← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 7981–8020 · переход к 7986.

стр. 7981

وفجر يوم الجمعة الأخيرة من شهر رمضان الموافق ٢٥ فبراير عام ١٩٩٤ سمحت القوات الإسرائيلية التي تقوم على حراسة الحرم الإبراهيمي بدخول المستوطن اليهودي المعروف بتطرفه باروخ جولدشتاين إلى الحرم الشريف وهو يحمل بندقيته الآلية وعدداً من خزائن الذخيرة المجهزة. وعلى الفور شرع جولدشتاين في حصد المصلين داخل المسجد. وأسفرت المذبحة عن استشهاد ٦٠ فلسطينياً فضلاً عن إصابة عشرات آخرين بجراح، وذلك قبل أن يتمكن من تبقَّى على قيد الحياة من السيطرة عليه وقتله. ولقد تردد أن أكثر من مسلح إسرائيلي شارك في المذبحة إلا أن الرواية التي سادت تذهب إلى انفراد جولدشتاين بإطلاق النار داخل الحرم الإبراهيمي. ومع ذلك فإن تعامل الجنود الإسرائيليين والمستوطنين المسلحين مع ردود الفعل التلقائية الفورية إزاء المذبحة التي تمثلت في المظاهرات الفلسطينية اتسمت باستخدام الرصاص الحي بشكل مكثَّف، وفي غضون أقل من ٢٤ ساعة على المذبحة سقط ٥٣ شهيداً فلسطينياً أيضاً في مناطق متفرقة ومنها الخليل نفسها. وسارعت الحكومة الإسرائيلية إلى إدانة المذبحة معلنةً تمسكها بعملية السلام مع الفلسطينيين. كما سعت إلى حصر مسئوليتها في شخص واحد هو جولد شتاين واكتفت باعتقال عدد محدود من رموز جماعتي كاخ وكاهانا ممن أعلنوا استحسانهم جريمة جولد شتاين، وأصدرت قراراً بحظر نشاط المنظمتين الفج. ولكن من الواضح أن كل هذه الإجراءات إجراءات شكلية ليس لها مضمون حقيقي. فالنخبة الإسرائيلية، وضمنها حكومة ائتلاف العمل، تجاهلت عن عمد المساس بأوضاع المستوطنين ومن ذلك نزع سلاحهم.

стр. 7982

ولا شك في أن مستوطنة كريات أربع في قلب الخليل (وهي المستوطنة التي جاء منها جولد شتاين) تمثل حالة نماذجية سافرة لخطورة إرهاب المستوطنين الذين ظلوا يحتفظون بأسلحتهم، بل حرصت حكومة العمل، ومن بعدها حكومة الليكود على الاستمرار في تغذية أحلامهم الاستيطانية بالبقاء في الخليل ودغدغة هواجسهم الأمنية بالاستمرار في تسليحهم في مواجهة الفلسطينيين العزل. بل تعمدت حكومتا العمل والليكود كلتاهما تأجيل إعادة الانتشار المقرر بمقتضى الاتفاقات الفلسطينية الإسرائيلية كي تضمن لحوالي أربعة آلاف مستوطن يهودي بالخليل أسباب البقاء على أسس عنصرية متميِّزة (أمنية ومعيشية) في مواجهة مائة ألف فلسطيني لا زالوا معرَّضين لخطر مذابح أخرى على طراز جولد شتاين. وتكمن أهمية جولد شتاين في أنه يمثل نموذجاً للإرهابي الصهيوني الذي لا يزال من الوارد أن تفرز أمثاله مرحلة ما بعد أوسلو. ورغم أن مهنة جولد شتاين هي الطب فقد دفعه النظام الاجتماعي التعليمي الذي نشأ فيه كمستوطن إلى ممارسات عنصرية اشتهر بها ومنها الامتناع عن علاج الفلسطينيين، وجولد شتاين يطنطن بعبارات عن استباحة دم غير اليهود ويحتفظ بذكريات جيدة من جيش إسرائيل الذي تعلَّم أثناء خدمته به ممارسة الاستعلاء المسلح على الفلسطينيين. وهو في كل الأحوال كمستوطن لا يفارقه سلاحه أينما ذهب. ومما يبرهن على قابلية تكرار نموذج جولد شتاين مستقبلاً قيام مستوطن آخر بإطلاق النار في سوق الخليل على الفلسطينيين العزل بعد ثلاثة أعوام من مذبحة الحرم الإبراهيمي. وقد تحوَّل قبر جولد شتاين إلى مزار مقدَّس للمستوطنين الصهاينة في الضفة الغربية! مذبحة قانا (١٨ أبريل ١٩٩٦ ( Qana Massacre

стр. 7983

وقعت مذبحة قانا في يوم ١٨ أبريل ١٩٩٦، وهي جزء من عملية كبيرة سُميَّت «عملية عناقيد الغضب» بدأت في يوم ١١ من الشهر نفسه واستمرت حتى ٢٧ منه حين تم وقف إطلاق النار. وتُعَد هذه العملية الرابعة من نوعها للجيش الإسرائيلي تجاه لبنان بعد اجتياح ١٩٧٨ وغزو ١٩٨٢، واجتياح ١٩٩٣، واستهدفت ١٥٩ بلدة وقرية في الجنوب والبقاع الغربي. كانت هذه العملية تستهدف ثلاثة أهداف أساسية غير تلك التي أعلنها القادة والزعماء الرسميون والإعلاميون في إسرائيل: الحد من عملية تآكل هيبة الجيش الإسرائيلي، ومحاولة نزع سلاح حزب الله أو على الأقل تحجيمه وتقييد نشاطه من خلال الضغط إلى الدرجة القصوى على القيادتين اللبنانية والسورية لتحقيق هذا الهدف، ورفع معنويات عملاء إسرائيل في جيش لبنان الجنوبي الموالي للكيان الصهيوني الذي يعيش جنده وقادته حالة رعب وقلق وارتباك وخوف على المصير المتوقع بعد الوصول لتسوية نهائية للوضع في لبنان. وكانت الزعامات الصهيونية في إسرائيل قد أعلنت أن الهدف من وراء هذه العملية هو أمن مستعمرات الشمال وأمن الجنود الإسرائيليين في الحزام المحتل في جنوب لبنان، إلا أن المراقبين رصدوا تصريحات لوزراء الدفاع والخارجية، بل شيمون بيريز نفسه (رئيس وزراء إسرائيل في ذلك الوقت) تشير للأهداف الثلاثة التي ذكرناها سلفاً. ولا يمكن تجاهل اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية ورغبة رئيس الوزراء (شيمون بيريز) آنذاك في استعراض سطوته وجبروته أمام الناخب الإسرائيلي حتى يواجه الانتقادات التي وجهها له المتشددون داخل إسرائيل بعد الخطوات التي قطعها في سبيل تحقيق هذا قدر يسير من التفاهم مع العرب.

стр. 7984

فمنذ تفاهم يوليه ١٩٩٣ الذي تم التوصل إليه في أعقاب اجتياح ١٩٩٣ المعروف بعملية «تصفية الحسابات» ، التزم الطرفان اللبناني والصهيوني بعدم التعرض للمدنيين. والتزم الجانب اللبناني بهذا التفاهم وانصرف عن مهاجمة شمال إسرائيل إلى محاولة تطهير جنوب لبنان من القوات التي احتلته في غزو ١٩٨٢ المعروف بعملية «تأمين الجليل» . ومع تزايد قوة وجرأة حزب الله في مقاومة القوات المحتلة لجنوب لبنان فزعت إسرائيل وشرعت في خرق التفاهم ومهاجمة المدنيين قبل العسكريين في عمليات محدودة إلى أن فَقَدت أعصابها، الأمر الذي ترجمه شيمون بيريز إلى عملية عسكرية يحاول بها أن يسترد بها هيبة جيش إسرائيل الذي تحطَّم على صخرة المقاومتين اللبنانية والفلسطينية ويستعيد بها الوجه العسكري لحزب العمل بعد أن فَقَد الجنرال السابق رابين باغتياله. ومما يُعَد ذا دلالة في وصف سلوك الإسرائيليين بالهلع هو حجم الذخيرة المُستخدَمة مقارنةً بضآلة القطاع المُستهدَف. فرغم صغر حجم القطاع المُستهدَف عسكرياً وهو جنوب لبنان والبقاع الغربي إلا أن طائرات الجيش الإسرائيلي قامت بحوالي ١٥٠٠ طلعة جوية وتم إطلاق أكثر من ٣٢ ألف قذيفة، أي أن المعدل اليومي لاستخدام القوات الإسرائيلية كان ٨٩ طلعة جوية، و١٨٨٢ قذيفة مدفعية. وقد تدفَّق المهاجرون اللبنانيون على مقار قوات الأمم المتحدة المتواجدة بالجنوب ومنها مقر الكتيبة الفيجية في بلدة قانا. فقامت القوات الإسرائيلية بقذف الموقع الذي كان يضم ٨٠٠ لبنانياً (إلى جانب قيامها بمجارز أخرى في الوقت نفسه في بلدة النبطية ومجدل زون وسحمر وجبل لبنان وعاث في اللبنانيين المدنيين العزل تقتيلاً) .

стр. 7985

وأسفرت هذه العملية عن مقتل ٢٥٠ لبنانياً منهم ١١٠ لبنانيين في قانا وحدها، بالإضافة للعسكريين اللبنانيين والسوريين وعدد من شهداء حزب الله. كما بلغ عدد الجرحى الإجمالي ٣٦٨ جريحاً، بينهم ٣٥٩ مدنياً، وتيتَّم في هذه المجزرة أكثر من ٦٠ طفلاً قاصراً. وبعد قصف قانا سرعان ما تحوَّل هذا إلى فضيحة كبرى لإسرائيل أمام العالم فسارعت بالإعلان أن قصف الموقع تم عن طريق الخطأ. ولكن الأدلة على كذب القوات الإسرائيلية بدأت تظهر وتمثَّل الدليل الأول في فيلم فيديو تم تصويره للموقع والمنطقة المحيطة به أثناء القصف وظهرت فيه لقطة توضح طائرة استطلاع إسرائيلية بدون طيار تُستخدَم في توجيه المدفعية وهي تُحلق فوق الموقع أثناء القصف المدفعي. بالإضافة لما أعلنه شهود العيان من العاملين في الأمم المتحدة من أنهم شاهدوا طائرتين مروحيتين بالقرب من الموقع المنكوب. ومن جانبه علَّق رئيس الوزراء الإسرائيلي (شيمون بيريز) بقوله: "إنها فضيحة أن يكون هناك ٨٠٠ مدني يقبعون أسفل سقف من الصاج ولا تبلغنا الأمم المتحدة بذلك". وجاء الرد سريعاً واضحاً، إذ أعلن مسئولو الأمم المتحدة أنهم أخبروا إسرائيل مراراً بوجود تسعة آلاف لاجئ مدني يحتمون بمواقع تابعة للأمم المتحدة. كما أعلنوا للعالم أجمع أن إسرائيل وجهت نيرانها للقوات الدولية ولمنشآت الأمم المتحدة ٢٤٢ مرة في تلك الفترة، وأنهم نبَّهوا القوات الإسرائيلية إلى اعتدائها على موقع القوات الدولية في قانا أثناء القصف. ولقد أكد تقرير الأمم المتحدة مسئولية حكومة شيمون بيريز وجيشه عن هذه المذبحة المتعمدة. ورغم الضغوط الأمريكية والإسرائيلية التي مورست على الدكتور بطرس غالي أمين عام الأمم المتحدة آنذاك لإجباره على التستر على مضمون هذا التقرير فإن دكتور غالي كشف عن جوانب فيه، وهو الأمر الذي قيل إنه كان من بين أسباب إصرار واشنطن على حرمانه من الاستمرار في موقعه الدولي لفترة ثانية.

