الأمور الدينية والخيرية. وكان كل مجلس مكوناً من الحاخام ومساعده أو ممثل عنه وثلاثة مديرين منتخبين. واستمر هذا الإطار حتى عام ١٩١٦ وتولت الدولة كل مهام القهال الأخرى.
وفي عام ١٩١٩، أُسست مجالس القهال مرة أخرى، ولكن أُعيد تعريفها كجماعة مستقلة يكون الانتماء إليها اختيارياً ويترأسها مجلس مركزي. ولم يكن للقهال أية سلطة من السلطات القديمة، وإنما كان تنظيماً ينسق بين كل الجماعات اليهودية في بولندا، شأنه شأن التنظيمات المماثلة في الدولة القومية الحديثة.
стр. 4030
وقد سقط القهال، مثلما سقط الجيتو ومنطقة الاستيطان اليهودي والشتتل، وذلك بسبب التحولات الاجتماعية والسياسية العميقة التي كانت تخوضها مجتمعات شرق أوربا، وبسبب ظهور حركيات اقتصادية جديدة تنحو نحو توحيد السوق القومية والاستغناء عن الجماعات الوظيفية الوسيطة. وكان سقوط القهال مرتبطاً أيضاً بالحركيات الخاصة بالمجتمع البولندي وأزمته السياسية والاقتصادية العامة، والتي تفاقمت ابتداءً من مستهل القرن السابع عشر، الأمر الذي أدَّى إلى تصفية كل الجيوب الإثنية والدينية التي كانت تتمتع بحق الإدارة الذاتية التي خلَّفها النظام الإقطاعي. ولكن المؤرخين الصهاينة يشيرون إلى القهال، والمؤسسات الإقطاعية الأخرى، باعتبار أن ذلك أكبر دليل على الاستقلال القومي لليهود عبْر تاريخهم، وهو استقلال عبَّر عن نفسه في أشكال مختلفة مثل السنهدرين والجيتو. ولكن تنظيم القهال لا يختلف كثيراً عن العديد من التنظيمات الحرفية والطبقية في العصور الوسطى، ذلك لأن المجتمع الزراعي يتسم بالجمود والهرمية الحادة في تنظيمه الاجتماعي والحضاري.
وقد أسس النازيون، بعد غزوهم بولندا، نظاماً يشبه في كثير من الوجوه مؤسسة القهال مثل جيتو وارسو (أو غيره من الجيتوات) التي كانت تتمتع بقسط وفير من الإدارة الذاتية والاستقلال الاقتصادي والثقافي. ولا شك في أن المفكرين الصهاينة، وقد جاء عدد كبير منهم من بولندا وروسيا، كانوا متأثرين بتجربتهم في الشتتل والقهال وهم يرسمون ملامح المجتمع الصهيوني.
مجلس البلاد الأربعة
Council of Four Lands
следующие страницы →