← Адаб

Адаб · id 20762

الدر الفريد وبيت القصيد

محمد بن أيدمر

Полный текст (5 369 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 178

التَّضْمِيْنُ (١) مَصْدَرٌ سُمِيِّ بِهِ، وَهُوَ نَوْعَانِ: أحَدُهُمَا: أَنْ يَنْظِمَ الشَّاعِرُ بَيْتًا، وَيَأتِي بِبَيْتٍ آخَرَ لِغَيْرِهِ يِلْتَحِمُ مَعَهُ، وَيَقْتَضِي

стр. 179

المَعْنَى أَنْ يَكُوْنَ تَالِيًا لَهُ لَا يَنْفَصِلُ عَنْهُ، فَيُسَمَّى الثَّانِي مُضَمِّنًا لِلأَوَّلِ. وَالآخَرُ: أَنْ يَذْكُرَ الشَّاعِرُ فِي صَدْرِ بَيْتِهِ مَعْنًى، يَقْتَضي أَنْ يَكُوْنَ عَجْزُهُ نِصْفَ بَيْتٍ لِشَاعِرٍ آخَرَ، فَيُضَمِّنُهُ إيَّاهُ. وَإِذَا وَقَعَ التَّضْمِيْنُ حَادًا فِي مَوْقِعِهِ كَانَ أحْسَنَ عِنْدِي مِنْ كَوْنِهِمَا لِشَاعِرٍ وَاحِدٍ، كَقَوْلِ أبِي سَعِدٍ بن خَلَفٍ (١): [من الطويل] وَقَائِلَةٍ لَوْ كَانَ وُدُّكَ صَادِقًا ... لِبَغْدَادَ لَمْ تَرْحَل فَكَانَ جَوَابِيَا: (يُقِيْمُ الرِّجَالُ الأَغْنِيَاءُ بِأرْضِهِمْ ... وَتَرْمِي النَّوَى بِالمُقْتِرِيْنَ المَرَامِيَا) (٢) فَالبَيْتِ الثَّانِي تَضْمِيْنٌ وَقَامَ بِالمَعْنَى. وَالنَّوْعُ الآخَرُ نَحْوَ (٣): [من الطويل] خُلِقْتُ عَلَى بَابِ الأمِيْرِ كَأنَّنِي ... قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيْبٍ وَمَنْزِلِ إِذَا جِئْتُ أشْكُو طُوْلَ ضرٍّ وَفَاقَةٍ ... يَقُولُوْنَ: لَا تَهْلِك أَسًى وَتَجَمَّلِ لَقَدْ طَالَ تَرْدَادِي وَقَصْدِي إلَيْهُمُ ... فَهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ وَكَقَوْلِ القَاضِي أبِي بَكْرٍ الأَرَّجَانِيِّ (٤): [من الوافر] ألَا يا صَاحِ أسْعِدْنِي فَإنِّي ... (نَزَعْتُ عَنِ الصِّبَا إلَّا بَقَايَا) النِّصْفُ الأَخِيْرُ لأَبِي فِرَاس (٥)، وَعَجْزُهُ: يُخَفِّرُهَا عَنِ الشَّيْبِ الوَقَارُ وَوَافَقَ مَذْهَبِي أبَدًا فَإنِّي ... (أنَا ابْنُ جَلَا وَطَلَّاع الثَّنَايَا)

стр. 180

لِسُحَيْمِ بن وَثيْلٍ الرِّيَاحِي وَعَجْزُهُ (١): [من الوافر] مَتَى أضَعُ العِمَامَةَ تَعْرِفُوْنِي وَخَالَفَ فِي التَّنسُّكِ رَأيَ قَوْمٍ ... (أتُوْكَ بِأكْبُدِ الإبل الأَبَايَا) لِلمُتَنَبِّي وَعَجْزُهُ (٢): فَسقْتَهُمُ وَحَدُّ السَّيْفِ حَادي وَقُمْ نَأخُذْ من الدُّنيا بِحَظٍّ ... (فَإِنَّا سَوْف تُدْرِكُنَا المَنَايَا) لِعَمْرِو بن كُلْثُومٍ وَعَجْزُهُ (٣): مُقَدَّرَةٌ لنَا وَمُقَدَّرِيْنَا وَسَاعِدْ زُمْرَةً رَكَضُوا إِلَيْهِ ... فَآبُوا بِالنِّهَابِ وَبِالسَّبَايَا لابن كُلْثُومٍ أَيْضًا وَعَجْزِهُ (٤): وَأُبْنَا بِالمُلُوكِ مُصفَّدِيْنَا وَكُنْ مَوْلًى أثِيْرَ المُلْكِ نَجْعَلْ ... لَكَ المِرْبَاعَ مِنْهَا وَالصَّفَايَا لابنِ عَنَمَةَ الضَّبيِّ. وَعَجُزِهُ (٥): وَحُكْمُكَ وَالنَّشِيْطَةُ وَالفُضُوْلُ وَهَذِهِ طِرِيْقٌ مَهْيَعٌ قَدْ سَلَكهَا الشُّعَرَاءُ كثيْرًا وَتَدَاوَلَهَا البُلَغَاءُ.

