← Адаб

Адаб · id 20762

الدر الفريد وبيت القصيد

محمد بن أيدمر

Полный текст (5 369 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 249

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 250

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 251

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 252

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 253

وَمُوَازَاةُ المُقَابَلَة: قَالَ عَلِيُّ بن الحُسَيْنِ القُرَشِيُّ: سَأَلْتُ قُدَامَةَ الكَاتِبَ عَنِ المُقَابِلَةِ فَقَالَ: هُوَ أَنْ يَضَعَ الشَّاعِرُ مَعَانِي يَعْتَمِدُ المُوَافَقَةَ بَيْنَ بَعْضِهَا وَبَعْضٍ وَالمُخَالَفَةَ، فَيَأتِي فِي المُوَافِقِ بما يُوافقُ، وَفِي المُخَالِفِ بِمَا يُخَالِفُ عَلَى الصِّحَّةِ، وَيَشْرِطَ شُرُوْطًا، وَيُعَدِّدُ أَحْوَالًا فِي أحَدِ المَعْنَيَيْنِ. فَيَجِبُ أَنْ يَأتِيَ فِيْمَا يُوَافِقُهُ بِمِثْلِ مَا شَرَطَهُ، وَفِيْمَا يُخَالِفُهُ بِأَضْدَّادِ ذَلِكَ. فَقُلْتُ: أنْشِدْنِي مَا قِيْلَ فِيْهِ. فَقَالَ: لَا أعْرِفُ أحْسَنَ مِنْ قَوْلُ الشَّاعِرِ (١): [من الطويل] أَيَا عَجَبًا كِيْفَ اتَّفَقْنَا فَنَاصِحٌ ... وَفِيٌّ وَمَطْوِيٌّ عَلَى الغِلِّ غَادِرِ فَجَعَلَ بِإِزَاءِ نَاصِحٍ مَطْوِيًّا عَلَى الغِلِّ، وَبِإزَاءِ وَفِيٍّ غَادِرًا. وَقَوْلِ الطِّرِمَّاحِ بنِ حَكِيْمٍ الطَّائِيِّ (٢): [من الوافر] أسَرْنَاهُمْ وَأنْعَمْنَا عَلَيْهِمْ ... وَأسْقَيْنَا دِمَاءَهُمُ التُّرَابَا فَمَا صَبَرُوا لِبَأْسٍ عِنْدَ حَرْبٍ ... وَلَا أدَّوا لِحُسْنِ يِدٍ ثوَابَا فَجَعَلَ بِإِزَاءِ أَنْ سَقُوا دِمَاءهُمُ التُّرَابَ أنَّهُمْ لَمْ يَصْبِرُوا لِبَأْسٍ عِنْدَ حَرْبٍ، وَبِإِزَاءِ أَنْ أسَرُوْهُم وَأنْعَمُوا عَلَيْهِم أنَّهُمْ لَمْ يَثِيْبُوا لِحُسْنِ يَدٍ جَزَاءً، فَهَذِهِ المُقَابَلَةُ. وَأَمَّا تَقَابُلُ النَّظَرِ فِي المَعْنَى إِلَى مِثْلِهِ، فَهُوَ غَيْرُ هَذَا. قَالَ عَلِيُّ بن هَارُوْنَ بن يَحْيَى، وَكَانَ هَارُوْنُ أَبِي يَزْعَمُ أَنَّ أحْسَنَ مَا قِيْلَ فِي المُقَابَلَةِ قَوْلُ عَمْرِو بنِ كُلْثُومٍ (٣): [من الوافر] وَرِثْنَا المَجْدَ عَنْ آبَاءِ صِدْقٍ ... وَنُوْرِثُهُ إِذَا مُتْنَا بَنِيْنَا (٤)

стр. 254

وَسُهُوْلَةُ التَّسْهِيْمِ: سُئِلَ عَلِيُّ بن هَارُوْنَ عَنِ التَّسْهِيْمِ فَقَال: هَذَا لَقْب نَحْنُ اخْتَرَعْنَاهُ. قِيْلَ: فَمَا كَيْفِيَّتُهُ؟ فَأَجَابَ بِجَوَابٍ لَمْ يُبْرِزْهُ فِي عِبَارَةٍ فَصِيْحَةٍ لَكِنْ مَفْهُوْمُهُ أَنَّ صِفَةَ الشِّعْرِ المسَهَّمِ أَنْ يَسْبقَ السَّامِعُ إِلَى قَوَافِيْهِ قَبْلَ أَنْ يَنْتَهِي إِلَيْهَا رَاوِيْهِ حَتَّى لَوْ سَمِعَ السَّامِعُ الشَّطْرَ الأوَّلَ، لَاستَخْرَجَ الشَّطْرَ الأَخِيْرَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَسْمَعَهُ. وَإنَّ أحْسَنَ مَا قِيْلَ فِي ذَلِكَ قَوْل جَنُوْبَ أُخْتِ عَمْرِو ذِي الكَلْبِ (١): [من المتقارب]