стр. 7986

وفي عام ١٩٩٧ اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً يدعو إسرائيل لدفع تعويضات لضحايا المذبحة، وهو الأمر الذي رفضته تل أبيب. وتكتسب هذه المذبحة أهمية خاصة على ضوء أن حكومة ائتلاف العمل الإسرائيلي تتحمل المسئولية عنها رغم ما روجته عن سعيها الصادق من أجل السلام مع العرب ودعوة شيمون بيريز لفكرة السوق الشرق أوسطية. ومن المفارقات التي تستحق التسجيل أنه رغم قيامه بعملية عناقيد الغضب (ومذبحة قانا) إلا أنها لم تحقق أياً من أغراضها المباشرة أو غير المباشرة، فالمقاومة لا تزال مستمرة في جنوب لبنان وبيريز لم يُنتخَب رئيساً للوزراء. الإرهاب الإسرائيلي/الصهيوني بعد أوسلو Israeli-Zionest Terrorism after Oslo لم يتضمن إعلان المبادئ بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية (واشنطن ١٣ سبتمبر ١٩٩٣) والمعروف باتفاقات أوسلو نصوصاً محددة تنطوي على تعهد إسرائيلي أساسي وصريح وشامل بالتخلي عن ممارسة الإرهاب. ومع هذا كان من المتصور أن توقيع اتفاقية أوسلو سيخلق واقعاً جديداً في العلاقة بين الشعب الفلسطيني وحكومة المستوطنين الصهاينة لاعتبارات عدة يمكن أن نوجزها فيما يلي: ١ ـ تراجُع الاحتكاك بين الفلسطينيين والقوة العسكرية الصهيونية بسبب تقلص سلطات الاحتلال فوق مناطق تركز الكثافة السكانية للشعب الفلسطيني في الضفة وغزة. ٢ ـ كان المفروض أن السوق الشرق أوسطية والمؤتمرات الاقتصادية المختلفة ستؤدي إلى ظهور علاقات اقتصادية قوية بين الدول العربية (وضمن ذلك السلطة الفلسطينية) وهي علاقات تتجاوز الخلافات العقائدية والحضارية السابقة. ٣ ـ كان المفروض أن تقوم السلطة الفلسطينية بمكافحة "الإرهاب" والقضاء على أية مقاومة للاحتلال الصهيوني، الأمر الذي يعفي سلطات الاحتلال الصهيوني من هذه المهام.

стр. 7987

وكل هذه العناصر إن هي إلا تعبير عن صهيونية عصر ما بعد الحداثة والنظام العالمي الجديد ونهاية التاريخ، فهي تفضل اللجوء إلى التفكيك من خلال آليات غير مباشرة بدلاً من المواجهة القتالية المباشرة (على أن يقوم بهذا الدور أفراد "متطرفون" يمكن التحلل من جرائمهم) . وقد لوحظ أنه مع مذبحة الخليل تم استنفار الجماهير العربية واستعادة الروح الجهادية والذاكرة التاريخية وهو ما يتنافى ومرامي النظام الاستعماري الجديد. ولكن رغم كل هذا يبدو أن البنية الاستيطانية الإحلالية العنصرية للكيان الصهيوني، بما تحتويه من إرهاب حتمي، تجعل توقُّع تلاشي الإرهاب الصهيوني أو حتى احتواؤه دون فك هذه البنية أو التخلص منها أمراً شبه مستحيل. وعلى أية حال صيغت الاتفاقات المتلاحقة بين إسرائيل والقيادة الفلسطينية على نحو يجعل لهواجس الأمن الإسرائيلي أولوية شبه مطلقة. فنصوص أوسلو وما تلاها قد انطوت على تزييف واضح للأدوار التي لعبها الفلسطينيون والإسرائيليون إذ أصبح الفلسطينيون هم الطرف الذي تطارده لعنة الاتهام بممارسة الإرهاب وباتت أعمال المقاومة الوطنية لسلطات الاحتلال تشكل "إرهاباً" وموضع إدانة ومطعوناً في مشروعيتها بمقتضى النصوص التعاقدية بن الجانبين. والجدير بالذكر أن تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية بما في ذلك منظمة العفو كانت قد التفتت مبكراً وفور اتفاقات أوسلو إلى خلو النصوص من الضمانات الأساسية اللازمة لحقوق الفلسطينيين. وجاءت ممارسات إسرائيل على الأرض خلال الفترة الانتقالية (الحكم الذاتي) لتعزيز الاعتقاد بأن الدولة التي لم تعلن تخليها عن عقيدتها الصهيونية العنصرية لم تتجه إلى التفريط في آليات العنف الإرهابي الذي طالما ظلت ولا تزال تعتمده مكوناً أساسياً في تعاملها مع الآخر (الفلسطيني والعربي) .

стр. 7988

ولقد شهدت الشهور القليلة التي تلت اتفاق أوسلو استمرار السلطات الإسرائيلية في أعمال قتل وإصابة الفلسطينيين فوق أراضيهم المحتلة فضلاً عن اعتماد الاعتقال والسجن والتعذيب سياسة مستقرة في التعامل مع الشعب الفلسطيني. وإذا كانت عمليات الإفراج عن أعداد من المعتقلين الفلسطينيين قد اجتذبت جهود المفاوضين واهتمام وسائل الإعلام، فإن تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية اللاحقة على أوسلو تسجل مواصلة حملات الاعتقال الجماعي (ويقول تقرير لمنظمة العفو الدولية ـ استناداً إلى إحصاءات رسمية ـ إن ما يزيد عن ٦ آلاف فلسطيني اعتقلتهم إسرائيل بعد سبتمبر ١٩٩٣ وحتى نهاية عام ١٩٩٤) . وأبقت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بقيادة العمل أو الليكود على نفس القوانين العسكرية العنصرية (التمييزية) ضد الفلسطينيين لتلاحقهم بها أينما ظلت سلطاتها فاعلة في الضفة وغزة والقدس. بل استمر اتجاه السياسات الإرهابية الإسرائيلية نحو المزيد من التشدد حيث اتخذت قرارها في ٥ فبراير ١٩٩٥ بتمديد فترة الاعتقال الإداري في حدها الأقصى من ٦ شهور إلى عام كامل قابل للتجديد.

стр. 7989

ولا يخلو تقرير لمنظمات حقوق الإنسان الدولية بعد أوسلو من رصد إدانة لاتخاذ إسرائيل التعذيب سياسة معتمدة رسمية ضد الفلسطينيين. وفي عام ١٩٩٧ دعا بيان لجنة الأمم المتحدة إسرائيل مجدداً إلى التوقف الفوري عن ممارسة التعذيب. ويلفت النظر أن حكومة رابين التي كانت تلبس ثياب الإيمان بالسلام حاولت إصدار تشريعات خلال عام ١٩٩٥ لإضفاء المشروعية على ممارسة التعذيب ولكنها اضطرت للتراجع تحت ضغط دولي. إلا أن تجذر الإرهاب العنصري داخل المؤسسات الإسرائيلية دفع المحكمة العليا في نوفمبر ١٩٩٦ للإقرار للمحققين الإسرائيليين باستخدام ما وصفه بدرجة محددة من الإجبار والضغط البدنيين للحصول على معلومات من الفلسطينيين وذلك تحت دعوى "أمن إسرائيل" والحق في مكافحة ما وصفته "بالإرهاب الفلسطيني الأصولي ". وكما أسلفنا، كان من المتصور أن تنحسر ممارسات إطلاق النار والاعتقال والسجن والتعذيب وهدم المنازل مع تقلُّص سلطات الاحتلال فوق الضفة والقطاع ومع تقدُّم عملية الحكم الذاتي الفلسطيني، إلا أن آليات العقاب الجماعي شهدت تطوراً في اتجاه ترسيخ أسلوب الحصار والتجويع عن طريق ما يُسمَّى "بالإغلاق الأمني" سواء لكل أنحاء الضفة والقطاع أو لمناطق محددة منهما. وتؤكد خبرة السنوات الماضية منذ توقيع اتفاق أوسلو وبدء إعادة الانتشار الإسرائيلي أن الحكومات بقيادة حزبي العمل أو الليكود تنتهج فرض الحصار والتجويع عقب أية عملية تستهدف الإسرائيليين أو لأغراض الضغط على المفاوض الفلسطيني. ولا يمكن فهم ما يُسمَّى "بالإغلاق الأمني" بمعزل عن الطبيعة الاستعمارية الصهيونية التي تسعى لتحويل مناطق الحكم الذاتي إلى "معازل" على غرار تجربة جنوب أفريقيا العنصرية في السابق.

