← Адаб

Адаб · id 20762

الدر الفريد وبيت القصيد

محمد بن أيدمر

Полный текст (5 369 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 317

وَلَوْلَا مَخَافَةُ الإِطَالَةِ وَالإِسْهَابِ، لأَوْرَدْنَا مِنْ هَذَا البَابِ مَا قَدْ جَرَى فِي مَعْنَاهُ عَلَى أَلْفَاظِ الوُزَرَاءِ وَالأُمَرَاءِ فِي مُذَاكَرَاتِهِم وَمُحَاضَرَاتِهِم مِنْهُ كَثيْرًا، وَلَكِنَ الشَّرْطَ فِي هَذِهِ المُقَدَّمَةِ الاخْتِصَارُ (١).

стр. 318

وَأَمَّا التَّمْيِيْزُ بَيْنَ المَدْحِ وَالشُّكْرِ (١): فَهُوَ أَنَّ المَدْحَ وَصْفُ الخِلَالِ. وَالشُّكْرِ وَصْفُ الفَعَالِ. وَهَذَا أَبْلَغُ مَا مُيِّزَ بِهِ بَيْنَهُمَا بِالإِيْجَازِ. فَالمَدْحُ كَقَوْلِ الحُطَيْئَةِ (٢): [من الطويل]

стр. 319

يَسُوْسُوْنَ أحْلَامًا بَعِيْدًا أنَاتُهَا ... وَإِنْ غَضِبُوا جَاءَ الحَفِيْظَةُ وَالحِقْدُ أُوْلَئِكَ قَوْمٌ إِنْ بَنُوا أَحْسَنُوا البِنَا ... وَإِنْ عَاهَدُوا أَوْفوا وَإِنْ عَقَدُوا شَدُّوا وَإِنْ كَانَتِ النّعْمَاءُ فِيْهِمْ جَزَوا بِهَا ... وَإِنْ أنْعَمُوا لا كَدَّرُوْهَا وَلَا كَدُّوا وَإِنْ مَالَ مَوْلَاهُمْ عَلَى جُلِّ حَادِثٍ ... مِنَ الأمْرِ رُدُّوا فَضْلَ أحْلَامِكُمْ رَدُّوا مَطَاعِيْمُ فِي الجُلَّى مَطَاعِيْنَ فِي الوَغَى ... بَنَى لَهُمُ آبَاؤُهُمْ وَبَنَى الجَدُّ (١)

стр. 320

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 321

وَالشُّكْرُ كَقَوْلِ نَهْشَلٍ (١): [من الطويل] جَزَى اللَّهَ خَيْرًا وَالجَزَاءُ بِكَفِّهِ ... بَنِي السّمْطِ إخْوَانَ السَّمَاحَةِ وَالمَجْدِ هُمْ ذَكَرُوْنِي وَالمَهَامِهُ بَيْنَنَا ... كَمَا ارْفَضَّ غَيْثٌ مِنْ تِهَامَةَ فِي نَجْدِ فَمَا يَتَغَيَّر مِنْ زَمَانٍ وَأَهْلِهِ ... فَمَا غَيَّرَ الأَيَّامُ مَجْدَهُمُ بَعْدِي (٢)

стр. 322

وَالفَصْلُ بَيْنَ الهَجْوِ وَالذَّمِّ (١): هُوَ أَنَّ الهَجْوَ قَذْفُ الشِّيْمَةِ، وَالخُلُقِ. وَالذَّمُّ: قَرْفُ الفِعْلِ المُخْتَلَقِ. فَالهَجْوُ كَقَوْلِ جِرِيْرٍ (٢): [من الوافر] فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ ... فَلَا كَعْبًا بَلَغْتَ وَلَا كِلَابَا وَلَوْ وَضعَتْ فِقَاحُ بَنِي نُمَيْرٍ ... عَلَى خَبَثِ الحَدِيْدِ إذًا لَذَابَا

стр. 323

وَكَقَوْلِ الخَثْعَمِيّ (١): [من المتقارب] خَنَازِيْرُ نَامُوا عَنِ المَكْرُمَاتِ ... فَنَبَّهَهُم حَادِثٌ لَمْ يَنَمْ فَيَا قُبْحَهُمْ فِي الَّذِي خُوِّلُوا ... وَيَا حُسْنَهُمْ فِي زَوَالِ النِّعَمْ وَكَقَوْلِ البُحْتُرِيِّ (٢): إِذَا أَرَدْنَا بِلِيْنِ القَوْلِ غِرَّتُهُ ... ظَلْنَا نُعَالِجُ قُفْلًا لَيْسَ يَنْفَتِحُ أعْيَى عَليَّ فَلَا هَيَّابَةٌ فَرِقٌ ... يَخْشَى الهِجَاءَ وَلَا هَشٌّ فَيُمْتَدَحُ (٣)

