← Адаб

Адаб · id 20762

الدر الفريد وبيت القصيد

محمد بن أيدمر

Полный текст (5 369 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فَالخَلْعُ (١): هُوَ أَنْ يَأْخُذَ الشَّاعِرُ بَيْتًا لِشَاعِرٍ آخَرَ، بِلَفْظِهِ وَوَزْنِهِ وَمَعْنَاهُ وَصِيْغَتِهِ، فَيُرَكِّبَ عَلَيْهِ قَافِيَةً غَيْرَ قَافِيَتِهِ الأُوْلَى، وَيُلْحِقَهُ بِشِعْرِهِ، فَيَصيْرَ لَهُ، على مَذْهَبِ العَرَبِ. كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ (٢): [من الطويل] وُقُوْفًا بِهَا صحْبِي عَلَيَّ مَطِيُّهُم ... يَقُوْلُوْنَ لَا تَهْلِكْ أَسًى وَتَجَمَّلِ خَلَعَهُ طَرْفَةُ فَقَالَ (٣): [من الطويل] وُقُوْفًا بِهَا صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيُّهُم ... يَقُوْلُوْنَ لَا تَهْلِكْ أَسًى وَتَجَلَّدِ وَكَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ (٤): [من الكامل] نَظَرَتْ إلَيْكَ بِعَيْنِ جَازِيَةٍ ... حَوْرَاءَ حَانِيَةٍ عَلَى طِفْلِ خَلَعَهُ المُسَيَّبُ بنُ عَلَسٍ. وَهُوَ خَالُ الأَعْشَى، فَقَالَ (٥): [من الكامل] نَظَرَتْ إلَيْكَ بِعَيْنِ جَازِيَةٍ ... حَوْرَاءَ فَادِرَةٍ مِنَ السَّدْرِ وَكَقَوْلِ مَرْوَان بن أَبِي حَفْصَةَ (٦): [من الطويل] وَإنِّي لتُغْنِيْنِي عَنِ المَاءِ نُغْبَةٌ ... وَأَصْبِرُ عَنْهُ مِثْلَ صبْرِ الأَبَاعِرِ

стр. 387

خَلَعَهُ المُتَنَبِّي فَقَالَ (١): [من الطويل] وَإنِّي لتُغْنِيْنِي عَنِ المَاءِ نُغْبَةٌ ... وَأَصبِرُ عَنْهُ مِثْلَ مَا تَصْبِرُ الرُّبدُ وَهَذَا غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ مِن أَبِي الطَّيِّبِ؛ لأَنَّهُ إِنَّمَا تَسْتَعْمِلُ العَرَبُ الخَلْعَ مَجَازًا. عَلَى أَنْ أَهلَ الفَضْلِ لَا يَرْضوْنَهُ لأَنْفُسِهِمْ، فَكَيْفَ بِمَنْ سَارَ ذِكْرُهُ، وَاشْتَهَرَ بِالأدَبِ وَالحِذْقِ فِي صِنَاعَةِ الشِّعْرِ أَمْرُهُ. وَأَنَا لَا أَخُصُّ أبَا الطَّيِّبِ وَحْدَهُ بِالإِنْكَارِ عَلَيْهِ دُوْنَ غَيْرِهِ فِي الخَلْعِ، بلْ كُلُّ مَنْ عَلِمَ مِنَ الفَضْلِ مَا عَلِمَهُ أَبُو الطَّيِّبِ، وَتَأَدَّبَ كَتَأَدُّبِهِ مِنَ المُحْدَثِيْنَ؛ فَإنَّ المُسَامَحَةَ بِمِثْلِ ذَلِكَ تَضِيْقُ عَنْهُ (٢).

стр. 388

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 389

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 390

وَالاصْطِرَافُ: هُوَ صَرْفُ الشَّاعِرِ إِلَى قَصِيْدَتِهِ بَيْتًا، أَوْ بَيْتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةً لِغَيْرِهِ يَسْتَضِيْفُهَا إِلَى نَفْسِهِ، وَيَصْرِفُهَا عَنْ قَائِلِهَا. وَكَانَ كُثَيِّرٌ كَثَيْرًا مَا يَصْرِفُ شِعْرَ جَمِيْلٍ إِلَى نَفْسِهِ، وَيَهْتَدِمُهُ. أخْبَرَ الطَّاهِرِيُّ عَنْ الزُّبَيْرِ بن بَكَّارٍ عَنْ عُمَرَ بن أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّ كُثَيِّرًا أنْشَدَهُ قَصِيْدَتَهُ الَّتِي يَقُوْلُ فِيْهَا (١): [من الطويل] إِذَا الغُرُّ مِنْ نَوْءِ الثُّرَيَّا تَجَاوَبَتْ ... حَنِيْنًا بِأَجْوَازِ الفَلَاةِ قِطَارُهَا فَعَدَا فِي هَذِهِ القَصِيْدَةِ على أَبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ فِي قَصِيْدَتِهِ الَّتِي أوَّلُهَا (٢): [من الطويل] هَلِ الدَّهْرُ إِلَّا لَيْلَةٌ وَنَهَارُهَا فَأخَذَ مِنْهَا بَيْتَيْنِ وَهُمَا (٣): [من الطويل] وَعَيَّرَنِي الوَاشُوْنَ أنِّي أُحِبُّهَا ... وَتلْكَ شِكَاةٌ وظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا فَإنْ أَعْتَذِرْ مِنْهَا فَإنِّي مُكَذَّبٌ ... وَإِنْ تَعْتَذِر يُرْدَدْ عَلَيْهَا اعْتِذَارُهَا فَاشْتَفَّهُمَا جَمِيْعًا وَاصْطَرَفَهُمَا بِذَاتِهِمَا (٤).

