Полный текст (8 511 стр.). Показаны 8016–8055 · переход к 8021.
стр. 8016
في مصيرهم.
وقد قام الحاخام الصهيوني كوك، العارف بأسرار القبَّالاه، بالدفاع عن فكرة اقتحام العمل، مستخدماً مصطلحاً حلولياً عضوياً، إذ يقول: "لقد أدرنا ظهورنا للاهتمام بحياتنا الجسدية ولتطوير أحاسيسنا كما أهملنا كل ما له علاقة ملموسة بحقيقة الجسد لأننا أصبحنا فريسة لمخاوفنا، لقد كان ينقصنا الإيمان بقدسية الأرض". ونحن نرى أن ثمة تشابهاً بنيوياً بين مفهوم اقتحام العمل وبين المفهوم الحسيدي للخلاص بالجسد الذي يؤكد أن روح الإنسان تستطيع، من خلال الانتشاء الجسدي والغوص في الأشياء المادية، أن تتسامى لتصل إلى درجة عالية من الطهارة والشفافية والسمو الروحي. والحديث عن اقتحام العمل وطهارة العمل العبري لم يكن أمراً مجازياً بل كان حرفياً إلى أقصى درجة، فلقد قام بعض العمال العرب الذين استأجرهم المستوطنون الصهاينة بغرس أشجار غابة هرتزل، فقام العمال اليهود باجتثاثها ثم أعادوا غرسها في اليوم التالي من خلال العمل العبري الطاهر.
والحديث عن اقتحام العمل والعمل اليدوي بهذا الشكل الرومانتيكي يدل على الجذور الطبقية البورجوازية الصغيرة للصهيونية العمالية التي جاءت جماهيرها من بين قطاعات اجتماعية فشلت في التأقلم مع أوضاعها الطبقية والاقتصادية الجديدة في شرق أوربا، ولم تتمكن من اللحاق بمن هاجر إلى الولايات المتحدة أو غرب أوربا، فكان عليها أن تبحث عن بنيان اقتصادي جديد يمكنها أن تتكيف معه، فوجدت ضالتها المنشودة في العودة إلى عالم زراعي مقدَّس في أرض الأجداد المقدَّسة!
стр. 8017
ولكن الدافع وراء اقتحام العمل لم يكن نفسياً/طبقياً فحسب، بل كانت هناك ضرورات عملية يحتمها واقع الاستعمار الاستيطاني الإحلالي في فلسطين، فالأرض التي هاجر إليها اليهود لم تكن خالية من السكان، ولذا كان يتحتم إجلاؤهم وشَغْل أعمالهم. وقد أدرك المستوطنون منذ البداية أهمية العمل العبري كأساس للاستيطان الإحلالي، فاستئجار العمال العرب كان يعني أن المُستوطَن الصهيوني سيظل معتمداً على العرب غير مستقل عنهم، كما أنه في نهاية الأمر سيجعل تحقيق أغلبية يهودية أمراً مستحيلاً. ولذا، لم يكن هناك مفر من إحلال العامل اليهودي محل العامل العربي، وكان خلق وظائف جديدة للمهاجرين الجدد أمراً حتمياً، وهو أمر كان من العسير تحقيقه دون اللجوء إلى اقتحام العمل.
وقد قاوم بعض المستوطنين هذا المفهوم الصهيوني العمالي لتَناقُضه مع مصالحهم الاقتصادية، فالرأسمالي اليهودي كان يفضل العامل العربي الكفء قليل التكلفة على العامل العبري غير الكفء مرتفع التكلفة. وقد قام الصهاينة العماليون بتنظيم إضرابات عديدة ضد الرأسماليين اليهود الذين لا يحافظون على نقاء أو طهارة المُستوطَن، إلا أن الصهاينة العماليين كانوا مع هذا يؤكدون أن غزو الأرض لم يكن يتم لحساب الطبقة العاملة اليهودية وحدها وإنما لحساب الشعب اليهودي ككل وأن التناقض بينهم وبين الرأسماليين لم يكن ينصب إلا على نقطة جزئية خاصة بإصرار الفريق الآخر على استئجار العمل العربي.
وكمحاولة لحل هذا التناقض، لجأ المستوطنون إلى استيراد بعض اليهود الشرقيين من اليمن، فالعامل اليمني كان عاملاً عبرياً (مقدَّساً) يُرضي المطامع الإحلالية لدى الصهاينة العماليين، وهو كذلك عامل عربي رخيص يُرضي شراهة الصهاينة الرأسماليين. ولكن المشكلة زادت تفاقماً لأن العمال اليمنيين لم يكونوا سعداء بأحوالهم، الأمر الذي اضطر المستوطنين إلى وقف استيراد اليهود من اليمن.
стр. 8018
ولم يحقق شعار اقتحام العمل أي نجاح، فحتى عام ١٩١٤ لم يزد عدد العمال اليهود عن ١٢% من القوة العاملة في فلسطين. ولذلك، اقترح جوزيف واتكين إنشاء مزارع الكيبوتس كوسيلة لجَعْل العامل الزراعي مالكاً زراعياً أيضاً، ذلك أن واتكين كان يعلم أن الجذور البورجوازية للعمال اليهود كانت تجعل تحولهم إلى مجرد عمال أمراً عسيراً عليهم، كما أن غياب الرباط العاطفي بينهم وبين الأرض كان سبباً لهجرة كثير منهم إلى الولايات المتحدة. وقد نجحت مزارع الكيبوتس في تحقيق أحلام البورجوازية اليهودية الصغيرة المهاجرة في أن تصبح مالكة، كما أنها ثَبتتها في الأرض وربطتها بها، أي أن مزارع الكيبوتس أصبحت الوسيلة المزدوجة لاقتحام الأرض والعمل معاً، وقد أصبح شعار اقتحام العمل من مبادئ هذه المزارع.
٣ ـ اقتحام الحراسة:
إذا أضفنا إلى كل هذا شعار اقتحام الحراسة المرتبطة أيضاً بمزارع الكيبوتس، وهو شعار يطلب من اليهود أن يقوموا بحراسة أنفسهم بدلاً من استئجار عرب أو شراكسة، اكتشفنا أن الكيبوتس هو التجسيد العملي للاستيطان الصهيوني الإحلالي بكل رومانتيكيته وشراسته الزراعية والعسكرية. وقد اعتنقت فرق العمال مبدأ العمل والدفاع (عفوداه وهاجاناه) أو جمعت بين شعاري اقتحام العمل بحرمان العمال العرب من حق العمل واقتحام الأرض بالاستيلاء على أراضي فلسطين تحت ستار العمل. وقد تكونت قوات الهاجاناه والبالماخ في معظمها من سكان مزارع الكيبوتس والموشاف من العمال غزاة الأرض والعمل.
٤ ـ اقتحام الإنتاج:
стр. 8019
وحتى يكتمل انعزال المستوطنين، ظهر شعار "اشتروا الإنتاج" واتخذ ذلك طابعاً منظماً لمقاطعة المنتجات العربية ومنع التعامل مع العرب وشراء المنتجات اليهودية وحدها والتعامل مع اليهود وحدهم. وقد قام الهستدروت بفرض العمل العبري والاستهلاك العبري إن صح التعبير. وبذا، تكون الدائرة قد اكتملت: من غزو مسلح للأرض، لغزو مسلح للعمل، لانغلاق اقتصادي حضاري كامل لا يزال يسم إسرائيل بكل مؤسساتها الاقتصادية والعسكرية، وفي هذا تكمن صهيونية الدولة الصهيونية.
العمل العبري
Hebrew Labour
«العمل العبري» من المفاهيم الصهيونية العمالية المحورية. وملخص هذا المفهوم أن اليهودي العائد إلى أرض الميعاد يجب عليه أن يتخلص من أدران المنفى العالقة به، ويمكنه إنجاز هذا ليس فقط بأن يمتلك الأرض (كما يفعل يهود الدياسبورا الذين يعملون بالمهن الطفيلية مثل الإتجار في العقارات) وإنما يجب أن يعمل فيها بنفسه وبيديه، وهو بذلك يُخلِّص الأرض من العمال الأغيار ويُطبِّع نفسه ويتخلص من هامشيته وطفيليته ويتحكم في مصيره السياسي إذ أنه سيؤسس دولة يهودية بإمكان اليهود أن يمارسوا من خلالها صنع القرار السياسي ويتخلصوا من العجز الذي وسمهم تاريخياً. ولهذا المفهوم الصهيوني بُعده الاستيطاني الإحلالي الذي تغطيه ديباجات اشتراكية رومانسية، فهو يعني في واقع الأمر إحلال المُستوطَن الصهيوني محل الفلاح العربي.
وقد تساقط مفهوم العمل العبري من خلال الممارسات اليومية، فقد تزايدت الطفيلية الاقتصادية في إسرائيل وتزايد الاعتماد على العمالة العربية. وبعد الانتفاضة وتَصاعُد الهجمات الفدائية حاول التجمع الاستيطاني الصهيوني أن يستغنى عن العمال العرب، فلم يجد أحداً من المستوطنين الصهاينة ليعمل فاضطر لاستيراد عمالة أجنبية من تايلاند ورومانيا يبلغ عددهم ٤٨ ألف (٣٣ ألف موجودون بشكل قانوني، و١٥ ألف بشكل غير قانوني يعملون أساساً في الزراعة وقطاع البناء) .
стр. 8020
ويشكل الأجانب نسبة عشرة في المائة من اليد العاملة في إسرائيل (عام ١٩٩٧) ويعملون كذلك في قطاعي البناء والزراعة أو خدماً في المنازل. وبعد ما كانوا حتى وقت قريب موضع ترحيب، باتو يثيرون ردود فعل معادية. وتعتقد السلطات الإسرائيلية أن "مشاكل اجتماعية" عدة نشأت من تدفق العمال الأجانب الذين تضاعف عددهم خمس مرات في ثلاث سنوات، وخصوصاً بسبب الإقفال شبه المستمر للأراضي الفلسطينية. (انظر: «الصهيونية العمالية» - «اقتحام الأرض والعمل والحراسة والإنتاج» ) .