стр. 324

وَالذَّمُّ كَقَوْلِ مُحَمَّدِ بنِ وَهِيْبٍ (١): [من الطويل] كَأَنِّي وَنضْوِي عِنْدَ بَابِ ابنِ عَامِرٍ ... مِنَ الضُّرِّ ذِئْبَا قَفْرَهٍ هَلِعَانِ أبيتُ وَصِنَّبْرُ الشِّتَاءِ يَلُفُّنِي ... وَقَدْ مَسَّ بَرْدٌ سَاعِدي وَبَنَانِي

стр. 325

فَمَا أَوْقَدُوا نَارًا وَلَا عَرَضُوا قِرًى ... وَلَا اعْتَذَرُوا مِنْ عُسْرَةٍ بِلِسَانِ (١) وَالبَوْنُ بَيْنَ الولَعِ وَالهَمْزِ (٢): الوَلَعُ: التَّصرِيْحُ بِشَرْحِ الحَالِ تَبَرُّمًا. وَالهَمْزُ: هُوَ التَّلْوِيْحُ وَالتَّهَدُّدُ تَذَمُّمًا. فَالوَلَعُ كَقَوْلِ السُّكَّرِيِّ حِيْنَ دَعَاهُ المِلْيَحِيُّ، فَتَأَخَّرَ عَنْهُ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ (٣): [من الخفيف] يا صَدِيْق أَفَادَنِيْهُ زَمَانٌ ... فِيْهِ ضِنٌّ بِالأَصْدِقَاءِ وَشُحُّ إِنَّمَا أَكَّدَ التَّبَاعُدَ مِنَّا ... أنَّنِي سُكَّرٌ وَأنَّكَ مِلْحُ (٤)

стр. 326

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 327

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 328

وَالهَمْزُ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: [من الطويل] لَكَ الحَمْدُ أَمَّا مَنْ نُحِبُّ فَنَازحٌ ... وَتُدْنِي النَّوَى مَنْ لَا نُحِبُّ لَكَ الحَمْدُ وَكَقَوْلِ ابنِ الحَجَّاجِ: [من الخفيف] أنْتَ عَيْنِي اليُمْنَى وَلَا غَرْوَ أنْ ... تَلْتَاثَ يَوْمًا عَلَيَّ عَيْنِي اليَمِيْنُ إِنَّمَا بَيْنَنَا السُّكُوْتُ وَإلَّا ... إِنْ تَحَدَّثْتُ فَالحَدِيْثُ شُجُونُ (١)

стр. 329

وَالتَّرْجِيْحُ بَيْنَ اللَّوْمِ وَالعَتَبِ (١): هُوَ أَنَّ اللَّوْمَ عَلَى التَّقْصِيْرِ، وَالخَطَأِ فِي الرَّأْي. وَالعَتَبَ عَلَى التَّغْيِيْرِ وَالكَدَرِ بَعْدَ الصَّفَاءِ. فَاللَّوْمُ كَقَوْلِ دُرَيْدِ بن الصَّمَّةِ (٢): [من الطويل] أمَرْتُهُمُ أمْرِي بِمُنْعَرَجِ اللِّوَى ... فلم يَسْتَبِيْنُوا الرُّشْدَ إِلَّا ضُحَى الغَدِ فَلَمَّا عَصَوْنِي كُنْتُ مِنْهُمُ وَقَدْ أرَى ... غِوَايَتَهمْ أوَ أنَّنِي غَيْرُ مُهْتَدِي وَكَقَوْلِ أَبِي الحَسَنِ البَصْرَوِيِّ: [من الكامل] قَدْ كَانَ وَجْهُ الرَّأْي لَمَّا أَنْ هَوَى ... عَرْشُ ابنِ بُوَيْهَ أَنْ يُرَى فِي الدَّارِ الرَّأْيُ بِالرَّيِ الغَذَاةَ تَرَكْتَهُ ... وَأتَيْتَ تَطْلُبُهُ مِنَ الأنْبَارِ فَرَّطْتَ ثُمَّ أَتَيْتَ تَبْغِي دَوْلَةً ... هَذَا لَعَمْرِيْ غَايَةُ الإِدْبَارِ وَالعَتْبُ كَقَوْلِ البُحْتُرِيِّ (٣): [من الكامل] قُلْ لِلأَمِيْرِ فَإِنَّهُ القَمَرُ الَّذِي ... ضَحِكَتْ لَهُ الأَيَّامُ وَهِيَ عَوَابِسُ قَدَّمْتَ قُدَّامِي رِجَالًا كُلُّهُمْ ... مُتَخَلِّفٌ عَنْ غَايَتَي مُتَقَاعِسُ وَأذَلْتَنِي حَتَّى لَقَدْ أَشْمَتَّ بِي ... مَنْ كَانَ يَحْسُدُ مِنْهُمُ وَيُنَافِسُ وَأَنَا الَّذِي أوْضَحْتُ غَيْرَ مُدَافَعٍ ... نَهْجَ القَوَافِي وَهُوَ رَسْمٌ دَارِسُ وَشُهِرْتُ فِي شَرْقِ البِلَادِ وَغَرْبِهَا ... فَكَأنَّنِي فِي كُلِّ نَادٍ جَالِسُ هَذِي القَصَائِدُ قَدْ زَفَفْتُ صبَاحَهَا ... تَسْعَى إِلَيْكَ كَأنَّهُنَّ عَرَائِسُ

стр. 330

وَلَكَ السَّلَامَةُ وَالسَّلَامُ فَإنَّنِي غَادٍ ... وَهُنَّ عَلَى عُلَاكَ حَبَائِسُ (١) وَالفَرْقُ بَيْنَ الهَزِّ وَالاسْتِزَادَةِ (٢): وَذَلِكَ أَنَّ الهَزَّ رهَافُ الحِمْيَةِ، وَتَنْخِيَةُ الهِمَّةِ العَلِيَّةِ. وَالاسْتِزَادَةُ: المُوَافَقَةُ عَلَى هَدْرِ الحُقُوقِ المَرْعِيَّةِ، وَالمُوَاخَذَةِ بِأصغَرِ خَطِأَةٍ. فَالهَزُّ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ (٣): [من الطويل] هَزَزْتُكَ لَا أنِّي رَأيْتُكَ نَاسِيًا ... لِوَعْدِي وَلَا أنِّي أُحِبُّ التَّقَاضيَا وَلَكِنْ رَأيْتُ السَّيْفَ مِنْ بَعْدِ سَلِّهِ ... إِلَى الهَزِّ مُحْتَاجًا وَإِنْ كَانَ مَاضِيَا (٤)

стр. 331

وَالاسْتِزَادَهُ كَقَوْلِ أَبِي سَعِيْدٍ بنِ المُطَّلِبِ (١): [من البسيط] هَبْنِي كَمَا زَعَمَ الوَاشُوْنَ لَا زَعَمُوا ... أَخْطَأْتُ حَاشَايَ أَوْ زَلَّتْ بِيَ القَدَمُ وَهَبْكَ ضَاقَ عَلَيْكَ العُذْرُ عَنْ جُرُمٍ ... لَمْ أجْنِهِ أَيَضِيْقُ العَفْوُ وَالكَرَمُ؟ مَا أَنْصَفَتْنَي فِي حُكْمِ الهَوَى أُذْنٌ ... تُصْغِي لِوَاشٍ وَعَنْ عُذْرِي بِهَا صَمَمُ (٢) وَكَقَوْلِ آخَرَ (٣): [من الطويل] وَأَشْمَتَّ أعْدَائِي وَأَوْهَنْتَ جَانِبِي ... وَهِضْتَ جَنَاحًا رَيَّشَتْهُ يَدُ الفَخْرِ وَمَا أنْتَ عِنْدِي بِالمَلُوْمِ وَلَا الَّذِي ... لَهُ الذَّنْبُ، هَذَا سُوْءُ حَظِّي مِنَ الدَّهْرِ وَالتَّصَارفُ بَيْنَ التَّنَصُّلِ وَالاعْتِذَارِ (٤): هُوَ أَنْ التَّنَصُّلَ يَكُوْنُ مِنَ الوِشَايَةِ وَالكَذِبِ. وَالإِعْتِذَارِ يَكُونُ مِنَ الجنَايَةِ وَالذَّنْبِ. فَالتَّنَصُّلُ كَقَوْلِ السَّيِّدِ الرَّضِيّ المُوْسَوِيّ (٥): [من الطويل] هُمْ اسْتَلْدَغُوا رُقْشَ الأَفَاعِي وَنَبَّهُوا ... عَقَارِبَ كَيْدٍ نَائِمَاتٍ حُمَاتُهَا