стр. 7990

كما تقترن سياسة الحصار والتجويع هذه عادةً بتهديدات إرهابية من كبار المسئولين الإسرائيليين بإعادة اقتحام مناطق الحكم الذاتي لشن "عمليات تأديب" داخلها. وبحجة الأمن الإسرائيلي أيضاً يمتد نشاط إرهاب الدولة إلى الدول العربية وذلك في ظل الترويج لمشروع التعاون الشرق أوسطي. وتظل الاعتبارات المتحكمة في المشروع الصهيوني هي السائدة في مواجهة مقاومة الاحتلال. وتجسد حالة لبنان سطوة هذه الاعتبارات الصهيونية إذ لم يتورع شيمون بيريز "مهندس" الشرق أوسطية عن شن عدوان وحشي على لبنان في مارس وأبريل ١٩٩٦وارتكاب مذبحة "قانا". ولعل أكثر الإشكاليات المطروحة بشأن الإرهاب الإسرائيلي بعد أوسلو هي: العلاقة بين الدولة والمستوطنين. ويوحي اغتيال إسحق رابين رئيس الوزراء السابق على يد مستوطن يهودي ـ في سابقة تُعَد الأولى في تاريخ التجمُّع الصهيوني ـ بأن إرهاب المستوطنين يأخذ طابعاً مستقلاً عن الدولة إن لم نقل متحدياً لهيبتها وسياساتها. وربما يعزز ذلك الإيحاء عودة المستوطنين إلى اتخاذ المبادرة في أعمال إرهابية مدوية من قبيل مذبحة الحرم الإبراهيمي بالخليل وإطلاق النار على سوق المدينة نفسها قبيل أيام من التوصل إلى اتفاق إعادة الانتشار بها. وتتجه أنشطة المستوطنين الإرهابية إلى التبلور مرة أخرى في أشكال تنظيمية بعد فترة سابقة من الكمون ورغم قرار الحكومة الإسرائيلية حظر جماعتي كاخ وكاهاناحي، فإن اسمي هاتين الجماعتين وقيادتيهما يعود إلى الظهور في أعمال إرهابية متفرقة ضد الفلسطينيين. ولعل أوضح الأشكال التنظيمية حضوراً بعد اتفاق أوسلو هو ما يُسمَّى "بلجنة الأمن على الطرق" والتي تعود أصلاً إلى عام ١٩٨٨. ولكنها لم تظهر بقوة سوى بعد سبتمبر ١٩٩٣. ويبدو دور هذا التنظيم الاستيطاني ـ الذي يتكون من مجموعات شبه مستقلة عن بعضها ـ متمماً لصيغة الطرق الالتفافية وآلية "الحصار الجماعي".

стр. 7991

ومن الواضح أن مجموعات الأمن على الطرق تحاول بث أقصى درجات الفزع بين الفلسطينيين لإجبارهم على التزام حالة من الوجود الهامشي حيث يتعين عليهم تحت تأثير الفزع التحرك في هامش بالغ الضيق داخل مناطق الحكم الذاتي وحولها. وتعتبر هذه المجموعات أن غايتها هي تكثيف شعور الفلسطينيين بانعدام الأمن والسلامة خارج مناطق أو معازل الحكم الذاتي وتأكيد انفصال هذه (المناطق/المعازل) عن بعضها البعض. وتتغاضى الحكومات الإسرائيلية بقيادة حزبي العمل والليكود عن النشاط الإرهابي لمجموعات الأمن على الطرق. ويدلي قادة هذه المجموعات بتصريحات متكررة عن أنشطتهم الإرهابية لوسائل الإعلام الإسرائيلية دون أن يتلقوا إشارة ردع من السلطات. بل إن هذه التصريحات تحمل الطابع التفاخري الذي بات شهيراً في تاريخ الإرهاب الصهيوني. وإذ كان هناك تصور يقضي بأن المستوطنين يمارسون ضغوطاً على الحكومة الإسرائيلية لقطع الطريق على احتمال إخلاء المستوطنات وأن هذه الضغوط وصلت إلى حد التهديد بالعصيان ضد الحكومة نفسها، فإن علاقة إرهاب المستوطنين بالدولة تظل تميل إلى كونها أقرب إلى علاقات التعاون والتكامل في إطار ثوابت المشروع الصيهوني. وبعد مرور سنوات على اتفاق أوسلو فإن الدولة الصهيونية تُبقي على قوانينها التمييزية العنصرية لصالح مشروعية إرهاب المستوطنين الموجه إلى الفلسطينيين. كما أن الحكومات بقيادة حزبي الليكود أو العمل لم تقترب مطلقاً من محاولة التفكير في المساس بصورة المستوطن اليهودي المسلح. ورغم مذبحة الخليل فإن السلطات الإسرائيلية لم تسع مطلقاً لنزع سلاح المستوطنين، بل يحق التساؤل عن وجود تخطيط مسبق في قرار اتخذته الحكومة الإسرائيلية قبل أسابيع معدودة من اتفاق أوسلو يقضي بتحديث تسليح المستوطنين والسماح بحرية حركة مطلقة في تجولهم بأسلحتهم بالضفة وغزة (القرار صدر في مارس ١٩٩٣) .

стр. 7992

ويؤكد المفكر الباحث الإسرائيلي إسرائيل شاهالو أن ثمة علاقة وثيقة بين الدولة والجيش والمستوطنين في القضايا الأمنية بعد اتفاق أوسلو. كما يرصد التحول في خصائص المستوطن اليهودي من أجل الكيبوتس بوصفه "مزارعاً أو عاملاً مسلحاً" إلى رجل المستوطنات الأمنية والدينية بوصفه "موظفاً ومجنداً لدى جهاز الدولة". فأعتى المستوطنين اليهود تطرفاً هم بالأساس يعملون كموظفين مدنيين أو عسكريين يعيشون على أموال ودعم الحكومة الإسرائيلية. وتقدَّر مع حلول النصف الثاني من التسعينيات نسبة الموظفين التابعين لأنشطة الدولة بين المستوطنين بأكثر من الثلثين. والحكومة الإسرائيلية تبدو بعد أوسلو رهينة لميول المستوطنين المتطرفة والإرهابية ولذا فإنها لم تبد بعد أي استعداد للتخفف بجدية من بعض مهامها القمعية والإرهابية الرسمية ضد الفلسطينيين في ظل التفاوض مع قيادتهم. ومن الواضح أن عمليات الإرهاب المؤسسية، أي التي تقوم بها أجهزة الدولة الصهيونية، لا تزال نشيطة لأقصى درجة، الأمر الذى يتضح في اغتيال الشهيد "المهندس" يحيى عياش، وفي محاولة اغتيال خالد مشعل، من خلال استخدام سلاح لا تزال هويته غير معروفة، وإن كان يبدو أنه من الأسلحة الميكروبية التي تحظر هيئة الأمم استخدامها. ويظل مستقبل الإرهاب الإسرائيلي (دولة ومستوطنين) رهناً بانتزاع الطبيعة الصهيونية، أي الاستيطانية الإحلالية العنصرية، وبتخلي الحكومات الإسرائيلية عن شعار "الأمن اليهودي أولاً" وهو أمر لم تتضح بعد شواهد جدية عليه رغم الاقتراب من انتهاء المرحلة الانتقالية للحكم الذاتي (والمقرر لها خمس سنوات) . وفي ضوء خبرة ما بعد أوسلو يمكن القول بأن حدود وأشكال الإرهاب الصهيوني الإسرائيلي قد انحسرت جزئياً على رقعة الجغرافيا وذلك بحكم تسلُّم الحكم الذاتي لسلطاته في أكثر من بقعة بالضفة والقطاع، ولكن يبقى صحيحاً أن الدوافع التاريخية المزمنة لهذا الإرهاب لم تنتف بعد.

стр. 7993

الجزء الرابع: النظام الاستيطاني الصهيوني الباب الأول: الاستيطان والاقتصاد الاقتصاد الاستيطاني الصهيوني في فلسطين قبل عام ١٩٤٨: أسباب ظهوره Zionist Settler Economy in Palestine before ١٩٤٨: Reasons Leading to Its Emergence لا يُحكَم على اقتصاد أية دولة بالنجاح أو الفشل من خلال معايير اقتصادية عامة وإنما من خلال مشروعها القومي ككل. ففي النظم الرأسمالية يكون المعيار الأساسي عادةً هو الربح ومراكمة الثروة وربما توسيع نطاق الحرية الفردية، وخصوصاً حرية رأس المال. أما في في النمط الاشتراكي فيكون المعيار هو التقدم العلمي والتكنولوجي الذي لا يتناقض مع مفاهيم العدالة الاجتماعية وسيطرة الطبقة العاملة على وسائل الإنتاج حتى لا تنشأ طبقة رأسمالية تفرض أيديولوجيتها. وإسرائيل قد يكون لها كثير من الملامح "الاشتراكية" وبعض الملامح الرأسمالية (الاقتصاد الحر) ، ولكنها لا تنتمي إلى أيٍّ من النمطين، بل تنتمي إلى ما يمكن تسميته «الاقتصاد الاستيطاني» الذي يأخذ أشكالاً متباينة تختلف من مجتمع لآخر، ومع هذا يتسم ببعض السمات الثابتة التي لا تتغيَّر.

стр. 7994

ومن أهم هذه السمات أن الاقتصاد الاستيطاني يعطي الأولوية للاعتبارات الاستيطانية على أية اعتبارات أخرى، بمعنى أنه في حالة تعارُض مقتضيات الرشد الاقتصادي (القائمة على حساب التكلفة الاقتصادية والمردود الاقتصادي) مع النشاط الاستيطاني فإن الأولوية لا تكون للاعتبارات الاقتصادية وإنما لضرورات الاستيطان. وأهم هذه الضرورات الأمن والبقاء المادي، وهذا أمر مفهوم تماماً، فالاعتبارات الاقتصادية تعبير عن الرغبة في النجاح الاقتصادي، بينما يرتبط الأمن بوجود الجيب الاستيطاني نفسه، والنجاح الاقتصادي يأتي في المرتبة الثانية بعد البقاء المادي. ويرتبط بالبقاء المادي البقاء الإثني أو الحضاري والاجتماعي وهو يعنى أن جماعة المستوطنين تود الحفاظ على نفسها كجماعة بشرية مستقلة ذات خصائص مستقلة. وهذا الاستقلال الإثني والاجتماعي مرتبط تمام الارتباط باستمرار جماعة المستوطنين باعتبارها جماعة غازية متفوقة عسكرياً تقوم باستغلال السكان الأصليين وإبادتهم إن لزم الأمر. فهذا الاستغلال يصبح الأساس المعنوي والخلقي الذي يُولِّد الديباجات العنصرية ويبرر عمليات القتل والغزو، وهو يحل مشكلة المعنى بالنسبة للمستوطنين. ولذا تقوم جماعة المستوطنين بعزل نفسها عن السكان الأصليين وتلجأ لشعائر اجتماعية مركبة وقوانين مباشرة لتحقيق هذا الهدف. والبُعدان (الأمني والثقافي) ليسا منفصلين بأية حال فهما وجهان لعملة واحدة. فالاستقلال الثقافي والحضاري وما يؤدى له من عزلة وما يصاحبه من عمليات استغلال وقهر للآخر تستجلب العداء الذي يؤدي إلى تفاقم المشكلة الأمنية. وتؤدي المشكلة الأمنية بدورها إلى تعميق العزلة الثقافية فالاجتماعية.