الهستدروت
Histadrut
стр. 8021
اختصار للمصطلح العبري «هستدروت هاكلاليت شل هاعوفديم هاعفريم بايرتس يسرائيل» أي «الاتحاد العام للعمال العبريين في إرتس يسرائيل» . ثم حُذفت كلمة «العبريين» من اسمه عام ١٩٦٩. وقد أنشأ الصهاينة هذا الاتحاد العمالي عام ١٩٢٠ لا ليمثل أية طبقة عاملة وإنما ليساهم في توطين المهاجرين الصهاينة وليبلور وينمي، بالاشتراك مع الوكالة اليهودية، جماعة المستوطنين الصهاينة في فلسطين حتى تصبح بناءً استيطانياً متكاملاً توجد داخله طبقة عاملة. وقد عبَّر بن جوريون عن هذه الفكرة بمصطلحه الغيبي حينما قال: "ليس الهستدروت نقابة عمالية ولا حزباً سياسياً ولا هو تعاونية وجمعية لتبادل المنفعة، إنه أكثر من ذلك. الهستدروت هو اتحاد شعب يقوم ببناء موطن جديد ودولة جديدة وشعب جديد، ومشاريع ومستوطنات جديدة، وحضارة جديدة. إنه اتحاد للمصلحين الاجتماعيين لا تمتد جذوره إلى بطاقة عضويته الخاصة بل إلى المصير المشترك والمهمات المشتركة لجميع أعضائه في الموت والحياة"، أي أن دينامية الهستدروت هي دينامية صهيونية استيطانية إحلالية. ولذا يمكننا القول بأن الهستدروت ليس «اتحاد عمال» كما قد يوحي اسمه، وإنما هو مؤسسة صهيونية استيطانية بالدرجة الأولى، بل أهم المؤسسات الاستيطانية على الإطلاق، فهو المؤسسة الوحيدة داخل الحركة الصهيونية التي تشرف على معظم النشاطات، وتتحرك داخلها كل الأحزاب وتربط المُستوطَن الصهيوني بالجماعات اليهودية في العالم. إنها التجربة الصهيونية بالدرجة الأولى.
стр. 8022
وقد نص قانون إنشاء الهستدروت على أنه يُعتبَر أداة لعملية الاستيطان، ولتنشيط الهجرة اليهودية إلى أرض فلسطين. ومن هذا الهدف تعددت مجالات عمل الهستدروت وأدواته التنفيذية: فهو اتحاد للتعاونيات، ومؤسسة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهيئة للتأمين الصحي، وجمعية لتقديم الخدمات الثقافية والتعليمية. ولذا تضم لجنته التنفيذية الإدارات التالية: التنمية والاستيعاب ـ المساعدة المتبادلة ـ التوظيف والتدريب المهني ـ العمال الأكاديميين ـ والشئون الدينية ـ الشئون العربية والتعليم العالي ـ التعويضات.
وتتضح طبيعة الهستدروت الخاصة في أن الأعضاء يشتركون فيه مباشرةً ويدفعون رسوماً تتراوح بين ٣ ـ ٤.٥% من أجورهم إلى صندوقه المركزي، ثم يلتحقون بالاتحاد العمالي الخاص بهم، أي أنهم ينتمون أولاً للمؤسسة الاستيطانية ثم ينتمون إلى اتحاد عمالي أيضاً. والهستدروت في هذا يشبه الأحزاب السياسية في إسرائيل فهي الأخرى مؤسسات استيطانية وأحزاب أيضاً. وقد يكون من الصحيح أن الطابع الاستيطاني للأحزاب والهستدروت قد خفت بعض الشيء بعد إعلان الدولة ولكن الطابع الاستيعابي (وهو الامتداد الطبيعي للاستيطانية أو استيطانية ما بعد ١٩٤٨ بالتحديد) قد زادت حدته. ويجري التخطيط والتنفيذ في الهستدروت والمؤسسات التابعة له من خلال المؤتمر القومي (السلطة التشريعية) والمحلي العام (السلطة العليا) واللجنة التنفيذية (أعلى سلطة تنفيذية) .
وكان الهستدروت ومنشآته الاقتصادية بمنزلة العمود الفقري للاقتصاد العمالي الصهيوني، فمنذ تأسيسه عام ١٩٢٠ يقوم بإنشاء مستعمرات زراعية ومؤسسات صناعية. ففي عام ١٩٢١ أسَّس بنك هابوعاليم (بنك العمال) ، وبعد سنتين أسَّس شركة حفرات هعوفديم (شركة العمال) . ومنذ عام ١٩٢٧ ونشاط الهستدروت يتجه نحو تأمين رأس المال اللازم لإدارة مؤسساته الاقتصادية.
стр. 8023
ويُعَد الهستدروت من "كبار أصحاب العمل" في إسرائيل، وهو أكبر جسم اقتصادي في الدولة، وأكبر مستخدم منفرد للعمال. ويضم الهستدروت مجموعتين كبيرتين من المصالح الاقتصادية، المجموعة الأولى تضم التعاونيات التي تنقسم بدورها إلى نوعين أساسيين: المستوطنات التعاونية مثل الموشافيم والكيبوتسات، والتعاونيات الإنتاجية والخدمية التي تضم أكبر شركتين للمواصلات (إيجيد ودان) .
والمجموعة الثاني تضم مجموعة شركات ضخمة تابعة لشركة العمال (الشركة الأم) في فروع الصناعة والبناء والتجارة والمصارف. وأهم مؤسسات الهستدروت الصناعية مجموعة كور، التي يعمل في شركاتها نحو ٢٣ ألف عامل في ١٠٠ مصنع تقريباً، وتملك أهم شركات صناعة الإلكترونيات، وتضم شركة سوليل بونيه، وشركة تاديران، ومصانع سولتام، وصحيفة دافار. وفي الخدمات المصرفية، يمتلك الهستدروت جزءاً كبيراً من بنك هابوعاليم، ويشارك في ملكية بنوك ومؤسسات مالية أخرى. كما أن الهستدروت يشارك في الاستثمار في شركة كلال وشركة تسيم وسايتكس. وقد أشرنا إلى امتلاكه شركتي إيجد ودان، واحتكاره فرع المواصلات العامة. وفي التجارة يمتلك الهستدروت شركة همشبير، وشركة تنوفا.
стр. 8024
ويدل توزيع ملكية المنشآت الصناعية أن حصة الهستدروت النسبية قد ازدادت في السبعينيات ومنتصف الثمانينيات، كما أن حجم صادرات المنشآت الاقتصادية التابعة للهستدروت قد ازداد ازدياداً مطرداً ولا سيما في القطاع الزراعي حيث وصلت نسبة ما صدره عام ١٩٨٥ إلى ٧٧% من الصادرات الزراعية، و٢٣.٥% من الصادرات الصناعية. ويقوم الهستدروت بالاشتراك الفعلي في تقرير سياسات المؤسسات الاقتصادية التي لا يشترك في ملكيتها، سواء مباشرةً أو من خلال شركات العمال أو عن طريق مندوبين له في مجالس إدارة هذه المؤسسات. وهو ما يدعِّم هيمنة الهستدروت وسيطرته على القطاع التعاوني في الاقتصاد الإسرائيلي. وهو يشترك في الهيئة الاقتصادية العليا التي تخطط للاقتصاد الصهيوني وتنسق بين القطاعات الثلاثة وهي العام والخاص والتعاوني.
وقد بدأت مكانة الهستدروت في التدهور منذ أواخر الثمانينيات نتيجة الأوضاع الاقتصادية المتردية في إسرائيل في تلك الفترة (التي نجمت عنها بطالة واسعة النطاق) ونتيجة انهيارات في بعض أنشطة ومشاريع الهستدروت ووجِّهت الاتهامات لزعامة الهستدروت بسوء الإدارة والمحسوبية والفساد، حتى قرر الكنيست في مايو ١٩٩٥ وضع الهستدروت. تحت إشراف المراقب العام للدولة إثر الكشف عن فضائح فساد بعض قيادات حزب العمل الذين قاموا باستغلال موارد الهستدروت في تمويل الحملات الانتخابية.
ويقوم الهستدروت بصفته ممثلاً للعمال والمستخدمين والنقابات المهنية بالتفاوض مع اتحاد الصناعيين والحكومة في شأن الأجور وشروط العمل وهو دور نقابات العمال الطبيعي. ولكن هوية الهستدروت كصاحب عمل، وليس كاتحاد عمال فقط، تظهر في أن مورده الأساسي ليس من اشتراكات الأعضاء وإنما نتيجة استثمارات تجارية، كما أن إضرابات العمال يمكن أن تتم ضده وليس بمساندته، بل إن الهستدروت يقوم كثيراً بدور المهدئ للطبقة العاملة حتى تستمر في الإنتاج داخل البناء الصهيوني.
стр. 8025
ويضم الهستدروت في عضويته فئات متعددة ذات مصالح متضاربة في الغالب. فهو يضم في صفوفه، بالإضافة إلى العمال، الأغلبية الساحقة من الموظفين والمستخدمين في الحكومة وفي نشاطات القطاعين العام والخاص، وكل أعضاء الحركة الزراعية التعاونية (الكبيوتسات والموشافيم) ، وشرائح مهنية واسعة تنتمي بوضوح إلى الطبقة الوسطى مثل: الأطباء، والمهندسين، والمحامين، والأكاديميين، والمعلمين ... إلخ.
ويضم الهستدروت نحو ١.٨ مليون عضو (عمال مع عائلاتهم) يشكلون ٥٨% تقريباً من السكان، وهو يُوظِّف ٢٥% من اليد العاملة في مختلف مؤسساتها الاقتصادية، ويغطي برنامجه للتأمين الصحي أغلبية التأمين الصحي في إسرائيل، ويدير أهم النوادي الرياضية (هابوعيل) الذي يوجد له ٦٠٠ فرع منتشرة في جميع أنحاء إسرائيل.
ويساهم الهستدروت بدور مهم جداً في عملية التربية والتعليم وذلك من خلال الجهاز الرسمي والمؤسسات غير الرسمية. فهو يملك مؤسسات كثيرة لمختلف الأجيال، يختص معظمها بحقول تعليمية محددة.
وفي إحصاء قام به الهستدروت بين أعضاء أحد المؤتمرات القومية في السبعينيات (وكان يبلغ عددهم ١٠٠١) عن رؤيتهم لأنفسهم قال ٦٤.٦% منهم (أو حوالي ٨٨٥) أنهم يعتبرون أنفسهم مديرين أو موظفين، وقرَّر ١٦% إنهم أصحاب مهن حرة وقرَّر ٩.٣% أنهم مزارعون، بينما قال ٥.٣ فقط أنهم صناع وحرفيون. وفي إحصاء آخر بين أعضاء الهستدروت عن سبب التحاقهم بهذا التنظيم "النقابي" قرر ٢٧% منهم أنهم انضموا للاستفادة من خدمات كوبات حوليم (أو التأمين الصحي) ، و٢٦% لا يعرفون سبب انضمامهم أساساً، و١٨% انضموا لأن رب العمل طلب ذلك، و٥% فعل ذلك من باب طاعة الوالدين. ولا يذكر الإحصاء شيئاً عن الأربعة وعشرين في المائة الباقية ـ أي أن الهستدروت في بنائه واقتصادياته ووعي أعضائه بأنفسهم ليس له علاقة كبيرة باتحادات نقابات العمال.
стр. 8026
ويمكن النظر للهستدروت على أنه تنظيم اقتصادي يأخذ "شكلاً جماعياً" لمساعدة التجمع الاستيطاني/الصهيوني بعماله ورأسمالييه، وهو تجمُّع لا يمكن أن يأخذ شكلاً رأسمالياً تقليدياً بسبب وضعه الشاذ في المنطقة إذ أن عليه أن يخوض الحرب تلو الحرب للدفاع عن نفسه وبالتالي عليه أن يجند المستوطنين دائماً في تنظيمات عسكرية اقتصادية متماسكة، وهو ما يفرض أشكالاً جماعية قد تشبه التنظيمات الاشتراكية من بعض النواحي، ولكنها خالية من أي محتوى إنساني ثوري. ومما دعِّم هذه الأشكال الجماعية أن المنظمة الصهيونية العالمية وصهاينة العالم لا يمكنهم التعامل مع رأسماليين إسرائيليين مباشرةً، بل لابد أن تتعامل المؤسسات مع مؤسسات مثلها، فيقوم الهستدروت بتلقِّي المساعدات، وتوزيعها على كل طبقات الكيان الصهيوني عمالاً ورأسماليين، أي أن الأشكال الجماعية التي يمثلها الهستدروت لا علاقة لها بأية منطلقات ثورية إنسانية، وإنما هي جزء من استيطانيته. ولعل أكبر دليل على ذلك أن كل اتجاه صهيوني، بغض النظر عن انتمائه الأيديولوجي قبل إنشاء الدولة، كان يحاول أن يكون له "هستدورته الخاص" به. فيوجد هستدروت للصهاينة التصحيحيين، وآخر للدينيين، تماماً كما كان هناك تنظيم عسكري للعماليين وآخر للتصحيحيين. وقد استمرت بعض هذه الهستدروتات بعد إنشاء الدولة. ثم انضمت له عام ١٩٦٥ للاستفادة من نشاطاته وخدماته ومحاولة التأثير فيه من الداخل دون أن تغيِّر آراءها فيما يتعلق بدوره. ومما يدل أيضاً على أن الأشكال الجماعية التي يدعو لها الهستدروت لا علاقة لها بالاشتراكية وإنما هي جزء من دوره الاستيطاني (والاستيعابي فيما بعد) أن حزب حيروت الذي يمثل أيديولوجية الاقتصاد الحر عضو في الهستدروت ويحررز انتصارات لا بأس بها، وأن حزب الأحرار الرأسمالي والأحزاب الدينية كلها ممثلة داخل الهستدروت.
стр. 8027
وارتباط الهستدروت بالاستيطان يظهر في علاقته بالعسكرية الصهيونية، فقد أُسِّست الهاجاناه بعد عام واحد من تأسيس الهستدروت. وقد كان الهستدروت مشرفاً عليها، كما كان ٦٠% من رجال الهاجاناه والإرجون وشتيرن ينتمون إلى عضويته، كما أنه يقوم بإعالة عائلات الرجال المتطوعين في الجيش سواء قبل عام ١٩٤٨ أو بعده. ومثل معظم المؤسسات الاستيطانية الصهيونية نجد أن الهستدروت مؤسسة عسكرية/اقتصادية موجهة أساساً ضد العرب، ولذا نجد أن هذا الاتحاد العمالي أُسِّس لتنفيذ سياسة اقتحام العمل وفلسفة العمل العبري، فكان يرفض تشغيل العرب بل طرد أعضاءه الشيوعيين عام ١٩٢٣ بسبب إثارتهم قضية تأجير العمل العربي، كما كان ينظم مظاهرات ضد الرأسماليين اليهود الذين يستأجرون عمالاً عرباً. ولكن بعد ظهور الدولة وبعد أن ثبتت أركانها، ومع ازدياد الحاجة للأيدي العاملة العربية أخذ في التنازل تدريجياً عن هذا التشدد. وسمح الهستدروت بانضمام العمال العرب لعضويته ولكن العمال العرب لا يتمتعون من الناحية الواقعية بالمزايا التي يتمتع بها العمال اليهود، فأجورهم أقل كثيراً من أجور نظرائهم، كما أنهم أكثر تعرضاً للبطالة. وكثيراً ما تثار قضية العمال العرب داخل الهستدروت، إلا أنها غالباً ما تنتهي إلى لا شيء، بل على العكس من ذلك يساهم الهستدروت في تسهيل وإيجاد الظروف الملائمة لتهجير العمال العرب إلى الخارج.
الهستدروت إذن جزء عضوي ورئيسي في المجتمع الصهيوني الاستيطاني، وقد ترتَّب على قوة وسطوة الهستدروت وتعدُّد مجالات تأثيره أن أصبح الشخص الذي لا ينتمي إليه يجد مشقة كبيرة في الاستمرار في الحياة، فهو لا يستطيع أن يحصل على الخدمات بسهولة ـ وأهمها الحصول على عمل والخدمات الصحية ـ وإذا حصل عليها فبتكاليف باهظة.
стр. 8028
ويعتبر الهستدروت الأداة الأساسية التي تعبِّر من خلالها التفاعلات السياسية في المجتمع عن قراراتها في مختلف نواحي الحياة، إذ أن التنظيم التشريعي والتنفيذي للهستدروت يتكون من ممثلين عن الأحزاب بحسب نسبة قوتها الانتخابية، وبالتالي فإن سياسات الهستدروت في النهاية ليست سوى انعكاس للتفاعل بين وضع الأغلبيات والأقليات الحزبية. بل يمكن القول بأن سياسات الهستدروت تُقرَّر داخل الأحزاب وليس في المؤتمر القومي، ولعل هذا هو أحد العناصر التي تفسر انصراف الأعضاء عن الاشتراك في انتخاب مندوبي المؤتمر، ففي عام ١٩٥٩ وصل عدد المشتركين إلى ٨٤% ثم انخفض إلى ٦٥% عام ١٩٦٩ ثم انخفض إلى ٥٦.٥% عام ١٩٨٩.
ويضم الهستدروت أربعة تشكيلات رئيسية مختارة على أساس حزبي، فالمؤتمر العام يُنتخَب كل أربعة سنوات بواسطة قوائم الأحزاب، ثم يَنتخب المؤتمر العام مجلساً تنفيذياً ويختار هذا بدوره لجنة تنفيذية، ثم المكتب الإداري ـ ويقع في قمة التشكيل الهرمي ـ فيتولَّى تصريف الشئون المعقدة اليومية المتعلقة بتنفيذ قرارات المجلس واللجنة.
стр. 8029
وقد كان من أهم أسباب نجاح الهستدروت في ممارسة أدواره المتعددة سيطرة الأحزاب العمالية حتى سنة ١٩٧٧، وجزئياً بعد ذلك، وهو ما أتاح لها مساندة اقتصاد الهستدروت. كما أن احتفاظ حزب العمل بموقعه ومركزه في الحياة السياسية الإسرائيلية يعود إلى علاقته القوية بالهستدروت. ومنذ عام ١٩٣٢ حينما كان الماباي الموجِّه الفعلي، كانت له أكثرية مطلقة في المجلس التنفيذي للهستدروت. ولم يتغيَّر الوضع كثيراً حتى الستينيات، فالتجمُّع العمالي (المعراخ) أحرز نسبة مئوية قدرها ٨٨.٥% من الأصوات في انتخابات الهستدروت عام ١٩٦٥. وتتضح لنا هذه العلاقة أكثر بمعرفة أن بن جوريون كان أول سكرتير عام للهستدروت. ولكن تجب الإشارة إلى أن هيمنة المعراخ والصهيونية العمالية آخذة في التآكل، ولذلك يُلاحَظ تآكل النسبة المئوية التي حصل عليها المعراخ في الانتخابات الأخيرة. ففي انتخابات أعوام ١٩٨١، ١٩٨٥، ١٩٨٩ حصل تحالف حزب العمل على نسبة ٦٤%، ٦٧%، ٦٤% على التوالي أما الليكود فحصل على ٢٦%، ٢١%، ٢٧% على التوالي.
وفي انتخابات الهستدروت في مايو ١٩٩٤ فازت قائمة مستقلة بقيادة حاييم رامون (أحد أعضاء حزب العمل السابقين) بنسبة ٤٧%، أما حزب العمل فحصل على ٣٢%، وحصل الليكود على ١٧%، وبذلك انتهت سيطرة حزب العمل على الهستدروت التي استمرت مدة ٧٠ عاماً. ولكن رامون ومجوعته عادت إلى صفوف حزب العمل بعد اغتيال إسحق رابين عام ١٩٩٥ حيث شغل منصب وزير الداخلية في حكومة شيمون بيريز. وفي ٢٦ ديسمبر ١٩٩٦ نفَّذ الهستدروت إضراباً عن العمل شل مظاهر الحياة في إسرائيل احتجاجاً على السياسة الاقتصادية لحكومة الليكود وميزانيتها لعام ١٩٩٧. وقد قامت الأحزاب العربية في إسرائيل لأول مرة منذ تأسيسها ومنذ قبول العرب كأعضاء كاملين في سنة ١٩٦٩ بتشكيل قائمة موحدة لخوض انتخابات الهستدروت عام ١٩٨٩.
стр. 8030
ولابد من الحديث عن علاقة رأس المال الخاص في إسرائيل بالهستدروت، فنجد أنه في عام ١٩٦٠ كان القطاع الخاص في إسرائيل يساهم بـ ٥٨.٥% من الإنتاج، وكان القطاع العام يساهم بـ ٢١.١%، والهستدروت ٢٠.٤%. وفي عام ٨٠ / ٨١ ساهم القطاع الخاص بـ ٥٤% والقطاع العام بـ ٢٤% والهستدروت ٢٢%، وفي التسعينيات زادت نسبة مشاركة القطاع الخاص. ولكن مساهمة الهستدروت في الإنتاج الصناعي تتم أيضاً من خلال القطاع الخاص إذ يمتلك الهستدروت ٥٠% من مؤسساته مناصفة مع بعض شركات القطاع الخاص، أي أن مساهمته الحقيقية في الإنتاج هي ١٠% وحسب. ولا تزيد اليد العاملة التي يستخدمها عن ١٧.٥% (١٩٦٥) . وحسب هذه الخريطة لم يكن بُد أن يهيمن القطاع الخاص على الحكم في إسرائيل وأن تُطرَد البيروقراطية العمالية، ولكن تكوين إسرائيل الاستيطاني يفرض على الطبقة الرأسمالية (وتنظيماتها الحزبية) أن تظل في المرتبة الثانية (على عكس البنى الاستيطانية الأخرى مثل جنوب أفريقيا وروديسيا حيث يستولى الرأسماليون دائماً على الحكم) . وهذا يرجع لخصوصية الاستيطانية الصهيونية فهي استيطانية/إحلالية طردت السكان الأصليين وهو ما جعلها تخلق طبقتها العاملة والزراعية الخاصة (على عكس الطبقات الحاكمة في جنوب أفريقيا التي تشكل طبقة من الرأسماليين والملاك الزراعيين) ، كما أن الاستيطانية الصهيونية مُموَّلة من الخارج عن طريق الجماعات اليهودية في العالم والدول الإمبريالية (على عكس جنوب أفريقيا وروديسيا) . كل هذا يساعد على إحكام هيمنة البيروقراطية العمالية متمثلة في الهستدروت على المجتمع الإسرائيلي، وهو ما يعوق نشوء طبقة رأسمالية محلية تلعب دوراً قيادياً. بل إننا نجد أن الهستدروت يؤثر بصورة مباشرة وغير مباشرة في القطاع الخاص الإسرائيلي (وفي بناء المجتمع الاقتصادي ككل) . فالهستدروت يتحكم في الأجور وغالباً ما يعمد إلى تعديلها في ضوء ارتفاع تكاليف المعيشة وليس في ضوء
стр. 8031
الإنتاجية، ويؤدي ارتفاع الأجور وعدم تكافئها مع معدل الإنتاجية إلى اتجاهات تضخمية تسبب بدورها ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة الذي يؤدي بدوره إلى ارتفاع الأجور ـ والمحصلة النهائية لهذه العملية هو ظهور «الشعب الطفيلي» ، أي أولئك الأجراء وأصحاب المعاشات الذين لا يتناسب دخلهم مع طاقتهم العملية المستغلة. وقد سبَّب هذا انخفاضاً في الإيرادات والأرباح العامة من الاستثمارات الخاصة والفردية. وقد نجم عن هذا الوضع هبوط حماس الرأسمالية المحلية الصغيرة الضعيفة الأمر الذي يضطر رأس المال الإسرائيلي للتعاون مع الشركات الغربية والاستثمارات الأجنبية، أي أن مشاركة الهستدروت "الاشتراكية" في الاقتصاد ينتج عنها مزيد من التبعية لرأس المال العالمي وفقدان الاتجاه والرؤية المحددة.
هذا، وكان الهستدروت يلعب دوراً أساسياً في الدفاع عن الصورة الإسرائيلية في الأوساط الاشتراكية والثورية في العالم، وله علاقات قوية بالتنظيمات النقابية الاشتراكية الديموقراطية، ويلعب الهستدروت دوراً خطيراً في تخريب الحركة النقابية في العالم الثالث، إذ أنشأ المعهد الأفرو ـ أسيوي للدراسات العمالية، وهو معهد ظهر أن وكالة المخابرات الأمريكية كانت تموله، كما كان الهستدروت يصدر جريدة دافار وله دار نشر خاصة به.
الكيبوتس: نموذج مصغر للاستعمار الاستيطاني الصهيوني
Kibbutz: Micro-Paradigm of Zionist Settler Colonialism
стр. 8032
«الكيوبتس» كلمة عبرية تعني «تجمُّع» وجمعها «كيبوتسيم» وتصغيرها «كيبوتساه» . وهي شأنها شأن معظم المصطلحات الصهيونية (مثل «عالياه» بمعنى «الارتفاع» أو «السمو» والتي تعني «الهجرة إلى إسرائيل» ) لها بُعد شبه ديني. ولعل الاصطلاح الديني اليهودي «كيبوتس جاليوت» أو «تجميع المنفيين» ولم شمل كل يهود العالم في فلسطين هو الذي استقى منه الصهاينة هذه التسمية. وتُستخدَم الكلمة في الكتابات الصهيونية للإشارة إلى مستوطنة تعاونية تضم جماعة من المستوطنين الصهاينة، يعيشون ويعملون سوياً، ويبلغ عددهم بين ٤٥٠ و٦٠٠ عضو، وإن كان العدد قد يصل إلى ألف في بعض الأحيان.
ويُعدُّ الكيبوتس من أهم المؤسسات الاستيطانية التي يستند إليها الاستعمار الصهيوني في فلسطين المحتلة. بل يُقال إن الكيبوتس هو أهم المؤسسات السياسية والاجتماعية على الإطلاق داخل الكيان الصهيوني. وهو مؤسسة فريدة مقصورة على المجتمع الصهيوني. إذ لا توجد أية مؤسسة تضاهيها في الشرق الأوسط أو خارجه (وإن كنا نجد بعض مواطن الشبه بينها وبين بعض المؤسسات التي تضم جماعات وظيفية قتالية مثل الأنكشارية والمماليك) . بل يمكن النظر للكيبوتس باعتباره مؤسسة نماذجية لتوليد جماعة وظيفية شبه عسكرية، ولعل مركزيته تعود إلى أن الدولة الصهيونية نفسها دولة وظيفية.
ورغم تنوُّع انتماءات الكيبوتسات السياسية فإن كل المستوطنات، شأنها شأن الأحزاب السياسية في إسرائيل، تلتزم بالرؤية الصهيونية وبالخط الصهيوني، بل إنها كوَّنت عام ١٩٦٣ تنظيماً عاماً لحركة الكيبوتس تشترك فيه كل المزارع الجماعية بغض النظر عن انتمائها السياسي. وتدين كل الكيبوتسات بالولاء للحركة الصهيونية، وهذا أمر منطقي تماماً لأنها مشاريع غير مربحة ومموَّلة من قبَل هذه الحركة.
стр. 8033
وحتى ندرك مدى أهمية الكيبوتس داخل الكيان الصهيوني، سنورد بعض الإحصاءات التي قد تعطي القارئ فكرة واضحة ومثيرة عن مدى إسهام هذه المؤسسة في المجتمع الصهيوني. فعلى سبيل المثال لا الحصر، بلغت نسبة أعضاء الكيبوتس في النخبة الحاكمة (أي بين قيادات المجتمع الإسرائيلي) سبعة أضعاف نسبتهم في المجتمع (ويكفي أن نذكر أن بن جوريون وموشيه ديان وشيمون بيريز وييجال آلون وغيرهم من أبناء الكيبوتسات) . ومع أن أهمية الكيبوتس آخذة في التناقص إلا أن النسبة في الوقت الحاضر لا تزال أربعة أضعاف. وكان ثُلث الوزراء الإسرائيليين من ١٩٤٩ حتى ١٩٦٧ من أعضاء الكيبوتس، كما أن ٤٠% من إنتاج إسرائيل الزراعي و٧% من صادراتها من إنتاج الكيبوتسات، و٨% من إنتاجها الصناعي.
ويمكن القول بأن تاريخ نشأة الكيبوتس وتطوره وبنيته وما لحق به من تآكل وما يواجهه من أزمات يجعل منه نموذجاً مصغراً للاستيطان الصهيوني: أصوله ـ تاريخه ـ طبيعته ـ أزمته. ولذا فدراسة الكيبوتس أمر مهم من الناحية المنهجية من منظور دراسة الصهيونية والاستيطان الصهيوني.
الكيبوتس: السمات الأساسية
Kibbutz: Main Traits
السمة الأساسية للكيبوتس، شأنه شأن أية مؤسسة استيطانية إحلالية، أنه مؤسسة عسكرية بالدرجة الأولى. فعلى سبيل المثال، كان اختيار موقع الكيبوتس يتم لاعتبارات عسكرية بالدرجة الأولى، ثم لاعتبارات زراعية بالدرجة الثانية. وتظهر طبيعة الكيبوتس العسكرية في أن أعضاءه لا يتدربون على الزراعة وحسب، وإنما على حمل السلاح أيضاً. ويقوم الكيبوتس بغرس القيم العسكرية في أعضائه من خلال الدعاية الأيديولوجية والتربية الرسمية وغير الرسمية اليومية، وبخاصة من خلال أسلوب الحياة.
стр. 8034
وقد ساهمت الكيبوتسات في إنشاء الكيان الصهيوني والحركة الاستيطانية الإحلالية، قبل وبعد إنشاء الدولة الصهيونية. فقامت الكيبوتسات بتنظيم الهجرة غير الشرعية إلى فلسطين منذ عام ١٩٣٤. واستمرت في هذا النشاط حتى بعد أن تأسست منظمة خاصة للهجرة غير الشرعية عام ١٩٣٩.
وبسبب تكامل الاستيطان والقتال، زاد عدد مزارع الكيبوتس بعد الثلاثينيات أثناء الثورة العربية. فقبل هذا التاريخ كانت مزارع الموشاف (وهي مزارع تعاونية أقل جماعية ولا تتسم بالصبغة العسكرية) تنمو بنسبة تفوق مزارع الكيبوتس. ولكن بعد عام ١٩٣٦ تغيَّرت النسبة لصالح الكيبوتس (ويُلاحَظ كذلك أنه بعد إنشاء الدولة وبظهور الجيش الإسرائيلي الذي يضطلع بمهام الدفاع زاد عدد مزارع الموشاف مرة أخرى، وتراجع عدد الكيبوتسات) .
لعبت الكيبوتسات دوراً بارزاً في منظمة الهاجاناه العسكرية الصهيونية قبل عام ١٩٢٩. وتؤكد موسوعة الصهيونية وإسرائيل أن كل أعضاء الكيبوتسات كانوا أعضاء في الهاجاناه، وأن عدداً كبيراً من ضباط الهاجاناه أتوا من الكيبوتسات. وتضيف الموسوعة أن هذا لم يكن غريباً على الإطلاق "لأن بنية الكيبوتس نفسها ونظامه يشبهان من بعض النواحي التنظيم العسكري". فأعضاء الكيبوتس ليسوا مرتبطين بأي بناء أسري، ولم يكن مفروضاً عليهم توفير الرزق لأعضاء أسرهم، وإنما كانوا أفراداً لا تربطهم أية أواصر صداقة مع أحد، ويمكن استدعاؤهم للخدمة العسكرية كلما وحيثما دعت الحاجة لذلك (فهم بنيوياً مثل الجنود المرتزقة) . كما أن معظم أعضاء الكيبوتسات في تلك الفترة ذكوراً كانوا أم إناثاً، كانوا شباناً في سن الخدمة العسكرية ليس بينهم أطفال أو عجائز. ولذا كان من السهل إقامة الكيبوتسات بسرعة والدفاع عنها بصلابة.
стр. 8035
وقد قامت حركة الكيبوتسات في السنوات الأخيرة من حكم الانتداب البريطاني بدور أساسي في "خلق الحقائق" بإنشاء مستوطنات جديدة في المناطق النائية. فاستوطن أعضاء الكيبوتس في شمال النقب، وجبال القدس ومناطق أخرى. وقد أنشأ المستوطنون الصهاينة ما يزيد عن ٥٢ مستوطنة من نوع السور والبرج، وكان من بينها ٣٧ مزرعة كيبوتسية.
وحينما قررت الهاجاناه إنشاء وحدات الصاعقة النظامية (البالماخ) ولم تكن تملك الاعتمادات الكافية، بادرت حركة الكيبوتس بتجنيد الأعضاء ورتبت ساعات العمل لهم بحيث أصبح في مقدور عضو الكيبوتس أن يعمل نصف شهر في المزرعة الجماعية، والنصف الآخر في صفوف البالماخ. ولذا حينما اندلعت حرب عام ١٩٤٨ بعد إعلان قيام الدولة الصهيونية كان حوالي ٢٠٠٠ عضو في البالماخ يعيشون في ٤١ كيبوتس.
وكانت الكيبوتسات تشكل مواقع للترسانات العسكرية ومصانع للذخيرة، لذلك كانت القوات البريطانية تهاجم الكيبوتسات دائماً بحثاً عن الذخائر وعن أعضاء البالماخ كما حدث يوم ٢٩ يونيه ١٩٤٦ حينما هاجمت القوات البريطانية عشرات الكيبوتسات.
وقد استمر الكيبوتس في أداء هذا الدور الأساسي في المؤسسة العسكرية بدرجات متفاوتة، فساهم في التوسع الصهيوني في الأراضي العربية التي احتُلت عام ١٩٦٧، كما أنه لا يزال ينهض بدور مهم في عملية الاستيطان التي تتم في الضفة الغربية (وإن كانت الأشكال الأخرى من الاستيطان مثل الموشاف هي الأكثر شيوعاً الآن) .
стр. 8036
ولا تزال نسبة كبيرة من القيادات العسكرية في الجيش النظامي والاحتياط تأتي من هناك. فعلى سبيل المثال، ورد في إحدى الإحصاءات أن رُبع ضباط جيش الكيان الصهيوني وثلث الطيارين المقاتلين أعضاء في الكيبوتس. ولعل أكبر دليل على أن الكيبوتس يمثل العمود الفقري للعسكرية الصهيونية هو أن ٣٣% من ضحايا حرب ١٩٦٧ من أبناء الكيبوتس (ولنتذكر أن نسبتهم القومية هي أقل من ٤%) . ويقوم أبناء الكيبوتس بأشق المهام العسكرية وأخطرها، كذلك المهام السرية في الداخل والخارج ذات الطابع الانتحاري (مثل عملية مطار عنتيبي في أوغندة) . ويوجد عدد كبير منهم في الوحدات الخاصة مثل المظليين والضفادع البشرية.
ورغم أن الكيبوتس مؤسسة عسكرية إلا أنها ليست مؤسسة عسكرية بالمعنى المألوف للكلمة، وإنما هي جماعة وظيفية عسكرية استيطانية (مملوكية) وظيفتها هي القتال والاستيطان، وما عدا ذلك من وظائف فثانوي. ويتضح هذا في الطبيعة المملوكية لنمط الحياة. وبالفعل نجد أن الحياة داخل الكيبوتس جماعية إلى أقصى حد، كما نجد أن أشكال التعبير الفردية في حكم المنعدمة، فملكية الأرض والمباني والأدوات، بل أحياناً الملابس الشخصية، ملكية جماعية.
стр. 8037
وحينما ينضم عضو للكيبوتس فهو لا يشتري شيئاً لأنه لن يملك شيئاً، وحينما يترك الكيبوتس فإنه لا يبيع شيئاً ولا يأخذ معه شيئاً (وإن كانت السنوات العشرون الأخيرة بدأت تشهد منح العضو مكافأة مالية صغيرة في بعض الأحيان) . ولا يتقاضى الأعضاء مرتبات وإنما يحصلون على كل احتياجاتهم الأساسية دون مقابل مثل الطعام والمسكن والملبس وأحياناً إصلاح الملابس وغسلها، والرعاية الطبية ورعاية الأطفال والتعليم. أما احتياجات الفرد الأخرى مثل شراء بعض السلع الاستهلاكية الصغيرة (إناء زهور مثلاً) أو قطع الملابس الكمالية وتكاليف الإجازات التي يقضيها خارج الكيبوتس فيقوم بدفع تكاليفها بنفسه من مصروف جيبه الشهري الذي يعطيه له الكيبوتس، وإن تبقى معه أي مبلغ من النقود فعليه أن يعيده لصندوق الكيبوتس (بل كان من المحظور على أي عضو حتى عهد قريب أن يكون له حساب خاص في البنك) .
ويقوم أعضاء الكيبوتس بالعمل في أحد الأنشطة التي يقوم عليها الكيبوتس. مع ذلك فإن بعضهم يقوم بالعمل خارج نطاق الكيبوتس سواء في المشروعات التي يتولى الكيبوتس تنفيذها في الأقاليم أو في مؤسسات الدولة أو في أماكن أخرى. وفي هذه الحالة يستمر هؤلاء في العيش داخل الكيبوتس ويستفيدون من خدماته الاجتماعية إلى جانب تناول الطعام، ويحصلون على الخدمات نفسها التي يحصل عليها بقية الأعضاء إلى جانب قيامهم بتناوب خدمات الحراسة. وهذه الخدمات التي تحصل عليها هذه الشريحة من الأعضاء بالطبع ليست بالمجان، ولكنهم يحصلون عليها مقابل تنازلهم للكيبوتس عن مرتباتهم التي يتقاضونها في الخارج. ولا يتمتع أعضاء الكيبوتس بأية حياة أسرية مستقلة، فهم يتناولون معظم الوجبات سوياً (وعدم تناول الطعام مع الجماعة في الكيبوتس يُعَدُّ رفضاً لها وارتداداً إلى حياة الجيتو) . والأطفال كذلك يعيشون بعيداً عن والديهم، لا يقومون بزيارتهما إلا بعض الوقت بعد الدراسة وبعد ساعات العمل.
стр. 8038
وإضعاف الروابط الأسرية في الكيبوتس يتم لحساب الروابط القومية ولحساب الولاء للدولة أو المؤسسة. فالفرد الذي لا يعيش حياة خاصة به، والذي ليس له ذكريات فردية، ولا يربطه أي رباط بأي إنسان آخر، هو الفرد القادر على الانتماء بسهولة ويسر إلى جماعته الوظيفية، وهو الإنسان القادر على تكريس ذاته لوظيفته مهما بلغت من لا إنسانية، وهو الإنسان القادر على الإيمان بمجردات وأوهام ليس لها سند في الواقع. ويبدو أن التنشئة الاجتماعية في الكيبوتس تهدف إلى هذا أساساً. فالطفل الذي يعتمد على المؤسسة (لا على أبيه أو أمه) في معيشته وملبسه، تضعف العلاقة بينه وبين أبويه وتَقوَى بينه وبين المؤسسة التي يتبعها بعد ولادته ببضعة أيام حيث يوضع في بيت الأطفال ويمكث هناك مدة سنة ينتقل بعدها إلى بيت الصغار. وفي تلك المرحلة يُسمَح للأبوين باصطحاب طفلهما إلى البيت لقضاء بضع ساعات معهما.
وفي سن الرابعة يُرسَل الطفل إلى دار الحضانة، وينتقل منها إلى المدرسة الابتدائية عند بلوغه السابعة. والمرحلة النهائية من النظام التعليمي هي المرحلة الثانوية التي يدخلها الطفل في سن الثانية عشرة حتى يبلغ الثامنة عشرة. وعبر كل هذه المراحل يُلقَّن الطفل العقيدة والقيم الصهيونية ويدرس مواد دراسية مثل المادة التي تُسمَّى «الوعي اليهودي» .
ولكل كيبوتس كبير مدارسه الخاصة بجميع مراحل النظام التعليمي. وتشترك الكيبوتسات الصغيرة سوياً وتنشىء المدارس الخاصة بها. ومستوى التعليم في هذه المدارس عال، وخصوصاً أن المدرسين فيها من أعضاء الكيبوتس، ولذلك فهم يتسمون بنفس التفاني في خدمة الجماعة، فهم لا يُضربون عن العمل لزيادة الأجر، كما هو الحال مع زملائهم في النظام التعليمي العام. وعند بلوغ الثامنة عشرة يقوم عضو الكيبوتس بأداء الخدمة العسكرية الإلزامية (لمدة ثلاثة سنوات) وعند عودته قد ينضم إلى إحدى الجامعات أو المعاهد الفنية.
стр. 8039
وهكذا ينشأ عضو الكيبوتس من المهد إلى اللحد دون الدخول في علاقة إنسانية فردية مباشرة. فهو دائماً عضو في هذه المؤسسة أو تلك، وهو ما يجعله إنساناً قادراً على تلقِّي الأوامر دون تفكير أو احتجاج. وكثير من أطفال الكيبوتس يفقدون كل صلة بآبائهم بعد بلوغهم الثالثة عشرة، وهم في هذا يشبهون المماليك الذين كانوا يُختَطفون من بلادهم في سن مبكرة، ثم يُنشَّئون تنشئة جماعية تفقدهم فرديتهم وإنسانيتهم، وتحوِّلهم إلى جماعة محاربة ليس لها روابط اجتماعية أو إنسانية، متفرغة تماماً للقتال وحسب.
وكانت جماعية الكيبوتس في بداية الأمر لا تلتزم بأية معايير، فقد كان كل شيء مملوكاً ملكية جماعية حتى الملابس الداخلية. ولم تكن هناك حمامات منفصلة للرجال والنساء. ولكن بعض هذه الأشكال الجماعية المتطرفة قد اختفت وإن احتفظ الكيبوتس بطابعه الجماعي الأساسي.
وتظهر جماعية الكيبوتس في طريقة الإسكان، الذي يتبع خطاً واحداً متكرراً من كيبوتس لآخر. إذ تُقسَّم مباني المزارع الجماعية إلى قسمين: المساكن والمباني الأخرى. أما المساكن فهي عادةً وحدات متقاربة يتكون كل منها من طابق واحد، تقع بين مجموعة من الأشجار، وكل وحدة سكنية مقسمة إلى شقتين أو ثلاثة، وتتكون كل شقة من غرفة صغيرة يقطنها رجل وامرأة. ويتم تنظيف الثياب وكيها في بيت الغسيل العام. وأثاث هذه المنازل بسيط إن لم يكن متواضعاً، وإن وُجد تليفزيون أو جهاز ستيريو فيوضع عادةً في غرفة المعيشة الجماعية.
стр. 8040
ويضم الكيبوتس أيضاً عدة مبان: مبنى الثقافة (وهو من أهم المباني) ، ومبنى الاجتماعات، وحمام سباحة، وقطعة أرض مخصصة للرياضة. وعلى مقربة من المجموعة السكنية من المباني توجد المجموعة الإنتاجية، وتضم حظائر الحيوانات والمصانع والمزارع نفسها. وتوجد منازل الكيبوتس وصالة الطعام والمدرسة وقاعة الاجتماعات والمباني الأخرى في وسط الكيبوتس، أما المزارع والمصانع والحقول فإنها تلتف من حوله (وهو ما يبيِّن طبيعته العسكرية) .
ويهدف التصميم المعماري للكيبوتس إلى إضعاف الروح الأسرية وتقوية الروح الجماعية، فكثير من أعضاء الكيبوتس يرون أن الزواج مؤسسة بالية لابد من التخلي عنها، فهي مظهر من مظاهر الجيتوية والفردية التي ينبغي التخلي عنها. وحتى الآن لا يتطلب عقد الزواج سوى التقدم بطلب للحصول على غرفة مشتركة، وعند الطلاق يُلغَى هذا الترتيب. بل في بعض الأحيان تم إلغاء تعبير «شاب» و «شابة» ، وأحياناً يُشار للأزواج على أنهما «زوج» بمعنى «اثنين» ، وقد نتج عن كل هذا بطبيعة الحال ارتفاع معدلات الطلاق.
