← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 8086–8125 · переход к 8091.

стр. 8086

٥ ـ وهناك كذلك حدود الخارجين من مصر، وهي لا تختلف كثيراً عن حدود الآباء. وقد وردت في عدة مواضع من بينها سفر التثنية (١/٧، ٨) : "وارتحلوا وأدخلوا جبل الأموريين وكل ما يليه من العربة والجبل والسهل والجنوب وساحل البحر أرض الكنعاني ولبنان إلى النهر الكبير نهر الفرات". وورد في السفر نفسه (١١/٢٤) : "يطرد الرب جميع هؤلاء الشعوب من أمامكم فترثون شعوباً أكبر وأعظم منكم. كل مكان تدوسه بطون أقدامكم يكون لكم من النهر نهر الفرات إلى البحر الغربي يكون تخمكم". وجاء في سفر يشوع (١/٣ ـ ٤) : "كل موضع تدوسه بطون أقدامكم لكم أعطيته كما كلمت موسى من البرية ولبنان إلى هذا النهر الكبير نهر الفرات جميع أرض الحيثيين وإلى البحر الكبير نحو مغرب الشمس يكون تخمكم". وهذه الحدود أكثر تحدداً من خريطة الآباء، ولكنها مع هذا غير واضحة وخاضعة للتفسيرات والاجتهادات. ويرى الباحث الفلسطيني صبري جريس في كتابه تاريخ الصهيونية، استناداً إلى مراجع صهيونية (من بينها مشروع الوكالة اليهودية المقدم إلى مؤتمر فرساي عام ١٩١٩) أن إرتس يسرائيل تضم بهذا المعنى تلك المنطقة التي يحدها البحر المتوسط من الغرب، ويحدها من الجنوب خط يبدأ من موقع العريش في سيناء ويتجه متعرجاً حتى يصل إلى العقبة (إيلات) ومن هناك يتجه شمالاً حتى جنوب البحر الميت. ثم يستمر في الاتجاه شمالاً بمحاذاة نهر الأردن (دون أن يضم أياً من المناطق الواقعة شرقي النهر) حتى يصل إلى جبل الشيخ (حرمون) . ومن هناك إلى الشمال، ماراً بغربيّ دمشق، ثم بغربيّ حمص حتى يصل إلى محاذاة اللاذقية، فينحرف شرقاً حتى يصل إلى أقرب نقطة في مجرى الفرات من البحر المتوسط، ومن هناك يتجه غرباً إلى البحر ماراً بجنوبي حلب. وبعبارة أخرى، تضم أرض الميعاد، بحسب حدودها هذه، مساحة فلسطين أيام الانتداب مضافاً إليها ذلك الجزء من سوريا ولبنان الذي يقع غربيّ خط دمشق ـ حمص ـ حماة. ويحدها من الشمال خط يمر

стр. 8087

جنوبي حلب. وتبلغ مساحتها نحو ١٦٠ـ ١٧٠ ألف كيلو متر مربع. ويضيف صبري جريس أن من الواضح أيضاً، من ناحية أخرى، أن تلك الحدود لا تتلاءم أبداً مع حدود المناطق التي عاش العبرانيون فيها أو حكموها في أية فترة من الزمن. ففيما عدا المناطق الممتدة بين دان (شمالي طبرية) وبئر سبع (في فلسطين) التي وُجد اليهود فيها، أو حكموا بعضها من فترة إلى أخرى (ولم يسيطروا عليها كلها دائماً ولم يوجدوا فيها وحدهم على أية حال) ، فإن "بطون أقدامهم"، إذا استعملنا لغة التوراة، لم تطأ باقي المناطق. يضاف إلى ذلك أن اليهود أنفسهم لم يتجهوا، في أي وقت من الأوقات، لاحتلال هذه المناطق أو العيش فيها. وتفسير هذا التناقض، هو أن المناطق الأخرى التي لم يصلها اليهود مخصصة لاستيطانهم في المستقبل عندما يتكاثرون. ومرة أخرى، يستند هذا التفسير إلى التوراة: "لأطردهم من أمامك في سنة واحدة لئلا تصير الأرض خربة فتكثر عليك وحوش البرية. قليلاً قليلاً اطردهم من أمامك إلى أن تثمر وتملك الأرض" (خروج ٢٣/٢٩ ـ ٣٠) . و"لكن الرب إلهك يطرد هؤلاء الشعوب من أمامك قليلاً قليلاً. لا تستطيع أن تفنيهم سريعاً لئلا تكثُر عليك وحوش البرية. ويدفعهم الرب إلهك أمامك ويوقع بهم اضطراباً عظيماً حتى يفنوا. ويدفع ملوكهم إلى يدك فتمحو اسمهم من تحت السماء. لا يقف إنسان في وجهك حتى تفنيهم" (تثنية ٧/٢٢ ـ ٢٤) .

стр. 8088

٦ ـ ثم هناك إرتس يسرائيل سادسة. ويمكن أن نُطلق عليها أرض القبائل العبرانية الاثنتى عشرة. فقد ورد في سفر التثنية (٣٤/١ـ٤) : "وصعد موسى من عربات مؤاب إلى جبل نبو إلى رأس القمة التي تطل على أريحا فأراه الرب جميع الأرض من جلعاد إلى دان وجميع نفتالي وأرض إفرايم ومنَسَّى وجميع أرض يهودا إلى البحر الغربي. والجنوب والدائرة بقعة أريحا مدينة النخل إلى صوعر. وقال له الرب: هذه هي الأرض التي أقسمت لإبراهيم وإسحق ويعقوب قائلاً لنسلك أعطيها". ثم قام موسى، بتقسيم هذه الأراضي بين قبائل يسرائيل الاثنتى عشرة: "إنما اقسمها بالقرعة ملكاً ليسرائيل كما أمرتك. والآن اقسم هذه الأرض ملكاً للتسعة أسباط ونصف سبط منَسَّى" (يشوع ١٣/٦ ـ ٧) . وكانت الأسباط الباقية قد حصلت على حصصها قبل ذلك. أما حدود هذه الأرض، فقد ذُكرت مطولاً في التوراة عند الحديث عن تقسيمها بين القبائل الاثنتى عشرة (سفر يشوع، ١٥ ـ ٢٤) ، وهذه الحدود أكثرها شيوعاً. ولكن هذه الحدود غير واضحة أيضاً، مثل سابقتها، رغم إسهاب التوراة في وصفها. ومرة أخرى، واستناداً إلى تفسيرات واجتهادات عديدة، فإن حدودها رُسمت بشكل يضم المنطقة الواقعة بين البحر غرباً والصحراء شرقاً، ومنها القسم المأهول من شرق الأردن. أما حدودها الجنوبية، فتمتد على خط يصل بين العريش والعقبة، بينما الحدود الشمالية غير واضحة وتشير إلى جبل الشيخ (حرمون) فقط. وتضم أرض يسرائيل، بحسب هذه الحدود، نحو ٤٣ ألف كيلو متر مربع.

стр. 8089

٧ ـ ثم هناك إرتس يسرائيل سابعة حددتها المشناه وسمتها «أرض العائدين من بابل» ، وهي وحدها التي تنطبق عليها التشريعات اليهودية (هالاخاه) المتصلة بالأرض مثل السنة السبتية وسنة اليوبيل. وهذه مقاطعة صغيرة جداً تطابق مقاطعة «يهود» الفارسية بعد العودة من بابل، وهي منطقة تمتد من نقطة على البحر الميت من عين جدي نحو البحر الأبيض المتوسط على حدود الخليل ولا تضمها، ثم تتجه شمالاً بمحاذاة ساحل البحر الأبيض وتضم اللد، ثم تتجه شرقاً حتى أسفل نهر الأردن، ولا تضم السامرة، وليست لها أية منافذ على البحر الأبيض المتوسط، ولا تزيد مساحتها عن ١٢٠٠ ميل مربع. ونتيجة كل هذا التضارب، يختلف المفسرون (السياسيون والدينيون) في تعريف الحدود، ويتأرجحون بين الحد الأقصى، ويضم فلسطين وكل سيناء والأردن وسوريا ولبنان، بل وأجزاء من تركيا وأحياناً قبرص، والحد الأدنى الذي لا يتجاوز حدود مقاطعة يهود الفارسية. وهناك من يرى أن الخريطة المنطقية هي مملكة داود في أقصى اتساعها، وهكذا! ٨ ـ ويضيف صبري جريس أن هناك حدود إرتس يسرائيل الطبيعية، وتضم مزيداً من الأراضي، وهي أكبر قليلاً من الحدود الأصلية، وتصل مساحتها إلى نحو ٥٩ ألف كيلو متر مربع، منها نحو النصف غربي نهر الأردن (أرض إسرائيل الغربية) ، والنصف الآخر شرقي النهر (أرض إسرائيل الشرقية) . وتجدر الإشارة إلى أن حدود المنطقة التي طلبت المنظمة الصهيونية العالمية (من مؤتمر الصلح في باريس سنة ١٩١٩) الاعتراف بها "وطناً قومياً لليهود" متسقة مع التعريف الأخير لحدود أرض إسرائيل. والواقع أن مفهوم الحدود الطبيعية هو بكل تأكيد نتاج عملية علمنة المفهوم الديني القديم، إذ أن الدفاع عن هذه الحدود الطبيعية المقدَّسة يمكن أن يتم من منظور ديني باعتبار أنه ورد في التوراة ومن منظور غير ديني باعتباره شيئاً طبيعياً نابعاً من الضرورات الطبيعية.

стр. 8090

ولكن الحاخام تسفي كوك، زعيم جوش إيمونيم الروحي، حسم المسألة تماماً حينما طرح المسألة برمتها داخل الإطار الحلولي وقال: "إن الجيش الإسرائيلي هو القداسة بعينها"، فكأن هذا الجيش هو مركز الحلول الإلهي في الكيان الصهيوني والتعبير المتبلور عن إرادة الثالوث الحلولي. ولذا فليس غريباً أن يصرح بن جوريون بأن خير مفسر للتوراة هو الجيش الإسرائيلي، فهو الذي سيقرر حدود إرتس يسرائيل، وهو وحده الذي سيضع حداً للتوسعية الصهيونية. وقد صرح أفنيري بأن ما يحدد حدود الأرض الآن ليس الوعد الإلهي، وإنما قوة إسرائيل العسكرية الذاتية على أن تقوم المؤسسة الدينية باقتباس الديباجات الدينية اللازمة بعد الفعل. ومما هو جدير بالذكر أن اللغة العبرية الحديثة لا تعرف كلمة «فلسطين» . وهذا يتفق مع التصور الديني اليهودي الذي يرى أن الأرض لا وجود لها إلا بالإشارة إلى اليهود والتاريخ اليهودي. ولهذا، فكلما أشار يهودي إلى فلسطين، فإنه إنما يشير إلى «إرتس يسرائيل» . والواقع أن هذا المفهوم الديني الحلولي هو أساس بعض الشعارات الصهيونية مثل «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» ، باعتبار أن الأرض هي إرتس يسرائيل التي حلَّ فيها الإله، ومن ثم فلا وجود حقيقياً لها إلا بالإشارة إلى الشعب اليهودي المقدَّس الذي لا يستطيع أن يحقق ذاته إلا في هذه الأرض المقدَّسة، ومن ثم فإن وجود اليهود في بلاد العالم المختلفة واستقرارهم فيها ليس وجوداً أو استقراراً وإنما هو غياب وتجوال.