стр. 7995

يؤدي هذا الوضع إلى إفراز أهم سمات الاقتصاد الاستيطاني، أي جماعيته وعسكريته (التي يسمونها في الخطاب الصهيوني «التعاونية الاشتراكية» ) . ففي داخل هذا الإطار من العزلة ومع سيطرة الهاجس الأمني يصبح وضع المستوطن بمفرده في مواجهة البيئة الطبيعية والإنسانية المعادية أمراً مستحيلاً، إذ لابد من حشد الجهود البشرية والمادية، ولابد من التنظيم الاقتصادي والعسكري. وهذا ما فعله المستوطنون الصهاينة، فقد حوَّلوا أنفسهم إلى جماعة استيطانية متماسكة منظمة عسكرياً تستبعد العرب، وقاموا بتطوير مؤسسات "اقتصادية" وزراعية لا تخضع لمقاييس الرشد الاقتصادي ولا تنبع من مفهوم الجدوى الاقتصادية وتهدف إلى تكثيف جهود الأفراد وتجميع مصادرهم البشرية (المزارع الجماعية ـ الهستدروت) ، وطوَّروا مجموعة من المفاهيم ذات الطابع الجماعي التي لا تكترث بالعائد الاقتصادي (العمل العبري ـ اقتحام الأرض والعمل والحراسة والإنتاج (. وكما صرح أحد الزعماء الصهاينة، فإن المشروعات الناجحة هي أقل المشروعات نفعاً من الناحية الاستيطانية (لاعتمادها على العمل العربي والمستهلك العربي ولصعوبة الدفاع عنها ... إلخ) . أما المشروعات الصهيونية الخاسرة مالياً، فهي أكثرها نفعاً لانفصالها الكامل ولاعتمادها على العمل العبري والسوق العبرية، أي أنها النواة الحقيقية للدولة الصهيونية المنفصلة.

стр. 7996

وجماعية هذا الاقتصاد أو "تعاونيته" تعبير عن ضرورات الاستيطان العسكرية الأمنية وليست تعبيراً عن رؤية إنسانية ترى أسبقية المجتمع على الفرد والعدالة الاجتماعية على الربح. ولذا نجد أن كل المجتمعات الاستيطانية، وخصوصاً الإحلالية، تأخذ هذا الشكل الجماعي في التنظيم في مراحل الاستيطان الأولى. فالبيوريتان (المتطهرون) المستوطنون الأوائل في الولايات المتحدة كانوا أصحاب واحدة من أكثر الأيديولوجيات الرأسمالية البروتستانتية تطرفاً في فرديتها، ومع هذا نظموا أنفسهم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً بشكل جماعي، ففي مواجهة السكان الأصليين كان عليهم أن يفعلوا هذا. بعد أن تناولنا السمة الأساسية للاقتصاد الاستيطاني (الجماعية) والسبب الأساسي لظهورها (الهاجس الأمني) قد يكون من المفيد الإشارة إلى بعض العناصر المقصورة على المشروع الصهيوني التي دعمت من هذه الجماعية وغلَّبت الاعتبارات الاستيطانية على اعتبارات الجدوى الاقتصادية: ١ ـ ينظر التشكيل الإمبريالي الغربي إلى الدولة الصهيونية باعتبارها قاعدة عسكرية متقدمة بالدرجة الأولى، ومركزاً استثمارياً بالدرجة الثانية. ولذا فالاعتبار العسكري بالنسبة للقوة الراعية كان أكثر أهمية من الاعتبارات الاقتصادية. ٢ ـ تقوم الدولة الصهيونية والمنظمة الصهيونية "العالمية" بجمع التبرعات من يهود العالم، وهذه التبرعات، شأنها شأن الدعم الغربي، تصب في المُستوطَن الصهيوني من خلال مؤسسات الدولة المختلفة. ٣ ـ الدولة الصهيونية دولة وظيفية تتمتع بالدعم السخي الذي يقدمه التشكيل الإمبريالي الغربي، الذي كان يصب في المُستوطَن الصهيوني من خلال مؤسسات الدولة الصهيونية مما يعني تقوية قبضتها وتقوية جماعية الاقتصاد.

стр. 7997

٤ ـ مما ساعد على تقوية الجانب الجماعي الاقتصادي الصهيوني ظهور النازية في ألمانيا إذ تم عقد معاهدة الهعفراه بين الصهاينة والنازيين التي أدت إلى تدفُّق كثير من المهاجرين اليهود الألمان ورؤوس الأموال على هيئة بضائع ومعدات قدمتها ألمانيا النازية إلى المستوطنين في فلسطين. وبعد قيام الدولة الصهيونية دفعت ألمانيا مبالغ طائلة كتعويضات للدولة الصهيونية عما لحق باليهود من أذى. وكل هذه المعونات تقوي شوكة الدولة والاقتصاد الجماعي. ٥ ـ طرحت الدولة الصهيونية نفسها على مستوى الديباجة بوصفها دولة يهود العالم، أما على مستوى البنية فهي دولة استيطانية تحتاج دائماً لمادة بشرية للقتال والاستيطان، ومن ثم فلابد أن تفتح أبوابها للمهاجرين حتى لو تناقض ذلك مع مصالحها الاقتصادية المباشرة. وتوجد أسباب خاصة بطبيعة المادة البشرية اليهودية التي تم نقلها (أي المستوطنين الصهاينة) دعمت النزعة الجماعية: ١ ـ كانت المادة البشرية التي سيتم نقلها من أوربا تحتاج إلى عملية تحديث وتطبيع (من المنظور الصهيوني) ، أي شفاؤها من أمراض المنفى مثل الطفيلية والاشتغال بأعمال السمسرة والمضاربات، أي أنه كان المطلوب تحويل يهود الجيتو إلى شعب منتج يسيطر على كل المراحل الإنتاجية ويحقق لنفسه السيادة الاقتصادية والسياسية. كما أن عملية التحديث هذه كانت تعني في واقع الأمر تحويل يهودي الجيتو (السمسار المرابي) صاحب رأس المال الربوي الذي يستخدمه في عملية استغلال الشعوب (لصالح الأمير أو الحاكم) إلى المستوطن المقاتل الذي يحمل السلاح ضد السكان الأصليين ويقمعهم لصالح القوة الإمبريالية الراعية. وعمليات التحديث هذه كانت تتجاوز معايير الجدوى الاقتصادية، وتتطلب توليد روح جماعية في يهود الجيتو.

стр. 7998

٢ ـ كان معظم المستوطنين الصهاينة من طبقة البورجوازية الصغيرة أو البروليتاريا الرثة التي صعَّدت حركة الإعتاق أحلامها الطبقية على حين ضيَّقت الرأسماليات المحلية عليها الخناق، الأمر الذي جعلها مهددة دائماً بالهبوط إلى مستوى البروليتاريا. فكانت الصيغة التعاونية وسيلة تحقق قدراً من أحلامهم الطبقية بتحويلهم إلى ملاك زراعيين. ورغم أن الملكية لم تكن كاملة ولا فردية، إلا أنها مع هذا كانت نوعاً من الملكية يُشبع طموحهم الطبقي. فهم لم يصبحوا مجرد أجراء، والمالك لم يكن شخصاً معيناً وإنما شخصية معنوية تُسمَّى «الشعب اليهودي» . وقد كان لهذه الملكية الصورية أثرها الكبير في تثبيت كثير من المستوطنين في أملاكهم "التعاونية" الجديدة رغم الظروف المعادية. ٣ ـ كان من العسير إصدار الأوامر للمستوطنين وكان من الصعب عليهم تقبلها والانصياع لها، بحكم خلفيتهم الطبقية، ولذا كانت الصيغة التعاونية مناسبة لأقصى حد. ٤ ـ كان كثير من المستوطنين الصهاينة يحملون أفكاراً وديباجات اشتراكية متطرفة كان لابد من تفريغها وتسريبها. وقد تم ذلك من خلال الاقتصاد الجماعي العسكري، الذي سُمِّي «تعاونياً اشتراكياً» واستُخدمت الديباجات الاشتراكية المتطرفة في تبريره. ٥ ـ كان المهاجرون اليهود الجدد يأتون من وسط هامشي ولم تكن لهم خبرة بالزراعة، وبالتالي كانوا دائماً في حاجة إلى مساعدة وإشراف فنيين، ولهذا أمكن تدريب المزارعين الجدد على أيدي المزارعين ذوي الخبرة داخل إطار الاقتصاد الجماعي.

стр. 7999

٦ ـ كان مجتمع المستوطنين الصهاينة (ولا يزال إلى حدٍّ كبير) مجتمع مهاجرين. ومجتمع المهاجرين يتسم بسيولة كبيرة، فبعد استقرار فريق من المهاجرين كان كثير منهم يترك الأرض بعد قليل ليذهب إلى الولايات المتحدة حيث توجد فرص أفضل للعمل ومستوى معيشي أعلى. وقد تمكَّن الصهاينة من التغلب على هذه الصعوبة عن طريق الصيغة الجماعية لأن انسحاب بعض المزارعين لم يكن يعني التوقف الكامل للعملية الإنتاجية (الأمر الذي كان يمكن أن يحدث في حالة الملكية الفردية) وكانت الحركة الصهيونية تقوم باستبدال مهاجر آخر بمن ترك الأرض. ٧ ـ أثبتت الصيغة الجماعية أنها أفضل الصيغ لاستيعاب المهاجرين الجدد، فهي قادرة على إيجاد أعمال ووظائف لهم، لأن المزارع التعاونية والتنظيمات الجماعية الأخرى كانت تشمل كل جوانب الحياة. كما ساهم التنظيم الجماعي في تخفيف حدة الصراعات العرقية داخل جماعات المستوطنين. فكل مهاجر كان ينضم للتنظيم التعاوني الذي تسود فيه قيمه الحضارية ويسيطر عليه بنو جلدته من رومانيين أو روس أو بولنديين وهكذا.

стр. 8000

وقد أدرك القائمون على المنظمة الصهيونية والوكالة اليهودية هذه الحقيقة وأن الطريقة الوحيدة المتاحة أمام المشروع الصهيوني ليس مجرد الاستيلاء على الأرض وإنما إدارته على أساس جماعي عسكري. ولذا فرغم أن اتجاهاتهم الأيديولوجية كانت رأسمالية ليبرالية تؤمن بالاقتصاد الحر إلا أنها قبلت عملية التنظيم الجماعي هذه (التعاونية الاشتراكية) وقامت بدعمها وتمويلها بلا تردد ودون التقيد بأية اعتبارات اقتصادية أو أيديولوجية خارجية. فكانت الوكالة اليهودية تقوم بشراء الأرض (من سلطات الانتداب أو بعض الإقطاعيين العرب المقيمين خارج فلسطين أو من خلال وسطاء) باسم «الشعب اليهودي» وتؤجرها لتعاونية عمالية تدفع أجور العمال فيها حسب ما تنتجه كل مجموعة، وعيَّنت مديراً لكل تعاونية من قبَل المنظمة الصهيونية. وقد حل هذا الشكل من الزراعة كثيراً من مشاكل الاستيطان الصهيوني، فعلى سبيل المثال، يستطيع تجمُّع المستوطنين أن يُقسِّم نفسه إلى مجموعتين، تقوم واحدة بالزراعة والأخرى بالحراسة ومطاردة العرب وإرهابهم (والزراعة الصهيونية التي نسميها «الزراعة المسلحة» مرتبطة تمام الارتباط بالعسكرية الصهيونية، بحيث لا يمكن الفصل بينهما، فهما وجه واحد لعملية الاستيطان والاستيعاب) . كما أن الحركة الصهيونية تستطيع أن تموِّل هذه التجمعات بحيث لا تؤدي عدم إنتاجيتها، بسبب جهل المستوطنين بشئون الزراعة، إلى سقوط الأرض مرة أخرى في يد العرب. أما المستوطنات التي تمنى بالخسائر الفادحة، فكانت المنظمة الصهيونية تقوم بدفع خسائرها، كما أن المستوطنة الجماعية التي يتلقى أعضاؤها أجرهم من المنظمة الصهيونية العالمية لن تحتاج للعمالة العربية الرخيصة.