стр. 181

وَنُصُوْعُ التَّرْصِيْعِ (١):

стр. 182

التَّرْصِيْعُ (١) عَلَى ضَرْبَيْنِ: أحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الكَلِمَتَانِ اللَّتَانِ فِي آخِرِ البَيْتِ مُتَّفِقَتَي الحُرُوْفِ مَا عَدَا حَرْفَ الرَّوِي وَحْدَهُ. وربما اتَّفَقَ أَنْ تَقَعَ حُرُوْفُ الرَّوِي زِيَادَةً فِي الكَلِمَةِ الثَّانِيَةِ. وَالآخَرُ أَنْ يَقَعَ الاتِّفَاقَ بَيْنَ حُرُوْفِ كَلِمَتَيْنِ فِي البَيْتِ غَيْرَ مُتَوَالِيَاتٍ. يَقَعُ اتِّفَاقُ الكَلِمَةِ فِي صَدْرِ البَيْتِ، وَالأُخْرَى فِي عَجُزِهِ، أَوْ تَقَعَ كَلِمَةٌ فِي وَسَطِ البَيْتِ، وَأُخْرَى فِي القَافِيَةِ، وَيَخْتَلِفُ بَيْنَ حُرُوْفِ الكَلِمَتَيْنِ حَرْفٌ وَاحِدٌ، فَيُسَمَّى ذَلِكَ فِي صنَاعَةِ الشِّعِرِ التَّرْصِيْعِ، كَقَوْلِ أبِي تَمَّامٍ (٢): [من الطويل] يَمُدُّوْنَ مِنْ أيْدٍ عَوَاصٍ عَوَاصِمٍ ... تَصُوْلُ بِأسْيَافٍ قَوَاضٍ قَوَاضِبِ

стр. 183

وكقول أبي عَبْد اللَّهِ بن عَمَّارٍ العَلَوِيِّ (١): [من الكامل] فِي جَحْفَلٍ مُتَعَاضِدٍ مَتَعَاقِدٍ ... فِي قَسْطَلٍ مُتَرَاكِبٍ مُتَرَاكِمِ وَرَأى العُلا بِلِحَاظِ عَاشٍ عَاشِقٍ ... وَرَمَى العِدَى بِشُوَاظِ غَاشٍ غَاشِمِ وَاتِّزَانُ التَّسْمِيْطِ (٢): التَّسْمِيْطُ هُوَ أَنْ يَقْطَعَ الشَّاعِرُ جَمِيْعَ البَيْتِ أَوْ نِصفَهُ مَوْزُوْنًا مُقَفًّى عَلَى رَوِيٍّ وَاحِدٍ، حَتَّى يَنْتَهِي فِي آخِرِهِ، إِلَى رَوِيِّ القَصِيْدَةِ، أيَّ وَزْنٍ كَانَ، فَيَجْعَلَ التَّسْمِيْطَ الأَخِيْرَ مِنَ البَيْتِ عَلَى ذَلِكَ الرَّوِيِّ، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ (٣): [من الطويل] سَلِيْمُ الشَّظَى (٤) عبلُ الشَّوَى شَنِجُ النَّسَا ... لَهُ حَجَبَاتٌ مُشْرِفَاتٌ عَلَى الفَالِ

стр. 184

وَكَقَوْلِ أبِي تَمَّامٍ (١): جِبَالٌ فَوَارِعٌ غُيُوْثٌ هَوَاسِعٌ ... نُجُوْمٌ طَوَالِعٌ سُيُوْلٌ دَوَافِعُ وَكَقَوْلِ بَعْضِ المُحْدَثِيْنَ: [من الطويل] بَعِيْدُ الخنَا وَارِي السَّنَى يَانِعُ الجَنَى ... طَوِيْلُ القَنَا أضحَى عَلَى المُلْكِ قَيِّمَا وَثْيِقُ العُرَى سَامِي الذُّرَى دَائِمًا تَرَى ... ذَخَائِرُهُ العُظْمَى حُسَامًا وَلَهْذَمَا فَسِيْحُ المَدَى جَمُّ النَّدَى بَاسِطٌ يَدَا ... قَلِيْلُ العِدَى إِنْ صالَ حَسَّ وَأيْتَمَا شَدِيْدُ القِرَاعِ وَاسِعُ البَاعِ صادِقُ الـ ... ـمِصَاعِ إِذَا مَا هَمَّ أمْضَى وَتَمَّمَا (٢)

стр. 185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 186

وَصِحَّةُ التَّقسِيْمِ (١):

стр. 187

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 188

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 189

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 190

سُئِلَ أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ هَارُوْنَ المُنَجِّمِ عَنِ التَّقِسِيْمِ، فَقَالَ: هُوَ أَنْ يَسْتَقْصِيَ الشَّاعِرُ مَا ابْتَدَأَ بِهِ، وَيَسْتَوْفِيْهِ فَلَا يُغَادِرَ قِسْمًا يَقْتَضِيْهِ المَعْنَى إِلَّا أوْرَدَهُ كَقَوْلِ بَشَّارِ بن بُرْدٍ (١): [من الطويل] بِضرْبٍ يَذُوْقُ المَوْتَ مَنْ ذَاقَ طَعْمَهُ ... وَتُدْرِكُ مَنْ نَجَّى الفِرَار مَثَالِبُه فَرَاحُوا فَرِيْقٌ فِي الإِسَارِ وَمِثْلُهُ ... قَتِيْلٌ وَمِثْلٌ لَاذَ بِالبَحْرِ هَارِبُه