стр. 8091

ويصر الصهاينة، ومنهم مؤلفو الكتابات التي يُقال عنها «علمية» مثل واضعي الموسوعة اليهودية، على عدم الإشارة إلى فلسطين إلا باعتبار أنها إرتس يسرائيل وكأنها مكان مقدَّس لم تطرأ عليه أية تغيرات تاريخية سكانية، وما حدث من تغيرات فهو طارئ، ولا يمس الجوهر الساكن المقدَّس الذي لا يتغيَّر. وقد أكد مناحم بيجين هذه النقطة في حديث له في إحدى مزارع الكيبوتس التابعة للمابام، حيث أخبر أعضاء الكيبوتس بأن اليهود لو تحدثوا عن «فلسطين» ، بدلاً من «إرتس يسرائيل» ، فإنهم يفقدون كل حق لهم في الأرض لأنهم يعترفون ضمناً بأن هناك وجوداً فلسطينياً. ومما يجدر ذكره أن كلمة «يسرائيل» تُستخدَم للإشارة إلى أرض فلسطين، وكذلك إلى أعضاء الجماعات اليهودية في العالم لتأكيد الوحدة المقدَّسة بينهما. وتُستخدَم كلمة «صهيون» في بعض الكتابات الدينية للإشارة إلى إرتس يسرائيل.

стр. 8092

وتتفاوت البرامج الصهيونية وتختلف فيما يختص بحدود الأرض الواجب ضمها، فهناك صهيونية الحد الأقصى التي تُطالب بإسرائيل الكبرى التي قد تمتد من النيل إلى الفرات. وهناك صهيونية الحد الأدنى التي تكتفي بالأراضي التي تم احتلالها عام ١٩٤٨ وبعض الأراضي التي ضُمَّت عام ١٩٦٧. وثمة جدل دائر الآن بين ما يُسمَّى «صهيونية الأراضي» أو «الصهيونية الجغرافية» (مقابل «الصهيونية الاجتماعية» أو «السكانية» ) . الأولى تصر على الاحتفاظ بكل الأراضي التي ضُمَّت وتصر على عدم التنازل ولو عن شبر من الأرض أياً كانت النتيجة وتطالب بطرد العرب منها. أما الصهيونية السكانية (الديموجرافية) ، فتخشى من أن ضم الكثافة السكانية العربية سيؤدي إلى أن تفقد الدولة الصهيونية طابعها اليهودي، وترى أن السبيل الوحيد هو التخلص من العرب عن طريق التنازل عن الأراضي التي تتركز فيها الكثافة السكانية العربية (غزة وأجزاء كبيرة من الضفة الغربية) . وقد أصدر الحاخام عوبديا يوسف، حاخام السفارد السابق، فتوى مفادها أنه يمكن التنازل عن الأرض إذا كان في هذا حقن للدماء اليهودية. وقد سبَّبت فتواه هذه رد فعل عنيف بين دعاة ضم أرض إسرائيل الكبرى. ويتلاعب الصهاينة في تفسير معنى كلمة «أرض» حينما ترد في الوثائق الخاصة بوقف إطلاق النار والتي تنص على انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة. ولذا يصرون على أن قرار ٢٤٢ يتحدث عن "أرض احتُلت عام ١٩٦٧" وليس عن "الأرض التي احتُلت عام ١٩٦٧". وبعد ذلك ظهر الحديث المراوغ عن "الأرض مقابل السلام" دون تحديد نوعية الأرض أو نوعية السلام. ثم تدرَّج الحديث ليصل إلى الإشارة إلى «الأرض المُتنازَع عليها» (بالإنجليزية: ديسبوتيد تيريتوري disputed territory) بدلاً من «الأرض أو الأراضي المحتلة» (بالإنجليزية: أوكيوبايد تيريتوري occupied territory) .

стр. 8093

وقد يكون من المفيد في هذا السياق أن نذكر أطروحة كمال الصليبي، الذي يذهب إلى أن إرتس يسرائيل لم تكن في فلسطين أساساً. فهو يقرر "أن البيئة التاريخية للتوراة لم تكن في فلسطين بل في غرب شبه الجزيرة العربية بمحاذاة البحر الأحمر، وتحديداً في بلاد السراة بين الطائف ومشارف اليمن. وبالتالي، فإن بني إسرائيل من شعوب العرب البائدة، أي من شعوب الجاهلية الأولى". وقد اعتمد الكاتب في بحثه في الجغرافيا التاريخية للتوراة على "المقابلة اللغوية بين أسماء الأماكن المضبوطة في التوراة بالحرف العبري وأسماء أماكن تاريخية أو حالية في جنوب الحجاز أو بلاد عسير" استناداً إلى الجغرافيين القدامى من العرب (الحموي ـ الهمداني) وإلى معاجم جغرافية وسكانية سعودية حديثة، وعلى خرائط الرحالة فيلبي. ويعلن الكاتب أن فرضيته لم تعتمد على علم الآثار برغم وفرة النقوش لغياب المسح الأثري والأبحاث الجادة. كما يستند إلى القرآن، الذي يوضح أن مقام إبراهيم في مكة ولا يشير إلى علاقة بني إسرائيل بفلسطين. وإذا كانت هذه الدراسة تستند إلى اللغات ونطق أسماء الأماكن على وجه الخصوص "فإنها ضرب من علم الآثار لأن أسماء الأماكن هي في الواقع آثار". وأخيراً، استند الكاتب إلى الرحالة اليونانيين في مشاهداتهم عبر الجزيرة قبل الميلاد، والذين أُهملت ملاحظاتهم عندما رُكِّبت جغرافية التوراة في فلسطين. التوسعية الصهيونية والوطن الفلسطيني Zionist Expansionism and the Palestinian Homeland

стр. 8094

«التوسعية الصهيونية» ليست أمراً عرضياً دخيلاً على الرؤية الصهيونية وإنما هي سمة بنيوية فيها. وقد أعلن أحد أعضاء حركة إسرائيل الكبرى معارضته قرار الأمم المتحدة رقم ٢٤٢ على أساس أنه قد يسفر عن خنق الصهيونية "وهي في ذروة اندفاعها". فالانتصارات الصهيونية هي التي أعطت دفعة قوية لحركة الهجرة من الاتحاد السوفيتي، وذلك على عكس الانسحاب من الأراضي الذي يتسبب في ضعف الصهيونية ووهنها. وأضاف: إن التوسع الصهيوني هو الذي يعطي المجتمع الإسرائيلي معنى وهدفاً. ويمكن تفسير هذا الوضع بالإشارة إلى العناصر التالية: ١ ـ نبتت الصهيونية في تربة إمبريالية غربية ترى أن العالم إن هو إلا مادة يغزوها الإنسان ويوظفها لصالحه. وعملية الغزو هذه عملية تستمر إلى ما لا نهاية، ذلك أن عقيدة التقدم علَّمت الإنسان الغربي أن التقدم لا نهائي وأن المادة التي سيقوم بغزوها هي الأخرى لا متناهية. ٢ ـ طرحت الصهيونية نفسها على أنها ستقيم دولة الشعب اليهودي بأسره، وهو ما يعني أن عملية نَقْل السكان التي تنطوي عليها الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة يمكن أن تستمر إلى أن يتم نقل كل يهود العالم، كما يعني الشره المستمر للأراضي. ٣ ـ أحد عناصر الثالوث الحلولي الصهيوني هو الأرض، بل إن بعض الاتجاهات الصهيونية تعطيه أولوية على كل العناصر الأخرى، ولكن حدود هذه الأرض غير معروفة المعالم على الإطلاق ولم يتم الاتفاق بشأنها. ٤ ـ الأرض هي المصدر الأساسي لتدفُّق فائض القيمة على الكيان الاستيطاني (وبخاصة قبل عام ١٩٤٨) ، وهي القاعدة التي سيؤسَّس عليها الجيب الاستيطاني، وكلما اتسعت هذه القاعدة ازداد تدفُّق فائض القيمة وازداد الجيب الصهيوني قوة.

стр. 8095

لكل هذا ليس من الغريب أنه بعد انتهاء المؤتمر الصهيوني الأول قام أحد الصحفيين بنصيحة هرتزل بأن يدرس برنامج فلسطين الكبرى قبل أن يفوت الأوان، بحيث يمكن وضع عشرة ملايين يهودي فيها. وقبل ذلك، كان الصهيوني غير اليهودي، وليام هشلر، قد طلب من هرتزل، في ٢٦ أبريل ١٨٩٦، أن يتبنَّى الشعار التالي ويروجه كشعار للدولة اليهودية: "فلسطين داود وسليمان". ويبدو أن الاقتراح قد ترك انطباعاً إيجابياً لدى الزعيم الصهيوني، ذلك أنه، بعد عامين، حدد منطقة الدولة اليهودية على أنها تمتد من نهر مصر إلى الفرات. وقد ردد الحاخام فيشمان (عضو الوكالة اليهودية) هذا الشعار في ٩ يوليه ١٩٤٧، أثناء شهادته أمام لجنة التحقيق الخاصة التابعة للأمم المتحدة، فقال: الأرض الموعودة تمتد من نهر النيل حتى الفرات، وتشمل أجزاء من سوريا ولبنان. وهذا يوضح أن شعار "من النيل إلى الفرات" ليس مجرد فرية عربية وليس نتاج العقلية التآمرية، وإنما هو جزء من التصور الصهيوني. ومع هذا، ينبغي على المرء ألا يأخذ صيغة "من الفرات إلى النيل" هذه بجدية تامة، فهي لا تعدو أن تكون أحد الأحلام الصهيونية. ولكن، ومع ذلك، يجب ألا يهمل المرء أوهام العدو عن نفسه كلياً، فهي تعطينا مؤشرات عن نيته وعن تصوره لحدود حركته. وعلى كلٍّ، فإن ما يهمنا في السياق الحالي ليس الحدود الجغرافية أو التاريخية الوهمية للدولة الصهيونية وإنما الذهنية الصهيونية التوسعية نفسها. وقد يكون من الأفضل أن نأخذ بعين الاعتبار الكلمات التي سجلها هرتزل في يومياته حين قال: كلما زاد عدد المهاجرين اتسعت رقعة الأرض، أي أنه لم يُعرِّف حدود الأرض بشكل قاطع، وإنما آثر أن يحتفظ بحدود مطاطية تتغير بتغير القوة الذاتية الصهيونية، التي عرَّفها هو بتزايد عدد المهاجرين. ورؤية هرتزل هي الرؤية التي تبناها الصهاينة بعد ذلك.