стр. 391

وَالإِغَارَةُ (١): هِيَ أَنْ يَسْمَعَ الشَّاعِرُ المُفْلِقُ، وَالفَحْلُ المُتَقَدِّمُ الأَبْيَاتِ الرَّائِقَةَ نَدَرَتْ لِشَاعِرٍ آخَرَ فِي عَصْرِهِ، قَدْ بَايَنَتْ مَذَاهِبَهُ فِي أمثَالِهَا مِنْ شِعْرِهِ، وَتَكُوْنَ بِمَذْهَبِ ذَلِكَ الشَّاعِرِ المُغِيْرِ أَلْيَقُ، وَبِكَلَامِهِ أعْلَقُ، فَيُغِيْرَ عَلَيْهَا مُصافَحَةً وَيَنْتَحِلُهَا مُكافحةً، وَيَسْتَنْزِلَ شَاعِرَهَا، عَنْهَا قُوَّةً وَقَهْرًا، وَيَغْتَصِبَهَا بِفَضْلِ القُدْرَةِ عُنْوَةً وَقَسْرًا، فَيُسَلِّمَهَا قَائِلُهَا

стр. 392

اعْتِمَادًا لِسِلْمِهِ، وَنُكُوْلًا عَنْ حَرْبِهِ، وَعَجْزًا عَنْ مُسَاجَلَةِ يَمِّهِ، وَهَذِهِ كَانَتْ شَاكِلَةُ الفَرَزْدَقِ فِيْمَا اسْتَمَرَّتْ لَهُ الإِغَارَةُ عَلَيْهِ مِنْ شِعْرِ جَمِيلٍ وَغَيْرِهِ؛ فَإِنَّهُ غَاوَرَ جَمَاعَةً مِنْ شُعَرَاءِ عَصْرِهِ عَلَى قِطَعٍ مِنْ أَشْعَارِهِمْ، وَاسْتَضَافَهَا إِلَى شِعْرِهِ، جَرَتْ فِي أَسَالِيْبِ كَلَامِهِ وَشَاكَهَ مَنْظُوْمُهَا بِارِعَ نِظَامِهِ، فَسَلَّمُوْهَا إِلَيْهِ رَاغِمِيْنَ، وَصَفَحُوا عَنْهَا لأمْرِهِ طَائِعِيْنَ. أَخْبَرَ عَلِيُّ بن أَبِي غَسَّانَ عَنِ مُحَمَّدِ بنِ سَلَّامٍ عَنِ أَبِي يَحْيَى الضَّبِّيِ قَالَ: قَالَ ذُو الرُّمَّةِ يَوْمًا لَقَدْ قُك أَبْيَاتًا، إِنَّ لَهَا لَعَرَوْضًا، وَإنَّ لَهَا لَمرَدًّا وَمَعْنًى بِعِيْدًا. فَقَالَ لَهُ الفَرَزْدَقُ: وَمَا قُلْتَ؟ قَالَ قُلْتُ (١): [من الطويل] أَحِيْنَ أَعَاذَتْ بِي تَمِيْمٌ نِسَاءهَا ... وَجُرِّدْتُ تَجْرِيْدَ اليَمَانِي مِنَ الغِمْدِ وَمَدَّتْ بِضَبْعيَّ الرَّبَابُ وَمَالِكٌ ... وَعَمْرٌو وَشَالَتْ مِنْ وَرَائِي بَنُو سَعْدِ وَمِنْ آلِ يَرْبُوْعٍ زُهَاءٌ كَأَنَّهُ ... دُجَى اللَّيْلِ مَحْمُودُ النِّكَايَةِ وَالوِرْدِ فَقَالَ لَهُ الفَرَزْدَقُ: لَا تَعُوْدَنَّ فِيْهَا؛ فَأنَا أحَقُّ بِهَا مِنْكَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَعُوْدُ فِيْهَا أبَدًا، وَلَا أرْوِيْهَا إِلَّا لَكَ، فَهِيَ فِي قَصِيْدَتِهِ الَّتِي يَقُوْلُ فِيْهَا (٢): [من الطويل] وَكُنَّا إِذَا القَيْسِيُّ نَبَّ عَنُوْدُهُ ... ضرَبْنَاهُ فَوْقَ الأُنْثَيَيْنِ عَلَى الكَرْدِ وَزَعَمَ حَمَّادُ بن إسْحَاقَ عَنْ أَبِيْهِ عَنْ أبي سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثنَا بِعضُ أصْحَابِنَا أَنَّ الفَرَزْدَقَ وَقَفَ عَلَى الشَّمَرْدَلِ اليَرْبُوْعِيِّ وَهُوَ يُنْشِدُ (٣): [من الطويل] وَمَا بَيْنَ مَنْ لَمْ يُعْطِ سَمْعًا وَطَاعَةً وَبَيْنَ تَمْيِمٍ غَيْرُ حَزِّ الحَلَاقِمِ فَقَالَ الفَرَزْدَقُ: لتَتْرُكَنَّهُ، أَوْ لتَتْرُكَنَّ عِرْضَكَ. فَقَالَ الشَّمَرْدَلُ: خُذْهُ لَا بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيْهِ، فَهُوَ فِي قَصِيْدَتِهِ الَّتِي أوَّلُهَا (٤): [من الطويل]

стр. 393

تَحِنُّ بِزَوْرَاءِ المَدِيْنَةِ نَاقَتِي ... حَنِيْنَ عَجُوْلٍ تَبْتَغِي البَوَّ رَائِمِ وَأَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ عَنْ ثَعِلَبٍ عَنِ أَبِي نَصْرٍ عن الأَصْمَعِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَانِ ابن أَبِي الزِّنَادِ. قَالَ: مَرَّ أَعْرَابِيٌّ بِكُثَيِّرٍ وَهُوَ يُنْشِدُ: [من الطويل] أَوَدُّ لَكُمْ خَيْرًا وَتَطَّرِحُوْنَنِي ... أسَعْدَ بن لَيْثٍ لاخْتِلَافِ الصَّنَائِعِ فَنَادَى الأَعْرَابِيُّ: عِبَادَ اللَّهِ، هَذَا وَاللَّهِ شِعْرِي قُلْتُهُ. فَقَالَ لَهُ كُثَيِّرٌ: إِنْ يَكُنْ لَكَ، فَمَا نَفَعَكَ؟ وَإِنْ يَكُنْ لِي، فَهُوَ أبْعَدُ لَكَ مِنْهُ (١).

стр. 394

وَالاجْتِلَابُ، وَالاسْتِلْحَاقُ: قَالَ الحَاتِمِيُّ، وَبَعْضُ العُلَمَاءِ: لَا يَرَاهُمَا عَيْبًا. وَوَجْدْتُ يُوْنُسُ بن حَبِيْبٍ وَغَيْرَهُ مِنْ عُلَمَاءِ الشِّعْرِ يُسَمِّي البَيْتَ يَأْخُذُهُ الشَّاعِرُ عَلَى سَبيْلِ التَّمْثِيْلِ، فَيُدْخِلُهُ شِعْرَهُ اجْتِلَابًا وَاسْتِلْحَاقًا، وَلَا يَرَى ذَلِكَ عَيْبًا وَإِذَا كَانَ الأَمْرُ كَذَلِكَ، فَلَعَمْرِي إنَّهُ لَا عَيْبَ فِيْمَا هَذِهِ سَبِيْلُهُ. فَإمَّا جَرِيْرٌ فَعَيَّرَ بِهِ الفَرَزْدَقَ فَقَالَ (١): [من الوافر] سَتَعْلَمُ مَنْ يَكُوْنُ أبُوْهُ قَيْنًا ... وَمَنْ كَانَتْ قَصائِدُهُ اجْتِلَابَا وَمَا أَرَاهُ أَرَادَ بِالاجْتِلَابِ هَاهُنَا إِلَّا السَّرَقَ وَالانْتِحَالَ. وَعَن الأَصْمَعِيّ. قَالَ: رُبَّمَا اجْتَلَبَ الشَّاعِرُ البَيْتَ لَيْسَ لَهُ، وَاجْتَذَبَهُ مِنْ غَيْرِهِ، فَأوْرَدَهُ شِعْرَهُ عَلَى سَبِيْلِ التَّمْثيْلِ بِهِ، لَا عَلَى طَرِيْقِ السَّرَقِ لَهُ، كَمَا قَالَ النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيّ (٢): [من الطويل] وَصَفْرَاءَ لَا تُخْفِي القَذَى وَهِيَ دُوْنَهُ ... تُصَفِّقُ فِي رَاوُوْقِهَا حِيْنَ يُقْطَبُ تَمَزَّزْتُهَا وَالدِّيْكُ يَدْعُو صِحَابِهُ ... إِذَا مَا بَنُو نَعْشٍ دَنَوا فَتَصَوَّبُوا فَقَالَ الفَرَزْدَقُ: وَاجْتَلَبَ البَيْتَ الأَخِيْرَ (٣): [من الطويل] وَإِجَّانَةٍ رَيَّا الشَّرُوْبِ كَأَنَّهَا ... إِذَا غُمِسَتْ فِيْهَا الزُّجَاجَةُ كَوْكَبُ تَمَزَّزْتُهَا وَالدِّيْكُ يَدْعُو صحَابَهُ ... إِذَا مَا بَنُو نَعْشٍ دَنَوا فَتَصَوَّبُوا قَالَ: وَأَحْسِبُهُ تَنَاوَلَ ذَلِكَ مُغِيْرًا عَلَيْهِ، وَإِنْ كَاَنَتِ الغَارَةُ عَارِيَةً، وَلَا أَرَاهُ أَوْرَدَهُ إِلَّا اجْتِلَابًا وَاسْتِلْحَاقًا.

стр. 395

وَقَالَ أَبُو عَمْرُو بن العَلَاءِ: مَا أَرَى الاجْتِلَابَ وَالاسْتِلْحَاقَ إِلَّا سَرَقًا. وَقَدْ يَجْتَلِبُ الشَّاعِرُ البَيْتَ وَالبَيْتَيْنِ، وَالمَعْنَى وَالمَعْنَيَيْنِ مِنْ شِعْرِ شَاعِرٍ آخَرَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ الشَّاعِرُ مُخَاطِبًا لَهُ، وَكَانَ هُوَ مُجِيْبًا عَنْ مُخَاطَبَتِهِ، كَالَّذِي يُلْفَى فِي شِعْرِ جَرِيْرٍ وَالفَرَزْدَقُ، وَلَا يَرَى ذَلِكَ سَرَقًا، كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ يُخَاطِبُ جَرِيْرًا (١): [من الكامل] وَتَرَكْتَ أُمَّكَ يا جَرِيْرُ كَأَنَّهَا ... لِلنَّاسِ بِارِكَةٌ طِرِيْقٌ مُعْمَلُ فَاجْتَلَبَ هَذَا المَعْنَى جَرْيِرٌ رَادًّا عَلَيْهِ فَقَالَ (٢): [من الكامل] بَاتَ الفَرَزْدَقُ يَسْتَجِيْرُ بِجِعْثنٍ ... وَعِجَازُ جِعْثنَ كَالطَّرِيْقِ المُعْمَلِ وَإِنَّمَا اعْتَمَدَ جَرِيْرٌ إِعَادَةَ هَذَا المَعْنَى عَلَى طَرِيْقِ السَّرَقِ، وَلَوْ رَآهَ عَيْبًا لَمَا انْتَظَمَ عَلَيْهِ قَصِيْدَةً يُهَاجِي وَيُفَاخِرُ بِهَا شَاعِرًا كَالفَرَزْدَقِ. وَقَالَ الفَرَزْدَقُ فِي هَذِهِ القَصِيْدَةِ (٣): [من الكامل] إِنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لنَا ... بَيْتًا دَعَائِمُهُ أعَزُّ وَأَطْوَلُ فَقَالَ جَرِيْرٌ رَادًّا عَلَيْهِ: [من الكامل] إِنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لنَا ... عِزًّا عَلَاكَ فَمَا لَهُ مِنْ مَنْقَلِ وَمِثَالُ هَذَا قَوْلُ الرَّجُلِ للآخَرِ: أَنَا أعْلَى مِنْكَ بَيْتًا، وَأَسْنَى ذِكْرًا، فَيَقُوْلُ الآخَرُ: بَلْ أَنَا أعْلَى مِنْكَ بَيْتًا، وَأَسْنَى ذِكْرًا. وَلَوْ رَأَى جَرِيْرٌ مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِأَسَالِيْبِ الشِّعْرِ وَأَفَانِيْنِ الفَخَارِ أَنَّهُ عَيْبٌ وَسَرَقٌ؛ لتَنَكَّبَهُ وَلَا سِيَّمَا وَالفَرَزْدَقُ يَقُوْلُ لَهُ فِي هَذِهِ القَصِيْدَةِ: [من الكامل] إِنَّ اسْتِرَاقَكَ يا جَرِيْرُ قَصائِدِي ... مِثْلُ ادِّعَاءِ سِوَى أَبِيْكَ تَنَقَّلُ (٤)

стр. 396

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 397

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 398

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 399

وَالانْتِحَالُ (١): قَالَ الحَاتِمِيُّ أَيْضًا (٢): قَدْ أَجْمَعَ العُلَمَاءُ بِالشِّعْرِ، وَرُوَاةُ العَرَبِيَّةِ عَلَى أَنْ امْرَأَ القَيْسِ أَوَّلُ مَنْ بَكَى الدِّيَارَ، وَأَبَّنَ الآثَارَ. وَإِذَا تَصَفَّحْتَ شِعْرَهُ، اسْتَدْلَلْتَ بِبَعْضِهِ عَلَى بُطْلَانِ هَذَا الإِجْمَاعِ، ألَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ (٣): [من الكامل] عُوْجَا عَلَى الطِّلَلِ المحِيْلِ لعَلَّنَا ... نَبْكِي الدِّيَارَ كَمَا بَكَى ابْنُ حُمَامِ قَالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: فَإِذَا سُئِلَ عُلَمَاءُ كَلْبٍ عما وَصَفَ بِهِ ابْنُ حُمَامٍ الدِّيَارَ، وَأَنْشَدُوا

стр. 400

أَبْيَاتًا مِنْ قِفَا نَبْكِ، وَذَكَرُوا أَنَّ امْرَئِ القَيْسِ انتحَلَهَا، فَسَارَتْ لَهُ، وَخَمُلَ ابْنُ حُمَامٍ. وَحَكَى أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنَّ امْرَئ القَيْسِ بنَ حُمَامِ الكَلْبِيَّ كَانَ يَصْحَبُ امْرَئ القَيْسِ بن حُجْرٍ الكِنْدِيَّ، وَأَنَّهُ أوَّلُ مَنْ وَصفَ الدِّيَارَ وَهُوَ القَائِلُ (١): [من البسيط] لآلِ هِنْدٍ بِجَنْبَيْ نَفْنَفٍ دَارُ ... لَمْ تَمْحُ جِدَّتَهَا رِيْحٌ وَأَمْطَارُ إمَّا تَرَيْنِي بِجَنْبِ البَيْتِ مَضطجِعًا ... لَا يَطَّبِيْنِي لَدَى الحَيَّيْنِ إِبْكَارُ فَرُبَّ نَهْبٍ تُصمُّ القَوْمَ رَجَّتُهُ ... أَفَأْتُهُ إِنَّ بَعْضَ القَوْمِ عُوَّارُ وَكَانَ خِرَاشُ بن إسْمَاعِيْلٍ العِجْلِيُّ يَقُؤلُ: إِنَّ أَوَّلِيَّةَ بكْرِ بنِ وَائِلٍ كَانُوا يَحْلِفُوْنَ أَنَّ عَامَّةَ شِعْرِ امْرِيءِ القَيْسِ لِعَمْرُو بن قَمِيْئَةَ الرَّبْعِيِّ، وَأنَّهُ كَانَ يَصحَبُ امْرَأَ القَيْسِ، فَغَلَبَ عَلَى شِعْرِهِ. وَإِيَّاهُ أرَادَ أمْرُؤُ القَيْسِ بِقَوْلِهِ (٢): [من الطويل] بَكَى صَاحِبِي لَمَّا رَأَى الدَّرْبَ دُوْنَهُ ... وَأَيْقَنَ أنَّا لَاحِقَانِ بِقَيْصرَا وَاسْتَنْشَدَ أَبُو عَمْرُو بن العَلَاءِ الفَرَزْدَقَ يَوْمًا، فَأَنْشَدَهُ (٣): [من البسيط] كَمْ دُوْنَ مَيَّةَ مِنْ مُسْتَعْمِلٍ قَذَفٍ ... وَمِنْ فَلَاةٍ بِهَا تُسْتَوْدَعُ العِيْسُ فَقَالَ: يا سُبْحَانَ اللَّهِ أنْتَ قُلْتَ هَذَا؟ فَقَالَ الفَرَزْدَقُ: اكْتُمْهَا عَلَيَّ، فَوَاللَّهِ لَضَوَالُّ الشِّعْرِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ ضوَالِّ الإِبلِ. وَحَكَى ابْنُ سَلامٍ قَالَ: كَانَ أوَّلُ مَنْ جَمَعَ أشَعَارَ العَرَبِ، وَسَاقَ الأَحَادِيْثَ حَمَّادٌ الرَّاوِيَةُ. وَكَانَ غَيْرَ مَوْثُوْقٍ بِهِ، وَكَانَ يَنْحِلُ شِعْرُ الرَّجُلِ غَيْرَهُ، وَيُنْحِلُهُ غَيْرَ شِعْرِهِ، وَيَزِيْدُ فِي الأَشْعَارِ. قَالَ: وَسَمِعْتُ يُوْنسُ النَّحْوِيَّ يَقُوْلُ: العَجَبُ مِمَّنْ يَأْخُذُ عَنْ حَمَّادٍ وَكَانَ يَكْذِبُ، وَيَلْحَنُ، وَيَكَسْرُ. قَالَ: وَلَمَّا رَاجَعَتِ العَرَبُ رِوَايَةَ أَشْعَارِهَا، وَذِكْرَ أَيَّامِهَا، وَمَآثِرِهَا، اسْتَقْبَلَ بَعْضُ العَشَائِرِ شِعْرَ شُعَرَائِهِمْ، وَمَا ذَهَبَ

стр. 401

مِنْ ذِكْرِ وَقَائِعِهِمْ وَأَيَّامِهِمْ، وَأَرَادُوا أَنْ يُلْحَقُوا بِمَنْ لَهُ الوَقَائِعُ وَالأَشْعَارُ، فَقَالُوا عَلَى أَلْسِنَةِ شُعَرَائِهِمْ، ثُمَّ تَكَاثَرَتِ الرُّوَاةُ بَعْدُ، فَزَادَتْ فِي الأشْعَارُ الَّتِي قِيْلَتْ، وَلَيْسَ يُشْكِلُ عَلَى أهْلِ العِلْمِ زِيَادَةُ الرُّوَاةِ، وَلَا مَا وَضَعُوا، وَلَا مَا وَضَعَ المُوَلَّدُوْنَ. وَإِنَّمَا عَضَّلَ بِهِمْ أَنْ يَقُوْلَ الرَّجُلُ مِنَ البادِيَةِ مِنْ وُلْدِ شَاعِرٍ، أَوْ الرَّجُلُ مِنْ قَوْمِهِ لِسَانُهُ كَلِسَانِ الشَّاعِرِ وَمَنْشَؤُهُ كَمَنَشئهِ عَلَى لِسَانِ الشاعِرِ، فَيُشْكِلُ حِيْنَئِذٍ بَعْضَ الإِشْكَالِ (١).

стр. 402

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 403

وَالإِنْحَالُ: هُوَ مَا نَحَلَهُ العُلَمَاءُ الشُّعَرَاءُ (وَهُوَ ضِدُّ السَّرَقَةِ): أخْبَرَ بنُ مَهْدِي الكَاتِبُ عَنِ إبْرَاهِيْمِ بن عَرَفَةَ. قَالَ: قَالَ المُبَرَّدُ: كَانَ خَلَفٌ الأَحْمَرُ عَجِيبَ الذِّهِنِ، حَسَنَ التَّصَرُّفِ فِي أسَالِيْبِ الشِّعْرِ. وَكَانَ مَعَ اقْتِدَارِهِ وَاتِّسَاعِهِ يُعَدُّ مُقِلًّا لِمَا كَانَ يَنْحَلُهُ مِنَ الشُّعَرَاءِ المُتَقَدِّمِيْنَ، كَأَبِي دُؤَادٍ، وَالشَّنْفَرَى، وَتَأَبَّطَ شَرًّا، وَمَنْ لَا شُهْرَةَ لَهُ مِنَ الشُّعَرَاءِ. وَكَانَ أَتَى الكُوْفَةَ، فَأَقْرَأَ أهْلَهَا أشْعَارَ أَبِي دُؤَادٍ، وَنَحَلَهُ شَيْئًا كَثِيْرًا لَمْ يَقُلْهُ، وَأخَذَ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ البِرَّ الجَزِيْلَ، ثُمَّ نَسَكَ، فَعَادَ إلَيِهِم، فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا كَانَ مِنْهُ فِي نَحْلِهِ لِهَؤُلَاءِ الشُّعَرَاءِ مِنَ الأَشْعَارِ، وَأَنَّ كَثِيْرًا مِمَّا نَسَبَهُ إِلَى أَبِي دُؤَادٍ لَيْسَ بِهِ، وَإِنَّمَا نَحَلَهُ إِيَّاهُ مِنْ قَوْلِهِ فلم يُعْرِجُوا عَلَى قَوْلِهِ، وَلَمْ يَلتفِتُوا إِلَى كَلَامِهِ. قَالَ المُبَرَّدُ: وَكَانَ خَلَفٌ الأَحْمَرُ عَلَّامَةً بِقَوْلِ الشِّعْرِ عِلْمًا وَاقْتِدَارًا، وَكَانَ الأَصْمَعِيُّ أَيْضًا يَنْحَلُ الشُّعَرَاءِ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتَّسِعُ اتِّسَاعَ خَلَفٍ (١).

стр. 404

وَحَكَى ابْنُ سَلامٍ أَنَّ أبَا عُبَيْدَةَ كَانَ يَزْعَمُ أَنْ المُفَضلَ صنعً بَعْضَ القَصَائِدِ الَّتِي اخْتَارَ، وَنَسَبَ مَا صَنَعَ مِنْهَا إِلَى رِجَالٍ، هُوَ فِيْمَا صنَعَ لَهُمْ أَشْعَرُ مِنْهُمْ فِي صَحِيْح أَشْعَارِهِمْ. قَالَ ابْنُ سَلامٍ: وَيَرْوِي النَّاسُ لأَبِي سُفْيَانَ بنِ الحَارَثِ يُخَاطِبُ حَسَّانَ بنَ ثَابِتٍ: [من الطويل] أبُوْكَ أبٌ سَوْءٌ وَخَالُكَ مِثْلُهُ ... وَلَسْتَ بِخَيْرٍ مِنْ أَبِيْكَ وَخَالِكا وَإنَّ أحَقَّ النَّاسِ ألَّا تَلُوْمَهُ ... عَلَى اللُّؤْمِ مَنْ أَلْفَى أبَاهُ كَذَلِكَا

стр. 405

قَالَ ابْنُ سَلَامٍ: فَأَخْبَرَنِي أهْلُ المَدِيْنَةِ أَنَّ قُدَامَةَ بنَ مُوْسَى بنِ عُمَرَ بنِ قُدَامَةَ بنِ مَطْعُوْنٍ الجُمْحِيَّ قَالَهَا، وَنَحَلَهَا أبَا سُفْيَانَ. وَقُرَيْشٌ تَزِيْدُ فِي أَشْعَارِهِ، تُرِيْدُ بِذَلِكَ الأَنْصَارَ، وَالرَّدَّ عَلَى حَسَّانٍ. وَأَخْبَرَنِي ابْنُ دَرَسْتَوَيْهِ عَنِ المُبَرَّدِ عَنِ المَازِنِيِّ عَنِ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ يُوْنسُ بنِ حَبِيْبٍ قَالَ: قَالَ أَبُو عَمْرُو بن العَلَاءِ مَا زِدْتُ فِي أَشْعَار العَرَبِ إِلَّا هَذَا البَيْتَ لِلأَعْشَى: [من البسيط] وَأَنْكَرَتْنِي وَمَا كَانَ الَّذِي نَكِرَتْ ... مِنَ الحَوَادِثِ إِلَّا الشَّيْبَ وَالصَّلَعَا (١) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَسَمِعْتُ بَشَّارًا يُنْكِرُهُ، وَيَقُوْلُ مَا يُشْبِهُ كَلَامَ الأَعْشَى (٢).

стр. 406

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 407

وَالمُرَافَدَةُ: هِيَ أَنْ يَنْظِمَ الشَّاعِرُ بَيْتًا، أَوْ أبْيَاتًا، وَيُعْطِيْهَا شَاعِرًا آخَرَ يُنَاضِلُ بِهَا قِرْنَهُ. أَخْبَرَ عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ أحْمَدَ عَنْ ابنِ دُرَيْدٍ عَنِ السَّكَنِ بنِ سَعِيْدٍ عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ عَبَّادٍ عنِ ابنِ الكَلْبِيِّ عَنْ عَوَانَةَ بنِ الحَكَمِ قَالَ: بَيْنَا جَرِيْرٌ وَاقِفًا فِي المِرْبَدِ وَقَدْ رَكِبَهُ النَّاسُ وَعُمَرُ بنُ لجَأٍ مُوَاقِفُهُ فَأَنْشَدَهُ جَرِيْرٌ قَوْلَهُ: [من البسيط] أَحِيْنَ صِرْتُ سَنَامًا يَا بَنِي مَطَرٍ ... وَخَاطَرَتْ بِي عَنْ أَحْسَابِهَا مُضَرُ (١) فَقَالَ عُمَرُ جَوَابَ هَذَا: [من البسيط] لَقَدْ كَذَبْتَ وَشَرُّ القَوْلِ أَكْذَبُهُ ... مَا خَاطَرَتْ بكَ عَنْ أحْسَابِهَا مُضَرُ أَلَسْتَ نَزْوَةَ خَوَّارٍ عَلَى أَمَةٍ ... لَبِئْسَتِ الخَلَّتَانِ اللَّوْمُ وَالخَوَرُ وَكَانَ الفَرَزْدَقُ رَفَدَهُ بِهَذِيْنِ البَيْتَيْنِ فِي هَذِهِ القَصيْدَةِ، فَقَالَ جَرِيْرٌ لَمَّا سَمِعَهُمَا: كَذَبْتَ وَاللَّهِ وَلَؤُمْتَ يا بنَ قُبَتٍ، هَذَا شِعْرٌ حَنْظَلِيٌّ هَذَا شِعْرُ القُرَيْدُ رَفَدَكَ بِهِ، يَعْنِي الفَرَزْدَقَ قَالَ فَبئْسَ عُمَرُ فَمَا رَدَّ جَوَابًا، وَخَرَجَ عُثَيْمُ بنُ أَبِي الرَّقْرَاقِ حَتَّى أَتَى الفَرَزْدَقَ بِالخَبَرِ، فَضَحِكَ، وَقَالَ: إِيهٍ وَيْلَكَ يَابنَ أَبِي الرَّقْرَاقِ. إِنَّ عِنْدَكَ لَخَبَرًا. قُلْتُ

стр. 408

خَزِيَ أَخُوْكَ ابْنُ قُبْتٍ. وَحدَّثَهُ الحَدِيْثَ، فَضَحِكَ حَتَّى ضَرَبَ بِرِجْلِهِ، وَقَالَ فِي سَاعَتِهِ: [من الطويل] وَمَا أنْتَ إِنْ قَرْمَا تَمِيْمٍ تَسَامِيَا ... أَخْا التَّيْمِ إِلَّا كَالوَشِيْظَةِ فِي العَظْمِ وَلَوْ كُنْتَ مَوْلَى العِزِّ أَوْ فِي ظِلَالِهِ ... ظَلَمْتَ وَلَكِنْ لَا يَدَي لَكَ بِالظُّلْمِ فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ جَرِيْرًا، قَالَ: مَا أَنْصَفَنِي الفَرَزْدَقُ فِي شِعْرٍ قَطُّ قَبْلَ هَذَا (١).

стр. 409

وَتَنَازُعُ الشَّاعِرَيْنِ فِي الشِّعْرِ ،

стр. 410

وَادِّعَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ مِنْ قِبَلِهِ دُوْنَ صَاحِبِهِ. كَمَا أَخْبَرَ عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ أَحْمَدَ النَّحَوِيُّ عَنْ ابنِ دُرَيْدٍ عَنْ عَمِّهِ عَنْ أَبِيْهِ عَنِ ابنِ الكَلْبِيّ عَنْ أَبِيْهِ قَالَ: حَضرَ الحَارِثُ بنُ الطُّفَيْلِ الأَزْدِيُّ عُكَاظَ، وَكَانَ فَارِسًا شَاعِرًا، وبِهَا عَنْتَرَةُ بنُ شَدَّادٍ العَبْسِيُّ، وَكَانَ عَنْتَرَةُ قَدْ قَالَ: [من الكامل] لِمَنِ الدِّيَارُ عَفَوْنَ بِالسَّهْبِ ... بُنِيَتْ عَلَى خَطْبٍ مِنَ الخَطْبِ ثُمَّ أجْبَلَ، أي انْقَطَعَ، فَقَالَ الحَارِثُ بنُ الطُّفَيْلِ: [من الكامل] إِذْ لَا تَرَى إِلَّا مُقَاتِلَةً ... وَعَجَالِزًا يُرْقِلْنَ بِالرَّكْبِ وَمُدَجَّجًا (١) يَسْعَى بِشِكَّتِهِ ... مُحْمَرَّةً عَيْنَاهُ كَالْكَلْبِ وَمَعَاشِرًا صَدَأُ الحَدِيْدِ بِهِمْ ... عَبَقَ الهَنَاءِ مَخَاطِمَ الجُرْبِ لَمَّا سَمِعْتُ نَزَالِ قَدْ دُعِيَتْ ... أيْقَنْتُ أنَّهُمُ بنُو كَعْبِ كَعْبِ بنِ عَمْرِو لَا كَكَعْبِ ... بَنِي العَنْقَاءِ وَالبَيْتَانِ لِلسَّبِّ فَرَمَيْتُ كَبْشَهُمُ بِقَرْحَتِهِ ... فَمَضَى وَرَاشُوهُ بِذِي لَغْبِ شَكُّوا يَدَيْهِ بِالرِّمَاحِ كَمَا ... شَكَّ الصَّرِيْعُ تَرَافُدَ الشَّعْبِ فَكَأَنَّ مُهْرِي ظَلَّ مُنْغَمِسًا ... بِشَبَا الأَسِنَّةِ مَغْرَةَ الجَأْبِ بَلْ رُبَّ مَوْضُوْعٍ رَفَعْتُ وَمَرْ ... فُوْعٍ وَضعْتُ بِمَنْزِلِ النُّصِبِ فَقَالَ عَنْتَرَةُ: أَنَا وَاللَّهِ قَاِئِلُهَا، فَقَالَ الحَارِثُ: أَنَا وَاللَّهِ قَائِلُهَا، فَتَبَاهَلَا أَنْ

стр. 411

يَقْتُلَ اللَّهُ الكَاذِبَ مِنْهُمَا قَبْلَ أَنْ يَأتِي مِثْلُ ذَلِكَ اليَوْمَ مِنَ العَامِ المُقْبِلِ، وَتَفَرَّقَا، فَخَرَجَ عَنْتَرَةُ فِي بَاقِي الأَشْهُرِ الحَرَامِ يَتَحَاذَى دَيْنًا لَهُ، فَلَقِيَهُ الأَسَدُ الرَّهِيْصُ الطَّائِيُّ فِي نَفَرٍ، فَقَتَلُوْهُ. وَيُقَالُ بَلْ لَقِيَهُ بُرْبخ بنُ مُسْهرٍ الطَّائيُّ فَقَتَلَهُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: بَلْ أَصَابَتْهُ رِيْحٌ قرَّةٌ بَيْنَ شَرْجٍ وَنَاظِرَةَ، فَهَرَّأَتْهُ، فَمَاتَ. وَالقَصِيْدَةُ تَرْوِيْهَا عَبْسٌ لِعَنْتَرَةَ، وَتَرْوِيِهَا الأَزْدُ لِلحَارِثِ بنِ الطُّفَيْلِ (١):

стр. 412

وَضرْبٌ يَسْتَحِقُّ مُعْتَمِدُهُ عَلَيْهِ الضَّرْبَ بَلِ القَطْع، لافْتِضَاحِهِ بِشُنْعَةِ السَّرَقِ وَقَبِيْحِ الأَخْذِ وَالإِفْسَادِ فِيْهِ وَهُوَ:

стр. 413

تَقْصِيْرُ المُتَّبعِ عِنْ إِحْسَانِ المُبْتَدِعِ، وَتَكَافُؤُ السَّارِقِ وَالسَّابِقِ فِي الإِسَاءةِ وَالتَّقْصِيْرِ . فَالإِفْسَادُ فِي الأَخْذِ، وتَقْصِيْرُ المُتَّبِع عِنْ إِحْسَانِ المُبْتَدِعِ. وَذَلِكَ هُوَ أَنْ يَأْخُذَ الشَّاعِرُ مَعْنًى لِغَيْرِهِ وَيَأْخُذَ لَفَظَاتٍ مِنَ البَيْتِ هِيَ مَرَاكِزُ ذَلِكَ المَعْنَى الَّتِي عَلَيْهَا بِنَاؤُهُ فَيَأْتِيَ بِهَا، وَيَزِيْدُ فِيْهِ لَفْظًا مِنْ عِنْدِهٍ تَتِمَّةً لِوَزْنِ البَيْتِ، فَيُنْقِصَ مَا زَادَهُ فِيْهِ مِنَ اللَّفْظِ مِنْ أحْكَامِ المَعْنَى وَاللَّفْظِ الَّذِي أَخَذهُمَا، لَا سِيَّمَا إِذَا صَاغَهُ فِي لَفْظٍ مُتَكَلّفٍ كَدِرٍ، كَقَوْلِ مُسْلِم بن الوَليْدِ (١): [من البسيط] قَدْ أَوْلَعتهُ بِطُوْلِ الهَجْرِ غِرَّتُهُ ... لَوْ كَانَ يَعْرِفُ طُوْلَ الهَجْرِ مَا هَجَرَا أخَذَهُ أَبُو تَمَّامٍ، فَأفْحَشَ فِي أَخْذِهِ، وَأَتَى بِهِ فِي لَفْظٍ مُتَكَلِّفٍ فَقَالَ (٢): [من الكامل] كُشِفَ الغِطَاءُ فَأَوْقِدِي أَو أخْمدِي ... لَمْ تُكْمَدِي فَظَنَنْتِ أَنْ لَنْ تُكْمِدِي وَكَقَوْلِ الآخَرَ (٣): [من السريع] وَرِيْحُهَا أَطْيَبُ مِنْ طِيْبِهَا ... وَالطِّيْبُ فِيْهِ المِسْكُ وَالعَنْبَرُ أخَذَهُ بَشَّار فَجَيَّفَهُ حَيْثُ قَالَ (٤): [من الرمل] وَإِذَا أَدْنَيْتَ مِنْهَا بَصَلًا ... غَلَبَ المِسْكُ عَلَى رِيْحِ البَصَل وَحَقِيْقٌ بِبَيْتٍ يُذْكَرُ فِيْهِ البَصَلُ مَرَّتَيْنِ أَنْ يَجِيْفَ. وَكَقَوْلِ حَنَشٍ الفَزَارِيِّ (٥): [من الوافر] وَكَمْ مِنْ مَوْقِفٍ حَسَنٍ أُحِيْلَتْ ... مَحَاسِنُهُ فَعُدَّ مِنَ الذُّنُوْبِ

стр. 414

أخَذَهُ أَبُو تَمَّامٍ، فَأَفْسَدَهُ، وَبَدَّلَ مَحَاسِنَهُ بِالمَسَاوِيء، فَقَالَ (١): [من الطويل] فَإِنْ كَانَ ذَنْبِي أَنَّ أَحْسَنَ مَطْلَبِي ... أَسَاءَ فَفِي سُوْءِ القَضاءِ لِيَ العُذْرُ وَكَقَوْلِ طَرَفةَ (٢): [من الطويل] فَإنْ كُنْتَ مَأْكُوْلًا فَكُنْ أنْتَ آكِلِي ... فَبَعْضُ مَنَايَا القَوْمِ أَشْرَفُ مِنْ بَعْضِ أخَذَهُ عَبْدُ اللَّهِ بنِ الحَجَّاجِ التَّغْلِبِيُّ فَأَفْسَدَهُ لَمَّا قَالَ (٣): [من الطويل] فَإنْ كُنْتَ مَأْكُوْلًا فَكُنْ أنْتَ آكِلِي ... وَإِنْ كُنْتُ مَذْبُوْحًا فَكُنْ أنْتَ تَذْبَحُ مَا لَهُ لَا أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ، فَمَا أَشَدَّ مَا عَوَّضَنَاهُ مِنْ ذَلِكَ المَثَلِ السَّائِرِ المَطْبُوْعِ بِهَذَا الكَلَامِ الشَّنِيْءِ المَمْقُوْتِ. وَكَقَوْلِ الأَشْجَعِ السُّلْمِيِّ (٤): [من مجزوء الرمل] بَالِغٌ مَا يَبْلِغُ الشَّيْخُ ... وَإِنْ كَانَ غُلَامَا أخَذَهُ المُتَنَبِّيّ فَقَالَ (٥): [من الوافر] وَشَيْخٍ فِي الشَّبَابِ وَلَيْسَ شَيْخًا ... يُسَمَّى كُلُّ مَنْ بَلَغَ المَشِيْبَا فَالسُّلَمِيُّ أَتَى بِالمَعْنَى تَامًّا فِي لَفْظٍ مُخْتَصرٍ عَذبٍ، وَالمُتَنَبِّيّ جَاءَ بِهِ فِي كَلَامٍ طَوِيْلٍ كَرَّرَ فِيْهِ ذِكْرَ الشَّيْخِ مَرَّتَيْنِ، وَذَكَرَ المَشِيْبَ وَالشَّبَابَ، وَأَوْجَبَ، وَنَفَى، وَأَقَامَ القِيَامَةَ (٦).

стр. 415

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 416

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 417

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 418

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 419

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 420

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 422

وَتَكَافُؤُ السَّارِقِ وَالسَّابِقِ فِي الإِسَاءةِ وَالتَقْصِيْرِ: هُوَ أَنْ يَأتِي الشَّاعِرُ بِمَعْنًى لِغَيْرِهِ قَدْ أَسَاءَ فِيْهِ الشَّاعِرُ الأَوَّلُ، فَيَتْبَعَهُ اقْتِدَاءً بِمَا صَنَعَ،

стр. 423

وَاقْتِفَاءً لأَثْرِهِ فَقَط. وَذَلِكَ كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ حَيْثُ أَسَاءَ لِنَفْسِهِ الأُمْنِيَةَ وَقَالَ: [من الطويل] فَيَا لَيْتَنَا كُنَّا بَعِيْرَيْنِ لَا نَرِدْ ... عَلَى مَنْهَلٍ إِلَّا نُشَلُّ وَنُقْذَفُ وَاسْتَرَقَهُ كُثَيِّرٌ فَاحْتَذَى حَذْوَهُ، فَقَالَ: [من الطويل] ألَا لَيْتَنَا يا عَزُّ كُنَّا لِذِي غِنًى ... بَعِيْرَيْنِ نَرْعَى فِي الفَلَاةِ وَنَعْزُبُ قَالَ العُقَلَاءُ: وَهَذَا مِمَّا يُكْرَهُ مِنْ سُوْءِ الأُمْنِيَةِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ المَجْنُوْنِ: [من الطويل] خَلِيْلَيَّ لَا وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ الَّذِي ... قَضَى اللَّهُ فِي لَيْلَى وَلَا مَا قَضَى لِيَا قَضَاهَا لِغَيْرِي وَابْتَلانِي بِحُبِّهَا ... فَأَلَّا بِشَيْءٍ غَيْرَ لَيْلَى ابْتَلَانِيَا فَيُقَالُ: أَنَّهُ لَمَّا قَالَ: فَأَلَّا بِشَيْءٍ غَيْرَ لَيْلَى ابْتَلَانِيَا، ذَهَبَ بَصَرَهُ؛ وَقِيْلَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: إنَّهُ مَرِضَ. وَمنَ التَّكافُؤِ فِي التَّقْصيْرِ، وَالتَّرَادُفِ فِي الإِسَاءةِ، وَالتَّهَافُتِ فِي قُبْحِ الاتِّبَاعِ قَوْلُ الشَّمَّاخُ: [من الوافر] إِذَا أبْلَغْتِنِي وَحَمَلْتِ رَحْلِي ... عَرَابَةَ فَاشْرَقِي بِدَمِ الوَتِيْنِ (١) حَرُمْتِ عَلَى الأَزِمَّةِ وَالوَلَايَا ... وَأَعْلَاقِ الرِّحايَةِ وَالوَضِيْنِ وَلَمْ أرَ أحَدًا مِنْ عُلَمَاءِ الشِّعْرِ وَنُقَّادِ الكَلَامِ يَحْمَدُ هَذَا المَذْهَبَ مِنَ الشَّمَّاخِ، وَلَا يُوَجِّهُ لَهُ وَجْهًا مَرْضِيًّا فِي وَصْفِ النُّوْقِ الَّتِي يَمْتَطِيْهَا الشُّعَرَاءُ إِلَى المَمْدُوْحِيْنَ. وَقَدْ قَالَ أُحَيْحَةُ بنُ الجُلَاجِ لِلشَّمَّاخِ لَمَّا أنْشَدَهُ هَذَا: بِئْسَ المُجَازَاةُ جَازَيْتَهَا بِهِ. فَاقْتَفَى ذُو الرُّمَّةِ مَذْهَبَهُ فِي الإِسَاءةِ، فَقَالَ: [من الطويل] إِذَا ابْنُ أَبِي مُوْسَى بِلَالًا بَلَغْتِهِ ... فَقَامَ بِفَأْسٍ بَيْنَ وَصلَيْكِ جَازِرُ فَاحْتَذَى حَذْوَهُمَا أَبُو دَهْبَلٍ الجُمْحِيُّ، فَقَالَ يَمْدَحُ المُغِيْرَةَ بنِ عَبْدِ اللَّهِ: [من مجزوء الكامل] يَا نَاقِ سِيْرِي وَاشْرَقِي ... بِدَمٍ إِذَا جِئْتِ المُغِيْرَه

стр. 424

سَيُثِيْبُنِي أُخْرَى سِوَاكِ ... وَتلْكَ لِي مِنْهُ يَسِيْرَه وَسَرَقَ مِنْ ذِي الرُّمَّةِ ابْنُ أَبِي عَاصِيَةَ السُّلَمِي فَقَالَ: [من الكامل] إِنْ زَالَ مَعْنُ بَنِي شَرِيْكٍ لَمْ يَزَلْ ... يُدْنِي إِلَى سَفَرٍ لِعَيْنِ مُسَافِرِ نَذْرٌ عَلَيَّ لَئِنْ لَقِيْتُكَ سَالِمًا ... أَنْ تَسْتَمِرَّ بِهَا شفَارُ الجَازِرِ ثُمَّ نَحَرَهَا عِنْدَ وُصولهَا إِلَيْهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مَعَنْا، فَتَطَيَّرَ، وَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ، فَقَالَ: نَذْرٌ كَانَ عَلَيَّ وَأَنْشَدَهُ الشِّعْرَ، فَقَالَ مَعْنٌ: أطْعِمُوْنَا مِن كَبِدِ هَذِهِ المَظْلُوْمَةِ. وَبَاقِي المَجَازَاتِ الَّتِي اعْتَمَدَتْهَا العَرَبُ فِي أَشْعَارِهَا لِضَرُوْرَةِ الشِّعْرِ، وَإقَامَةِ وَزْنِهِ تَجَوُّزًا وَاتِّسَاعًا، إِذْ كَانَ مِنْ عَادَاتِهَا الاخْتِصارُ وَالحَذْفُ، وَالإِيْجَازُ وَالإِيْمَاءُ، وَالاكْتِفَاءُ بِاللَّمْحَةِ الدَّالَّةِ، وَالإِشَارَةِ إِلَى المَقْصدِ، وَالاسْتِغْنَاءُ بِالقَلِيْلِ عَنْ الكَثِيْرِ. وَأَقَرُّوْهُ شِعْرًا لَمْ يَتَعَذَّرْ فَهْمُ المَعْنَى المَطْلُوْبِ مِنَ اللَّفْظِ المَذْكُورِ. وَهِيَ أَنْوَاعٌ مُتَعَدِّدَة قَدْ أَوْرَدْنَا مِنْهَا مَا اتَّفَقَ إيْرَادُهُ بَيَانًا وَإيْضَاحًا لِلجِّنْسِ. فَمِنْ ذَلِكَ (١):

стр. 425

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →