Полный текст (8 511 стр.). Показаны 8121–8160 · переход к 8126.
стр. 8121
ظهر اتجاه داخل النظام السياسي للدولة الصهيونية يتبنى مقولة أن اعتماد التفوق العسكري وحده لا يُلبِّي مطامع إسرائيل في التحوُّل إلى قوة إقليمية لها دورها وحضورها الشرعي في المنطقة، وأن على إسرائيل أن تهيئ نفسها لترتيب اتفاقات "سلام" مع الدول العربية المجاورة، تقوم على تجاوز القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، لأن المصالح الاقتصادية الهائلة المستجدة ستؤدي إلى تذويب هذه المشكلات. وهذه هي المقولة الأساسية التي يستند إليها النظام العالمي الجديد: إن الإنسان كائن اقتصادي دوافعه اقتصادية ومطامحه اقتصادية، وإن الاختلافات الاقتصادية يمكن حلها، وإن خَلْق مصالح اقتصادية مشتركة بين الدول يجعل شعوبها تنسى أفكاراً بالية مثل السيادة والكرامة القومية. وبهذه الطريقة يحاول النظام العالمي الجديد أن يحوِّل العالم إلى سوق واحدة كبيرة لا تعرف الحدود، تمر فيها الشركات عابرة القارات والقوميات دون أن يعوقها عائق وتستطيع أن تبيع سلعها لمستهلكين يتسمون بالعمومية ولا يكترثون بالحدود القومية أو فكرة السيادة أو الحدود أو الأحلام الإنسانية المتجاوزة للمادة، أي أن يظهر الإنسان الطبيعي في كل أنحاء العالم (وهذه هي قمة الترشيد المادي وهذه هي العولمة الحقة) . وبهذه الطريقة يقضي النظام العالمي الجديد على كل أشكال المقاومة داخل العالم الثالث ويمكن أن يقوم بتفكيك الشعوب دون أن يضطر إلى اللجوء للمواجهة، التي أصبحت مكلفة بل مستحيلة.
стр. 8122
وهذا التحوُّل نحو الاقتصاد لا يعكس تراجعاً عن الأهداف الإسرائيلية الإستراتيجية والهيمنة السياسية والعسكرية وفرض السلام حسب الشروط الصهيونية، وإنما هو تحوُّل في التكتيك والإجراءات لتحقيق هذه الأهداف في ظل التغيرات والتحولات الجديدة على المستويين العالمي والإقليمي، فيتم إدماج إسرائيل في المنطقة وفق شروط تحفز نموها الاقتصادي، القائم على تفوُّقها التكنولوجي والعلمي، فتصبح إسرائيل الكبرى مفهوماً اقتصادياً لا جغرافياً، وفي هذه الحالة لا يعتبر قيام كيان فلسطيني محدود الصلاحيات خطراً على وجودها لأن اندماجه مع إسرائيل يُيسِّر عملية الهيمنة عليه وتوجيهه. وقد تم استخدام مصطلح «الشرق الأوسط» ليكون بالإمكان إدراج الكيان الصهيوني ضمن المنطقة العربية.
ويقوم المشروع الشرق أوسطي على عدة مبادئ أساسية أهمها: أن تحقيق السلام على أرض الواقع مرتبط بالتفاعل الاقتصادي، وأن خَلْق مصالح اقتصادية مُتبادَلة بين الأطراف الداخلة فيه يؤدي إلى تسهيل التوصل إلى حل سياسي، ويصبح هذا المشروع مفتاح حل جميع مشكلات العالم العربي من خلال ترويج مقولة السلام الذي يجلب الرخاء والتنمية، بحيث يحل محل الإنسان العربي والمسلم الخاص، إنسان اقتصادي عام لا يمارس أية رغبة في تجاوز واقعه المادي الاستهلاكي المباشر، حدوده حدود السوق، وأفقه أفق السلعة، وفضاؤه متعته، وسماؤه لذته. ويقوم هذا المشروع على إعطاء دور كبير للقطاع الخاص ورجال الأعمال، أو ما يُسمَّى «خصخصة صنع السلام» لأن صُنْع السلام في الشرق الأوسط أهم وأكثر تعقيداً من أن يُترَك للسياسيين والدبلوماسيين وحدهم، بل يجب أن تساعدها وتدعمها علاقات تجارية واقتصادية يقوم بها القطاع الخاص.
стр. 8123
وأهم آليات تحقيق الشرق أوسطية المؤتمرات الاقتصادية، التي تتم قيادتها عبر مؤسسات من خارج المنطقة لا من داخلها، مُمثَّلة في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (سويسرا) ومجلس العلاقات الخارجية الأمريكية في نيويورك، كما أنها لم تَعُد مقصورة على ممثلي الدول بل تضم مستويات مختلفة من الحكومات ورجال الأعمال والمنظمات الدولية. وقد تم عقد ثلاثة مؤتمرات للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الدار البيضاء (١٩٩٤) وعمان (١٩٩٥) والقاهرة (١٩٩٦) .
وتهدف هذه المؤتمرات الاقتصادية إلى زيادة نفوذ القطاع الخاص وقطاع رجال الأعمال بحيث يصبحون لوبي (جماعة ضغط) قوية داخل أي نظام سياسي. وفي الوقت نفسه يزيد تفاعُل أعضاء هذه الفئة بعضهم مع بعض ومع المستثمرين الأجانب والشركات ذات النشاط الدولي من جهة أوربا. وهو تفاعُل سيتم في إطار المصالح الاقتصادية المجردة من القيم الأخلاقية أو القومية. وستتصاعد عملية التعامل تدريجياً إلى أن يتحول الشرق الأوسط بأسره إلى سوق مشتركة (على غرار الجماعة الأوربية) تسوده مجموعة من المشاريع الضخمة تموِّلها مؤسسات التمويل الدولية ويتم ربط كل هذا بالسوق العالمية) أي السوق الغربية) .
أما آليات إقامة المشروع الشرق أوسطي فتتمثل في:
١ ـ عقد اتفاقات ثنائية بين إسرائيل وكل دولة من الدول العربية المجاورة من جانب، وعقد اتفاقات متعددة الأطراف من جانب آخر. وتحدِّد الاتفاقات الثنائية علاقات إسرائيل بكل دولة من دول المحيط العربي في المجالات الاقتصادية والتجارية والأمنية والعسكرية، إضافة إلى المجالين الدبلوماسي والسياسي، وما يترتب على هذه من ترتيبات تنظيمية وإدارية وفنية وعسكرية مشتركة.
стр. 8124
٢ ـ التركيز في المرحلة الأولى على تأسيس محور ثلاثي يأخذ، بصورة متدرجة، صيغة تشكيلة سياسية اقتصادية أمنية (شكل من أشكال الكونفدرالية) تضم إسرائيل والأردن والكيان الفلسطيني، وترتبط لاحقاً، وعلى نحو متدرج، بتشكيلة أوسع تضم سوريا ولبنان. ويتم في الوقت نفسه توسيع العلاقات الاقتصادية مع مصر، وبالتحديد في مجالي الطاقة والسياحة وبعض الصناعات المحددة، كصناعة النسيج.
٣ ـ تطبيع العلاقات الاقتصادية (إضافة إلى العلاقات السياسية والدبلوماسية) مع سائر دول العالم العربي وفق آليات السوق الرأسمالية، أي من دون اشتراط علاقات اقتصادية متميِّزة كما هي الحال مع الكيان الفلسطيني والأردن، أو مع سوريا ولبنان، لكن مع عدم إغفال الاعتبارات الأمنية أو تجاهلها. ويبدو أن اشتراط إقامة علاقات اقتصادية متميِّزة مع الدول العربية المحيطة يرتبط بمفهوم إسرائيل لأمنها القومي وحاجتها إلى توليد "مصالح مشتركة" تنفي، أو تقلِّص إلى الحدود الدنيا، إمكان نشوب حروب أو نزاعات أو عمليات عسكرية جديدة: ترتيبات مائية مشتركة ـ بنية تحتية مشتركة ـ مشاريع اقتصادية مشتركة ـ تبادُل تجاري غير مقيَّد ـ إضافة إلى إقامة هيئات مشتركة مقررة في مجالات اختصاصها.
стр. 8125
وهكذا، فالمسألة ليست مسألة سوق فقط، بل تهدف إسرائيل إلى خَلْق واقع اقتصادي جديد، في مناطق ومواقع مفصلية، يتسع نطاقه بشكل مستمر بحيث يتم خَلْق أحزمة اقتصادية جديدة تخترق البلدان العربية ويصعب الفكاك منها وتصبح معها تكلفة الانفصال في حالة توتر الأجواء باهظة الثمن، الأمر الذي يعني زيادة أمن الكيان الإسرائيلي. وأحد أهداف السوق الشرق أوسطية هو طرح تقسيم عمل جديد بالمنطقة تتخصص بموجبه الدول العربية في إنتاج المواد الأولية (البترول) والصناعات التقليدية مثل النسيج والملابس، في حين تتخصص إسرائيل في الصناعات التكنولوجية ذات التقنية العالية. وقد تعاقدت شركة موتورولا العالمية وشركة إنتل على إنتاج بعض منتجاتهما في إسرائيل باستثمارات بلغت ٢.٦ مليار دولار. ومما يعزز مسألة التقسيم السابق نجاح إسرائيل في إبرام أول اتفاق تعاون علمي وتكنولوجي مع الاتحاد الأوربي، الذي ستصبح إسرائيل بموجبه أول دولة غير أوربية وغير عضو في الاتحاد تشترك في الأبحاث العلمية والتكنولوجية الأوربية المتطورة وتنتفع بها، وسيفتح ذلك الباب على مصراعيه للعلماء الإسرائيليين للانتفاع بمزايا الأبحاث العلمية في جميع بلدان الاتحاد الأوربي، ما عدا تلك المتعلقة بالطاقة النووية.
كما يهدف المشروع إلى رفع المقاطعة الاقتصادية العربية عن إسرائيل، التي كلفت الاقتصاد الإسرائيلي طبقاً لتقديرات إسرائيلية أكثر من ٤٠ مليار دولار، وإلى زيادة وتيرة التطبيع الاقتصادي بين إسرائيل والدول العربية (رغم أن تجربة التطبيع المصرية الإسرائيلية كشفت عن محاولات اختراق تمثلت في: تجسُّس وتهريب اقتصادي وتزييف عملات، بل يقال أيضاً نشر الإيدز) .