стр. 191

قَالَ: وَلَيْسَ فِي وَصْفِ حَالِ مَنْ وَقَعَ الظَّفَرُ بِهِ، وَدَارَتْ رَحَى الحَرْبِ عَلَيْهِ غَيْرُ مَا ذَكَرَهُ بَشَّارٌ (١). قَالَ أَبُو الحَسَنِ: قَالَ أبِي هَارُوْنُ: أحْسَنُ مَا قِيْلَ فِي التَّقِسِيْمِ قَوْلُ زُهَيْرِ بنِ أبِي سُلْمَى (٢): [من البسيط] يَطْعَنُهُمْ (٣) مَا ارْتَمُوا حَتَّى إِذَا اطَّعَنُوا ... ضَارَبَ حَتَّى إِذَا مَا ضَارَبُوا عَتَقَا

стр. 192

قَالَ أَبُو الحَسَنِ: وَأنَا أقُوْلُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ (١): [من الكامل] إِنْ يَلْحَقُوا أكْرُرْ وَإِنْ يَسْتَلْحِمُوا ... أشْدُدْ وَإِنْ يُلْفَوا بِضَنْكٍ أنْزِلِ (٢)

стр. 193

قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الحَاتِمِيُّ: وَأَنَا أَقُوْلُ: إنِّي لَا أعْرِفُ تَقْسِيْمًا أصَحَّ مِنْ قَوْلُ الأَسْعَرِ الجُعْفِيِّ فِي صِفَةِ فَرَسٍ (١): [من الكامل] أَمَّا إِذَا اسْتَقْبَلْتَهُ فَكَأنَّهُ ... بَازٌ يُكَفْكِفُ أَنْ يَطيْرَ وَقَدْ رَأَى أَمَّا إِذَا اسْتَدْبَرْتَهُ فَتَسُوْقُهُ ... سَاقٌ قَمُوْصُ الوَقْعِ عَارِيَةُ النَّسَا أَمَّا إِذَا اسْتَعْرَضْتَهُ مُتَمَطِّرًا ... فَتَقُوْل: هَذَا مِثْلُ سِرْحَانِ الغَضَا (٢) وَعَنْ أَبِي العَيْنَاءِ قَالَ: أجْمَعَ عُلَمَاءُ الشِّعْرِ عَلَى أنَّ أحْسَنَ تَقْسِيْمٍ أتَى بِهِ شَاعِرٌ مُتَقَدِّمٌ قَوْلُ عُمَرَ بن أَبِي رَبِيْعَةَ المَخْزُوْمِيِّ (٣) وَهُوَ: [من الطويل]

стр. 194

تَهِيْمُ إِلَى نُعْمٍ فَلَا الشَّمْلُ جَامِعٌ ... وَلَا الحَبْلُ مَوْصَوْلٌ وَلَا القَلْبُ مُقْصِرُ وَلَا قُرْبُ نُعْمٍ إِنْ دَنَتْ لَكَ نَافِعٌ ... وَلَا نأيُهَا يُسْلِي وَلَا أنْتَ تَصْبِرُ (١) وَمَا عَلِمْتُ أحَدًا بَعْدَهُ سَرَقَ هَذَا التَّقِسِيْمِ مِنْهُ إِلَّا الخَارِكِيَّ حَيْثُ يَقُوْلُ (٢): وَكَذَّبْتُ طَرْفِي عَنْكِ وَالطَّرْفُ صَادِقٌ ... وَأسْمَعْتُ أُذْنِي فِيْكِ مَا لَيْسَ تَسْمَعُ ولم أسْكُنِ الأرْضَ الَّتِي تَسْكُنِيْنَهَا ... لِئَلَّا يَقُوْلُوا صَابِرٌ لَيْسَ يَجْزَعُ فَلَا كَمَدِي يَفْنَى وَلَا لَكِ رِقَّةٌ ... وَلَا عَنْكِ إقْصارٌ وَلَا فِيْكِ مَطْمَعُ لَقِيْتُ أُمُوْرًا فِيْكِ لَمْ ألْقَ مِثْلَهَا ... وَأعْظَمُ مِنْهَا مِنْكِ مَا أَتَوَقَّعُ وَقَالَ المُبَرَّدُ: لمْ أَسْمَع أحْسَنَ مِنْ تَقْسِيْمِ قَيْسِ بن ذَرِيْحٍ فِي قَوْلِهِ (٣): [من الطويل] فَإنْ تَكُنِ الدُّنْيَا بِلُبْنَى تَقَلَّبَتْ ... فَلِلدَّهْرِ وَالدُّنْيَا بُطُوْن وَأظْهُرُ لَقَدْ كَانَ فِيْهَا لِلأَمَانَةِ مَوْضِعٌ ... وَلِلْكَفِّ مُرْتَادٌ وَلِلْعَيْنِ مَنْظَرُ مَوْضَعٌ بَالفَتْحِ وَهِيَ لُغَةٌ ضَعِيْفَةٌ. وَقَالَ صَاحِبُ كِتَاب مِحَكِّ الفَهْمِ وَمِعْيَارِ النَّظْمِ: التَّقِسِيْمُ فِي صِنَاعَةِ الشِّعْرِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أحَدُهُمَا أَنْ تَتَّزِنَ أَلْفَاظُ البَيْتِ مِنْ أوَّلِهُ إِلَى آخِرِهِ قِسْمَةً، فَتَكُوْنُ أَلْفَاظُ صَدْرِهِ لَا تَرِيْدُ عَلَى ألْفَاظِ عَجْزِهِ مَعَ تَكَافُؤٍ فِيْهَا. وَالآخَرُ هُوَ أَنْ يُشَبِّهَ الشَّاعِرُ الشَّيْءَ بِشَيْئَيْنِ ثُمَّ يُعَلِّلَ تَشْبِيْهَهُ بِتَقْسِيْمٍ يَتَسَاوَى فِيْهِ اللَّفْظُ وَيُتَّمَّمُ بِهِ المَعْنَى فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ. قَالَ: وَأَنَا لَا يَسَعُنِي إَلَّا مُوَافَقَةُ المُتَقَدِّمِ، وَالوَطْءُ عَلَى عَقْبهِ، وَالتَّسْلِيْمُ لَهُ. وَأسْتَعِيْذُ مِنْ رَدٍّ عَلَى فَاضِلٍ إِلَّا أَنَّ الَّذِي يَقَعُ لِي بِغَيْرِ هَوًى أَنَّ حَقِيْقَةَ التَّقسِيْمِ هُوَ مَا ذَكَرْتُهُ، وَالحِسُّ يَسْبِقُ إِلَيْهِ، وَالتَّصَوُّرُ يَتَشَبَّثُ بِهِ،