стр. 8096

ولا يختلف ذلك عن رؤية رعنان فايتس رئيس قسم الاستيطان في الوكالة اليهودية إذ يقول: "إن مخططي الاستيطان الصهيوني عملوا على أساس أن حدود المستقبل للدولة اليهودية يجب أن تعيَّن من خلال أنظمة من المستوطنات السكانية، تبدأ كنقاط استيطانية وتأخذ بالتوسع لأكبر مساحة من الأرض وجمع أكبر عدد من يهود العالم وتركيزهم في (إسرائيل) من خلال عملية انقلاب ديموجرافي يحل من خلالها اليهود محل المواطنين العرب". وهكذا يرتبط الاستيطان بالتوسع بالإحلال. وهذه الرؤية هي التي تم تطبيقها في نهاية الأمر في فلسطين المحتلة قبل وبعد عام١٩٤٨ وقبل وبعد عام١٩٦٧، حيث تأخذ التوسعية الصهيونية في ظروف الكثافة السكانية العربيةشكل الزحف من قبل المستوطنات المختلفة التي يتم تشييدها ويتم تسمينها وتوسيعها لتطويق العرب داخل معازل. والطريف أن هذا التصوُّر الصهيوني لا يختلف كثيراً عن التصوُّر التقليدي لبعض الحاخامات اليهود الذين شبهوا الأرض بجلد الإبل الذي ينكمش في حالة العطش والجوع ويتمدد بالشبع والري، فالأرض المقدَّسة تنكمش إذا هجرها ساكنوها من اليهود وتتمدد إن جاءها اليهود من كل بقاع الأرض. ويبدو أن القيادة الصهيونية، منطلقة من تصورات سياسية شبيهة، آثرت عدم إعلان دستور للدولة الصهيونية حتى يُترَك المجال مفتوحاً أمام التوسع اللانهائي، ذلك لأن الدستور (الرسمي) يتطلب رسماً دقيقاً للحدود.

стр. 8097

ويُقدِّم عضو الكنيست السابق الصحفي أوري أفنيري قراءة ذكية لتاريخ الدولة العبرانية في الماضي وتاريخ الدولة الصهيونية في الحاضر، فيبين أن قيامهما لم يكن يستند إلى قوتهما الذاتية وإنما إلى ضعف الشعوب القاطنة في فلسطين (الكنعانيين في الماضي والعرب في الحاضر) . ثم يذكر أفنيري أن ما يدفع الصهاينة ويقرر حركتهم ليس الدافع العقائدي (الآخذ في الضمور) وإنما موازين القوى وحسب. ومن ثم، فإن العقيدة الصهيونية ليست سوى مسوِّغ يتلو "خلق الحقائق الجديدة". ولذا، فإنه يتنبأ بأن التوسع الصهيوني لن يتوقف ما دام هناك فراغ بسبب الغياب العربي، ويتنبأ بأن هذا التوسع سيستمر حتى يتخطى حدود إسرائيل الكبرى نفسها إذا سنحت الفرصة، أي أن القوة الذاتية الصهيونية (لا الأوهام العقائدية) هي التي تحدِّد مدى التوسعية الصهيونية. إن كون إسرائيل كياناً توسعياً في جوهرها يجعلها لا تعدم الذرائع والمبررات المختلفة للتوسع، بل إن هذه الذرائع تصير ضرورة لتسويغها التوسع وإضفاء نوع من الشرعية الشكلية عليه. وعندما تلوح الفرصة (المتمثلة في ميل موازين القوى بمعناها الشامل لصالحها) لتوسيع الحدود يتم اتخاذ الوسائل التي تحقق ذلك، فالفكرة الصهيونية قائمة على التوسع والاستيلاء على الأرض.

стр. 8098

وقد قال ديفيد بن جوريون في المقدمة التي كتبها لتتصدر الكتاب السنوي لحكومة إسرائيل عام ١٩٥٢ إن "دولة إسرائيل قد قامت فوق جزء من أرض إسرائيل" وهو ما يؤكد كون التوسع الصهيوني في طليعة الأهداف التي تجاهر بها إسرائيل، حيث كانت حدود "الوضع الراهن" بعد التوقيع على اتفاقيات الهدنة تبقى في نظر بن جوريون أشبه بالحدود الانتقالية أو المؤقتة، طالما أن حدود الدولة لم تأت مطابقة لحدود الأمة المنشودة. فالخريطة التي رسمتها الصهيونية لمملكتها الموعودة ما زالت أوسع بكثير من المساحات التي تم احتلالها والاستيلاء عليها بقوة السلاح. وينتقد بن جوريون افتراض وجود حدود تاريخية وطبيعية ثابتة للدولة، فالحدود تتغيَّر وفق تغيُّر الظروف والمراحل الزمنية المختلفة. ولذا لابد من إعادة النظر في مصطلح «حدود طبيعية» ، فهو يرى أن الظروف الطبيعية قد تجبر الدولة على إعادة النظر مرة أخرى في تعيين حدودها الطبيعية واستبدال حدود جديدة بها كلما دعت الضرورة. ومما يجدر ذكره أن الصهيونية قد عرفت تيارات مختلفة، ولكن قيادة المشروع الصهيوني تدور في إطار نوع من الإجماع الصهيوني الذي لا يختلف بشأن مبدأ التوسع نفسه وإنما بشأن وسيلته وشكله. ورغم أن الظروف السائدة بعد حرب ١٩٥٦ لم تسمح بترسيخ السيطرة الصهيونية على المناطق المحتلة في غزة وسيناء، فإن حرب ١٩٦٧ ـ وما ترتَّب عليها من احتلال الأراضي العربية في سيناء والجولان والضفة الغربية وغزة ـ شكلت منعطفاً بارزاً في تاريخ التوسع الصهيوني باعتبار أن الكيان الصهيوني حقَّق أقصى اتساع له ووصل إلى الحدود الآمنة.

стр. 8099

ويجب التنبيه إلى أن التوسعية الصهيونية ليست مقصورة على الأراضي العربية التي تقع خارج حدود الدولة الصهيونية، فهناك التوسع الداخلي من خلال مصادرة الأراضي العربية. (انظر: «الاستيطان الصهيوني قبل عام ١٩٤٨: تاريخ» ـ «الاستيطان الصهيوني بين عامي ١٩٤٨ و١٩٦٧: تاريخ» ـ «الاستيطان الصهيوني منذ عام ١٩٦٧ وحتى الثمانينيات: تاريخ» ) . وثمة خللٌ أساسي في التوسعية الصهيونية، فالقاعدة السكانية لا يمكن أن تتسع بنفس القدر الذي تتسع بها قاعدتها الجغرافية إن صح التعبير، ولذا فإن ضم الأراضي يعني أيضاً ضم عناصر عربية غير يهودية آخذة في التكاثر وفشلاً في خلق الكثافة السكانية اليهودية التي يتم التوسع باسمها، وهو ما يخلق "مشكلة سكانية" للكيان الصهيوني ويُشكِّل خطراً على الطابع اليهودي للدولة الصهيونية. ولذا، فإن الاستعمار الصهيوني يفقد إحلاليته ويتحول إلى استعمار مبني على التفرقة العرْقية (الأبارتهايد) . ومعنى ذلك أنه قد ظهر تناقض عميق بين طابع الدولة الصهيونية الإحلالي وبين طابعها التوسعي.

стр. 8100

ومع تناقُص معدلات الهجرة اليهودية إلى إسرائيل وزيادة معدلات النزوح إلى الخارج، ومع اندلاع الانتفاضة وفشل الصهاينة في قمعها، ظهرت نواة داخل الكيان الصهيوني ترى أن التوسع وضم الأراضي قد يضر بطبيعة الدولة اليهودية لأن الأراضي العربية تأتي معها كثافة عربية سكانية. ومن هنا ظهر التناقض بين الصهيونية السكانية (أو الديموجرافية أو السوسيولوجية) من جهة، ومن جهة أخرى صهيونية الأراضي. ويرى أنصار الصهيونية السكانية أنه لابد من الفصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهو ما يعني وقف المشروع الصهيوني التوسعي، والسماح بقدر من الحكم الذاتي الفلسطيني يساهم في واقع الأمر في عزلهم عن الإسرائيليين ويحتوي القنبلة الديموجرافية المتوقعة. إزاء ذلك تم طرح مشروع آلون كنموذج لسائر المشاريع الصهيونية التي كانت تسعى وراء حل وسط يجمع بين الحد الأقصى من "الأمن" و"الأرض" والحد الأدنى من السكان الفلسطينيين العرب الذين يعيشون تحت الحكم الإسرائيلي بحيث تتم إقامة حكم ذاتي للفلسطينيين في بعض مناطق الضفة الغربية وغزة، وتسلَّم المناطق الآهلة بكثافة سكانية عربية إلى إدارة عربية. ويُعتبَر اتفاق أوسلو (سبتمبر ١٩٩٣) تطبيقآً لفكرة منح الفلسطينيين حكماً ذاتياً في الضفة وغزة مع نمو اتجاه متزايد داخل إسرائيل نحو الفصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين، عن طريق عزل الفلسطينيين في "كانتونات" مُحاصَرة بالمستوطنات والطرق الالتفافية التي تحميها القوات العسكرية الإسرائيلية. وعلى الرغم من هذا يمكن القول إن اتفاقية أوسلو قد فرضت حدودا على الدولة الصهيونية لأول مرة فى تاريخها.

стр. 8101

ويوجد اتفاق عام بين جميع هذه المشاريع على عدم الانسحاب الكامل، وعلى ضم أجزاء مهمة إلى إسرائيل بصورة نهائية، في حين أنها تعتبر ضم القدس أمراً مفروغاً منه ولا رجعة فيه، وبالنسبة لمرتفعات الجولان، فهناك إجماع شبه كامل على عدم الانسحاب منها أو الانسحاب بشروط تعجيزية تضمن التطبيع والأمن الكاملين لإسرائيل. وعلى الجانب الآخر هناك عدد من الإسرائيليين، من اليمين الديني والعلماني، يرفض بصورة مطلقة التنازل عن أية منطقة ضمن حدود أرض إسرائيل التاريخية، أرض إسرائيل من البحر حتى النهر، ويعرض فكرة الترانسفير وطرد العرب كوسيلة للتغلب على العقبة السكانية التي تقف دون الضم الرسمي، وهذا ليس بجديد أو بمستعص على الفكرة الصهيونية، مع إمكانية قيام إسرائيل بشن حرب جديدة تدفع في إطارها ـ كما فعلت في الحروب السابقة ـ مئات الآلاف من العرب إلى مغادرة المناطق المحتلة إلى الأردن خاصة. الحدود التاريخية والأمنية والاقتصادية Historic, Economic and Security Borders

стр. 8102

تتسم الصهيونية بأنها أيديولوجية تنفي كلاً من التاريخ والجغرافيا. فهي تحاول إلغاء تواريخ الجماعات اليهودية في العالم وتاريخ الفلسطينيين في فلسطين حتى تحقق الترانسفير المطلوب: نقل اليهود من المنفى إلى فلسطين، ونقل الفلسطينيين من فلسطين إلى المنفى. ولكن الترانسفير لا يتم في الزمان وحسب، وإنما يتم في المكان (الجغرافيا) . وإذا كانت الصهيونية قد ألغت الحدود التاريخية فهي قد ألغت أيضاً الحدود الجغرافية حتى يمكن القول بأن إسرائيل دولة "بلا حدود" فحدودها تقف مؤقتاً عند آخر موقع عسكري تحتله بانتظار أن تتقدم إلى موقع جديد. وقد استخدمت إسرائيل نظرية الأمن كوسيلة للتوسع من أجل الوصول إلى "الحدود الآمنة"، ولذلك لا يوجد دستور للدولة ينص على حدود سياسية معينة. وبصفة عامة لم يكن الإسرائيليون، إجمالاً، راضين عن حدود الكيان الصهيوني، كما حددتها اتفاقات الهدنة لسنة ١٩٤٩، وهي الاتفاقات التي جاءت أصلاً لتكرس الأمر الواقع الذي فرضته القوة الصهيونية. ويميِّز موشيه ديان بين "الحدود الدائمة" و"الحدود التي تضمن السلامة" أو "الحدود الآمنة"، فالسلام يعتمد على "نوع الحدود وطبيعتها"، وهو ما يتفق في التمييز الصهيوني بين "خطوط الهدنة وخطوط وقف إطلاق النار من جهة" والحدود "الطبيعية" و"الآمنة" و"التاريخية" من جهة أخرى. فالصهيونية نظرت إلى الأراضي العربية التي تطمع في السيطرة عليها باعتبارها "الأجزاء المحتلة من الوطن القومي اليهودي" أو "الأقسام المتممة لأرض إسرائيل التاريخية"، وما أن استتب الأمر للعدوان وتوطدت أقدام الاحتلال حتى تم الترويج للحديث عن "المناطق المحررة"، والمطالبة بتأمين حدود طبيعية تضمن السلام وتسد الحاجات الاقتصادية.

стр. 8103

وقد نظر القادة الصهاينة إلى حدود الهدنة التي كانت قائمة عام ١٩٤٩ (احتلال النقب الأوسط والجنوبي والجليل الأعلى وإيلات [قرية أم الرشراش المصرية] ) على أنها تفتقر إلى العمق الإستراتيجي حيث لا يتجاوز عرض إحدى النقط الدقيقة بين الضفة الغربية حيث كان يتواجد الجيش الأردني وساحل البحر المتوسط ١٢ ميل. وبعد حرب ١٩٦٧ اعتبرت إسرائيل أنها وصلت إلى "الحدود الآمنة"، وهو المصطلح الذي نشأ من حرص القادة الصهاينة على إيجاد مسوغ لتبرير السيطرة على الأراضي العربية المحتلة إبان حرب ١٩٦٧، ويُعرِّفها إيجال آلون بأنها: "الحدود السياسية التي تعتمد على عُمق جغرافي وحواجز طبيعية كالحواجز المائية والجبلية والصحراوية والممرات الضيقة التي تحول دون تقدُّم القوات البرية الآلية". وهو لا شك يقصد بالحواجز المائية قناة السويس ونهر الأردن ونهر الليطاني، ويقصد بالحواجز الجبلية هضبة الجولان، وبالحواجز الصحراوية والممرات الضيقة سيناء وممراتها، فهذه الحواجز الطبوغرافية توفر لإسرائيل عمقاً إستراتيجياً يمكِّنها من الرد المناسب على أي هجوم عربي.

стр. 8104

وللدلالة على أهمية هذه الأراضي بالنسبة لإسرائيل صرَّح إسحق رابين رئيس أركان الجيش الإسرائيلي بعد حرب ١٩٦٧ بأن "إسرائيل سوف ترتكب غلطة تاريخية، فيما لو تخلت عن المكاسب الإقليمية التي حققتها". ويؤكد "أننا وصلنا في حرب يونيه إلى خطوط عسكرية مثالية تعتبر في الوقت الحاضر أهم ما حققنا". والشرط الأساسي الذي وضعه رابين لتخلِّي إسرائيل عن بعض مكاسبها أو "انسحابها إلى خطوط أكثر تقلصاً من حدود يونيه ١٩٦٧" ليس إلا اعتراف العرب بوجود إسرائيل". ومن الواضح أن الانسحاب الكامل مسألة غير واردة في مخططات إسرائيل، ويعتبره رابين غلطة تاريخية. والسلام الذي تحدَّث عنه رابين لا يختلف كثيراً عن التسليم بالأمر الواقع والاستسلام لشروط إسرائيل ومطالبها التوسعية تحت ستار "الحدود الآمنة" وإغراء تقليص "الحدود الحالية" بعض الشيء. ويمكن القول بأن نظرية الحدود الآمنة لم تكن مُدرَجة في المفهوم الإسرائيلي قبل حرب ١٩٦٧ حيث كانت إستراتيجيتها تعتمد على "الضربة الأولى الهجومية" أو "الحرب الاستباقية" و"نقل الحرب إلى أرض العدو"، ولكن انتصار ١٩٦٧ وتبنِّي نظرية "الحدود الآمنة" دفعها إلى اعتماد إستراتيجية "الدفاع الثابت المرن أو الإيجابي" مع "إستراتيجية الردع". ولكن حرب ١٩٧٣ نسفت كل آمال إسرائيل وأحلامها بحدود آمنة، وثبت بشكل قاطع أن كل الخطوط الدفاعية التي اعتمدت فيها إسرائيل على هذه الحدود واعتبرتها آمنة فشلت عند أول تجربة لها في حرب ١٩٧٣، وهو ما جعلها تعود إلى إستراتيجيتها القديمة والأصيلة القائمة على الحرب الإجهاضية أو الاستباقية ونظرية "الردع" و"ذرائع الحرب".

стр. 8105

إلا أن نظرية "الحدود الآمنة" ظلت رغم فشلها تحتل في الإستراتيجية الإسرائيلية مركزاً مهماً باعتبارها التبرير الوحيد لاحتفاظ إسرائيل بالأراضي المحتلة. ويبدو بشكل واضح أن هذه النظرية أصبحت جزءاً من الإستراتيجية السياسية الإسرائيلية أكثر من كونها جزءاً من العقيدة العسكرية، فقد تحوَّلت "الحدود الجغرافية" الآمنة إلى "حدود سياسية" آمنة، فأصبح من المهم لأمن إسرائيل أن تتدخل في شأن كل بلد عربي سواء كان مجاوراً لها أو غير مجاور ومن المحيط إلى الخليج، باعتباره بؤرة معادية لها. وهكذا يصبح مفهوم الأمن الإسرائيلي مزدوجاً، فهو مفهوم سياسي بمعنى أن لإسرائيل الحق في إبداء رأيها في أية مشكلة تخص العالم العربي كله باعتبار أن هذه تؤثر في أمن إسرائيل، ومفهوم جغرافي بمعنى أن لإسرائيل الحق في الوصول إلى "حدود آمنة ومُعترَف بها" وأنها وحدها تحتفظ بحق تحديد هذه الحدود ورَسْمها. وقد لحقت تطورات مهمة بمفهوم الحدود في الفكر الصهيوني وتتمثل أهم هذه التطورات في ازدياد أهمية الصواريخ الباليستية باعتبار أنها تُضعف أهمية الحدود الطبيعية والعمق الإستراتيجي. ولكن أهمية هذا المتغير ليست حاسمة لدى جميع التيارات الصهيونية، كما برزت مفاهيم مثل "المنطقة الأمنية" في جنوب لبنان، و"المنطقة منزوعة السلاح" في سيناء، والمفاوضات على جعل الجولان منطقة منزوعة السلاح، وذلك مقابل تخفيض حجم ونوع الجيوش العربية، وفي الواقع فليس هناك ما يمنع الجيش الإسرائيلي من اجتياز تلك المناطق إذا اقتضت الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية. وتكشف هذه التطوُّرات عن وجود اقتناع إسرائيلي بأن إسرائيل لن تكون آمنة سواء احتفظت بالأراضي أو تخلت عنها، وأن أية حدود لن تكون آمنة إن لم تكن نابعة من اعتراف وتسليم عربيين بوجود إسرائيل في المنطقة. وهذا ما لم يتم حتى الآن لأن إسرائيل قائمة على الأُسس والمبادئ الصهيونية.

стр. 8106

وقد حاولت إسرائيل قدر استطاعتها أن تحتفظ بحدودها الأمنية الجغرافية والديموجرافية عبر بنود اتفاق أوسلو. ولذا يُقسِّم هذا الاتفاق الأراضي الفلسطينية إلى ثلاثة قطاعات: أ، ب، جـ. ـ القطاع (أ) يشمل المدن الفلسطينية الست الكبيرة في الضفة، وهي جنين ونابلس وطولكرم وقلقليلة ورام الله وبيت لحم والخليل، وتصل مساحتها إلى نحو ٣% من مساحة الضفة الغربية وتضم ٢٠% من السكان، وقد تم الانسحاب الإسرائيلي منها بعد تأخير وتأجيل، وبعد الاحتفاظ بـ ٢٠% من أرض الخليل لتقيم فيها ٤٠٠ مستوطن صهيوني. وفي هذه المناطق ستكون للمجلس الفلسطيني المسئولية الكاملة عن الأمن الداخلي والنظام العام والمسئوليات المدنية. ـ القطاع (ب) ويُشكِّل ٢٧% من الأراضي الفلسطينية ويضم ٤٥٠ بلدة وقرية تتولَّى إسرائيل بموجبه سلطة الأمن العليا لحماية مواطنيها ومكافحة الإرهاب، وتكون لهذه السلطة الأسبقية على المسئولية الفلسطينية المدنية ومسئولية النظام العام، وإقامة ٢٥ نقطة شرطة فلسطينية في مدن وقرى محددة. ـ القطاع (جـ) وهو تحت إدارة إسرائيلية منفردة ويضم ٧٠% من الأراضي الفلسطينية وفيه حوالي ١٣٦ ألف مستوطن، فيشمل المناطق غير المأهولة والمستوطنات والمناطق ذات الأهمية الإستراتيجية لإسرائيل. وكان من المفترض أن يكتمل الانسحاب من القطاعين ب، جـ حسب الاتفاق بعد ١٨ شهراً من انتخاب المجلس التشريعي (يناير ١٩٩٦) أي ينتهي في يوليه ١٩٩٧، وهو ما لم يتم على أرض الواقع. ويعتبر التطور الأكثر أهمية بروز فكرة الحدود الاقتصادية لتمتد حدود الدولة الصهيونية فتشمل أية منطقة تمثل لها مصلحة اقتصادية. العلاقة الكولونيالية بين الاقتصاد الإسرائيلي وما تبقى من الاقتصاد الفلسطيني Colonial Relationship between the Israeli Economy and What is Left of the Palestinian Economy

стр. 8107

العلاقة الكولونيالية بين الدولة المستعمرة والدولة المستعمَرة علاقة غير متكافئة إذ تقوم الدولة المستعمرة بما تملكه من قوة عسكرية، بنهب الدولة المستعمَرة واستغلال ثرواتها وقدراتها الاقتصادية. وتشمل عملية النهب الاستعماري استغلال المواد الخام والثروات الطبيعية والطاقات البشرية، وبخاصة الأيدي العاملة، واعتبار البلد المستعمَر سوقاً لتصريف المنتجات والبضائع الفائضة عن حاجة الدولة المستعمرة. وتؤدي هذه العملية إلى تشويه اقتصاد البلد المستعمَر وإضعاف هياكله الإنتاجية ليصير في حالة تبعية كاملة لاقتصاد البلد المستعمر يستحيل عليه الفكاك منها. والاستعمار الصهيوني للأراضي العربية الفلسطينية نموذج بيِّن وكاشف لطبيعة هذه العلاقة الكولونيالية، علاوة على أنه استعمار استيطاني قائم على نَقْل اليهود من جميع أنحاء العالم إلى الأراضي المحتلة ليستنزفوا ثرواتها وإمكاناتها الاقتصادية على حساب سكانها العرب الأصليين، الذين يتم طردهم والاستيلاء على أرضهم وموارد المياه الخاصة بهم أو محاصرتهم في معازل، واستغلال طاقتهم البشرية كعمالة رخيصة وسوق مضمونة، مفتوحة أمام البضائع الإسرائيلية. وقد استهدفت السياسة الاقتصادية الإسرائيلية الحيلولة دون إمكانية قيام اقتصاد فلسطيني معتمد على نفسه. وقد تمكَّنت إسرائيل من إخضاع اقتصاديات الضفة الغربية وغزة بسبب سيطرتها العسكرية والمؤسساتية من جانب، ولكون اقتصادها أكبر حجماً وأقوى من الاقتصاد الفلسطيني من جانب آخر، فسنَّت من القوانين ما يكفل لها الهيمنة والسيطرة على الاقتصاد الفلسطيني، حيث تجري الحياة الاقتصادية في ظل الاحتلال تحت قيود صارمة. فالحكومة الإسرائيلية تسيطر على الموارد الأساسية والبنية التحتية في مجالات الأرض والمياه والكهرباء والطرق وأنظمة الاتصالات.

стр. 8108

لقد تحركت السلطات الإسرائيلية من أجل تحقيق أهدافها المتعلقة بإضعاف الاقتصاد الفلسطيني وإبقائه في حالة تبعية كاملة عبر مجموعة من الممارسات والإجراءات المتكاملة. فقامت من ناحية أولى بتقليص سيطرة الفلسطينيين على الموارد الطبيعية، فسيطرت السلطات الإسرائيلية على جميع مصادر المياه، بحيث إن الضفة الغربية لم تَعُد تستهلك إلا ١٥% ـ ٢٠% من مياهها، أما الباقي فيُستخدَم في إسرائيل أو المستوطنات. وسيطرت السلطات الإسرائيلية على معظم الأراضي الفلسطينية عير المصادرة المستمرة، بحيث إنه كانت إسرائيل قد سيطرت بحلول عام ١٩٩٤ على ٦٨% من أراضي الضفة الغربية و٤٠% من أراضي قطاع غزة. وقامت الدولة الصهيونية من ناحية أخرى بعرقلة النشاط الاقتصادي. فوضعت الإدارة العسكرية للأراضي المحتلة يدها على جميع مرافق النشاط الاقتصادي، وعلى أساس ذلك الإشراف، أصبح على كل من يريد إقامة منشأة اقتصادية أو توسيع منشأة قائمة أن يحصل على رخصة الإدارة العسكرية، التي غالباً ما كانت تماطل في منح التراخيص أو ترفضها تماماً. كما تم مضاعفة الضرائب على النشاط الاقتصادي. علاوة على ذلك فقد قامت سلطات الاحتلال بإغلاق المصارف العربية والأجنبية التي تعمل في الأراضي الفلسطينية عقب الاحتلال مباشرةً، ولم تسمح بالعمل إلا لفروع المصارف الإسرائيلية. وبذلك تحكمت إسرائيل في العمليات المصرفية والمالية، وأصبحت العملة الإسرائيلية هي النقد الرئيسي المتداول.

стр. 8109

ومن ناحية ثالثة تمت عملية سلب المصادر المالية الفلسطينية عبر قنوات ثلاثة تمثلت في الضرائب الجمركية على السلع المستوردة، وضرائب الدخل، والضمان الاجتماعي على العمالة الفلسطينية في إسرائيل. والعائد الذي تحصل عليه إسرائيل من جراء استخدام عملتها النقدية (الشيكل) عملة رسمية في الأراضي المحتلة أو ما يُسمَّى بـ «ريع السيادة» . وقد بلغ مجموع هذه الاقتطاعات نحو ١٥% ـ ٢٠% من حجم الناتج القومي الإجمالي الفلسطيني في العام الواحد. وتفيد تقديرات البنك الدولي أن ما دفعه الفلسطينيون من أموال الضرائب منذ أواسط الثمانينيات يفوق ما تنفقه إسرائيل في الأراضي المحتلة. وقامت السلطات الإسرائيلية من ناحية رابعة بتخريب البنية التحتية للاقتصاد الفلسطيني وإهمال المرافق والخدمات العامة، حيث انخفض حجم الإنفاق الحكومي كنسبة من الناتج القومي الإجمالي من ١٥% عام ١٩٦٨ إلى ٨% عام ١٩٩٠ في الضفة، ومن ١٤% إلى ١٠% في غزة في الفترة نفسها. وعمدت السلطات الإسرائيلية ـ من ناحية أخرى ـ إلى السيطرة على التجارة الخارجية، ففرضت على الأراضي المحتلة اتحاداً جمركياً أحادي الجانب وغير متكافئ، بحيث تُمنح حرية تامة لدخول البضائع الإسرائيلية إلى أسواق الضفة والقطاع، مقابل فرض القيود على دخول البضائع الفلسطينية إلى الأسواق الإسرائيلية. ونتج عن ذلك قيام المستورد الفلسطيني باستيراد بضائع إسرائيلية بتكلفة تبلغ أضعاف ما هي عليه في البلاد المجاورة، كما نتج عنها حالة تبعية واضحة، فإسرائيل تستوعب ٦٥% من الصادرات الفلسطينية، وتحصل على ٩٠% من الوارادات إلى فلسطين.

стр. 8110

وقد ظلت التجارة بين الأراضي الفلسطينية المحتلة وإسرائيل في الأساس نشاطاً من جانب واحد. فالمنتجات الإسرائيلية تدفقت إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة من غير أية إعاقة، في حين فرضت قيود كثيرة لا تتعلق بالتعريفة الجمركية (الأمن ـ السلامة والصحة ـ الحظر على الواردات) على الصادرات الفلسطينية إلى إسرائيل، ولم يكن مسموحاً للفلسطينيين أن يستوردوا إلا من خلال إسرائيل. إن الاقتصاد الإسرائيلي مرهون بقيد السوق الذي يؤدي دور المحدد القسري الذي تحاول إسرائيل تجاوزه من خلال السياسة، فهناك أزمة فَيْض الإنتاج الناجمة عن التفاوت بين وتيرة نمو الطاقة الإنتاجية ووتيرة نمو الطاقة الاستهلاكية، فسعت إسرائيل إلى ربط اقتصاديات الضفة وغزة ربطاً وثيقاً بها، مع بقائهما منعزلتين من بعضهما البعض، وتبنت سياسة "الجسور المفتوحة" عبر إقامة وحدة جمركية وحيدة الجانب مع إسرائيل، ووضعت الحواجز والعراقيل لإضعاف القطاعات الإنتاجية الفلسطينية (الزراعة والصناعة) . وظلت القطاعات الاقتصادية خاضعة لثقل سيطرة القوانين والسياسات الإسرائيلية، التي استخدمت تَحكُّمها في منح التراخيص لعرقلة النمو الصناعي عن طريق رَفْضها المتكرر منح التراخيص للفلسطينيين الراغبين في إنشاء مصانع. وأدَّت الأسعار المرتفعة الناجمة عن المصادرة المكثفة للأراضي الفلسطينية، والقيود المفروضة على استخدامها، وغياب النظام المصرفي الذي يؤمِّن التسليف، وفقر البنى التحتية والخدمات الداعمة للمشاريع إلى وَضْع المزيد من العراقيل أمام نمو قطاع الصناعة. وفي قطاع الزراعة أدت مصادرة الأراضي والتحكم في موارد المياه إلى فرض قيود واسعة على الزراعة الفلسطينية، وأدَّت المنافسة غير المتكافئة مع السلع الإسرائيلية إلى إضعاف قطاع الزراعة الفلسطينية، كما صارت شركات السياحة الفلسطينية ملحقة بالشركات الإسرائيلية أو الدولية.

стр. 8111

لقد أدى تراكم هذه التطورات إلى إحداث تشويه قطاعي في الاقتصاد الفلسطيني، حيث انكمش القطاع الصناعي وتراجع القطاع الزراعي، حتى أن حصة الصناعة والزراعة في مطلع التسعينيات كانت لا تتعدى ٣٥% من الناتج القومي الإجمالي، مع أن متوسط حصة هذين القطاعين في البلاد النامية تزيد عن ٥٠%. وبذلك تمكنت السياسة الإسرائيلية من تغيير بنية الاقتصاد الفلسطيني ليصبح تابعاً للاقتصاد الإسرائيلي وغير قابل لتكوين الأرضية الضرورية لدولة مستقلة. ولكنها، مع هذا، لم تتمكن من تحقيق هدفها الآخر الذي يتمثل في خلق ظروف اقتصادية في الأراضي المحتلة تساعد في إضعاف حوافز مقاومة الاحتلال. فانبعثت سياسة تفكيك الصلة بين الدخل الفلسطيني والإنتاج الفلسطيني، وفي الواقع فإن زيادة الدخل لم تتناقض مع التخريب البنيوي للاقتصاد ما دامت تلك الزيادة تأتي من مصادر خارجية. بل إن زيادة الدخل بالطريقة التي تمت بها أثناء الاحتلال شكلت آلية لإضعاف القطاعات الإنتاجية، فالعمالة الفلسطينية في إسرائيل تعمل بأجور أعلى من الأجور المتاحة في الاقتصاد الفلسطيني وهو ما أضعف القطاعات الإنتاجية عبْر رفع تكلفة الإنتاج وتغيير هيكل الأسعار بصورة غير ملائمة للإنتاج. لقد اعتمدت إسرائيل مجموعة من السياسات لتحقيق هدف إضعاف مقاومة الاحتلال عبر زيادة الدخل، فقامت بتشجيع اليد العاملة الفلسطينية على العمل داخل إسرائيل، واتبعت سياسة الجسور المفتوحة مع الأردن ليتمكن الفلسطينيون من تصدير بضائعهم إلى الأردن ومنه إلى العالم العربي، وكي يتمكن أصحاب الخبرات والمثقفين من السفر والعمل في الأردن وأقطار الخليج العربي.

стр. 8112

وتُعتبَر العمالة الفلسطينية إحدى نتائج السيطرة على الاقتصاد الفلسطيني. ويعود سبب إقبال إسرائيل على الاستعانة بالعمالة الفلسطينية إلى رفض الإسرائيليين القيام بالأعمال اليدوية والمتدنية، بسبب ارتفاع مستوى الدخل الذي يعود في جانب كبير منه إلى الاعتماد على المعونات الخارجية (وهو ما يشير إلى تراجُع المفاهيم الصهيونية مثل العمل العبري واقتحام الأرض والعمل والحراسة والإنتاج، وتصاعُد النزعة الاستهلاكية) . ولجأ الإسرائيليون إلى الاستعانة بالعمالة العربية التي بلغت أكثر من مائة ألف فلسطيني، بما يمثل نحو ٣٥% من العمال الفلسطينيين، وذلك بسبب تفشِّي البطالة. وأدَّت العمليات الفدائية والاستشهادية وعمليات المقاومة المسلحة، وخصوصاً في عامي ١٩٩٣ ـ ١٩٩٤، إلى انخفاض أعداد العمال الفلسطينيين بشكل حاد نتيجة سياسات الحظر والإغلاق. ولتعويض هذا النقص في الأيدي العاملة لجأت الحكومة الإسرائيلية إلى استيراد عمالة أجنبية من الخارج بخاصة من تايلاند ورومانيا ومصر. وأدَّى ذلك إلى وصول نسبة البطالة إلى معدلات كبيرة جداً في الضفة والقطاع، وصلت في قطاع غزة إلى نحو ٦٠% أحياناً. وتوصف السياسة الإسرائيلية تجاه الاقتصاد الفلسطيني بأنها تعتمد على "الازدهار الشخصي والركود المجتمعي (إندفيديوال بروسبرتي آند كوميونال ستاجنيشن (individual prosperity and communal stagnation) ،ويطلق عليها البعض «دي ديفيلوبمنت de-development» ، أي أنها ممارسات تقود إلى نتائج معاكسة لعملية التنمية الاقتصادية، ويطلق عليها آخرون «إنترنال كولونياليزم internal colonialism» أو «الاستعمار الداخلي» الذي يختلف عن الاستعمار الخارجي على أساس أن أهدافه ليست عسكرية وسياسية فحسب، بل إنه يعمل بصورة رئيسية على محور اقتلاع السكان الأصليين وترحيلهم عن وطنهم، وفرض علاقة تبعية تقزيمية على أولئك الذين يبقون في الوطن.

стр. 8113

أما فيما يتصل بالفلسطينيين في الأراضي المحتلة قبل عام ١٩٤٨ فقد مرت سياسة الاقتصاد الإسرائيلية تجاههم بعدة مراحل. فبعد أن كانت السياسة الإسرائيلية تقوم خلال فترة الحكم العسكري (١٩٤٨ ـ ١٩٦٦) على أساس منع أيِّ نشاط اقتصادي في المناطق العربية يهدف إلى إقامة اقتصاد عربي يعتمد على نفسه، أخذت هذه السياسة في الفترة الثانية ١٩٦٧ ـ ١٩٧٤ تُبدي بعض الاهتمام بالوضع الاقتصادي العربي وتجري محاولات بسيطة لدمجه في الاقتصاد الإسرائيلي. لكن المرحلة منذ عام ١٩٧٦ التي تميَّزت بتنامي الوعي الوطني عند الأقلية العربية، أثبتت أن صانع القرار في إسرائيل لا يفكر في دمج الاقتصاد العربي في الاقتصاد الإسرائيلي، بل يعمل على اختراقه. ففي الوقت الذي بدأ فيه رأس المال الإسرائيلي في دخول المناطق العربية وإقامة مشاريع مشتركة مع العرب، تعاظم الاهتمام بموضوع الخطر السكاني وضرورة تهويد الجليل. ويمكن القول بأن السياسة الإسرائيلية ذات طبيعة احتوائية تجاه الفلسطينيين حيث صرفت جُل اهتمامها في أوائل السبعينيات إلى مسائل وقضايا ثقافية واجتماعية بدلاً من التركيز على البُعْد الاقتصادي، محتجة بأن قصور النمو في القطاع العربي إنما يُعزى إلى تخلُّف الثقافة والقيم العربية. وبصفة عامة فإن الوضع الاقتصادي للفلسطينيين في إسرائيل يخضع لسياسة التمييز العنصري، حيث يتضح أن وجود العرب بشكل فعال في قطاعي الزراعة والصناعة محظور، فمن غير المسموح لهم الوجود في المؤسسات التعاونية الزراعية، كما أنهم لا يستطيعون العمل في أية شركة صناعية إسرائيلية لها علاقة بصناعة السلاح، كذلك لا يحق لهم العمل في المنشآت الحكومية المهمة.

стр. 8114

أما من ناحية الدخل، فهناك فارق كبير بين معدل دخل الأسرة اليهودية ومعدل دخل الأسرة العربية، وتقديرات عام ١٩٨٣ تبيِّن أن معدل دخل الفرد العربي هو ٤٦% فقط من دخل الفرد اليهودي. والعمال العرب ممنوعون من العمل في صناعة الإلكترونيات والمصنوعات الكهربائية وبناء السفن وصناعة الأسلحة التي تقع كلها تحت سيطرة المجمع العسكري/الصناعي في إسرائيل، وذلك لأسباب أمنية. ويشكل العمال العرب نحو ٢٥% من عدد العمال غير المهرة في إسرائيل، ويعمل العامل العربي في متوسطه خمس ساعات أسبوعياً أكثر من نظيره اليهودي، ونسبة البطالة بين العمال العرب دائماً أعلى من نسبة اليهود. وقد حاول الشعب الفلسطيني ـ بنجاح جزئي ـ خلال الانتفاضة أن يفكِّك خيوط نسيج السيطرة الاقتصادية عن طريق مقاطعة البضائع الإسرائيلية ومقاومة دفع الضرائب، وتشجيع الإنتاج المحلي وهو ما أدَّى إلى حدوث تحسُّن ملموس في القطاعين الزراعي والصناعي بسبب سياسة الاعتماد على النفس. فمقاطعة السلع الإسرائيلية عملت على إضعاف التأثير السلبي للمنافسة غير المتكافئة، وتدعيم الإنتاج الفلسطيني، وبذلك نجحت الانتفاضة في جعل الاحتلال الإسرائيلي أكثر تكلفة من الناحية الاقتصادية.

стр. 8115

لقد أحدثت الانتفاضة تغييراً جذرياً في علاقة إسرائيل بالأراضي المحتلة إذ انقلب الاحتلال من عملية تعود على إسرائيل بالأرباح الاقتصادية إلى عملية مكلفة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وهو ما أدَّى بالسلطات الإسرائيلية إلى انتهاج أسلوب جديد منذ عام ١٩٩١، وهذا الأسلوب المتدرج والبطئ يهدف إلى الإنعاش الاقتصادي عن طريق رفع بعض القيود المفروضة على حرية النشاط الاقتصادي، وعن طريق مساعدة بعض المشاريع الزراعية والصناعية. ولكن الهدف الرئيسي للاحتلال ـ وهو ربط الاقتصاد الفلسطيني بعلاقة التبعية للاقتصاد الإسرائيلي ـ ما زال هدف السياسة الإسرائيلية الجديدة، فالاختلاف بين السياستين القديمة والجديدة لا يتعلق بالهدف وإنما بالأسلوب فقط. فالهدف مثلما كان في الماضي هو زيادة اعتماد الفلسطيني على مصادر خارجة عن الإنتاج الفلسطيني، لكن بدلاً من أن يتم ذلك عبر تشغيل الفلسطينيين في إسرائيل، تُقام مصانع في المناطق المحتلة لا يمكنها أن تنتج إلا باستخدام مواد أولية إسرائيلية، ولا أن تبيع إنتاجها إلا عن طريق وسائل التصدير الإسرائيلية. كما حاول المفاوضون الفلسطينيون إعادة التفاوض بشأن العلاقة الاقتصادية بين الأراضي الفلسطينية المحتلة وإسرائيل، ولكن الاتفاق الاقتصادي الفلسطيني/الإسرائيلي كرَّس واقع التبعية لإسرائيل، وذلك من خلال إعطاء لجنة إسرائيلية/فلسطينية مشتركة صلاحيات واسعة تنتقص من السيادة الاقتصادية في مناطق الحكم الذاتي، وأبقى الاتفاق أسواق الضفة وغزة مفتوحة بالكامل أمام السلع الإسرائيلية، وتم اعتماد الشيكل الإسرائيلي وقبوله قانونياً لتسوية المدفوعات، وأصبح لإسرائيل حق تحديد عدد العمال الفلسطينيين الذين يُسمَح لهم بالعمل لديها، وذلك رغم أنه أعطى الفلسطينيين هامشاً للحركة في بعض المجالات الاقتصادية.

стр. 8116

وبذلك يمكن القول بأنه في ظل اتفاق الحكم الذاتي فإن إسرائيل مستمرة في التمتع بصلاحية السيطرة على التطور الاقتصادي، وكما كان الأمر في السابق فإنها ستتصرف بما ينسجم مع نظرتها الخاصة إلى الوضع النهائي للمناطق المحتلة. التوسعية الصهيونية والمياه العربية Zionist Expansionism and Arab Waters تُعتبَر مصادر المياه العربية من أهم الموارد الطبيعية التي من أجلها تصرُّ إسرائيل على الاحتفاظ بالأراضي العربية. وتنظر دول الشرق الأوسط إلى المشكلة المائية بشكل عام من منطلق الحاجات القائمة ما عدا إسرائيل، حيث تنظر إلى المشكلة من زاوية عدم كفاية الموارد المائية القائمة حالياً لتلبية طموحاتها في مجال تهجير يهود العالم. ولذلك قامت سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ عام ١٩٦٧ بوضع يدها على ما يتصل باستغلال موارد المياه وتوزيعها وإدارتها. وبناءً على ذلك، أصبحت موارد المياه السطحية والجوفية كافة تحت سيطرة الحاكم العسكري الإسرائيلي، الذي يتصرف فيها وفق الأهداف الإسرائيلية. شكَّل وضع المياه هذا أخطر عقبة أمام التنمية الاقتصادية/ الاجتماعية الفلسطينية؛ فهو بكل بساطة عملية نَهْب مستمر ومُبرمَج لموارد المياه الفلسطينية. إن مجموع إيرادات المياه السنوي يبلغ ٧٠٠ مليون متر مكعب في الضفة الغربية، و٦٠ مليون متر مكعب في قطاع غزة. وتنقل إسرائيل سنوياً إليها، أو إلى المستوطنات في الأراضي المحتلة، ما بين ٥١٥ مليون متر مكعب و٥٣٠ متر مكعب؛ وهذا يعني أنها تقوم سنوياً بنهب ما نسبته ٦٨% من المياه الفلسطينية. وقد أسفرت هذه السياسة الإسرائيلية عن حدوث ضَغْط شديد على موارد المياه الفلسطينية. ففي قطاع غزة هبطت مناسيب المياه الجوفية إلى أقل من منسوب إعادة التخزين الطبيعي، ونَجَم عن ذلك تردي نوعية المياه المتاحة من جراء المياه الملوثة والملحية.

стр. 8117

وتشير الإحصاءات الإسرائيلية إلى أن عدد السكان في إسرائيل عام ١٩٩٤ بلغ حوالي ٥.١ مليون نسمة، ومن المفترض ـ في ظل تزايد عدد السكان الملحوظ عما كان عليه في السنوات السابقة عبر التهجير المستمر ـ أن يكون دائم البحث عن موارد مائية جديدة، وهو ما يعني إمكانية اللجوء إلى العمليات الحربية للسيطرة على بعض منابع المياه في المنطقة كما حدث سابقاً. ومن هنا ينظر الإسرائيليون إلى مياه الضفة الغربية بوصفها مصادر أمن قومي لا يجوز التنازل عنها. وقد استمرت إسرائيل، في المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، في التمسك بالسيطرة على المياه. وبدلاً من تخلِّي إسرائيل عن المياه في مناطق الحكم الذاتي فإنها ما زالت تصرُّ على ضرورة البحث عن مصادر جديدة خارجية لتزويد الضفة والقطاع، مشيرة بذلك إلى أن حقوق المياه في هذه المناطق إنما أصبحت إسرائيلية بحكم الاحتلال والأمر الواقع. ويؤكد رئيس لجنة المياه عن الجانب الإسرائيلي في المفاوضات المتعددة الأطراف كاتس عوز: "أن مياه الضفة الغربية كانت وستبقى إسرائيلية حتى بعد إقامة الحكم الذاتي". إسرائيل الكبرى جغرافياً أم إسرائيل العظمى اقتصادياً؟ Greater Israel: Geogaphically or Economically ?

стр. 8118

«إسرائيل الكبرى» مصطلح يتواتر في الأدبيات الصهيونية، بشكل كامن في كتابات المعتدلين وبشكل علني في كتابات من يُقال لهم «المتطرفون» . و «إسرائيل الكبرى» مصطلح غير محدد المعالم يضم بكل تأكيد الأراضي الفلسطينية التي ضُمَّت عام ١٩٦٧. ولكن بما أن حدود أرض الميعاد أو إرتس يسرائيل محل خلاف بين المفسرين، فإن المطالبين بضم كل أراضي إسرائيل يختلفون فيما بينهم حول ما يجب ضمه وما يجب تركه. ومفهوم إسرائيل الكبرى لم يَعُد مفهوماً مهماً في الفكر الإستراتيجي الصهيوني في إسرائيل، فظهور النظام العالمي الجديد قد غيَّر وظيفة إسرائيل وطبيعة دورها، ولم يَعُد ضم الأراضي مسألة حيوية بالنسبة لها، بل أصبح (من وجهة نظر بعض الصهاينة) عنصراً سلبياً. فإسرائيل تحاول الآن أن تلعب دوراً وظيفياً جديداً يتطلب منها التغلغل في العالم العربي بالتعاون مع بعض النخب الثقافية والسياسية العربية الحاكمة كجزء من عملية تدويل المنطقة وضمها إلى السوق العالمية والنظام العالمي الجديد. وهذا يتطلب أن تتخلى إسرائيل عن لونها اليهودي الفاقع وكل المتتاليات السياسية والعسكرية المرتبطة بهذا اللون. وإسرائيل الكبرى جزء من المتتالية القديمة التي طرحت إسرائيل كدولة يهودية غربية وقاعدة للاستعمار الغربي في العالم العربي تلعب دور الشرطي وتحاول اغتصاب الأرض وطرد السكان أو تسخيرهم. أما إسرائيل الجديدة فهي جدُّ مختلفة. وكما قال بيريز: "إن الشعب اليهودي لم يكن هدفه في أي يوم السيطرة ... إنه يريد فقط أن يشتري ويبيع وأن يستهلك وينتج. فعظمة إسرائيل تكمن في عظمة أسواقها".

стр. 8119

وقد حدث تحوُّل في اللهجة الصهيونية مثَّله بعض قادة حزب العمل واليسار الإسرائيلي مثل شيمون بيريز ويوسي بيلين ويوسي سريد. حدث هذا التحول في اتجاه التخلي عن نظرية "الحدود الجغرافية" واستبدال نظرية "الحدود الاقتصادية" بها، ويعود هذا التحوُّل إلى استنتاجهم أن القدرة على احتلال المزيد من الأرض العربية غير ممكن بدون التكلفة الباهظة للاحتلال المستمر وامتلاك الأقطار العربية أسلحة تهدد الأمن الإسرائيلي من جهة، ولعجزها عن إسكان الأراضي المحتلة بالمستوطنين اليهود من جهة أخرى. في ظل عجزها عن توفير الأمن لهم أولاً، ومتطلبات الحياة الاستيطانية ثانياً. إن الظروف الذاتية والموضوعية تستلزم استبدال نظرية مشروع "إسرائيل الكبرى" جغرافياً بمشروع "إسرائيل العظمى" اقتصادياً وسياسياً وتكنولوجياً بحيث يستطيع النفوذ والسيطرة الاقتصاديين أن يحققا الأهداف الصهيونية بصورة أكثر رسوخاً وأطول عمراً، وأقل كلفة وخسارة بشرية. أما مشروع إسرائيل الكبرى جغرافياً عندما يضم الفلسطينيين فإن جسمها يتلوث وتظل حبلى بالمشاكل والاضطرابات، وتبقى عرضة للمجابهات المسلحة مع الجيران، وللتوتر في علاقاتها الدولية وللأوضاع الاقتصادية المتقلبة ولانخفاض عدد المهاجرين إليها. فالطريق إلى إسرائيل الكبرى يمر عبر الحروب والمجابهات العسكرية، أما الطريق إلى "إسرائيل العظمى" فيمر عبر الدبلوماسية والتلويح بالقوة، فإسرائيل العظمى تظل محتفظة بتفوق عسكري نوعي قائم بالأساس على الرادع النووي.

стр. 8120

إن "إسرائيل العظمى" تقبل التنازل عن بعض الأراضي العربية المكتظة بالسكان، والتي تعتبرها حقاً تاريخياً وجزءاً من أراضي إسرائيل التوراتية ولكنها، كما يقول بيريز، ستكون قد "أدت واجباً تاريخياً تجاه نفسها، وذلك بحماية طابعها الخاص من الإفساد والتشويه". ومقابل ذلك سوف تُرفَع المقاطعة العربية عن إسرائيل وتُفتَح أسواق المنطقة أمام البضائع الإسرائيلية. وتقوم السوق الشرق أوسطية على أساس تكامل الطاقات وتقسيم العمل بين النفط العربي، والمياه التركية، والكثافة السكانية والسوق المصرية، والخبرة والمهارة الإسرائيلية، وتُحَل مشكلة المياه في إسرائيل بإقامة مشاريع مشتركة لاستثمار مياه الأنهار الكبرى في المنطقة. وهذا المشروع هو الذي سوف يحقق الأمن لإسرائيل ويحقق "إسرائيل العظمى" التي لن تحكم الفلسطينيين فقط بل ستحكم العرب جميعاً، وتتحقق لها السيطرة والهيمنة والتربع على كامل المنطقة وثرواتها، وتدجين الشعب العربي وتطويعه، وتخريب النسيج الاجتماعي في العالمين العربي والإسلامي، وهذا تأكيد استمرارية مشروعها الأساسي القائم على التوسع. ومع هذا لا يزال جزء كبير من اليمين الصهيوني يؤمن في قرارة نفسه ويتمسك بفكرة إسرائيل الكبرى، فقد صرَّح إسحق شامير في لحظة تأثُّر وجداني عميق من تدفُّق المهاجرين المستوطنين السوفييت بأن "إسرائيل الكبرى من البحر إلى النهر هي عقيدتي وحلمي شخصياً" وأنه "بدون هذا الكيان لن تكتمل الهجرة ولا الصعود إلى أرض الميعاد ولا أمن الإسرائيليين وسلامتهم"؛ ونتنياهو ما زال يريد العودة إلى "الحدود التوراتية" بإعادة الحياة إلى إسرائيل الكبرى. السوق الشرق أوسطية Middle East Market

стр. 8121

ظهر اتجاه داخل النظام السياسي للدولة الصهيونية يتبنى مقولة أن اعتماد التفوق العسكري وحده لا يُلبِّي مطامع إسرائيل في التحوُّل إلى قوة إقليمية لها دورها وحضورها الشرعي في المنطقة، وأن على إسرائيل أن تهيئ نفسها لترتيب اتفاقات "سلام" مع الدول العربية المجاورة، تقوم على تجاوز القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، لأن المصالح الاقتصادية الهائلة المستجدة ستؤدي إلى تذويب هذه المشكلات. وهذه هي المقولة الأساسية التي يستند إليها النظام العالمي الجديد: إن الإنسان كائن اقتصادي دوافعه اقتصادية ومطامحه اقتصادية، وإن الاختلافات الاقتصادية يمكن حلها، وإن خَلْق مصالح اقتصادية مشتركة بين الدول يجعل شعوبها تنسى أفكاراً بالية مثل السيادة والكرامة القومية. وبهذه الطريقة يحاول النظام العالمي الجديد أن يحوِّل العالم إلى سوق واحدة كبيرة لا تعرف الحدود، تمر فيها الشركات عابرة القارات والقوميات دون أن يعوقها عائق وتستطيع أن تبيع سلعها لمستهلكين يتسمون بالعمومية ولا يكترثون بالحدود القومية أو فكرة السيادة أو الحدود أو الأحلام الإنسانية المتجاوزة للمادة، أي أن يظهر الإنسان الطبيعي في كل أنحاء العالم (وهذه هي قمة الترشيد المادي وهذه هي العولمة الحقة) . وبهذه الطريقة يقضي النظام العالمي الجديد على كل أشكال المقاومة داخل العالم الثالث ويمكن أن يقوم بتفكيك الشعوب دون أن يضطر إلى اللجوء للمواجهة، التي أصبحت مكلفة بل مستحيلة.

стр. 8122

وهذا التحوُّل نحو الاقتصاد لا يعكس تراجعاً عن الأهداف الإسرائيلية الإستراتيجية والهيمنة السياسية والعسكرية وفرض السلام حسب الشروط الصهيونية، وإنما هو تحوُّل في التكتيك والإجراءات لتحقيق هذه الأهداف في ظل التغيرات والتحولات الجديدة على المستويين العالمي والإقليمي، فيتم إدماج إسرائيل في المنطقة وفق شروط تحفز نموها الاقتصادي، القائم على تفوُّقها التكنولوجي والعلمي، فتصبح إسرائيل الكبرى مفهوماً اقتصادياً لا جغرافياً، وفي هذه الحالة لا يعتبر قيام كيان فلسطيني محدود الصلاحيات خطراً على وجودها لأن اندماجه مع إسرائيل يُيسِّر عملية الهيمنة عليه وتوجيهه. وقد تم استخدام مصطلح «الشرق الأوسط» ليكون بالإمكان إدراج الكيان الصهيوني ضمن المنطقة العربية. ويقوم المشروع الشرق أوسطي على عدة مبادئ أساسية أهمها: أن تحقيق السلام على أرض الواقع مرتبط بالتفاعل الاقتصادي، وأن خَلْق مصالح اقتصادية مُتبادَلة بين الأطراف الداخلة فيه يؤدي إلى تسهيل التوصل إلى حل سياسي، ويصبح هذا المشروع مفتاح حل جميع مشكلات العالم العربي من خلال ترويج مقولة السلام الذي يجلب الرخاء والتنمية، بحيث يحل محل الإنسان العربي والمسلم الخاص، إنسان اقتصادي عام لا يمارس أية رغبة في تجاوز واقعه المادي الاستهلاكي المباشر، حدوده حدود السوق، وأفقه أفق السلعة، وفضاؤه متعته، وسماؤه لذته. ويقوم هذا المشروع على إعطاء دور كبير للقطاع الخاص ورجال الأعمال، أو ما يُسمَّى «خصخصة صنع السلام» لأن صُنْع السلام في الشرق الأوسط أهم وأكثر تعقيداً من أن يُترَك للسياسيين والدبلوماسيين وحدهم، بل يجب أن تساعدها وتدعمها علاقات تجارية واقتصادية يقوم بها القطاع الخاص.

стр. 8123

وأهم آليات تحقيق الشرق أوسطية المؤتمرات الاقتصادية، التي تتم قيادتها عبر مؤسسات من خارج المنطقة لا من داخلها، مُمثَّلة في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (سويسرا) ومجلس العلاقات الخارجية الأمريكية في نيويورك، كما أنها لم تَعُد مقصورة على ممثلي الدول بل تضم مستويات مختلفة من الحكومات ورجال الأعمال والمنظمات الدولية. وقد تم عقد ثلاثة مؤتمرات للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الدار البيضاء (١٩٩٤) وعمان (١٩٩٥) والقاهرة (١٩٩٦) . وتهدف هذه المؤتمرات الاقتصادية إلى زيادة نفوذ القطاع الخاص وقطاع رجال الأعمال بحيث يصبحون لوبي (جماعة ضغط) قوية داخل أي نظام سياسي. وفي الوقت نفسه يزيد تفاعُل أعضاء هذه الفئة بعضهم مع بعض ومع المستثمرين الأجانب والشركات ذات النشاط الدولي من جهة أوربا. وهو تفاعُل سيتم في إطار المصالح الاقتصادية المجردة من القيم الأخلاقية أو القومية. وستتصاعد عملية التعامل تدريجياً إلى أن يتحول الشرق الأوسط بأسره إلى سوق مشتركة (على غرار الجماعة الأوربية) تسوده مجموعة من المشاريع الضخمة تموِّلها مؤسسات التمويل الدولية ويتم ربط كل هذا بالسوق العالمية) أي السوق الغربية) . أما آليات إقامة المشروع الشرق أوسطي فتتمثل في: ١ ـ عقد اتفاقات ثنائية بين إسرائيل وكل دولة من الدول العربية المجاورة من جانب، وعقد اتفاقات متعددة الأطراف من جانب آخر. وتحدِّد الاتفاقات الثنائية علاقات إسرائيل بكل دولة من دول المحيط العربي في المجالات الاقتصادية والتجارية والأمنية والعسكرية، إضافة إلى المجالين الدبلوماسي والسياسي، وما يترتب على هذه من ترتيبات تنظيمية وإدارية وفنية وعسكرية مشتركة.

стр. 8124

٢ ـ التركيز في المرحلة الأولى على تأسيس محور ثلاثي يأخذ، بصورة متدرجة، صيغة تشكيلة سياسية اقتصادية أمنية (شكل من أشكال الكونفدرالية) تضم إسرائيل والأردن والكيان الفلسطيني، وترتبط لاحقاً، وعلى نحو متدرج، بتشكيلة أوسع تضم سوريا ولبنان. ويتم في الوقت نفسه توسيع العلاقات الاقتصادية مع مصر، وبالتحديد في مجالي الطاقة والسياحة وبعض الصناعات المحددة، كصناعة النسيج. ٣ ـ تطبيع العلاقات الاقتصادية (إضافة إلى العلاقات السياسية والدبلوماسية) مع سائر دول العالم العربي وفق آليات السوق الرأسمالية، أي من دون اشتراط علاقات اقتصادية متميِّزة كما هي الحال مع الكيان الفلسطيني والأردن، أو مع سوريا ولبنان، لكن مع عدم إغفال الاعتبارات الأمنية أو تجاهلها. ويبدو أن اشتراط إقامة علاقات اقتصادية متميِّزة مع الدول العربية المحيطة يرتبط بمفهوم إسرائيل لأمنها القومي وحاجتها إلى توليد "مصالح مشتركة" تنفي، أو تقلِّص إلى الحدود الدنيا، إمكان نشوب حروب أو نزاعات أو عمليات عسكرية جديدة: ترتيبات مائية مشتركة ـ بنية تحتية مشتركة ـ مشاريع اقتصادية مشتركة ـ تبادُل تجاري غير مقيَّد ـ إضافة إلى إقامة هيئات مشتركة مقررة في مجالات اختصاصها.

стр. 8125

وهكذا، فالمسألة ليست مسألة سوق فقط، بل تهدف إسرائيل إلى خَلْق واقع اقتصادي جديد، في مناطق ومواقع مفصلية، يتسع نطاقه بشكل مستمر بحيث يتم خَلْق أحزمة اقتصادية جديدة تخترق البلدان العربية ويصعب الفكاك منها وتصبح معها تكلفة الانفصال في حالة توتر الأجواء باهظة الثمن، الأمر الذي يعني زيادة أمن الكيان الإسرائيلي. وأحد أهداف السوق الشرق أوسطية هو طرح تقسيم عمل جديد بالمنطقة تتخصص بموجبه الدول العربية في إنتاج المواد الأولية (البترول) والصناعات التقليدية مثل النسيج والملابس، في حين تتخصص إسرائيل في الصناعات التكنولوجية ذات التقنية العالية. وقد تعاقدت شركة موتورولا العالمية وشركة إنتل على إنتاج بعض منتجاتهما في إسرائيل باستثمارات بلغت ٢.٦ مليار دولار. ومما يعزز مسألة التقسيم السابق نجاح إسرائيل في إبرام أول اتفاق تعاون علمي وتكنولوجي مع الاتحاد الأوربي، الذي ستصبح إسرائيل بموجبه أول دولة غير أوربية وغير عضو في الاتحاد تشترك في الأبحاث العلمية والتكنولوجية الأوربية المتطورة وتنتفع بها، وسيفتح ذلك الباب على مصراعيه للعلماء الإسرائيليين للانتفاع بمزايا الأبحاث العلمية في جميع بلدان الاتحاد الأوربي، ما عدا تلك المتعلقة بالطاقة النووية. كما يهدف المشروع إلى رفع المقاطعة الاقتصادية العربية عن إسرائيل، التي كلفت الاقتصاد الإسرائيلي طبقاً لتقديرات إسرائيلية أكثر من ٤٠ مليار دولار، وإلى زيادة وتيرة التطبيع الاقتصادي بين إسرائيل والدول العربية (رغم أن تجربة التطبيع المصرية الإسرائيلية كشفت عن محاولات اختراق تمثلت في: تجسُّس وتهريب اقتصادي وتزييف عملات، بل يقال أيضاً نشر الإيدز) .
следующие страницы →