стр. 8001

وقد انتصر الاقتصاد الاستيطاني مع صعود الأحزاب العمالية إلى مواقع القيادة الصهيونية بانتصار جناح وايزمان في مؤتمر الحركة الصهيونية الذي عُقد في لندن سنة ١٩٢١، وتمكنت الأحزاب العمالية من السيطرة على رأس المال اليهودي العام الموجود في تصرُّف الحركة الصهيونية، على أساس أن ذلك يتيح لها فرصة تأسيس اقتصاد عمالي، أي استيطاني، قادر على إخضاع رأس المال الخاص ليعمل وفق أهداف بناء الدولة الصهيونية "الجماعية". واستطاعت الأحزاب العمالية إيجاد خطة لجذب المهاجرين الشبان. وقد سيطر الهستدروت على الأنشطة الاقتصادية كافة وحدَّد مهامها بأنها توحيد العمال المستخدمين، وإنشاء كتائب العمل وجماعات الزراعة والحرث واستقبال المهاجرين. وكان تأسيس الهستدروت استمراراً لنفس الاستجابة لمعضلة الاقتصاد والأيديولوجيا الاستيطانية. فالهستدروت لم ينشأ للتعبير عن مصالح طبقة عاملة يهودية تبلورت في فلسطين وإنما أداة لخلق هذه الطبقة، ونواة للاقتصاد العمالي. كما أنه بامتلاكه العديد من المشروعات كان يسعى لتكوين علاقة خاصة جداً مع رأس المال الخاص، وهو ما عبَّر عنه بن جوريون بقوله: "إننا لا نسعى لمشاركة العمال في أعمال يديرها رأس المال الخاص ويشترك العمال في أرباحها، وإنما على العكس نسعى لمشاركة رأس المال الخاص في أعمال يديرها العمال ويشرف الهستدروت عليها، ويأخذ رأس المال الخاص نسبة ثابتة من أرباحها".

стр. 8002

وتبدَّى عنصرا الجماعية والأمن باعتبارهما أهم أسس الاقتصاد العمالي في تنظيم الكيبوتس على أسس شبه عسكرية لتفريخ المُستوطن المقاتل، وقد تم تأسيس الهاجاناه بعد تأسيس الهستدروت بعام واحد، وتم تدريب عشرات الآلاف من أعضائها. ثم تأسست بعد ذلك قوتها الضاربة البالماخ عام ١٩٤١ لتأدية المهام الصعبة. وكان معظم أعضائها مرتبطين بالكيبوتس، وخصوصاً تلك الكيبوتسات التابعة للحزب الصهيوني ذي الديباجة اليسارية: المابام. وكانت الهاجاناه ضمن مسئولية الهستدروت، وضباطها في معظمهم مسئولون فيه، واعتبرت بمنزلة الجناح العسكري للمجتمع الجديد لتقوم بمهام الحماية وتوفير الأمن للاقتصاد الاستيطاني العمالي. الاقتصاد الاستيطاني الصهيوني في فلسطين المحتلة بعد عام ١٩٤٨ Zionist Settler Economy in Occupied Palestine after ١٩٤٨ لم يختف الهاجس الأمني (الاستيطاني) بطبيعة الحال بعد عام ١٩٤٨، بل ربما ازداد حدة. وقد تطلَّب هذا استمرار الصيغة الجماعية (التعاونية العمالية) وتهميش الاعتبارات الاقتصادية وتخصيص موارد اقتصادية هائلة لحراسة الحدود لضمان استمرار السيطرة الصهيونية على الأرض والسكان الأصليين واستيعاب المهاجرين الجدد وإعادة تأهيلهم وإتمام المشروع الصهيوني بما يتطلبه من تَوسُّع جغرافي ومحاولة التوصل إلى الحدود الآمنة بشكل نهائي وتحديث الجيش الإسرائيلي وتزويده بكل الأسلحة التي يحتاجها وبناء صناعة سلاح ذات تكنولوجيا عالية متطورة. وقد تمكنت الأحزاب العمالية من تأسيس نظام اقتصادي تقوم فيه الدولة بالإشراف والتخطيط المركزي الذي يشمل مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية كافة، كما أنها تشرف على كل مجالات النشاط الاقتصادي عَبْر سياساتها الضريبية والنقدية والمالية، وعَبْر سياسة التشجيع والدعم حتى أنه يمكن القول بأن دور الدولة في الاقتصاد الإسرائيلي أكبر من دور أية دولة أخرى في اقتصادها، عدا الدول الشيوعية.

стр. 8003

وقد ظل نموذج الصهيونية العمالية، وقوامها الهستدروت، المَعْلم الأساسي للاقتصاد العمالي في فلسطين قبل عام ١٩٤٨، ثم للاقتصاد الإسرائيلي بعد قيام الدولة، إلى أن بدأ اهتزاز هذا النموذج مع الأزمة الاقتصادية التي بدأت في أعقاب عام ١٩٧٣، وبلغت ذروتها في منتصف الثمانينيات معلنة عن انتهاء قدرة هذا النمط من الإدارة الاقتصادية على الاستمرار وتجاوز أزماته. الاقتصاد العمالي Labour Economy «الاقتصاد العمالي «مصطلح يكاد يكون مترادفاً مع مصطلح «الاقتصاد الاستيطاني الصهيوني» . ونحن نذهب إلى أن ثمة نمطاً عاماً من الاقتصاد الاستيطاني يوجد في كل الجيوب الاستيطانية سمته الأساسية هي الجماعية والعسكرية. هذا النمط يترجم نفسه إلى أشكال مختلفة ولكن الجوهر يظل واحداً. وفي حالة المشروع الاستيطاني الصهيوني أخذ الاقتصاد الاستيطاني شكل الاقتصاد العمالي أو التعاوني الاشتراكي ذي الديباجات الاشتراكية للأسباب التي بيناها في مدخل «الاقتصاد الاستيطاني الصهيوني في فلسطين قبل عام ١٩٤٨: أسباب ظهوره» . الرواد الصهاينة (حالوتسيم ـ المسكوب ( Zionist Pioneers (Halutzim; Maskoub) «الرواد» ترجمة للكلمة العبرية «حالوتسم» ومفردها «حالوتس» أي «رائد» . ويُطلَق المصطلح في الكتابات الصهيونية على الصهيوني الذي يهاجر إلى فلسطين ويستوطن فيها ثم يكرس نفسه لبناء المُستوطَن الصهيوني. أما الفلسطينيون العرب فقد أطلقوا عليهم اسم «المسكوب» أي الوافدون من «مسكوبا» أي «موسكو» .

стр. 8004

والرواد جماعة من المستعمرين الاستيطانيين الذين يدورون في إطار الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة بعد مزجها بالديباجات الشعبوية الروسية الخاصة بالعودة للشعب العضوي (الفولك) والأرض ورفض الطموحات المادية والمصلحة الذاتية وإيثار العمل اليدوي، الذي قد يأتي بعائد مادي منخفض، عن الأعمال غير اليدوية التي قد تأتي بالنجاح المادي البورجوازي، ولذا فهم يحلمون بمجتمع جماعي اشتراكي مفعم بروح التعاون. كان الرواد يرفضون حياة اليهود في العالم (الدياسبورا) كما خبروها في شرق أوربا، كما كانوا يرفضون الاندماج في مجتمعاتهم الأصلية. وقد ذهبوا إلى أنه لا يمكن حل المسألة اليهودية في شرق أوربا إلا على أساس عودة اليهود إلى فلسطين كي يطهروا أنفسهم عن طريق اقتحام الأرض والعمل والحراسة والإنتاج وتَعلُّم اللغة العبرية والتمسك بالتراث اليهودي. وقد ارتبطت حركة الريادة بالتنظيمات العسكرية الصهيونية ومزارع الكيبوتس (التي يُعَدُّ الانضمام لها ذروة تَحقُّق المثل الأعلى الريادي) ، فالريادة هي في نهاية الأمر الزراعة المسلحة التي تهدف إلى تحقيق الاستيطان الإحلالي في فلسطين على حساب الفلسطينيين. وبالتالي، فإن الزراعة المسلحة التي يعمل بها الرواد هي في واقع الأمر الطريقة الصهيونية لتجنيد بعض الشباب اليهودي الثوري من شرق أوربا وتحويلهم إلى مستوطنين يحلون محل الفلسطينيين. وصورة الرائد هي الصورة التي شكَّلت الوجدان الصهيوني العمالي الاستيطاني. والمجتمع الإسرائيلي كان مجتمع مستوطنين يظنون أنفسهم رواداً حتى عام ١٩٦٧. وبعد ذلك التاريخ، تغيَّرت الصورة كثيراً. فمع تَزايُد معدلات العلمنة وتَصاعُد أزمة الصهيونية، تراجعت صورة الرائد التقليدية وحلت محلها صورتان:

стр. 8005

١ ـ صورة المُستوطن الباحث عن اللذة الذي لا يكترث بأية ديباجات دينية أو إنسانية، فهو شخص لا ينعت نفسه بصفة الرائد ولا يدعي أنه يُحوِّل الصحراء إلى أرض خضراء أو يحمل المحراث بيد والبندقية بالأخرى (كما كان الزعم والادعاء) . وهو يرفض التقشف والتضحية بالذات، فهو شخص يبحث عن رفع مستواه المعيشي وعن المزيد من الاستهلاك ويحلم بالحياة في مجتمع تتحكم فيه آليات المشروع الحر وتتدفق عليه المعونات الأمريكية. وقد تَحوَّل الكيبوتس نفسه من مجتمع صغير يبلور قيمة التقشف إلى مكان يتمتع فيه أعضاء النخبة الإشكنازية بالترف والرفاهية. وقد أصبحت المستوطنات الجديدة مزودة بكل أشكال الترف الحديث، كما أن الجيش الإسرائيلي أصبح يزودها بالحماية. ٢ ـ صورة المُستوطن الملتحي الذي يستوطن الأرض الفلسطينية باسم الحقوق اليهودية المقدَّسة المطلقة والصهيونية الحلولية العضوية. والواقع أن الهجرة اليهودية السوفيتية الأخيرة جاءت بالآلاف من الحالمين بالصورة الأولى ومن اتباع ما نسميه «الصهيونية النفعية» . منظمات الرواد Halutzim Organizations

стр. 8006

ظهر عديد من المنظمات الصهيونية التي كانت تهدف إلى وضع رؤية الرواد الخاصة بالزراعة المسلحة واقتحام الأرض والعمل والحراسة والإنتاج موضع التنفيذ. وكان مناحم أوسيشكين من أوائل المنادين بتكوين مثل هذه التنظيمات التي يلتزم أعضاؤها بالذهاب إلى فلسطين للعمل لمدة ثلاث سنوات كنوع من أنواع الخدمة العسكرية للشعب اليهودي، على أن يكون سلاحه المجراف والمحراث وليس السيف أو البندقية (وهو ما يدل على جهله التام بحقائق الاستيطان الإحلالي الذي يتَطلَّب السيف قبل المجراف والبندقية قبل المحراث) . وقد نشأت جمعيات في الولايات المتحدة وجنوب روسيا وبولندا ورومانيا تحت أسماء مختلفة. وأولى هذه المنظمات كانت منظمة البيلو للاستيطان في فلسطين ومنظمة عم عولام للاستيطان والهجرة إلى الولايات المتحدة. وظهرت المنظمات في كل مكان، فأسَّس بن جوريون واحدة في الولايات المتحدة عام ١٩١٥ حينما كان هناك، وأسَّس ترومبلدور منظمة في روسيا عام ١٩١٩. وقد اكتسبت منظمات الرائد قوة غير عادية مع صدور وعد بلفور الذي حوَّل الفكرة الصهيونية إلى مشروع محدد قابل للتنفيذ من خلال آلية الإمبريالية، فتزايد عدد المنظمات. ولكن نشوب الثورة البلشفية أدَّى إلى تأثير معاكس، وخصوصاً أن كثيراً من أعضاء جماعات الرواد هم من الشباب الثوري الذي أصبح بوسعه التعبير عن تَوجُّهه الثوري من خلال التجربة السوفيتية.

стр. 8007

وقد عُقد مؤتمر لمنظمات الرواد في الاتحاد السوفيتي عام ١٩١٨، ويُعَد ترومبلدور الأب الفعلي والروحي لهذه المنظمات، وقد أصبح المثل الأعلى بعد مقتله على يد المقاومة العربية عام ١٩٢٠. ثم عُقدت عدة مؤتمرات بعد ذلك. وقد أصدر المؤتمر المنعقد عام ١٩٢٣ قراراً بأن جماعات الرواد جزء عضوي من كل من الطبقة العاملة اليهودية وطبقة البروليتاريا العالمية وأكد حتمية الصراع وأن المنظمة ستحارب ضد الرأسمالية في كل أشكالها وأن كل عضو يرفض فكرة الكيبوتس وينضم إلى موشاف عوفديم لن يسمح له بالانضمام لبرامج التدريب. وقد تم تبنِّي هذه القرارات في أغسطس ١٩٢٣، وانقسمت منظمات الرواد إلى شرعيين وغير شرعيين، إذ طالب الشرعيون بالصراع الطبقي الأممي والحياة الجماعية، بينما ذهب غير الشرعيين إلى أن هناك حركة عمالية يهودية مستقلة. وقد شهد عام ١٩٢٦ نجاح التجربة السوفيتية في توطين اليهود وتحويلهم إلى عنصر منتج في الوقت الذي كان فيه الاستيطان في فلسطين يعاني أزمة، وانتهى الأمر بأن سحبت السلطات السوفيتية اعترافها بجمعية الرواد عام ١٩٢٨ وألقت أعضاءها في السجن. وقد أُسِّست منظمات للرواد في وسط أوربا والولايات المتحدة وغيرها من البلدان. ويُلاحَظ أن صعود النازي للسلطة لم يَعُق نشاطها، فالنازيون لا يمانعون في أية نشاطات تؤدي إلى إفراغ أوربا من اليهود والنشاط الصهيوني الاستيطاني يؤدي إلى ذلك. ومما يلفت النظر أن منظمات الرواد لم يكن لها فروع في اليمن أو البلاد العربية التي كانت تضم أقليات يهودية ذات طابع عربي، بل انصب نشاطها على اليهود الإشكناز أو اليهود العرب ذوي الطابع الأوربي مثل بعض قطاعات اليهود في مصر وسوريا.

стр. 8008

وقد ارتبطت منظمات الرواد من البداية بفكرة الغزو المسلح لفلسطين. فقد حارب كثير من الرواد مع الفيلق اليهودي عام ١٩١٧، وكان هذا ترجمة عملية لتفكير بن جوريون في تكوين جيش من العمال يسير إلى فلسطين ليحررها للشعب اليهودي. وفي عام ١٩١٩، حضر ترومبلدور مؤتمراً لجمعيات الرائد، وكان قد فَقَد الأمل في تكوين جيش قوامه مائة ألف يهودي في روسيا ليهاجم فلسطين ويستوطنها، وطالب بإنشاء جيش قوامه عشرة آلاف جندي من الرواد ليحل محل الحامية الإنجليزية. وعند اندلاع الحرب العالمية الثانية، كان عدد أعضاء منظمات الرواد ١٠٠ ألف. وقد نشر الهستدرت إحصاءً عام ١٩٢٧ يقول إن ٤٣% من كل العمال في فلسطين و٨٠% من أعضاء الكيبوتس تم تدريبهم في جمعيات الرواد قبل استيطانهم فلسطين. وقد تَوقَّف نشاط الجمعيات مع تأسيس الدولة الصهيونية. وفي الوقت الحالي، تتبع كل حركات الشباب الصهيونية قسم الشباب والحالوتس في المنظمة الصهيونية. الحركة التعاونية Cooperative Movement «الحركة التعاونية» هي أهم تعبير عن الصهيونية العمالية، وتعود جذور الفكر التعاوني الصهيوني إلى الفكر التعاوني الغربي والفكر الشعبوي الروسي وإلى أوضاع أعضاء الجماعات اليهودية في شرق أوربا، وخصوصاً في مرحلة التحديث المتعثر حيث تأزَّم وضعهم باعتبارهم بقايا جماعة وظيفية فقدت دورها التقليدي. وقد أُسِّست الحركة التعاونية اليهودية كمحاولة لتركيز قوى صغار التجار والمموِّلين اليهود حتى يمكنهم التصدي للمنافسة، ومن ثم فهي لم تكن حركة احتجاج على المجتمع التنافسي التعاقدي الذي أسسته الرأسمالية بقدر ما كانت آلية للبقاء داخله ولتحسين فرص التنافس.

стр. 8009

وقد بدأت الحركة التعاونية اليهودية في روسيا بين الحرفيين اليهود الذين كوَّنوا جمعيات تعاونية تمنحهم تسهيلات ائتمانية تساعدهم على شراء الأدوات التي يستخدمونها وعلى تخزين منتجاتهم وعلى التأمين على حياة الأعضاء. وقد ساهم الأثرياء من اليهود الأمريكيين والألمان في تحويل هذه التعاونيات كجزء من محاولتهم تحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج (كما يقول الاصطلاح الصهيوني) وذلك حتى لا تزداد الهجرة من شرق أوربا إلى بلاد الغرب، الأمر الذي كان يهدد مصالحهم الاقتصادية ووضعهم الاجتماعي. وقد انتشرت التنظيمات التعاونية في روسيا حتى أصبحت تضم ٤٠٠ ألف عضو (يعولون حوالي مليون ونصف مليون شخص، أي حوالي ثُلث يهود روسيا في ذلك الوقت) . ومما له دلالة أن هذه التعاونيات كانت مُقسَّمة على النحو التالي: ٣٦% تعاونيات صغار التجار ٣٢% صناع مهرة ٧.٥% فلاحون ٢% عمال ٢١.٥ % تعاونيات مختلفة أي أن الحركة التعاونية اليهودية في روسيا كانت أساساً حركة لحل مشاكل الطبقة البورجوازية الصغيرة، ونشأت في هذه التربة. والقول نفسه ينطبق على الحركة التعاونية في بولندا التي كانت تضم خُمس يهود بولندا (وقد تركت هذه النشأة البورجوازية الصغيرة أثرها في بناء الحركة التعاونية للصهيونية الاستيطانية فيما بعد) . وقد نقل المستوطنون اليهود في الأرجنتين نمط التنظيم التعاوني معهم إلى وطنهم الجديد (دون أية ادعاءات عقائدية أو مثالية بشأنها) فأنشأوا تعاونيات زراعية، ولكن لم يُقدَّر لها النجاح أو الانتشار (وهي آخذة في الاختفاء التدريجي) نظراً لانصراف المستوطنين في الأرجنتين عن الزراعة إلى الأعمال التجارية، ومن ثم فقد أسسوا تعاونيات مصرفية، إن صح التعبير، فساهم أكثر من ١٥ ألف يهودي في تأسيس تعاونية البنك التجاري عام ١٩١٧ وبنك الشعب اليهودي عام ١٩٢١.

стр. 8010

ومن أطرف الأشكال التعاونية، تعاونية الباعة الجائلين اليهود التي كانت تأخذ شكل مخازن مفتوحة في كل المدن التي يذهب إليها البائع اليهودي الجائل. فإذا كان البائع عضواً في التعاونية تَوجَّه إلى المخزن التعاوني وأخذ ما يريد من بضائع بشروط ائتمانية سهلة. كما أن وجود المخازن في معظم المدن أعفى البائع المتجول من مشقة حمل بضائعه معه أينما ذهب واكتفى بحمل عينات من السلع فحسب، فإذا ما باع كمية من السلع تَوجَّه إلى المخزن وحصل على الكمية المطلوبة ووردها للزبون. وقد تطوَّر هذا الأسلوب بحيث اكتفى البائع المتجول بعرض العينة على الزبون على أن يتوجه الأخير بنفسه إلى المخزن التعاوني، وهذا لا يختلف كثيراً عن الطريقة الشائعة في الولايات المتحدة وأوربا للبيع بالكتالوج. وهذه التعاونيات التجارية منظمات رأسمالية في بنائها وحركياتها وأغراضها، ولكنها تستخدم أساليب تعاونية باعتبار أن الأسلوب التعاوني هو أكثر الأساليب ملاءمة للمستوطنين اليهود في الأرجنتين الذين يريدون ممارسة نشاط رأسمالي، ولكن حجم رأس مال كل منهم على حدة يحول دون ذلك. وقد استمرت بعض التعاونيات اليهودية بعد الثورة السوفيتية، وبعد وصول الشيوعين للحكم في بولندا. وكان الغرض من التعاونيات في الإطار الاشتراكي الجديد هو إعادة تدريب اليهود مهنياً حتى يكتسبوا من الخبرات ما يؤهلهم للاندماج في المجتمع إذ يبدو أن ما يُسمَّى «هامشية اليهود» قد استمرت حتى الثلاثينيات في الاتحاد السوفيتي وحتى الخمسينيات في بولندا.

