Полный текст (8 511 стр.). Показаны 8156–8195 · переход к 8161.
стр. 8156
والنظام الحزبي الإسرائيلي، رغم كل هذه الانشقاقات والانقسامات، يدور بأسره داخل إطار الإجماع الصهيوني والصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة والإيمان بأن الحركة الصهيونية حركة تَحرُّر قومي لبعث القومية اليهودية وتحقيق حلم الشعب اليهودي بالعودة إلى وطنه، بكل ما يترتب على ذلك من هجرة اليهود وتهجيرهم واستيعاب المهاجرين وإفراغ إرتس يسرائيل من سكانها الأصليين. ولعل أكبر دليل على هذه الوحدة الكاملة أن جميع هذه الأحزاب الصهيونية قد أُسِّست بتشجيع من الحركة الصهيونية العالمية والمنظمة الصهيونية وتحت إشرافهما، وكل الأحزاب ممثلة في هذه المنظمة وممولة من قبَلها وكل الصراعات بينها تتم في إطار هذا الانتماء الأيديولوجي. كما أن هذه الأحزاب المتصارعة تتحالف وتتآلف داخل المؤسسات الصهيونية الاستيطانية مثل الهستدروت وداخل الائتلافات الوزارية (التي تضم أحزاباً دينية وأخرى عمالية وثالثة رأسمالية ولكنها جميعاً في نهاية الأمر صهيونية) . أما الصراعات الأيديولوجية الحادة بين هذه الأحزاب فهي لا تتعدى بأية حال المستوى اللفظي ولا تحدِّد سلوك هذه الأحزاب أو ممارساتها (ربما باستثناء الصراع الديني العلماني) . ولعل أكبر دليل على أحادية النظام الحزبي في إسرائيل أنه بعد تأسيس الدولة بخمسة وعشرين عاماً وبعد خوضها ثلاثة حروب لم يظهر حزب إسرائيلي جديد له أيُّ ثقل يقف ضد المؤسسة الصهيونية الحاكمة إذ لا يزال رفض الصهيونية مقصوراً على بضعة أفراد ومؤسسات صغيرة هامشية وعلى الأحزاب العربية والحزب الشيوعي (كما أسلفنا) . ويُلاحَظ أنه عشية حرب ١٩٦٧تلاشت الخلافات بين الأحزاب وتم تشكيل أول حكومة وحدة وطنية بين الأحزاب اليمينية والأحزاب العمالية تعبِّر عن الإجماع الصهيوني.
стр. 8157
وقد شهدت فترة السبعينيات والثمانينيات اتجاهاً نحو تبلور النظام الحزبي في حزبين أساسيين هما العمل والليكود. وظهور هذين الحزبين ليس مثل نظام الحزبين في إنجلترا أو الولايات المتحدة، وإنما هو تعبير عن عناصر خاصة بالمجتمع الاستيطاني الصهيوني. إضافة إلى ذلك، شهدت الفترة منذ منتصف الثمانينيات عدة تطورات مهمة برزت بصفة خاصة في انتخابات الكنيست عام ١٩٩٦. ولعل أبرز تلك التطورات هي النمو المتزايد في مشاعر التطرف القومي والاتجاه نحو اليمين العلماني ممثلاً في أحزاب أقصى اليمين (تسومت وموليدت وهتحيا وجوش إيمونيم وكاخ) ومن جهة أخرى نمو اليمين الديني ممثلاً في الجماعات الأرثوذكسية وبروز الطوائف الشرقية ويمثل حزب شاس في الحياة السياسية هذين التطورين الأخيرين. ومن جهة رابعة هناك نمو في دور الأحزاب العربية وزيادة في تمثيلها في الكنيست.
وقد كشفت انتخابات الكنيست عام ١٩٩٦ عن مدى الاستقطاب الذي يسود النظام السياسي الإسرائيلي الذي بدات باعتباره كياناً ضعيفاً هشاً ومتشققاً آخذاً في الانهيار وإن كانت مستودعاته مليئة بالرؤوس النووية، فالحزبان الكبيران (العمل والليكود) مستمران في التشقق والتراجع وهو ما تدل علىه خسارة المقاعد البرلمانية، حيث قلَّ كل منهما عشرة مقاعد في انتخابات ١٩٩٦ عن الانتخابات السابقة. ولذلك تخضع حكومة الليكود الحالية في إسرائيل لضغوط الأحزاب (العلمانية والدينية) اليمينية الأمر الذي يجعلها عرضة للتقلبات واحتمالات الانهيار في أية لحظة، فهي حكومة ضعيفة غير متجانسة. بل إن الانقسامات تفاقمت داخل حزب الليكود نفسه ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة لحزب العمل.
اليمين العلماني
Secular Right
стр. 8158
تتألف أحزاب اليمين في إسرائيل من معسكرين: معسكر اليمين العلماني ومعسكر اليمين الديني. وينقسم اليمين العلماني بدوره إلى قسمين: اليمين البراجماتي واليمين الراديكالي، ويمثل الليكود اليمين البراجماتي الذي يحتل موقعاً يمتد من الوسط إلى أقصى اليمين. أما اليمين الراديكالي فيضم حركتا تسومت وموليدت (وهما حركتان علمانيتان) وحركة هتحيا، وهي حركة هجين تضم عناصر دينية وقومية. كما يضم اليمين الراديكالي كلاً من جوش إيمونيم ومنظمة كاخ الصهيونية وهما حركتان أصوليتان دينيتان إثنيتان (قوميتان) . ورؤية هذه الأحزاب السياسية مشوشة، شأنها في هذا شأن الحركات الشعبوية الفاشية. ومع هذا يمكن القول بأن رؤية جوش إيمونيم وكاخ تتسم بقدر من التماسك.
ويدين الاتجاهان اليمينيان، البراجماتي والراديكالي، بالولاء لأرض إسرائيل ويرفضان التنازل عن أي شبر منها. ولذا فكل منهما يؤمن بضرورة التخلص من العنصر البشري الفلسطيني إما بطرده أو محاصرته وعزله.
وتعود جذور اليمين العلماني إلى الحركة الصهيونية التصحيحية، وفكر جابوتنسكي الذي رفض الديباجات العمالية والإنسانية وطالب بإقامة الدولة الصهيونية بالقوة في كامل أرض إسرائيل وطرد الفلسطينيين. ويشكل الفكر القومي/الشوفيني ركيزة أساسية لمفاهيم المعسكر اليميني ومواقفه السياسية من القضايا الأساسية المتعلقة بالسياسة الخارجية والأمنية والموقف من العرب، فالأحزاب اليمينية (الدينية والعلمانية، الراديكالية والبراجماتية) تلتقي من حيث المبدأ على الشك في الأغيار (العرب) وعلى رفض الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة عام ١٩٦٧ وعلى ضرورة الاستيطان اليهودي الواسع فيها وشرعيته، وعلى دور إسرائيل في المنطقة وانتمائها للغرب وعلاقتها العضوية بالولايات المتحدة.
стр. 8159
وتلتقي أحزاب هذا المعسكر في توجهاتها الاقتصادية/ الاجتماعية رغم تباين الجذور الطبقية للشرائح الاجتماعية التي تشكل قاعدتها الانتخابية. فجميعها تتبنى سياسة اقتصادية اجتماعية تقوم على مبادئ الاقتصاد الرأسمالي، وعلى رفض الصراع الطبقي، وضرورة تغليب المصلحة القومية العليا على المصالح الطبقية والفئوية.
وتعود أهم أسباب بروز دور اليمين العلماني في النظام السياسي الإسرائيلي إلى حرب ١٩٦٧ التي بينت مقدر الأسطورة الصهيونية على فرض نفسها بالقوة على الواقع العربي، بل فسرها البعض على أنها رسالة إلهية تحمل في طياتها احتمال عودة مملكة إسرائيل التاريخية (مما يعني التقارب بين اليمينين الديني والعلماني) . كما أن تآكل الديباجات العمالية كان له أعمق الأثر.
ولكن رغم هذا الاتفاق على المسلمات النهائية ثمة فارق بين اليمين البراجماتي واليمين الراديكالي، فبينما لا يشير متحدثو اليمين البراجماتي إلى هذه المسلمات بشكل صريح، لا يتردد متحدثو اليمين الراديكالي عن الإفصاح عنها. كما أن اليمين البراجماتي يدرك الحقائق والقيود السياسية واعتبارات السياسة الدولية ومصالح القوى الخارجية، ولذا فهو مستعد للجوء للخطاب الصهيوني المراوغ بل لتبني سياسات مرنة نوعاً، على الأقل من الناحية التكتيكية (مثل الدخول في مفاوضات تستمر إلى ما لا نهاية، كما صرح شامير) . أما اليمين الراديكالي فيتجاهل الحقائق والقيود السياسية، ويؤمن بقدرة إسرائيل على مقاومة الضغوط الدولية.
وتُعَد كامب ديفيد ومعاهدة السلام مع مصر ثم غزو لبنان واندلاع الانتفاضة أهم الأحداث التي ساعدت على تمييز اليمين البراجماتي عن اليمين الراديكالي. وإن كان لا يمكن إهمال الاعتبارات الشخصية والانتخابية. ويمكن القول بأن الأحزاب والحركات اليمينية التي ظهرت إبَّان حكم الليكود منذ ١٩٧٧ كانت جميعاً جزءاً منه ثم تشكلت كأحزاب وحركات مستقلة.
стр. 8160
وقد نما وزن الحركات والأحزاب التي تنتمي لليمين العلماني الراديكالي بصورة كبيرة في الوقت الراهن فهي نتاج مسار طويل من التطور اكتسبت خلاله نفوذاً كبيراً مستمداً بالأساس من الدعم الذي قدمته الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ حرب ١٩٦٧، ولا سيما بهدف تعزيز النشاط الاستيطاني. كما أن جماعات اليهود المهاجرين من الولايات المتحدة إلى إسرائيل مثلت مصدر إمداد متجدد لها.
وقد طوَّرت هذه الأحزاب والحركات شكلاً من الصهيونية يجمع بين الاتجاهات الدينية أو شبه الدينية والاتجاه السياسي التوسعي وتشدد على ضرورة الاحتفاظ بأرض إسرائيل التاريخية، وتكثيف الاستيطان في الأراضي المحتلة. وتدعو بعض هذه الحركات والأحزاب إلى معالجة قضية المواطنين العرب في الأراضي المحتلة عبر سياسات الترحيل (الترانسفير) المختلفة.
ويمكن القول بأن كلاً من اليمين العلماني واليمين الديني يدور في إطار ما سميناه «الصهيونية الحلولية العضوية» مقابل الأحزاب الصهيونية المعتدلة التي تنطلق من إدراك حقيقة النظام العالمي الجديد وما سميناه «صهيونية عصر ما بعد الحداثة» .
اليمين الديني
Religious Right
стр. 8161
تعود جذور الأحزاب الدينية إلى أوائل القرن العشرين حيث تأسست الأحزاب الدينية خارج فلسطين ثم أنشأت لها فروعاً في أعقاب موجات الهجرة إلى فلسطين أصبحت بمرور الزمن المراكز الأساسية لنشاطها. وينقسم معسكر الأحزاب الدينية في إسرائيل إلى معسكرين: الأول هو المعسكر الديني القومي أو المتدينون الصهيونيون ويمثله حزب المفدال، ومرجعه الديني هو دار الحاخامية الرئيسية. والمعسكر الثاني هو المعسكر التوراتي أو المتدينون المتشددون الذين يسمون «حريديم» أي «ورعين» ويمثله حزبا أجودات يسرائيل وديجل هتوراه (المتحدان حالياً في كتلة يهدوت هتوراه) وحزب شاس ومرجعهم الديني هو مجلس كبار علماء التوراة. وينتمي كلا المعسكرين إلى التيار الأرثوذكسي في اليهودية. ولا توجد أحزاب تمثل التيارين الإصلاحي والمحافظ في اليهودية، اللذين يشكل أتباعهما أقلية صغيرة في إسرائيل (وأغلبية في الولايات المتحدة) .
стр. 8162
وقد اختلف موقف الطرفين من الصهيونية، فقد أكد حزبا هامزراحي وهابوعيل هامزراحي، اللذان كونا حزب المفدال، أنه حزب صهيوني ديني قومي يرفض الفكرة الصهيونية العلمانية القائلة بأن الدين موضوع شخصي مرجعه الضمير، ويرى ضرورة قيام المجتمع الاستيطاني الصهيوني والدولة الصهيونية على أساس الدين. أما التيار غير الصهيوني في الحركة الدينية الذي يمثله أجودات يسرائيل فهو يرى أن الصهيونية العلمانية هي العدو الأكبر للأمة اليهودية لأنها تضع «شعب الله المختار» على قدم المساواة مع باقي شعوب العالم في سعيها إلى إقامة وطن قومي، ولأنها تعتبر الدين مسألة خاصة مرجعها الضمير. ولهذا عارضت أجودات يسرائيل الانضمام للمؤسسات الصهيونية. ولكن مع بداية الثلاثينيات وبتأثير الهجرة انتهجت الحركة سياسة التعاون مع المؤسسات الصهيونية التي وجهت الاستيطان المنظم، وذلك لأنها اعتبرت بناء وطن قومي لليهود بمنزلة ملجأ مؤقت يقي اليهود شر كوارث المهجر. وعلى أثر ذلك انشقت مجموعة من أجودات يسرائيل عام ١٩٣٣ وأسست حركة ناطوري كارتا أو حراس المدينة وعارضت هذه الحركة قيام إسرائيل ورفضت الاعتراف بها، حيث اعتبرت الصهيونية ومشروعات دولة إسرائيل أكبر كارثة أصابت الشعب اليهودي.
وحتى مطلع الثمانينيات شكلت الأحزاب الدينية مجتمعة القوة الثالثة في الكنيست الإسرائيلي من حيث وزنها البرلماني، وعليه تراوحت قوتها التمثيلية بين ١٥ ـ ١٨ مقعداً في الانتخابات العامة كافة، وفي انتخابات ١٩٩٦ صار لها ٢٣ مقعداً في الكنيست، غير أنها نادراً ما خاضت الانتخابات متحالفة في إطار جبهة.
стр. 8163
وقد اشتركت الأحزاب الدينية في الحكم منذ تأسيس الكيان الصهيوني، سواء مجتمعة أو على إنفراد، لأن موازين القوى داخل الكنيست الإسرائيلي كانت تفرض، بصورة عامة، تحالف عدة أحزاب لتشكيل الحكومات من ناحية، كما أن الأحزاب الكبيرة كانت تحرص على عدم استبعاد التيار الديني من الحكم لضرورات تتعلق بعلاقات الدولة بالجماعات اليهودية في الخارج من ناحية أخرى.
وتحاول الأحزاب الدينية، وضمن ذلك الأحزاب التي كانت تعارض الدولة الصهيونية، صبغ المجتمع الإسرائيلي بصبغة دينية فاقعة ومن ثم فهي تطالب بجعل اتفاقية «الوضع الراهن» قانوناً من قوانين الدولة. كما تطالب بتعديل تعريف اليهودي بحيث لا يُعَد يهودياً إلا من تهود حسب الشريعة، أي على يد حاخام أرثوذكسي، مما يعني عدم الاعتراف بالحاخامات المحافظين والإصلاحيين في إسرائيل أو حتى خارجها.
وتطالب الأحزاب الدينية بمنع تمثيل المحافظين والإصلاحيين في المجالس الدينية في إسرائيل، وبسن قانون بمنع الإجهاض وآخر بمنع لحوم الخنزير ومنع استيراد لحوم أبقار غير مذبوحة وفقاً للشريعة، وتطبيق قوانين الطعام بشكل أكثر صرامة، واحترام يوم السبت باعتباره يوماً مقدَّساً لدى اليهود. ومثل هذه المطالب تعمق من حدة الصراع الديني العلماني في الدولة الصهيونية.
ويمكن القول بأن الأيديولوجية الكامنة وراء أفكار كل من اليمين العلماني والديني هو ما سميناه «الصهيونية الحلولية العضوية» .
الأحزاب اليسارية
Leftist Parties
تدور كل الأحزاب الإسرائيلية في إطار الإجماع الصهيوني ولذا فهي لا علاقة لها بمجموعة القيم السياسية التي تُسمَّى «يسارية» (من إيمان بالعدالة والمساواة إلى إصرار على التخطيط) . ومع هذا تستخدم الأحزاب الصهيونية العمالية ديباجات يسارية تخفي عنصرية الصهيونية البنيوية، على عكس الأحزاب اليمينية التي تستخدم ديباجات عنصرية واضحة.
стр. 8164
وحتى نميِّز الواحدة عن الأخرى نطلق على الأحزاب الصهيونية ذات الديباجات اليسارية والاشتراكية «أحزاب عمالية» .
الأحزاب العمالية
Labour Parties
إن تاريخ نشوء وتطوُّر الأحزاب العمالية الصهيونية يشير إلى أنها وصلت عبر عمليات انشقاق واتحاد متواصلة على امتداد سنوات المشروع الصهيوني إلى أشكالها التنظيمية الحالية. ويشمل التيار العمالي الحركات ثم الأحزاب الصهيونية ذات الديباجات الاشتراكية مثل بوعلي تسيون (عمال صهيون) وهابوعيل هاتسعير (العامل الفتى) . وقد انتظمت حركة العمل الصهيونية في فلسطين بتأسيس أحدوت هاعفوداة عام ١٩١٩ التي شكلت مع روافد أخرى النواة الأساسية لحزب الماباي أو حزب عمال أرض إسرائيل التاريخي ثم تَجمُّع المعراخ (العمل) بعد ذلك. وفي الواقع فإن التباين بين الأحزاب العمالية كان، في بداية عهد الكيان الصهيوني، عبارة عن نهج سياسي ومنطلقات وديباجات لفظية أيديولوجية تفصل بينها هوة واسعة إلى حد ما، ولكن التطورات السياسية والفكرية، وبخاصة بين حزبي الماباي والمابام، أدَّت إلى تضييق هوة تلك الخلافات كثيراً.
وترتبط التركيبة الإثنية والعرْقية لتلك الأحزاب بالجماعات اليهودية الغربية (الإشكناز) حتى الوقت الراهن، وهو ما أدَّى إلى انتهاج الدولة الإسرائيلية ومؤسساتها العامة والحزبية لسياسة التمييز الطائفي ضد اليهود الشرقيين (السفارد) ويهود العالم الإسلامي.
وفي الوقت الراهن يندرج تحت تصنيف معسكر الأحزاب العمالية كل من حزب العمل الإسرائيلي وكتلة ميرتس التي تتألف من ثلاثة أحزاب هي شينوي ومابام وراتس. وإذا كان حزب الماباي هو واضع أُسس الدولة وسياستها تجاه العرب، فيمكن القول بأنه قد تبلور اتجاه نشيط داخل معسكر الأحزاب العمالية قاد سياسة في الصراع العربي الإسرائيلي مرتكزاً على منطق القوة وفرض الأمر الواقع، وانتهاز الفرص لتوسيع حدود الكيان الصهيوني، ثم فرض السلام على الدول المجاورة.
стр. 8165
وفيما يتصل بطبيعة الكيان الصهيوني وحدوده فقد كان هناك اختلاف بين تيارين داخل المعسكر العمالي وذلك رغم الاتفاق العام بين الأحزاب الصهيونية كافة على المبادئ الأساسية للمشروع الصهيوني. فالتيار الأول ويمثله الماباي كان يُخضع تلك المبادئ لضرورات ومتطلبات المراحل التي يمر بها المشروع الصهيوني. ولذا كان يطالب بضرورة اتباع خط براجماتي يتعامل مع الوضع المحلي والدولي بشكل يمكِّنه من تسخيرهما في كل مرحلة لخدمة المشروع؛ ولذلك فهو لم يعلن في أيِّ وقت حدود مشروعه الجغرافية والسياسية أو السكانية، ووافق على قرار التقسيم عام ١٩٤٧ على أن يتم تقوية المستوطن الصهيوني وتوسيعه بعد ذلك. أما التيار الثاني فيمثله المابام وقد رفض فكرة التقسيم، وطرح فكرة الدولة ثنائية القومية بين العرب واليهود.
ويوضح تطور موقف حزب المابام ورؤيته لطابع الدولة الإسرائيلية والموقف من القضية الفلسطينية اتجاهه نحو التقارب مع رؤية الماباي. فقد وافق المابام، في نهاية الأمر، على قرار التقسيم، وقبل أيضاً بعدم تحديد حدود الدولة. ولذلك فالنهج السائد بين الماباي والمابام هو نهج واحد، جوهره رفض تعريف الحدود السياسية، تمشياً مع النهج القائم على فرض سياسة الأمر الواقع وتنشيط الاستيطان. أما بخصوص المشكلة السكانية فقد تقبل المابام رؤية الماباي القائمة على اعتبار القضية الفلسطينية قضية لاجئين، يعتمد حلها على اتفاق سلام مع الأردن يقوم على أساس قيام دولتين هي إسرائيل من جهة ودولة أردنية فلسطينية من جهة أخرى. ولكنه مع هذا ظل مختلفاً مع الماباي بدعوته إلى عودة نسبة معينة من اللاجئين وإلى توطين الباقين في البلاد العربية. ثم تطورت رؤيته بعد حرب ١٩٦٧ نحو تبنِّي رؤية حزب العمل تماماً، فتلاشت الفوارق بينهما تماماً، واتحدا في تجمُّع المعراخ عام ١٩٦٩، مع محافظة المابام على حقه في التصويت في بعض القضايا المهمة بالنسبة له.
стр. 8166
أما على صعيد السياسة الخارجية فيوجد إجماع بين جميع الأحزاب الصهيونية على مبدأين أولهما الإيمان بحتمية الصراع مع دول الجوار العربي ومن ثم حتمية اللجوء لاستخدام القوة العسكرية. وثانيهما الاعتماد على قوى خارجية والعمل على خدمة مصالحها. ولم تواجه سياسة الانحياز للمعسكر الغربي التي اتبعها حزب المابام أية معارضة تُذكَر من جانب الأحزاب الصهيونية إلا في السنوات الخمس الأولى من قيام الكيان، حيث كان المابام يدعو إلى انتهاج سياسة عدم الانحياز بين المعسكرين، ولكن ذلك النهج لم يَدُم طويلاً، فالتحق المابام كلياً بنهج الماباي.
وعلى صعيد القضايا الداخلية الاقتصادية والاجتماعية فقد حدثت تغيرات في الديباجات اليسارية نفسها نابعة من الخصوصية الصهيونية، فالديباجات اليسارية القديمة كانت تعبِّر عن الاشتراكية الديموقراطية، ولكن الآن التركيز على ما يُطلَق عليه دولة الرفاهة مع الاهتمام بحقوق الإنسان الفردية والجماعية مع الاهتمام بالتطبيقات، وقد فَقَد الهستدروت والكيبوتس الكثير من خصائصهما الاشتراكية (أي الاستيطانية الجماعية) . ويتضح ذلك أكثر في حركة ميريتس التي تركز على الحقوق المدنية والسياسية وخدمات الرفاهية والالتزام بعملية التسوية ودور القطاع الخاص والسياسات الأمنية.
البُعد الصهيوني للسياسة الخارجية الإسرائيلية
Zionist Dimension of Israeli Foreign Policy
وُلد المشروع الصهيوني في أوربا، استجابةً لواقع اقتصادي/ اجتماعي معيَّن عرف في التاريخ الأوربي باسم «المسألة اليهودية» ، أي مشكلة الفائض البشري اليهودي، أو بعض أعضاء الجماعات اليهودية الوظيفية الذين أصبحوا بلا وظيفة.
стр. 8167
والحل الصهيوني للمسألة اليهودية هو الحل الإمبريالي لكل المشاكل، أي تصديرها إلى الشرق. وقد وجد بعض المفكرين الغربيين أن المسألة اليهودية يمكن حلها من خلال توظيفها لحل المسألة الشرقية (تقسيم الدولة العثمانية) . وتقرر أن يُصدَّر أعضاء الفائض البشري اليهودي الذين لا نفع لهم في الغرب إلى الشرق، أي فلسطين، حيث يصبحون مستوطنين صهاينة نافعين يقومون على خدمة المصالح الغربية في إطار الدولة الوظيفية. وبذلك ينجح اليهود في تحقيق الانتماء إلى العالم الغربي من خلال التشكيل الإمبريالي الغربي بعد أن فشلوا في تحقيقه من خلال التشكيل الحضاري الغربي.
стр. 8168
ورغم أن الحل الصهيوني كان حلاً غربياً، "اكتشفه" وطوَّره بعض المفكرين الغربيين من أمثال شافتسبري وأوليفانت إلا أنه ظل حلاً ميتاً بسبب رفض المادة البشرية اليهودية المستهدفة له. ثم تبنت بعض جماعات صهيونية مثل أحباء صهيون الحل الصهيوني للمسألة اليهودية ولكنها لم تدرك حقيقة بسيطة هي أن أي مشروع في أوربا في القرن التاسع عشر كي يحقق النجاح لابد أن يصبح جزءاً من المشروع الإمبريالي الغربي. ولذا ظلت الجماعات الصهيونية في شرق أوربا هامشية مفتتة مفتقدة الاتجاه، إلى أن ظهر هرتزل (الألماني الذي يعرف الإمبريالية الغربية جيداً، على عكس يهود شرق أوربا) واكتسح الجميع. فبعد فترة أولية توجَّه فيها هرتزل إلى القيادات التقليدية للجماعات اليهودية (الحاخامات والأثرياء) طالباً منهمتبني المشروع الصهيوني ووضعه موضع التنفيذ، طرح هذه الحلول التقليدية جانباً وطرح معها أوهام الانعتاق الذاتي. ثم تقدَّم إلى القوى الاستعمارية الغربية بمشروع بسيط: توقيع عقد بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية تقوم بمقتضاه المنظمة الصهيونية بتقديم اليهود، المادة البشرية المستهدفة اللازمة لوضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ، أي تأسيس الدولة الوظيفية، وفي مقابل هذا يقوم الغرب بالإشراف على تنفيذ هذا المشروع ودعمه ثم استمراره وبقائه. وأسس هرتزل المنظمة الصهيونية "العالمية"، وفي هذا الإطار وقَّع عقد بلفور، أول انتصار حقيقي للحركة الصهيونية. وفي هذا الإطار تحرَّك زعماء الحركة الصهيونية وسعوا إلى توفير الظروف الدولية المناسبة لتحقيق الهجرة والاستيطان في فلسطين وقيام الدولة الوظيفية. وقد تباينت جهودهم "الدبلوماسية". ولكنها كانت جميعاً في جوهرها بحثاً دائماً عن راع إمبريالي للمشروع الصهيوني وللجيب الاستيطاني.
стр. 8169
ويُلاحَظ أن النشاط الدبلوماسي والسياسة الخارجية الصهيونية تنفرد بكونها سابقة على قيام الدولة بل منشئة لها. وقد أسفرت هذه السياسة الخارجية عن قيام دولة إسرائيل تحقيقاً لتعهد دولي من وزير خارجية دولة استعمارية عظمى، وبمساندة انتداب دولي في فلسطين تحت إشراف الحاكم العام هربرت صمويل قررته عصبة الأمم التي كانت تهيمن عليها الدول الغربية الاستعمارية، واستناداً إلى قرار تقسيم صادر عن منظمة دولية.
غير أن الوجه الآخر لأسبقية السياسة الخارجية على وجود الدولة تمثل في وجود نوع من المعضلات النابعة من خصوصية الظاهرة الصهيونية، على رأسها إشكالية تَعدُّد الفاعلين الدوليين في السياسة الخارجية بعد قيام الدولة الصهيونية وطبيعة العلاقة بين هؤلاء الفاعلين، وهي علاقة شابها الصراع والتنافس أكثر من مرة، ولعل من أكثر هذه الصراعات حدة الصراع الذي نشب بين المنظمة الصهيونية (تحت قيادة ناحوم جولدمان) وحكومة جولدا مائير في أواخر الستينيات. غير أن هذا الصراع حُسم تاريخياً لمصلحة مؤسسة الدولة.
والواقع أن العلاقة بين الدولة والمنظمة لم تكن في جميع الأحوال علاقة إما/أو، ولم يكن منطق الدولة مختلفاً دائماً عن المنطق الصهيوني الصرف الذي تمثله المنظمة. فإسرائيل تبنت منذ نشأتها نموذج الصهيونية العمالية كإطار عام لتنظيمها السياسي والاقتصادي وقد وافقت على هذا المنظمة الصهيونية. ويمكن التمييز تاريخياً بين مرحلتين: المرحلة الأولى هي مرحلة سيادة نموذج الصهيونية العمالية حتى منتصف السبعينيات، والثانية تبدأ مع استحكام أزمة هذا النموذج وظهور الدعوة إلى تطبيع الاقتصاد الإسرائيلي، والتي كان من الطبيعي أن تنعكس على صياغة توجهات السياسة الخارجية الإسرائيلية.
стр. 8170
ففي الثلاثين عاماً الأولى بعد تأسيس الدولة، كانت السياسة الإسرائيلية تصاغ في ظل نموذج الصهيونية العمالية الذي قام بإعطاء الأولوية للاستيطان وبناء الكيان الصهيوني. وانعكس هذا النموذج على السياسة الخارجية الإسرائيلية في مجالين أساسيين:
أولاً: غلبة المنطق الأمني الجيتوي (نسبة إلى الجيتو) على السياسة الخارجية، فإسرائيل ـ حسب هذا المنطق ـ دولة تدافع عن مصالح الغرب في المنطقة وتقوم بدور الخفير الذي يقوم بتأديب كل من تُسوِّل له نفسه (مثل القوميين العرب) أن يتمرد على الهيمنة الغربية ويبحث عن التنمية المستقلة ويحاول أن تُدار المنطقة لصالح أهلها. ويتلازم مع هذا ديباجات جيتوية تركز على الجماعة اليهودية المحاصرة في محيط الأعداء (الأغيار) وتكرس أحقية الدولة في تلقِّي تعويضات عن ضحايا اليهود باعتبارها ممثلهم الشرعي الوحيد.
ثانياً: تتطلب العلاقات مع المحيط العربي المعادي (في إطار المنطق الأمني الجيتوي) درجة مرتفعة من عسكرة السياسة الخارجية، بمعنى تغليب الأداة العسكرية على الأداة الدبلوماسية في تنفيذ السياسة الخارجية. وقد يكون من المفيد هنا التذكير بأن إسرائيل لم تسع في البداية إلى التفاوض مع العرب (حتى ما بعد حرب عام ١٩٦٧) ، وهو ما عبَّر عنه بن جوريون في مذكراته في ١٤ يوليه ١٩٤٩ حيث ذكر أن "أبا إيبان.. لا يرى ضرورة للركض وراء السلام، لأن العرب سيطلبون ثمناً: حدوداً أو عودة لاجئين أو كليهما.. فلننتظر بضعة أعوام". فإسرائيل ـ على حد تعبير الأستاذ هيكل ـ لم تكن تريد السلام لا بالتفاوض ولا بغيره، بعد أن نجحت في إقامة الدولة حرباً، لأنها لم تكن مستعدة لدفع ثمن هذا السلام، بل كان التوسع طموحها.
стр. 8171
غير أنه ومنذ منتصف السبعينيات ومع الأزمة الاقتصادية التي شهدتها إسرائيل في أعقاب حرب ١٩٧٣، بدأ اهتزاز نموذج الصهيونية العمالية وتعالت الأصوات منادية بتطبيع الاقتصاد الإسرائيلي، الأمر الذي انعكس بطبيعة الحال على السياسة الخارجية الإسرائيلية، باعتبار أن هذه السياسة هي، في التحليل الأخير، دالة في مجموعة من المتغيرات المتعلقة بالقدرات الذاتية للدولة، والظروف الدولية، وإدراك النخبة الحاكمة لهذه القدرات وتلك الظروف.
وتزامن ذلك مع حدوث مجموعة من المتغيرات استوجبت أن تشمل عملية إعادة النظر في نموذج الصهيونية العمالية السياسة الخارجية: فمن ناحية جاء التحدي العربي غير النظامي ليطرح التساؤل حول كفاءة الأداة العسكرية الإسرائيلية في تحقيق الأمن. فإسرائيل في لبنان قامت، لأول مرة في تاريخها، بانسحاب منفرد من أراض احتلتها، والانتفاضة الفلسطينية طرحت الشكوك، في ظل عجز الجيش عن إخمادها، حول قدرة الأداة العسكرية (التي نجحت بشكل عام في مواجهة التحديات النظامية) على مواجهة التحدي غير النظامي.
стр. 8172
ومنذ ذلك الحين، أو قبل ذلك بقليل، بدت الدبلوماسية أكثر كفاءة في تنفيذ أهداف السياسة الخارجية من الأداة العسكرية. فكان التفاوض والصلح مع مصر، وكان اتفاق مايو ١٩٨٣ الذي انهار قبل أن تجف الأقلام التي كتبته، وكان اتفاق أوسلو، وكان الاتفاق مع الأردن ... إلخ. والمثير هنا أن هذه الاتفاقات، وبخاصة الاتفاق مع مصر، عكست انتصار منطق الدولة ودرجة من تطبيع السياسة الخارجية الإسرائيلية. فالانسحاب من سيناء، ذات الأهمية التاريخية النسبية من وجهة النظر الصهيونية، والبقاء في الجولان، بل محاولة ضمها فعلياً عام ١٩٨١ بإخضاعها للقانون الإسرائيلي، كان يعني أن الإستراتيجية هزمت الأيديولوجية، وأن منطق الدولة قادر على إزاحة منطق الأيديولوجيا إذا ما تعارضا. ومن ثم أضحت مهمة منطق الأيديولوجيا هي البحث عن صيغة للتعايش مع التطبيع الذي بدا آتياً لا محالة.
وأخيراً فقد جاء انهيار الاتحاد السوفيتي، ثم حرب الخليج التي تحولت فيها إسرائيل من رصيد إستراتيجي إلى عبء إستراتيجي على الولايات المتحدة التي اضطرت للحضور بنفسها للدفاع عن مصالحها الإستراتيجية، ليطرحا التساؤل بشأن كفاءة الدولة الوظيفية ويثيرا قدراً ضئيلاً من الشكوك حول العلاقة التعاقدية.
ولعل المبادرة الإسرائيلية بطرح أفكار حول دورها في مواجهة الإرهاب والأصولية في المنطقة، والكيفية التي يمكن أن يفوز الغرب بها في "المعركة ضد الإرهاب" (عنوان أحد مؤلفات رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو) تعكس حرص النخبة على تأكيد القيمة الوظيفية لإسرائيل، في الوقت الذي بادرت فيه نفس النخبة (بل نفس السياسي) بالتحدث عن إمكانية استغناء إسرائيل عن المعونة الأمريكية، والتبشير بنجاح تطبيع الاقتصاد الإسرائيلي، بصرف النظر عن الاستحالة العملية لهذا التطبيع (انظر: «المعونة الخارجية للدولة الصهيونية الوظيفية» ) .
стр. 8173
هذه السياسات المتناقضة قد تكشف أزمة الصياغة التلفيقية التي بدأت تظهر في إسرائيل كرد فعل لأزمة نموذج الصهيونية العمالية. فهي صياغة تحاول الجمع بين ثوابت الأيديولوجية الصهيونية كما تتبدى في الخطاب الصهيوني من جهة، وبعض الممارسات السياسية وتدويل الممارسة الاقتصادية من جهة أخرى. غير أنها تصطدم عند التطبيق بالتناقضات بين الأجندة السياسية الأيديولوجية المتشددة والمناخ الملائم لعملية تطبيع الاقتصاد الإسرائيلي، الأمر الذي يقتضي البحث عن صياغة أكثر تركيباً وتلفيقاً على مستوى السياسة الخارجية، صياغة تجمع بين الخطاب التطبيعي المطمئن للمستثمرين والدافع للتعاون الإقليمي، والممارسة الصهيونية التي تكرس أمراً واقعاً يضع حدوداً صارمة على هذا التطبيع بحيث لا يتجاوز بأية حال حدود الخطاب الأيديولوجي إلى التضحية بمكتسبات الأرض.
стр. 8174
وتبلورت هذه الصياغة من خلال التفسير الإسرائيلي لمبدأ الأرض مقابل السلام. فهذا المبدأ في صورته الأصلية يشكل معادلة غير متكافئة الأطراف. فالأرض كيان ملموس والسلام معنوي بالأساس. ويستطيع طرف مثلاً أن يحصل على نصف الأرض أو ربعها، ولكن كيف يمكن أن يحصل الطرف الآخر بالمقابل على نصف السلام أو ربعه؟ وجاء الحل التلفيقي ليقلب المعادلة: فالأرض اتخذت شكلاً أكثر تجريداً، بحيث يطرح التساؤل حول الانسحاب من "أرض" أم من "الأرض"؟ وتُقسَّم الأرض إلى مناطق تخضع لترتيب مؤقت وأخرى لا تُناقَش إلا مع ترتيبات الحل النهائي، ويقسم الانسحاب من الأرض إلى إعادة انتشار ثم تفاوض (ومن المثير أن مناحم بيجين حين كان وزيراً للدولة في وزارة الحرب اعترض على مبادرة روجرز لتضمنها كلمة "انسحاب" مطالباً باستبدالها بتعبير "إعادة تمركز القوات" ... إلخ) . أما السلام فيتحول إلى مرادف لعلاقات اقتصادية تفضيلية وتعاون إقليمي، وليس مجرد علاقات عادية أو طبيعية، وتُعقَد مؤتمرات وتنبثق لجان للتجارة والسياحة ومجلس للأعمال ومشروع لبنك إقليمي ... إلخ، وتُدار هذه التطورات بغض النظر عن التطورات على الأرض!
وغني عن البيان أن هذه الصياغة ـ بقلبها للمعادلة ـ تبث الحياة مرة أخرى في نموذج الصهيونية العمالية، ليتعايش من جديد منطق الدولة ومنطق الأيديولوجيا، بحيث ترسم الأيديولوجيا حدود التطبيع السياسي الذي تقتضيه ضرورات منطق الدولة والتطبيع الاقتصادي.
أما عن قابلية هذه الصياغة للاستمرار، وخصوصاً في ضوء الصعوبات التي تواجهها عملية تطبيع الاقتصاد الإسرائيلي، فإنها مرهونة بتحركات الأطراف الأخرى في التفاعل الإقليمي، حيث تصبح هذه الأطراف وحدها القادرة، على الأقل برفضها قلب المعادلة الحاكمة للتفاوض، على كشف هشاشة هذه الصياغة واحتدام أزمة الدولة ليس فقط على المستوى الاقتصادي وإنما أيضاً على مستوى السلوك الخارجي.
الدعاية الصهيونية/الإسرائيلية
стр. 8175
Zioinst-Israeli Propaganda
يُقصَد بالدعاية نشاط يهدف إلى التأثير في الآخرين لدفعهم لاتخاذ مواقف ما كانوا ليتخذوها لولا هذا التأثير. ويتصل بالدعاية مجموعة من المفاهيم الأخرى مثل الاتصال والإعلام والحرب النفسية. والدعاية الصهيونية/الإسرائيلية تشكل أحد المرتكزات الثلاثة التي تقوم عليها إستراتيجية المُستوطَن الصهيوني (الصراع المسلح ـ التخطيط الدعائي المنظم ـ الدبلوماسية النشيطة) . والعلاقة بين هذه المرتكزات متداخلة، فأي منها يُعدُّ للآخر ويتابعه، فالدعاية تمهد للصراع المسلح وتلاحقه، ثم تأتي الدبلوماسية لتؤكد ما حققه كل منهما. ولا يمكننا الحديث عن دعاية إسرائيل (الدولة) بشكل منفصل عن الدعاية الصهيونية، فالعلاقة بينهما أكثر من تاريخية، فرغم وجود منظمات مستقلة خاصة بكل منهما فإن الدعاية الإسرائيلية هي بالأساس صهيونية، كما أن نشاط الدعاية الصهيونية هو بالأساس لحساب إسرائيل، ويتضح هذا التداخل القريب من الاندماج ليس فقط على مستوى المنطق الدعائي بل في تداخُل وتعاون أنشطتهما التي تأخذ أحياناً شكل مؤسسات ومنظمات مشتركة، ولذا سنتحدث عن دعاية صهيونية/إسرائيلية.
تنطلق الدعاية الصهيونية من الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة (شعب عضوي منبوذ ـ يُنقَل من الغرب إلى الشرق ـ ليتحول من عنصر طفيلي إلى عنصر نافع يقوم على خدمة المصالح الغربية في إطار الدولة الوظيفية ويقوم بتجنيد يهود العالم وراء الدولة الغربية الراعية) . وهذا يعني ضرورة التوجه إلى عدة قوى وضرورة تطوير مستويات مختلفة من الخطاب الدعائي.
١ ـ يجب أن يتوجه الإعلام الصهيوني بالدرجة الأولى إلى الدولة الإمبريالية الراعية في غرب أوربا وأمريكا الشمالية التي ستقوم بدَعْم المشروع الصهيوني وتوفير موطئ قدم له مقابل أن تقوم الدولة الصهيونية على خدمة الدولة الراعية والدفاع عن مصالحها.
стр. 8176
٢ ـ يجب أن يتوجه الإعلام الصهيوني إلى المادة البشرية المُستهدَفة (أي اليهود) لتجنيدهم لخدمة المشروع الصهيوني الوظيفي.
٣ ـ يجب أن يتوجه الإعلام الصهيوني للمستوطنين الصهاينة حتى يمكنهم الاستمرار في حالة الحرب المستمرة التي فرضها عليهم المشروع الصهيوني.
٤ ـ يجب أن يتوجه الإعلام الصهيوني إلى المادة البشرية الأخرى المُستهدَفة والتي لا يرد أي ذكر لها، أي عرب فلسطين والعرب ككل، وذلك حتى يمكن هزيمتهم نفسياً وإخفاء عمليات القمع ضدهم أو تبريرها.
٥ ـ يجب أن يتوجه الإعلام الصهيوني إلى شعوب آسيا وأفريقيا والعالم بأسره لتبرير المشروع الصهيوني.
ومن الواضح أن الوظيفة الدعائية عنصر مشترك في أداء زعماء الحركة الصهيونية. فهرتزل كتب كتابه الأرض القديمة الجديدة بهذا الهدف. وكان جابوتنسكي ينتقل من جنوب أفريقيا إلى أمريكا الشمالية للسبب نفسه. وكان وايزمان أحد زعماء الحركة الصهيونية وأول رئيس لإسرائيل يقول: "يجب أن نبني أعمالنا على أوسع مجال من عطف الرأي العام". وقد لعب زعماء الدولة الصهيونية وقيادتها دوراً مماثلاً.
وتظهر وظيفية الدعاية الصهيونية في تَلوُّنها السريع، ففي مرحلة ما قبل بلفور، على سبيل المثال، كانت الدعاية الصهيونية تركز على حاجة اليهود لوطن قومي في أي مكان في العالم. ومع تحدُّد الإستراتيجية الإمبريالية البريطانية، ومع قرار تقسيم الدولة العثمانية، أصبحت فلسطين، وفلسطين وحدها، البلد الذي يمكن أن يعيش فيه اليهود.
стр. 8177
ويختلف الخط الإعلامي الصهيوني في ألمانيا النازية عنه في أوساط المثقفين الاشتراكيين أو في أوساط الرأسماليين الأمريكيين. ولعل هذه الصفة الحربائية (التي تدل على الكفاءة) تظهر أكثر ما تظهر في الدعاية الصهيونية الموجهة للعرب. فقبل عام ١٩٤٨، كان الحديث عن ضرورة اقتسام فلسطين مع العرب. ولكن هذا الحديث يختفي تماماً بعد ذلك التاريخ، بل إن الدعوة إلى التقسيم أصبحت تطرفاً وإرهاباً وتهديداً للبقاء اليهودي. ومع هذا، يُلاحَظ أن الدعاية الصهيونية/الإسرائيلية اتخذت، حتى عام ١٩٥٦، موقف الدفاع عن الذات اليهودية وعن الدولة اليهودية، ويتمثل هذا في عدم تشويه الطابع القومي العربي، بل لا تتردد هذه الدعاية في تذكير العرب بالأصل المشترك مع اليهود. أما بعد حرب ١٩٥٦، فقد انتقلت الدعاية إلى موقع الهجوم بتشويه الطابع القومي للعرب وتضخيم فضل العنصر اليهودي على العالم. وفي مرحلة ١٩٦٧، انتقلت هذه الدعاية إلى أسلوب الاستفزاز بتأليه الطابع اليهودي والحديث عن السلام العبري وضرورة فرضه على المنطقة، والإلحاح على إسرائيل كدولة وظيفية قادرة قوية وكذراع للمصالح الغربية بالمنطقة ضد القومية العربية.
وفي المرحلة الممتدة من كامب ديفيد إلى أوسلو التي واكبت سقوط الاتحاد السوفيتي وتقهقُر القومية العربية وظهور منظمتي حماس والجهاد الإسلامي، بدأت إسرائيل تتبنى منطقاً إعلامياً جديداً وهو الدفاع عن النظام العالمي الجديد وتأكيد الروابط الاقتصادية بين إسرائيل ودول الشرق الأوسط (الدول العربية سابقاً) والهجوم على الحركات الإسلامية وإعادة إنتاج صورة الإسرائيلي باعتباره خبيراً اقتصادياً مرناً متفاهماً، وباعتباره فنياً لا يكترث كثيراً بالأبعاد الأيديولوجية، بعد أن كان مقاتلاً في جيش ذي ذراع طويلة تمتد لتصل إلى الجميع.
ومع هذا، ثمة موضوعات أساسية في الدعاية الصهيونية نوجزها فيما يلي:
стр. 8178
١ ـ إشاعة الاعتذاريات الصهيونية المختلفة عن أن اليهود شعب عضوي غربي أبيض، أو شعب يهودي خالص، أو شعب اشتراكي يدافع عن حقوق الإنسان ... إلخ. ولكن الموضوع الأساسي في كل هذه الاعتذاريات هو أن الجماعات اليهودية هي في واقع الأمر "أمة يهودية" واحدة لابد من جَمْع شمل أعضائها لتأسيس دولة يهودية في فلسطين، مع التزام الصمت الكامل حيال العرب لتغييبهم أو محاولة تشويه صورتهم إن كان ثمة ضرورة لذكرهم.
٢ ـ ركزت الدعاية الصهيونية في الغرب (وبخاصة في مرحلة ما قبل بلفور) على محاولة إعادة إنتاج صورة اليهودي حتى يمكن توظيفه في خدمة المشروع الصهيوني. فاليهودي إنسان لا جذور له، طفيلي يشعر بالاغتراب ما دام خارج أرض الميعاد. وهو مُضطهد بشكل دائم عبر التاريخ (ابتداءً من طَرْد اليهود بعد هَدْم الهيكل على يد تيتوس إلى إبادتهم بأعداد ضخمة على يد هتلر) . هذا اليهودي يصبح الإنسان العبري، القوي، المحارب، الذي يمكنه أن يدافع عن نفسه وعن مصالح الحضارة الغربية.
٣ ـ توجَّهت الدعاية الصهيونية إلى الجماعات اليهودية تُبيِّن لها أن وجودها في عالم الأغيار يتهددها (ويتهدد هويتها) بالخطر. وركَّزت الدعاية الصهيونية على دعوة ال يهود للخروج من الجيتو والهجرة إلى إسرائيل للحفاظ على خصوصيتهم وهويتهم اليهودية.
٤ ـ ركزت الدعاية الصهيونية على قضية العداء الأزلي لليهود وعلى الإبادة النازية لليهود والستة ملايين يهودي، وهي تهدف من هذا إلى ابتزاز العالم الغربي وتبرير عملية اقتلاع الفلسطينيين من بلادهم، كما أنها تقوي التضامن اليهودي في الوقت نفسه.
٥ ـ من الموضوعات الأساسية التي تطرحها الدعاية الصهيونية قضية البقاء، فالدولة الصهيونية ليست دولة معتدية وإنما هي تحاول الحفاظ على بقائها وأمنها وحسب. وتختلف طبيعة هذا البقاء من حقبة لأخرى وحسب موازين القوى.
стр. 8179
٦ ـ أما بالنسبة للمستوطنين الصهاينة، فقد ركزت الدعاية الصهيونية على حقوقهم التاريخية المطلقة وعلى قضية الوعي اليهودي. كما طورت الدعاية الصهيونية رؤية مزدوجة للمُستوطَن الصهيوني باعتبار أن بقاءه مهدد دائماً من قبَل العرب ولكنه قوي جداً لدرجة أنه لا يمكن أن يتهدده أحد، فهو قادر على البقاء وعلى سَحْق أعدائه وضربهم في عقر دارهم. وقد ركزت الدعاية الصهيونية على قضية التنشئة الاجتماعية حتى تضمن دَمْج المهاجرين والأجيال الجديدة في المجتمع الاستيطاني.
٧ ـ وقد حاولت الدعاية الصهيونية/الإسرائيلية تحويل مشاعر العداء للسامية من الفرع اليهودي إلى الفرع العربي. واستبدلت بصورة اليهودي التي سيطرت عليها صفات مثل الخيانة والبخل والعدوانية والخداع صورة على النقيض، فأصبح اليهودي: مسالماً ـ متحضراً ـ أميناً ـ ذكياً ـ صديقاً، ونجحت في ترسيخ صفات سلبية عن العربي، فقد أصبح: متخلفاً ـ بربرياً ـ جشعاً ـ عدوانياً بطبعه، وفي نهاية الأمر غائباً لا وجود له.
٨ ـ تدخل الدعاية الصهيونية/الإسرائيلية الموجهة للعرب في إطار الحرب النفسية التي تهدف إلى تحطيم معنويات العرب بل تحطيم الشخصية القومية العربية وغَرْس مفاهيم مثل "جيش الدفاع الإسرائيلي الذي لا يُقهَر" و"السلام العبري". وقد أشرف على الحرب النفسية الإدارة النفسية العسكرية (التابعة للوكالة اليهودية) قبل عام ١٩٤٨. فخلقت حالة من الذعر الجماعي بين السكان العرب وروجت أخبار الأوبئة الوهمية والمذابح ووزعت المنشورات واستخدمت مكبرات الصوت المحمولة على عربات مطالبة السكان بالخروج قبل ١٦ مايو باعتباره الوسيلة الوحيدة لتجنُّب مذبحة كبرى. وحتى حوادث العنف التي ارتكبها الصهاينة ضد العرب خُطِّطت بطريقة رشيدة جداً تراعي الجانب الدعائي، وذلك بتعمُّد ترك شهود أحياء يتمكنون من الفرار حتى يشيعوا الذعر في المناطق المجاورة.
стр. 8180
وتشرف وزارة الدفاع وجهاز المخابرات الإسرائيلية على الأنشطة الدعائية في المناطق العربية المحتلة بعد عام ١٩٤٨. ومن المؤسسات الأخرى الإذاعة الإسرائيلية من القدس التي تبث إرسالها إلى عرب فلسطين والبلاد العربية، والقسم العربي بالهستدروت. وتركز الدعاية الصهيونية الموجهة للعرب على إشاعة التقسيمات الطائفية وعلى تقويض المقاومة ضد الاحتلال.
وتعتمد الدعاية الصهيونية/الإسرائيلية على مبدأ التضليل بصفة عامة. ويتم هذا لا من خلال الكذب المباشر إنما من خلال الاختصار والاعتماد على لغة الإبهام والغموض، كما يلجأ الصهاينة أحياناً للغش المصقول. وقد بيَّن أبا إيبان أن الدبلوماسية الإسرائيلية عادةً ما تختار حلاًّ للصراع العربي الإسرائيلي تعلم مسبقاً أن العرب لا يمكن أن يقبلوه، ثم تبدأ آلة الإعلام في التهليل له. وحينما يرفض العرب مثل هذا الاقتراح، فإن الصهاينة يتوجهون للعالم يعتصرهم الألم لرفض العرب اقتراحهم السلمي. ولما كانت الأهداف المتعددة تقتضي أساليب متعددة وأصواتاً متعددة فإن الدعاية الإسرائيلية توظِّف الأدوات بحيث يمكنها إصدار عدة أصوات مختلفة، فهناك صوت يساري معتدل وآخر يميني متطرف وصوت وسط يقف بين الاثنين ويُسمَح لكل الأصوات بأن تظهر فيما يشبه الجوقة على أن يصل لكل متلق الصوت الذي يحبه (ولذا يُطلَق على هذه الآلية «دبلوماسية الجوقة» ) .
ومن الآليات الأساسية التي لجأت لها الدعاية الصهيونية اعتماد أجهزة الدعاية الإسرائيلية على محترفين في الحرب الإعلامية يعلمون أسرار المهنة قلباً وقالباً.
وتُعتبَر أهم وسائل الإعلام الإسرائيلي ما يلي:
١ ـ مراسلو وكالات الأنباء الغربية والصحف وشبكات التليفزيون في إسرائيل وجميعهم من الإسرائيليين.
٢ ـ إقامة علاقات اتصال مع شخصيات وجمعيات أمنية مؤثرة، سواء عن طريق الزيارات المتبادلة أو المراسلة وتوظيف ذلك دعائياً بما يخدم أهداف إسرائيل.
стр. 8181
٣ ـ تقوم المنظمات الصهيونية في كل أنحاء العالم بنشاطات إعلامية من خلال تجنيد شخصيات ومؤسسات ومراكز إعلامية ومراكز أبحاث تُزوَّد بمطبوعات ونشرات تتحدث عن إسرائيل بالتعاون مع الملحقيات الصحفية.
٤ ـ تنشط المنظمات الصهيونية لإقامة جمعيات صداقة بين إسرائيل والدول التي توجد فيها جاليات يهودية كجمعيات التضامن والصداقة (طبية ـ اقتصادية ـ حقوقية ... إلخ) وتضم هذه اللجان شخصيات يهودية وأخرى غير يهودية مهمتها الدعاية لإسرائيل.
٥ ـ شبكة واسعة من الدوريات الصهيونية في أنحاء العالم كافة.
وتُعتبَر إدارة الإعلام التابعة لوزارة الخارجية المشرف على تخطيط الدعاية الإسرائيلية في الخارج. وتقوم السفارات والقنصليات ومراكز الإعلام الإسرائيلية (التابعة للسفارات) وأبرزها في نيويورك وباريس وبيونس إيرس وزيورخ بتنفيذ وتوجيه العمل الدعائي.
وتلعب المنظمة الصهيونية العالمية ـ كما أسلفنا ـ دوراً مهماً في نشاط الدعاية الصهيونية/الإسرائيلية. وكان عام ١٩٦٩ عاماً حاسماً في تاريخ الوظيفة الدعائية للمنظمة حين اتُخذ قرار بتنظيم الوكالة اليهودية والفصل بينها وبين المنظمة الصهيونية العالمية واختصاص الأخيرة بكل ما يتصل بالدعاية الدولية. وتضم المنظمة مجموعة من المكاتب والإدارات المركزية التابعة لها للإشراف على العمل الدعائي الصهيوني. ولا تَخفَى الصلة الوثيقة بين المنظمة الصهيونية ومئات المنظمات الصهيونية التي تمارس الدعاية والمنتشرة في أنحاء العالم والتي تتخذ شكل منظمات مستقلة مثل النداء اليهودي الموحَّد والصندوق الاجتماعي بفرنسا.
وبالإضافة إلى مئات المنظمات التي تبدو مستقلة، تمارس العديد من المنظمات الإسرائيلية الدعاية بالخارج، ومنها فروع الأحزاب والهستدروت التي تضم إدارتين واحدة للعلاقات الخارجية وأخرى للتعاون الدولي تلعبان دوراً دعائياً بارزاً بالخارج باتجاه الجمهور العمالي والمنظمات العمالية الأجنبية.
стр. 8182
ويرجع نجاح الدعاية الصهيونية إلى عدة عناصر:
١ ـ تعدُّد المنظمات الدعائية وتنوُّعها وضخامة عددها واعتمادها التخطيط العلمي.
٢ ـ تقوم الدعاية الصهيونية بتوظيف أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب فهم يشكلون جزءاً عضوياً داخل الجسد الغربي (رغم استقلاله النسبي) ، ومن ثم تبدو الدعاية الصهيونية كما لو أنها ليست وجهة نظر دولة أجنبية وإنما تعبير عن مصالح أقلية قومية.
٣ ـ غياب الدعاية العربية وفجاجتها في كثير من الأحيان.
ولكن السبب الحقيقي والأول هو أن إسرائيل دولة وظيفية أسَّسها التشكيل الحضاري والإمبريالي الغربي لتقوم على خدمته، ولذا فهي تحظى بكثير من التعاطف لأن بقاءها كقاعدة للاستعمار الغربي جزء من الإستراتيجية العسكرية والسياسية والحضارية للعالم الغربي.
المؤسسة العسكرية الإسرائيلية وعسكرة المجتمع الإسرائيلي
Israeli Military Establishment and Militarization of Israeli Society
المجتمعات الاستيطانية (سواء في أمريكا الشمالية أو في جنوب أفريقيا) مجتمعات ذات طابع عسكري بسبب رفض السكان الأصليين لها. وإسرائيل لا تشكِّل أيَّ استثناء من هذه القاعدة، فهي مجرد تحقُّق جزئي لنمط متكرر عام. وقد ظهرت منظمات ومؤسسات وميليشيات عسكرية قبل عام ١٩٤٨ دُمجت كلها في مؤسسة واحدة، هي المؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي أصبحت العمود الفقري للتجمُّع الاستيطاني الصهيوني.
ويتميَّز المجتمع الإسرائيلي بصبغة عسكرية شاملة قوية، فجميع الإسرائيليين القادرين على حمل السلاح رجالاً ونساءً يؤدون الخدمة الإلزامية. وينطبق على هذا المجتمع وصف «المجتمع المسلح» ، أو «الأمة المسلحة» كما يصف الإسرائيليون أنفسهم.
стр. 8183
وتتشكَّل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من العناصر العسكرية في المجتمع الإسرائيلي، وتضم هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، والضباط المحترفين فيه، وأجهزة المخابرات المختلفة، ومعاهد الدراسات الإستراتيجية، ومختلف التنظيمات التي يمتد إليها إشراف الجيش، وأفواج الضباط السابقين المنتشرين في المناصب الإستراتيجية في مختلف أنحاء الدولة، بالإضافة لرجال الشرطة، والسياسيين الذين ارتبطت حياتهم ومواقفهم بدور الجيش. ومع هذا فمن العسير جداً تحديد حدود المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، بسبب استيطانية الدولة الصهيونية ولا تاريخيتها، وبالتالي حتمية لجوئها للعنف لتنفيذ أي مخطط، لهذا نجد أن إسرائيل هي دولة تأخذ معظم الأنشطة فيها صفة مدنية/عسكرية في آن واحد. وحيث إن معظم جيشها من قوات الاحتياط يصبح من الصعب التمييز بين المدنيين والعسكريين، ويصبح في حكم المستحيل العثور على حدود فاصلة بين النخبة العسكرية والنخبة السياسية، إذ يتبادل أفراد النخبتين الأدوار ويقيمون التحالفات في الأحزاب والهستدروت والكنيست وغيرها من المنظمات.
стр. 8184
ولا تمثل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بالنسبة لإسرائيل مجرد آلة مسلحة لتحقيق أهدافها السياسية ومصالحها الحيوية، ولكنها تتغلغل في معظم أوجه الحياة السياسية، بدءاً بإقامة المستوطنات وتنظيم الهجرة إلى إسرائيل، وتحقيق التكامل بين المهاجرين إليها، وتنظيم البرامج التعليمية لأفراد الجيش، ومراقبة أجهزة الإعلام وتوجيهها، وتطوير البحث العلمي، إلى تحديد حجم الإنفاق العسكري بما يؤثر على عموم الأحوال الاقتصادية للدولة، والتأثير على مجال الصناعة وخصوصاً الصناعات الحربية والإلكترونية، ومجال القوى العاملة والتنمية الإدارية. وتقوم المؤسسة العسكرية بدور مهم في التأثير في وضع الأراضي العربية المحتلة وتحديد الأراضي التي يتم ضمها إلى إسرائيل، وطرد العرب من هذه الأراضي. ويُضاف إلى ذلك أن المؤسسة العسكرية تحتفظ بصلات وثيقة، بهدف التنسيق والمتابعة، مع معظم أجهزة الدولة مثل وزارات الخارجية والمالية والتجارة والصناعة والعمل والتربية والتعليم والشرطة والزراعة والشئون الدينية. وللمؤسسة العسكرية شبكة للعلاقات الخارجية تشمل الاتصالات من أجل الحصول على معلومات أو أسلحة، والقيام بعمليات سرية في الخارج، وتدريب أفراد من الدول النامية على القتال.
стр. 8185
وتُشكِّل وزارة الدفاع الإسرائيلية وقمة جيش الدفاع مركزاً لقوة سياسية واقتصادية واجتماعية لا مثيل لها في العالم باستثناء بعض أنظمة الحكم الديكتاتورية العسكرية مثل جنوب إفريقيا (قبل سقوط النظام العنصري) . فحجم التفاعلات التي تشترك فيها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تقدم نموذجاً خاصاً ومتميِّزاً لدور العسكريين، وهو الدور الناجم عن البُعد التاريخي للوظيفة العسكرية المصاحبة نشأة الكيان الاستيطاني الصهيوني، وهو ما جعل عسكرة المجتمع الإسرائيلي في جميع المجالات مسألة حتمية. وسنتناول في هذا المدخل الجانبين السياسي والاقتصادي وحسب، مع علمنا بأن العسكرة عملية أكثر شمولاً وعمقاً وبنيوية.
١ ـ عسكرة النظام السياسي:
إن هيبة ونفوذ المؤسسة العسكرية في النظام السياسي الإسرائيلي تنطلق من أن أهم المسائل في هذه الدولة هي مسائل الحرب والسلام، والوظيفة العسكرية للدولة تسيطر على الوجود السياسي سواء في فترات السلم نتيجة تعدُّد الوظائف التي تقوم بها، أو في فترات الحرب بسبب ضرورة حماية البقاء الذاتي للبلاد وفرض سطوتها.
стр. 8186
ولذا نجد أن العسكريين الذين يعملون من خلال هيئة أركان عسكرية مركزية يهيمنون على التخطيط الإستراتيجي بل يحتكرونه. فهذه الهيمنة هي التي تضع التخطيط الإستراتيجي وتتخذ الخطوات التكتيكية. وباستثناء العسكريين في الاتحاد السوفيتي السابق، يمكن أن يُقال إن الجيش الإسرائيلي هو المؤسسة العسكرية الوحيدة في العالم التي لديها سلطة تامة تقريباً في المسائل الإستراتيجية والتكتيكية. وقد تحولت وزارة الدفاع الإسرائيلية إلى أهم مركز من مراكز القوى في إسرائيل. وازدادت أهمية هذه الوزارة في أعقاب عدوان ١٩٦٧، واقترنت في الغالب بقوة أعلى منصب رسمي في إسرائيل، أي منصب رئيس الوزراء، حيث إن كثيراً من رؤساء الوزراء يأتون عن طريق وزارة الدفاع وغالباً ما يحتفظون بها إلى جانب رئاسة الوزارة. ولعل مثال ذلك بن جوريون وتَمسكه بالمنصبين طوال حياته، وكذلك بيجين ثم إسحق رابين الذي اغتيل وهو يجمع بين المنصبين.
وتُعَد العلاقات بين الثالوث (رئيس الوزراء ـ وزير الدفاع ـ رئيس الأركان) محور العلاقات المدنية العسكرية، وأي انهيار فيها يؤدي إلى نتائج مأساوية. وقد حدث ذلك مرتين في تاريخ إسرائيل عام ١٩٥٤ بين شاريت ولافون وديان، وفي عام ١٩٨١ ـ ١٩٨٣ بين بيجين وشارون وإيتان. وهناك دلائل تشير إلى وجود توترات في العلاقة بين المؤسسة العسكرية ونتنياهو، كما سنبين فيما بعد. ولكن التنافس غالباً ما يكون بين وزير الدفاع ورئيس الوزراء، بينما يقوم رئيس الأركان بالميل لرأي أحدهما ليقويه أمام نده.
وقد سعت الأحزاب الإسرائيلية، وبصفة خاصة بعد حرب ١٩٦٧، لضم القادة العسكريين اللامعين إليها بهدف الحصول على أكبر قدر ممكن من الأصوات، وهكذا كانت الاتصالات تجرى مع هؤلاء القادة قبل تركهم مناصبهم. وجاء قرار الكنيست عام ١٩٧٣ بإباحة اشتراك القادة العسكريين في الانتخابات ليتوج الدور السياسي للقادة العسكريين.
стр. 8187
وتُعدُّ المؤسسة العسكرية في إسرائيل مصدراً رئيسياً للتجنيد للمناصب الحكومية العليا والمناصب السياسة الحزبية حيث هذه المناصب الحزبية ممرات شبه إجبارية لتولِّي مناصب حكومية. وتؤكد الدراسات أن ١٠% من كبار الضباط المسرحين يتفرغون للعمل السياسي.
كما أن إدارة الوضع الأمني في المناطق المحتلة سواء بعد حرب ١٩٦٧ أو بعد عملية إعادة الانتشار في أعقاب أوسلو (٢) أو لمواجهة حركات المقاومة الإسلامية التي لم تضع سلاحها بعد (كحركتي حماس والجهاد الإسلامي) جعلت وزارة الدفاع والحكام العسكريين ومجموعة الاستخبارات العسكرية وقوات الشرطة في المناطق المحتلة بمنزلة حكومة عسكرية مُصغَّرة تقوم بمهام عسكرية وسياسية بارزة.
وتحمل السياسة الخارجية هي الأخرى بصمة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. فرئاسة الأركان والجهاز الأمني هما الجهتان الوحيدتان اللتان تتولَّىان منذ سنوات مهمة تقويم الوضع الأمني. وكما يقول شلومو جازيت، رئيس الاستخبارات الإسرائيلية السابق، إنه لا يوجد في الجهاز المدني هيئة مشابهة لرئاسة الأركان وشعبة الاستخبارات قادرة على تَفحُّص المعطيات الأمنية وبلورة الوضع القومي.
٢ ـ عسكرة الاقتصاد:
اتسم المجال الاقتصادي الإسرائيلي بالنزعة العسكرية وخصوصاً بعد حرب ١٩٦٧، حيث تحوَّل الإنتاج العسكري إلى الفرع الإنتاجي القائد في بنية الإنتاج والتصدير.
ويؤكد ذلك جملة من المؤشرات لعل من أهمها:
* تزايد الإنفاق العسكري من ١٨% عامي ١٩٨٥ ـ ١٩٨٦ إلى حوالي ثلث الموازنة المالية (٣٣%) مع تزايد التزامات إسرائيل العسكرية ومع زيادة تكاليف الصناعات العسكرية وتشعُّبها (صواريخ ـ أقمار صناعية ـ أسلحة نووية) .
* تزايد حجم قطاع الصناعات العسكرية (سواء قطاع الصيانة أو قطاع الإنتاج) بحيث أصبح أكبر قطاع صناعي في إسرائيل سواء استناداً لمعيار رأس المال الثابت أو اليد العاملة حيث أصبحت تمثل ٤٠% من إجمالي الصناعة في إسرائيل.
стр. 8188
* دخول هذا القطاع في علاقات مشاركة مع كبريات الاحتكارات الأجنبية التي تمتلك فروعاً لها في إسرائيل ومع الشركات الإسرائيلية الأخرى الأمر الذي جعل القادة العسكريين من أول المستفيدين من العمولات، بل أصبح بعضهم من كبار الرأسماليين في المجتمع الإسرائيلي.
* تطور الصادرات العسكرية المطرد وتصاعُد نسبتها في الصادرات الصناعية، وهي تحتل في الوقت الحاضر المرتبة الثالثة من جملة عائد إسرائيل من العملة الصعبة بعد الماس والسياحة.
* تسريح كبار العسكريين لا يعني ملازمتهم للمنازل في المجتمع الإسرائيلي، بل يعني تولِّيهم إدارة شركات صناعة الأسلحة أو إدارات المصارف والمؤسسات الخاصة والحكومية والهستدروتية حيث يُشكِّلون، حسب بعض التقديرات، ثلاثة أرباع مديري الفعاليات الاقتصادية على اختلاف أنواعها.
ومنذ قيامها تعطي إسرائيل الأولوية للإنفاق العسكري، طبقاً للإستراتيجية الإسرائيلية الهادفة إلى المحافظة على بقاء الجيش الإسرائيلي أقوى قوة عسكرية في المنطقة، وهو ما يتطلب الحصول على أرقى الأسلحة المتطورة، واستيعاب مستجدات التكنولوجيا الحديثة، فازداد حجم الإنفاق العسكري بصورة مطردة. فقد كانت نسبة الإنفاق العسكري من الناتج القومي الإجمالي أقل من ١٠% في مطلع الخمسينيات، ثم أخذت في التزايد مع كل حرب جديدة حتى بلغت ٣٢.٨% بعد حرب ١٩٧٣، وهي أعلى نسبة في العالم، كما أن نسبة الإنفاق العسكري من الناتج القومي الإجمالي كانت أعلى من نسبته في سوريا أو في مصر، وهما البلدان اللذان تحملا العبء الأكبر في الصراع العربي الإسرائيلي. ولكن من المهم ملاحظة أن الازدياد الهائل في الإنفاق العسكري الذي بدأ مباشرةً بعد حرب ١٩٦٧ اعتمد في الدرجة الأولى على المساعدات الأمريكية التي لولاها لعجز الاقتصاد الإسرائيلي عن تَحمُّل أعباء هذا الإنفاق الهائل.
стр. 8189
وقد استمر معدل الإنفاق العسكري عالياً، حتى أن حكومة نتنياهو لم تف بوعودها بتخفيض الإنفاق العسكري بنحو ٥ مليارات شيكل (١.٦ مليار دولار) بل رفعت الإنفاق العسكري بأكثر من ملياري شيكل عام ١٩٩٧، الأمر الذي يُعزِّز تمحور الدولة الصهيونية حول المؤسسة العسكرية. وقد ترافق الارتفاع الكبير في الإنفاق العسكري مع نمو صناعة السلاح التي أعطيت أولوية كبيرة كي تصبح إسرائيل مكتفية ذاتياً على صعيد التسلح، وكان أحد أسباب ذلك الحظر الفرنسي على بيع الأسلحة لإسرائيل بعد حرب ١٩٦٧.
إن نمو صناعة السلاح وتطوُّرها الكبير قد أديا، أيضاً، إلى نمو ما يُسمَّى «المجمّع العسكري/الصناعي» ، وذلك يعود إلى أن عدداً كبيراً من المنشآت الصناعية أصبح يعتمد اعتماداً أساسياً على العقود التي يحصل عليها من وزارة الدفاع، لذلك أصبح من مصلحة هذه المنشآت تعيين جنرالات وضباط سابقين في مراكزها القيادية. فالضباط في الجيش الإسرائيلي يتقاعدون في سن مبكرة نسبياً (٤٠ عاماً) ، الأمر الذي يُفسح لهم مجال مزاولة مهنة جديدة. ومن الطبيعي أن تكون تلك المهنة إدارة شركات صناعية تربطها علاقة بصناعة السلاح، ذلك أن لهم خبرة بالسلاح أولاً، ويستطيعون الاعتماد على علاقاتهم بالجيش ثانياً.
стр. 8190
إن ظاهرة المجمّع العسكري/الصناعي موجودة في كل الدول الصناعية، وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية. لكن الموضوع في إسرائيل يكتسب أهمية إضافية لأنه مكمل لظاهرة المجمّع العسكري/السياسي الموجود منذ قيام دولة إسرائيل؛ ذلك أن جنرالات الجيش الإسرائيلي يحتلون، بعد تَقاعُدهم، مراكز قيادية سياسية. فرئيس الدولة الحالي (وايزمان) كان قائداً لسلاح الجو، ورئيس الحكومة (رابين) كان رئيساً لأركان حرب الجيش، وأربعة آخرون من رؤساء الأركان (موشيه ديان ـ حاييم بار ـ بارليف ـ بيجال يادين ـ رفائيل إيتان) أصبحوا فيما بعد وزراء دفاع. وقد تركت عسكرة المجتمع الإسرائيلي ـ إضافة إلى الدور الوظيفي للدولة ـ آثارها على السياسة الخارجية للدولة، فأصبحت إسرائيل مصدراً للخبرات العسكرية والأمنية إلى مناطق تغطي مساحة شاسعة من العالم مثل دول أمريكا اللاتينية وبعض الدول الآسيوية وحتى بعض الدول الاشتراكية السابقة.
стр. 8191
ورغم عسكرة المجتمع الإسرائيلي على المستويين السياسي والاقتصادي إلا أن مكانة المؤسسة العسكرية قد اهتزت قليلاً في الآونة الأخيرة. فرغم أن هذه المؤسسة تشكل وحدة متماسكة فإن العنصر الإشكنازي هو العنصر المهيمن فيها، هيمنته على الدولة الصهيونية ككل. أما السفارد واليهود الشرقيون فوضعهم مترد. فرغم أن بعض اليهود الشرقيين قد تم تصعيدهم واحتلوا مناصب قيادية مهمة فإن معظم هذه المناصب القيادية تظل في يد الإشكناز بالدرجة الأولى. كما أن ثمة أبواباً خاصة تُفتَح لليهود الإشكناز والغربيين وحدهم في أسلحة بعينها مثل المخابرات والطيران وغيرها من الأجهزة الحساسة التي تفضي إلى وضع اجتماعي بارز بعد التسريح. كما أن الترقيات لا تُمنَح بيسر لغير الإشكناز والغربيين وهو ما يُعتبَر نوعاً من إغلاق أبواب الحراك الاجتماعي أمام السفارد، وهو ما يعني ترجمة التمييز العنصري لواقع طبقي، وتحوُّل المؤسسة العسكرية من بوتقة للصهر وآلية كبرى من آليات الاستيلاء على الأرض الفلسطينية وقمع أهلها إلى حلبة أخرى للصراع بين السفارد والإشكناز.
وإذا كان مناخ الحرب يساعد على استمرار ومركزية المؤسسة العسكرية في حياة الإسرائيليين، فإن ظهور مؤسسات أخرى تحمل صور الريادة (جماعات المثقفين ـ الشركات ـ معامل الأبحاث ـ الجامعات) خفَّف من انفراد المؤسسة العسكرية بهذه الصورة الريادية. وأدَّت هزيمة الجيش الإسرائيلي العسكرية في أكتوبر ١٩٧٣ وفي جنوب لبنان وعجزه أمام الانتفاضة، إلى اهتزاز مكانة المؤسسة العسكرية والكثير من رموزها، وضرب نظرية الأمن الإسرائيلي.
وساهمت عملية التسوية الجارية للصراع العربي الإسرائيلي إلى إضعاف مكانة الجيش الإسرائيلي في الأوساط الإسرائيلية. كما أن تَصاعُد معدلات التوجُّه نحو اللذة والاستهلاك جعل كثيراً من الشباب ينصرف عن الخدمة العسكرية ويهرب منها.
стр. 8192
وفي الآونة الأخيرة لوحظ تدهور وتأزم العلاقات بين المؤسسة العسكرية ورئيس الوزراء الإسرائيلي المنتخب بشكل مباشر بنيامين نتنياهو، ويعود هذا إلى سعيه لوضع إطار جديد لطبيعة الدور الذي تمارسه المؤسسة العسكرية في النظام السياسي الإسرائيلي لتصبح إحدى أدوات القوة الشاملة للدولة، وليس الفاعل الأساسي فيها، بمعنى أن يصبح الجيش الإسرائيلي "قوة احتراف" وليس "قوة ضغط سياسي". وهذا الموقف يتناقض مع إعلاء نتنياهو شعار "الأمن قبل السلام" الذي يفترض زيادة دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية. ولكن نتنياهو يتحرك لإحداث تغيير في جوهر النظام السياسي الإسرائيلي ليكون أقرب إلى النظام الرئاسي (إنشاء بيت أبيض إسرائيلي) ، فيقوم بالتشاور مع مجموعة موالية له شخصياً، ثم يتخذ القرارات كافة دون أن يكون للمؤسسات المعنية أي دور وضمن ذلك المؤسسة العسكرية. وقد أدَّت أحداث نفق الأقصى واتفاق الخليل إلى اهتزاز ثقة الجيش في قدرة القيادة السياسية على إدارة الأمور.
وعندما جاء نتنياهو إلى الحكم كان الجيش الإسرائيلي قد تكيف مع مقتضيات عملية التسوية وفق مبدأ مدريد، حيث أعاد رسم مواقع تمركزه وخطوط الاتصال في الضفة وغزة على نحو يتوافق مع عمليات إعادة الانتشار، ويعود ذلك إلى التوافق بين حزب العمل والجيش بشأن خطوات الاتفاق الأمني في الضفة وغزة والجولان.
ورغم سعي نتنياهو لمصالحة المؤسسة العسكرية بالموافقة على زيادة الإنفاق العسكري وتأكيده ضرورة الاهتمام ببناء وتطوير جيش الدفاع، إلا أنه سيستمر في سعيه لجعل الجيش الإسرائيلي يتجه نحو الاحتراف، وتهميش دوره السياسي.
стр. 8193
لكن عسكرة المجتمع الإسرائيلي لا تعني هيمنة المؤسسة العسكرية عليه وتغلغل عناصرها في الهيكل السياسي والاقتصادي للدولة الصهيونية وإنما هو أمر أكثر عمقاً. ومن يدرس الظواهر الإسرائيلية ابتداءً من النظام التعليمي وانتهاءً بأكثر الأمور تفاهة، سيُلاحظ الأبعاد العسكرية خلفها. فالبُعد الاستيطاني مرتبط تماماً بالبُعد العسكري، والهاجس الأمني (أي محاولة قمع السكان الأصليين) يسيطر على السياسة العامة في كل القطاعات، وعلى سلوك الإسرائيليين، بل على أحلامهم وأمراضهم النفسية، فالمجتمع/القلعة لابد أن يكون مجتمعاً عسكرياً يحاول أن يحتفظ بالمادة البشرية في حالة تأهب عسكري دائم، إذ يُحتِّم البقاء حسب الشروط الصهيونية قَهْر العرب.
اليهود الشرقيون (السفارد) والنظام السياسي الإسرائيلي
Oriental Jews (Sephard) and the Israeli Political System
أسس صهاينة شرق أوربا الإشكناز الجيب الصهيوني فهم الذين قاموا بالاستيلاء على أرض فلسطين وطرد سكانها وهم الذين أعلنوا قيام الدولة الصهيونية. ولكن الدولة شيء والمجتمع الاستيطاني شيء آخر. وحتى يتم تأسيس مجتمع متكامل، كان ضرورياً ضم مادة بشرية من العمال والفلاحين الذين يقومون بالأعمال الإنتاجية لشغل قاعدة الهرم الإنتاجي. وبما أنه كان هناك أعمال استنكف الإشكناز عن القيام بها قامت الحركة الصهيونية بتهجير اليهود العرب بالوعد أحياناً وبالوعيد أحياناً أخرى ليضطلعوا بهذه المهمة. وقد نجح الصهاينة في إنجاز هذا الجزء من مخططهم، إلى حدٍّ بعيد، بسبب عمالة بعض الحكومات العربية وجهل بعضها الآخر، وبسبب الوضع المبهم للجماعات اليهودية في العالم العربي بعد تأسيس الدولة الصهيونية التي ادعت أنها دولة يهودية تتحدث باسم كل يهود العالم وتمثلهم وتدافع عن مصالحهم!
стр. 8194
وكان اليهود الشرقيون يشكلون في أواسط القرن التاسع عشر الأغلبية الساحقة من يهود فلسطين، لكن بعد تدفُّق الهجرة اليهودية الصهيونية من دول أوربا تقلصت نسبتهم فأصبحوا أقلية (أقل من ١٠%) من بين مجموع السكان اليهود قبل سنة ١٩٤٨. ولكن التحول في الاتجاه الآخر تم بعد قيام إسرائيل حيث هاجر عدد كبير من اليهود الشرقيين (السفارد) في موجات شعبية واسعة، فازداد عددهم بصورة سريعة، وشكلوا في أوائل السبعينيات نحو نصف سكان إسرائيل اليهود. وأكبر الطوائف الشرقية في إسرائيل هم اليهود المغاربة يليهم بالترتيب: العراقيون واليمنيون والإيرانيون. ولا يزال أبناء هذه الجماعات يحافظون، بصفة عامة، على كثير من عادات وتقاليد الأقطار التي جاءوا منها فهم يفهمون لغاتها إضافة إلى تَكلُّمهم العبرية.
وتصنف الإحصاءات الإسرائيلية السكان اليهود وفقاً لبلد الأصل (أي وفقاً لمكان ولادة الشخص ومكان ولادة أبيه) إلى ثلاث جماعات إثنية رئيسية:
١ ـ الإشكناز: وهم المولودون في أوربا وأمريكا والمولودون في إسرائيل لآباء من مواليد أوربا وأمريكا.
٢ ـ السفارد: وهم المولودون في آسيا وأفريقيا والمولودون في إسرائيل لآباء من مواليد آسيا وأفريقيا.
٣ ـ يهود أبناء البلد: وهم يهود وُلدوا هم وآباؤهم في البلد (فلسطين المحتلة) .
وقد استمر الإشكناز أغلبية حتى أوائل الستينيات بنسبة ٥٢.١% عام ١٩٦١، ولكن في مطلع السبعينيات تفوقت عليها نسبة السفارد فصارت النسبة ٤٤.٢% من الإشكناز مقابل ٤٧.٤% من السفارد عام ١٩٧٢.
وبقي الأمر على ذلك حتى تدفُّق هجرة اليهود السوفييت حيث رجحت كفة الإشكناز قليلاً، كما أن اليهود المولودين في البلد (فلسطين ثم إسرائيل) ارتفعت نسبتهم حتى أصبحوا أغلبية السكان بنسبة ٦٠.٩% عام ١٩٩٣. (ويعود التناقض فى الأرقام إلى الاختلاف فى طريقة التصنيف والاحصاء) .
стр. 8195
وقد ظهرت أزمة التفرقة بين الإشكناز والسفارد فيما يتعلق بالتقسيم الطبقي أو التوزيع المهني، وبناء على ذلك المعيار يمكن التمييز بين خمس شرائح أو خمس جماعات تحتل درجات مختلفة في السلم الطبقي، ويمكن ترتيب هذه الشرائح من أعلى إلى أسفل كما يلي:
١ ـ مواليد البلد الغربيون (مواليد البلد لآباء من مواليد أوربا وأمريكا) .
٢ ـ يليهم المهاجرون الغربيون (مواليد أوربا وأمريكا) ، وتمثل هاتان الفئتان الطائفة الإشكنازية.
٣ ـ أبناء البلد (مواليد البلد لآباء من مواليد البلد) .
٤ ـ مواليد البلد الشرقيون (مواليد البلد لآباء من مواليد آسيا وأفريقيا) .
٥ ـ مهاجرون شرقيون (مواليد آسيا وأفريقيا) . وهاتان الفئتان الأخيرتان تمثلان السفارد.
وبذلك فإن السفارد يحتلون مؤخرة السلم الطبقي بينما يحتل الإشكناز قمته. فالتقسيم الطبقي يتأثر ببلد الأصل أكثر من تأثره بالأقدمية في البلد، وذلك لأن اليهود الغربيين سواء كانوا من مواليد البلد أو من مواليد الخارج هم أعلى طبقياً من اليهود الشرقيين سواء كانوا من مواليد البلد أو من مواليد الخارج، أما المواطنون العرب فهم يشكلون الشريحة السادسة.
ومن المؤشرات التي تبرز التفاوت الاقتصادي والاجتماعي أن المدن والأحياء الفقيرة ما زال سكانها من السفارد وهي تعاني من البطالة أكثر من المعدل العام في إسرائيل. فنسبة البطالة في مدينة يوروحام في النقب (سفارد) حوالي ١٢.٥% أي حوالي أربعة أضعاف نظيرتها في تل أبيب (إشكناز) وهي ٣.٥%. كما أن راتب اليهودي السفاردي يعادل ٦٨% من راتب اليهودي الإشكنازي. ويبلغ عدد الطلاب في الجامعات من السفارد ٢٥% فقط من المجموع العام، ونسبة من يحمل شهادة الدكتوراه من السفارد هي ١٨% مقابل ٨٢% للإشكناز.
следующие страницы →