стр. 332

وَهُمْ نَقَلُوا عَنِّي الَّذِي لَمْ أَفُهْ بِهِ ... وَمَا آفَةُ الأَخْبَارِ إِلَّا رُوَاتُهَا (١) وَالاعْتِذَارُ كَقَوْلِ الشَّاعِرُ (٢): [من الوافر] وَهَبْنِي يَا هُمَامُ أسَأْتُ فِعْلًا ... وِبِالكُفْرَانِ فِيْكَ لَقَدْ بَدَأْتُ فَأَيْنَ الفَضْلُ مِنْكَ فَدَتْكَ نَفْسِي ... عَلَيَّ إِذَا أَسَأْتَ كَمَا أَسَأْتُ؟ وكقَوْل ابنِ الجَهْمِ (٣): [من المنسوخ]

стр. 333

إِنْ تَعْفُ عَنْ عَبْدِكَ المُسِيء فَفِي ... فَضْلِكَ مَأْوًى لِلصِّفْحِ وَالمِنَنِ أتَيْتُ مَا أسْتَحِقُّ مِنْ خَطَأٍ ... فَعُدْ بِمَا تَسْتَحِقُّ مِنْ حَسَنِ (١)

стр. 334

وَالحَدُّ بَيْنَ التَّقَاضِي وَالإِذْكَارِ (١): التَّقَاضِي مِنْ طُوْلِ التَّسْوِيْفِ وَالمَطَلِ. وَالإِذْكَارِ مِنْ النِّسْيَانِ؛ لَكَثْرَةِ الشُّغْلِ. فَالتَّقَاضي كَقَوْلِ البُحْتُرِيِّ (٢): [من الطويل] تَرَى النَّاسَ فَوْضى فِي السَّمَاحِ وَلَنْ تَرَى ... فَتَى القَوْمِ إِلَّا الوَاهِبَ المُتَقَاضِيَا وَلَا مَجْدَ إِلَّا حِيْنَ تُحْسِنُ عَائِدًا ... وَكُلُّ فتى فِي النَّاسِ يُحْسِنُ بَادِيَا وَمَا لَكَ عُذْرٌ فِي تَأَخُّرِ حَاجَتِي ... إِلَيْكَ وَقَدْ أَرْسَلْتُ فِيْكَ القَوَافِيَا فَلَا تُفْسِدَنْ بِالمَطْلِ مَنًّا تَمُنُّهُ ... فَخَيْرُ السَّحَابِ مَا يَكُوْنُ غَوَادِيَا وَكَقَوْلِ الآخَرِ (٣): [من المنسوخ] يَحْتَاجُ مَنْ يَرْتَجِي نَوَالَكُمُ ... إِلَى ثَلَاثٍ بِغَيْرِ تَكْذِيْبِ كُنُوْزِ قَارُوْنَ أَنْ تَكُوْنُ لَهُ ... وَعُمْرِ نُوْحٍ وَصَبْرِ أيُّوْبِ (٤)

стр. 335

وَالإِذْكَارِ كَقَوْلِ الشَّاعِرُ (١): [من الكامل] لَا تَعْتَذِرْ بِالشُّغْلِ عَنَّا إِنَّمَا ... تُرْجَى لأَنَّكَ دَائِبًا مِشْغُوْلُ وَإِذَا فَرَغْتَ وَلَا فَرَغْتَ فَغَيرُكَ الـ ... ـمَرْجُوُّ لِلْحَاجَاتِ وَالمَأْمُوْلُ وَكَقَوْلِ الآخَرِ: [من المنسوخ] حَاشَاهُ أَنْ يُقْتَضَى بِمَكْرُمَةٍ ... وَإِنَّمَا عَبْدُهُ يُذَكِّرُهُ (٢)

стр. 336

وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَ أنْوَاع السَّرِقَاتٍ: السِّرْقَةُ: إِتْيَانُ الشَّاعِرِ بِلَفْظٍ، أَوْ مَعْنًى أَوْ كِلَيْهِمَا، قَدْ سَبَقَهُ بِهِ المُتَقَدِّمُ قَبْلَهُ. وَهِيَ مُتَنَوِّعَةٌ وأَنْوَاعًا قَدْ سَمَّاهَا الفُضَلَاءُ وَأَهْلُ العِلْمِ وَالأَدَبِ أَسْمَاءً تَمَيَّزَتْ بِهَا، وَوَقَعَ الاصْطِلَاحُ بَيْنَهُم عَلَيْهَا تَغَاضيًا للشَّاعِرِ فِيْهَا لِيُغَيّرَوا هُجْنَة اسمِ السَّرِقَةِ عَنْهَا، وَيَعْرِفُوْهَا بِاسْمٍ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْهَا؛ وَذَلِكَ لأَنَّ "كَلَامَ العَرَبِ مُلْتبسٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَآخِذٌ أَوَاخِرُهُ مِنْ أَوَائِلِهِ. وَالمُبْتَدَعُ مِنْهُ وَالمُخْتَرَعُ قَلِيْل إِذَا تَصفَّحْتَهُ وَامْتَحَنْتَهُ وَاخْتَبَرْتَهُ، وَالمُحْتَرسُ المُتَحَفِّظُ المَطْبُوْعُ بَلَاغَةً وَشِعْرًا مِنَ المُتَقَدِّمِيْنَ وَالمُتَأَخِّرِيْنَ لَا يَسْلَمُ أَنْ يَكُوْنَ كَلَامُهُ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِ، وَإِنْ اجْتَهَدَ فِي الاحْتِرَاسِ، وَتَخَلَّلَ طُرُقَ الكَلَامِ، وَبَاعَدَ فِي المَعْنَى، وَقَارَبَ فِي اللَّفْظِ، وَأفْلَتَ مِنْ شِبَاكِ التَّدَاخُلِ. ألَا تَرَى إِلَى الأَعْرَابِيِّ البَادِيءِ لَا يَكْتبُ، وَلَا يَقْرَأُ، وَلَا يَرْوِي، وَلَا يَحْفَظُ، وَلَا يَتَمَثَّلُ، وَلَا يَحْذو، لَا يَكَادُ كَلَامُهُ يُخْرِجُ عَنْ كَلَامِ مَنْ كَانَ قَبلَهُ، وَلَا يَسْلُكُ إِلَّا طَرِيْقَةً قَدْ ذُلِّلَتْ لَهُ. فَكَيْفَ لَا يَكُوْنُ ذَلِكَ مَعَ المُتَكَلِّفِ المُتَصَنِّع، وَالمُتَعَمِّدِ القَاصِدِ؟ وَمَنْ ظَن أَنَّ كَلَامَهُ لَا يَلْتَبسُ بِكَلَامِ غيْرِهِ، فَقَدْ كَذَبَهُ ظَنُّهُ، وَفَضَحَهَ امْتِحَانُهُ وَلَوْ نَظَرَ نَاظِر في مَعَانِي الشِّعْرِ وَأَلْفَاظِ البَلَاغَةِ حَتَّى يُخَلِّصَ لِكُلِّ شَاعِرٍ أَوْ بَلِيغٍ مَا بَرَعَ فِيْهِ مِنْ لَفْظٍ، وَتَفَرَّدَ بِهِ مِنْ مَعْنًى لَمْ يَشْرَكْهُ فِيْهِ أحَدٌ قَبْلَهُ، وَلَا بَعْدَهُ،

стр. 337

لَكَانَ ذَلِكَ قَلِيْلًا مَعْدُوْدًا، وَنَزْرًا مَحْدُوْدًا" (١). وَيَعُمُّ جَمِيْعَ الأَسْمَاءِ المُصْطَلَحَ عَلَيْهَا عِنْدَ الفُضَلَاءِ كُلِّهَا اسْمُ السَّرِقَةِ فِي الحَقِيْقَةِ؛ لأَنَّهَا جِنْسٌ لَهَا. وَهَذَا البّابُ يَحْتَاجُ إِلَى تَمْيِيْزِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الأَنْوَاعِ بِحَدٍّ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعِهِ مُفَصَّلًا، بِحَيْثُ يَتَّضِحُ الفَرْقُ بَيْنَ كُلِّ نَوْعٍ، وَيَزُوْلُ الإِشْكَالُ الَّذِي عَرَضَ فِي اشْتِمَالِ اسمٍ وَاحِدٍ عَلَى الكُلِّ. وَأَنَا أُبيِّنُهُ فِيْمَا أذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَالسَّرِقَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ ضُرُوبٍ: ضَرْبٌ قَدْ أجْمَعَ الأُدَبَاءُ مِنْ عُلَمَاءِ الشِّعْرِ وَنُقَّادِ الكَلَامِ عَلَى اسْتِحْسَانِهِ وَتَسْوِيْغِهِ، وَتَجْوِيْزِهِ وَمُسَامَحَةِ الشَّاعِرِ فِيْهِ، وَهُوَ: نَظْمُ المَنْثُوْرِ، وَإحْسَانُ الآخِذِ على المَأخُوْذِ مِنْهُ، وَالشِّعْرُ المَحْدُوْدُ وَالمَجْدُوْدُ، وَتَكَافُؤُ إحْسَانِ المُتَّبَعِ والمُبْتَدِعِ، وَنَقْلُ المَعْنَى إِلَى غَيْرِهِ، وَتَقَابُلُ النَّظَرِ فِي المَعْنَى إِلَى مِثْلِهِ، وَالسَّلْبُ، وَالاهْتِدامُ، وَهُوَ السَّلْخُ، وَالالْتِقَاطُ، وَالتَّلْفِيْقُ. فَنَظْم المَنْثُوْرِ (٢): هُوَ أَنْ يُخْفِي الشَّاعِرُ المَطْبُوْعُ السَّرَقَ، وَيُلْبسُهُ اعْتِمَادًا عَلَى مَنْثُوْرِ الكَلَامِ دُوْنَ مَنْظُوْمِهِ اسْتِرَاقًا لِلأَلْفَاظِ الرَّائِقَةِ، وَالمَوَاعِظَ الرَّائِعَةِ، وَالفِقَرِ الوَاقِعَةِ، وَالخُطَبِ البَارِعَةِ (٣).

стр. 338

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 339

وَمَحْمُوْدٌ الوَرَّاقُ، وَأبُو العَتَاهِيَةِ، وَصَالِحُ بنُ عَبْدِ القُدُّوْسِ، وَسَابِقٌ البَرْبَرِيُّ يَسْتَعْمِلُونَ ذَلِكَ كَثيْرًا فِي أَشْعَارِهِمْ إِلَّا أَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يُكْثِرُوا إِكْثَارَ أَبِي العَتَاهِيَةِ وَمَحْمُوْدٍ. ومِنَ المُتَقَدِّمِيْنَ مَنْ نَظَمَ ذَلِكَ (١)، وَهُوَ الأَخْطَلُ. عَمَدَ إِلَى قَوْلِ بَعْضِ

стр. 340

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 343

اليُوْنَانِيِّيْنَ: العِشْقُ شُغْلُ قَلْبٍ فَارِغٍ فَقَالَ: [من الطويل] وَكَمْ قَتَلَتْ أَرْوَى بلا دِيَةٍ لَهَا ... وَأَرْوَى لِفُرَّاغِ الرِّجَالِ قَتُوْلُ وَيُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: اليَدُ العُلَيْا خَيْر مِنَ السُّفْلَى (١). فَنَظَمَ هَذَا المَعْنَى أَبُو العتَاهِيَةِ، وَأَخَلَّ بِبَعْضِهِ مُقَصِّرًا فَقَالَ (٢): [من السريع] افْرَحْ بِمَا تَأْتِيْهِ مِنْ طِيْبٍ ... إِنَّ يَدَ المُعْطِي هِيَ العُلْيَا وَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِكْرَامُ الشَّاعِرِ مِنْ برِّ الوَالِدَيْنِ، فَقَدِمَ عَلَى أَبِي أيُّوْبَ المَكِّيِّ شَاعِرٌ مِنْ وَاسِطَ، فَمَدَحَهُ، وَنَظَمَ هَذَا الكَلَامَ فَقَالَ: [من الخفيف] إِنَّ مِنْ بِرِّ وَالِدَيْكَ جَمِيْعًا ... أَنْ تَوَخَّى مَسَرَّةَ الشُّعَرَاءِ وَقَالَ القَاسِمُ بن مُحَمَّدٍ: أَبُوْنَا آدَمُ أُخْرِجَ مِنَ الجَّنَةِ بِذَنْبٍ وَاحِدٍ، فَنَظَمَ ذَلِكَ مَحْمُوْد الوَرَّاقُ فَقَالَ (٣): [من الكامل] تَصلُ الذُّنُوْبَ إِلِى الذُّنُوبِ وَتَرْتَجِي ... دَرَكَ الجِنَانِ بِهَا وَفَوْزَ العَابِدِ وَنَسِيْتَ أَنَّ اللَّهَ أخْرَجَ آدَمًا ... مِنْهَا إِلَى الدُّنْيَا بِذَنْبِ وَاحِدِ وَنَظَمُ مَحْمُوْد أَيْضًا قَوْلَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُوْدٍ: إِنَّ الرَّجُلَ لِيَظْلِمُنِي، فَأَرْحَمُهُ. حَيْثُ قَالَ (٤): [من الكامل] إنِّي شَكَرْتُ لِظَالِمِي ظُلْمِي ... وَغَفَرْتُ ذَاكَ لَهُ عَلَى عِلْمِ

стр. 344

مَا زَالَ طلُمُنِي وَأَرْحَمُهُ ... حَتَّى رَثِيْتُ لَهُ مِنَ الظُّلْمِ وَإحْسَانُ الآخِذِ عَلَى المَأْخُوْذِ مِنْهُ، وَزِيَادَتُهُ عَلَيْهِ: وَهُوَ أَنْ يَتَعَلَّقَ الشَّاعِرُ بِمَعْنًى قَدْ سَبَقَهُ إِلَيْهِ غَيْرُهُ، فَيَزِيْدَهُ إحْكَامًا وَإفْصَاحًا، وَكَشْفًا وَإيْضَاحًا، وَيَكْسُوْهُ أحْسَنَ لَفْظٍ، وَأَجْمَلَ عِبَارَةٍ، وَيُبْرِزُهُ فِي أبْهَى حُلَّةٍ، وَأَلْطَفُ إشَارَةٍ، وَيَخْتَارُ لَهُ الوَزْنَ الرَّشِيْقَ (١)، وَالمَعْنَى الدَّقِيْقَ؛ لِيَصِيْرَ عَلَى

стр. 345

الأَنْفُسِ أشَدَّ عَلَقًا، وَفِي الآذَانِ أنْفَذَ مَسْلَكًا، فَيَكُوْنَ عَلَى رَأْيِي مُسْتَحِقًّا لَهُ، وَعَلَى رَأْي المُتَقَدِّمِيْنَ أَحَقَّ بِهِ مِمَّنْ ابْتَدَعَهُ، لَا سِيَّمَا إِذَا أخْفَى مَخَايلَهُ، وَأسَرَّ تَنَاوُلَهُ، وَزَادَ عَلَيْهِ زِيَادَةً مُسْتَحْسَنَةً، أَوْ اتَّفَقَ لَهُ نَقْلُهُ مِنْ طَرِيْقٍ سَلَكَ بِهِ شَاعِرُهُ إِلَى مَعْنًى غَيْرِهِ، أَوْ عَكَسَهُ، إِنْ كَانَ تَشْبِيْهًا، أَوْ تَمَّمَهُ إِنْ كَانَ نَاقِصًا. فَحِيْنَئِذٍ تَظْهَرُ قُدْرَةُ الصِّنَاعَةِ،

стр. 346

وَيَنْطِقُ بِالتَّفْضِيْلِ لِسَانُ البَلَاغَةِ، وَيُحْكَمُ لِلشَّاعِرِ بِالحِذْقِ وَالبَرَاعَةِ. عَلَى أَنَّ لِلسَّابِقِ إِلَى المَعَانِي، وَالمُفْتَرِعِ أَبْكَارَ أَلْفَاظِهَا فَضيْلَتُهُ الَّتِي لَا يُدَافَعُ عَنْهَا، وَمَزِيَّتُهُ الَّتِي لَا بُدَّ مِنَ الاعْتِرَافِ لَهُ بِهَا، كَقوْلِ الأَعْشَى يَصِفُ نَاقَةً (١): [من المتقارب] كَتُوْمُ الرُّغَاءِ إِذَا هَجَّرَتْ ... وَكَانَتْ بَقِيَّةَ ذَوْدٍ كُتُم فَأَخَذَهُ الكَمِيْتُ، وَزَادَ عَلَيْهِ أَحْسَنَ زِيَادَةٍ فَقَالَ (٢): [من الطويل] كَتُوْمٌ إِذَا ضجَّ المَطِيُّ كَأَنَّهَا ... تَكَرَّمُ عَنْ أخْلَاقِهِنَّ وَتَرْغَبُ وَكَقَوْلِ زُهَيْرٍ يَصِفُ فَرَسًا (٣): [من الطويل] بِذِي مَيْعَةٍ لَا مَوْضِعُ الرُّمْحِ مُسْلَمٌ ... لِبُطْءٍ وَلَا مَا خَلْفَ ذَلِكَ خَاذِلُه أخَذَهُ القُطَامِيُّ، فَنَقَلَهُ إِلَى وَصفِ الإِبلِ، وَتَقَدَّمَهُ فِي الإحْسَانِ فَقَالَ (٤): [من البسيط] يَمْشِيْنَ رَهْوًا فَلَا الأَعْجَازُ خَاذِلَةٌ ... وَلَا الصُّدُوْرُ عَلَى الأَعْجَازِ تَتَّكِلُ وَكَقَوْلِ الأَعْرَابِيِّ (٥): [من الرمل] لَا تَكُنْ مُحْتَقِرًا شَأنَ امْرِيءٍ ... رُبَّمَا كَانَ مِنَ الشَّأْنِ شُؤُوْنُ رُبَّمَا قَرَّتْ عُيُوْنٌ بِشَجًى ... مُمْرِضٍ قَدْ سَخُنَتْ مِنْهُ عُيُونُ أخَذَهُ أَبُو تَمَّامٍ، فَكَسَاهُ لَفْظًا أرْشَقَ مِنْ لَفْظِهِ الأَوَّلِ، فَقَالَ (٦): [من البسيط] وَحُسْنُ مُنْقَلَبٍ تَبْقَى عَوَاقِبُهُ ... جَاءَتْ بَشَاشتُهُ مِنْ سُوْءِ مُنْقَلَبِ

стр. 347

فَأخَذَهُ الآخَرُ فَجَاءَ بهِ أَبْيَنَ مِمَّا جَاءَ بهِ أَبُو تَمَّامٍ فِي لَفْظٍ أسْهَلَ وَأَقْرَبَ إِلَى الفَهْمِ فَقَالَ (١): [من مجزوء الرمل] رُبَّ أمْرٍ تتَقِيْهِ ... جَرَّ أمْرٍ تَرْتَجِيْهِ خَفِيَ المَحْبُوْبُ مِنْهُ ... وَبَدَا المَكْرُوْهُ فِيْهِ (٢)

стр. 348

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 349

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 350

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 351

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 352

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 354

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 355

وَالشِّعْرُ المَحْدُوْدُ وَالمَجْدُوْدُ: وَهُوَ اشْتِهَارُ الآخِذِ بِالمَعْنَى دُوْنَ المَأْخُوْذِ مِنْهُ وَهَذَا وَأَمْثَالُهُ يُسَمَّى الشِّعْرَ المَجْدُوْدَ؛ لاشْتِهَارِ الفَرْعِ دُوْنَ الأَصْلِ. فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ مُهَلْهِلٍ (١): [من الكامل] لَا تَحْسَبَنَّ بَنِي المُرَّارِ وَمَلكَهُمْ ... يَوْمَ اللِّقَاءِ عَلَى القَنَا بِحَرَامِ أخَذَهُ عَنْتَرَةُ فَأَحْسَنَ، وَاشْتَهَرَ بَيْتُهُ لِبَرَاعَتِهِ لَمَّا قَالَ (٢): [من الكامل] فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الطَّوِيْلِ ثِيَابَهُ ... لَيْسَ الكَرِيْمُ عَلَى القَنَا بِمُحَرَّمِ وَكَقَوْلِ جُمَاهِرِ بنِ الحَكَمِ الكَلْبِيِّ (٣): [من الطويل] قَضى كُلُّ ذِي دَيْنٍ وَفَاءَ غَرِيْمِهِ ... وَدَيْنُكَ عِنْدَ الزَّاهِرِيَّةِ مَا يُقْضَى فَأخَذَ هَذَا كُثَيِّرٌ فَاشْتَهَرَ بِهِ فَقَالَ (٤): [من الطويل] قَضى كُلُّ ذِي دَيْنٍ فَوَفَّى غَرِيْمَهُ ... وَغَرَّهُ مَمْطُوْلٌ مُعَنًّى غَرِيْمُهَا (٥)
следующие страницы →