Полный текст (8 511 стр.). Показаны 8051–8090 · переход к 8056.
стр. 8051
لكل هذا، يمكن القول بأن الانتقال من الزراعة إلى الصناعة قد أضعف تماسك الكيبوتس كمؤسسة، وولَّد داخلها مجموعة من التوترات التي تؤثر في مقدار فعاليتها ومدى إسهامها في الكيان الصهيوني.
٤ ـ من التضامن الاشتراكي إلى التماسك العرْقي:
يبدو أن الكيبوتس رغم كل الادعاءات الطليعية والتجريبية قد بدأ يأخذ شكل العائلة الكبيرة المكتفية بذاتها أو القبيلة الصغيرة المنغلقة على نفسها.
وقد نشأ الكيبوتس في بداية أمره كتنظيم اشتراكي حديث، من الوجهة النظرية على الأقل، أساس التضامن فيه هو الولاء الأيديولوجي، بل "هوجمت عملية تكوين وحدات عائلية، بدعوى أنها تضر بوحدة المجتمع". وفُسِّر الاتجاه الجماعي في الكيبوتس على أنه تعبير عن المُثُل الاشتراكية التي تنطلق منها هذه المؤسسة الزراعية/ العسكرية.
ولكن رغم نقطة الانطلاق هذه فإن الطبقية والظروف السياسية والتاريخية فعلت فعلها، وازدادت العائلات وتوسعت، وتحوَّل الكيبوتس إلى جماعة منغلقة، يتزاوج أفرادها فيما بينهم. فيُلاحَظ أن الزيادة الطبيعية طوال الخمسين عاماً الماضية هي المصدر الأساسي للزيادة في عدد سكان الكيبوتسات، أما الاستيعاب الاجتماعي من الخارج فيُشكل الآن ظاهرة هامشية. وفي الوقت الحاضر يعيش قرابة ٩% من سكان الكيبوتسات في مستوطنات قامت قبل عام ١٩٥٠، ووصلت إلى الجيل الثالث والرابع. فالمجتمع الكيبوتسي قد أصبح "مجتمعاً عائلياً متوارثاً" ـ "مجتمعاً طبيعياً" ـ "مجتمعاً متعدد الأجيال"، أي أن الكيبوتس لا يستند إلى التضامن العقائدي والاشتراكي المزعوم، وإنما إلى التضامن العائلي أو القَبَلي أو الجيتوي (الصهيوني) .
стр. 8052
بل يبدو أن الأطر الأيديولوجية الأولى لم تكن سوى ستار كثيف يغطي "قرابة الدم بين اليهود" التي كانت بمنزلة الملاذ الحقيقي، أما هؤلاء الذين لم يؤمنوا بقرابة الدم هذه، فقد خرجوا إلى صفوف الاشتراكية الليبرالية أو الماركسية في صيغة إنسانية عامة أو إلى مواطنة العالم، ولم يصلوا إلى الكيبوتس، أي أن انغلاق الكيبوتس العائلي (وربما الجيتوي) على نفسه لم يكن تطوراً عرضياً وإنما كان أمراً كامناً منذ البداية، وكانت الصهيونية «الدموية» ، أي التي تستند إلى قرابة الدم، أساس بقائه الحقيقي رغم ادعاءاته الاشتراكية الصاخبة.
الكيبوتس: الأزمة والعزلة
Kibbutz: Crisis and Isolation
تناولنا في المدخل السابق تلك التطورات والتناقضات التي تفاعلت داخل الكيبوتس وأدَّت إلى تحول بعض سماته البنيوية. ولكن ثمة عوامل أخرى تخص علاقة الكيبوتس ككل مع المجتمع الاستيطاني في فلسطين المحتلة أدَّت إلى أزمته وعزلته.
١ ـ قيام الدولة الصهيونية:
من المعروف أن عدد الكيبوتسات لم يزد كثيراً بعد عام ١٩٤٨، بل انخفض عدد سكان الكيبوتسات بالنسبة لعدد السكان في الكيان الاستيطاني من ٧.١% عام ١٩٤٧ إلى ٣.٧% عام ١٩٦٢، وقد زاد عدد سكان الكيبوتسات قليلاً بعد ذلك التاريخ، ولكن مع هذا لا يمكن القول بأن الكيبوتس استعاد ما كان له من جاذبية وبريق. ويقال إنه بانتهاء مرحلة الاستيطان الأولى (حتى عام ١٩٤٨) انتهى دور الكيبوتس وتحوَّل إلى مؤسسة لا تتمتع بمركزيتها السابقة، وأصبح دورها مقتصراً على أعضائها وحسب. كما يقال إن أعضاء الكيبوتس لم يعودوا رواد الاستيطان وطليعة التجمع الاستيطاني، كما كانوا من قبل، وإنما هم عاملون بالصناعة ومديرو أعمال صناعية ومستهلكون مترفون.
стр. 8053
إن الكيبوتس باختصار ـ حسب هذا الرأي ـ لم يعد سوى مجرد جيب خاص، مغلق على نفسه، ولم يعد يعبِّر عن الآمال الصهيونية. فالكيبوتس قبل عام ١٩٤٨ كان أداة الاستيطان والاستيعاب الكبرى، ثم حلت الدولة الصهيونية محل الكيبوتس في أداء كلتا الوظيفتين بعد عام ١٩٤٨. فالاستيلاء على الأرض العربية تقوم به المؤسسة الصهيونية الحاكمة من حكومة وشرطة ومخابرات وأجهزة قمعية أخرى، وبخاصة الجيش الذي أوكلت إليه مهمة القتال وقمع أية محاولات عربية لاسترداد الأرض (وإن كانت عملية الاستيطان قد ظلت تابعة للوكالة اليهودية، قبل إنشاء الدولة وبعده، فهي التي تقوم بتمويلها، ولكن الذي اختلف هو أدوات التنفيذ، إذ حل محل الإرهاب الكيبوتسي الإرهاب الحكومي، الذي يشكل الكيبوتس جزءاً منه وحسب) .
وهذا القول ينطبق على استيعاب المهاجرين، إذ أصبحت هناك أجهزة حكومية خاصة أوكلت لها هذه المهمة. وقد أثبت الكيبوتس بالذات عدم كفاءته في المهمة الاستيعابية، حيث إنه مؤسسة متماسكة لها قيمها الخاصة وإحساسها بمكانها ومكانتها، بينما كان المتوقع منها كمؤسسة استيعابية أن تفتح ذراعيها لكل المستوطنين الجدد بغض النظر عن انتمائهم العقائدي أو العرْقي، وهو الأمر الذي رفضه المهيمنون على الكيبوتس باعتبار أنه سيفقده تماسكه وشخصيته المستقلة والفريدة، ومكانته الخاصة.
ولعل من أهم العوامل التي أدَّت إلى تآكُل مكانة الكيبوتس وصول الليكود برئاسة بيجن ومن بعده شامير إلى السلطة عام ١٩٧٧. فمن المعروف أن الكيبوتس كان تابعاً دائماً للصهيونية العمالية التي يمثلها المعراخ العمالي الذي حكم الكيان الصهيوني منذ تأسيسه حتى عام ١٩٧٧. وعندما كانت الأحزاب العمالية في الحكم وكانت معظم قياداتها مثل بن جوريون وبيريس ورابين من أبناء الكيبوتس، كانت الكيبوتسات تتمتع برعاية الدولة ومعوناتها وتسهيلات أخرى عديدة، وهو أمر لم يستمر بطبيعة الحال مع صعود الليكود إلى الحكم.
стр. 8054
٢ ـ الأزمة الاقتصادية:
الكيبوتس يعتمد في تمويله على المؤسسة الصهيونية، فهو ليس استثماراً اقتصادياً، ومع هذا يُلاحَظ ارتباك أحواله المالية) وإن كان يجب ألا نفصل ذلك عن الوضع الاقتصادي المتردي بشكل عام في الكيان الصهيوني (. ويبدو أن الكيبوتسات، شأنها شأن كثير من المؤسسات والأفراد في المجتمع الصهيوني، قد دخلت حلبة المضاربات (وأعمال الجيتو الهامشية الطفيلية) . فقد تراكمت على مر السنين أرباح الكيبوتسات، ولكن بدلاً من إعادة استثمارها في الاقتصاد بشكل إنتاجي، راح أعضاء النخبة الاشتراكية في إسرائيل يبحثون عن الأرباح السريعة والثروة الفورية عن طريق المضاربات وشراء السندات، حتى أصبح هذا النوع من الاستثمار يشمل ثلث دخل الكيبوتسات (وهكذا ينتقل الكيبوتس من الزراعة إلى الصناعة ومن الصناعة إلى سوق الأوراق المالية ـ والطفيلية والهامشية) .
٣ ـ عزلة الكيبوتس البنيوية والثقافية:
стр. 8055
من المشاكل الرئيسية التي يواجهها الكيبوتس في الوقت الحالي ازدياد عزلته وانفصاله عن المجتمع الصهيوني، وهو ما يزيد تآكُل مكانته. والكيبوتس بحكم تكوينه خلية مغلقة، يتبع نمط حياة مستقلة يختلف عن نمط الحياة المحيط به في عديد من الوجوه، رغم أنه يبلور تقاليد هذا المجتمع ويخدم أهدافه. والكيبوتس في هذا يشبه طبقة المماليك الذين كانوا ينشئون في خلايا اجتماعية مغلقة، يتعلمون ويتدربون على حمل السلاح في عزلة عن المجتمع، رغم أنهم الطبقة المحاربة الأساسية وربما الوحيدة فيه. ويمكن القول بأن اتجاه الكيبوتس التدريجي نحو الصناعة قد يؤدي به، في نهاية الأمر، إلى الامتزاج بالمجتمع الصهيوني، ولكن يبدو أن حركة الكيبوتسات شيَّدت مؤسستها الصناعية المستقلة التي تقوم بتمويل المشروعات الصناعية الكيبوتسية وتسهيل التعامل بين القطاعات الصناعية الموجودة في كل كيبوتس، ولذا نجد أن القطاع الصناعي في الكيبوتس منغلق على نفسه، منفصل اقتصادياً عن بقية البيئة، شأنه في هذا شأن الكيبوتس نفسه.
وانفصال الكيبوتس ثقافياً أمر واضح للجميع، ويقال إنه أصبح يشكل الآن ثقافة مستقلة داخل إسرائيل، فأطفال الكيبوتس يذهبون إلى مدارس خاصة بهم منذ الطفولة إلى أن يبلغوا الثامنة عشرة من العمر، وحتى بعد أن يذهبوا إلى الجامعة ويتخرجوا فيها، فهم يحتفظون بانفصالهم وتميزهم. وكما بيَّنا في مدخل سابق يتبع أعضاء الكيبوتس نمط حياة مترفاً يختلف عن نمط حياة بقية أعضاء المجتمع الصهيوني، الأمر الذي يعمق من عزلته الحياتية والثقافية. إن الكيبوتس كخلية صهيونية طليعية تحوَّل إلى تشكيل ثقافي طبقي قَبَلي (أو عائلي) مستقل، ومن هنا ازدادت عزلته وتآكلت مكانته.
٤ ـ انحسار الأيديولوجية الصهيونية وأثرها على الكيبوتس:
стр. 8056
ولكن لعل العنصر الأساسي المؤثر في الكيبوتس وهو العنصر الذي بدأ يغيِّر توجهه وأهدافه بعمق، هو انحسار الأيديولوجية الصهيونية تدريجياً، التي بدأت تتحول من كونها دليلاً للعمل لأعضاء التجمع الصهيوني إلى محط سخريتهم. وقد أشرنا في مدخل سابق إلى أن الشحنة العقائدية الأولى التي دفعت الصهاينة إلى الاستيطان في فلسطين في ظروف صعبة جداً، كانت تخفي قدراً كبيراً من العلاقات التقليدية وقرابة الدم ـ أو ما يمكن تسميته أيضاً «الانغلاق الجيتوي» ، وأن الحديث عن الأممية والأخوة الإنسانية كانت من قبيل الديباجات التسويغية. ومهما كان الأمر، فإن هذه الديباجة التي كانت تجعل الصهيوني مقاتلاً شرساً قد استُنفدت أو فترت إلى حدٍّ كبير، ولم يَعُد الدافع العقائدي واضحاً، ولم تَعُد الديباجة الاشتراكية الصهيونية هي المهيمنة أو حتى الغالبة على هذا المجتمع الصهيوني الصغير أو على المجتمع الصهيوني الكبير، كما لم تَعُد محل جاذبية حقيقية بالنسبة لأعضاء الجماعات اليهودية في العالم.
стр. 8057
وتتضح أزمة الصهيونية وانحسارها أكثر ما تتضح في عملية الاستيطان. فالحركة الصهيونية أصبحت غير قادرة على العثور على «يهود» لتوطينهم في المستوطنات الجديدة. ولذلك فبرغم كل الادعاءات الرنانة والبرامج الضخمة التي تهدف إلى توطين الألوف، يظل كثير من المستوطنات بدون مستوطنين (بل إن مستوطنات شمال النقب هي الأخرى مهددة بفقدان مستوطنيها) . والكيبوتس ليس استثناء من القاعدة، ففي أواخر السبعينيات بلغت نسبة الذين يتركون الكيبوتس ٥٠% من مجموع الرجال البالغين ومعظمهم من الأعمار بين ٢٠ ـ ٣٠، وهي أهم أعمار بالنسبة للكيبوتس. ومنذ الستينيات أصبحت الزيادة في الكيبوتس مرهونة بالتكاثر الطبيعي هناك ومدى بقاء أعضاء الكيبوتس في مستوطنتهم، فيصل معدل الأولاد في عائلة الكيبوتس اليوم إلى ثلاثة أولاد. وحتى يضمن أي مجتمع لنفسه التجدد الطبيعي للسكان فإن المطلوب أن يبلغ عدد أولاد العائلة في هذا المجتمع ما بين ٢ ـ ٣ أولاد. ولكن عندما تصل نسبة من يغادرون الكيبوتسات إلى ٥٠% فإن تَجدُّد السكان هناك يحتاج على الأقل إلى ما بين ٤ ـ ٥ أولاد للعائلة الواحدة. ويؤدي هذا الوضع إلى زيادة اليأس بين أعضاء الكيبوتس، وهو ما يؤدي بدوره إلى زيادة ترك الكيبوتس ومغادرته ـ أي أن الأزمة الديموجرافية التي تهدد المشروع الصهيوني الاستيطاني قد وجدت طريقها إلى الكيبوتس.
стр. 8058
ويظهر انحسار الصهيونية أيضاً في تغيير دوافع الاستيطان وديباجاته، فبدلاً من الحديث عن بناء الوطن القومي وتطبيع الشخصية اليهودية والذوبان في الشعب اليهودي، تقوم الوكالة اليهودية بمحاولة جذب للمستوطنين عن طريق التوجه لدوافعهم المادية النفعية، فتدفع آلاف الدولارات لبناء مستوطنات مريحة مترفة، مكيفة الهواء، فيها مستشفيات ورياض أطفال، ويقوم الجيش الصهيوني بحراستها، وتمهد لها الطرق الخاصة بعيداً عن مراكز تجمُّع العرب. ويقال إن الاستيطان يمثل الآن أكبر أسباب استنزاف الخزانة الإسرائيلية (ذلك "الصنبور الذي لا يُغلَق" على حد قول أحد المعلقين السياسيين في إسرائيل) . في مثل هذا الجو يصبح الكيبوتس غريباً، وشيئاً مرفوضاً لأن المُستوطَن الصهيوني الجديد ذا التوجه المادي النفعي لا يحترم كثيراً قيم الكيبوتس التقشفية المملوكية، وهو ما يؤدي إلى مزيد من تآكل مكانة الكيبوتس.
ولكن، لا يمكن عزل الخلية عن الجسم الأكبر، ولذا وجدت هذه القيم النفعية الفردية طريقها إلى الكيبوتس. ومن أهم المشاكل التي يواجهها الكيبوتس في الوقت الحاضر انسحاب كثير من أعضاء الكيبوتسات للعمل خارجها نتيجة ضعف الإيمان بالمبادئ والقيم الصهيونية التي تأسست عليها الكيبوتسات. والسبب الرئيسي لترك الكيبوتس الذي يذكره معظم المغادرين هو "أن الموازنة الشخصية لم تَعُد كافية لتمويل النفقات اليومية"، أي أن النموذج الفردي النفعي الذي تصوَّر مؤسسو الكيبوتس أنهم بإمكانهم القضاء عليه آخذ في تأكيد نفسه.
стр. 8059
ويجب ألا ننظر إلى مظاهر التحول المختلفة، التي طرأت على الكيبوتس، الواحد بمعزل عن الآخر، فتآكل مكانة الكيبوتس وعزلته لا تمكن رؤيتها بمعزل عن زيادة الترف داخله أو عن تَحوُّله من التضامن الاشتراكي إلى التضامن العرْقي. ولا تمكن رؤية العنصر الأخير بمعزل عن انتشار الرؤية النفعية الفردية في المجتمع الصهيوني وداخل الخلية الكيبوتسية وانحسار الأيديولوجية الصهيونية عنهما، فهذه جميعاً ليست سوى جوانب مختلفة تعبِّر عن الظاهرة نفسها.
٥ ـ اليهود الدينيون والكيبوتس:
لابد أن نشير ابتداءً إلى أن ثمة تياراً إلحادياً شرساً وقوياً داخل الحركة الصهيونية يحارب كل الأديان وضمن ذلك الديانة اليهودية نفسها. وأن الحركة الكيبوتسية التي وُلدت في أحضان الصهيونية العمالية، كانت إلحادية التوجه منذ بدايتها ترفض اليهودية قلباً وقالباً. ولا يزال هذا هو الحال في معظم الكيبوتسات. وقد كتب أحد الإسرائيليين المؤمنين باليهودية خطاباً لجريدة الجيروساليم بوست يستنكر فيه أن المتطوعين اليهود الذين أتوا من الخارج محرَّم عليهم ممارسة شعائرهم الدينية داخل الكيبوتسات، وأن مدارس الكيبوتس تعلِّم الأطفال أن ارتداء التيفلين (شال الصلاة عند اليهود) عادة من مخلفات العصور الوسطى.
وقد رد عليه أحد أعضاء الكيبوتسات في العدد نفسه وأخبره أن الكيبوتسات مؤسسة علمانية، وأن المتطوعين الذين يأتون للكيبوتسات عليهم ألا يتوقعوا من المزارع الجماعية أن تغيِّر أسلوب حياتها، وأن تقدم له خدمات تعليمية تتصل بعقائد وعادات (أي الدين اليهودي) تقع خارج نطاق طريق الحياة التي يقبلها أعضاء الكيبوتس.
стр. 8060
إن الحركة الصهيونية كانت ولا تزال في أساسها حركة علمانية شاملة ومع ذلك أخذ الاتجاه الصهيوني الديني في التعاظم، وبخاصة منذ عام ١٩٦٧. وقد عبَّر هذا عن نفسه على شكل تزايد الديباجات الدينية في الكيان الصهيوني. ولكن الأهم من هذا هو أن الحركة الاستيطانية التوسعية لم تَعُد حكراً على الصهيونية العمالية، بل على العكس أصبحت الجماعات شبه الدينية مثل جوش أيمونيم وحركة إسرائيل الكبرى، هي وحدها المطالبة بالاستمرار في الاستيطان. ولذا أصبحت العمود الفقري والقوة المحركة للحركة الاستيطانية ككل، ومعظم المستوطنات التي أُنشئت في الضفة الغربية مستوطنات صهيونية دينية، تؤمن بضرورة تبني الأشكال الدينية اليهودية (دون مضمونها الخلقي أو الروحي (.
٦ ـ اليهود الشرقيون والكيبوتس:
ومما يزيد عزلة الكيبوتس أنه بالدرجة الأولى مؤسسة إشكنازية، والحركة الصهيونية قد بدأت أساساً كحركة إشكنازية تتوجه إلى يهود الغرب، ولم تحاول قط قبل ١٩٤٨، أن تهجِّر يهود البلاد العربية من السفارد الشرقيين. بل إن آرثر روبين عالم الاجتماع الصهيوني، قال إن اليهودي ـ حسب تصوُّره ـ هو الإشكنازي فحسب، أما السفارد فهم ليسوا يهوداً على الإطلاق، أو على الأقل لا نصيب لهم في المشروع الصهيوني.
стр. 8061
ولذلك حينما أُعلن قيام الدولة الصهيونية عام ١٩٤٨ لم تكن دولة يهودية وإنما إشكنازية بالتحديد، ولكن مع هجرة اليهود العرب والسفارد من البلاد العربية مثل العراق واليمن ومصر والمغرب، تحوَّل التركيب السكاني في الدولة الصهيونية وأصبحت غالبية سكانها من الشرقيين. ولكن الكيبوتس مع هذا احتفظ بتركيبه الحضاري الإشكنازي. ورغم أنه مؤسسة استيطانية واستيعابية، إلا أنه لم يضم في صفوفه سوى يهود إشكناز ولم يستوعب سوى القادمين من الغرب. وإن حدث أن انضم بعض الشرقيين إلى عضوية أحد الكيبوتسات فإنهم عادةً ما يعانون من العزلة والتفرقة العنصرية. ولعل أكبر دليل على مدى عزلة الكيبوتس عن المجتمع الصهيوني ككل أن ٥٠% من اليهود الشرقيين ممن استُطلع رأيهم، أشاروا إلى أنهم لم يروا في حياتهم أحد الكيبوتسات.
стр. 8062
ولعل الأمر لو توقَّف عند الجهل بالكيبوتس لأصبح بالإمكان تنظيم حملة إعلامية للتوعية، ولكن من الواضح أنه أصبح مكروهاً لا من الإسرائيليين العاديين وحسب وإنما من أعضاء تجمُّع المعراخ أيضاً، أي من اليمين واليسار. أما بالنسبة لليسار فأعضاؤه يرون الكيبوتس مؤسسة "نخبوية" تتكون من "أرستقراطية ملاك الأراضي" و"رأسماليين اجتماعيين"، بل ومستغلين للطبقة العاملة. أما بالنسبة للكراهية من اليمين، سواء من أثرياء الإشكناز أم فقراء السفارد والعرب اليهود، فهي شاملة. وفي محاولة تفسير هذه الظاهرة يُقال إن الرأي الشائع في بيسان (المدينة التي دُرس موقف سكانها من الكيبوتس) هو أن الكيبوتسات استولت على خير الأراضي في فلسطين المحتلة، وأنها تحصل على القروض والتسهيلات الائتمانية. وأن هذا لا يترك الكثير للمدينة. بل إن سكان المدينة ككل يرون أن وجود الكيبوتس يعوقها عن أيِّ تطوُّر أو توسُّع، لأن الأرض المجاورة للمدينة، مجالها الحيوي إن صح التعبير، تابعة للكيبوتس. ويشكو أثرياء المدينة بالذات من أن وجود الكيبوتس جعلهم غير قادرين على شراء منازل (فيللات) خارج نطاق المدينة.
стр. 8063
أما الفقراء فيرون أن الكيبوتس يتمتع بمستوى معيشي راق (حمامات سباحة ـ تليفزيونات ملونة ـ طمأنينة مالية) ولذا فهم يطلقون على الكيبوتس اصطلاح «إسرائيل الجميلة» أي (إسرائيل الثرية) . ويشير سكان بيسان إلى أن فرص العمل في الكيبوتس في الوظائف المهمة مغلقة دونهم، ولا يوجد سوى العمالة اليدوية الرخيصة، ومعظم سكان بيسان من المغرب. وقد سافر الأثرياء والمتعلمون منهم إلى فرنسا، ولم يهاجر إلى إسرائيل سوى الفقراء ومن لم يحصلوا على قدر عال من التعليم. ولذا، فإن علاقة الكيبوتس بالمدينة هي علاقة السيد بالخدم. وفي الوقت الذي يعاني فيه سكان المدينة من البطالة يتمتع سكان الكيبوتس بالعمالة الكاملة. ويعبِّر سكان المدينة عن سخطهم على مدارس الكيبوتس الممتازة الموصدة دون أبنائهم ويرون أن نظام التعليم الكيبوتسي المستقل لا يسهم إلا في تعميق الهوة بين أبناء «الشعب الواحد» .
وإذا كانت العلاقة بين مدينة بيسان والكيبوتس المجاور لها علاقة نمطية متكررة فيمكننا القول بأن حركة الكيبوتسات تمر بأزمة حقيقية، وأن معمل تفريخ المزارعين/المقاتلين لم يَعُد يلعب دوره السابق في الكيان الصهيوني. وبدأت تظهر أجيال جديدة من أبناء الكيبوتسات ينضمون إلى حركات الاحتجاج داخل المجتمع الصهيوني ويتعاطون المخدرات بشراهة ويرفضون التطوع للخدمة العسكرية، الأمر الذي يشكل أزمة حقيقية بالنسبة للتجمُّع الصهيوني.
٧ـ رفض الخدمة العسكرية:
стр. 8064
لوحظ في الآونة الأخيرة أن ثمة تغيرات عميقة قد طرأت على موقف أعضاء الكيبوتسات من الخدمة العسكرية ومن موقفهم العسكري تجاه الدولة الصهيونية. وفي محاولة تفسير هذا الوضع يشير بعض المحللين إلى أزمة الكيبوتس وعوامل الصراع داخله. فالكيبوتس كما قلنا مؤسسة عسكرية/زراعية تتسم بالجماعية والتقشف وتهدف إلى تفريخ الجنود الصهاينة. ولذلك حينما تبدأ المرأة داخل الكيبوتسات المطالبة باستعادة دورها كأم وكزوجة، وحينما تطالب بإرجاع الأسرة كمؤسسة فإنها بذلك تمثل تحدياً للتوجه العسكري العام للكيبوتس الذي يحاول عزل الفرد عن العلاقات الأسرية حتى يصبح محارباً كاملاً.
والشيء نفسه ينطبق على زحف مظاهر الترف على الكيبوتس من أجهزة تليفزيون ملونة إلى رحلات للخارج، فالترف هو الآخر يصيب الروح العسكرية بالتراخي، كما أن تحوُّل الكيبوتس من الزراعة إلى الصناعة يعني تحوُّله إلى مؤسسة صناعية تعتمد على العمل الأجير، بحيث يتحول عضو الكيبوتس من فلاح يمارس العمل اليدوي ويزداد خشونة واعتماداً على النفس إلى مدير أعمال يأنف من العمل اليدوي ويغرق في الأعمال الذهنية! والأيديولوجية الصهيونية نفسها ـ كما أسلفنا ـ آخذة في التآكل، وبدأ يحل محلها أيديولوجية فردية، حيث يضع المواطن الصهيوني مصلحته فوق مصلحة الوطن.
وقد انعكس كل هذا على سلوك أعضاء الكيبوتس نحو أبناء المجتمع الذي يعيشون فيه، إذ يُلاحَظ زيادة الفردية بينهم والرغبة في التعبير عن الذات، وخصوصاً أن الكيبوتس يعاني من العزلة في مجتمع معظم توجهاته الآن استهلاكية ترفية. ولذا فعضو الكيبوتس الذي يؤثر مصلحته الشخصية على مصلحة المجتمع ككل إنما يبيِّن أنه ابن المجتمع، مجتمع الكيبوتس الصغير والمجتمع الصهيوني الكبير. ويربط بعض المراقبين بين هذه الاتجاهات الفردية وبين زيادة هجرة أعضاء الكيبوتس من إسرائيل.
стр. 8065
وفي مجال تفسير ظاهرة العزوف عن الخدمة العسكرية يمكن القول بأن الجيل الجديد لم يَعُد مشغولاً بمشكلة "أمن" إسرائيل انشغال الأجيال السابقة، وخصوصاً أنه أصبح يرى المجتمع الصهيوني بنفسه وقد تحوَّل إلى مجتمع توسعي بشكل صريح له مطامح استعمارية واضحة. إن أكذوبة «جيش الدفاع الإسرائيلي» (الاسم الرسمي للجيش الصهيوني) لم يَعُد من الممكن تقبلها، فهذا الجيش الدفاعي يصول ويجول في لبنان ويرسل قذائفه لضرب المفاعل الذري في العراق، ويتحدث رؤساؤه عن أمن إسرائيل الذي يمتد من باكستان إلى المغرب وعن إعادة رسم حدود العالم العربي بما يتفق والمخطط الصهيوني ويقوم أبناؤه بكسر عظام المنتفضين.
كما أن هذا المواطن الإسرائيل عضو الكيبوتس، قرأ الكثير من الحقائق عن الإرهاب الصهيوني، ورأي بنفسه على شاشة التليفزيون ومن خلال وسائل الإعلام الأخرى، المذابح الصهيونية في صبرا وشاتيلا وقانا، وهي مذابح يصعب وصفها بأنها دفاعية.
كما أن المجتمع الصهيوني بادعاءاته الديموقراطية عن نفسه يسمح بإدارة كثير من المناقشات العلنية عن الحرب وأسبابها، وهو أمر يولِّد شكوكاً عديدة في نفس المستوطن الصهيوني.
وأخيراً لا يمكن أن ننسى عاملاً أساسياً وهو أن هذا المستوطن الصهيوني في حالة حرب دائمة مع العرب منذ عام ١٨٨٢، العام الذي وطئت فيه أقدام أجداده من المستوطنين أرض فلسطين، وهي حرب لم يخمد لها أوار، بل ازدادت اشتعالاً، رغم أنه وقَّع عدة «معاهدات سلام» .
لكل هذا نجد أن ثمة تصدعات في جدار الكيبوتسات العسكري الصارم، وأنها لم تَعُد معمل تفريخ الجندي الصهيوني كما كانت من قبل.
стр. 8066
هذا الإطار يفسر موقف كثير من أعضاء الكيبوتسات الذين يرفضون الذهاب إلى القتال، بل يرفضون المؤسسة العسكرية الصهيونية برمتها، وينضمون إلى حركات الرفض. وهم يتحدثون عن دعاة الحرب باعتبارهم «الكولونيلات» (وهي كلمة لها إيحاءات سلبية، إذ تشير إلى الدكتاتوريات العسكرية في أمريكا اللاتينية أو إلى حكومة الضباط في اليونان في منتصف السبعينيات، الذين يعتنقون العسكرية والغزو) .
وقد أفصح بعض أعضاء الكيبوتس عن مخاوفهم من "أن يموتوا دونما هدف" في لبنان "فهي ليست حربنا، إذ فرضها علينا بيجن وشارون فرضاً". وهذا الموقف الرافض يعبِّر عن نفسه من خلال أغنية شائعة في الكيبوتسات الآن تقول: اشرب وصاحب النساء ... فغداً سوف تذهب هباءً.
وحتى لا نتصور أن أعضاء الكيبوتسات جميعاً قد أصبحوا فجأة من الرافضين، أو أنهم ينادون بالعدالة والانسحاب من فلسطين، يجب أن نُذكِّر أنفسنا ببعض الحقائق وهي أن ٢٠% من كل الضباط الجدد في الجيش الإسرائيلي هم من أعضاء الكيبوتس، وأن ٨٣% من شباب الكيبوتس ينضمون للوحدات الخاصة. فالكيبوتسات لا تزال مؤسسة عسكرية صهيونية تحمل لواء الاستيطان والاغتصاب. ولكن بسبب أهميتها وحيويتها ومركزيتها فإن أي تغيُّر قد يطرأ عليها (حتى ولو كان صغيراً) وأية أزمة تواجهها (مهما كانت أبعادها) تُعَدُّ أمراً بالغ الخطورة والأهمية.
الخصخصة وتطبيع الاقتصاد الإسرائيلي (العمالي (
Privatization and the Normalization of Israeli (Labour) Economy
стр. 8067
ظهر اتجاه في إسرائيل يطالب بالتخلي عن الاقتصاد العمالي التعاوني (الاستيطاني) وتهميش مؤسساته وإدارة الاقتصاد الإسرائيلي على أساس الاقتصاد الحر وأولويات المنطق الاقتصادي المعتادة، عَبْر تقليص دور الدولة والقطاع العام وتحويل الاقتصاد الإسرائيلي العمالي إلى اقتصاد رأسمالي، بعد أن فَقَد قدرته على مواجهة المشكلة الاقتصادية منذ مطلع السبعينيات بسبب الآثار السلبية لإشراف الدولة المباشر على الاقتصاد، ومناخ الاعتماد على المساعدات. ومما يساعد على هذا الاتجاه الاتجاهات السائدة الآن في العالم من اتجاه نحو الخصخصة والعولمة وهو اتجاه تضغط في اتجاهه الولايات المتحدة حتى تستطيع إسرائيل أن تلعب دوراً اقتصادياً في منطقة الشرق الأوسط بحيث يتراجع دورها القتالي إلى حدٍّ ما. ولا شك في أن الليكود يرى أن فك الاقتصاد العمالي يؤدي إلى تفكيك القواعد الانتخابية لحزب العمل المتمثلة في الهستدروت والكيبوتس وغيرها من المؤسسات. وقد تبنَّى حزب العمل هذه السياسة أيضاً وتوسَّع في الإجراءات الرامية للإصلاح الاقتصادي منذ عودته للحكم عام ١٩٩٢.
ولكن هذا الاتجاه يصطدم بالحقيقة البنيوية الأساسية وهي أن الطبيعة الاستيطانية الإحلالية للكيان الصهيوني (الهجرة الاستيطانية ـ الاستيعاب ـ التوسع ـ الأمن ـ قمع السكان الأصليين) تتطلب ترتيب الأولويات الاقتصادية بصورة تختلف عن متطلبات السوق في إطار النظام الرأسمالي. فالبنية الاقتصادية الرأسمالية (الليبرالية/الاقتصادية) تتناقض مع متطلبات التوسع الصهيوني (جغرافياً ـ بشرياً) وضرورة التفوق العسكري وأولوية إنتاج الأسلحة المتطورة وتوزيع المدخرات وفق هذه الأولويات الإستراتيجية وليس وفق الكفاءة الاقتصادية. فأهم
سمات الاقتصاد الإسرائيلي أنه اقتصاد محمي (بالإنجليزية: بروتكتيد إيكونومي (protected economy.
стр. 8068
ويمكن أن نضرب بعض الأمثلة على أسبقية الضرورات الاستيطانية على الاعتبارات الاقتصادية. كانت نسبة البطالة في إسرائيل عام ١٩٩٣ حوالي ١١% (أعلى معدل في تاريخ إسرائيل) وكانت نسبتها بين المهاجرين السوفييت ٣٠%. فلو كانت الاعتبارات الاقتصادية تسبق الضرورات الاستيطانية لأوقفت الدولة الصهيونية (الاستيطانية) الهجرة من الخارج، ولكنها مع هذا ظلت تشجع المهاجرين وتلتزم بمنحهم معونات مالية سخية لتحقيق مستوى معيشي مرتفع بل التزمت إيجاد أعمال لهم. ويتم كل هذا بالاستدانة من الخارج (عشرة مليارات دولارات) . والاستدانة هنا لا تتم بهدف زيادة الاستثمارات أو توسيع رقعة الاقتصاد الحر أو توفير المزيد من الخدمات للمجتمع وإنما تحقيق هدف استيطاني هو تشجيع الهجرة للوافدين بغض النظر عن مقدرة المجتمع الإسرائيلي الاستيعابية، وبغض النظر عن قلق اليهود الشرقيين من هجرة مجموعة من الإشكناز ستدفعهم درجة أو درجتين أسفل السلم الاجتماعي والطبقي، وبغض النظر عن استجابة السكان الأصليين الذين يرون أن مثل هذه الهجرة هي في واقع الأمر تكريس لوضع التشرد والغربة الذي يعيشون فيه وهو ما يزيد مقاومتهم.
ويمكن أن نضرب مثلاً آخر من قطاع البناء، الذي يُعَد من أهم القطاعات في الاقتصاد الإسرائيلي، والبناء يعني بالدرجة الأولى بناء المستوطنات، وهي عملية استيطانية محضة، غير خاضعة لمعايير الجدوى الاقتصادية العادية. إذ يتم اختيار موقع المستوطنة بناءً على اعتبارات عسكرية. وقد يحتاج الأمر لنزع ملكية أراضي بعض العرب وطردهم منها (الأمر الذي يسبب المزيد من المقاومة التي تسبب بدورها خسارة اقتصادية) . ثم يتم تأسيس المستوطنة قبل أن يكون هناك مستوطنون، ثم يُعلَن عن تأجير المنازل فيها بأسعار غير اقتصادية لجذب المستوطنين، وتتم حراستها بتكلفة باهظة.
стр. 8069
والعمالة العربية أساسية في قطاع البناء، ولو كانت الاعتبارات الاقتصادية هي الأهم لتم تشغيل آلاف العرب فيها بشكل دائم ومستمر. ولكن مثل هذا الوضع يهدد أمن إسرائيل العسكري والاجتماعي إذ يعني سقوط قطاع اقتصادي مهم في أيدي السكان الأصليين ووجودهم بشكل دائم داخل تجمُّع المستوطنين. كما أن السلطات العسكرية كثيراً ما تضطر إلى منع العمال العرب من الذهاب إلى مواقع أعمالهم بعد قيام أحد العرب بإحدى العمليات "الإرهابية" أو "الانتحارية" ("الفدائية" أو "الاستشهادية" في مصطلحنا) . وحيث إن المستوطنين الصهاينة يرفضون العمل في أعمال يدوية مثل البناء فإنه يتم استيراد عمال كوريين وفلبينيين ورومانيين!
وحالة قطاع البناء هي حالة ممثِّلة لكثير من الحالات. إذ ينطبق الشيء نفسه على الزراعة الإسرائيلية. فلو سادت الاعتبارات الاقتصادية لتم استخدام الأيدي العاملة العربية على نطاق أوسع في الكبيوتسات والمزارع الجماعية وبشكل أكثر علنية ورشداً. ولكن مثل هذا الأمر يتناقض مع المُثُل العليا الصهيونية ومع قوانين الصندوق القومي اليهودي الذي ينص على ضرورة ألا يعمل في الأرض التي يمتلكها الشعب اليهودي سوى اليهود (ومع هذا "يتسرب" العرب بأعداد كبيرة في قطاع الزراعة وقطاع البناء وغيرها من القطاعات الاقتصادية (.
ويمكننا القول بأن ما يُقال له "الطرق الالتفافية" هي صورة متبلورة لأسبقية الاستيطاني على الاقتصادي، فهي طرق تكلف الكثير لإنشائها وحراستها، ومع هذا تستمر الدولة الصهيونية في تشييدها حتى لا تحدث أية مواجهة بين المستوطنين والسكان الأصليين وحتى يتمتع المستوطنون بعزلتهم!
стр. 8070
ويُعتبَر قطاع الخدمات بصفة عامة أهم قطاعات الاقتصاد الإسرائيلي بلا استثناء، فهو يمثل نحو ٧٨.٤% من الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي عام ١٩٩٤، بينما يمثل قطاع الصناعة ١٦.٨% والزراعة ٤.٨% في العام نفسه، طبقاً لبيانات تقرير البنك الدولي الصادر عام ١٩٩٦. ويبدو هذا الوضع شديد التطرف حيث يشكل قطاع الخدمات نسبة أعلى حتى من الدول الصناعية التي يتزايد فيها الوزن النسبي لهذا القطاع، وتقترب هذه النسبة من مثيلتها في هونج كونج التي تُعَد مركزاً مالياً وتجارياً وإقليمياً ودولياً بالأساس وتعتمد على علاقاتها بالاقتصاديات الأخرى. وتعود ضخامة قطاع الخدمات لكون إسرائيل مجتمعاً استيطانياً يتلقى مساعدات وتحويلات ضخمة من الخارج (انظر: «المعونات الخارجية للدولة الوظيفية» ) ، ويقوم بإنفاق أجزاء كبيرة منها على خدمات لم يكن الاقتصاد الإسرائيلي ليتمكن من توفيرها لولا المساعدات الخارجية. كما أن التجمُّع الصهيوني يلجأ دائماً لرشوة المهاجرين حتى لا ينزحوا عن المستوطن الصهيوني. ومن ثم فإن ضخامة قطاع الخدمات هو ضرورة بنيوية للمجتمع الاستيطاني ولا يمكن تقليصه.
ورغم كل هذه العوائق البنيوية إلا أنه تم الإعلان عن برنامج موسَّع للخصخصة في التسعينيات يتم على أساسه بيع جزئي وكلي لبعض المشروعات العامة، واتباع سياسات التحرير الاقتصادي في المجالات المالية والنقدية والائتمانية. وقد شهد الاقتصاد الإسرائيلي، منذ منتصف الثمانينيات، تزايداً في وزن القطاع الخاص مقابل ضمور وزن القطاع العام الذي يشمل ملكية الدولة والهستدروت، وذلك من ناحية العمالة والمؤسسات في القطاع الصناعي. حيث بلغ نصيب القطاع الخاص من العمالة ٧٧.٨% عام ١٩٩٤ بعد أن كان ٦٦.٦% عام ١٩٨٥، في حين بلغ نصيب القطاع العام ٢٢.٢% في نفس العام بعد أن كان ٣٣.٤% عام ١٩٨٥، وبلغ نصيب القطاع العام من المنشآت الصناعية ٢.٧%، والقطاع الخاص ٩٧.٣%.
стр. 8071
ومع عودة الليكود إلى الحكم عام ١٩٩٦، فإن المصلحة السياسية لليكود قد تجعله يندفع في اتجاه تقليص القطاع العام الذي هيمن عليه تاريخياً أشخاص ينتمون لحزب العمل، فجاء في برنامج الليكود أن الحكومة ستقوم بخصخصة الشركات الحكومية كافة باستثناء الشركات أو بعض أقسام الشركات التي لها تأثير أمني.
ولكن ثمة تناقض أساسي بين هذا الاندفاع الليكودي نحو الخصخصة وأيديولوجية نيتنياهو الاقتصادية المعلنة. فهي، على حد قول عزمي بشارة، أيديولوجية يمينيةتتماثل مع الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة، وكلمة الخصخصة هي المفتاح، وتخفيض المصروفات العامة، وبالتالي الضرائب أيضاً. ولكن قاعدة حزب الليكود البشرية وقاعدة حزب شاس مثلاً، تضم في صفوفها أوساطاً واسعة من المسحوقين، والطبقات الوسطى الدنيا، ومن المهمشين اقتصادياً، وإذا ما تابعت الحكومة سياسة الخصخصة فلابد من تفجُّر صراع داخل الائتلاف الحاكم وداخل الليكود نفسه. ويلوح أيضاً تناقض بين الموقف القومي اليميني الأمني التوجه والداعي إلى تجنيد طاقات المجتمع كافة في المواجهة وبين الموقف الليبرالي الاقتصادي، فالنزعة الأولى تتطلب التعامل مع المجتمع كجماعة عضوية وليس مجرد سوق. وللتعويض عن فقدان أواصر التكافل الاجتماعي أمام بروز الفوارق الطبقية، وتراجع القطاع العام أمام قوانين السوق تزيد القوى اليمينية في ديماجوجيتها القومية. وسوف تزيد من الاهتمام المعطى للتربيةالدينية اليهودية، وكل ما من شأنه إعادة إنتاج الجماعة العضوية في الوعي بعد غيابها في الواقع.
стр. 8072
غير أن هناك رأي يذهب إلى أن إسرائيل ستحاول، رغم كل هذا، التكيف مع المتغيرات العالمية، وخصوصاً بعد نشوء منظمة التجارة العالمية وسريان اتفاقيةالجات، وأنها ستعمل على تحرير اقتصادياتها من القيود الحكومية والبيروقراطية، بل إنها سارت فعلاً على هذا الطريق، وأن ما سيذلل لها كل الصعوبات ويحل سلبيات وأعباء إعادة الهيكلة والخصخصة ليس الأساليب العادية التي تتبعها أية دولة أخرى في ظروف مماثلة، وإنما من خلال المساعدات والتبرعات والقروض، ومن خلال الاندماج السهل بين الشركات الإسرائيلية والشركات المتعددة الجنسيات، وخصوصاً أن لدى هذه الأخيرة فروعاً وأسهماً في إسرائيل وفي شركاتها العامة والمشتركة. وهذا التحرير لن ينعكس سلباً لا على مستوى رفاهية المجتمع الإسرائيلي، ولا على أولويات إسرائيل الاقتصادية، ولا على مستوى دعم الإنفاق العسكري للأسباب المذكورة آنفاً.
ونحن نميل إلى القول بأن عملية تطبيع الاقتصاد الإسرائيلي المحمي وخصخصته هي مسألة صعبة جداً إن لم تكن مستحيلة بسبب وضع التجمُّع الصهيوني كتجمُّع استيطاني وما نجم عن ذلك من سمات بنيوية تقف عائقاً في طريق التطبيع. كما أن الهاجس الأمني يقوِّض كثيراً من محاولات التطبيع، إذ أن الإجراءات الأمنية المشددة تعوق تدفق السلع والعمالة.
التسوية السلمية وتطبيع الاقتصاد الإسرائيلي (العمالي (
Peaceful Settlement and the Normalization of Israeli (Labour) Economy
стр. 8073
يُعَد شيمون بيريز صاحب الدعوة الأشهر لتطبيع الاقتصاد الإسرائيلي إقليمياً، وإنهاء حالة العزلة الإقليمية للاقتصاد الإسرائيلي. فالمشروع الإسرائيلي، في ظل عملية التسوية، يقتضي توفير مناخات اقتصادية تطبيعية تهمش بل تلغي الشأن القومي التاريخي، وتحل محله شأناً جيو/اقتصادياً جديداً، وهذا ما دعاه «الشرق الأوسط الجديد» باعتباره وحدة متكاملة اقتصادياً وأمنياً وسياسياً، ليصبح جاذباً أساسياً للاستثمار الأجنبي وجسراً وحيداً للاقتصاد الإقليمي والدولي معاً.
وتحدث البعض في إسرائيل عن «الصهيونية الاقتصادية» و «الصهيونية التقنية» اللتين تشكلان تحولاً وانتقالاً إلى مرحلة الهجوم الاقتصادي الموسعة مع تَقدُّم عملية التسوية وهو ما يقود إلى رفع معدل النمو الاقتصادي بما يجلبه من زيادة الاستثمار في مجال البنية التحتية والمشروعات المشتركة مع الدول العربية، وفتح أسواق جديدة في المنطقة وخارجها بعد وقف المقاطعة الاقتصادية العربية، واعتماد الشركات متعددة الجنسيات إسرائيل مركزاً إقليمياً.
وقد بدا واضحاً أن المطلوب هو دمج إسرائيل في المنطقة، إلا أن الإشكالية لا تتعلق بالاندماج في حد ذاته، وإنما بشروط هذا الاندماج. فالاندماج الأمثل باقتصاديات المنطقة، من وجهة النظر الإسرائيلية، يجب أن يتم من خلال سيطرة إسرائيل على عمليات الوساطة المالية بالمنطقة وتنفيذ مشاريع مشتركة في مجالات محددة تتم بإشراف الأجهزة الحكومية حتى لو قام بتنفيذها القطاع الخاص، وهي مشروعات يمكن أن تتم بين أنظمة اقتصادية تختلف بعضها عن بعض كلياً. أما النوع الثاني من الاندماج الذي يتم عَبْر إقامة منطقة تجارة حرة فهو مرفوض لأنه يتطلب إحداث تغييرات بنيوية في اقتصاد كل الدول المشتركة لإزالة التباين بينها وهو ما يتطلب تقليص دور الدولة، وترك المبادرة للقطاع الخاص.
стр. 8074
إن خصائص الاقتصاد الإسرائيلي وحمائيته تحول دون إمكانية اندماجه في إطار النوع الثاني، فالدولة الاستيطانية الصهيونية، لن تقبل رفع يدها عن التدخل في المجال الاقتصادي، نظراً إلى ما سيحدثه ذلك من آثار في مستويات المعيشة، ونظراً لما يتطلبه استمرار هجرة اليهود من استثمارات ودعم حكومي حيث يبرز التناقض بين الاعتبارات الاقتصادية والاعتبارات الاستيطانية.
ومن الأسباب الأخرى التي تعوق اندماج إسرائيل في المنطقة هو تجارة إسرائيل الخارجية التي تحتل موقعاً مهماً في الاقتصاد الإسرائيلي. فالحجم الأكبر من هذه التجارة يتجه إلى الدول الرأسمالية، وخصوصاً الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربي، ويظل الهدف الإسرائيلي الرئيسي توطيد علاقاتها الاقتصادية بتلك الدول، واعتبار دول المنطقة بمنزلة "حديقة خلفية" لإسرائيل. كما أن هيكل الصادرات الإسرائيلية لا يساعد على الاندماج التجاري بالمنطقة، إذ أن القوة الشرائية في أغلب دول المنطقة لا تسمح بأن تكون المنطقة سوقاً للماس، كما أنه من غير المنتظر أن تقوم إسرائيل بتصدير السلاح، أو التكنولوجيا (العسكرية بالأساس) إلى الدول العربية. بالإضافة إلى كل هذا يمكن أن نشير إلى تَشوُّه هيكل الأسعار في إسرائيل، فهي لا تتحدد وفقاً لاعتبارات العرض والطلب وإنما تتم، في إطار نموذج الصهيونية العمالية الذي لا يزال سائداً، وفقاً لعمليات معقدة من التفاوض السياسي. فسعر البيض مثلاً يتحدد عن طريق مفاوضات بين وزارتي المالية والزراعة من جهة، ومن جهة أخرى منظمات مربي الدواجن (التي يدعمها الصندوق القومي اليهودي والوكالة اليهودية) ... إلخ. فالاقتصاد الإسرائيلي مُسيَّس بشكل كبير وهو ما يضفي عليه طابعاً حمائياً عالياً ويحد من إمكانيات اندماجه تجارياً مع المنطقة. ومن هنا فإن مصلحة الاقتصاد الإسرائيلي لا تتمثل في تحرير التجارة في المنطقة، وإنما في القيام بدور الوسيط الذي يقوم بتسويق المنطقة
стр. 8075
للخارج (وخصوصاً في برامج السياحة) ، بالإضافة إلى تسويق الخارج للمنطقة، وهو الأهم للمنطقة، عن طريق استثمار علاقات إسرائيل مع الولايات المتحدة وأوربا (أو حتى مجرد الإيحاء بأنها تستطيع التسويق لخارج المنطقة) . كل هذا يعني أن الدولة الوظيفية القتالية أصبحت دولة وظيفية ربوية.
إن من الخطأ الشديد تهميش أهمية ومعاني البُعدين السياسي والأمني في تسوية الصراع العربي الإسرائيلي، وتكشف المبالغة في أهمية مدلولات البُعد الاقتصادي للتسوية عن غياب الإلمام الكافي ببنية الاقتصاد الإسرائيلي وتوجهاته وتحولاته، وخصوصاً أن المردود الاقتصادي للتسوية السياسية على إسرائيل لا ينحصر في حدود علاقتها بالمنطقة، بل يتعدى ذلك إلى توطيد وتوسيع علاقاتها بمراكز الاقتصاد العالمي، وربما كان هذا هو الجانب الأهم من زاوية رؤية الدولة الإسرائيلية لمستقبلها، حيث تستمر في أداء وظيفتها كوكيل للقوى الدولية للمحافظة على مصالحها في المنطقة.
ويمكن القول بأنه رغم طموح اليمين الإسرائيلي للاستفادة من مكاسب تطبيع العلاقات الاقتصادية مع العرب، إلا أن برنامجه السياسي، الذي لا يعطي أولوية للطرح الشرق أوسطي، يُعرْقل عملية التطبيع الاقتصادي مع العرب، وينشط العلاقات مع الدول الغربية بالإضافة إلى الدول النامية الأكثر تقدُّماً مثل كوريا الجنوبية والهند والصين.
стр. 8076
أما على المستوى الدولي، فتركز الاتجاهات الرامية لتطبيع الاقتصاد الإسرائيلي على مستقبل التدفقات الرأسمالية على إسرائيل في مرحلة ما بعد انتهاء، أو على الأقل احتمال انخفاض، المعونات. حيث تسعى إسرائيل حالياً لجذب نوع مختلف من رؤوس الأموال سواء في شكل استثمارات أجنبية مباشرة FDI أو في شكل استثمارات في حوافظ الأوراق المالية (بالإنجليزية: بورتفوليو إنفستمنت Portfolio Investment) ، وفي هذا الإطار تم إنشاء ما يُعرَف بصندوق إسرائيل الأول الذي بدأ طرح أوراقه المالية في البورصات منذ أكتوبر ١٩٩٢.
ولكن الاقتصاد الإسرائيلي سيظل في حاجة ماسة إلى المعونات، وفي هذا الصدد تثير إسرائيل قضية الذهب الألماني في المصارف السويسرية بهدف الحصول على مساعدات وتعويضات تصل إلى حوالي ٤٠ مليار دولار خلال السنوات العشر القادمة.
وتتركز تجارة إسرائيل الخارجية مع الدول الغربية، ففي عام ١٩٩٤ استوعبت سوق الولايات المتحدة ٣١% من صادرات إسرائيل وغطت ١٨% من الواردات الإسرائيلية، وبلغت النسبتان ٢٩.٢% و٥٣.٦% لدول الاتحاد الأوربي. وبقدر ما تتيحه هذه العلاقة الاقتصادية من فرص لتعظيم قدرة إسرائيل الاقتصادية، بقدر ما تكشف عن قدر الضغط الذي يستطيع شركاء إسرائيل أن يمارسوه عليها لتستمر الدولة الوظيفية داخل الإستراتيجية المعدة لها.
стр. 8077
ومن المؤكد أن هذه التوجهات، التي يتبناها حالياً جهاز الدولة في إسرائيل، لا تتعارض فقط مع أدبيات الصهيونية العمالية، وإنما تصطدم أيضاً بمصالح فئات عديدة داخل المجتمع الإسرائيل وخارجه، الأمر الذي ينقل المناظرة حول تطبيع الاقتصاد الإسرائيلي إلى مستوى أكثر تركيباً، حيث يصبح السؤال: هل مستقبل الدولة مرهون بالتخلي عن المشروع الصهيوني؟ أم أن الفترة القادمة ستشهد صيغة تلفيقية، ولا نقول توفيقية، تجمع بين صهيونية الخطاب وبعض الممارسات، على الصعيد السياسي والعسكري مثلاً، وتدويل الممارسات الاقتصادية، وهو ما تحاول إسرائيل أن تقدمه حالياً؟ وفي هذه الحالة فإن التساؤل يثور حول إمكانية نجاح مثل هذا النموذج.
فهذا النموذج، الذي سيستمر في إسرائيل حتى بداية القرن الواحد والعشرين على الأقل، لا يعدو أن يكون مجرد مسكن لا علاجاً للأزمة، وهو يحوي من التناقضات ما يجعله غير قادر على الاستمرار. فالمنطق الاقتصادي الجديد، والتطبيع بمستوياته الثلاثة، يقتضي إجراء مجموعة من التنازلات السياسية لإيجاد مناخ يسمح بتدفق رؤوس الأموال (غير المسيَّسة) سواء لتمويل الخصخصة، أو في شكل استثمارات جديدة تنهي حالة الركود والتضخم، ناهيك عن دفع التعاون الإقليمي، الأمر الذي يتعارض بطبيعة الحال مع صهيونية الخطاب والممارسة السياسية.
ومن ناحية أخرى، فإن الخروج من الأزمة التي يمر بها الاقتصاد الإسرائيلي، وهي في أحد أبعادها جزء من أزمة النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي الناجمة عن اتجاه معدل ربحية رأس المال نحو التناقص بشكل مستمر، قد يقتضي الاستمرار في السيطرة على الأراضي المحتلة، وهو ما يتعارض بدوره مع تقديم تنازلات سياسية لجذب رؤوس الأموال.
стр. 8078
ومن هنا، فإن بنود الأجندة الاقتصادية التطبيعية لا تتناقض في مجموعها مع الأجندة السياسية المتشددة وحسب، وإنما تتناقض أيضاً مع بعضها البعض! ويتضح هذا التناقض بجلاء من تأمل الأجندة الاقتصادية التي أعلنها الائتلاف الحاكم في إسرائيل وما تعهَّد به من الاستمرار في الاستيطان وعدم المساس بمخصصات التعليم، في الوقت الذي سيتم فيه خفض الضرائب وتقليص عجز الموازنة العامة! والواقع أن تنفيذ هذه التعهدات (التي تعني زيادة النفقات العامة وخفض الإيرادات العامة) في وقت واحد يكاد يكون مستحيلاً من الناحية العملية.
هذه المجموعة المركبة من التناقضات تشير إلى عمق الأزمة التي يمر بها الاقتصاد الصهيوني، فاستمرار نموذج الصهيونية العمالية الذي ساد منذ العشرينيات مستحيل، وتطبيع الاقتصاد الإسرائيلي يهدِّد خصوصيته الصهوينية، وخصوصاً أن المنطق الاقتصادي لا يعمل في فراغ، وإنما تصطدم الأجندة الاقتصادية بأجندات أخرى سياسية وعسكرية واستيطانية، الأمر الذي يكشف مدى هشاشة النموذج الذي يحاول الالتفاف حول المعضلة الأساسية التي تفرض نفسها على الاقتصاد الإسرائيلي وتحتِّم عليه الاختيار بين أن يكون اقتصادياً، أي نمطاً رشيداً لتخصيص الموارد، وبين أن يكون صهيونياً.
الاقتصاد الإسرائيلي عام ١٩٩٧
Israeli Economy ١٩٩٧
يمثل عام ١٩٩٧ نقطة تحول أساسية في الأداء الاقتصادي الإسرائيلي. فبعد فترة الانتعاش التي شهدها الاقتصاد الإسرائيلي خلال النصف الأول من التسعينيات، تراجعت معدلات النمو بشكل حاد لتبلغ ٢.٥% عام ١٩٩٧، وارتفعت معدلات التضخم والبطالة لتصبح ١٢% و٨% على التوالي، الأمر الذي يهدد بعودة حالة التضخم الركودي Stagflation التي عاشتها إسرائيل منذ منتصف السبعينيات، ويطرح - من ناحية أخرى - التساؤل حول أسباب هذه الأزمة، ومدى قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على تجاوزها في المدى القريب.
стр. 8079
ولا يمكن في الواقع إدراك أبعاد هذه الأزمة إلا في إطار خاصيتين أساسيتين حكمتا أداء الاقتصاد الإسرائيلي عبر مراحل تطوره المختلفة منذ إنشاء الدولة. ويمكن إجمالهما فيما يلي:
١ - هيمنة الأيديولوجيا على الاقتصاد وإعطاء الاعتبارات المتعلقة باستيعاب المهاجرين وبناء الدولة أولوية عن الاعتبارات الاقتصادية المحضة. كل هذا يفسِّر من ناحية التضخم المفرط في الإنفاق الحكومي على مشاريع البنية الأساسية اللازمة لاستيعاب المهاجرين والاستيطان خلال مرحلة النمو السريع للاقتصاد الإسرائيلي (١٩٥٤ - ١٩٧٣) ، ويفسِّر من ناحية أخرى عجز حكومة الليكود الأولى عن خفض العجز في الميزانية نظراً لتزايد الإنفاق الحكومي لتمويل النشاط الاستيطاني، ثم الحرب في لبنان.
كما تظهر هذه المشكلة بجلاء في التناقضات التي تحتويها عناصر الأجندة الاقتصادية للائتلاف الحاكم، وما تعهد به من الاستمرار في الاستيطان، وعدم المساس بمخصصات التعليم ومخصصات المعاشات في الوقت الذي سيتم فيه خفض الضرائب وتقليص العجز في الموازنة العامة. ومن الواضح أن تنفيذ هذه التعهدات التي تعني زيادة النفقات العامة وخفض الإيرادات العامة في وقت واحد وهو أمر مستحيل من الناحية العملية. كل هذا يعكس تخبط الائتلاف الحاكم بين الاعتبارات الاقتصادية التي تحتم خفض العجز في الموازنة وبين الاعتبارات السياسية ومطالب الأحزاب الأعضاء في الائتلاف.
٢ - ارتبطت فترات النمو في الاقتصاد الإسرائيلي بالأساس ببتدفقات البشر (عن طريق الهجرة) والأموال (عن طريق المعونة) ، أو العمل ورأس المال بالتعبير الاقتصادي من الخارج، فيرى الاقتصادي الإسرائيلي يورام بن بورات أن ٧٥% من النمو الذي شهده الاقتصاد الإسرائيلي تم بفضل المعدلات المرتفعة لنمو عوامل الإنتاج (رأس المال والعمل) و٢٥% منه فقط بسبب التحسن في الكفاءة الإنتاجية.
стр. 8080
ويفسِّر ذلك نجاح إسرائيل في تنفيذ استثمارات ضخمة على الرغم من وجود إدخار محلي سالب في أغلب الفترات، فقد كانت التدفقات الخارجية للمساعدات هي الوسيلة الأساسية لسد الفجوة بين الاستثمار والإدخار، وهي التي مكَّنت إسرائيل من تحقيق مستوى معيشي مرتفع على الرغم من المعدلات المرتفعة لتزايد السكان - بفعل الهجرة - والزيادة المطردة في الإنفاق العسكري.
ومن ناحية أخرى - وبنفس المنطق - فقد كانت الهجرة الكبيرة لليهود من الاتحاد السوفيتي في أوائل التسعينيات، وضمانات القروض التي حصلت عليها إسرائيل من الولايات المتحدة لتوطينهم هي المحرك الرئيسي للنمو الذي شهدته إسرائيل منذ أوائل التسعينيات، والذي انتشلها بشكل مؤقت من حالة الركود التضخمي التي كانت تسيطر عليها.
فمع بداية التسعينيات، نجح الاقتصاد الإسرائيلي في تحقيق واحداً من أعلى معدلات النمو في العالم في هذه الفترة، حيث بلغ في المتوسط ٥.٥% خلال الفترة من ١٩٩٠ - ١٩٩٦، ويرجع هذا النمو بالأساس - كما هو الحال في فترات النمو السابقة التي شهدها الاقتصاد الإسرائيلي - إلى النمو في عوامل الإنتاج (العمل ورأس المال) . فبالنسبة للعمل، شهدت هذه الفترة آخر موجات الهجرة الكبيرة التي تدفقت على إسرائيل، الأمر الذي ساهم في تنشيط الطلب على العديد من السلع والخدمات (مثل السلع المعمرة والإسكان) ، وأعطت دفعة كبيرة لقطاع البناء الذي نما بمعدلات متسارعة.
وعلى صعيد رؤوس الأموال، فقد اعتمدت إسرائيل في البداية على ضمانات قروض الإسكان التي قدمتها حكومة الرئيس الأمريكي بوش (١٠ مليار دولار) لتوطين المهاجرين، ومنذ عام ١٩٩٤، انعكس التقدم في عملية السلام على زيادة قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة FDI والتي تجاوزت لأول مرة في تاريخ إسرائيل المليار دولار عام ١٩٩٥.
стр. 8081
كما اقترنت هذه الفترة من النمو أيضاً بتضخم الإنفاق الحكومي للمساعدة على استيعاب المهاجرين من ناحية، ثم في فترة لاحقة لاعتبارات انتخابية، فقد قام إفرايم شوحاط وزير المالية في حكومة حزب العمل بزيادة الإنفاق على الرواتب والتأمينات الاجتماعية والمعاشات للعاملين سعياً لاجتذاب أصواتهم في انتخابات عام ١٩٩٦، كما تعهدت حكومة حزب العمل بعدم المساس بالمخصصات المالية للمعاشات.
وهكذا جاءت حكومة الليكود الحالية لتحصد ثمار الأداء الاقتصادي لحكومة العمل، والتي تتمثل في ارتفاع عجز الموازنة، وزيادة معدلات التخضم (١٢% عام ١٩٩٧) نتيجة للتوسع في الإنفاق الحكومي، في الوقت الذي كانت فيه معدلات الهجرة تتراجع ومعها معدلات النمو التي بلغت ٢.٥% عام ١٩٩٧، كما زادت نسبة البطالة إلى ٧.٦% عام ١٩٩٦ ثم ٨% عام ١٩٩٧، وانخفضت معدلات الاستثمار بنسبة ٩% خلال عام ١٩٩٧، وتراجعت الواردات من السلع الرأسمالية (لتعكس توقعات رجال الأعمال السلبية حول احتمالات عودة الانتعاش الاقتصادي) ، الأمر الذي هدَّد بعودة حالة التضخم الركودي التي شهدتها إسرائيل منذ منتصف السبعينيات.
والواقع أن الليكود واليمين الإسرائيل يتبنيان تقليدياً برنامجاً اقتصادياً محافظاً يركز على خفض عجز الموازنة والميزان التجاري، بل إن أول حكومة ليكودية في تاريخ إسرائيل وصلت إلى السلطة كما سبق أن أشرنا في أعقاب فترة التضخم الركودي التي شهدتها إسرائيل بعد عام ١٩٧٣.ويتميَّز برنامج الحكومة الحالية بتركيزه على إحداث تغيير جذري في بنية الاقتصاد الإسرائيلي يشمل تغيير تركيبة الأجور، وزيادة المنافسة في الأسواق، وتطوير سوق رأس المال، وتشجيع الاستثمارات الأجنبية والصناعات التصديرية، الأمر الذي لا يتم - من وجهة نظر الحكومة الحالية - إلا بتقليص حجم القطاع الحكومي ودور الحكومة في النشاط الاقتصادي وخصخصة الشركات المملوكة ملكية عامة.
стр. 8082
وقد شكَّل بنيامين نتنياهو فور توليه رئاسة الوزراء لجنة وزارية للخصخصة تضم رئيس الوزراء ووزيري المالية والعدل ومحافظ بنك إسرائيل، بالإضافة إلى إنشاء مجلس اقتصادي اجتماعي برئاسة يعقوب فرانكل محافظ بنك إسرائيل يتبع مكتب رئيس الوزراء، الأمر الذي يعكس حرص نتنياهو على أن يكون تحرير الاقتصاد الإسرائيلي وخصخصته خاضعين لإشرافه المباشر.
غير أن قدرة السياسات التي تتبعها الحكومة الحالية على احتواء الأزمة الاقتصادية وإنعاش الاقتصاد الإسرائيلي مرة أخرى تظل محدودة، نظراً للاعتبارات التالية:
١ - طبيعة التوازنات السياسية في الائتلاف الحاكم، ففي الوقت الذي تحاول فيه حكومة اللكيود أن تتبع سياسات مالية انكماشية لخفض العجز في الموازنة تجد نفسها مضطرة إلى تقديم تنازلات عديدة وزيادة الإنفاق الحكومي في بعض المجالات لإرضاء شركائها في الائتلاف الذين يمارسون ضغوطاً عديدة لزيادة المخصصات المالية لهم، فعلى سبيل المثال اضطرت الحكومة لكي تتمكن من تمرير موازنة عام ١٩٩٧ إلى زيادة المخصصات المالية لاستيعاب المهاجرين بمقدار ٧٢ مليون شيكل إرضاءً لحزب إسرائيل بعالياه، وزيادة المخصصات للأحزاب الدينية بمقدار ٣٦ مليون شيكل ... إلخ.
٢ - دور الهستدروت الذي يعارض أي مساس بمخصصات المعاشات، وقد نظم إضرابين عامين في النصف الأخير من عام ١٩٩٧ شارك في كل منهما أكثر من نصف مليون إسرائيلي احتجاجاً على محاولات الحكومة تقليص هذه المخصصات في إطار سياساتها المالية الانكماشية. والواقع أن المواجهة بين الهستدروت والحكومة تكتسب - إلى جانب طابعها الاقتصادي المتمثل في الخلاف حول السياسات المالية وسياسة الخصخصة التي تتبعها الحكومة الحالية - أبعاداً سياسية نظراً لكون الهستدروت قاعدة الاقتصاد الصهيوني العمالي (الاستيطاني) ومركز التأييد التقليدي لحزب العمل.
стр. 8083
٣ - تضارب عناصر البرنامج الاقتصادي بسبب هشاشة الائتلاف الحاكم، وما تتيحه هذه الهشاشة للأحزاب الصغيرة من فرص لابتزاز الحكومة، على عناصر الأجندة الاقتصادية التي تقدمها الحكومة الحالية، وما تتعهد به من التوسع في الاستيطان (لإرضاء أحزاب كالمفدال مثلاً) واستيعاب المهاجرين (لإرضاء حزب إسرائيل بعالياه) في الوقت الذي ستقوم فيه بخفض الضرائب (لإنعاش الاقتصاد الإسرائيلي) وتقليص العجز في الموازنة العامة واحتواء التضخم، وهي أهداف تتطلب اتباع سياسات متعارضة، ويستحيل تحقيقها في آن واحد.
٤ - تعارض الأجندة الاقتصادية مع الأجندة السياسية للائتلاف الحاكم، فبنود الأجندة الاقتصادية لا تتعارض مع بعضها البعض وحسب، وإنما تتعارض في مجموعها مع الأجندة السياسية القائمة على التوسع في الاستيطان والتشدد في عملية السلام. فالسياسات الاقتصادية الجديدة تقتضي إجراء مجموعة من التنازلات السياسية في عملية السلام لخلق مناخ يسمح بتدفق رؤوس الأموال غير المسيسة سواء للمساهمة في تمويل الخصخصة، أو في شكل استثمارات جديدة تنهي حالة الركود التضخمي، ناهيك عن دفع التعاون الاقتصادي الإقليمي، الأمر الذي يتعارض بطبيعة الحال مع السياسات المتشددة للائتلاف الحاكم، والتي تسببت في هبوط معدلات الاستثمار في العامين الأخيرين، وتراجع عدد السياح لإسرائيل (اعتباراً من النصف الثاني من عام ١٩٩٦) . كما أن الحصار الذي فرضته إسرائيل على المناطق المحتلة يحرمها من جهود العمالة الفلسطينية ذات الأجر المتدني التي يكفل تشغيلها بأجور منخفضة ضمان حد معقول من الربحية لرأس المال ومن ثم حفز النشاط الاقتصادي.
٥ - تراجع عناصر النمو الذي أصاب مصادره، بتراجع النمو في عوامل الإنتاج الذي شهدته إسرائيل في أوائل التسعينيات كما سبق وأشرنا، ومن غير المنتظر أن تشهد إسرائيل نمواً مشابهاً في عناصر الإنتاج على المدى القريب.
стр. 8084
فمن غير المتوقع أن تشهد إسرائيل موجة هجرة كبيرة على غرار الموجة الأخيرة لهجرة اليهود السوفييت التي أدت إلى زيادة سكان إسرائيل بمعدل ٣% سنوياً خلال الفترة من ١٩٩٠ - ١٩٩٥. بل إن الإحصاءات الأخيرة تشير إلى أنه منذ منتصف التسعينيات (أي بعد حركة الهجرة الأخيرة) أصبح تعداد يهود أوربا الشرقية لأول مرة في التاريخ أقل من تعداد نظرائهم في أوربا الغربية، وهو ما يعني أن المعين الرئيسي قد بدأ ينضب.
والخلاصة أن عام ١٩٩٧ شهد بدايات تفجر أزمة الاقتصاد الإسرائيلي في إطار المشروع الصهيوني، والتي تحتم عليه الاختيار بين ضرورات البقاء الاقتصادي، وضرورات الوجود الاستيطاني. فالاقتصاد الإسرائيلي عليه، بعبارة أخرى، أن يختار بين أن يكون اقتصاداً رشيداً وبين أن يكون صهيونياً استيطانياً.
الباب الثانى: التوسع الجغرافي أم الهيمنة الاقتصادية ؟
بنية الاستغلال الصهيونية
Structure of Zionist Exploitation
قد يدَّعي الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الصهيوني أنه تنفيذ للوعد الإلهي وأن استيلاءه على الأرض المقدَّسة هو تنفيذ للميثاق وهكذا، ولكن النموذج الصهيوني لا يفسر الكثير من جوانب الواقع والبنية التي تشكلت فيه. ولذا فالقول بأن هذا الاستعمار الاستيطاني يهدف إلى الاستيلاء على الأرض الفلسطينية وطرد أهلها أو استغلالهم، له مقدرة تفسيرية أعلى. وفي هذا الباب سنتناول جوانب بنية الاستغلال هذه. فنبدأ بتناول العلاقة الكولونيالية بين الجيب الاستيطاني الصهيوني وما تبقَّى من الاقتصاد الفلسطيني، ثم نتناول التوسعية الصهيونية ومحاولتها الدائبة التهام الأرض الفلسطينية، ثم أخيراًً نتناول بعض التحولات الجوهرية التي طرأت على بنية الاستغلال الصهيونية فيما نسميه «التحول عن إسرائيل الكبرى جغرافياً وظهور إسرائيل العظمى اقتصادياً» .
إرتس يسرائيل
Eretz Yisrael
стр. 8085
«إرتس يسرائيل» عبارة عبرية وردت في التوراة وفي الكتابات اليهودية الدينية والفقهية، وتعني حرفياً «أرض يسرائيل» . ويُستخدَم هذا المصطلح للإشارة إلى أرض فلسطين وبعض المناطق المتاخمة لها. ومعنى العبارة غير واضح بشكل محدَّد، ولكن من مرادفاتها، على أية حال، عبارات مثل: «الأرض المقدَّسة» و «أرض الميعاد» . وسنحاول تعريف مجالها الدلالي المتناقض من خلال تصنيف الإشارات المختلفة إليها واستخداماتها المتباينة كما وردت في الكتب المقدَّسة والتراث الديني اليهودي:
١ ـ تشير عبارة في سفر صموئيل الأول (١٣/١٩) إلى تلك الأرض التي كان يقطنها العبرانيون بالفعل إبان حكم القضاة، قبل ظهور المملكة العبرية المتحدة، فتقول: "ولم يوجد صانع في كل أرض يسرائيل". وأرض يسرائيل بهذا المعنى لا تضم، مثلاً، القدس التي ظلت مدينة يبوسية حتى عهد داود. كما أنها لم تكن منطقة متصلة، إذ كانت هناك جيوب في الشمال استوطنت فيها قبائل زبولون وآشر ويسكار على بحيرة طبرية، لكن هذه الجيوب كانت غير متصلة بالجيب الأكبر على البحر الميت ونهر الأردن. كما كان يوجد جيب ثالث غير متصل بالجيبين الآخرين، في أقصى الشمال، تشغله قبيلة دان.
٢ ـ تشير العبارة إلى المملكة الشمالية التي تُسمَّى أيضاً «يسرائيل» . فقد ورد في سفر الملوك الثاني (٥/٢) : "وكان الآراميون قد خرجوا غزاة فسبوا من أرض يسرائيل فتاة صغيرة"، وهي منطقة تبدأ من الطرف الشمالي للبحر الميت وتضم بحيرة طبرية وضفتي الأردن، ولكنها لا تضم المنطقة الجنوبية كلها ومنها القدس.
٣ ـ تشير العبارة أحياناً إلى مملكة داود في أقصى اتساعها.
٤ ـ تشير العبارة إلى ما يُسمَّى «حدود الآباء» ، فقد ورد في سفر التكوين (١٥/١٨) : "لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات". لكن هذه العبارة صياغة شديدة العمومية لا يمكن أن تُطلَق عليها كلمة «حدود» .
стр. 8086
٥ ـ وهناك كذلك حدود الخارجين من مصر، وهي لا تختلف كثيراً عن حدود الآباء. وقد وردت في عدة مواضع من بينها سفر التثنية (١/٧، ٨) : "وارتحلوا وأدخلوا جبل الأموريين وكل ما يليه من العربة والجبل والسهل والجنوب وساحل البحر أرض الكنعاني ولبنان إلى النهر الكبير نهر الفرات". وورد في السفر نفسه (١١/٢٤) : "يطرد الرب جميع هؤلاء الشعوب من أمامكم فترثون شعوباً أكبر وأعظم منكم. كل مكان تدوسه بطون أقدامكم يكون لكم من النهر نهر الفرات إلى البحر الغربي يكون تخمكم". وجاء في سفر يشوع (١/٣ ـ ٤) : "كل موضع تدوسه بطون أقدامكم لكم أعطيته كما كلمت موسى من البرية ولبنان إلى هذا النهر الكبير نهر الفرات جميع أرض الحيثيين وإلى البحر الكبير نحو مغرب الشمس يكون تخمكم". وهذه الحدود أكثر تحدداً من خريطة الآباء، ولكنها مع هذا غير واضحة وخاضعة للتفسيرات والاجتهادات. ويرى الباحث الفلسطيني صبري جريس في كتابه تاريخ الصهيونية، استناداً إلى مراجع صهيونية (من بينها مشروع الوكالة اليهودية المقدم إلى مؤتمر فرساي عام ١٩١٩) أن إرتس يسرائيل تضم بهذا المعنى تلك المنطقة التي يحدها البحر المتوسط من الغرب، ويحدها من الجنوب خط يبدأ من موقع العريش في سيناء ويتجه متعرجاً حتى يصل إلى العقبة (إيلات) ومن هناك يتجه شمالاً حتى جنوب البحر الميت. ثم يستمر في الاتجاه شمالاً بمحاذاة نهر الأردن (دون أن يضم أياً من المناطق الواقعة شرقي النهر) حتى يصل إلى جبل الشيخ (حرمون) . ومن هناك إلى الشمال، ماراً بغربيّ دمشق، ثم بغربيّ حمص حتى يصل إلى محاذاة اللاذقية، فينحرف شرقاً حتى يصل إلى أقرب نقطة في مجرى الفرات من البحر المتوسط، ومن هناك يتجه غرباً إلى البحر ماراً بجنوبي حلب. وبعبارة أخرى، تضم أرض الميعاد، بحسب حدودها هذه، مساحة فلسطين أيام الانتداب مضافاً إليها ذلك الجزء من سوريا ولبنان الذي يقع غربيّ خط دمشق ـ حمص ـ حماة. ويحدها من الشمال خط يمر
стр. 8087
جنوبي حلب. وتبلغ مساحتها نحو ١٦٠ـ ١٧٠ ألف كيلو متر مربع.
ويضيف صبري جريس أن من الواضح أيضاً، من ناحية أخرى، أن تلك الحدود لا تتلاءم أبداً مع حدود المناطق التي عاش العبرانيون فيها أو حكموها في أية فترة من الزمن. ففيما عدا المناطق الممتدة بين دان (شمالي طبرية) وبئر سبع (في فلسطين) التي وُجد اليهود فيها، أو حكموا بعضها من فترة إلى أخرى (ولم يسيطروا عليها كلها دائماً ولم يوجدوا فيها وحدهم على أية حال) ، فإن "بطون أقدامهم"، إذا استعملنا لغة التوراة، لم تطأ باقي المناطق. يضاف إلى ذلك أن اليهود أنفسهم لم يتجهوا، في أي وقت من الأوقات، لاحتلال هذه المناطق أو العيش فيها. وتفسير هذا التناقض، هو أن المناطق الأخرى التي لم يصلها اليهود مخصصة لاستيطانهم في المستقبل عندما يتكاثرون. ومرة أخرى، يستند هذا التفسير إلى التوراة: "لأطردهم من أمامك في سنة واحدة لئلا تصير الأرض خربة فتكثر عليك وحوش البرية. قليلاً قليلاً اطردهم من أمامك إلى أن تثمر وتملك الأرض" (خروج ٢٣/٢٩ ـ ٣٠) . و"لكن الرب إلهك يطرد هؤلاء الشعوب من أمامك قليلاً قليلاً. لا تستطيع أن تفنيهم سريعاً لئلا تكثُر عليك وحوش البرية. ويدفعهم الرب إلهك أمامك ويوقع بهم اضطراباً عظيماً حتى يفنوا. ويدفع ملوكهم إلى يدك فتمحو اسمهم من تحت السماء. لا يقف إنسان في وجهك حتى تفنيهم" (تثنية ٧/٢٢ ـ ٢٤) .
стр. 8088
٦ ـ ثم هناك إرتس يسرائيل سادسة. ويمكن أن نُطلق عليها أرض القبائل العبرانية الاثنتى عشرة. فقد ورد في سفر التثنية (٣٤/١ـ٤) : "وصعد موسى من عربات مؤاب إلى جبل نبو إلى رأس القمة التي تطل على أريحا فأراه الرب جميع الأرض من جلعاد إلى دان وجميع نفتالي وأرض إفرايم ومنَسَّى وجميع أرض يهودا إلى البحر الغربي. والجنوب والدائرة بقعة أريحا مدينة النخل إلى صوعر. وقال له الرب: هذه هي الأرض التي أقسمت لإبراهيم وإسحق ويعقوب قائلاً لنسلك أعطيها". ثم قام موسى، بتقسيم هذه الأراضي بين قبائل يسرائيل الاثنتى عشرة: "إنما اقسمها بالقرعة ملكاً ليسرائيل كما أمرتك. والآن اقسم هذه الأرض ملكاً للتسعة أسباط ونصف سبط منَسَّى" (يشوع ١٣/٦ ـ ٧) . وكانت الأسباط الباقية قد حصلت على حصصها قبل ذلك. أما حدود هذه الأرض، فقد ذُكرت مطولاً في التوراة عند الحديث عن تقسيمها بين القبائل الاثنتى عشرة (سفر يشوع، ١٥ ـ ٢٤) ، وهذه الحدود أكثرها شيوعاً. ولكن هذه الحدود غير واضحة أيضاً، مثل سابقتها، رغم إسهاب التوراة في وصفها. ومرة أخرى، واستناداً إلى تفسيرات واجتهادات عديدة، فإن حدودها رُسمت بشكل يضم المنطقة الواقعة بين البحر غرباً والصحراء شرقاً، ومنها القسم المأهول من شرق الأردن. أما حدودها الجنوبية، فتمتد على خط يصل بين العريش والعقبة، بينما الحدود الشمالية غير واضحة وتشير إلى جبل الشيخ (حرمون) فقط. وتضم أرض يسرائيل، بحسب هذه الحدود، نحو ٤٣ ألف كيلو متر مربع.
стр. 8089
٧ ـ ثم هناك إرتس يسرائيل سابعة حددتها المشناه وسمتها «أرض العائدين من بابل» ، وهي وحدها التي تنطبق عليها التشريعات اليهودية (هالاخاه) المتصلة بالأرض مثل السنة السبتية وسنة اليوبيل. وهذه مقاطعة صغيرة جداً تطابق مقاطعة «يهود» الفارسية بعد العودة من بابل، وهي منطقة تمتد من نقطة على البحر الميت من عين جدي نحو البحر الأبيض المتوسط على حدود الخليل ولا تضمها، ثم تتجه شمالاً بمحاذاة ساحل البحر الأبيض وتضم اللد، ثم تتجه شرقاً حتى أسفل نهر الأردن، ولا تضم السامرة، وليست لها أية منافذ على البحر الأبيض المتوسط، ولا تزيد مساحتها عن ١٢٠٠ ميل مربع.
ونتيجة كل هذا التضارب، يختلف المفسرون (السياسيون والدينيون) في تعريف الحدود، ويتأرجحون بين الحد الأقصى، ويضم فلسطين وكل سيناء والأردن وسوريا ولبنان، بل وأجزاء من تركيا وأحياناً قبرص، والحد الأدنى الذي لا يتجاوز حدود مقاطعة يهود الفارسية. وهناك من يرى أن الخريطة المنطقية هي مملكة داود في أقصى اتساعها، وهكذا!
٨ ـ ويضيف صبري جريس أن هناك حدود إرتس يسرائيل الطبيعية، وتضم مزيداً من الأراضي، وهي أكبر قليلاً من الحدود الأصلية، وتصل مساحتها إلى نحو ٥٩ ألف كيلو متر مربع، منها نحو النصف غربي نهر الأردن (أرض إسرائيل الغربية) ، والنصف الآخر شرقي النهر (أرض إسرائيل الشرقية) . وتجدر الإشارة إلى أن حدود المنطقة التي طلبت المنظمة الصهيونية العالمية (من مؤتمر الصلح في باريس سنة ١٩١٩) الاعتراف بها "وطناً قومياً لليهود" متسقة مع التعريف الأخير لحدود أرض إسرائيل.
والواقع أن مفهوم الحدود الطبيعية هو بكل تأكيد نتاج عملية علمنة المفهوم الديني القديم، إذ أن الدفاع عن هذه الحدود الطبيعية المقدَّسة يمكن أن يتم من منظور ديني باعتبار أنه ورد في التوراة ومن منظور غير ديني باعتباره شيئاً طبيعياً نابعاً من الضرورات الطبيعية.
стр. 8090
ولكن الحاخام تسفي كوك، زعيم جوش إيمونيم الروحي، حسم المسألة تماماً حينما طرح المسألة برمتها داخل الإطار الحلولي وقال: "إن الجيش الإسرائيلي هو القداسة بعينها"، فكأن هذا الجيش هو مركز الحلول الإلهي في الكيان الصهيوني والتعبير المتبلور عن إرادة الثالوث الحلولي. ولذا فليس غريباً أن يصرح بن جوريون بأن خير مفسر للتوراة هو الجيش الإسرائيلي، فهو الذي سيقرر حدود إرتس يسرائيل، وهو وحده الذي سيضع حداً للتوسعية الصهيونية. وقد صرح أفنيري بأن ما يحدد حدود الأرض الآن ليس الوعد الإلهي، وإنما قوة إسرائيل العسكرية الذاتية على أن تقوم المؤسسة الدينية باقتباس الديباجات الدينية اللازمة بعد الفعل.
ومما هو جدير بالذكر أن اللغة العبرية الحديثة لا تعرف كلمة «فلسطين» . وهذا يتفق مع التصور الديني اليهودي الذي يرى أن الأرض لا وجود لها إلا بالإشارة إلى اليهود والتاريخ اليهودي. ولهذا، فكلما أشار يهودي إلى فلسطين، فإنه إنما يشير إلى «إرتس يسرائيل» . والواقع أن هذا المفهوم الديني الحلولي هو أساس بعض الشعارات الصهيونية مثل «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» ، باعتبار أن الأرض هي إرتس يسرائيل التي حلَّ فيها الإله، ومن ثم فلا وجود حقيقياً لها إلا بالإشارة إلى الشعب اليهودي المقدَّس الذي لا يستطيع أن يحقق ذاته إلا في هذه الأرض المقدَّسة، ومن ثم فإن وجود اليهود في بلاد العالم المختلفة واستقرارهم فيها ليس وجوداً أو استقراراً وإنما هو غياب وتجوال.
следующие страницы →