стр. 8011

ولا تختلف الحركة التعاونية الصهيونية في فلسطين في جذورها التاريخية ولا في رؤيتها عن الحركة التعاونية اليهودية في أوربا. فالحركة التعاونية الصهيونية كانت متأثرة بأفكار سيركين وجوردون وبوروخوف وأوبنهايمر. وقد تحدَّث سيركين وجوردون عن العمل الجماعي اليهودي كوسيلة لنبذ الهامشية والطفيلية ولاكتساب هوية جديدة يهودية منفصلة. ولذلك ترجمت هذه الأيديولوجية نفسها إلى مفاهيم عنصرية مثل مفهوم اقتحام الأرض والعمل والحراسة والإنتاج ومفهوم العمل العبري. أما أوبنهايمر فقد قنَّن هذه التعاونية الانفصالية، إن صح التعبير، فقد كان من المطالبين بما كان يسميه «الاستعمار الكبير» الذي كان يعني الاستيلاء على كل الأرض الفلسطينية بشكل جماعي على عكس «الاستعمار الصغير» الذي يقوم على أساس دعم أثرياء الغرب والتسلل. والاستعمار الكبير لن يتم إلا عن طريق إنشاء شبكة من المستعمرات الزراعية والقرى التعاونية على أساس الاعتماد الذاتي، إذ لا بقاء لليهود في فلسطين إلا بالزراعة وإقامة اقتصاد زراعي وتكوين طبقة من الفلاحين والمزارعين لضمان استقرار المدن اليهودية. وقد طالب أوبنهايمر بأن تظل الأرض كلها ملكاً أزلياً للشعب اليهودي كما طالب بإحياء القوانين الزراعية لإسرائيل القديمة بعد تجديدها، وإدخال قوانين السنة السبتية وسنة اليوبيل. وطالب أوبنهايمر بعدم السماح بقيام سلطة قوية لكبار الملاك لأن هذه السلطة في عرقلتها تطبيق القانون كانت لها اليد الطولى في انهيار الدولة العبرانية القديمة، أي أن أوبنهايمر كان يؤيد الحركة التعاونية كاستمرار للتقاليد الدينية وكترجمة لمطامح الشعب اليهودي في الانفصال وفي ممارسة شعائره الدينية التي هي من أهم مظاهر انفصاله.

стр. 8012

وإذا كانت هذه هي التبريرات النظرية للحركة التعاونية الصهيونية، فهي تعتبر ديباجات تبرر ظاهرة برزت بشكل برجماتي لم تَدخُل النظرية في تشكيله. فقد ظهرت أولى التعاونيات الصهيونية في فلسطين كامتداد طبيعي واستمرار تلقائي للتعاونيات اليهودية في شرق أوربا وهي التعاونيات التي كانت قد ظهرت كوسيلة عملية لتحسين دخول الأعضاء فيها (وليس كمحاولة اشتراكية بدائية من جانب العمال المُستغَلين للوصول لصيغ تنظيم اقتصادية جماعية تراحمية تختلف عن الصيغ الرأسمالية السائدة والمبنية على التنافس والتناحر والاستغلال) . ومن المُلاحَظ أن التعاونيات اليهودية الأولى التي نشأت في فلسطين كانت تعاونيات استهلاكية، كما كانت هناك تعاونيات تسويقية، وتعاونيات عمالية تقيم للعمال مطابخ ومغاسل ونوادي لأن معظمهم كان مُقتلَعاً من تربته خارج أي بناء أسري. ومن أشهر التعاونيات العمالية التنظيم التعاوني لعمال البناء الذي كان يتفاوض مع الزبائن والمؤسسات من أجل الحصول على عقود البناء (وهذه التعاونيات هي التي تحولت فيما بعد إلى أشهر شركة يملكها الهستدروت وهي شركة سوليل بونيه للبناء) . وإلى جانب كل هذا، كانت هناك تعاونيات لصغار الملاك الزراعيين للمساهمة في زراعة الأرض وتسويق المنتجات الزراعية.

стр. 8013

ومع هذا، فإن الصيغة التعاونية الصهيونية ظلت حقيقة قائمة على المستوى العملي المباشر وحسب، ولم يتم اكتشافها واكتشاف إمكانياتها الاستيطانية الصهيونية بشكل واع إلا عام ١٩٠٤. وقد تم ذلك بالصدفة المحضه، فبعد موت هرتزل ازداد النشاط الاستيطاني، وقد ظهرت بعض التعاونيات في فلسطين كاستجابة مباشرة وتلقائية لمتطلبات الاستعمار الاستيطاني الإحلالي (الذي يدور في إطار محاولة الاستيلاء على الأرض وإفراغها من سكانها العرب وإحلال عنصر يهودي محلهم) . وقد تبيَّن أن الحركة الصهيونية الدبلوماسية أو العامة (التوطينية) قادرة على شراء الأراضي، ولكنها كانت غير قادرة على توطينها (وهو الأمر الذي يمكن أن تقوم به الصهيونية العمالية الاستيطانية وحدها) . وحيث إن تمويل الأفراد قد تَعذَّر، فقد تقرَّر أن تبقى الأراضي التي يشتريها الصندوق القومي اليهودي ملكية جماعية على أن تُؤجَّر للمجمعات العمالية التي يدفع لها أجراً حسب كمية إنتاجها، وقد عُيِّن مدير لهذه المجمعات من قبَل الحركة الصهيونية. وقد حدث أن قام نزاع حاد بين المدير المعيَّن من قبَل الحركة الصهيونية والمستوطنين في إحدى المستوطنات، فاتخذت المنظمة الصهيونية قراراً بعقاب المدير والعمال، ولكنها عدلت عن هذا واكتفت بفصل المدير وبدأ تطبيق نظام التسيير الذاتي، وهكذا بدأت الحركة التعاونية الصهيونية والصيغ الاشتراكية الأخرى. وقد قُدِّر لهذه الصيغة الجماعية التعاونية أن تسود رغم وقوع الحركة الصهيونية تحت تأثير كبار المموِّلين اليهود والإمبريالية العالمية، وذلك لأنها كانت الطريقة الوحيدة القادرة على ترجمة الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة إلى حقيقة واقعية، فهي الصيغة التي قامت بعزل المستوطنين وتحويلهم إلى جماعة استيطانية قتالية متماسكة يمكنها الصمود أمام السكان الأصليين.

стр. 8014

ولعل أكبر دليل على أن الحركة التعاونية الصهيونية ضرورة حتَّمها الاستيطان الإحلالي فحسب، دون أي ارتباط بأيديولوجيا أو رؤية اشتراكية إنسانية، هو وجود منظمات تعاونية عمالية وتعاونية تابعة لكل الأحزاب بغض النظر عن انتمائها الديني أو الطبقي أو الفكري، بل توجد مدرسة تلمودية/ناحال في إسرائيل، أي مدرسة تلمودية تأخذ شكل مستوطنة زراعية تعاونية عسكرية. ويعكس الهستدروت في تركيبه الشامل التعاوني الرأسمالي بنية الحركة التعاونية الصهيونية وجذورها التاريخية، فهو تنظيم نقابي ولكنه في الوقت نفسه أكبر رأسمالي في إسرائيل. ومما هو جدير بالذكر أن هذه الحركة التعاونية آخذة في الاختفاء والضمور التدريجي بعد أن أدَّت غرضها، بينما القطاع الخاص من الاقتصاد آخذ في التوسُّع على حسابها. اقتحام الأرض والعمل والحراسة والإنتاج Conquest of Soil, Labour, Guarding, and Production «اقتحام الأرض والعمل والحراسة والإنتاج» مجموعة من المفاهيم الصهيونية العمالية المترابطة التي تشكل عصب الأيديولوجية الصهيونية العمالية: ١ ـ اقتحام الأرض: كان مفهوم اقتحام الأرض أحد الأسس التي يستند إليها البرنامج الصهيوني الاستيطاني، وهو مفهوم ينادي بالاستيلاء على أرض فلسطين واستغلالها حتى يمكن إنقاذها من أيدي الأغيار وبناء المستعمرات اليهودية. وعن طريق غزو الأرض يُطهِّر اليهودي نفسه من طفيليته التي كانت تسمه كشخصية هامشية تعمل بالتجارة والربا في الدياسبورا (أي في أنحاء العالم) ، حيث كان يعيش منفياً محرماً عليه ـ حسب التصوُّر الصهيوني ـ العمل في الزراعة والاحتكاك بالطبيعة ومصادر الحياة. فاقتحام الأرض لم يكن الدافع إليه اقتصادياً فحسب وإنما كان نفسياً أيضاً.

стр. 8015

ولكن الاقتحام الحقيقي للأرض لم يتم بالطرق السلمية ولا حتى عن طريق التسلل والشراء، فالصندوق القومي اليهودي لم يتمكن خلال ٤٥ عاماً (من تاريخ تأسيسه حتى عام ١٩٤٧) من الحصول إلا على ٣.٩% من مساحة فلسطين، بينما نجد أن الهاجاناه (وشتيرن والإرجون) قد استولت في أقل من عام واحد (١٩٤٨) على مساحة قدرها ٧٦% من مجموع مساحة البلاد. ٢ ـ اقتحام العمل: لو كان الاستعمار الصهيوني استعماراً استيطانياً وحسب، لاكتفى باقتحام الأرض ولكنه استعمار استيطاني إحلالي، ولذا لم يكن هناك مفر من البحث عن أداة أخرى لتحقيق الإحلال، وقد وجد الصهاينة ضالتهم المنشودة في مفهوم اقتحام العمل. وفي إحدى مؤتمرات العامل الفتي، أكد جوزيف واتكين أن اقتحام الأرض واقتحام العمل صنوان لا يفترقان، يكمل الواحد منهما الآخر. وكلا المفهومين يعود في الأصل إلى المفكر الصهيوني العمالي الحلولي جوردون الذي كان يرى أن اليهودي في الدياسبورا يقوم بأعمال كتابية وحسابية ومالية، ولذا فهو يحيا حياة مُشوَّهة ينقصها الانفعال والإبداع، كما أنه لا يتمتع بأية سيادة ولا مشاركة في صنع القرارات التي تؤثر في حياته. ولذا، يجب على اليهودي أن يعود للأرض لا ليملكها فحسب وإنما ليشتغل فيها بالأعمال اليدوية الشاقة ويقهرها حتى يصبح هو نفسه محتلاًّ من قبَل العمل اليدوي. والعمل اليدوي هو إحدى وسائل الرجوع إلى عالم الطهارة والحواس والطبيعة ووسيلة الاتحاد الصوفي بها. ولذا يجب أن يعمل العامل اليهودي من أجل العمل ذاته، وهو بهذا سيطبّع نفسه ويتخلص من هامشيته وطفيليته ويحل إشكالية الهرم الطبقي اليهودي المقلوب إذ يصبح هناك عمال وفلاحون ومن ثم يكتمل تكوين الشعب اليهودي، كما أنه سيحل إشكالية العجز وانعدام السيادة وعدم المشاركة في السلطة إذ أن هذا الشعب اليهودي الذي اقتحم العمل وأكمل تكوينه الطبقي يمكنه أن يؤسس دولة ذات سيادة يمارس اليهود من خلالها صنع القرار ويتحكمون

стр. 8016

في مصيرهم. وقد قام الحاخام الصهيوني كوك، العارف بأسرار القبَّالاه، بالدفاع عن فكرة اقتحام العمل، مستخدماً مصطلحاً حلولياً عضوياً، إذ يقول: "لقد أدرنا ظهورنا للاهتمام بحياتنا الجسدية ولتطوير أحاسيسنا كما أهملنا كل ما له علاقة ملموسة بحقيقة الجسد لأننا أصبحنا فريسة لمخاوفنا، لقد كان ينقصنا الإيمان بقدسية الأرض". ونحن نرى أن ثمة تشابهاً بنيوياً بين مفهوم اقتحام العمل وبين المفهوم الحسيدي للخلاص بالجسد الذي يؤكد أن روح الإنسان تستطيع، من خلال الانتشاء الجسدي والغوص في الأشياء المادية، أن تتسامى لتصل إلى درجة عالية من الطهارة والشفافية والسمو الروحي. والحديث عن اقتحام العمل وطهارة العمل العبري لم يكن أمراً مجازياً بل كان حرفياً إلى أقصى درجة، فلقد قام بعض العمال العرب الذين استأجرهم المستوطنون الصهاينة بغرس أشجار غابة هرتزل، فقام العمال اليهود باجتثاثها ثم أعادوا غرسها في اليوم التالي من خلال العمل العبري الطاهر. والحديث عن اقتحام العمل والعمل اليدوي بهذا الشكل الرومانتيكي يدل على الجذور الطبقية البورجوازية الصغيرة للصهيونية العمالية التي جاءت جماهيرها من بين قطاعات اجتماعية فشلت في التأقلم مع أوضاعها الطبقية والاقتصادية الجديدة في شرق أوربا، ولم تتمكن من اللحاق بمن هاجر إلى الولايات المتحدة أو غرب أوربا، فكان عليها أن تبحث عن بنيان اقتصادي جديد يمكنها أن تتكيف معه، فوجدت ضالتها المنشودة في العودة إلى عالم زراعي مقدَّس في أرض الأجداد المقدَّسة!

стр. 8017

ولكن الدافع وراء اقتحام العمل لم يكن نفسياً/طبقياً فحسب، بل كانت هناك ضرورات عملية يحتمها واقع الاستعمار الاستيطاني الإحلالي في فلسطين، فالأرض التي هاجر إليها اليهود لم تكن خالية من السكان، ولذا كان يتحتم إجلاؤهم وشَغْل أعمالهم. وقد أدرك المستوطنون منذ البداية أهمية العمل العبري كأساس للاستيطان الإحلالي، فاستئجار العمال العرب كان يعني أن المُستوطَن الصهيوني سيظل معتمداً على العرب غير مستقل عنهم، كما أنه في نهاية الأمر سيجعل تحقيق أغلبية يهودية أمراً مستحيلاً. ولذا، لم يكن هناك مفر من إحلال العامل اليهودي محل العامل العربي، وكان خلق وظائف جديدة للمهاجرين الجدد أمراً حتمياً، وهو أمر كان من العسير تحقيقه دون اللجوء إلى اقتحام العمل. وقد قاوم بعض المستوطنين هذا المفهوم الصهيوني العمالي لتَناقُضه مع مصالحهم الاقتصادية، فالرأسمالي اليهودي كان يفضل العامل العربي الكفء قليل التكلفة على العامل العبري غير الكفء مرتفع التكلفة. وقد قام الصهاينة العماليون بتنظيم إضرابات عديدة ضد الرأسماليين اليهود الذين لا يحافظون على نقاء أو طهارة المُستوطَن، إلا أن الصهاينة العماليين كانوا مع هذا يؤكدون أن غزو الأرض لم يكن يتم لحساب الطبقة العاملة اليهودية وحدها وإنما لحساب الشعب اليهودي ككل وأن التناقض بينهم وبين الرأسماليين لم يكن ينصب إلا على نقطة جزئية خاصة بإصرار الفريق الآخر على استئجار العمل العربي. وكمحاولة لحل هذا التناقض، لجأ المستوطنون إلى استيراد بعض اليهود الشرقيين من اليمن، فالعامل اليمني كان عاملاً عبرياً (مقدَّساً) يُرضي المطامع الإحلالية لدى الصهاينة العماليين، وهو كذلك عامل عربي رخيص يُرضي شراهة الصهاينة الرأسماليين. ولكن المشكلة زادت تفاقماً لأن العمال اليمنيين لم يكونوا سعداء بأحوالهم، الأمر الذي اضطر المستوطنين إلى وقف استيراد اليهود من اليمن.

стр. 8018

ولم يحقق شعار اقتحام العمل أي نجاح، فحتى عام ١٩١٤ لم يزد عدد العمال اليهود عن ١٢% من القوة العاملة في فلسطين. ولذلك، اقترح جوزيف واتكين إنشاء مزارع الكيبوتس كوسيلة لجَعْل العامل الزراعي مالكاً زراعياً أيضاً، ذلك أن واتكين كان يعلم أن الجذور البورجوازية للعمال اليهود كانت تجعل تحولهم إلى مجرد عمال أمراً عسيراً عليهم، كما أن غياب الرباط العاطفي بينهم وبين الأرض كان سبباً لهجرة كثير منهم إلى الولايات المتحدة. وقد نجحت مزارع الكيبوتس في تحقيق أحلام البورجوازية اليهودية الصغيرة المهاجرة في أن تصبح مالكة، كما أنها ثَبتتها في الأرض وربطتها بها، أي أن مزارع الكيبوتس أصبحت الوسيلة المزدوجة لاقتحام الأرض والعمل معاً، وقد أصبح شعار اقتحام العمل من مبادئ هذه المزارع. ٣ ـ اقتحام الحراسة: إذا أضفنا إلى كل هذا شعار اقتحام الحراسة المرتبطة أيضاً بمزارع الكيبوتس، وهو شعار يطلب من اليهود أن يقوموا بحراسة أنفسهم بدلاً من استئجار عرب أو شراكسة، اكتشفنا أن الكيبوتس هو التجسيد العملي للاستيطان الصهيوني الإحلالي بكل رومانتيكيته وشراسته الزراعية والعسكرية. وقد اعتنقت فرق العمال مبدأ العمل والدفاع (عفوداه وهاجاناه) أو جمعت بين شعاري اقتحام العمل بحرمان العمال العرب من حق العمل واقتحام الأرض بالاستيلاء على أراضي فلسطين تحت ستار العمل. وقد تكونت قوات الهاجاناه والبالماخ في معظمها من سكان مزارع الكيبوتس والموشاف من العمال غزاة الأرض والعمل. ٤ ـ اقتحام الإنتاج:

стр. 8019

وحتى يكتمل انعزال المستوطنين، ظهر شعار "اشتروا الإنتاج" واتخذ ذلك طابعاً منظماً لمقاطعة المنتجات العربية ومنع التعامل مع العرب وشراء المنتجات اليهودية وحدها والتعامل مع اليهود وحدهم. وقد قام الهستدروت بفرض العمل العبري والاستهلاك العبري إن صح التعبير. وبذا، تكون الدائرة قد اكتملت: من غزو مسلح للأرض، لغزو مسلح للعمل، لانغلاق اقتصادي حضاري كامل لا يزال يسم إسرائيل بكل مؤسساتها الاقتصادية والعسكرية، وفي هذا تكمن صهيونية الدولة الصهيونية. العمل العبري Hebrew Labour «العمل العبري» من المفاهيم الصهيونية العمالية المحورية. وملخص هذا المفهوم أن اليهودي العائد إلى أرض الميعاد يجب عليه أن يتخلص من أدران المنفى العالقة به، ويمكنه إنجاز هذا ليس فقط بأن يمتلك الأرض (كما يفعل يهود الدياسبورا الذين يعملون بالمهن الطفيلية مثل الإتجار في العقارات) وإنما يجب أن يعمل فيها بنفسه وبيديه، وهو بذلك يُخلِّص الأرض من العمال الأغيار ويُطبِّع نفسه ويتخلص من هامشيته وطفيليته ويتحكم في مصيره السياسي إذ أنه سيؤسس دولة يهودية بإمكان اليهود أن يمارسوا من خلالها صنع القرار السياسي ويتخلصوا من العجز الذي وسمهم تاريخياً. ولهذا المفهوم الصهيوني بُعده الاستيطاني الإحلالي الذي تغطيه ديباجات اشتراكية رومانسية، فهو يعني في واقع الأمر إحلال المُستوطَن الصهيوني محل الفلاح العربي. وقد تساقط مفهوم العمل العبري من خلال الممارسات اليومية، فقد تزايدت الطفيلية الاقتصادية في إسرائيل وتزايد الاعتماد على العمالة العربية. وبعد الانتفاضة وتَصاعُد الهجمات الفدائية حاول التجمع الاستيطاني الصهيوني أن يستغنى عن العمال العرب، فلم يجد أحداً من المستوطنين الصهاينة ليعمل فاضطر لاستيراد عمالة أجنبية من تايلاند ورومانيا يبلغ عددهم ٤٨ ألف (٣٣ ألف موجودون بشكل قانوني، و١٥ ألف بشكل غير قانوني يعملون أساساً في الزراعة وقطاع البناء) .

стр. 8020

ويشكل الأجانب نسبة عشرة في المائة من اليد العاملة في إسرائيل (عام ١٩٩٧) ويعملون كذلك في قطاعي البناء والزراعة أو خدماً في المنازل. وبعد ما كانوا حتى وقت قريب موضع ترحيب، باتو يثيرون ردود فعل معادية. وتعتقد السلطات الإسرائيلية أن "مشاكل اجتماعية" عدة نشأت من تدفق العمال الأجانب الذين تضاعف عددهم خمس مرات في ثلاث سنوات، وخصوصاً بسبب الإقفال شبه المستمر للأراضي الفلسطينية. (انظر: «الصهيونية العمالية» - «اقتحام الأرض والعمل والحراسة والإنتاج» ) . الهستدروت Histadrut
следующие страницы →