стр. 195

وَالسَّمَعُ يَصَمُّ عَنْ سِوَاهُ. فَالضَّرْبُ الأوَّلُ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ (١): [من الطويل] فَيَا يَوْمَهَا كَمْ مِنْ مُنَافٍ مُنَافِقٍ ... وَيَالَيْلَهَا كَمْ مِنْ مُوَافٍ مُوَافِقِ فَهَلْ يَسْمَعُ ذُو حِسٍّ هَذَا الكَلَامَ المُتَكَافِيءَ الأَلْفَاظِ، المُتَّزِنَ الصَّدْرِ وَالعَجُزِ، الصَّحِيْحَ القِسْمَةِ، فَيَقُوْلُ: إِنَّ التَّقِسِيْمَ سِوَى ذَلِكَ يَوْمٌ مُطَابِقٌ لِلَيْلٍ، وَمُنَافٍ مُطَابِقٌ لِمُوَافٍ، وَمُنَافِقٌ مُطَابِقٌ لِمُوَافِقٍ. وَكَقَوْلِ البُحْتُرِيِّ (٢): [من الهزج] فَمَا أرْهَبُ إِنْ عَزُّوا ... وَلَا أبْهَجُ إِنْ هَانُوا لَهُ فِي مَالِهِ هَدْمٌ ... وَفِي عُلْيَاهُ بنْيَانُ لَوْ وُضِعَ هَذَانِ البَيْتَانِ فِي كَفّتَي مِيْزَانٍ لَخَرَجَا سَوَاءً (٣). وَالضَّرْبُ الثَّانِي فِي التَّشْبِيْهِ كَقَوْلِ بَعْضِ الشَّامِيِّيْنَ: [من الكامل] مِثْل الهِلَالِ أَوِ الغَزَالِ فَذَاكَ مِنْ ... نُظَّارِهِ نَاءٍ وَهَذَا نَافِرُ وَكَقَوْلِ بَعْضِ المُحْدَثِيْنَ: [من الكامل] كَالبَدْرِ أَوْ كَالمِسْكِ ذَاكَ لِبُعْدِهِ ... عَنْ نَاظِرَيْهِ وَذَا لِطِيْبِ ذَكَائِهِ

стр. 196

وَمُوَافَقَةُ التَّوْجِيْهِ (١): التَّوْجِيْهُ (٢): أَنْ يَأتِيَ الشَّاعِرَ فِي البَيْتِ بِلَفْظٍ يُشِيْرُ فِيْهِ إِلَى المَعْنَى الَّذِي هُوَ آخِذٌ فِيْهِ، وَفِي ذَلِكَ إشَارَةٌ إِلَى مَعْنًى آخَرَ، وَكِلْتَا الإشَارَتَيْنِ تَقَعَانِ فِي البَيْتِ مَوْقِعَهُمَا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، كَقَوْلِ بَعْضِ المُحْدَثِيْنَ: [من الكامل] أهْدَيْتَ نَرْجِسَكَ المُحَدِّقَ فَاغْتَنِمْ ... شُكْرِي المُضَاعَفَ يا فَتَى الفِتْيَانِ فَالمُضَاعَفُ هَهُنَا ظَاهِرُهُ المُكَرَّرُ المَرْدُوْدُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُوْنَ المُضَاعَفُ تَطْبِيْقًا فِي لَفْظِهِ حَيْثُ ذَكَرَ المُحَدِّقَ، وَهُوَ ضِدُّهُ؛ لأَنَّهُمَا نَوْعَانِ للنَّرْجِسِ وَكَقَوْلِ الآخَرِ: [من المتقارب] إِذَا كَانَ مَوْتِي بِقَتْلِ الجُفُوْنِ ... فَقَتْلُ السُّيُوفِ إذًا أرْوَحُ الإِشَارَةُ هَاهُنَا إِلَى جُفُوْنِ الحَدَقِ. وَالتَّوْجِيْهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُوْنَ الإِشَارَةُ إِلَى جُفُوْنِ السُّيُوْفِ أَيْضًا حِيْنَ ذَكَرَ السُّيُوْفَ وَالقَتْلَ بِهَا أرْوَحُ مِنَ التَّعْذِيْبِ. وَحِدَّةُ الاسْتِطْرَادُ: الاسْتِطْرَادُ (٣) هُوَ أَنْ يَكُوْنَ الشَّاعِرُ آخِذًا في ذِكْرِ شَيْءٍ، وَهُوَ يُرِيْدُ ذِكْرَ شَئٍ آخَرَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتْقَطِعَ الكَلَامُ بَفَاصِلٍ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا بَابٌ أُعْجِبَ بِهِ المُحْدِثُوْنَ، وَتَخَيَّلُوا أَنَّهُمْ لَمْ يُسْبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَيْسَ الأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا بَلْ قَدْ اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ قَدِيْمًا فِي أشْعَارِهَا.

стр. 197

وَمَتَى جَاءَ الاسْتِطْرَادُ حَادًّا، فَهُوَ دَلِيْلٌ عَلَى تَمَكُّنِ الشَّاعِرِ فِي صَنْعَتِهِ، وَإِنْ جَاءَ مُقْلَقًا تَعْرُوْهُ رِكَّةٌ، دَلَّ عَلَى تَقْصِيْرِهِ. فَالأُوْلَى لَهُ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِمَضَايِقِ الشِّعْرِ الَّتِي لَا يَنْفُذُ فِيْهَا إِلَّا الفُحُوْلُ مِنْ كُمِاتِهِ، وَيُرِيْحَ نَفْسِهِ مِنْ تَعَاطِي مَا لَا يَكَادُ يَنْهَضُ بِهِ، وَلَا يَتَأتَّى لَهُ فِي أبْيَاتِهِ؛ لِئَلَّا يَفْتَضِحَ، وَقَدْ أَعْذَرَ مَنْ نَصَحَ، لَا سِيَّمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ إِلَى ذَلِكَ مُضْطَرًّا، وَألْفَيْتَهُ بِإجَابَةِ طَبْعِهِ مُغْتَرًّا. والاسْتِطْرَادُ لهُ مَوْضِعَانِ أكْثَرُ مَا يُوْجَدُ فيهِمِا، وَيَلِيْقُ بِهِمَا. أحَدُهُمَا فِي التَّشْبِيْهِ، وَالآخَرُ فِي المَخْلَصِ، إمَّا إِلَى مَدْحٍ أَوْ إِلَى ذَمٍّ. وَقَدْ تَعَاوَرَ هَذَا جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ قَدِيْمًا وَحَدِيْثًا. وَأَوَّلُ مَنِ ابْتَكَرَهُ السَّمَوْألُ بنُ عَادِيَاءَ. وَكُلُّ أحَدٍ تَابِعٌ له فَقَالَ (١): [من الطويل] وَإِنَّا لَقَوْمٌ مَا نَرَى القَتْلَ سُبَّةً ... إِذَا مَا رَأَتْهُ عَامِرٌ وَسَلُوْلُ يُقَرِّبُ حُبُّ المَوْتِ آجَالنَا لنَا ... وَتَكْرَهُهُ آجَالُهُمْ فَتَطُوْلُ وَكَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ (٢): [من الطويل] كَأَنَّ فِقَاحَ الأَزْدِ حَوْلَ ابنِ مِسْمَعٍ ... إِذَا جَلَسُوا أفْوَاهُ بَكْرِ بنِ وَائِلِ وَأَتَى جَرِيْرٌ بِذَلِكَ، فَغَبَّرَ فِي وَجْهِ السَّابِقِ إِلَى هَذَا المَعْنَى، فَضْلًا عَمَّنْ تَلَاهُ، فَإِنَّهُ اسْتَطْرَدَ بِاثِنَيْنِ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ هَجَا فِيْهِ الفَرَزْدَقَ فَقَالَ (٣): [من الكامل] لَمَّا وَضعْتُ عَلَى الفَرَزْدَقِ مَيْسَمِي ... وَضَغَا البَعِيْثُ جَدَعْتُ أنْفَ الأَخْطَلِ (٤)