стр. 8126
إن المشروع الشرق أوسطي لا يقتصر على كونه سوقاً شرق أوسطية بمضمونها الاقتصادي بل إنه مشروع لنظام إقليمي جديد، أي أنه مشروع إستراتيجي له مقوماته السياسية والاقتصادية والأمنية والأيديولوجية، ويمر عبر إقامة نظام إقليمي جديد يؤسَّس على إعادة تركيب النظام الإقليمي العربي، بحيث لا يعود فاعلاً كواقع أو كمشروع، ويُستبدَل به نظام تحتل فيه إسرائيل موقعاً محورياً، وإن كان بصورة متدرجة ومرحلية. ورغم أن هذا المشروع يعاني ثغرات كبيرة، ورغم أنه ما زال في طور التجريب إلا أنه كتوجهات عامة يلقى دعماً دولياً وإقليمياً بما يملكه من مؤهلات مثل استناده إلى برنامج يحمل الأيديولوجيا الاقتصادية الليبرالية التي تحتفل بها مراكز الاقتصاد العالمي ومؤسساته، وطبيعته الإستراتيجية طويلة الأجل، في ظل غياب مشروع عربي بديل.
ولكن هناك توترات وثغرات أساسية تتعلق بطبيعة الدولة الصهيونية وتحديداً: بين العناصر التي تركز على اعتبارات الأمن، والعناصر التي تركز على اعتبارات اندماج إسرائيلي في المنطقة اقتصادياً؛ بين الحرص على الهوية الصهيونية بمضمونها الاستبعادي السلبي للآخر العربي، وطموحاتها السلمية التي ترغب في تفاعُل إيجابي مع ذلك الآخر؛ وبين الرغبة في الحفاظ على سمة وثقافة إسرائيل الأوربية وعلاقاتها المتميِّزة بأوربا والولايات المتحدة (اقتصادياً وسياسياً وثقافياً) ، وموضعها الجغرافي الشرق أوسطي وادعائها الانتماء الحضاري إلى المنطقة. كما نجد تباينات في الآراء بشأن بعض التوجهات الأساسية للمشروع داخل حزب العمل بصورة خاصة، وداخل اليسار الصهيوني بصورة عامة. ومن الطبيعي أن تتسع حدة تلك التباينات أو أن تتقلص بالتوازي مع تطورات مسار المفاوضات العربية ـ الإسرائيلية (بشقيها) ، وصيغ الاتفاقات التي يتم التوصل إليها، وأشكال ومشكلات وتناقضات تطبيقاتها على أرض الواقع.
مشروع إسرائيل الاقتصادي للشرق الأوسط
стр. 8127
Israel's Economic project for the Middle East
يتميَّز كتاب شيمون بيريز الشرق الأوسط الجديد الذي صدر في أواخر عام ١٩٩٣ بعد توقيع إعلان المبادئ (غزة ـ أريحا) بأنه يمثل وجهة نظر رسمية، وقد قدَّم فيه ملخصاً لما جاء في هذا الكتاب في خطابه أمام الأمم المتحدة (٢٨ سبتمبر ١٩٩٣) ، بصفته ممثلاً لحكومة إسرائيل. وما طرحه شيمون بيريز لم يكن موجَّهاً إلى حكام العرب ومثقفيهم وحسب، ولكنه موجَّه كذلك إلى الرأي العام الغربي وإلى الصهاينة. فهناك بالفعل تغيُّر في المفاهيم وأشكال العمل تدعو لها حكومة إسرائيل، ويجب أن يدركها الجميع. لابد من ترشيد استخدام القوة وفقاً لما طرأ عالمياً وإقليمياً وداخل إسرائيل.
وقد لخص بيريز تحليله لهذه المتغيرات في: الصحوة الإسلامية، وظهور الصواريخ، والقذائف النووية والكيميائية:
١ ـ بالنسبة للنهضة الإسلامية، يُحذِّر بيريز من الخطر الذي تمثله على إسرائيل وعلى العالم كله! فيقول: "إننا نشهد الآن نهضة إسلامية، وهي تتميَّز حالياً بمعارضة قيم الغرب وحضارته، وبالتراجع عن الحياة الحديثة، وبدعوة لاستخدام القوة لإقامة جمهورية إسلامية أتوقراطية ومستبدة". ثم يضيف: "إن الحركة الإسلامية تتلقى توجيهات وأمولاً من الخارج ... إن خطرها يمتد من مصر والسودان إلى تركيا وجمهوريات آسيا الوسطى".
وهو يطلب من أنظمة الحكم العربية أن تقف مع إسرائيل في هذه الحرب ضد الصحوة الإسلامية، على أساس أن عداء هذه الصحوة لأنظمة الحكم أكبر من عدائها لإسرائيل. وما دام الاثنان يهددهما الخطر نفسه، إذن لابد من تعاونهما. وهو حين يتكلم عن خطورة الدول الإسلامية المجاهدة والمعادية لإسرائيل، نراه يضع إيران إلى جانب العراق وليبيا في سلة واحدة. والتهديد الذي تواجهه إسرائيل يصبح وخيماً ـ كما يقول ـ إذا تمكنت إحدى هذه الدول من امتلاك قوة نووية.
стр. 8128
إن الصحوة الإسلامية ـ حسب تصوُّره ـ تهدِّد السلام والاستقرار في كل المنطقة. فبعد تحطيم الشيوعية ـ كما يقول ـ بقي الإسلام وحده يروِّج لمبدأ "الغاية تبرر الوسيلة". فمن أجل إنجاز هدفه الثوري في إقامة مملكة الله، يجوز للفرد أن يرشو أو يسرق أو يقتل (!) ولكنه يختم كلامه هذا بقولة: "إن الإسلام يضمن لمقاتليه الجنة. فيندفعون للتضحية بحياتهم في هذه الدنيا طمعاً في ثواب الآخرة".
٢ ـ بالنسبة للصواريخ والأسلحة غير التقليدية، يقول بيريز: "إن الإستراتيجية العسكرية التقليدية قامت على ثلاثة أبعاد: الوقت ـ المساحة ـ كمية السلاح. ولكن التكنولوجيا العسكرية الحديثة هزت كل هذه العناصر، فما أهمية الوقت اللازم للاستعداد إذا كان الصاروخ أرض ـ أرض ينطلق من واشنطن إلى موسكو فيما لا يزيد عن ست دقائق؟ وما قيمة الموانع الطبيعية (جبالاً أو أنهاراً أو صحاري) إذا كانت الصواريخ تتجاوز كل هذا نحو أهدافها المحددة؟ ما الميزة التي يعطيها في هذه الحالة امتلاك مئات من الدبابات أو المدافع أو الطائرات؟ ".
إن هذه المتغيرات تتطلب تعديلاً في المفاهيم الإستراتيجية لدى إسرائيل. من ذلك مثلاً ـ كما يقول بيريز ـ أن يُقللوا قيمة المناطق المحتلة [وإن كان هذا لا يعني الانسحاب منها!] . وإذا كانت التكنولوجيا العسكرية ذات تكلفة مالية تتسم بالارتفاع الشديد، والقدرة التدميرية المهولة، فلابد من تجنُّب هذا حتى لو كانت النتيجة النهائية نصراً في الميدان. ويجب أن يضمن ذلك برنامج لنزع السلاح، وبخاصة الأسلحة غير التقليدية.
стр. 8129
وتقضي الترتيبات الإسرائيلية، في هذا الصدد، بإقامة مراكز للإنذار المبكر ترسل تقاريرها إلى إسرائيل عند أيِّ تحرك مشبوه (كما في سيناء) . وإضافة إلى هذا لابد من رقابة منظمة من خلال بعثات تفتيشية ومن خلال الأقمار الصناعية، وتشمل الرقابة مراكز الأبحاث والتطوير التكنولوجي، وأخيراً لابد من إنشاء تشكيلات عسكرية قادرة على الرد المباشر في حالة أيِّ عدوان. [أي إذا زاد الظلم على بلد عربي وأراد أن يدافع عن نفسه، تصدت له إسرائيل وحلفاؤها من الدول العربية الأخرى!] . وبيريز يؤكد هذا في حالة ما إذا ثبت أن إحدى الدول تسعى للحصول على أسلحة غير تقليدية، فإذا كان مطلوباً أن يُقام نظام دولي للدفاع ضد هذا الخطر "لأن الحركة الإسلامية لها مخططات تهدد كل أنحاء الأرض! "، فأهم من هذا أن ينشأ تحالف إقليمي سياسي له سلطة التصرف والضرب "فهذا وحده الذي يضمن إنقاذ الشرق الأوسط من اللقاء المميت بين القوة النووية والإسلام! ".
ولم يذكر بيريز أية كلمة عن الأسلحة النووية الإسرائيلية، أو عن خفض أسلحتهم التقليدية، بل قال إن كل شيء في هذا المجال سيبقى على حاله، وكل الدراسات الإسرائيلية تؤكد هذا على أية حال.
رغم كل هذا يرى بيريز أن المستقبل مقلق وغير مضمون إذا لم تنتهز إسرائيل اللحظة الحالية، التي تحتكر فيها التفوق العسكري وامتلاك أسلحة الدمار الشامل، وإذا لم تنتهز فرصة وجود أنظمة حكم عميلة أو متعاونة. إذا كان المطلوب فرض الاستسلام على العدو، فإن شن حرب شاملة تحقِّق هذا الغرض الآن مستحيل، وبالتالي فإن الحرب تعني مجرد سقوط ضحايا بدون مقابل. والحل أن يُستفاد من التفوق العسكري الحالي في التخويف، وفي تحقيق السيطرة وإجهاض الصحوة الإسلامية بغير قتال ساخن، وبالتعاون مع النظم العربية الحليفة.
стр. 8130
في هذا الإطار قدَّم بيريز ملامح «الشرق الأوسط الجديد» ، فرسم في الكتاب صورة وردية تبيِّض وجه الحكام الذين يقبلون التعاون مع الصهاينة لتدمير قدراتنا الدفاعية ولحرب الإسلام.
ويتحدث بيريز في سبعة فصول عن:
ـ المشاريع المشتركة في المياه: عن إعادة توزيعها وحُسن استثمارها (بفضل الخبرة الصهيونية) .
ـ الزراعة، والتفوق التكنولوجي الساحق لإسرائيل في هذا المجال. وأشاد بالمشروعات المشتركة الناجحة مع مصر. وقال إن العرب ينبغي ألا يحرموا أنفسهم من نعمة التعاون الزراعي مع إسرائيل حتى تتم التسويات السياسية.
ومعروف أن التفوق التكنولوجي الإسرائيلي الساحق في مجال الزراعة أسطورة سخيفة، ولكن حتى لو كان هذا صحيحاً يظل السؤال مشروعاً ومن وجهة النظر الاقتصادية البحتة: أيهما أجدى وأيسر بالنسبة لنا أن نتعاون لتأمين الغذاء المصري والعربي مع السودان والعراق، أم مع إسرائيل؟
ـ السكك الحديدية والطرق والمطارات والموانئ (وإقامة مناطق حرة حول هذه الموانئ) . وقد أفاض المسئول الإسرائيلي في شرح الرواج والتقدم الاقتصادي الذي يترتب على هذه المشروعات. ولكن يُلاحَظ أن كل المشروعات التي اقترحها في هذا الشأن تجعل إسرائيل عاصمة الشرق الأوسط، وكل مشروعات الطرق والمطارات والموانئ التي لا تحقق هذا، أي تلك التي تربط البلاد العربية بعضها ببعض، أو تربطها بالخارج مباشرةً دون مرور على إسرائيل، كل البنى التحتية التي من هذا القبيل أُسقطت من الحساب والإعداد.
وإضافة إلى هذا اقترح بيريز أن تُقام مؤسسات إقليمية (تحتل إسرائيل فيها الصدارة) لتتولى إدارة المطارات والموانئ والطرق المقترحة، أي أن هذه المشروعات الحيوية ستنتزع السيطرة عليها من قبَل الدول العربية! وهو لم يُدخل مصر على أية حال في سلسلة المشروعات هذه، لمجرد تأكيد عزلها عما يجري في دول المشرق.
стр. 8131
ـ بقيت السياحة، ويقول بيريز عنها إنها ستجلب الرخاء العظيم في زعمه، وهو يطلب من أجلها فتح الحدود بلا ضوابط، ويطالب بتنظيم إقليمي لحركتها، يجلب السياح ويحدد حصص الدول المختلفة منهم، وإذا كان هذا التنظيم خاضعاً لهم، فإنهم يضمنون لأنفسهم طبعاً نصيب الأسد، إضافة إلى أنهم يتحكمون في أرزاق الأطراف الأخرى حسبما يرون.
ولم ينس الكتاب طبعاً أن يُبشِّر بأن التمويل جاهز لكل المشروعات التي اقترحها بفضل الوساطة الإسرائيلية، فبيريز نفسه ـ كما يقول ـ حصل على وعود بمساعدات كبيرة من الجماعة الأوربية واليابان ومن البنك الدولي، إضافة إلى الشركات الدولية العملاقة التي ستندفع للاستثمار في مشروع «الشرق الأوسط الجديد» ، وكل الأموال والخبرات تأتي عبر القنوات الإسرائيلية.
وثمة أسئلة ونقاط كثيرة التزم بيريز الصمت تجاهها نذكر منها ما يلي:
١ ـ لم يشر بيريز إلى قطاع الصناعة وهو يتكلم عن «الشرق الأوسط الجديد» ؟ فهل يكتمل حديث عن مستقبل المنطقة وعن تكاملها بدون شرح دور الصناعة؟ وإذا لم يكن إهمال الصناعة على سبيل السهو والخطأ، فهل هناك سبب آخر إلا الخوف من انكشاف الصورة البشعة التي تكتب عنها الدراسات الإسرائيلية الأخرى؟ هل هناك سبب إلا أن الحكومة الإسرائيلية لا ترىد أن تعترف رسمياً بأنها تستهدف تقسيماً للعمل يفرض التخلف التكنولوجي على العرب ويجعل الصناعات الجديدة حكراً على إسرائيل، فتتبدَّد الأحلام الوردية التي أراد بيريز أن يبيعها؟
стр. 8132
٢ ـ لم يشر بيريز بكلمة إلى "المتطرفين الصهاينة". لقد هاجم الإسلام "والأصولية الإسلامية"، باعتبارها إرهابية تنشر الخرافة وتعادي العلم، وإذا كان بقوله هذا يبدو علمانياً يخاطب العلمانيين العرب، فهل لم يجد شيئاً مما يهاجمنا به قائماً بين قومه؟ وإذا كان لا يعترف بضلال العقائد الفاسدة التي تسود التجمُّعات الصهيونية، ألا يقضي هذا على أية مصداقية لحديثه عن «الشرق الأوسط الجديد» الخالي من الأحقاد والصراع؟
٣ ـ ثمة تخطيط واضح لتفكيك الأمة العربية. لقد كشف بيريز في هذا الكتاب (الذي هو تقرير رسمي من الحكومة الإسرائيلية) أنهم توصلوا إلى اتفاق مع الجماعة الأوربية يفصل دول المغرب العربي عن دول المشرق، فتلحق المجموعة الأولى بأوربا، بينما تكون يد إسرائيل هي العليا بين دول المشرق. وفضلاً عن هذا فإن المشروع الإسرائيلي يستبعد من جنته ليبيا والسودان والعراق، ولبنان أيضاً إذا لم تتخلص من علاقتها الخاصة مع سوريا.
стр. 8133
٤ ـ يعترف صاحب نظرية السوق الشرق أوسطية بأن فلسطين قلب الصراع العربي الإسرائيلي، ولا يمكن كسب العرب إلى مشروع المستقبل إذا لم يحدث حل مُرض لقضية الفلسطينيين. وهو يرى ـ كما أوضحنا ـ أن التغيير في وسائل القتال قلَّل أهمية استمرار الاحتلال التقليدي للضفة الغربية من أجل تأمين إسرائيل. وبالإضافة إلى ذلك فإن قطاع غزة بوضعه الحالي مركز دائم للثورة، ويقول بيريز إننا لا يمكن أن نفعل في غزة ما سبق أن فعله شمشون حين حطَّم معبدها فوق رأسه ورأس من فيه. ولكن هل خرج الصهاينة من ذلك كله بضرورة الانسحاب وإقامة دولة؟ كلا، فالمستوطنات المسلحة يستحيل تصفيتها ـ كما يقول بيريز ـ وإلا قامت حرب أهلية داخل إسرائيل. وإذا كانت هذه المستوطنات تجعل ما بقي من أرض للعرب أشبه بالجزر المنعزلة عن بعضها البعض، وإذا كانت السيطرة على هذه الجزر تظل في يد إسرائيل تحت قناع إدارة الحكم الذاتي الفلسطينية، فإن بيريز يضيف الحدود "المطاطية الطرية" لأي كيان فلسطيني، ولذا لا معنى لتعيين حدود ثابتة مع الأردن أو مع إسرائيل، تقيد الدخول أو الخروج إلى المناطق العربية فيما بقي من غزة والضفة الغربية.
باختصار، إنهم يرون علاج المشكلة الفلسطينية (التي هي قلب الصراع) من خلال تصفيتها عملياً، وليس من خلال إيجاد أيِّ تنازل معقول فيها. ومع ذلك، فحتى هذه الأفكار الغريبة التي أوردها بيريز تعتبر عظيمة بالنسبة لما يجري الآن، فغني عن البيان أن اتفاق غزة أريحا أثار السخرية المرة، وكان يقل كثيراً عما كتبه بيريز. ومع ذلك، فحتى هذا الاتفاق لم يكن ينفذ حين كان بيريز يتحدث عن ضرورة الانطلاق نحو «الشرق الأوسط الجديد» باعتبار أن المشكلة الجوهرية (المشكلة الفلسطينية) قد حُلت فعلاً!
стр. 8134
٥ ـ ومشروع بيريز للشرق الأوسط الجديد يُركِّز في مرحلته الأولى على محور إسرائيل ـ الأردن ـ وما بقي من فلسطين. وقد نص اتفاق غزة ـ أريحا على هذا الأمر بصراحة. وبيريز وصف هذا المحور بأنه مثل مجموعة "بينولوكس"، أي مجموعة بلجيكا ـ هولندا ـ لوكسمبورج.
ولكن العلاقة الحميمة بين دول بينولوكس قائمة على الندية، فهل هناك أيّ قدر من الندية بين إسرائيل وبين الطرفين العربيين الآخرين؟ ألا تقوم العلاقة الخاصة التي تدعو لها إسرائيل على أساس الاحتلال العسكري والسيطرة؟ هل يملك الفلسطينيون بعد "خبزهم وعجنهم" وتهشيم مؤسساتهم أن يبدوا أي اعتراض على قرار إسرائيلي؟
٦ ـ ثم أين البترول في مخطط «الشرق الأوسط الجديد» ؟ يلفت النظر أن الكتاب لم يكد يذكر البترول. وحتى الفصل الذي تكلَّم عن أهمية الشرق الأوسط التاريخية لم تُذكَر فيه الأهمية الإستراتيجية المعاصرة للبترول العربي الإسلامي. وهذا التجاهل المتعمد قد يقصد رفع الحرج عن دول الخليج صاحبة العلاقة الوثيقة مع الترتيبات التي كانت مقدَّمة للشرق الأوسط الجديد، ولكن التجاهل لا ينفي بالقطع أن الدور الإسرائيلي في حماية المصالح الأمريكية البترولية جزء لا يتجزأ من ترتيبات «الشرق الأوسط الجديد» ، وهو لا ينفي كذلك تخطيط الصهاينة لكي يتولوا إدارة أموال النفط.
стр. 8135
٧ ـ ويجرنا هذا إلى الملاحظة الجوهرية حول علاقة الترتيبات الحالية بهدف تحقيق الهيمنة الصهيونية على المنطقة (إسرائيل الكبرى) . كيف عالج بيريز هذه القضية؟ في أكثر من موضع قال بيريز: إن إسرائيل كانت دائماً ضد التوسع واحتلال أراضي الغير. والعلاقات الاقتصادية إذا لم تقم على التكافؤ فإن مصيرها الدمار. وأنقل هنا ما قاله أمام الأمم المتحدة (سبتمبر ١٩٩٣) : "أعلم أن هناك شكاً في أن الإشارة إلى سوق مشتركة في الشرق الأوسط، وإعلان إسهام إسرائيل فيها، قد يعني محاولة للحصول على مزايا أو فرض سيطرة. وأود أن أقول بكل إخلاص وبأعلى صوت إننا لم نتخل عن احتلال الأراضي لكي نمارس سيطرة اقتصادية. وقد أقول ـ باعتباري يهودياً ـ إن فضيلة تاريخنا ـ منذ عصر إبراهيم ووصايا موسى ـ قامت على معارضة متصلة عنيدة لأي احتلال، ولأية سيطرة أو تفرقة عنصرية".
وأرجو ألا يندهش القارئ، فقد كتب بيريز أيضاً في كتابه "أن إسرائيل لم تبدأ في تاريخها أية مواجهات عسكرية. إن مصر وسوريا ولبنان والأردن ـ وحتى العراق التي لا توجد لها حدود مشتركة مع إسرائيل ـ هي التي أعلنت علينا الحرب، وكان هذا هو السبب الأوحد والحقيقي لكل حروبنا الرهيبة".
هل كانت حروبنا نحن ضد الغزو الصهيوني المسلح لفلسطين دفاعاً عن النفس أو هجوماً؟ وهل كان الغزو الصهيوني لسيناء عام ١٩٥٦ حرباً دفاعية أو سعياً عدوانياً للتوسع في أرض مصر؟ وهل كانت حرب ١٩٦٧ توسعاً صهيونياً في أرض العرب أو ماذا؟ وهل كانت حرب ١٩٧٣ من أجل فلسطين وحدها أو دفاعاً في الأساس عن الأراضي المحتلة في مصر وسوريا؟
стр. 8136
على أية حال، قد تكون مقاصد الصهاينة حول الشرق الأوسط الجديد أكثر وضوحاً إذا اعتبرنا الترتيبات الخاصة مع الأرض والكيان الفلسطيني الهلامي نموذجاً لعلاقات المستقبل. ويمكن أن نكتفي هنا بقصة القناة بين البحرين الأبيض والميت. هذه القناة تؤدي إلى تبوير مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية على ضفتي نهر الأردن، الأمر الذي قد يهدد المنشآت الصناعية العربية في تلك المواقع، كما يؤدي إلى خفض نسبة المعادن في البحر الميت، ويؤثر على استخراج الملح منه وعلى مشاريع أردنية حيوية مثل استخراج البوتاس والنحاس والكبريت. وإلى جانب هذا فإن زيادة ضخ الماء من المتوسط (الأعلى سطحاً) إلى الميت (الأقل منسوباً) ستؤدي إلى زيادة الضغط على قاعه، وهو ما يسميه الجيولوجيون «الضغط العمودي» . ويعني هذا خلخلة ديناميكية ربما ولَّدت هزات أو انكسارات أرضية أو انفجارات بركانية، حيث يقع البحر الميت في منطقة قشرتها الأرضية مضغوطة وتُسمَّى «الأخدود الانهدامي الكبير» .
ومعروف أن إسرائيل حاولت في الماضي أن تستفيد من احتلالها الضفة الغربية لكي تشرع في تنفيذ مشروعها، فتصدت لها الجامعة العربية والوفود العربية في الأمم المتحدة حتى طالبت الجمعية العامة بالتوقف فوراً عن تنفيذ المشروع، لأنه إذا اكتمل سيُلحق بحقوق الشعب الفلسطيني والأردني ومصالحهما الحيوية المشروعة أضراراً مباشرة لا سبيل إلى إصلاحها. وفي الأعوام ١٩٨٢ و١٩٨٣ و١٩٨٤ اتخذت الجمعية العامة الموقف نفسه.
ثم فجأة صدر اتفاق غزة ـ أريحا، ونص في الملحق الرابع على إنشاء قناة البحر الأبيض (غزة) ، البحر الميت. رغم كل ما رآه في السابق الخبراء العرب وصدقته الجمعية العامة للأمم المتحدة. هل كان ممكناً أن ينص الاتفاق على هذا المشروع لو كانت العلاقة ندية بين إسرائيل والأردن والفلسطينيين؟ أو إذا كانت القرارات تصدر بالتراضي لتحقيق المصالح المشتركة؟
стр. 8137
هذا مثال محدد وصارخ لمدى تحكُّم إسرائيل في المشروعات والترتيبات وفقاً لما يحقق مصالحها. أضف إليه ما أشرنا إليه سالفاً في حديثنا عن احتكارها القوة العسكرية، ومشروعاتها في المرافق التحتية وفي الزراعة والري والسياحة (ودعك من الصناعة) لنرى مدى الكذب في حديث بيريز عن أن اليهود يرفضون العدوان والسيطرة على مقدرات الغير كموقف تقليدي.
٨ ـ والتساؤل الأخير: أين أمريكا؟ لقد أخفى بيريز تماماً طبيعة الدور الأمريكي في الترتيبات، ولم يذكر بكلمة هدف التحالف الإستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل في هذه المرحلة. وحتى حين تكلَّم عن المساعدات المتوقعة من دول العالم المختلفة لم يأت ذكر أمريكا وإسهامها. وواقع الحال أن بيريز أراد أن يجمل مشروعه بحيث يبدو كل ما يجري مجرد ترتيبات صادرة بإرادة محلية ومن دول المنطقة دون دعم مباشر من قوة كبرى خارجية، ولكن هذا الادعاء لا أساس له من الصحة، فالولايات المتحدة هي دولة الوصاية التي تفرض سلطانها وقراراتها على ما يُسمَّى «سوق الشرق الأوسط» .
стр. 8138
الباب الثالث: النظام السياسي الإسرائيلي
النظام السياسي الإسرائيلي
Israeli Political System
يدَّعي الصهاينة أن نظامهم السياسي نظام ديموقراطي برلماني مبني على تعدُّد الأحزاب وأنه النظام الديموقراطي الوحيد في المنطقة. وكما قال إيهود باراك أثناء زيارته للولايات المتحدة عام ١٩٩٦ "إن إسرائيل واحة الديموقراطية في أحراش الشرق الأوسط"، وكما قال بنيامين نتنياهو "نحن نعيش في حي متخلف فظ" (بالإنجليزية: رف نيبر هود rough neighbourhood) " وهي عبارة في الخطاب اليومي الأمريكي تشير عادةً إلى أحياء الزنوج التي تتسم بوجود معدلات جريمة وتفكك اجتماعي عالية. ولكن الشكل الديموقراطي للدولة والتعددية الحزبية إن هو إلا مجرد شكل بلا مضمون، فالديموقراطية الإسرائيلية تستبعد العرب، شأنها في هذا شأن "الديموقراطيات الاستيطانية" الأخرى في الجزائر أو جنوب أفريقيا. بل إن الديموقراطية إن هي إلا آلية من آليات الاستيطان تُستخدَم من أجل ترغيب المهاجرين وتأطيرهم واستيعابهم ضمن آلية عمل النظام. أما مسألة التمثيل النسبي فهي ضرورية لتركيز القوة في يد الأحزاب الكبيرة ثم لتمثيل القوى السياسية لضمان استمرار العمل في الإطار الصهيوني. كما يُستخدَم غياب الدستور في دعم المخططات التوسعية للدولة واستيعاب جميع الطوائف والانقسامات بين الجماعات اليهودية، علاوة على تكريس العنصرية ضد العرب.
ولذا بدلاً من الحديث عن «النظام السياسي الإسرائيلي» باعتباره "نظاماً ديموقراطياً"، من الأجدى البحث عن أساس تصنيفي له مقدرة تفسيرية أعلى. ولذا سنشير لهذا النظام باعتباره "نظاماً سياسياً استيطانياً" تشكلت خصائصه تحت ضغط متطلبات الاستيطان في بيئة معادية (مثل الأمن وتأمين الهجرة والاستيطان والاستيعاب) ، أي أن الطبيعة الاستيطانية للتجمُّع الصهيوني هي المحدد الأساسي لكل التكوينات الاجتماعية والسياسية ولاتجاه التفاعلات والعلاقات الخارجية والداخلية.
стр. 8139
ولعل أكثر ما يميِّز النظام السياسي الإسرائيلي هو المركزية القومية رغم الشكل الديموقراطي البرلماني، فالنظام السياسي وضع قيوداً على الديموقراطية وحدد قواعد اللعبة الديموقراطية التي لا يمكن تجاوزها، وذلك من حيث أساليب التنافس السياسي وموضوعات النقاش والفئات التي يُسمَح لها بأن تشارك فيه.
وقد ركزت الحكومة المركزية في إسرائيل مصادر القوة في أيديها فاستولت على موارد اقتصادية هائلة متمثلة في تدفقات الأموال من الخارج، سواء من الحكومات الغربية أو تبرعات الدياسبورا، كما استولت على ممتلكات الفلسطينيين، وقننت الاستيلاء على أراضيهم. وتمتلك الدولة ٩٤% من الأراضي الفلسطينية وجميع الثروات الطبيعية، وأقامت الدولة الاستيطانية نظاماً اقتصادياً مركزياً واقتصاداً مختلطاً يقوم على ثلاث قطاعات هي الحكومي والهستدروتي والخاص، وتقوم الدولة بتمويل المشاريع الاقتصادية بصورة مباشرة. وتفرض الدولة سيطرتها على وسائل الإعلام والنظام التعليمي، ويخضع نظام التعليم لسيطرتها.
وتَبرُز خصائص النظام الاستيطاني في عناصر أخرى مثل الازدواجية في علاقة النظام بالسكان حيث الانفصام الداخلي بين العلاقة مع المستوطنين والعلاقة مع السكان الأصليين. وإذا كانت العنصرية تُمارَس بشكل غير قانوني في كل المجتمعات البشرية، فالمجتمعات الاستيطانية تقنن للعنصرية وتجعلها إطاراً مرجعياً، لأن المساواة تهدد وجود النظام الاستيطاني. ولذا نجد أن مقولة «يهودي» مقولة قانونية في النظام السياسي والاجتماعي الإسرائيلي، والأرض ملكية خالصة للشعب "اليهودي"، وقانون "العودة" يسمح "لليهود" وحدهم بالعودة، وهكذا.
стр. 8140
ويتسم النظام السياسي الإسرائيلي بالاعتماد المتزايد على الراعي الإمبريالي، أي الولايات المتحدة، وهو ما يسلبه حرية القرار وكثيراً من السيادة. ومن السمات الأخرى للنظام السياسي ازدواجية المؤسسات وتعدُّد الأدوار، حيث المهام المشتركة بين العديد من أجهزة النظام وإدارته مثل الوزارات والأحزاب ودوائر المنظمة الصهيونية العالمية كدوائر الهجرة والاستيعاب والشباب والتعليم، حيث تعالج جميع مؤسسات الدولة نفس القضايا الثلاث التي تواجه المجتمع وهي: الهجرة والاستيطان والأمن.
ومن الجدير بالذكر أن مؤسسات هذا النظام لم تكن سوى مؤسسات استيطانية تابعة للوكالة اليهودية قبل عام ١٩٤٨ ثم تم تغيير أسمائها عام ١٩٤٨. "فالجمعية المنتخبة" تحولت إلى "مجلس الدولة المؤقت" ثم أصبحت "الكنيست" عام ١٩٤٩. و"اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية" تحولت إلى "الحكومة المؤقتة" عام ١٩٤٨ ثم إلى "مجلس الوزراء"، وتحولت "الهاجاناه" إلى "جيش الدفاع الإسرائيلي". وبعد إعلان الدولة تسلمت كل وظائف الوكالة اليهودية وأدوارها ووضعت الحد بينهما، ثم تم تحديد نشاط الوكالة بواسطة قانون الوضع الخاص للوكالة اليهودية، وذلك لتحقيق استقلال الدولة عن الحركة الصهيونية العالمية وتمييزها عن المؤسسات المحلية وبخاصة الهستدروت. ونجحت الدولة الصهيونية، تحت قيادة بن جوريون، في السيطرة على المؤسسات الرئيسية مثل التنظيمات العسكرية ومكاتب العمل، وممتلكات اللاجئين الفلسطينيين، وكذلك في السيطرة على جهاز التعليم واحتكار توزيع الموارد المالية التي تدفقت من الخارج.
стр. 8141
ويمكن القول بأن قوة الدولة في النظام السياسي الإسرائيلي تمثلت في قوة السلطة التنفيذية، وأن الدولة وضعت نفسها فوق المجتمع وكانت إلى حدٍّ كبير بعيدة عنه. فمنعت الدولة أيَّ نوع من المبادرات المحلية الجماعية أو الفردية السياسية أو الاقتصادية، فهي التي تخطط وتنفذ، وهي التي تحدد مهمات الفئات والمؤسسات والأفراد. وبناءً على سعي الدولة لاستيعاب الهجرة وتوطين المهاجرين، رفضت الاعتراف بشرعية التنظيم والاجتماع على أساس طبقي أو عرْقي إثني أو على أساس قومي حيث يتم إفشال تلك المحاولات بكل الوسائل الممكنة. وقد سيطرت على الدولة النخبة الإشكنازية من مهاجري أوربا وتحكمت في معايير توزيع الموارد وتحديد الأهداف السياسية والاقتصادية باعتبار أنها أهداف وقيم إسرائيلية عامة. وكان لزاماً على المهاجرين الجدد وخصوصاً السفارد، التكيف مع ذلك الواقع، وكان التبرير الدائم لهذا الوضع تبريراً أمنياً بسبب حتمية الصراع السياسي العسكري مع الدول العربية.
ويقوم نظام الحكم في إسرائيل على ثلاثة أعمدة هي رئيس الدولة والسلطة التشريعية (الكنيست) ، والسلطة التنفيذية. وسلطات رئيس الدولة محدودة، إذ ليست له سلطات تنفيذية وليس له الحق في حضور اجتماعات مجلس الوزراء ولا في الاعتراض على التشريعات التي يصدرها الكنيست، ولا يحق له مغادرة إسرائيل دون موافقة الحكومة. ومدة الرئاسة هي خمس سنوات يجوز تجديدها مرة واحدة، ولا يحق له حل الكنيست أو إقالة الحكومة.
стр. 8142
أما السلطة التنفيذية، ممثلة في مجلس الوزراء، فهي الجهة المخولة لتسيير شئون الدولة، واتخاذ القرارات المباشرة فيما يخص الشئون الداخلية والخارجية السياسية والاقتصادية والعسكرية، فالحكومة هي التي تصدر قرار الحرب. ورغم خضوع الحكومة نظرياً للكنيست، فإنها واقعياً هي التي تسيطر أو تملك قوة القرار لأن الحكومة هي التي تملك أغلبية برلمانية تمتلك اتخاذ قراراتها. ورئيس الوزراء يتمتع بمكانة تفوق ما يتمتع به رؤساء الحكومات في الدول الأخرى. ولعل القانون الأخير الذي تمت بموجبه انتخابات عام ١٩٩٦ يمثل زيادة أخرى في قوة رئيس الوزراء حيث يتم انتخابه مباشرةً، وهو ما يجعل خلعه من منصبه مهمة مستحيلة إلا بعد إجراء انتخابات عامة جديدة، أو موافقة ثلثي أعضاء الكنيست على خلعه، وهو نصاب من الصعب جداً أن تلتقي عليه الأحزاب الممثلة في الكنيست. ومن هنا يمكن اعتبار النظام في الكيان الصهيوني نظاماً يقترب من الديكتاتورية حتى في علاقته بالمستوطنين، يحكمه زعيم الحزب صاحب الأغلبية الذي هو رئيس الحكومة بشكل آلي في ظل القانون الجديد بعد أن ينتخبه الشعب، ويُعرف الحكم باستمرار باسم رئيس الحكومة.
ويتبع مكتب رئيس الوزراء مكتب خدمات الأمن الذي تتمثل فيه فروع الاستخبارات الرئيسية المدنية والعسكرية ويرأسه رئيس الموساد الذي يقدم تقاريره إلى رئيس الحكومة مباشرةً. والوزارات الصهيونية الأساسية هي الدفاع والمالية والخارجية. وخلافاً للدول الأخرى توجد وزارة للهجرة والاستيعاب مستحدثة منذ عام ١٩٦٨ انسجاماً مع الدور الاستيطاني للدولة، إضافة إلى قيام وزارات أخرى مثل الإسكان والدفاع تضطلع بتلك الأدوار الاستيطانية.
стр. 8143
وفي الواقع فإن قلة من الوزراء تشارك في صنع القرار وهم من يسمون وزراء "الصفوة" أو "مجلس الوزراء المصغر"، وهم في العادة وزراء الدفاع والمالية والخارجية إضافة إلى رئيس الوزراء. ويوجد في الحكومة العديد من الوزراء بلا حقائب لإرضاء الأحزاب الصغيرة.
ومن أهم خصائص النظام السياسي في إسرائيل أنها دولة بدون دستور، وذلك يعود إلى عام ١٩٤٨ والخلاف الذي نشب بين المعارضين والمؤيدين لوضع دستور للدولة. فرغم أن وثيقة قيام الدولة حددت موعد مطلع أكتوبر من عام ١٩٤٨ كموعد أقصى لوضع الدستور، فإن ذلك لم يحدث. وقد رأى مؤيدو وضع الدستور أن الدستور الدائم يعطي الكيان صفة الدولة العادية والطبيعية ويدعم استقرار نظامها السياسي، ويحول دون اغتصاب السلطة. أما معارضو الدستور فقد تراوحوا بين من يعتبر الشريعة اليهودية دستور إسرائيل الدائم مثل حزب أجودات يسرائيل، وبين من كانوا يرون الدستور قيداً على حركتهم السياسية وتطلعاتهم المستقبلية مثل بن جوريون الذي صرح بأن الدستور يجب ألا يوضع قبل هجرة من تبقَّى من يهود العالم وقبل أن تأخذ إسرائيل وضعها النهائي. وقد انتهت العاصفة في ١٣ يناير ١٩٥٠ بقرار الكنيست أنه "يجب أن يكون لإسرائيل دستور مكتوب يوضع فيما بعد"، وهو ما يعني تأجيل المسألة إلى أجل غير مسمى. وعدم وضع دستور للكيان الصهيوني أكثر ملاءمة للقادة الصهاينة إذ يتيح لهم استصدار ما يناسبهم من قرارات، وتكييف القوانين باستمرار حسب حاجاتهم وحاجات الكيان الصهيوني بواسطة الكنيست الذي يتمتعون فيه بالأغلبية، وبالتالي يتفادون المشاكل التي تتعلق بهوية الدولة والانقسامات الداخلية المتناقضة.
стр. 8144
أما بالنسبة للجيش والمؤسسات العسكرية فهي تلعب دوراً غير عادي في حياة الكيان الصهيوني من خلال تسخير كل النشاطات الأخرى في هذا الكيان لخدمة هذه المؤسسة، بسبب الطبيعة الاستيطانية والدور الوظيفي للدولة الصهيونية (انظر: «المؤسسة العسكرية الإسرائيلية وعسكرة المجتمع الإسرائيلي» ) .
الديموقراطية الإسرائيلية
Israeli Democracy
النظام السياسي الإسرائيلي نظام عنصري قائم على التفرقة والتمييز بين السكان، وهو نظام نخبوي يقوم على سيطرة نخبة معينة على عملية صنع القرار، وهذه خصائص مميِّزة للنظم الاستيطانية. ولكن مؤسسات هذا النظام وشكل عملها اعتمدت على الديموقراطية الشكلية بغية توظيفها في إغراء اليهود من جميع أنحاء العالم للهجرة إلى هذا الكيان، وبخاصة يهود الغرب الذين يعيشون في ظل نظم ليبرالية، وفي خداع الرأي العام العالمي لكسب شرعية دولية. وقد تم تحويل المؤسسات المقامة على أساس استعماري استيطاني قبل قيام الدولة إلى مؤسسات دولة ذات شكل ديموقراطي، بينما ظل محتوى هذه المؤسسات ثابتاً من حيث الشخصيات المكونة لها. وقد خدمت صياغة مؤسسات النظام في شكل ديموقراطي عملية تأطير المهاجرين واستيعابهم ضمن آلية عمل هذا النظام دون إحداث خلل رئيسي في اتجاهاته.
ولعل غياب دستور مكتوب يشير إلى نقائص وعيوب هيكلية في الديموقراطية الإسرائيلية، ولا تصح بالتالي المقارنة الشكلية بين النظام البريطاني والنظام الإسرائيلي في هذه الجزئية. فالنظام البريطاني له تقاليد راسخة في عملية الممارسة الديموقراطية تمتد إلى قرون عديدة على عكس النظام الإسرائيلي.
стр. 8145
ويعود عدم إقرار دستور مكتوب إلى ما سيؤدي إليه من نشوب خلافات بل انقسامات بين الفريقين العلماني والديني، أو الاختلاف حول تحديد من هو اليهودي. وفي الواقع فإن عدم وجود دستور مكتوب يعطي الحكومة والكنيست حريةكبيرة في الممارسة السياسية دون قيود دستورية على حركتها، الأمر الذي يؤدي إلى بروز مراكز قوى ونخب معينة ذات صلاحيات واسعة.
وقد قامت بعض الحركات السياسية، وبخاصة من قبَل بعض القانونيين والأكاديميين، بالسعي من أجل وضع دستور للدولة، حيث إن وثيقة إعلان إسرائيل ليس لها قيمة دستورية أو قضائية ولا يمكن الاستناد إليها في المحاكم.
وتعتبر القوانين الأساسية بمنزلة المصادر شبه الدستورية. فقد وضع الكنيست هذه القوانين الأساسية التي لا يجوز تغييرها أو إبطالها إلا بأغلبية خاصة وغير عادية، بيد أنها لم تصل إلى درجة دستور الدولة،وهي لاتشمل نصاً صريحاً بأنه لا يجوز لأي قانون أن يناقضها. ومن أهم هذه القوانين: قانون الكنيست، وقانون رئيس الدولة، وقانون الأراضي، وقانون العودة الصادر عام ١٩٥٠ الذي بموجبه يكون من حق كل يهودي في العالم المجيء إلى إسرائيل والاستقرار فيها والعمل والتملك، وكذلك قانون الجنسية الصادر عام ١٩٥٢.
стр. 8146
ويمكن القول بأن الشكل الديموقراطي للنظام السياسي الإسرائيلي ليس سوى قشرة خارجية "لنظام نخبة" يعمل وفق آلية تتلاءم مع حاجات وأهداف هذه النخبة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بما يضمن استمرار إمساك هذه النخبة بكل العمليات والمؤسسات. لذلك لم يمثل هذا الشكل الديموقراطي عائقاً في سبيل مواصلة القيادة الصهيونية العمل على تحقيق أهدافها الداخلية والخارجية، ولا الانسجام مع الدور الوظيفي لهذا الكيان في خدمة الإستراتيجية الإمبريالية. فاتخاذ القرارات الرئيسية المتعلقة بأهداف الدولة الصهيونية وأمنها، مثل قرارات الحرب والسلام، تقوم به القيادة الصهيونية دون أي تأثير لمؤسسات أو أبنية ديموقراطية، إذ تحتكر تلك المهمة مجموعة محدودة وضيقة ممثلة بالأساس في رئيس الوزراء ووزراء الدفاع والداخلية والخارجية، بينما تنساق باقي المؤسسات وراء قرار القيادة.
ويُلاحَظ أن نخبة النظام في إسرائيل تسيطر على النشاط الاقتصادي والمالي، وتهيمن على المؤسسة العسكرية. ودور المؤسسة العسكرية في النظام قوي جداً، وهي تحدد سلطة وسائل الإعلام في نشر الأخبار والمعلومات المتعلقة بالجيش. ويُلاحَظ أن معظم عناصر القيادة السياسية والاقتصادية سبق لها الخدمة بالجيش، فالنظام الإسرائيلي هو نظام عسكري أيضاً ذو شكل ديموقراطي. بل يمكن القول استناداً إلى عسكرة ذلك النظام وطابعه العدواني وعنصرية ومحورية العمل الدعائي فيه، بأنه نظام إرهابي قائم على استخدام العنف غير المشروع أو التهديد باستخدامه لإيجاد حالة من الخوف والرعب بقصد تحقيق التأثير أو السيطرة على فرد أو مجموعة من الأفراد أو المجتمع أو دول مجاورة بقصد الوصول إلى هدف معين يسعى النظام الصهيوني إليه. ويكفي في ذلك الإشارة إلى التاريخ الإرهابي للنظام الصهيوني ضد المواطنين العرب واستخدام السلاح النووي في إرهاب وتخويف الدول المجاورة.
стр. 8147
وتبرز طبيعة النظام السياسي الاستيطاني في إسرائيل وفي اعتماده سياسة التمييز العنصري ضد السكان الأصليين. فالتشريع السائد في النظم الاستيطانية يتحكم في نطاق المشاركة السياسية عند المنبع، بالتحكم في الشرط الجوهري فيه والمتمثل في المُواطَنة، حيث توجد قيود رئيسية تحول بين أصحاب الأرض الأصليين من العرب وتَمتُّعهم بحق المواطنة على أراضيهم. فالشكل الديموقراطي للنظام وراءه أيديولوجية استيطانية استعمارية هي الصهيونية التي تحدد حدود الدولة على نحو لا يرتبط بالرقعة الجغرافية التي تحتلها الدولة، فتعتبرها دولة اليهود، لا دولة المواطنين المقيمين فيها. فالدولة الصهيونية أداة للتعبير عن القومية اليهودية، وهو ما يعني حرمان العرب، أصحاب الأرض الأصليين، من حقوق المواطنة. وهذا ما تكرسه التشريعات والقوانين من ذلك قانون العودة عام ١٩٥٠، وقانون الجنسية عام ١٩٥٢، والسياسة التربوية التي وضعت عام ١٩٥٣ والتي تسعى إلى "تأسيس التربية الابتدائية في دولة إسرائيل على قيم الثقافة اليهودية، واكتساب العلم، وحب الوطن، والولاء للدولة والشعب اليهودي" والسياسة المتعلقة بملكية الأرض والمبنية على استملاك اليهود للأرض وتجريد السكان الفلسطينيين من أراضيهم عبر تجميد ملكية الأراضي ومصادرة الأراضي عبر سلسلة من القوانين الجائرة لتمليكها لليهود.
ولعل من أكثر الأمثلة تبلوراً ووضوحاً على التناقض الجوهري بين ادعاءات الديموقراطية والممارسات العنصرية الاستيطانية ما يحدث في الكيبوتسات (الاشتراكية) .فلكي ينتمي المواطن الإسرائيلي لأي كيبوتس لابد أن يكون يهودياً لأن الكيبوتسات توجد على أرض مملوكة للدولة اليهودية ولذا على غير اليهودي الذي يود الانتماء لكيبوتس أن يتهود (حتى لو كان أعضاء الكيبوتس ملحدين) . وقد طورت دار الحاخامية الرئيسية وسائل "ديموقراطية" لتسهيل عملية التهود.
стр. 8148
وتبرز الممارسات العملية العديد من المؤشرات على طبيعة الدولة العنصرية منها أن المخصصات المالية الحكومية للمجالس المحلية اليهودية تتخطى خمسة أضعاف ميزانية المجالس المحلية العربية. كما أن المخصصات المالية لإعالة الأطفال وقروض الإسكان ونفقات الدراسة الجامعية ترتبط جميعها بالخدمة العسكرية المقصورة على المستوطنين الصهاينة اليهود. ودعم الحكومة لتكلفة المياه التي يستهلكها المزارعون اليهود يناهز مائة ضعف ما تمنحه للمزارعين العرب. وبينما تتاح للمهاجرين اليهود الجدد دروس جامعية بلغاتهم الأصلية، يُجْبَر الطلاب العرب على الدراسة باللغة العبرية، وبينما يبلغ عدد الأكاديميين في الجامعات الإسرائيلية نحو ٥٠٠٠ أكاديمي، فليس بينهم إلا عشرة من العرب، كما أنه لا يوجد سوى عربي واحد من مجموع ٢٤٠٠ شخص يحتلون مراكز إدارة في الشركات التي تملكها الحكومة، وذلك رغم أن العرب يمثلون ١٥.٥% من السكان طبقاً للإحصاءات الإسرائيلية. وهناك تقديرات أخرى تصل بالرقم إلى مليون عربي بنسبة ١٨%من السكان.
стр. 8149
ولعل أقل الممارسات السياسية عنصرية ضد عرب ٤٨ هو ما اقترحه أحد نواب تكتُّل الليكود في مطلع عام ١٩٩٧ عن مشروع قانون يحظر على غير اليهود ترشيح أنفسهم لمنصب رئيس الحكومة وهو ما يجد معارضة من بعض اليهود لأنه عبارة عن عنصرية علنية لن يكون في إمكان إسرائيل كدولة تهتم بشكلها الديموقراطي أن تبررها للعالم. ولا يفوتنا في هذا السياق أن نشير إلى الممارسات الإرهابية ضد المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس باتباع أساليب القتل والتعذيب حيث يجيز القانون تعذيب المعتقلين، واتباع سياسة تكسير العظام (التي دشنها إسحق رابين) لتُستخدَم ضد أطفال الانتفاضة. علاوة على ذلك هناك سياسة هدم المنازل ومعاقبة السكان بالحصار الاقتصادي ومنع الغذاء وأساليب الطرد والترانسفير مثل حالة المبعدين الفلسطينيين في مرج الزهور. ولكن سياسة التمييز العنصري غير قاصرة على العرب فقط بل تمتد إلى اليهود السفارد أيضاً.
ويمكن القول بأن القرار في إسرائيل لا تصنعه العوامل الداخلية ومكونات النظام وآليته (نخبة النظام) فقط، بل هو محكوم بشروط ارتباط هذا الكيان بالإمبريالية العالمية ومصالحها والدور المطلوب منه في إطار إستراتيجيتها على الصعيد الإقليمي والعالمي، فوظيفة الديموقراطية الإسرائيلية الشكلية من خلال لعبة الانتخابات والتعددية الحزبية، ليست سوى احتواء المستوطنين سياسياً وضبط حركاتهم واتجاهاتهم بما ينسجم مع أهداف الحركة الصهيونية، ومع متطلبات عمل الكيان الصهيوني في كل مرحلة ومع الدور الوظيفي المناط به في خدمة الإمبريالية العالمية.
النظام الحزبي الإسرائيلي
Israeli Party System
стр. 8150
تمتد جذور الأحزاب الإسرائيلية إلى ما قبل الإعلان عن قيام الدولة الصهيونية، فقد ظهرت هذه الأحزاب على شكل حركات ومجموعات صهيونية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وتنظمت في العقد الثالث بشكل أحزاب. ويمكن القول بأن الأحزاب الصهيونية قبل الإعلان عن قيام الدولة كانت أحزاباً فوقية، تميَّزت مفاهيمها ونشاطاتها بالتناقضات الكثيرة بسبب افتقارها لأرضية طبيعية تنمو عليها، فبعضها سعى إلى تحقيق «مجتمع اشتراكي» والآخر سعى إلى تحقيق «مجتمع يميني ليبرالي» ، وكفلت الحركة الصهيونية بناء «اشتراكية كولونيالية» تقوم على تغييب العنصر العربي، وعلى توظيف الديباجات الاشتراكية في تحقيق أهداف الاستعمار الاستيطاني الإحلالي.
ويمكننا النظر إلى الأحزاب الإسرائيلية على أنها مؤسسات استيطانية/استيعابية أسست الدولة وليست أحزاباً توجد داخل الدولة. أما الدولة فهي مجرد تعبير شكلي عن وضع استيطاني قائم بالفعل جوهره المؤسسات الاستيطانية التي تدعى أحزاباً. وتظهر استيطانية الأحزاب في علاقة الأعضاء بها وفي الوظائف التي تضطلع بها، فالحزب ليس مجرد انتماء أيديولوجي، بل هو أيضاً انتماء اقتصادي وسلالي. فللأحزاب مشروعات الإسكان الخاصة بها وشركات البناء والمراكز التعاونية والمستشفيات ونظام الضمان الصحي، كما أن لها بنوكها ومكاتب التسليف والتوظيف التابعة لها. ولعل هذا الوضع يفسر ارتباط الأعضاء بالأحزاب في إسرائيل، ويفسر أيضاً ظاهرة الانضباط والمركزية في الأحزاب الإسرائيلية.
وهذه الأدوار موجودة قبل تأسيس الدولة الصهيونية، عندما كانت الأحزاب تتولَّى مباشرةً جلب اليهود وتوطينهم في فلسطين وتوفير فرص عمل وأماكن سكن لهم، ورعايتهم اجتماعياً وتثقيفهم سياسياً، ودمجهم في الحياة السياسية. وهذه الأدوار مستمرة حتى الآن رغم قيام الدولة بكثير من تلك المهام.
стр. 8151
وتختلف الأحزاب السياسية الصهيونية الإسرائيلية عن نظيرتها في البلاد الأخرى، لذا سنحاول أن نصنف هذه الأحزاب بما يتفق مع واقعها وممارستها داخل إطار المجتمع الاستيطاني، مستخدمين معيارين أساسيين: الموقف من الاستيطان الصهيوني والموقف من علاقة الدين بالدولة.
١ ـ لعل استيطانية الكيان الصهيوني (والموقف من الفلسطينيين والعرب) هو العنصر الأساسي الذي يتحكم فيه، ولذا نجد أن التناقض الأساسي في هذا الكيان هو الصراع مع العرب وليس الصراعات الجيلية أو العرْقية أو الطبقية. وينتج عن هذا أن نظامنا التصنيفي يجب أن ينطلق من تقسيم الأحزاب الإسرائيلية في علاقتها بالتناقض الأساسي الخارجي، فهي إما أحزاب صهيونية تدافع عن الاستيطانية وتدعمها بدرجات متفاوتة من الحماس والفتور، أو أحزاب غير صهيونية ترفض الكيان الصهيوني ولديها استعداد لحسم التناقض الأساسي الذي يواجه المجتمع الإسرائيلي بطريقة مركبة رشيدة. وما يحدد يمينية ويسارية أي حزب في إسرائيل هو علاقته لا بالتناقضات الداخلية (العرْقية والطبقية) في المجتمع الإسرائيلي، وإنما علاقته بالتناقض الأساسي الخارجي. فالأحزاب الصهيونية التي تؤيد الاستيطان/الإحلالي هي أحزاب «يمينية» (إن صح التعبير) لأنها تؤيد المشروع الاستعماري الغربي وممثلته الدولة الوظيفية الصهيونية، حتى لو كان "برنامجها" الاقتصادي الذي تدافع عنه "اشتراكياً" يضمن المساواة (والاشتراكية كما بيَّنا إن هي إلا ديباجات الاقتصاد الاستيطاني) . أما الأحزاب المعادية للصهيونية فهي أحزاب يمكن أن نسميها «يسارية» طالما أن لديها استعداداً للتعامل بشكل عقلاني محدد مع التناقض الأساسي الذي يتحكم في المجتمع الإسرائيلي، حتى لو كان برنامجها الاجتماعي أو العرْقي يمينياً/ليبرالياً. ولعل الحزب الشيوعي (القسم العربي) هو الحزب اليساري المعادي للصهيونية. وقد ظهرت مجموعة من الأحزاب العربية في التسعينيات ترفض صهيونية الدولة
стр. 8152
مثل الحزب الديموقراطي العربي وحزب الحركة الإسلامية.
٢ ـ الموقف من علاقة الدين بالدولة والديباجات الدينية بالمشروع الصهيوني (وقد تناولنا هذا الموضوع بشيء من التفصيل في الباب المعنون «أزمة الصهيونية» ) .
٣ ـ العنصر السلالي الإثني وهو عنصر كان قوياً في السنوات الأولى بعد إعلان الدولة ثم عاود الظهور مرة أخرى في التسعينيات، وهو عنصر فرعي بالمقارنة بالعنصرين الأول والثاني.
انطلاقاً من هذا يمكن القول بأنه يوجد معسكران صهيونيان أساسيان: المعسكر اليميني (الديني والعلماني) المتشدد، والمعسكر العمالي الذي يدور في إطار الإجماع الصهيوني ويتسم بدرجة أعلى من البراجماتية تؤهله للتعامل بشكل أكثر كفاءة مع الولايات المتحدة الأمريكية ومع بعض الحكومات العربية.
١ ـ معسكر اليمين الديني والعلماني: يرى أعضاء هذا المعسكر ضرورة الاحتفاظ بكل الأراضي المحتلة وضمها إلى إسرائيل إن عاجلاً أو آجلاً باعتبار أنها جزء من أرض إسرائيل الكبرى. ويصل البعض إلى ضرورة ترحيل السكان العرب. ويضم هذا المعسكر حزب تسومت رغم أنه في تكوينه وأهدافه الاقتصادية والاجتماعية أقرب إلى حزب العمل.
٢ ـ المعسكر العمالي: ويضم القوى التي ترى استحالة ضم الأراضي العربية المحتلة في ظل وجود أغلبية سكانية عربية، وتدعو إلى سلام قائم على الانسحاب من الأراضي المحتلة أو أجزاء منها، بحيث تقام كونفيدرالية أردنية ـ فلسطينية، ويضم هذا المعسكر حزب شينوي رغم أنه حزب ليبرالي في تكوينه وأهدافه.
стр. 8153
وقد أشرنا إلى «اليمين الديني» و «اليمين العلماني» وهو ما يعني أننا نصنف الأحزاب الصهيونية إلى فريقين أساسيين: الأحزاب الدينية والأحزاب العلمانية، والفرق بين الأحزاب الدينية والعلمانية ينحصر في تحديدهما مصدر القداسة، فكلا الفريقين يؤمن بقداسة التراث اليهودي، ولكن القسم الأول يُرجع القداسة للخالق بينما يسند الفريق الثاني القداسة إلى «الشعب اليهودي» نفسه. ولهذا نرى أن كل الأحزاب الصهيونية بغض النظر عن تحديدها مصدر القداسة هي أحزاب تؤمن بقدسية الشعب اليهودي وقدسية أرضه وبالعلاقة المقدَّسة بينهما.
أما بالنسبة للسياسة الاقتصادية والاجتماعية فهناك شبه إجماع على ضرورة قيام دولة الرفاهية واستمرار الاقتصاد المختلط المكون من ثلاثة قطاعات هي الحكومي والهستدروتي والخاص مع اختلاف في النظرة إلى الحجم والدور المرغوب فيه لكل منهم مع ميل عام لتنمية القطاع الخاص.
ومن السمات الملحوظة في النظام الحزبي الإسرائيلي اتجاهه المستمر نحو اليمين وهو أمر ملحوظ في كل النظم الاستيطانية (جنوب أفريقيا على سبيل المثال) . فمن خلال الصراع المستمر مع السكان الأصليين تتساقط الديباجات الإنسانية والادعاءات الاشتراكية المراوغة التي أحضرها المستوطنون معهم من وطنهم الأصلي ( «المنفى» ، في المصطلح الصهيوني) ،وبرروا بها مواقفهم ليحل محلها الخطاب العرْقي الاستيطاني المباشر الذي يطالب بطرد السكان الأصليين أو وضعهم في معازل. وهذا الاتجاه نحو اليمين ينطبق على جميع الأحزاب، الدينية والعلمانية.
стр. 8154
وتتسم الأحزاب الإسرائيلية بأنها أحزاب ذات صبغة مركزية واضحة وأنها أحزاب أوليجاركية تحكمها قلة رغم ما يبدو من أشكال وإجراءات ديموقراطية، فهي ترتبط بمجموعة من الزعامات التاريخية أو الدينية وبها أجهزة بيروقراطية مركزية وقوية. ومع هذا يمكن القول بأن تلك الصبغة المركزية القوية قد بدأت تَخفُت نسبياً، فهناك مؤتمرات عامة دورية تقوم بانتخاب مجلس أو لجنة مركزية وزعيم للحزب، وانتخاب المكتب السياسي واللجنة التنفيذية.
ويترك العنصران السلالي والطبقي أثراً في النظام الحزبي في إسرائيل يتفاوت في الأهمية حسب اللحظة التاريخية، ففي غياب الوعي الطبقي ومع تراجُع فعالية الأيديولوجية الصهيونية وتآكلها يزداد العنصر السلالي فعالية. وقد لوحظ عند بداية تكوين الدولة أنه كانت توجد قائمة للسفارد وأخرى لليمنيين، وكان من المتوقع أن تختفي ظاهرة الأحزاب الإثنية، وهو ما حدث بالفعل في الستينيات. ولكن لوحظ في أواخر السبعينيات أنها عاودت الظهور، وهو ما يعني فشلاً جزئياً لبوتقة الصهر الصهيونية التي كان يفترض فيها أن تقوم بصهر المهاجرين لتخرج مواطناً إسرائيلياً ينسى ماضيه الإثني وتتبدى من خلال الصفات اليهودية أو الإسرائيلية الحقة. ويرى عزمي بشارة أن عودة الأحزاب الإثنية إلى ساحة السياسة وتسامح النظام الصهيوني معها هو دليل ثقته بنفسه، فمثل هذه الأحزاب تشكل الاستثناء لا القاعدة. وهي أطروحة تستحق أن تختبر، وخصوصاً أن الأحزاب الإثنية لم تلعب دوراً مهماً في النظام السياسي الإسرائيلي من قبل انتخابات عام ١٩٩٦.
стр. 8155
ومهما كان الأمر لابد أن نأخذ الانتماء الإثني في الاعتبار إذ أنه يتداخل ويتصارع مع الانتماء القومي والطبقي. ويظهر مدى اختلاط العناصر الإثنية بالعناصر الطبقية والأيديولوجية في عديد من الظواهر السياسية، فيُلاحَظ على سبيل المثال أنه حتى بداية التسعينيات كان الهاربون من الاشتراكية والمهاجرون السوفييت الإشكناز ينضمون لحزب العمل صاحب الديباجات الاشتراكية بينما ينضم المهاجرون من شرق أفريقيا إلى حزب الليكود.
ومن أهم سمات النظام الحزبي في إسرائيل، التي لازمته منذ قيام الدولة عام ١٩٤٨، التعدد الحزبي الكثير والمتطرف. فالأحزاب الإسرائيلية لا تكف عن الانقسام والاندماج وذلك لعوامل تاريخية ترتبط بدور تلك الأحزاب في تنظيم وبناء المُستوطَن الصهيوني. كما أن الولاء للقيادات والزعامات الصهيونية المختلفة في آرائها وأيديولوجيتها من أهم أسباب الانقسام. ويمكن أن نضيف إلى كل هذا النظام الانتخابي الذي يسمح بوصول الأحزاب الصغيرة للبرلمان من خلال خفض نسبة الحسم. كما يمكن تفسير كثرة الأحزاب الإسرائيلية بوجود الانقسامات الاجتماعية والاقتصادية بين سفارد وإشكناز، متدينين وعلمانيين، والانقسام حول مستقبل الأراضي المحتلة والانقسام بين اليهود والعرب. ويترتب على كثرة الأحزاب وتَعدُّدها وجود حالة دائمة من الانشقاقات والاندماجات وإنشاء كتل انتخابية مختلفة، مما يؤدي إلى عجز أي حزب عن تشكيل الحكومة بمفرده وإلى ضرورة اللجوء إلى آلية الائتلاف حكومي.
стр. 8156
والنظام الحزبي الإسرائيلي، رغم كل هذه الانشقاقات والانقسامات، يدور بأسره داخل إطار الإجماع الصهيوني والصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة والإيمان بأن الحركة الصهيونية حركة تَحرُّر قومي لبعث القومية اليهودية وتحقيق حلم الشعب اليهودي بالعودة إلى وطنه، بكل ما يترتب على ذلك من هجرة اليهود وتهجيرهم واستيعاب المهاجرين وإفراغ إرتس يسرائيل من سكانها الأصليين. ولعل أكبر دليل على هذه الوحدة الكاملة أن جميع هذه الأحزاب الصهيونية قد أُسِّست بتشجيع من الحركة الصهيونية العالمية والمنظمة الصهيونية وتحت إشرافهما، وكل الأحزاب ممثلة في هذه المنظمة وممولة من قبَلها وكل الصراعات بينها تتم في إطار هذا الانتماء الأيديولوجي. كما أن هذه الأحزاب المتصارعة تتحالف وتتآلف داخل المؤسسات الصهيونية الاستيطانية مثل الهستدروت وداخل الائتلافات الوزارية (التي تضم أحزاباً دينية وأخرى عمالية وثالثة رأسمالية ولكنها جميعاً في نهاية الأمر صهيونية) . أما الصراعات الأيديولوجية الحادة بين هذه الأحزاب فهي لا تتعدى بأية حال المستوى اللفظي ولا تحدِّد سلوك هذه الأحزاب أو ممارساتها (ربما باستثناء الصراع الديني العلماني) . ولعل أكبر دليل على أحادية النظام الحزبي في إسرائيل أنه بعد تأسيس الدولة بخمسة وعشرين عاماً وبعد خوضها ثلاثة حروب لم يظهر حزب إسرائيلي جديد له أيُّ ثقل يقف ضد المؤسسة الصهيونية الحاكمة إذ لا يزال رفض الصهيونية مقصوراً على بضعة أفراد ومؤسسات صغيرة هامشية وعلى الأحزاب العربية والحزب الشيوعي (كما أسلفنا) . ويُلاحَظ أنه عشية حرب ١٩٦٧تلاشت الخلافات بين الأحزاب وتم تشكيل أول حكومة وحدة وطنية بين الأحزاب اليمينية والأحزاب العمالية تعبِّر عن الإجماع الصهيوني.
стр. 8157
وقد شهدت فترة السبعينيات والثمانينيات اتجاهاً نحو تبلور النظام الحزبي في حزبين أساسيين هما العمل والليكود. وظهور هذين الحزبين ليس مثل نظام الحزبين في إنجلترا أو الولايات المتحدة، وإنما هو تعبير عن عناصر خاصة بالمجتمع الاستيطاني الصهيوني. إضافة إلى ذلك، شهدت الفترة منذ منتصف الثمانينيات عدة تطورات مهمة برزت بصفة خاصة في انتخابات الكنيست عام ١٩٩٦. ولعل أبرز تلك التطورات هي النمو المتزايد في مشاعر التطرف القومي والاتجاه نحو اليمين العلماني ممثلاً في أحزاب أقصى اليمين (تسومت وموليدت وهتحيا وجوش إيمونيم وكاخ) ومن جهة أخرى نمو اليمين الديني ممثلاً في الجماعات الأرثوذكسية وبروز الطوائف الشرقية ويمثل حزب شاس في الحياة السياسية هذين التطورين الأخيرين. ومن جهة رابعة هناك نمو في دور الأحزاب العربية وزيادة في تمثيلها في الكنيست.
وقد كشفت انتخابات الكنيست عام ١٩٩٦ عن مدى الاستقطاب الذي يسود النظام السياسي الإسرائيلي الذي بدات باعتباره كياناً ضعيفاً هشاً ومتشققاً آخذاً في الانهيار وإن كانت مستودعاته مليئة بالرؤوس النووية، فالحزبان الكبيران (العمل والليكود) مستمران في التشقق والتراجع وهو ما تدل علىه خسارة المقاعد البرلمانية، حيث قلَّ كل منهما عشرة مقاعد في انتخابات ١٩٩٦ عن الانتخابات السابقة. ولذلك تخضع حكومة الليكود الحالية في إسرائيل لضغوط الأحزاب (العلمانية والدينية) اليمينية الأمر الذي يجعلها عرضة للتقلبات واحتمالات الانهيار في أية لحظة، فهي حكومة ضعيفة غير متجانسة. بل إن الانقسامات تفاقمت داخل حزب الليكود نفسه ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة لحزب العمل.
اليمين العلماني
Secular Right
стр. 8158
تتألف أحزاب اليمين في إسرائيل من معسكرين: معسكر اليمين العلماني ومعسكر اليمين الديني. وينقسم اليمين العلماني بدوره إلى قسمين: اليمين البراجماتي واليمين الراديكالي، ويمثل الليكود اليمين البراجماتي الذي يحتل موقعاً يمتد من الوسط إلى أقصى اليمين. أما اليمين الراديكالي فيضم حركتا تسومت وموليدت (وهما حركتان علمانيتان) وحركة هتحيا، وهي حركة هجين تضم عناصر دينية وقومية. كما يضم اليمين الراديكالي كلاً من جوش إيمونيم ومنظمة كاخ الصهيونية وهما حركتان أصوليتان دينيتان إثنيتان (قوميتان) . ورؤية هذه الأحزاب السياسية مشوشة، شأنها في هذا شأن الحركات الشعبوية الفاشية. ومع هذا يمكن القول بأن رؤية جوش إيمونيم وكاخ تتسم بقدر من التماسك.
ويدين الاتجاهان اليمينيان، البراجماتي والراديكالي، بالولاء لأرض إسرائيل ويرفضان التنازل عن أي شبر منها. ولذا فكل منهما يؤمن بضرورة التخلص من العنصر البشري الفلسطيني إما بطرده أو محاصرته وعزله.
وتعود جذور اليمين العلماني إلى الحركة الصهيونية التصحيحية، وفكر جابوتنسكي الذي رفض الديباجات العمالية والإنسانية وطالب بإقامة الدولة الصهيونية بالقوة في كامل أرض إسرائيل وطرد الفلسطينيين. ويشكل الفكر القومي/الشوفيني ركيزة أساسية لمفاهيم المعسكر اليميني ومواقفه السياسية من القضايا الأساسية المتعلقة بالسياسة الخارجية والأمنية والموقف من العرب، فالأحزاب اليمينية (الدينية والعلمانية، الراديكالية والبراجماتية) تلتقي من حيث المبدأ على الشك في الأغيار (العرب) وعلى رفض الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة عام ١٩٦٧ وعلى ضرورة الاستيطان اليهودي الواسع فيها وشرعيته، وعلى دور إسرائيل في المنطقة وانتمائها للغرب وعلاقتها العضوية بالولايات المتحدة.
стр. 8159
وتلتقي أحزاب هذا المعسكر في توجهاتها الاقتصادية/ الاجتماعية رغم تباين الجذور الطبقية للشرائح الاجتماعية التي تشكل قاعدتها الانتخابية. فجميعها تتبنى سياسة اقتصادية اجتماعية تقوم على مبادئ الاقتصاد الرأسمالي، وعلى رفض الصراع الطبقي، وضرورة تغليب المصلحة القومية العليا على المصالح الطبقية والفئوية.
وتعود أهم أسباب بروز دور اليمين العلماني في النظام السياسي الإسرائيلي إلى حرب ١٩٦٧ التي بينت مقدر الأسطورة الصهيونية على فرض نفسها بالقوة على الواقع العربي، بل فسرها البعض على أنها رسالة إلهية تحمل في طياتها احتمال عودة مملكة إسرائيل التاريخية (مما يعني التقارب بين اليمينين الديني والعلماني) . كما أن تآكل الديباجات العمالية كان له أعمق الأثر.
ولكن رغم هذا الاتفاق على المسلمات النهائية ثمة فارق بين اليمين البراجماتي واليمين الراديكالي، فبينما لا يشير متحدثو اليمين البراجماتي إلى هذه المسلمات بشكل صريح، لا يتردد متحدثو اليمين الراديكالي عن الإفصاح عنها. كما أن اليمين البراجماتي يدرك الحقائق والقيود السياسية واعتبارات السياسة الدولية ومصالح القوى الخارجية، ولذا فهو مستعد للجوء للخطاب الصهيوني المراوغ بل لتبني سياسات مرنة نوعاً، على الأقل من الناحية التكتيكية (مثل الدخول في مفاوضات تستمر إلى ما لا نهاية، كما صرح شامير) . أما اليمين الراديكالي فيتجاهل الحقائق والقيود السياسية، ويؤمن بقدرة إسرائيل على مقاومة الضغوط الدولية.
وتُعَد كامب ديفيد ومعاهدة السلام مع مصر ثم غزو لبنان واندلاع الانتفاضة أهم الأحداث التي ساعدت على تمييز اليمين البراجماتي عن اليمين الراديكالي. وإن كان لا يمكن إهمال الاعتبارات الشخصية والانتخابية. ويمكن القول بأن الأحزاب والحركات اليمينية التي ظهرت إبَّان حكم الليكود منذ ١٩٧٧ كانت جميعاً جزءاً منه ثم تشكلت كأحزاب وحركات مستقلة.
стр. 8160
وقد نما وزن الحركات والأحزاب التي تنتمي لليمين العلماني الراديكالي بصورة كبيرة في الوقت الراهن فهي نتاج مسار طويل من التطور اكتسبت خلاله نفوذاً كبيراً مستمداً بالأساس من الدعم الذي قدمته الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ حرب ١٩٦٧، ولا سيما بهدف تعزيز النشاط الاستيطاني. كما أن جماعات اليهود المهاجرين من الولايات المتحدة إلى إسرائيل مثلت مصدر إمداد متجدد لها.
وقد طوَّرت هذه الأحزاب والحركات شكلاً من الصهيونية يجمع بين الاتجاهات الدينية أو شبه الدينية والاتجاه السياسي التوسعي وتشدد على ضرورة الاحتفاظ بأرض إسرائيل التاريخية، وتكثيف الاستيطان في الأراضي المحتلة. وتدعو بعض هذه الحركات والأحزاب إلى معالجة قضية المواطنين العرب في الأراضي المحتلة عبر سياسات الترحيل (الترانسفير) المختلفة.
ويمكن القول بأن كلاً من اليمين العلماني واليمين الديني يدور في إطار ما سميناه «الصهيونية الحلولية العضوية» مقابل الأحزاب الصهيونية المعتدلة التي تنطلق من إدراك حقيقة النظام العالمي الجديد وما سميناه «صهيونية عصر ما بعد الحداثة» .
اليمين الديني
Religious Right
следующие страницы →