стр. 8041
ومن أهم العناصر التي تحافظ على جماعية الكيبوتس وتدعمها وتحوِّلها إلى ممارسة حياتية يومية، لجان الأمن التي كانت تقوم بالتجسس على الأعضاء وبتفتيش غرفهم وفتح خطاباتهم. وتقوم هذه اللجان بالتنسيق مع الجيش وتؤدي كثيراً من وظائف الدولة، أي أنها تضطلع بوظيفة ترويض أعضاء الكيبوتس وترشيدهم واستئناسهم لصالح المؤسسة الحاكمة. وتتم هذه العملية من خلال ممارسة ضغط اجتماعي هائل مباشر، فالكيبوتس مجتمع كامل صغير. وقد وصف موتكي يحزقيلي، وهو مدرس في أحد الكيبوتسات، هذه الروح الجماعية التي تهدف إلى تفريخ المقاتلين بقوله: إن عضو الكيبوتس ينشأ في جو كثيف من الناحية الجسمية والعقلية، فديناميات الكيبوتس الاجتماعية قاسية لأقصى درجة. فالجماعة هي التي تقرر نوع الموسيقى الذي ستسمعه وأية آلة موسيقية ستلعبها وفي أية وحدة عسكرية ستكون خدمة عضو الكيبوتس العسكرية. وإذا رفض أحد الأعضاء التطوع في الجيش واتخذ موقفاً من حرب لبنان (على سبيل المثال) تقوم لجنة الأمن بعملية تحريض ضده من خلال أعضاء الأسرة الكيبوتسية، فيُتهم بأنه ليس محارباً ولا مقاتلاً، بل يُتهم في رجولته، ويتم هذا الأمر في محيط الحياة العامة الخارجية، وفي محيط الأسرة، وفي حياته الخاصة، الأمر الذي يجعل الضغوط ذات تأثير قوي.
ومن المبادئ الأساسية التي تنطلق منها حركة الكيبوتس، مبدأ الديموقراطية والمساواة بين الأعضاء في كل شيء. ويترجم هذا نفسه إلى ما يُسمَّى «سياسة الحكم الذاتي» . إذ تتخذ كل القرارات الخاصة بالكيبوتس من خلال نظام إداري يتم بالانتخاب. والسلطة العليا هي المؤتمر العام للكيبوتس، الذي يضم جميع الأعضاء ويأخذ شكل اجتماع أسبوعي (عادةً يوم السبت) .
стр. 8042
ولكن مع هذا يبدو أن سلطة المؤتمر العام للكيبوتس لا تمتد إلا إلى التفاصيل. إذ تظل القرارات الأساسية بشأن إدارة مزارع الكيبوتس وتحديد سياستها الإنتاجية والاقتصادية متروكة لأمانة اتحادات مزارع الكيبوتس بالاشتراك مع أمانات الأحزاب التي تنتمي إليها. وتوضع هذه القرارات موضع التنفيذ داخل الكيبوتس من خلال فئة صغيرة من الأفراد يتناوبون المراكز القيادية فيما بينهم. ولعل هذا يُفسِّر انصراف الأعضاء عن حضور مثل هذه المؤتمرات التي من المفروض أن تكون لها كل السلطة. ولذا نجد أن السلطة داخل الكيبوتس تتركز في يد السكرتير العام للمؤتمر والمدير الاقتصادي.
ومن أشكال المساواة المتطرفة في الكيبوتس، المساواة بين الرجل والمرأة، فيقوم الجميع بالأعمال اليدوية نفسها، شاقة كانت أم هيِّنة. وقد بلغ البعض في تطرفه أنه أنكر على المرأة حقها في التزين، لأن هذا من شأنه أن يخلق الحواجز والتفرقة بين الرجل والمرأة. وقد نجح الكيبوتس إلى حدٍّ كبير في إعداد الكثير من النساء للقوات المسلحة الإسرائيلية، وإن كان معظمهن يقمن بأعمال إدارية، مثل الأعمال الكتابية والتمريض في الميدان، ويبتعدن عن المهام القتالية.
وهذا الحديث عن المساواة والديموقراطية يجب ألا يعمينا عن حقيقة الكيان الصهيوني التسلطية العنصرية. فالمساواة قد تكون أمراً مطبقاً داخل أسوار الكيبوتس، وحتى هذا أمر مشكوك فيه، ولكنها لا تتعداه على الإطلاق، إذ يظل محظوراً على العرب (بل على اليهود الشرقيين الذين جاءوا من بلاد عربية) الانضمام لهذه الكيبوتسات، فهي شأنها شأن الجيش الإسرائيلي، مؤسسة إشكنازية (يهودية غربية بيضاء) .
стр. 8043
ومن المفاهيم الأخرى التي تستند إليها حركة الكيبوتس (شأنها في هذا شأن الحركة التعاونية الصهيونية) ، مفهوم العمل العبري الذي يذهب إلى أن اليهودي كي يشفي نفسه من طُفيليته الجيتوية ومن ضعفه وخوره، لابد أن يعمل بيديه، وأن الأمة اليهودية لن تصبح أمة بمعنى الكلمة إلا إذا ضمَّت في صفوفها عمالاً وفلاحين. ومن هنا يصبح العمل اليدوي الطريقة التي يُولَد بها اليهودي الجديد ليحل محل يهودي الجيتو القديم.
ولكن العمل اليدوي، شأنه شأن الجوانب الأخرى للحياة في الكيبوتس، هو رد فعل للظروف في فلسطين والنسق الصهيوني الفكري. فالصهيوني الذي يعمل بيديه سيشفي نفسه من أمراضه الهامشية والطفيلية (وهذا هو الجانب العقائدي) ولكنه لن يضطر إلى استئجار العرب، وبالتالي سيتمكن من طردهم (وهذا هو الجانب العملي) .
стр. 8044
ولكن لا الجماعية ولا العمل اليدوي نجحا في جعل الكيبوتس مشروعاً اقتصادياً ناجحاً، إذ ظل الكيبوتس في الماضي والحاضر جزءاً من الاقتصاد الاستيطاني الذي يعتمد بالدرجة الأولى على التمويل الخارجي. والكيبوتس لا يختلف كثيراً عن الدولة الصهيونية التي تعتمد على المعونات الخارجية. وكما أن الدول العظمى تمول إسرائيل، نجد أن الوكالة اليهودية تدعم المستوطنات وتمولها، ويأخذ هذا الدعم أشكالاً مختلفة، فالمساحات الشاسعة التي حصل عليها الكيبوتس (وهي رأسماله الثابت الأساسي) ، حصل عليها دون مقابل عن طريق الاغتصاب من العرب، وهو لا يدفع عنها سوى إيجار زهيد للوكالة اليهودية. وتنال الكيبوتسات معاملة مفضلة من حيث الإعفاء من الضرائب وتقديم المساعدات والهبات المالية والقروض المعفاة من الفوائد أو بفوائد منخفضة. وتوفر الدولة والمصادر الصهيونية الرسمية الوقود والأسمدة والكهرباء والمياه، كما يوجد سعران متفاوتان لمياه الري، واحد يُطبَّق على العرب والآخر يُطبَّق على يهود مزارع الكيبوتس. هذا بالإضافة إلى الإجراءات الخاصة التي تُتخذ لحماية مستوطنات الكيبوتس والتسهيلات الائتمانية التي تُمنح لها، أي أن اكتفاء مزارع الكيبوتس الذاتي الذي تروج له بعض المراجع الصهيونية، يشبه من بعض الوجوه اكتفاء إسرائيل الذاتي الممول. وإذا كانت الدول العظمى تمول إسرائيل وتدعمها حتى تحوِّلها إلى قاعدة عسكرية لا تملك أسباب البقاء بمفردها، فإن الحركة الصهيونية تموِّل المستوطنات والكيبوتسات للسبب نفسه، إذ كلما ازداد التمويل والدعم، ازداد اعتماد المستوطنات والمستوطنين على المؤسسة الصهيونية. وبالتالي يصبح التمويل من قبيل التكبيل، إذ حينما ينضم الإسرائيلي إلى إحدى المستوطنات فهو لا يدفع شيئاً حقاً، ولكن تُنفَق عليه أموال باهظة (نفقات تعليم وإسكان وخلافه) ، ولذلك يصبح من العسير عليه الانسحاب من المشروع الذي انضم إليه.
стр. 8045
الكيبوتس: تحولاته الجوهرية
Kibbutz: Radical Changes
إذا كان الكيبوتس هو المجتمع الصهيوني مصغراً ومبلوراً، فأزمته هي أيضاً أزمة هذا المجتمع مصغرة ومتبلورة. والتحولات التي طرأت عليه هي تعبير مصغر متبلور عن التحولات التي طرأت على العقيدة الصهيونية. وثمة مظاهر كثيرة لتحولات الكيبوتس وللأزمة التي يواجهها يمكن أن نذكر منها ما يلي:
١ ـ المرأة:
حاولت الحركة الكيبوتسية ـ كما أسلفنا ـ أن تقضي على بعض المؤسسات الاجتماعية الإنسانية ـ مثل الزواج والأسرة بحجة أنها مؤسسات بورجوازية قديمة بالية، وأن «التقدم» يتطلب أن نطرحها جانباً. بل إن كثيراً من الكيبوتسات حاولت أن تلغي الفروق بين الرجل والمرأة حتى يتم «تحرير» المرأة تحريراً كاملاً، ولذلك تم توزيع العمل بين الأعضاء بغض النظر عن الأساس الجنسي، وأصبح من الممكن أن يوكل للمرأة أي عمل أو وظيفة. ومما ساعد على هذا الاتجاه أن تنشئة الأطفال الجماعية، بعيداً عن نفوذ الوالدين «أعفى» المرأة من وظيفة الأمومة، وهي الوظيفة التي تعوقها في جميع المجتمعات الأخرى عن القيام بوظائف الرجال وأعمالهم.
هذا البرنامج التحرري برنامج غير إنساني، ينكر الكثير من حقائق الحياة البيولوجية والنفسية التي لا مناص من قبولها. ولذلك ليس من قبيل الصدفة أن أولى المشاكل التي واجهها الكيبوتس هي مشكلة المرأة التي يهدف إلى "تحريرها" من سجنها البيولوجي وإلى "إعفائها" من أمومتها. ولكن ما حدث أن المرأة لم تجد الخلاص في الكيبوتس، بل أصبحت من أكبر عناصر عدم الاستقرار فيه للأسباب التالية:
أ) الأعمال اليدوية التي توكل لها شاقة ومضنية في غالب الأحيان، وهو ما يسبب لها العناء والإجهاد.
стр. 8046
ب) لم يتمكن الكيبوتس من تحقيق المساواة التامة بين الرجل والمرأة بسبب العوامل البيولوجية، فالمرأة الحامل غير قادرة على القيام بالأعمال الشاقة، وكثيراً ما تترك وظيفتها وتستعصي عليها العودة إليها بسبب قيام غيرها بها، بل إن كثيراً من المناصب القيادية في الكيبوتس آلت إلى الرجال لهذا السبب.
جـ) نتيجة كل هذه الظروف وجدت المرأة نفسها في قطاع الخدمات (الطبخ والتنظيف والغسيل) وهو قطاع لا ينال احترام أعضاء الكيبوتس لأنه "قطاع غير إنتاجي"، ولذا تحس المرأة إحساساً عميقاً بالنقص. كما أن كثيراً من هذه الأعمال غير خلاق وممل، وبخاصة إذا كان يؤدّى للغير بشكل دائم وخارج نطاق الأسرة المباشرة، ويقال إن المرأة التي تعمل في الكيبوتس في قطاع الخدمات، تقضي ثماني ساعات يومياً في إعداد الطعام أو غسل الملابس.
د) وهناك أخيراً رغبة المرأة في استرجاع أمومتها التي "تحرَّرت" منها، وبيتها الخاص الذي "أُعفيت" منه، وأطفالها الذين "تخلصت" منهم.
لكل هذه الأسباب نجد أن المرأة وراء المطالبة بالملكية الفردية والحياة الخاصة (وهي عكس الحياة الجماعية شبه العسكرية التي يتطلبها الكيبوتس) ، بل إن كل الذكور الذين تركوا الكيبوتسات إنما فعلوا ذلك بسبب تعاسة المرأة وعدم رضاها عن أوضاعها. وهناك عدد كبير من النساء يرغبن في ترك الكيبوتس ولا يمكنهن ذلك بسبب ظروف الأزواج.
٢ ـ الترف:
стр. 8047
التقشف سمة من السمات الأساسية في الحياة داخل الكيبوتس، باعتباره مؤسسة عسكرية، ويظهر هذا التقشف في تحريم تملُّك الأفراد للأرض أو للآلات. وينصرف التحريم أحياناً إلى الأشياء الشخصية مثل الملابس. وقد كان التقشف يظهر أيضاً في أسلوب الحياة نفسها، من تحريم لتناول الطعام على انفراد إلى ممارسة أية نشاطات فردية. وجو التقشف هذا يشكل أساس التنشئة الاجتماعية العسكرية، وهو تكتيك عرفه المماليك من قبل، وعرفته كل المجتمعات التي كانت تعتمد على جماعات من المحاربين المرتزقة لحماية أمنها.
ولكن هذا الجانب من الحياة في الكيبوتس بدأ هو الآخر بالتآكل. فعلى سبيل المثال، بدأت تظهر الجماعات المنفصلة (للرجال والنساء) ، ثم بعد ذلك الحمامات المستقلة لكل أسرة، وظهرت كذلك المطابخ المستقلة، بل أحياناً المسكن المستقل (غرفتان وصالة ـ في العادة ـ وملحق مكوَّن من مطبخ وحمام) .
وبعض هذه المساكن مؤثث تأثيثاً فاخراً ويحتوي على أدوات ترفيه مثل الستيريو والتليفزيون الملون. ويُقال إن حمى الفيديو بدأت تكتسح إسرائيل بما في ذلك الكيبوتسات. وتجدر الإشارة إلى أن هناك سيارات خاصة بالكيبوتس تقوم بنقل الأعضاء إلى المدينة، وبإمكان العضو أن يحجز سيارة ليستخدمها بمفرده. وقد وصف أحد الكُتَّاب كيبوتس دجانيا عام ١٩٨٦، بمناسبة مرور ٧٥ عاماً على تأسيسه، فأشار إلى الترف الذي لم يحلم به المؤسسون الأوائل، مثل ملاعب التنس وحمام السباحة الذي تكلَّف نصف مليون دولار، وغرفة الطعام التي تكلَّفت مليون ونصف مليون دولار. ولنلاحظ هنا أن الابتعاد عن حياة التقشف ينتج عنه نوع من الاسترخاء، ولكن الأهم من هذا أنه يفت في عضد الاتجاه الجماعي الذي يُعدُّ ركيزة أساسية للشخصية العسكرية.
стр. 8048
ولعل من أهم التطوُّرات الأخرى في هذا الاتجاه (وهو تطور يُعَدُّ سلبياً من وجهة نظر مؤسسي الكيبوتس وقياداته) ، هو عودة الأسرة للظهور كما يتضح في عودة المسكن المستقل، وفي انضمام كثير من الأطفال إلى ذويهم وقضائهم كل أو معظم أوقات فراغهم في «منازلهم» أو وحداتهم السكنية المستقلة، بعيداً عن المدرسة وعن مؤسسات الكيبوتس المختلفة. بل إن بعض الكيبوتسات بدأت في إنشاء مساكن تشبه شقق الطبقات المتوسطة في أي بلد غربي حديث.
وبينما كان تناول الطعام على انفراد يُعَدُّ عودة للجيتوية أصبح الآن أمراً أكثر شيوعاً، وخصوصاً أن الصالة الملحقة بالمنزل المستقل أخذت تتحول بالتدريج إلى غرفة طعام يتناول فيها أعضاء الأسرة الواحدة بعض وجباتهم اليومية (ولكن مع هذا تظل طقوس الطعام الجماعي أمراً مهماً جداً في الكيبوتس) .
وإلى جانب تقلُّص التقشف على مستوى الحياة الفردية، نجد أنه آخذ أيضاً في التقلص على مستوى الحياة الجماعية في الكيبوتس ككل. فيُلاحَظ مثلاً أن بعض الكيبوتسات لها متحف خاص بها (ونهب آثار فلسطين من الهوايات الصهيونية الأثيرة. ويُعَدُّ موشي ديان، ابن الكيبوتس، من أكبر لصوص الآثار في الكيان الصهيوني) . ويوجد الآن فنانون مقيمون في الكيبوتسات، إذ وجدوا أن أسلوب الحياة في هذه المزارع الجماعية يوفر لهم الراحة والدعة المطلوبة كما أنه يوفر الأمان المالي. وبعض هؤلاء الفنانين ليسوا أعضاء في الكيبوتسات، وهذا في حد ذاته يُعَدُّ تطوراً عميقاً ـ أن يُسمح لمُستوطَن صهيوني أن يعيش داخل الكيبوتس دون أن يكون عضواً فيه.
стр. 8049
ومن أشكال الرفاهية الأخرى في الكيبوتس صالونات التجميل (الكوافير) لتصفيف شعر النساء، وقيام الكيبوتس بتنظيم رحلات لزيارة المسارح والمتاحف في المدن الكبيرة. بل إن الكيبوتس يقوم بتنظيم رحلات سياحية إلى الخارج لأعضائه الذين يقومون بجولاتهم داخل وخارج إسرائيل كجماعة، كما أنه يمول أعضاءه الذين يقومون بدراسات جامعية وعليا، فهم يحصلون على ما يشبه الإجازة الدراسية بمرتب. وقد نشرت إحدى الصحف مؤخراً مفردات متوسط دخل عضو الكيبوتس، فبيَّنت أن دخله الفعلي السنوي يضعه في شرائح المجتمع الإسرائيلي العليا.
من كل هذا يمكننا أن نستنتج أن الصورة النمطية المألوفة عن حياة التقشف داخل الكيبوتسات لم تعد دقيقة، وأن أعضاء الكيبوتسات قد لا يملكون شيئاً مثل المماليك، ولكنهم، شأنهم شأن المماليك أيضاً، يرفلون في حلل النعيم، ويكوِّنون في نهاية الأمر تشكيلاً طبقياً متميِّزاً، يتحكم في المجتمع وينعم بخيراته.
٣ ـ من الزراعة إلى الصناعة:
أشرنا إلى أن الطابع الزراعي العسكري للكيبوتس ليس مجرد صفة عرضية، وإنما سمة بنيوية (أي لصيقة ببنيته) ، ومن هنا أيضاً فإن تحوُّله من الزراعة إلى الصناعة يُعدُّ تحولاً بنيوياً عميق الدلالة، لأنه سيترك أثره في نمط الحياة داخله، وهذا ما يحدث الآن.
وقد بدأ هذا التحول في أواخر الخمسينيات حينما حقق الكيان الصهيوني فائضاً زراعياً كبيراً، ووُصف الكيبوتس حينئذ بأنه «عدو الدولة» اللدود، فكان على الكيبوتس حينئذ أن يتحول بالتدريج ليضمن لنفسه النجاح والبقاء الاقتصادي.
وقد يكون من المفيد أن نذكر بعض الحقائق التي قد تُعطي القارئ فكرة عن هذا التحوُّل. ففي عام ١٩٦٠ كان ٣٠ % من أعضاء الكيبوتس يعملون في الصناعة، أما عام ١٩٧٠، فقد بلغت نسبتهم ٤٥% وتزيد النسبة الآن عن ٥٠%.
стр. 8050
ولم تَعُد مزارع الكيبوتس «مزرعة جماعية» وإنما أصبحت مجموعة من المشروعات الصناعية الضخمة، تساوي ملايين الدولارات. وقد وصف مراسل الواشنطن بوست كيبوتس دجانيا بأنه «كيبوتس يديره مصنع» . وقد نجم عن هذا الانتقال تحوُّل في طبيعة الكيبوتس ونشوء عدد من المشاكل التي لم يضعها مؤسسو الكيبوتس في الحسبان:
أ) نظراً لطبيعة الكيبوتس الإحلالية التي أشرنا إليها يتحتم على الأعضاء أن يعملوا بأنفسهم، وهذا أمر مناسب لمهنة الزراعة، ولكنه غير مناسب للمشروعات الصناعية التي تتطلب أيادي عاملة وخبراء يتم تدريبهم خارج الكيبوتس في المعاهد والكليات الفنية المختلفة ولا يدينون بالولاء له. ويحاول الكيبوتس أن يحل المشكلة عن طريق الاستعانة بالصناعة الأوتوماتيكية أو عن طريق مشاركة العمال الحضريين الذين يعملون في الكيبوتس دون أن يصبحوا أعضاء فيه.
ب) نظراً لانصراف عدد كبير من أعضاء الكيبوتسات إلى الأعمال الصناعية بدأت العمالة العربية الأجيرة تظهر مرة أخرى داخل الكيبوتس للقيام بالأعمال الزراعية، وهذا يُعَدُّ ـ من وجهة نظر صهيونية ـ ضربة في الصميم لمفهوم العمل العبري.
جـ) انقسم العاملون في الكيبوتس إلى فريقين: أحدهما يعمل بالزراعة والآخر يعمل بالصناعة، وهو ما خلق كثيراً من التوترات. ومما عقَّد الأمور، أن المشروع الصناعي على عكس المشروع الزراعي، يجب أن يكون حجمه كبيراً نوعاً ما، والكيبوتس كان المفروض فيه أن يظل حجمه صغيراً حتى يتسم بالدينامية وحتى تُمكن إدارته ذاتياً، بل يمكن القول بأن الإدارة الذاتية للكيبوتس أصبحت أمراً عسيراً جداً بعد زيادة القطاع الصناعي داخله، لأن القضايا التي يواجهها أعضاء الكيبوتس تتطلب خبرة المتخصصين، وهذا أمر غير متاح للأعضاء العاديين الذين لم يتلقوا تدريباً أو تعليماً خاصاً.
стр. 8051
لكل هذا، يمكن القول بأن الانتقال من الزراعة إلى الصناعة قد أضعف تماسك الكيبوتس كمؤسسة، وولَّد داخلها مجموعة من التوترات التي تؤثر في مقدار فعاليتها ومدى إسهامها في الكيان الصهيوني.
٤ ـ من التضامن الاشتراكي إلى التماسك العرْقي:
يبدو أن الكيبوتس رغم كل الادعاءات الطليعية والتجريبية قد بدأ يأخذ شكل العائلة الكبيرة المكتفية بذاتها أو القبيلة الصغيرة المنغلقة على نفسها.
وقد نشأ الكيبوتس في بداية أمره كتنظيم اشتراكي حديث، من الوجهة النظرية على الأقل، أساس التضامن فيه هو الولاء الأيديولوجي، بل "هوجمت عملية تكوين وحدات عائلية، بدعوى أنها تضر بوحدة المجتمع". وفُسِّر الاتجاه الجماعي في الكيبوتس على أنه تعبير عن المُثُل الاشتراكية التي تنطلق منها هذه المؤسسة الزراعية/ العسكرية.
ولكن رغم نقطة الانطلاق هذه فإن الطبقية والظروف السياسية والتاريخية فعلت فعلها، وازدادت العائلات وتوسعت، وتحوَّل الكيبوتس إلى جماعة منغلقة، يتزاوج أفرادها فيما بينهم. فيُلاحَظ أن الزيادة الطبيعية طوال الخمسين عاماً الماضية هي المصدر الأساسي للزيادة في عدد سكان الكيبوتسات، أما الاستيعاب الاجتماعي من الخارج فيُشكل الآن ظاهرة هامشية. وفي الوقت الحاضر يعيش قرابة ٩% من سكان الكيبوتسات في مستوطنات قامت قبل عام ١٩٥٠، ووصلت إلى الجيل الثالث والرابع. فالمجتمع الكيبوتسي قد أصبح "مجتمعاً عائلياً متوارثاً" ـ "مجتمعاً طبيعياً" ـ "مجتمعاً متعدد الأجيال"، أي أن الكيبوتس لا يستند إلى التضامن العقائدي والاشتراكي المزعوم، وإنما إلى التضامن العائلي أو القَبَلي أو الجيتوي (الصهيوني) .
стр. 8052
بل يبدو أن الأطر الأيديولوجية الأولى لم تكن سوى ستار كثيف يغطي "قرابة الدم بين اليهود" التي كانت بمنزلة الملاذ الحقيقي، أما هؤلاء الذين لم يؤمنوا بقرابة الدم هذه، فقد خرجوا إلى صفوف الاشتراكية الليبرالية أو الماركسية في صيغة إنسانية عامة أو إلى مواطنة العالم، ولم يصلوا إلى الكيبوتس، أي أن انغلاق الكيبوتس العائلي (وربما الجيتوي) على نفسه لم يكن تطوراً عرضياً وإنما كان أمراً كامناً منذ البداية، وكانت الصهيونية «الدموية» ، أي التي تستند إلى قرابة الدم، أساس بقائه الحقيقي رغم ادعاءاته الاشتراكية الصاخبة.
الكيبوتس: الأزمة والعزلة
Kibbutz: Crisis and Isolation
تناولنا في المدخل السابق تلك التطورات والتناقضات التي تفاعلت داخل الكيبوتس وأدَّت إلى تحول بعض سماته البنيوية. ولكن ثمة عوامل أخرى تخص علاقة الكيبوتس ككل مع المجتمع الاستيطاني في فلسطين المحتلة أدَّت إلى أزمته وعزلته.
١ ـ قيام الدولة الصهيونية:
من المعروف أن عدد الكيبوتسات لم يزد كثيراً بعد عام ١٩٤٨، بل انخفض عدد سكان الكيبوتسات بالنسبة لعدد السكان في الكيان الاستيطاني من ٧.١% عام ١٩٤٧ إلى ٣.٧% عام ١٩٦٢، وقد زاد عدد سكان الكيبوتسات قليلاً بعد ذلك التاريخ، ولكن مع هذا لا يمكن القول بأن الكيبوتس استعاد ما كان له من جاذبية وبريق. ويقال إنه بانتهاء مرحلة الاستيطان الأولى (حتى عام ١٩٤٨) انتهى دور الكيبوتس وتحوَّل إلى مؤسسة لا تتمتع بمركزيتها السابقة، وأصبح دورها مقتصراً على أعضائها وحسب. كما يقال إن أعضاء الكيبوتس لم يعودوا رواد الاستيطان وطليعة التجمع الاستيطاني، كما كانوا من قبل، وإنما هم عاملون بالصناعة ومديرو أعمال صناعية ومستهلكون مترفون.
стр. 8053
إن الكيبوتس باختصار ـ حسب هذا الرأي ـ لم يعد سوى مجرد جيب خاص، مغلق على نفسه، ولم يعد يعبِّر عن الآمال الصهيونية. فالكيبوتس قبل عام ١٩٤٨ كان أداة الاستيطان والاستيعاب الكبرى، ثم حلت الدولة الصهيونية محل الكيبوتس في أداء كلتا الوظيفتين بعد عام ١٩٤٨. فالاستيلاء على الأرض العربية تقوم به المؤسسة الصهيونية الحاكمة من حكومة وشرطة ومخابرات وأجهزة قمعية أخرى، وبخاصة الجيش الذي أوكلت إليه مهمة القتال وقمع أية محاولات عربية لاسترداد الأرض (وإن كانت عملية الاستيطان قد ظلت تابعة للوكالة اليهودية، قبل إنشاء الدولة وبعده، فهي التي تقوم بتمويلها، ولكن الذي اختلف هو أدوات التنفيذ، إذ حل محل الإرهاب الكيبوتسي الإرهاب الحكومي، الذي يشكل الكيبوتس جزءاً منه وحسب) .
وهذا القول ينطبق على استيعاب المهاجرين، إذ أصبحت هناك أجهزة حكومية خاصة أوكلت لها هذه المهمة. وقد أثبت الكيبوتس بالذات عدم كفاءته في المهمة الاستيعابية، حيث إنه مؤسسة متماسكة لها قيمها الخاصة وإحساسها بمكانها ومكانتها، بينما كان المتوقع منها كمؤسسة استيعابية أن تفتح ذراعيها لكل المستوطنين الجدد بغض النظر عن انتمائهم العقائدي أو العرْقي، وهو الأمر الذي رفضه المهيمنون على الكيبوتس باعتبار أنه سيفقده تماسكه وشخصيته المستقلة والفريدة، ومكانته الخاصة.
ولعل من أهم العوامل التي أدَّت إلى تآكُل مكانة الكيبوتس وصول الليكود برئاسة بيجن ومن بعده شامير إلى السلطة عام ١٩٧٧. فمن المعروف أن الكيبوتس كان تابعاً دائماً للصهيونية العمالية التي يمثلها المعراخ العمالي الذي حكم الكيان الصهيوني منذ تأسيسه حتى عام ١٩٧٧. وعندما كانت الأحزاب العمالية في الحكم وكانت معظم قياداتها مثل بن جوريون وبيريس ورابين من أبناء الكيبوتس، كانت الكيبوتسات تتمتع برعاية الدولة ومعوناتها وتسهيلات أخرى عديدة، وهو أمر لم يستمر بطبيعة الحال مع صعود الليكود إلى الحكم.
стр. 8054
٢ ـ الأزمة الاقتصادية:
الكيبوتس يعتمد في تمويله على المؤسسة الصهيونية، فهو ليس استثماراً اقتصادياً، ومع هذا يُلاحَظ ارتباك أحواله المالية) وإن كان يجب ألا نفصل ذلك عن الوضع الاقتصادي المتردي بشكل عام في الكيان الصهيوني (. ويبدو أن الكيبوتسات، شأنها شأن كثير من المؤسسات والأفراد في المجتمع الصهيوني، قد دخلت حلبة المضاربات (وأعمال الجيتو الهامشية الطفيلية) . فقد تراكمت على مر السنين أرباح الكيبوتسات، ولكن بدلاً من إعادة استثمارها في الاقتصاد بشكل إنتاجي، راح أعضاء النخبة الاشتراكية في إسرائيل يبحثون عن الأرباح السريعة والثروة الفورية عن طريق المضاربات وشراء السندات، حتى أصبح هذا النوع من الاستثمار يشمل ثلث دخل الكيبوتسات (وهكذا ينتقل الكيبوتس من الزراعة إلى الصناعة ومن الصناعة إلى سوق الأوراق المالية ـ والطفيلية والهامشية) .
٣ ـ عزلة الكيبوتس البنيوية والثقافية:
стр. 8055
من المشاكل الرئيسية التي يواجهها الكيبوتس في الوقت الحالي ازدياد عزلته وانفصاله عن المجتمع الصهيوني، وهو ما يزيد تآكُل مكانته. والكيبوتس بحكم تكوينه خلية مغلقة، يتبع نمط حياة مستقلة يختلف عن نمط الحياة المحيط به في عديد من الوجوه، رغم أنه يبلور تقاليد هذا المجتمع ويخدم أهدافه. والكيبوتس في هذا يشبه طبقة المماليك الذين كانوا ينشئون في خلايا اجتماعية مغلقة، يتعلمون ويتدربون على حمل السلاح في عزلة عن المجتمع، رغم أنهم الطبقة المحاربة الأساسية وربما الوحيدة فيه. ويمكن القول بأن اتجاه الكيبوتس التدريجي نحو الصناعة قد يؤدي به، في نهاية الأمر، إلى الامتزاج بالمجتمع الصهيوني، ولكن يبدو أن حركة الكيبوتسات شيَّدت مؤسستها الصناعية المستقلة التي تقوم بتمويل المشروعات الصناعية الكيبوتسية وتسهيل التعامل بين القطاعات الصناعية الموجودة في كل كيبوتس، ولذا نجد أن القطاع الصناعي في الكيبوتس منغلق على نفسه، منفصل اقتصادياً عن بقية البيئة، شأنه في هذا شأن الكيبوتس نفسه.
وانفصال الكيبوتس ثقافياً أمر واضح للجميع، ويقال إنه أصبح يشكل الآن ثقافة مستقلة داخل إسرائيل، فأطفال الكيبوتس يذهبون إلى مدارس خاصة بهم منذ الطفولة إلى أن يبلغوا الثامنة عشرة من العمر، وحتى بعد أن يذهبوا إلى الجامعة ويتخرجوا فيها، فهم يحتفظون بانفصالهم وتميزهم. وكما بيَّنا في مدخل سابق يتبع أعضاء الكيبوتس نمط حياة مترفاً يختلف عن نمط حياة بقية أعضاء المجتمع الصهيوني، الأمر الذي يعمق من عزلته الحياتية والثقافية. إن الكيبوتس كخلية صهيونية طليعية تحوَّل إلى تشكيل ثقافي طبقي قَبَلي (أو عائلي) مستقل، ومن هنا ازدادت عزلته وتآكلت مكانته.
٤ ـ انحسار الأيديولوجية الصهيونية وأثرها على الكيبوتس:
следующие страницы →