стр. 198

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 199

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 200

وَقَالَ الحُسَيْنُ بن عَلِيٍّ القُمِّيُّ (١): جَاوزْتُ أجْبَالًا كَأَنَّ صُخُوْرَهَا ... وَجَنَاتُ نَجْمٍ ذِي الحَيَاءِ الجامِدِ في حِنْدِسٍ يحكي سوادَ أَديمهِ ... وَهَوًى كَمَنْطِقِهِ الخبيث الباردِ وَالشَّوْكُ يَعْمَلُ فِي ثِيَابِي مِثْلَمَا ... عَمِلَ الهِجَاءُ بِعِرْضِ عَبْدِ الوَاحِدِ أَخَذَ فِي ذِكْرِ صُعُوْبَةِ الجِبَالِ، وَاشْتِيَاكِهِ بِشِيَاكِهَا، وَقَطْعِهِ إيَّاهَا فِي ظَلَامِ لَيْلِ الشِّتَاءِ، وَهُوَ يُرِيْدُ هِجَاءَ نَجْمٍ وَعَبْدِ الوَاحِدِ. وَرُبَّمَا يَأتِي مِنْ هَذَا البَابِ اسْتِطْرَادٌ يَخْرُجُ مِنْ ذَمٍّ إِلَى مَدْحٍ، كَمَا قَالَ زُهَيْرٌ (٢): إِنَّ البَخِيْلَ مَلُوْمٌ حَيْثُ كَانَ ... وَلَكِنَّ الجَوَادَ عَلَى عِلَّاتِهِ هَرِمُ

стр. 201

أَوْ يَسْتَطْرِدُ مِنْ مَدْحٍ إِلَى ذَمٍّ، كَمَا قَالَ بَكْرُ بنُ النَّطَاحِ يَمْدَحُ مَالِكَ بن طَوْقٍ التَّغْلِبِيَّ (١): [من الطويل] عَرَضْتُ عليها مَا أَرَادَتْ مِنَ المُنَى ... لِتَرْضى فَقَالَتْ قُمْ فَجِئْنِي بِكَوْكَبِ فَقُلْتُ لَهَا هَذَا التَّعَنُّتُ كُلُّهُ ... كَمَنْ يَتَشَهَّى لَحْمَ عَنْقَاءَ مُغْرِبِ سَلِي كُلَّ أمْرٍ يَسْتَقِيْمُ طِلَابُهُ ... وَلَا تَذْهَبِي يا دُرُّ بِي كُلَّ مَذْهَبِ فَأُقْسِمُ لَوْ أصْبَحْتُ فِي عِزِّ مَالِكٍ ... وَقُدْرتهِ أعْيَا بِمَا رُمْتِ مَطْلَبِي فتى شَقِيَتْ أمْوَالُهُ بِأكُفِّهِ ... كَمَا شَقِيَتْ قَيْسٌ بِأرْمَاحِ تَغْلِبِ وَحَلَاوَةُ الاسْتِعَارَةِ (٢):

стр. 202

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 203

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 204

الاسْتِعَارَةُ: أَنْ يَجْعَلَ الشَّاعِرُ لِلشَّيْءِ مَا لَيْسَ فِيْهِ، فَتَتَّسِعَ عَلَيْهِ العِبَارَةُ، وَيَزْدَانُ بِذَلِكَ اللَّفْظُ، وَيَرُوْقُ بِهِ المَعْنَى، فَقَدْ قِيْلَ فِي المَثَلِ: مِنْ بَرَاعَةِ العِبَارَةِ حُسْنُ

стр. 205

الاسْتِعَارَةِ. وَلِذِي الرُّمَّةِ فِيْهِ التَّقْدِيْمُ بِقَوْلِهِ (١): [من الطويل] وَأشْعَثَ مِثْلِ السَّيْفِ قَدْ لَاحَ جِسْمَهُ ... وِجِيْفُ المَهَارَى وَالهُمُوْمُ الأبَاعِدُ سَقَاهُ السُّرَى كَأْسَ النُّعَاسِ فَرَأْسُهُ ... لِدِيْنِ الكَرَى مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ سَاجِدُ جَعَلَ للنُّعَاس كَأْسًا، وَلِلكَرَى دِيْنًا مِنْ غَيْرِ حَقِيْقَةٍ، تَزْيِينًا لِلْعِبَارَةِ. وَكَقَوْلِ بَعْضِ المُحْدَثِيْنَ (٢): يا طِيْبَ مَرْعَى مُقْلَةٍ لَمْ يُخَفْ ... بِرَوْضَتَيْهِ زَجْرُ حُرَّاسِ رَعَتْ بِخَدٍّ لَمْ يَفِضْ ماؤهُ ... وَلَمْ تُحِطْهُ أَعْيُنُ النَّاسِ وَلُطْفُ المَخْلَصِ: وَهُوَ حُسْنُ خُرُوْجِ الشَّاعِرِ مِنَ التَّشْبيْبِ بِالنَّسِيْبِ إِلَى مَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ، وَهُوَ الشَّاهِدُ لِلشَّاعِرِ بِالحِذْقِ وَالبَرَاعَةِ، وَعِنْدَهُ يَتَرَصَّدُ السَّامِعُ عَثَرَاتِهِ، وَمَتى وُفِّقَ الشَّاعِرُ لِحُسْنِ مَخْلَصهِ، غَفَرَتْ الأَسْمَاعُ لَهُ مَا كَانَ مِنْ خَطَأٍ، أَوْ تَقْصيْرٍ فِي إبْدَاعِ مَعْنًى، أَوْ جُوْدَةِ لَفْظٍ؛ لأنَّ القَصِيْدَةَ مَثَلُهَا مَثَلُ خَلْقِ الإِنْسَانِ فِي اتِّصالِ بَعْضِ أَعْضائِهِ بِبَعْضٍ، فَمَتَى انْفَصلَ وَاحِدٌ مِنَ الأَجْزَاءِ، أَوْ بَايَنَهُ فِي صِحَّةِ التَّرْكِيْبِ، غَادَرَ بِالجِسْمِ عَاهَةً تَتخَوَّنُ مَحَاسِنَهُ، وَتُعَفِّي جَمَالَهُ. وَمَا زَالَ حُذَّاقُ الشُّعَرَاءِ، وأرْبَابُ الصَّنْعَةِ مِنَ المُحْدَثِيْنَ يَحْتَرِسُونَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الحَالِ احْتِرَاسًا، يَحْمِيْهِمْ مِنْ مَعَايِبِ النُّقْصَانِ، وَيَهْدِيْهِمْ إِلَى مَحَجَّةِ الإِحْسَانِ، لِيَحْصُلَ الاتِّصالُ، وَيُؤَمَّنَ الانْفِصَالُ، وَتَأتِي القَصيْدَةُ فِي تَنَاسُبِ صدُوْرِهَا وَأعْجَازِهَا، وَانْتِظَامٍ نَسِيْبِهَا بِمَدِيْحِهَا كَالرِّسَالَةِ البَلِيْغَةِ وَالخُطْبَةِ الوَجِيْزَةِ، لَا يَنْفَصِلُ جِزْءٌ مِنْهَا عَنْ جُزْءٍ كَقوْلِ مُسْلِمِ بنِ الوَلِيْدِ (٣): [من الطويل] أجِدَّكِ هَلْ تَدْرِيْنَ (٤) أَنْ رُبَّ لَيْلَةٍ ... كَأَنَّ دُجَاهَا مِنْ قُرُونكِ تُنْشَرُ

стр. 206

نَصبْتُ لَهَا حَتَّى تَجَلَّتْ بِغُرَّةٍ ... كَغُرَّةِ يَحْيَى حِيْنَ يُذْكَرُ جَعْفَرُ وَهَذَا مَذْهَبٌ اخْتَصَّ بِهِ المُتَأَخِّرُوْنَ؛ لِتَوَقُّدِ خَواطرهمْ وَلُطْفِ أفْكَارِهِمْ، وَاعْتِمَادِهِمْ البَدِيْعَ، وَتَفَنُّنِهِمْ فِي أشْعَارِهِمْ. وَأظُنَّهُ مَسْلَكًا سَهَّلُوا حُزُوْنَهُ، وَنَهْجُوا رَسْمَهُ، فَأمَّا الفُحُوْلُ وَالأوَائِلُ، وَمَنْ تَبعَهُمْ مِنَ المُخَضرَمِيْنَ الإسْلَامِيِّيْنَ، فَمَذْهَبُهُمْ المُتَعَارَفُ فِيْهِ قَوْلُ أحَدِهِمْ: دَعْ ذَا، وَاَذْكُرْ كَذَا، وَعَدِّ عَمَّا تَرَى، وَتَجَاوَز عَنْ كَذَا إِلَى كَذَا. وَقُصَارُ كُلِّ مِنْهُمْ وَصْفُ نَاقَتِهِ بِالكَرَمِ وَالعِتْقِ، وَالنَّجَابَةِ وَالنَّجَاءِ، وَأَنَّهُ خَاضَ اللَّيْلَ بِهَا، وَقَطَعَ مَفَازَةً عَلَيْهَا إِلَى المَقْصوْدِ المَمْدُوْحِ. وَهَذِهِ الطَّرِيْقُ المَهْيَعُ، وَالمَحَجَّةُ اللِّهْجِمِ وَرُبَّمَا اتَّفَقَ لِأحَدِهُم تَخَلُّصٌ لَطِيْفٌ إِلَى غَرَضِهِ مِنْ تَعَمُّدٍ، إِلَّا أَنَّ طَبْعَهُ السَّلِيْمَ وَصرَاطَهُ المُسْتَقِيْمَ، نَصَبَا لَهُ مَنَارَهُ وَأوْقَدَا باليَفَاعِ نَارَهُ، كَتَخَلُّصِ النَّابِغَةِ الذُّبْيَانِيّ إِلَى غَرَضِهِ بِقَوْلهِ (١): [من الطويل] فَأسْبَلَ مِنِّي عَبْرَةً فَرَدَدْتُهَا ... عَلَى النَّحْرِ مِنْهَا مُسْتَهِلٌّ وَدَامِعُ عَلَى حِيْنَ عَاتَبْتُ المَشِيْبَ عَلَى الصِّبَا ... وَقُلْتُ: ألَمَّا أصحُّ وَالشَّيْبُ وَازعُ وَقَدْ حَالَ هَمٌّ دُوْنَ ذَلِكَ دَاخِلٌ ... مَكَانَ الشَّغَافِ تَحْتَوِيْهِ الأَضَالِعُ

стр. 207

وَعِيْدُ أَبِي قَابُوْسَ فِي غَيْرِ كُنْهِهِ ... أَتَانِي وَدُوْنِي رَاكِسٌ فَالضَّوَاجِعُ (١) فَهَذَا كَلَامٌ مُتَنَاسِجٌ، مُتَلَاحِمٌ مُتَنَاسِبٌ، مُتَلَائِمٌ يَقْتَضِي أوَائِلُهُ أوَاخِرَهُ. لَا يَتَمَيَّزُ شَيْءٌ مِنْهُ عَنْ شَيْءٍ، ثُمَّ اعْتَرَضَ دُوْنَ ذَلِكَ فِي وَصفِ حَالِهِ عِنْدَ عِلْمِهِ بِوَعِيْدِهِ، وَتَشْبِيْهِ