стр. 255

فَأَقْسَمْتُ يا عَمْرُو لَوْ نَبَّهَاكَ ... إِذًا نَبَّهَا مِنْكَ دَاءً عُضَالَا إِذًا نَبَّهَا لَيْثَ عِرِّيْسَةٍ ... مُفِيْتًا مُفِيْدًا نُفُوْسًا وَمَالَا وَخَرْقٍ تَجَاوَزْتَ مَجْهُوْلَهُ ... بِوَجْنَاءَ لَا تَتَشَكَّى الكَلَالَا فَكُنْتَ النَّهَارَ بِهَا شَمْسَهُ ... وَكُنْتَ دُجَى اللَّيْلِ فِيْهَا الهِلَالَا (١) فَانْظُرْ إِلَى دِيْبَاجَةِ هَذَا الكَلَام مَا أَصْفَاهَا، وَإلَى تَقَاسِيْمِهِ مَا أَوْفَاهَا، وَانْظُرْ قَوْلَهَا مُفِيْتًا مُفِيْدًا، وَوَصْفهَا إيَّاهُ بِالشّمْسِ بِالنَّهَارِ، وِبِالهِلَالِ فِي اللَّيْلِ، تَجِدِ المُطْمِعَ المُمْتَنِعَ، القَرِيْبَ البَعِيْدَ (٢). وَوُقُوْعُ الحَافِرِ عَلَى الحَافِرِ: وَيُسَمَّى المُوَارَدَةَ وَالاشْتِرَاكَ فِي اللَّفظِ وَالمَعْنَى أَوْ كِلَيْهِمَا. قَالَ الأَصمَعِيُّ (٣): قُلْتُ لأَبِي عَمْرِو بنِ العَلَاءِ: أَرَأَيْتَ الشَّاعِرَيْنِ يَتَّفِقَانِ فِي المَعْنَى، وَيَتَوَارَدَانِ فِي اللَّفْظِ، لَمْ يَلْقَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، وَلَا سَمِعَ شِعْرَهُ؟ فَقَالَ: تِلْكَ عُقُوْلُ رِجَالٍ تَوَافَتْ عَلَى ألْسِنَتِهَا. وَقَدِ اعْتَدَّ قَوْم ذَلِكَ سَرَقًا، وَلَيْسَ بِسَرَقٍ وَإِنَّمَا هِيَ ألْفَاظٌ مُشْتَرَكَة مَحْصُوْرَةٌ يَضطَرُّ الشَّاعِرُ إِذَا اعْتَمَدَ النَّظْمَ فِي مَعْنَاهَا إِلَى المُوَارَدَةِ فِيْهَا عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَذَلِكَ لاتِّسَاعِ الكَلَامِ، وَتَقَارُبِ طِبَاعِ الشُّعَرَاءِ بَعْضهَا مِنْ بَعْضٍ في

стр. 256

التَّصَرُّفِ بالعِبَارَةِ عَنِ الأَمُورِ وَالوَقَائِعِ المُتَقارِبَةِ المعَانِي بَعْضُها بَعْضًا فَتَشَابَهَ بِالسَّرقَةِ حَتَّى لَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: لَا اجْتِلَابَ، وَلَا اسْتِعَارَةَ، وَلَا أخْذَ، وَإنَّ الكَلَامَ كُلَّهُ مُشْتَرَكٌ مُتَدَاوَلٌ، وَالأَلْفَاظَ كُلُّهَا مُبَاحَةٌ. وَلَيْسَ كَمَا قالُوا أَيْضًا، وَإِنَّمَا لِكُلٍّ مِنْ ذَلِكَ حَدٌّ وَمِقْدَار يُعْرَفُ بِهِ. فَمِنَ المُوَارَدَةِ وَالاشْتِرَاكِ في اللَّفِظْ، ووقُوع الحافِرِ على الحافِرِ، مِمَّا لَيْسَ بِسَرَقٍ قَوْلُ عَنْتَرَةَ العَبْسِيِّ (١): [من الوافر] وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَهَا بِخَيْلٍ ... عَلَيْهَا الأُسْدُ تَهْتَصرُ اهْتِصارَا فَقَالَ عَمْرُو بن مَعدِ يكَرِبٍ (٢): [من الوافر] وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتَ لَهَا بِخَيْلٍ ... تَحِيَّةُ بَيْنِهِم ضرْبٌ وَجِيْعُ فَقَالَتْ الخَنْسَاءُ بِنْتُ عَمْرٍو (٣): [من الوافر] وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتَ لَهَا بِخَيْلٍ ... فَدَارَتْ بَيْنَ كَبْشَيْهَا رَحَاهَا وَقَالَ أعْرَابِيٌّ (٤): [من الوافر] وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَهَا بِخَيْلٍ ... تَرَى فُرَسَانهَا مِثْلَ الأُسوْدِ فَلَو اجْتَهَدَ هَؤُلَاءِ عِنْدَ قَصْدِهِمْ الإِخْبَارَ بما أخبَرُوا بِهِ مِنْ هَذَا الوَصْفِ أَنْ يُوردُوهُ بِغَيْرِ هَذِهِ العِبَارَةِ فِي هَذَا العُرُوْضِ، لَمَا اسْتَطَاعُوا؛ لأنَّ اللَّفْظَ يَضْطَرُّهُمْ، وَاعْتِمَادَ العِبَارَةِ الشَّرِيْفَةِ يَقُوْدُ أعِنَّتَهُم إِلَى ذَلِكَ. فَرُبَّ مَعَانٍ تَخْتَصُّ بِألْفَاظٍ شَرِيْفَةٍ، لَا يُمْكِنُ تَعَدِّيْهَا إِلَى مَا هُوَ أشْرَفُ مِنْهَا فَهَذَا مِنَ الاشْتِرَاكِ فِي اللَّفْظِ. وَأَمَّا الإشْرَاكُ فِي المَعْنَى مِمَّا يُشْبِهُ المَأْخُوْذُ، وَلَيْسَ بِمَأخُوْذٍ، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ (٥): [من السريع] إنَّا وَإيَّاهُم وَمَا بَيْنَنَا ... كَمَوْضِعِ الزَّوْرِ مِنَ الكَاهِلِ

стр. 257

فَقَالَ الحَارِثُ بنُ حِلْزَةَ (١): [من المتقارب] وَبَيْتُ شُرَاحِيْلَ فِي وَائِلٍ ... مَكَانَ الثُّرَيَّا مِنَ الأنْجُمِ وَقَالَ سُحَيْم بن وَثيْلٍ (٢): [من الوافر] ألَمْ تَرَ أنَّنِي مِنْ حِمْيَرِيٍّ ... مَكَانَ اللَّيْثِ مِنْ وَسطِ العَرِيْنِ وَلِمَعْقِلِ بن مُجَمَّعٍ الأسَدِيِّ (٣): [من الوافر] وَلَوْ أنِّي أشَاءُ لَكُنْتُ مِنْهُمْ ... مَكَانَ الفَرْقَدَيْنِ مِنَ النُّجُوْمِ وَقَالَ الطِّرِمَّاح (٤): [من الوافر] نَزَلْنَا فِي التَّعَزُّزِ مِنْ مَعَدٍّ ... مَكَانَ القِدْرِ مِنْ وَسْطِ الأَثَافِي وَقَالَ الفَرَزْدَقُ (٥): [من الطويل] وَنَحْنُ إِذَا عَدَّتْ مَعَدٌّ قَدِيْمهَا ... مَكَانَ النَّوَاصِي مِنْ وُجُوْهِ السَّوَابِقِ وَقَالَ المُنَخَّلُ السَّعْدِيِّ (٦): [من الطويل] وَإنَّا لَنُعْطِي النِّصْفَ مَنْ لَوْ نَضِيْمُهُ ... أقرَّ وَنَأبَى نَخْوَةُ المُتَظَلِّمِ وَقَالَ الفَرَزْدَقُ (٧): [من الطويل] تَرَى كُلَّ مَظْلُوْمٍ إلَيْنَا فِرَارُهُ ... وَيَهْرُبُ مِنَّا جُهْدَهُ كُلُّ ظَالِمِ

стр. 258

وَمِنَ التَّشْبِيْهِ الَّذِي لَيْسَ بِمَأْخُوْذٍ قَوْلُ نَهْشَلِ بنِ حَرِّيٍّ (١): [من الطويل] أقُوْلُ وَقَدْ سَافَتْ لَبُوْنِي بِلَادَهَا ... كَمَا سَافَ أعْجَازَ التِّلَادَ الطَّرَائِفُ وَقَوْلُ عَلِيّ بن الغَدِيْرِ الغَنَوِيِّ (٢): [من الطويل] أُدَافِعُ عَنْ مَجْدٍ تَلِيْدٍ وِرَاثَةً ... وَقَدْ تَرْفِدُ المَجْدَ التَّلِيْد الطَّرَائِفُ فَهَذَا وَأَمْثَالِهِ اتِّسَاعٌ وَاشْترَاكٌ، وَلَيْسَ هُوَ اسْشِرَاقٌ وَلَا اجْتِلَابٌ. وَمِنَ المُوَارَدَةِ مَا أخْبَرَ بهِ الطَّاهِرِيُّ عَنْ ابن المُعْتَزِّ. قَالَ: سَألنَا أبَا سَعِيْدٍ هُبَيْرَةَ النَّحْوِي الأسَدِيَّ عَنْ هَذِهِ الأَبْيَاتِ وَهِيَ لامْرِئِ القَيْسِ (٣): [من مخلَّع البسيط] عَينَاكَ دَمعهُمَا سِجَالُ ... كَأَنَّ شَأنَيْهِمَا أوْشَالُ (٤) أَوْ جَدْوَل فِي ظِلَالِ نَخْلٍ ... لِلمَاءِ مِنْ تَحْتِهِ مَجَالُ وَقَوْلِ عَبِيْدٍ (٥): [من مخلع البسيط] عَينَاكَ دَمعهمَا سَرُوْبُ ... كَأَنَّ شَأنَيْهِمَا شَعِيْبُ أَوْ جَدْوَلٌ فِي ظِلَالِ نَخْلٍ ... لِلمَاءِ مِنْ تَحْتِهِ قَسِيبُ وَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ (٦): [من البسيط] وَكُلِّ ذِي إبْلٍ مُودٍ فَتَارِكُهَا ... وَكُلِّ ذِي سَلَبٍ لَا بُدَّ مَسْلُوْبُ وَقَوْلِ عَبِيْدٍ: [من مخلّع البسيط] وَكُلُّ ذِي إبْلٍ مَوْرُوْثها ... وَكُلُّ ذِي سلَبٍ مَسْلُوْبُ

стр. 259

فَقَالَ: لَا أجِدُ نَفْسِي سَرِيْعَةً إِلَى التَّصْدِيْقِ بِأنَّ العُقُوْلَ في مِثْلِ هَذَا تَتَوَافَى وَعَبِيْدٌ وَامْرُؤُ القَيْسِ كانا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ. وَأخْبَرَ مُحَمَّدُ بن عِمْرَانَ عَنْ ابن دُرَيْدٍ عَنِ عَمِّهِ عَنِ أبِيْهِ عَنِ ابنِ الكَلْبِيِّ عَنِ رَجُلٍ مِنْ أهْلِ خُرَاسَانَ. قَالَ: لَمَّا أُصِيْبَتْ عَيْنُ ثَابِتِ قُطْنَةَ العَتَكِيِّ يَوْمَ سَمَرْقَنْدَ، قَالَ بَيْتًا يَهْجُو فيْهِ نَفسَهُ، وَهُوَ (١): [من البسيط] مَا يَعْرِفُ النَّاسُ مِنْهُ غَيْرَ قُطْنَتِهِ ... وَمَا سِوَاهَا مِنَ الأَنْسَابِ مَجْهُوْلُ ثُمَّ اسْتَوْدع هَذَا البَيْتَ قَاضِي سَمَرْقَنْدَ، وَقَالَ: عَسَى أَنْ يَرْمِيَني بِهِ شَاعِرٌ، فأكُونَ قَدْ سَبَقْتُهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ جَاوَرَ بَعْدَ ذَلِكَ رَجُلًا مِنْ بَنِي حَنِيْفَةَ يُقَالُ لَهُ: حَاجِبُ الفِيْلِ، فَرَكِبَ الرَّجُلُ مُهْرًا لَهُ، فَسَقَطَ عَنْهُ، فَتَشَاغَلَ أهْلُهُ بِهِ عَنْ ثَابِتِ قُطْنَةَ، وَأبْطَأَ عَلَيْهِ عَشَاؤُهُ، فَقَالَ: [من البسيط] أتَارِكُوُنَ عَشَائِي لَا أبَالَكُمُ ... أَنْ خَرَّ عَنْ ظَهْرِ مُهْرٍ حَاجِبُ الفِيْلِ خَطْب يَسِيْر عَلَيْنَا فَلْقُ حَاجِبِهِ ... وَشَجَّة سَبَرُوْهَا بِالمَلَا مِيْلِ فَلَمَّا أصْبَحَ حَاجِبُ الفِيْلِ، أَنْشَدُوْهُ هَذَيْنِ البَيْتِيْنِ، فَقَالَ: مَا يَعْرِفُ النَّاسُ مِنْة غَيْرَ قُطْنَتِهِ ... وَمَا سِوَاهَا مِنَ الأنْسَابِ مَجْهُوْلُ فَقَالَ ثَابِتٌ: [من البسيط] هَيْهَاتَ ذَلِكَ شَيْء قَدْ سُبِقْتَ بِهِ ... فَاطْلُبْ لَهُ ثَانِيًا يا حَاجِبَ الفِيْلِ وَمِمَّا يَبْعُدُ فِي نَفْسِي صِحَّةُ مِثْلِهِ، وَالاتِّفَاقُ فِيْهِ حَتَّى لَا يَقَعَ فيهِ تَبَاينٌ، وَلَا تَغَايرٌ مَا رَوَاهُ أَبُو عُمَرَ عَنْ ثَعْلَبٍ عَنِ الأَثْرَمِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ. قَالَ: خَرَجَ جَرِيْرٌ والفَرَزْدَقُ مُرْتَدِفِيْنَ عَلَى نَاقَةٍ إِلَى هِشَامِ بن عَبْدِ المَلِكِ، فَنَزَلَ جَرِيْرٌ يَبُوْلُ، فَجَعَلتِ النَّاقَةُ تَتَلَفَّتُ، فَضَرَبَهَا الفَرَزْدَقُ وَقَالَ (٢): [من الوافر]

стр. 260

إِلَامَ تَلَفَّتِيْنَ وَأَنْتِ تَحْتِي ... وَخَيْرُ النَّاسِ كلُّهم أمَامِي مَتَى تَرِدِي الرُّصَافَةَ تَسْتَرِيْحِي ... مِنَ التَّهْجِيْرِ وَالدَّبَرِ الدَّوَامِي ثُمَّ قَالَ الآنَ يَجِيْءُ جَرِيْرٌ، فَأُنْشِدُهُ هَذَيْنِ البَيْتَيْنِ، فَيُرِدُّ عَلَيَّ، وَيَقُوْلُ (١): [من الوافر] تَلَفَّتُ أَنَّهَا تَحْتَ ابنِ قَيْنٍ ... إِلَى الكِيْرَيْنِ وَالفَاسِ الكَهَامِ مَتَى تَرِدِ الرُّصَافَةَ تَخْزَ فِيْهَا ... كَخَزْيِكَ فِي المَوَاسِمِ كُلَّ عَامِ وَقَالَ: فَجَاءَ جَرِيْرٌ وَالفَرَزْدَقُ يَضْحَكُ. فَقَالَ: مَا يُضْحِكُكَ يا أبَا فِرَاسٍ؟ فَأنْشَدَهُ البَيْتَيْنِ الأوَّلَيْنِ، فَقَالَ جَرِيْرٌ: [من الوافر] تَلَفَّتُ أَنَّهَا تَحْتَ ابنِ قَيْنٍ وَأَنْشَدَهُ البَيْتَيْنِ بِعَينهِمَا، كَمَا قَالَ الفَرَزْدَقُ سَوَاءً. فَقَالَ الفَرَزْدَقُ: وَاللَّهِ لَقَدْ قُلْتُ هَذَا أمَا عَلِمْتَ أَنْ شَيْطَانَنَا وَاحِدٌ؟ وَكَذَلِكَ مَا أخْبَرَ بِهِ أَبُو عُمَرَ أَيْضًا عَنْ ثَعْلَبٍ عَنْ ابنِ الأَعْرَابِيِّ عَنِ المُفَضَّلِ. قَالَ: مَرَّ رَاكِبٌ بِالبَصْرَة، فَرَآهُ الفَرَزْدَقُ، فَقَالَ: مِنْ أيْنَ وَجْهُكَ؟ قَالَ: مِنَ اليَمَامَةِ. قَالَ: فَهَلْ لَكَ عَهْدٌ بِابْنِ المَرَاغَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ أَحْدَثَ شِعْرًا عَلِقْتَ مِنْهُ شَيْئًا؟ فَأَنْشَدَهُ: [من الكامل] هَاجَ الهَوَى بِفُؤَادِكَ المُهْتَاجِ فَقَالَ الفَرَزْدَقُ: [من الكامل] فَانْظُرْ بِتُوْضِحَ بَاكِرَ الأَحْدَاجِ قال فقال: [من الكامل] هَذَا هَوًى شَعفَ الفُؤَادَ مُبَرِّحٌ فقال الفرزْدَقَ: [من الكامل] وَنَوى تَقَاذَفُ غَيْرُ ذَاتِ خِلَاجِ

стр. 261

فَقَال: [من الكامل] لَيْتَ الغُرَابَ غَدَاةَ يَنْعَبُ لِلنَّوَى فَقَالَ الفَرَزْدَقُ: [من الكامل] كَانَ الغُرابُ مُقَطَّعَ الأَوْدَاجِ فَمَا زَالَ الرَّجُلُ يَقُوْلُ صَدْرًا، وَالفَرَزْدَق عَجُزًا حَتَّى ظَنَّ أَنَّهُ قَالَ القَصِيْدَةَ، وَسَرَقَهَا جَرِيْرٌ مِنْهُ، ثُمَّ قَال: وَيْحَكَ. دَعْنَا مِنْ هَذَا أَذَكَرَ الحَجَّاجَ فِيْهَا؟ قَال: نَعَمْ. قَالَ: إيَّاهُ أرَادَ (١).

стр. 262

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 263

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 264

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 265

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 266

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 267

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 268

وَدِلَالَةُ التَّتْبِيْعِ (١): (وَهُوَ الإرْدَافُ): التَّتْبِيْعُ: هُوَ أَنْ يُرِيْدَ الشَّاعِرُ مَعْنًى فَلَا يَتَأتَّى لَهُ بِاللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَيْهِ، بَلْ بِلَفْظٍ تَابِعٍ لَهُ، فَإِذَا دَلَّ التَّابِعُ، أَبَانَ عَنِ المَتْبُوْعِ، وَأَوْضَحَهُ. وَأَحْسَنُ مَا قِيْلَ وَأَبْدَعَهُ قَوْلُ عُمَرَ بنِ أَبِي رَبِيْعَةَ المَخْزُوْمِيِّ (٢): [من الطويل] بَعِيْدَةُ مَهْوَى القُرْطِ إمَّا لِنَهْشَلٍ أبُوْهَا ... وَإمَّا عَبْدُ شَمْسٍ وَهَاشِمُ (٣) وَإِنَّمَا ذَهَبَ إِلَى وَصْفِ طُوْلِ الجِّيْدِ فلم يَذْكُرهُ بِلَفْظِهِ الخَاصِّ بِهِ، بلْ أَتَى بِمَعْنًى

стр. 269

هُوَ تَابِعٌ لِطُوْلِ الجيْدِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: بَعِيْدَةُ مَهْوَى القُرْطِ (١)

стр. 270

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 271

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 272

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 273

وَالوَحْيُ وَالإِشَارَةُ وَتَكرِيْرُهَا: الإِشَارَةُ (١) عَلَى نَوْعَيْنِ: أحَدُهُمَا أَنْ يَقْصِدَ الشَّاعِرُ مَعْنًى فَيَأتِي بِهِ فِي لَفْظٍ يَقْصُرُ عَنِ استِكْمَالِهِ، فَيُسَمَّى ذَلِكَ الوَحْيَ وَالإِشَارَةَ عَلَى مَذْهَبِ إسْحَاقَ بن إبْرَاهِيْمِ المُوْصِلِّي؛ فَإِنَّهُ قَالَ: قَدْ اخْتَرَعْتُ فِي صَنْعَةِ البَدِيْعِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ فِيْهِ مِنْ قَبْلِ. فَقِيْلَ: مَا هُوَ؟ ، قال: الوَحِيُ وَالإِشَارَةُ، قِيْلَ: مَا مِثَالُهُ فَقَالَ (٢): [من الوافر] جَعَلْتُ السَّيْفَ بَيْنَ الجِيْدِ مِنْهُ ... وَبَيْنَ سَوَادِ لَحْيَيْهِ عِذَارَا (٣)

стр. 274

جَعَلَ العِذَارَ إشَارَةً فِي شَحْذِ عُنُقِهِ بالسَّيْفِ مِنْ غَيْرِ إفْصَاحٍ. وَأَخْبَرَ عَلِيُّ بنُ هَارُوْنَ عَنْ حَمَّادِ بنِ إسْحَقَ قَالَ: قُلْتُ لَأَبِي: أسْمَعُكَ تُكَرِّرُ ذِكْرَ الإِشَارَةِ فِي الشِّعْرَ وَتَقُوْلُ: إِنَّهَا مِنْ مَحَاسِنِهِ. فَمَا هِيَ؟ قَالَ: كَقَوْلِ الشَّاعِرِ (١): [من البسيط] أَوْرَدْتُهُ وَصُدُوْرُ العِيْسِ مُسْنَفَةٌ ... وَاللَّيْلُ بِالكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ مَنْحُوْرُ ثُمَّ قَالَ: ألَا تَرَاهُ فِي قَوْلِهِ: وَصُدُوْرُ العِيْسِ مُسْنَفَة قَدْ أَشَارَ إِلَى الفَجْرِ إشَارَةً لَطِيْفَةً بِغَيْرِ لَفْظِهِ، ثُمَّ قَالَ لِي: هَذَا الوَحْيُ. وَمِثْلُهُ قَوْلِ عُمَرَ بنِ نَضْلَةَ جَاهِلِيٌّ (٢): [من المتقارب] جَعَلْتُ يَدَيَّ وِشَاحًا لَهُ ... وَبَعْضُ الفَوَارِسِ لَا يَعْتَنِقُ (٣)

стр. 275

فَقَوْلُهُ: جَعَلْتُ يَدَيَّ وِشَاحًا لَهُ إشَارَةً بَدِيْعَةً بِغَيْرِ لَفْظِ الاعْتِنَاق، وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَيْهِ. وَالنَّوْعُ الآخَرُ أَنَّ الإِشَارَةَ هِيَ الإيْمَاءُ إِلَى الشَّخْصِ المُخَاطَبِ المُعَايَنِ، وَهِيَ مُسْتَحْلَاةٌ وَإِذَا تَكَرَّرَتْ فِي الشِّعْرِ بِالإِشَارَةِ إِلَى المَمْدُوْح أَوْ المَذْمُوْمِ، وَكَانَتْ مَعَ تَكْرَارِهَا حَادَّةً لَا يَعْتَرِيْهَا فُتُوْرٌ، وَلَا رِكَّةٌ، دَلَّتْ عَلَى تَمَكُّنِ الشَّاعِرِ، وَقُدْرَتهِ عَلَى الكَلَامِ، وَحِذْقِهُ وَبَرَاعَتِهِ فِي صَنْعَتِهِ، كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ (١): [من البسيط] هَذَا الَّذِي تَعْرِفُ البَطْحَاءُ وَطْأَتَهُ ... وَالبَيْتُ يَعْرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ هَذَا ابْنُ خَيْرِ عِبَادِ اللَّهِ كُلِّهمُ ... هَذَا التَّقِيُّ النَّقِيُّ الطَّاهِرُ العَلَمُ هَذَا ابْنُ فَاطِمَةٍ إِنْ كُنْتَ جَاهِلَهُ ... بِجَدِّهِ أنْبِيَاءُ اللَّهِ قَدْ خُتِمُوا وَبَرَاعَةُ الابْتِدَاءِ: قَالَ الأَصْمَعِيُّ: لامْرِئِ القَيْسِ بَيْتٌ لَمْ يَسْبِقَهُ إِلَيْهِ أحَد، وَلَا ابْتَدَأَ بِمِثْلِهِ شَاعِرٌ.

стр. 276

وَقَفَ فِيْهِ، وَاسْتَوْقَفَ، وَبَكَى، وَاسْتَبْكَى، وَذَكَرَ الأحِبَّةِ وَالدِّمَنَ، وَالمَنَازَلَ فِي المِصْرَاعِ الأوَّلِ، فَقَالَ (١): [من الطويل] قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيْبٍ وَمَنْزِلِ وَقَالَ الأَصْمَعِيُّ: لَمْ يَبْتَدِئْ أحَدٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ بأحْسَنَ مِمَّا ابْتَدَأَ بهِ أوْسُ بن حَجَرٍ فِي قَوْلِهِ (٢): [من المنسرح] أيَّتُهَا النَّفْسُ اجْمِلِي جَزَعًا ... إِنَّ الَّذِي تَحْذَرِيْنَ قَدْ وَقَعَا لأَنَّهُ افْتَتَحَ المَرْثِيَّةَ بِلَفْظٍ نَطَقَ بِهِ عَلَى المَذْهَبِ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْهَا فَأَشْعَرَنَا مُرَادَهُ فِي أوَّلِ بَيْتٍ، وَهَذَا نِهَايَةٌ فِي وَصْفِ الشِّعْرِ وَالشَّاعِرِ. وَقَوْلِ أَبِي ذُؤَيْبِ لأَنَّهُ ابْتَدَأَ كَلَامَهُ بِمَا دَلَّ فِي أوَّلِهِ عَلَى آخِرِ غَرَضِهِ، فَقَالَ (٣): [من الكامل] أَمِنَ المَنُوْنِ وَرَيْبِهَا تَتَوَجَّعُ ... وَالدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ قَالَ: وَإِنِّي لأعْجَبُ كِيْفَ لَمْ يَقُلِ النَّاسُ: إِنَّ أَشْعَرَ بَيْتٍ قَالتهُ العَرَبُ قَوْلَهُ أَيْضًا (٤): [من الكامل] وَالنَّفْسُ رَاغِبَةٌ إِذَا رَغَّبْتَهَا ... وَإِذَا تُرَدُّ إِلَى قَلِيْلٍ تَقْنَعُ وَمِنْ بَدِيْع ابْتِدَاآتِ المُحْدِثينَ قَوْلُ أَبِي نُوَاسٍ (٥): [من الطويل] لَمِنْ دِمنٌ تَزْدَادُ حُسْنَ رُسُوْمِ ... عَلَى طُوْلِ مَا أَقْوَتْ وَطِيْبَ نَسِيْمِ تَجَافَى البِلَى عَنْهُنَّ حَتَّى كَأَنَّمَا ... لَبِسْنَ عَلَى الإِقْوَاءِ ثَوْبَ نَعِيْمِ وَأكْثَرُ ابْتِدَاآتِهِ وَأَتْبَاعُهَا مَنْصُوْرَةٌ (٦).

стр. 277

وَمِمَّنْ تَنَاصَرَ إحْسَانُهُ فِي ابْتِدَاآتِهِ أَبُو تَمَّامٍ حَيْثُ يَقُوْلُ (١): [من البسيط] السَّيْفُ أصْدَقُ أنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ وَكَقَوْلِهِ أَيْضًا (٢): [من الكامل] الحَقُّ أبْلَجُ وَالسُّيُوْفُ عَوَارِي ... فَحَذَارِ مِنْ أسْدِ العَرِيْنِ حَذَارِ وَمِمَّا أحْسَنَ فِيْهِ أَبُو تَمَّامٍ كُلَّ الإِحْسَانِ (٣) حَتَّى لَقَدْ جَرَى هُوَ وَأَوْسٌ فِي

стр. 278

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 279

مِضْمَارٍ وَاحِدٍ بِقَوْلهِ مُبْتَدِئًا فِي مَرْثِيَّةٍ (١): [من الطويل] أَصَمَّ بِكَ الدَّاعِي وَإِنْ كَانَ أَسْمَعَا وَلَا أعْلَمُ أحَدًا قَالَ نَظِيْرًا لِقَوْلِ أوْسٍ (٢): أيَّتُهَا النَّفْسُ أَجْمِلِي جَزَعَا. إِلَّا أَبُو تَمَّامٍ بِقَوْلهِ هَذَا. وَمِنْ إحْسَانِ البُحْتُرِيِّ فِي ابْتِدَائِهِ قَوْلُهُ (٣): [من الوافر] أَنَاةً أيُّهَا الفَلَكُ المُدَارُ ... أَنَهْبٌ مَا تُقَسِّمَ أمْ جُبَارُ (٤)

стр. 280

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 281

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 282

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 283

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 284

وَأَمَّا تَمْكِيْنُ القَوَافِي: فَيَنْبَغِي لِلشَّاعِرِ المُجِيْدِ إِذَا اعْتَمَدَ بِنَاءَ قَصِيْدَةٍ أَنْ يِتَخَيَّرَ لَهَا مِنَ القَوَافِي أسْهَلَهَا لَفْظًا، وَأوْضَحَهَا مَعْنًى، وَيَنْفِيَ الجافِي عَنْهَا، وَيُمَيِّزَ القَلِقَ مِنْهَا، وَيَسُوْقَ البَيْتَ إِلَى القَافِيَةِ سَوْقًا مُوَافِقًا حَتَّى يَكُوْنَ رِدْفَهُ وَطِبْقَهُ، فَإِذَا أَتَى بِذَلِكَ وَقَعَتِ القَافِيَةِ مُسْتَقِرَّةً غَيْرَ قَلِقةٍ، وَلَا نَافِرَةٍ حَتَّى لَوْ أرَادَ مُرِيْدو تَبْدِيْلَهَا بِغَيْرِهَا لَمْ يَسْتَطِع ذَلِكَ. فَمِنْ أحْسَنِ القَوَافِي المُسْتَقِرَّةِ قَوْلُ زُهَيْرٍ (١): [من الطويل] وَأعْلَمُ مَا فِي اليَوْمِ وَالأَمْسِ قَبْلَهُ ... وَلَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ مَا فِي غَدٍ عَمِي (٢) فَقَوْلُهُ: عَمٍ وَاقِعٌ مَوْقِعًا لَطِيْفًا. وَقَالَ المُبَرَّدُ: لَا أَعْرِفُ قَافِيَةً وَقَعَتْ أحْسَنَ مَوْقِعًا مِنْ قَوْلِ الحُطَيْئَةِ (٣): [من الوافر] هُمُ القَوْمُ الَّذِيْنَ إِذَا أَلَمَّتْ ... مِنَ الأَيَّامِ مُظْلِمَةٌ أضَاءُوا فَمَوْقِعُ قَوْلِهِ: أضَاءُوا، وَمِن مُظْلِمَةٍ مَوْقِعٌ حَسَنٌ. وَقَوْلُ الصِّمَّةِ القُشَيْرِيِّ (٤): ألَا يَا غُرَابَي بَيْنِهَا لَا تَصدَّعَا ... وَطِيْرَا جَمِيْعًا بِالهَوَى وَقَعَا مَعَا (٥)

стр. 285

فَقَوْلُهُ: وَقَعَا مَعَا حَسَنٌ جِدًّا، وَلَمْ يَتَّفِق مِثْلُهُ إِلَّا لِمُتَمِّمِ بن نُوَيْرَةَ حَيْثُ يَقُوْل (١): [من الطويل] فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأنِّي وَمَالِكًا ... لِطُوْلِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعَا وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ النَّابِغَةِ (٢): [من الكامل] كَالأُقْحُوَانِ غَدَاةَ غِبِّ سَمَائِهِ ... جَفَّتْ أَعَالِيْهِ وَأَسْفَلُهُ نَدِي زَعَمَ الهُمَامُ وَلَمْ أَذُقْهُ بِأنَّهُ ... يُرْوَى بِطِيْبِ لِثَاتِهَا العَطِشُ الصَّدِي قَوْلُهُ: نَدِي، وَالعَطِشُ الصَّدِي وَاقِعَتَانِ أحْسَنَ مَوْقعٍ وَأعْجَبَهُ (٣).
следующие страницы →