стр. 208

نَفْسِهِ بِالسَّلِيْمِ مِنْ ذِكْرِ الحَيَّةِ، وَوَصْفِهَا بسُوْءِ سُمِّهَا، وَتَناَذُر الرَّاقِيْنَ إيَّاهَا بِمَا أَحْسَنَ فِيْهِ كلَّ الإِحْسَانِ، فَقَالَ (١): [من الطويل] فَبِتُّ كَأَنِّي سَاوَرَتْنِي ضَئِيَلَةٌ ... مِنَ الرُّقشِ في أنْيَابِهَا السُّمُّ نَاقِعُ تَنَاذَرَهاَ الرَّاقُونَ مِنْ سُوْءِ سُمِّهَا ... تُطَلِّقُهُ طَوْرًا وَطَوْرًا تُرَاجِعُ يُسَهَّدُ مِنْ نَوْمِ العِشَاءِ سَلِيْمُهَا ... لِحَلْي النِّسَاءِ فِي يَدَيْهِ قَعَاقِعُ ثُمَّ عَادَ عَاطِفًا كَلَامَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَخَلُّصِهِ فَقَالَ: [من الطويل] وَأُخْبِرْتُ خَيْرَ النَّاسِ أَنَّكَ لُمْتَنِي ... وَتِلْكَ الَّتِي تَسْتَكُّ مِنْهَا المَسَامِعُ مَخَافَةَ أَنْ قَدْ قُلْتَ سَوْفَ أنَالُهُ ... وَذَلِكَ مِنْ تِلْقَاءِ مِثْلِكَ رَائِعُ فَلَوْ تَوَصَّلَ إِلَى ذَلِكَ بَعْضُ صُنَّاعِ المُحْدَثِيْنَ الحُذَّاقِ الَّذِينَ وَاصلُوا تَفْتِيْشَ المَعَانِي، وَفَتَحُوا أَبْوَابَ البَدِيعِ، وَاجْتَنُوا ثَمَرَةَ الآدَابِ، وَزَهْرَةَ الكَلَامِ، لَكَانَ مُعْجِزًا عَجِيْبًا. فَكَيْفَ بِجَاهِلِيٍّ بَدَوِيٍّ إِنَّمَا يَغْتَرِفُ مِنْ قَلِيْب قَلْبهِ، وَيَسْتَمِدُّ مِنْ هِدَايَةِ هَاجِسِهِ؟ وَمِنْ مَلِيْحِ المَخْلَصِ وأَحْسَنِهِ قَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ الطَّائِيِّ فِي عَبْدِ اللَّهِ بن طَاهِرٍ (٢): [من البسيط] يَقُوْلُ فِي قُوْمِسٍ صَحْبِي وَقَدْ أخَذَتْ ... مِنَّا السُّرَى وَذُرَى المَهْرِيَّةِ القُوْدِ أَمَطْلَعَ الشَّمْسِ تَبْغِي أَنْ تَؤُمَّ بِنَا ... فَقُلْتُ كَلَّا وَلَكِنْ مَطْلَعَ الجُوْدِ وَقَرِيْبٌ مِنْهُ قَوْلُ عَلِيّ بن الجَّهْمِ (٣): [من البسيط] وَلَيْلَةٍ كُحِّلَتْ بِالنَّقْسِ مُقْلَتُهَا ... ألْقَتْ قِنَاعَ الدُّجَى فِي كُلِّ أُخْدُوْدِ قَدْ كَادَ تُغْرِقُنِي أَمْوَاجُ ظُلْمَتِهِ ... لَوْلَا اقْتِبَاسِي سَنًى مِنْ وَجْهِ دَاوُدِ

стр. 209

وَمِنْ بَدِيْعِ المَخْلَصِ قَوْلُ أَبِي الشَّمَقْمَقِ (١): [من المتقارب] وَأَحْبَبْتُ مِنْ حُبِّهَا البَاخِلِيْنَ ... حَتَّى وَمقْتُ ابنَ سَلْمٍ سَعِيْدَا إِذَا سِيْلَ عُرْفًا كَسَا وَجْهَهُ ... ثِيَابًا مِنَ اللُّؤْمِ صُفْرًا وَسُوْدَا وَمِنْ لَطِيْفِ المَخْلَصِ، وَإِنْ لَمْ يَقْصد شَاعِرُهُ مَدْحًا، وَلَا ذَمًّا، قَوْلُ البُحْتُرِيِّ (٢): [من الكامل] بَيْنَ الشَّقِيْقَةِ فَاللِّوَى فَالأَجْرَعِ ... دِمَنٌ حُبسْنَ عَلَى الرِّيَاحِ الأرْبَعِ فَكَأَنَّمَا ضَمَنَتْ مَعَالِمُهَا الَّذِي ... ضمِنَتْهُ أَحْشَاءُ المُحِبِّ المُوْجَعِ (٣)

стр. 210

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 211

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 212

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 213

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 214

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →