Полный текст (5 369 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وَجَمْهُورُ الأدَب (١) مَأخُوْذٌ مِنْ لُغَةِ العَرَبِ، وَمَا تَنَاقَلتهُ مِنَ الأَمْثَالِ وَالنُّخَبِ فِي أشْعَارِهَا وَالخُطَبِ، وَذَلِكَ أنَّ اللَّهَ [اختار من عباده] صيَّرَهَا عَرَبًا عَارِبَةً، وَسَيَّرَهَا في صَحَاصحِ (٢) [البادية] وَأسْكَنَهَا حُزُوْنَ الجِّبَالِ وَسُهُولَ الفَلَوَاتِ شَارِقَةً الحواشي
(١) :
كَأَنَّ أَلْسِنُهُمْ فِي النُّطْقِ قَدْ جُعِلَتْ ... عَلَى رِمَاحِهِمِ فِي الطَّعْنِ خِرْصَانَا
هَارُوْنُ الرَّازِيُّ:
لِسَانًا إذَا أَدْلَى إِلَى الفِكْرِ دَلْوَهُ ... جَرَى مِنْهُ فَيْضُ العِلْمِ وَهُوَ مَعِيْنُ
وَتَنْطِقُ عَنْهُ صَامِتَاتٌ بِحِكْمَةٍ ... ظهور قَرَاطِيْسٍ لَهَا وَبُطُوْنُ
أبُو نُوَّاسٍ(٢) :
لِسَانَا إذَا امْتَاحَ الضَّمِيْرُ جَرَتْ لَهُ ... مِنَ الحِكَمِ الثَّرِّ الغِرَارِ مَنَابِعُ
النَّابِغَةِ الجَّعْدِيُّ(٣) :
جَدِيْدُ السِّنَانِ سَلِيْطُ اللِّسَانِ ... غَيْرُ عَيٍّ وَلَا مُسْهِبِ
جَرِيْءٌ عَلَى مَا غَيْرِ المُنْكَرَاتِ ... عَلَى المُرُوْءَةِ وَالمَنْصبِ(١) جَمْهُرةُ الشَّيْءِ وَجُمْهُورُهُ أَكْثَرَهُ وَغَالِبُهُ.(٢) الصَّحَاصِحُ جَمْعُ صحْصَاعٍ وَهُوَ الطَّرِيْقُ الوَاسِعُ وَأنْشَدَ:
وَقَدْ أَجُوْبُ البَلَدُ القَرَاحَا
المرمريسَ الصَّفْصَفَ الصِّحْصَاحَا
بِالقَوْمِ لَا مَرْضَى وَلَا صِحَاحَا
وَقَدْ وَرَدَ شَارِقَةٌ وَغَارِبَةٌ. قَالَ ابنُ نُبَاتَةَ السَّعْدِيّ يَمْدَحُ الإِمَامُ القَادِرِ بِاللَّهِ(٤) :
_________(١) ديوانه ٤/ ٢٢٨.(٢) لم يرد في ديوانه.(٣) لسان العرب (سهب).(٤) ديوانه ص ٢٨٤.стр. 72
غَارِبَةً، وَخَصَّهُم بِطيْب الأَعْرَاقِ، وَكَرَمِ الأَخْلَاقِ، وَالعِلَمِ وَالحِلْمِ، وَالعَزْمِ وَالحَزْمِ، وَالدَّهَاءِ وَالنًّجَبَةِ، وَالنَّجْدَةِ وَالسَّخَاءِ، وَالهِمَّةِ وَالذَمَّةِ وَالوَفَاءِ، فَهُمُ الأنْجَادُ الأمْجَادُ، المَطَاعِيْنُ المَطَاعِيْمُ الأجْوَادُ، يَرْعَوْنَ الجَّارَ، وَيَحْمُوْنَ الذِّمَارَ، وَيُدْرِكُوْنَ الثَّارَ ولا يَدَّرِعُوْنَ العَارَ، مُلْكهُمُ لَقَاحٌ، وَنَيْلُهُمُ مُبَاحٌ، وَجِدُّهُمُ صُرَاحٌ، وَحُصُونُهُمُ أسِنَّةٌ وصِفَاحٌ.
هُمْ أصْدَقُ الأنَامِ أنْسَابًا، وَأعْرَقُهُمْ أحْسَابًا. مَا مِنْهُمْ إلَّا مَنْ يُسَمِّي أبَاهُ أبًا فَأَبًا عَلَى مُروْرِ الأيَّامِ، وَكُرُوْرِ الأعْوَامِ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ بِهِ نَسَبُهُ آدَمَ ﵇. وَفَضَائِلُ العَرَبِ أكْثَرُ [من] أَنْ تُحْصَى، وَمَآثِرُهُم لَا تُسْتَقْصَى. فَأمَّا قُرَيْشٌ (١) ، الحواشي
(١) قِيْلَ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشًا(١) لأَنَّهَا تَقَرَّشَتْ أَيْ اجْتَمَعَتْ. يُقَالُ قَرَشْتُ المَالَ إذَا جَمَعْتُهُ، وَبِهِ سُمِّيَتْ قَرَيْشٌ لِلتِّجَارَةِ وَجَمْعِ المَالِ وَكَانُوا مُتَبَدِّدِيْنَ فِي الأَرْضِ حَتَّى جَمَعَهُمْ قُصَيٌّ فَسُمِّيَ مُجَمِّعًا.
وَقَالَ مَعْرُوْفُ بن خُرَّبُوذَ: إنَّمَا سُمِّيَتْ قُرَيْشًا لأَنَّهُمْ كَانُوا يُفتِّشُوْنَ الحَاجَّ عَنْ خَلَّتِهِمْ فَيُطْعِمُوْنَ الجَّائِعَ وَيَكْسُوْنَ العَارِيَ وَيَحْمِلُوْنَ المُنْقَطِعَ. وَالتَّقْرِيْشُ: التَّفْتِيْشُ. ثُمَّ أنْشَدَ قَوْلَ الحَارِثِ بنِ حِلْزَةَ(٢) :
أَيُّهَا الشَّامِتُ المُقَرِّشُ عَنَّا ... عِنْدَ عَمْرٍ وفَهَلْ لَهُ إِبْقَاءُ؟
وَرَوَى إبْرَاهِيْمُ بن المُنْذِرِ أنَّ رَسُوْلَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: عَبْدُ مَنَافٍ عِزُّ
_________(١) انظر: خزانة الأدب للبغدادي ٢/ ٢٠٣.(٢) ديوانه ص ٢٤.стр. 73
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = قُرَيْشٍ، وَأَسَدُ بن عَبْدِ العُزَّى عَضَدُهَا، وَعَبْدُ الدَّارِ رَكْنَهَا وَزَهْرَةُ الكَبدِ، وَتَيْمٌ وَعَدِيٌّ زَيْنَهَا، وَمَخْزُوْمٌ فِيْهَا كَالأَرَاكِبَةِ فِي نَصْرَتهَا، وَجُمْحٌ وَسَهْمٌ جَنَاحَاهَا، وَعَامِرٌ ليُؤْثِهَا وَفُرْسَانِهَا، وَكُلُّ تَبْعٌ لِوَلَدِ قُصَيٍّ وَالنَّاسُ تَبْعٌ لِقُرَيْشٍ.
وَأمَّا قَبِائِلُ قُرَيْشٍ فَمِنْهَا: بَنُو هَاشِمٍ بن عَبْدِ مَنَافٍ بن قَصَيِّ وَمِنْهُمْ رَسُوْلُ اللَّهِ ﵌ وَمِنْهُمْ عَلِيُّ بن أَبِي طَالِبٍ ﵇.
وَمِنْهَا بَنُو أُمَيَّةَ بنُ عَبْدِ شَمْسٍ بنُ عَبْدُ مَنَافٍ بن قُصَيِّ، وَمِنْهُمْ عُثْمَانَ بنُ عَفَّانَ ﵁، وَمُعَاوِيَةَ بنُ أَبِي سُفْيَانَ.
وَمِنْهَا بَنُو عَبْدِ الدَّارِ بن قُصَيِّ وهم الَّذِينَ دَخَلُوا الشِّعْبَ مَعَ بَنِي هَاشِمٍ حِيْنَ حُصِرُوا فِيْهِ.
وَمِنْهَا بَنُو عَبْدِ العُزِّىّ بن قُصَيِّ مِنْهُمْ خَدِيْجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدِ زَوْجُ النَّبِيِّ ﵌، وَمِنْهُمْ الزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامُ.
وَمِنْهَا بَنُو زَهْرَةَ بن كِلَابٍ أَخِي قُصَيّ بن كِلَابٍ، وَمِنْهُمْ آمِنَةَ أُمُّ النَّبِيِّ ﵌، وَمِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ وَسَعِيْدُ بن أَبِي وَقَّاصٍ ﵄، وَمِنْهَا بَنُو تَيْمٍ بن مُرَّةَ بنُ كَعْبٍ بن لُؤَّي بن غَالِبٍ مِنْهُمْ أبُو بَكْر الصِّدِّيِقِ ﵁، وَطَلْحَةُ بن عَبْدِ اللَّهِ، وَمِنْهَا بَنُو عَلِيِّ بن كَعْب.
وَمِنْهُمْ عُمَرُ بن الخَطَّابِ ﵁ وَسَعْدُ بن زَيْدٍ.
وَمِنْهَا بَنُو يَقْظَةَ بن مَرَّةَ بن كَعْبِ بن لُؤَيِّ بن غَالِبٍ مِنْهُمْ خَالِدُ بنُ الوَليْدِ ﵁.
وَمِنْهُمْ اللَّعِيْنُ أبُو جَهْلٍ، وَمِنْهَا بَنُو سَهْمٍ وَبَنُو - عَمْرُو بن العَاصِ.
وَمِنْهَا بَنُو أَسَدِبن عَامِرِ بن غَالِب مِنْهُمْ سَهْلُ بن عَمْرُو، وَمِنْهُمْ بَنُو ضبَّةَ بن الحَارِثِ بن -،
وَمِنْهَا بَنُو. . . . .
. . . . أَنْ يَطِيْعَهُ وَخَافَتْ أَنْ. . . . =стр. 74
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وَصنَعَ الثَّرِيْدَ وَأَوْسَعَ الحَجِيْجَ طَعَامًا وَسَقيًا وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَطْعَمَ الحَاجُّ وَسَقَاهُمْ. وَمِنْ قُرَيْشٍ أيْضًا قُرَيْشُ الظَّوَاهِرُ، وَهَؤْلَاءِ قُرَيْشُ الظَّوَهِرَ وَكَلَّهُمْ مَكَّةَ فهرِ بنِ مَالِكٍ سِوَى بني هِلَالِ بن أَهِيْب بن الحِارَثِ الذينَ ذَكَرْنَا أَنَّهُمْ دَخَلُوا البَطْحَاءَ.
* * *
وَمِنْ قُرَيْشٍ قَبَائِلَ لَيْسُوا بِأَبِطَحِيَّةٍ وَلَا ظَاهِرِيَّةٍ. فَمِنْهُم بَنُو سَامَةَ بن لُؤَيّ بن غَالِبٍ لَحقُوا بِعَمَانَ. وَمِنْهُمْ بَنُو خُزَيْمَةَ بن لُؤَيّ بن غَالِبٍ لَحقُوأ بِبَنِي شَيْبَانَ. وَمِنْهُمْ بَنُو سَعِيْدٍ بن لُؤَيّ بن غَالِبٍ لَحقُوا بِشَيْبَانَ أيْضًا. وَمِنْهُمْ بَنُو عَوْفٍ بن غَالِبٍ لَحقُوا بِغَطْفَانَ. وَأمَّا المَطَيبُونَ مِنْ قُرَيْشٍ فَهُمْ بَنُو عَبْدِ مُنَافٍ وَبَنُو أَسَدِ بنِ عَبْدِ العُزَّيُّ وَبَنُو تَيْمِ وَبَنُو زَهْرَةَ بنِ كِلَابٍ وَبَنُو عَبْدِ قُصَيّ وَبَنُو الحَرِثَ بنِ فَهْرٍ. وَكَاَنَتْ البَيْضَاءَ أُمُّ الحَكَمِ قَدْ جَعَلَتْ لَهُمْ خلُوْقًا فِي جَفْنَةٍ فَلَمَّا تَحَالَفُوا جَعَلُوا يَدَيْهِمْ فِيْهِ. وَأمَّا الفُضُوْلُ فَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو عَبْدِ المُطَّلِبِ وَبَنُو أَسَدٍ بن عَبْدِ العَزّيّ وَبَنُو زَهْرَةَ وَبَنُو تَيْمٍ كَانُوا تَحَالَفُوا عَلَى نَصْرِ المَظْلُوْمِ بِمَكَّةَ وَشَهَدَ النَّبِيُّ ﵌ حِلْفَهُمْ قَبْلَ أَنْ يُوْحَى إِلَيْهِ. وَأمَّا لَعْقَةُ الدَّمِ فَهُمْ بَنِي مَخْزُوْمٍ وَبَنُو عُدَيٍّ وَبَنُو سَهْمٍ وَبَنُو جَمْحَ وَبَنُو عَبْدِ الدَّارِ وَكَانُوا نَحَرُوا جَزُوْزًا وَأخَذُوا دَمَهَا فِي جَفْنَةٍ فَلَمَّا تَحَالَفُوا وَضعُوا أَصَابِعَهُمْ فِي ذَلِكَ الدَّمِ وَلَعَقُوا مِنْهُ. وَسُمِّيَ حِلْفُ الفُضُوْلِ لأَنَّ مِنَ الَّذِينَ قَامُوا بِهِ الفَضْلُ بن الحَرِثِ وَالفَضْلُ بن وَدَاعَةَ وَالفَضِيْلُ ابنُ فَضالَةَ وَكَانَ تَحَالُفُهُم كَتَحَالُفِ المُطِيِّبيْنَ.
وَسُمِّيَتِ الحمِيْسُ لالْتِزَامَهَا أَحْكَامًا شَدِيْدَةً يَعْبُدُوْنَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِهَا لِظَنِّهِمْ أنَّهَا تُزْلفهُمْ لَدَيْهِ. وَالحَّمَاسَةُ الشِدَّةُ.
وَهَذِهِ جُمْلَةٌ لَنْ يُسْتَغْنَى عَنْهَا.
* * *
وَلَهُمْ جذْمَانِ عَدْنَانُ وَقَحْطَانُ فَعَدْنَانُ مِنْ وُلدِ إِسْمَاعِيْلَ بنِ إبْرَاهِيْمَ خَلِيْلِ الرَّحْمَنِ ﵊ وَهُمْ يُدْعَوْنَ بَنِي عِرْقِ الثَّرَى وَعِرْقُ الثَّرَى، إِسْمَاعِيْلُ ﵇ وَفِي بَنِي تَارِحَ بنِ نَاحُوْرَا الصَّرَاحَةُ مِنْ وُلدِ فَالِغَ بن عَابرَ بن شَالِخَ بن أَرْفَخْشَدَ بنِ =стр. 75
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) :
_________(١) البيتان للرائش في المعارف لابن قتيبة ص ٦٢٧. =стр. 76
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) :
فَتًى مَاتَ بَيْنَ الضَّرْبِ وَالطَّعْنِ مِيْتَةً ... تَقُوْمُ مَقَامَ النَّصْرِ إِذْ فَاتَهُ النَّصْرُ
وَقَدْ كَانَ فَوْتُ المَوْتِ سَهْلًا فَرَدَّهُ ... إِلَيْهِ الحِفَاظ المرّ وَالخلقُ الوَعْرُ
فَأَثْبَتَ فِي مُسْتَنْقَعِ المَوْتِ رِجْلُهُ ... وَقَالَ لَهَا مِنْ تَحْتِ أَخْمَصِكِ الحَشْرُ
تَرَدِّي ثِيَابَ المَوْتِ حُمْرًا فَمَا أَتَى ... لَهَا اللَّيْلُ إِلَّا وَهِيَ مِنْ سُنْدِسٍ خُضرُ
* * *
- كَانَتْ قُرَيْشٌ تُكْرِمُ مَوَالِيْهَا وَإنَّ رَسُوْلِ اللَّهِ ﷺ وَلَّى الجَّيْشَ يَوْمَ مُؤْتَةَ زَيْدًا مَوْلَاهُ وَقَالَ إِنْ قُتِلَ فَأَمِيْرُكُمْ جَعْفَرٌ وَأَمَرَ أُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ ﵄--- طعنوا في إمارتهِ وَكَانَ أَمْرَهُ عَلَى جَيْشٍ جُلَّهُ المُهَاجِرُوْنَ وَالأَنْصَارُ فَقَالَ عَلَيْهِ
_________(١) ديوانه ٤/ ٨٠ - ٨١.стр. 77
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = السَّلَامُ إِنْ طَعَنِتُمْ فِي إِمَارَتهِ لَقَدْ طَعَنْتُمْ فِي إِمَارَةِ أَبِيْهِ قَبْلَهُ وَلَقَدْ كَانَ لَهَا أَهْلًا وَإِنْ -----
وقالت عَائِشَةُ ﵂: لَوْ كَانَ زَيْدٌ حَيًّا مَا اسْتَخْلَفَ رَسُوْلِ اللَّهِ غَيْرَهُ.
وَقَالَ عَبْد اللَّهِ بن عُمَرَ لأَبِيْهِ لِمَ فَضَّلْتَ أُسَامَةَ عَلَيَّ وَأَنَا وَهُوَ -- فقال عمر: -- كَانَ أَبُوْهُ أَحَبَّ إِلَى رَسُوْلِ اللَّهِ مِنْ أَبِيْكَ وَكَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُوْلِ اللَّهِ مِنْكَ.
وَأَوْمَى رَسُوْلِ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ لتمِيْطَ ----- فَكَأَنَّهَا تَكَرَّهَتْهُ فَتَوَلَّى ذَلِكَ - بِيَدِهِ، وَقَالَ لَهُ يَوْمًا أُسَامَةُ منْ أَحَبّ النَّاسِ إِلَيّ.
* * *
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُم غَبَيّةَ الجاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآبَاءِ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ.
وَيُرْوَى أنَّ المَأْمُوْنَ قَالَ يَوْمًا لِيَحْيَى بن أَكْثَم: يَا يَحْيَى مَا أَجَلَّ فَضِيْلَتنَا وَأَعْظَمَ شَرَفَنَا بِنَسَبِنَا إِلَى رَسُوْلِ اللَّهِ ﵌! فَقَالَ: يَا أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ تَدَع لِلشَّرَفِ مَوْضِعًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾.
قَالَ العَبْدُ الفَقِيْرُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَمَّد بن أَيَدمرَ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمَا: إنَّمَا جُعِلَتْ هَذِهِ الحَاشِيَةُ لِيحْصَلُ مِنْهَا بِبَسْطِ الشَّرْحِ فَائِدَة مَا وَأَنَا أُحِبُّ هَاهُنَا أَنْ أُبَيِّنَ مَوْلدِي وَنَسَبِي وَبِدَايَةِ إسْلَامِ وَالِدِي ﵀ وَكِيْفَ اسْتَشْهَدَ فِي سَبِيْلِ اللَّهِ فَأَقُوْلُ: مَوْلدِي بِبَغْدَادَ بِالمَحَلَّةِ الَّتِي تُسَمَّى دَرْبَ حَبِيْبٍ فِي شحْرَةِ صبِيْحَةِ يَوْمِ الجُّمْعَةَ رَابِعَةَ شَهْرِ اللَّهِ الأَصَمِّ رَجَبَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِيْنَ وَسِتِّمِائَةَ لِتَارِيْخِ الهجْرَةِ الشَّرِيْفَةِ وَبِبَغْدَادَ نَشَأْتُ وَأُخْرِجْتُ مِنْهَا ثُمَّ عُدْتُ إِلَيْهَا بَعْدَ سِنِيْنَ وَوَالِدِي أحَدُ خَوَاصِّ الإِمَامِ الشَّهِيْدِ أَبِي أَحْمَد عَبْدِ اللَّهِ المُسْتَعْصِمِ بِاللَّهِ أمِيرُ المُؤْمِنِيْنَ ﵄ وَهُوَ أَبُو مَنْصُوْر أَيْدَمِرَ بنُ سَّكِزَبِرُ كَونْجَكَ أَحَدُ أُمَرَاءِ طَوَائِفَ القُبْجَاقَ وَكَانُوا ذَوِي ثَرَاءٍ وَأَنْعَامٍ كَثِيْرَةٍ وَمُلُوْكًا لَا يَدِيْنُوْنَ بِطَاعَةٍ لأَحَدٍ وبلادهم. . . باب الأَبْوَابِ الَّذِي صَنَعَهُ كِسْرَى حَتَّى ظَهَرَ جَنْكِيْزُ خَانُ =стр. 78
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وَسَبَاهُمْ لَمَّا لَمْ يَطِيْعُوْهُ فَاتَّفَقَ مَجِيْءُ وَالِدِي مِنْ بِلَادِهِ صِحْبَةَ التُّجَّارِ صغِيْرًا يَرْضَعُ اللَّبَنَ إِلَى مِصْرَ وَأَهْدَاهُ عَزِيْزُ مِصْرَ إِلَى الإمَامِ أَبي جَعْفَر المُسْتَنْصِرُ بِاللَّهِ أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ وَالِدِ المُسْمعْصِمِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِيْنَ.
* * *
وَكَانَ ﷺ أَدَّى عَلَى --------------- رَسُوْلِ اللَّهِ ﷺ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةَ فَوَضعَهَا فِي فِيْهِ فَانتزَعَهَا رَسُوْلِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ يَا أَبَا عَبْد اللَّهِ إِنَّمَا يَحِلُّ لَكَ مِنْ هَذَا مَا يَحِلُ لنَا. وَفِي الحَدِيْثِ أنَّ المُعَتَّقَ مِنْ فَضلِ طِيْنَةِ المُعَتِّقِ - وَقِيْلَ الرَّجُلُ لأَبَوَيْهِ وَالمَوَلَى مِنْ مَوَالِيْهِ وَطُوْبَى لِمَنْ كَانَ مِنْ طِيْنَةِ رَسُوْلِ اللَّهِ ﷺ وَمَوْلَى مِنْ مَوَالِيْهِ. وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هذه الجُّمْلَةَ لِيَعْلَمَ أَنَّنِي لا أَنْفَكُّ عَنْ قُرَيْشٍ وَإِنَّ لِي ما لَهُمْ وَعَلَيَّ مَا عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفيْقِ.
* * *
يُرْوَى أَنَّ أُسَامَةَ بن زَيْدٍ مَوْلَى رَسُوْلُ اللَّهِ ﷺ قَاوَلَ عَمْرُو بن عُثْمَانَ ﵁ فِي أَمْرِ ضيْعَةٍ يَدَّعِيْهَا كُلُّ وَاحِدٍ، فَلَجَّتْ بِهُمَا الخُصُوْمَةُ. فَقَالَ عَمْرُو: يَا أُسَامَةَ أتَأنَفَ أَنْ تَكُوْنَ مَوْلَايَ؟ فَقَالَ أُسَامَةَ: وَاللَّهِ مَا يَسُرُّنِي بِوَلَائِي مِنْ رَسُوْلِ اللَّهِ ﷺ نَسَبُكَ ثُمَّ ارْتَفَعَا إِلَى مُعَاوِيَهَ فَلَجَّا بَيْنَ يَدَيْهِ فِي الخُصوْمَةِ فَتَقَدَّمَ سَعِيْدٌ بنُ العَاصِيّ إِلَى جَانِبِ عَمْرٍو فَجَعَلَ يُلَقِّنُهُ الحُجَّةَ فَتَقَدَّمَ إِلَى جَانِبِ أُسَامَةَ يُلَقَنُهُ فَوَثَبَ عُتْبَةُ فَصَارَ مَعَ عَمْرٍو فَقَامَ وَوَثَبَ الحُسَيْنُ فَصَارَ مَعَ أُسَامَةَ فَقَامَ الوَليْدُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنِ أُمِّ الحَكِمِ فَجَلَسَ مَعَ عَمْرٍو فَقَام عَبْدُ اللَّهِ بن العَبَّاسِ فَجَلَسَ معَ أُسَامَةَ فَقَامَ الوَليْدُ بنُ عَقْبَةَ فَجَلَسَ مَعَ عَمْرٍو فَقَام عَبْدُ اللَّهِ بن جَعْفَر فَجَلَسَ معَ أُسَامَةَ. فَقَالَ مُعَاوِيَةَ: الجَّلِيَّةُ عِنْدِي حَضَرْتُ رَسُوْلَ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَقْطَعَ هَذِهِ الضَّيْعَةَ أُسَامَةَ فَانْصَرَفَ الهَاشِمِيُّوْنَ وَقَدْ قَضَى لَهُمْ فَقَالَ الأُمَوِيُّوْنَ لِمُعَاوِيَةَ: هَلَّا إذَا كَاَنَتْ هَذِهِ القَضيَّةُ عِنْدَكَ بَدَأْتَ بِهَا قَبْلَ التَّحَزُّبَ وَأَخَّرْتَهَا عَنْ هَذَا المَجْلِسِ فَتَكَلَّمَ بِكَلَامِ يَدْفَعُهُ بِعْضُ النَّاسِ. وَكَانَ الغَرَضُ مِنْ هَذِهِ الحِكَايَةِ أنَّ المَوْلَى مِنْ مَوَالِيْهِ =стр. 79
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) :
وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تسْكِنُ البَحْـ ... ـرَ بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشُ قُرَيْشَا
سُلِّطَتْ بِالعُلُوِّ فِي لُجَجِ البَـ ... ـحْرِ عَلَى سَاكِنِ البِحَارِ جيُوْشَا
تَأكلُ الغثّ وَالسَّمِيْنَ وَلَا تتْ ... ـركُ فِيْهِ لِذِي جِنَاحَيْنِ رِيْشَا
هَكَذَى فِي البِلَادِ حَيُّ قُرَيْشٍ ... يَأْكلُوْنَ البِلَادَ أَكْلًا قَشِيْشَا
وَلَهُم آخِرَ الزَّمَانِ بَنِيٌّ ... يَكْثرَ القَتْلِ فِيْهِم وَالخُمُوْشَا
يَمْلأُوْنَ البَلَادَ خَيْلًا وَرِجْلًا ... يَحْشُرُوْنَ البِلَادَ حَشْرًا كَمِيْشَا
* * *
_________(١) لم ترد في ديوان أبي دهبل الجمحي.стр. 80
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) .
وَرَوَى سَهْلُ بن سَعْد أَنْ رَسُوْلِ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَحِبُّوا قُرَيْشًا فَإِنَّهُ مَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللَّهُ(٢) .
وَرَوَى سَعِيْدُ بن الحَسِيْبِ قَالَ قَالَ رَسُوْلِ اللَّهِ ﷺ أَكْرِمُوا قُرَيْشًا فَإِنَّهُمْ أَهْلُ اللَّهِ وَمَلَاحِمُ الحُرُوْبِ وَسَدَادُ الثُّغُوْرِ وَجَاهُ الدِّيْنِ وَأَئِمَّةُ المُسْلِمِيْنَ وَشَرْطُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَخَيْرُ عِبَادِ اللَّهِ.
وَرَوَى أَنَسُ بن مَالِكٍ أَنْ رَسُوْلِ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَنْ أَهَانَ قُرَيْشًا أَذَلَّهُ اللَّهُ قَبْلَ مَوْتهِ(٣) .
_________(١) الجامع الصغير ١/ ٥٦٧.(٢) الجامع الصغير ١/ ٤٠.(٣) الجامع الصغير ٢/ ٥٨٤.стр. 81
فَهُمْ أفْصَحُ العَرَبِ، وَأصْبَحُهُم وَأنْجَبُهُم [وأنفسهم وأنصحهم] وَأسْجَحُهُمْ، لهَمُ المَدَرُ وَالوَبَرُ، وَالأَسْوَدُ وَالأَحْمَرُ، وَالقُبَّةُ وَالمَفْخَرُ، وَالمَرْوَةُ وَالمَنْحَرُ، وَالصَّفَا وَالمَشْعَرُ، وَالسَّرِيْرُ وَالمِنْبَرُ، وَالحَوْضُ وَالكَوْثَرُ، هُمُ الأَصْلُ وَالهَامُ، وَالذِّرْوَةُ
الحواشي
(١) ، قُوَّةُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ تَغدِلُ قُوَّة رَجُلَيْنِ مِنْ غَيْرِهِمْ(٢) وَأَمَانَة رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ تَعْدِلُ أَمَانَةَ رَجُلَيْنِ مِنْ غَيْرِهِمْ.
وَرَوَى جُبَيْرُ بن مُطْعِم أَنْ رَسُوْلِ اللَّهِ قَالَ لَا تَتَقَدَّمُوا قُرَيْشًا فَتَهْلَكُوا وَلَا تَتَخَلَّفُوا عَنْهَا فَتَضِلُّوا وَلَا تُعَلِّمُوْهَا وَتَعَلَّمُوا مِنْهَا فَإِنَّهَا أَعْلَمُ مِنْكُمْ لَوْلَا أَنْ تَبْطَرَ قُرَيْشٍ لأَخْبَرْتُهَا بِمَاذَا لِهَا عِنْدَ اللَّهِ(٣) .
وَرَوَى عبد اللَّه بن السائب قَالَ قَالَ رَسُوْلِ اللَّهِ ﷺ النَّاسُ فِي الأمْرِ تَبع لِقُرَيْشٍ خَيَارُهُمْ تَبْعُ لِخيَارِهِمِ وَشْرَارُهُمْ تِبْعًا لِشرَارِهِمْ(٤) .
وَرَوَى عُثْمَانُ بن الضَّحَّاكِ قَالَ قَالَ عبد اللَّه عَبَّاسٍ ﵁ إِنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ نُوْرًا بَيْنَ يَدَي اللَّهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلَقَ أَدَمَ.
وَكَانَ ذَلِكَ النُّوْرُ يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُقَدِّسُهُ وتسبّح له بِتَسْبِيْحِهِ فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ أَلْقَى ذَلِكَ النُّوْرَ -.
وَرَوَى إسْمَاعِيْلَ بن مُسْلِمٍ عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُوْلِ اللَّهِ ﷺ : اللَّهُمَّ أَهْدِ قُرَيْشًا فَإِنْ عِلْمُ العَالِمِ مِنْهُمْ بِسَبْعِ طَبَاقِ الأَرْضِ -- وَقَالَ ﷺ : لا تَسَبُّوا قُرَيْشًا [فإن علم عالمها] ويَمْلأُ الأرْضَ عِلْمًا، اللَّهُمَّ --- نكَالًا --.
_________(١) الجامع الصغير ٢/ ٢٥٣.(٢) مجمع الزوائد ١٠/ ٢٦.(٣) الجامع الصغير ٢/ ٢٥٣.(٤) الجامع الصغير ٢/ ٢٥٥.стр. 82
وَالسَّنَامُ، وَالقَمَاقِمُ الحُكَّامُ، وَالمُلُوْكُ الكِرَامُ. هُمْ الشِّهَابُ اللَّامِعُ، وَالنُّوْرُ السَّاطِعُ، وَالسَّيْفُ القَاطِعُ، وَالخَيْرُ النَّافِعُ. هُمْ الصَّمِيْمُ، وَلَهُمْ التَّقْدِيْمُ وَالتَّعْظِيْمُ، وَفِيْهِم النُّبُوَّةُ وَالرِّسَالَةُ، وَعَليْهِم المَهَابَةُ وَالجَّلَالَةُ، وَإلَيْهِم الرِّئَاسَةُ وَالإِيَالَةُ، وَالشَّهَامَةُ وَالبَسَالَةُ، وَالفُتُوَّةُ وَالإمَامَةُ (١) ، وَالنَّخْوَةُ وَالزَّعَامَةُ، وَالقُوَّةُ وَالبَأْسُ، وَالنَّاسُ الذَّنَبُ وَهُمْ الرَّأسُ. تَقْصُرُ بِسِيُوْفِهِم الأعْمَارُ، وَتَطُوْلُ ألْسِنَتُهُم حِيْنَ يُبْتَدرُ الفخَارُ، كَمَا قَالَ المَرَّارُ (٢) : [من البسيط]
هُمْ العَرَانِيْنُ وَالأّذْنَابُ غَيْرهُمُ ... فَكُلُّ قَوْمٍ لِقَوْمِي تَابِعٌ خَوَلُ
لنَا المَسَاجِدُ نَبْنِيْهَا وَنَعْمُرُهَا ... وَفِي المنَا [برِ قعدانٌ لنا ذللُ] (٣)
لَمَّا تَخَيَّرَ رَبِّي فَاصْطَفَى رَجُلًا ... مِنْ خَلْقِهِ [كان منّا ذلك الرَّجلُ]
ثم الخَلَائِفُ مِنَّا لَسْتَ وِاجِدَهَا ... في غَيْرِنَا [معشرٍ ماحنّت الإبلُ]
وَلِوَلْدِ إبْرَاهِيْمَ ﵇ شَرَفٌ لَا يُبْلَغُ بُعْدُ غَايَاتِهِ. وَاللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَاتِهِ. وَحَسْبُ العرَب وَقَارًا، وَشَرَفًا وَفِخَارًا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَرَبِيٌّ، وَأَنَّ القُرْآنَ عَرَبِيٌّ (٤) .
وَأَنْ كَلَامَ أهْلِ الجَّنَّةِ عَرَبِيٌّ. وَأوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِالعَرَبِيَّةِ بَعْدَ الطُّوْفَانِ العَرَبُ العَارِبَةُ مِنْ بَنِي إرِمِ بن سَامِ بن نُوْحٍ ﵇ (٥) حِيْنَ تَبَلبَلَتِ الأَلْسُنُ بِبَابِلَ. الحواشي
(١) على البيت الأخير:
أصل الإمام: خيط البناء ثم أطلق بعد ذلك على كل من اقدتى به.(٢) هُوَ أَبُو مُحَلِمٍ المرَارُ بن سَعْيد الفَقْعسِيّ.(٣) انظر: شعراء امويون ٢/ ٤٧٤.(٤) رَوَاهُ جَابِرُ بن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُوْلِ اللَّهِ ﷺ : "صِفْوَةُ اللَّهِ مِنْ خَلْقِةِ قُرَيْشٍ".(٥) قَالَ الشَّاعِرُ:
للَّهِ فِيْمَا قَدْ بَرَا صَفْوَةٌ ... وَصَفْوَةُ الخَلْقِ بَنُو هَاشمِ
وَصفْوَةُ الصَّفْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ ... مُحَمَّدُ الطُّهْرُ أَبُو القَاسِمِ =стр. 83
وَقَالَ ابنُ الكَلْبِيِّ: أوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَا وَبِالسُّرْيَانِيَّةِ آدَمُ ﵇، وَأوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِالعِبْرَانِيَّةِ إبْرَاهِيْمُ ﵇، ثُمَّ فُتِقَ لِسَانُ إسْمَاعِيْلَ ﵇ بِالعَرَبِيَّةِ المُبيْنَةِ الَّتِي أنْزَلَ اللَّهُ بِهَا القُرآنَ، وَسَفَحَ هَذِهِ اللُّغَةَ العَذْبَةَ عَلَى لِسَانِ بَنِي عَدْنَانَ (١) .
وَالعَرَبُ أشَدُّ --- القريض وَتَسْيِيْرِ المَثَلِ الشَّارِدِ المُسْتَفِيْضِ، وَلَهُمْ فَضِيْلَةُ الَبَيَانِ، وَفَصاحَةُ اللِّسَانِ. وَالحِكَمُ بأطْرَافِ ألسِنَتِهِمْ مَعْقُوْدَةٌ، وَمِرَرُ مَعَالِيْهِم بِقَوَافِيْهِمْ مَشْدُوْدَةٌ: [من المتقارب]
بِسَاتِيْنُ فِيْهَا ثِمَارُ العُقُولِ ... وَرَيْحَانُ أهْلِ النُّهَى وَالأَدَبْ
إِذَا مَا تَقَضَّى زَمَانُ الرَّبِيْعِ ... فَأنْوَارُهُا نَاضِرَاتٌ قُشبْ
وَقَدْ سَمِعَ رَسُوْلُ اللَّهِ ﷺ الشِّعْرَ وَأُنْشِدَ فِي مَسْجِدِهِ وَاسْتَشْهَدَ بِهِ (٢) .
لَهُ مُسْعِفَةً، وَالقدْرَةُ عَلَى التَّصَرُّفِ فيه عَاضِدَةً، وَالطَّبْعُ الَّذِي هُوَ دِعَامَةُ النُّطْقِ بِهِ مُتَدَفِّقًا، وَالأُصُوْلُ مَحْفُوْظَةً، وَالفُضوْلُ مَحْذُوْفَةً، وَالفُصُوْلُ مُنْقَسِمَةً، وَالوُصُوْلُ مُلتحِمَةً، وَمَوَارِدُ الكَلَامِ عَذبَةً، وَمَصادِرُهُ رَحْبَةً رَطْبَةً. وَكُنْتَ بِأوَائِلِهِ مُسْتَغْنِيًا، وَبِآخِرِهِ مْسْتَكْفيًا، كَمَا قَالَ حَبِيْبُ بنِ أَوْسٍ الطَّائِيُّ (٣) : [من الطويل] الحواشي
(١) قَالَ مُقَاتِلُ بنُ حَيَّانَ: كَلَامُ أَهْلِ السَّمَاءِ العَرَبِيَّةُ ثُمَّ قَرَأَ ﴿حم(١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ(٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ١ - ٤].(٢) ------ لَكْنَةَ أَعْجَمِيَّةً -- إِلَى مَقْصَدِ قَوْم --- المُهَلَّبَ بن أَبِي صُفْرَة فِي مَدْحِهِ إِيَّاهُ ------ الحَارِثَة ------ كَأنَّهَا --.(٣) نَسَبُهُ وَمَوَلدُهُ وَوَفَاتُهُ:
هُوَ أَبُو تَمَّامٍ حَبِيْبُ بن أَوْس بن الحَارَثِ بن قَيْس بن فاقِرَ بن مُرّ بن سَعْد ابن =стр. 84
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = عَمْرو بن عَدِيّ بن عَمْرو بن الغَوْثِ بن طَيْءٍ.
مَوْلِدُهُ سَنَةَ اثْنَتَي وَتِسْعِيْنَ وَمِائَةَ وَمَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِيْنَ وَمِائَتَيْنِ وَتَعَلَّمَ الشِّعْرَ بِمِصْرَ ثُمَّ طَرَا إِلَى المُوْصِلِ وَقَدِمَ العِرَاقَ فَأَقَامَ بِهَا مُقَامًا طَوِيْلًا ثُمَّ رَحَلَ إِلَى خُرَاسَانَ وَكَانَ رَجُلًا طُوَالًا خَلْوَ الكَلَامِ فَصيْحًا وَكَانَ تَمْتَامًا إِذَا تَكَلَّمَ فَإِنْ أَنْشَدَ اسْتَوَى لِسَانَهُ وَكَانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الأَعْرَابِ.
قَالَ المُبَرَّدُ: التَّمْتَمَةُ التَّرْدِيْدُ فِي التَّاءِ.
وَالفَأْفَأَةُ: التَّرْدِيْدُ فِي الفَاءِ.
وَالعقلَةُ: الْتِوَاءُ اللِّسَانِ عِنْدَ إِدَارَةِ الكَلَامِ.
وَالحَبْسَةُ: تَعَذُّرُ الكَلَامِ عِنْدَ إِرَادَتِهِ.
وَاللَّفَفُ: إِدْخَالُ حَرْفٍ فِي حَرْفٍ.
وَالرتَّةُ: كَالرِّيْحِ تَمْنَعُ أَوَّلُ الكَلَامِ فَإِذَا جَاءَ مِنْهُ شَيْءٌ اتَّصَلَ.
وَالغَمْغَمَةُ: أَنْ تَسْمَعَ الصَّوْتَ وَلَا يَتَبَيَّن لَكَ تَقْطِيعُ الحُرُوْفِ.
قَالَ: وَالطَّمْطَمَةُ أَنْ يَكُوْنَ الكَلَامُ مُشَبَّهًا بِكَلَامِ العَجَمِ.
وَاللَّكْنَةُ: أَنْ تَعْتَرِضَ الكَلَامِ اللُّغَةِ الأَعْجَمِيَّةُ.
وَاللُّثْعَةُ: أَنْ يُعْدَلَ محرَفٍ بِحَرْفٍ.
وَالغِنَّةُ: أَنْ تُشرِبَ الحَرْفَ صَوتَ الخَيْشُوْمِ.
وَالخِنَّةُ: أَشَدُّ منها.
وَالتَّرْخِيْمُ: حَذْفُ الكِلَامِ.
قال الأَصْمَعِيُّ: حَدَّثنَي شعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ قَالَ يومًا: مَنْ أَفْصَحُ النَّاسِ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ السِّمَاطِ فَقَالَ: - تباعدوا عَنْ فراتيَّة العراق، وَتَيَامَنُوا عَنْ كَشْكَشَةِ تَمِيْمٍ، وَتَيَاسَرُوا كسكسة بَكْر لَيْسَ فيهم غمغمة قضاعَةَ، ولا طَمْطَمَانِيَّةُ حِمْيَرَ.
فقال مُعَاوِيَةَ: مَنْ أولئك، قال قَوْمكَ يَا أمير المؤمنين.стр. 85
وَسَيَّارَةٍ فِي الأرْضِ لَيْسَ بنَازحٍ ... عَلَى وَخْدِهَا حَزْنٌ سَحِيْقٌ وَلَا سَهْبُ
تَذُرُّ ذرُوْرَ الشَّمْسِ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ ... وَتَمْضِي جُمُوْحًا مَا يُرَادُ لها غَرْبُ
إِذَا أُنْشِدَتْ فِي القَوْمِ مَرَّتْ كَأنَّهَا ... مُسِرَّةُ كِبْرٍ أَوْ تَدَاخَلَهَا عُجْبُ
مُفَصَّلَةٌ باللُّؤْلُؤِ المُنْتَقَى لَهَا ... مِنَ الشِّعْرِ إلَّا أنَّهُ لُؤْلُؤٌ رَطْبُ (١)
وَهَذَا الشِّعْرُ المُشَارُ إِلَيْهِ فَهُوَ ضَالَّتِي الَّتِي أنْشَدْتُهَا وَحِكْمَتِي الَّتِي أَحْفَظُهَا وَأُنْشِدُهَا، لأنَّنِي أَتْبِعُ المَثَلَ المَشْهُوْرَ السَّائِرَ، وَأَطْلُبُ اللَّفْظَ الظَّاهِرَ الجَزَالَةِ، الفَاخِرِ الَّذِي قَدْ هَذَّبَهُ العَقْلُ، وَصَقَلَهُ العِلْمُ وَالفَضلُ، فَجَمَعَ بَيْنَ فَصَاحَةِ العَرَبِ وَمَتَانَةِ الأَدَبِ. قَدْ أُحْكِمَتْ مَبَانِيْهِ، وَتَكَافَأَتْ ألْفَاظُهُ وَمَعَانِيْهِ. إِذَا سُمِعَ طُمِعَ فِيْهِ، وَإذَا طُلِبَ صَعُبَ عَلَى مُبْتَغِيْهِ: [من المنسرح]
كَأنَّهُ مُزْنَةٌ - ... تُسِفُّ بِالقَطْرِ ثُمَّ تَرْتَفِعُ (٢) الحواشي
(١) ديوانه ١/ ١٧٧.
* * *
عبد اللَّه بن المعتز، يصف شعره(١) :
وَسَارت مَسيرَ الشمسِ لم تَلقَ بلدةً ... من الأرض إلى نحو أخرى يُرِيدُها(٢) المَزْنَةُ: السَّحَابَةُ البَيْضاءُ خَاصَّةً، وَجَمْعُهَا مُزَنٌ. قَالَ اللَّهُ : (أنْتُمْ).
_________(١) ديوانه ص ١٩٦ - ١٩٧.стр. 86
فأمّا --- النَّظْمِ، وَلَا مُلْتَحِمِ السَّبْكِ، ولا مُتَلَائِمِ الأَوْصَافِ، ولا مُتَنَاسِبِ الأَطْرَافِ، ولا مَقْبُوْلِ العبَارَةِ، ولا وَاضِحِ الإِشَارَةِ (١) ، كما قال فيه بَعْضُ الحواشي
(١) ابنُ الأَعْرَابِيُّ:
وبات يدرسُ شِعْرًا لا قِرَان لَهُ ... قَدْ كَانَ ثَقْفَةُ حَوْلًا فَمَا زَادَا
. . . . . القَوْلَ كُلُّهُ إِذَا ... قَالَ أَقْوَى مَا يَقُوْلُ وَأَسْنَدَا
فِي مِثْلِهِ:
قد حاول الشعر حتى شاب حاجبه ... فَلَمْ تُصبْ وَسَطًا مِنْهُ وَلَا طَرَفَا. . .
. . . . . . . . . الذِّهْن ... يَجْفو عَلَى القَرِيْضِ وَيَقِسُو
. . . . . فيه أنشأ ... بِغِنَاءٍ مِنَ الجَّهَالَةِ يَفْسُو
* * *
قيل(١) :
إنّ الوَضِيْعَ قَدْ قَالَ شِعْرًا ... يَجْمَعُ الجَهْلُ شَمْلَهُ وَيَعُمُّه
فَهُوَ كَالهِرِّ يخرا ... في زوايا البُيُوْتِ ثُمَّ يَطُمُّه
عِنْدَهُ وَهُوَ يَرْوِيْه ... فَأْفسُو فِي رَاحَتِي وَأَشِمُّه
عَلِيّ بن الجَّهْمِ(٢) :
اللَّه أكبر والنبي محمد ... وَالحَقُّ أَبْلَجُ وَالخَلِيْفَةُ جَعْفَرُ
مَرْوَانُ بنُ أَبي الجَنوب:
أراد أبن جهم أن يقول قَصِيْدَةً ... بِمَدْحِ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ فَأَذَّنَا
فَلَسْتُ عَلَى طُهْرٍ ... ، فقال: وَلَا أنَا
* * *
_________(١) لابن الحجاج في يتيمة الدهر ٣/ ٤٣.(٢) ديوانه ص ١٣٧.стр. 87
الأَعْرَابِ، هو أَبُو الوَليْدُ الرُّبَاعِيُّ (١) : [من الطويل]
وَشِعْرٍ كَبَعْرِ الكَبْشِ فَرَّقَ بَيْنَهُ ... لِسَانُ دَعِيٍّ فِي القَرِيْضِ دَخِيْلِ (٢) الحواشي
(١) الموشح ٥٥٢، العمدة ١/ ٢٥٧، البيان والتبيين ١/ ٦٦ وفيه: لأبي البيداء الرياحي.(٢) يَرِيْدُ ببَعْرَ الكَبْشِ أنّه شَعْر مُتَفَرِّقٌ مُتَبَايِن بَعْضُهُ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِبَعْضٍ، وَمِنْهُ قَوْلُ بِنْت الحُطَيْئَةِ لأَبِيْهَا حِيْنَ نَزَلَ فِي بَنِي كُلَيْبٍ بن يَرْبُوْعٍ: تَرَكْتَ الثروة وَالعَدَدَ وَنَزَلْتَ فِي بَنِي كُلَيْبٍ بَعْرِ الكَبْشِ، تَعْنِي بذلك تَبَايُنَهُمْ وَتَفَرُّقَهُمْ لِلخلفِ بَيْنَهُمْ.
قَالَ الوَائِلِيُّ(٢) :
وَحَاطِبِ لَيْلٍ فِي القَرِيْضِ زَجَرْتهُ ... وَقُلْتُ لَهُ قَوْلُ - المَجَاسِلِ
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَقْدر عَلَى دَرّ جلةٍ ... فَدَعْهُ وَلَا تَعْرِضْ لِحَصْنَاءِ سَاحِلِ
فَإِنِّي رَأَيْتُ الشِّعْرَ يَصْبِحُ خَامِلًا ... إِذَا لَمْ يَفِقْ فِي الحُسْنِ زَهْرَ الخَمَائِلِ
وَقَالَ آخَر(٣) :
لَا تَعْرِضَنَّ لِلشِّعْرِ مَا لَمْ يَكُنْ ... عِلْمُكَ فِي أَبْحُرِهِ بَحْرَا
فَلَنْ يَزَالَ المَرْءُ فِي فُسْحَةٍ ... مِنْ عَقْلِهِ مَا لَمْ يَقُلْ شِعْرَا
وَقَالَ أَبُو العَبَّاسِ بنُ مَعْمَرٍ:
أَيُّهَا الشَّاعِرُ المُبَرَّزُ فِيْنَا ... أَبِنَظْمٍ خَاطَبْتَنِي أَم بِنَثْرِ
أنْ يَكُنْ مَا تَقُوْلُ شِعْرًا فَإِنِّي ... قَائِل منه أَلْفَ جهلٍ وَزَفرِ
--- قُلْتهُ فَقَرَأْنَا بَعْدَ شَوْقٍ إِلَيْهِ أَسْخَف شعر
_________(١) لإسحاق الموصلي في الموشح ص ٥٧١.(٢) محاضرات الأدباء ١/ ٨٤.(٣) محاضرات الأدباء ١/ ٨٤. =стр. 88
وَقَالَ الآخَرُ، هُوَ -: [من الطويل]
وَبَعْضُ قَرِيْضِ القَوْمِ أوْلَادُ عَلَّةٍ ... يَكُدُّ لِسَانَ النَّاطِقِ المُتَحَفِّظِ (١)
وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصانِ فِيهُمَا ظَاهِرًا سَافِرًا. وَقَدْ يَتَّفِقُ فِي الفَذِّ النَّادِرِ الَّذِي لَا يَقَعُ بِمِثْلِهِ حُكْمٌ التَّبْلِيغٌ فِي صيَاغَةِ النَّثْرِ، بِمَعْنًى انتظَمَهُ الشِّعْرُ، فَيَكُونُ لِمَنْثُوْرِهِ لَوْطَةٌ بِالقَلْبِ، وَتَعَلُّقٌ بِالنَّفْسِ لَيْسَ لِمَنْظُوْمِهِ مِثْلُهُ، كَمَا قَالَ بَعْضُ المُتَقَدِّمِيْنَ (٢) : [من الكامل]
كَادَ الغَزَالُ يَكُوْنُهَا ... لَوْلَا الشَّوَى وَنشوزُ قَرْنهِ
وَنَثَرَ هَذَا بَعْضُ البُلَغَاءِ فَقَالَ: كَادَ الغَزَالُ [يكونها لولا حاتم منها ونقص منه]، وَلَعَمْرِي إنَّ الإِحسَانَ فِي هَذَا مُتَكَافِئُ لَكِنْ [القضية تقع على ما يوجبه] الأَكْثَرُ؛ لأنَّ العَرَبَ سَبَقَتْ بِالمَنْظُوْم إلَى وَصفِ الطُّلُولِ وَالآثَارِ، وَالبُكَاءِ فِي مَعَالِمِ الدِّيَارِ، كَقَوْلِ أبِي صَخْرٍ (٣) الهُذَلِيِّ (٤) : [من الطويل] الحواشي
(١) السَّرِيُّ الرَّفَاء(١) :
وَشَرُّ الشِّعْرِ مَا أَدَّاهُ فِكْرٌ ... تَعَثَّرَ بَيْنَ كَدٍّ وَاعْتِسَافِ(٢) حلية المحاضرة ١/ ٢٦.(٣) شعراء أمويون ٣/ ٩٣.(٤) وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بن سَلَمَةَ.
_________(١) ديوانه ٢/ ٢٣٠.стр. 89
لِلَيْلَى بِذَاتِ الحَيْشِ دَارٌ عَرَفْتُها ... وَأُخْرَى بِذَاتِ البَينِ آيَاتُهَا سَطْرُ (١)
كَأنَّهُمَا مِل آنَ لَمْ يَتَغَيَّرَا ... وَقَدْ مَرَّ لِلدَّارَيْنِ مِنْ بَعْدِنَا عَصْرُ (٢) الحواشي
(١) هَذَا مِثْلُ قَوْلِ عُمَرُ بن أَبِي رَبِيْعَةَ:
فَمَا أَنْسَ مِل أَشْيَاءِ لَا أَنْسَ مَوْقِفِي ... وَمَوْقِفُهَا وَهْنًا بِقَارِعَة النَّخْلِ
فَلَمَّا تَوَاقَفْنَا عَرِفْتُ الَّذِي بِهَا ... كَمِثْلِ الَّذِي بِي حَذْوَكَ النَّعْلِ بالنَّعْلِ
يُرِيْدُ فَمَا أنْسَ مِنَ الأَشْيَاءِ وَلَكِنْ حَذَفَ النُّوْنُ لِقُرْبِ مَخْرَجِهَا مِنَ اللَّامِ فَكَانَتَا كَالحَرْفَيْنِ يَلتقِيَانِ عَلَى لَفْظٍ فَيُحْذَفُ أحَدُهُمَا.
وَمِنْ كَلَامِ العَرَبِ أَنْ تَحْذِفَ النُّوْنُ يُرِيْدُ فَمَا إِذَا لَقِيَتْ لَامَ المَعْرِفَةِ ظَاهِرَةً فَيَقُوْلُوْنَ فِي بَنِي الحَارِثِ وَبَنِي العَنْبَرِ وَمَا أَشْبَهَ.
ذَلِكَ بِلحَرِثِ وَبِلعَنْبَرَ كَمَا يَقُوْلُوْنَ عَلْمَاءِ بَنُو فُلَانَ أَيْ عَلَى المَاء فَيَحْذِفُوْنَ.(٢) وهذه القصيدة من محاسن الشعر، ولا يكاد يخلو من بعضها ما يستحسنه الأدباء وفي جمعهم فأحببت إيرادها كلها تمامًا وهي(١) :
لِلَيْلى بذِاتِ الْجَيْشِ دارٌ عَرَفْتُها ... وَأُخرى بِذاتِ الْبَيْنِ آياتَها سَطْسرُ
كأَنَهما م الآنَ لَمْ يَتَغَيَّرا ... وَقَدْ مَرَّ لِلدّارَيْنِ مِنْ بَعْدِنَا عَصْرُ
وَقَفْتُ بِرَسْيَهْا فَلَمّا تَنَكَّرَتْ ... صدَفْتُ وَعَيْنِي دَمْعُها سَرِبٌ هَمْرُ
وَيُروْىَ: وَقَفْتُ بِرَبْعَيْها.
أَلَا أيُّها الرَكْبُ المخبون هَلْ لَكُمْ ... بساكِنِ أَجْزاعِ الحِمَى بَعْدَنَا خُبْرُ
فَقَالُوا طَوَيْنا ذَاكَ لَيلًا فإن يكنْ بهِ ... بَعْضُ مَنْ تَهْوَى فَمَا شَعَر السَّفْرُ
وَفِي الدَّمْعِ إِنْ كَذَّبْتُ بِالْحُب شاهِدٌ ... يُبَيّنُ ما أُخْفِي كَمَا بَيَّنَ الْبَدْرُ
صَبَرْتَ فَلَمَا عَالَ نَفْسِي وَشَفَّها ... عَجارِيفُ وَمَا تَأْتِي بهِ غُلِبَ الصَّبْرُ
إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحَبيبَيْنِ رِدَّة ... سِوى ذِكْرِ شِيْءٍ قَدْ مَضَى دَرَسَ الذِّكْرُ
إِذَا قُلْتُ هذا حِينَ أَسْلُو يُهيجُنِي ... نَسيُم الصَّبا مِنْ حَيْثُ يَطَّلعُ الْفَجْرُ
_________(١) بعضها في أشعار الهذليين ٢/ ٩٥٦.стр. 90
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = إِذَا ذُكِرتْ يرتاحُ قَلْبِي لِذِكْرِهَا ... كمَا انْتَفَضَ العُصْفُورُ بَلَّلَهُ الْقَطْرُ
خَلِيلَيَّ: هَلْ يُسْتَخْبَرُ الرِّمْثُ وَالغَضا ... وَطَلْحُ الكُدى مِنْ بَطْنِ مُرّان والسِّدْرُ
أَمَا والّذِي أَبْكَى وَأَضْحكَ والّذي ... أَمَاتَ وَأَحْيَا والّذي أَمْرُهُ الأَمْرُ
لَقَدْ كُنْتُ آتيها وَفِي النَّفْسِ هَجْرُهَا ... بَتاتًا لِأُخْرَى الدَّهْرِ مَالألأَ العُصرُ
وَإِنّي لآتِيهَا لِكَيْما تُثيبنُي ... أَو أردفها بِالصّوْمِ مَا طَلعَ القَمْرُ
فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ أَراهَا بِخَلْوَةٍ ... فَأُبْهَتُ لا عُرْفٌ لَدَيَّ وَلَا نُكْرُ
وَأَنْسَ الَّذي قَدْ كُنْتُ فِيهِ هَجَرْتُها ... كَمَا تَتَناسى لُبَّ شَارِبها الْخَمْرُ
وَلَا أَتلافَى عَثْرَتِي بِعزيمَةٍ ... مِنَ الأَمرِ حَتَى تَحْضرَ الأَعْينُ الخُزْرُ
فَأَرْجِعُ مثِلي حينَ كُنْتُ مُفكّرًا ... أَقولُ مَتى يَوْمٌ يَكُونُ لَهُ يُسْرُ
فَلا خَيْرَ فِي وَصْلِ الظّنونِ إِذَا وَنَى ... ولا لَذّةٍ يالَيْل يُنْزِلُهَا الْقَسْرُ
أَذُّم لكِ الأَيَامَ فِيَما وَلَتْ لنا ... وَمَا لِلّيالِي فِي الّذي بَيْنَنا عُذْرُ
وَمَا تَرَكَتْ لِي مِنْ شَذَى أَهْتدي بِهِ ... وَلا ضِلْعَ إلا وفِي عَظْمِها وَقْرُ
لَقد تَرَكَتْنِي أَغْيِظُ الوْحشَ أَنْ أَرى ... أَليفينِ مِنْها لا يَرُوعُهما نَفْرُ
هَجرتكِ حَتّى قِيلَ لَا يَعْرِف الْهَوى ... وَزُرْتَكِ حَتَى قِيلَ لَيْسَ لَهُ صَبْرُ
صَدَقْتِ أَنَا الصَّبُّ المُصَابُ الّذي بهِ ... تَباريحُ حُبٍّ خامرَ القَلْبَ أَوْ سِحْرُ
فيَا حَبَّذَا الأَحْياءُ مَا دُمْتِ حَيّةً ... ويا حَبّذا الأُمْواتُ مَا ضَمَّكِ القَبْرُ
ويَمنَعُني مِنْ بَعْدُ إِنْكارُ ظُلْمِها ... إذا ظَلَمَتْ يَومًا وإنْ كَانَ لِي عُذْرُ
مَخَافَةَ أَنّي قَدْ عَلِمْتُ لئِنْ بَدا ... لِيَ الهَجْرُ مِنْها مَا عَلى هَجْرِها صَبْرُ
وَأنّيَ لَا أَدْرِى إِذَا النَّفْسُ أَشْرَفَتْ ... عَلى هَجْرِهَا مَا يَبْلُغُنَّ بِيَ الْهَجْرُ
أَبَى الْقَلْبُ إِلّا حُبّها عامِرِيّة ... لَهَا كُنيَةُ عَمْروٍ وَلَيْسَ لَها عَمْرُو
تَكادُ يَدِي تَنْدَى إِذَا مَا لَمَسْتُها ... وَتَنْبُتُ فِي أَطْرِافِها الوَرَقُ الخُضرُ
تَمَنَّيتُ مِنْ حُبِّي عُلَيَّةَ أَننا ... عَلَى رَمَثٍ فِي الْبَحْرِ لَيْسَ لَنَا وَفْرُ
عَلَى دَائمٍ لَا يَعْبُرُ الفُلْكُ مَوْجَهُ ... وَمِنْ دُوننا الأَهَوالُ وَاللُّجَجُ الخُضْرُ
لِنَقْضِيَ هَمّ النّفْسِ مِنْ غيرِ رِقْبَةٍ ... وَيَعْدُوَ مَنْ نَخْشَى نَمِيَمتُهُ الْبَحْرُ =стр. 91
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = عَجِبْتُ لِسَعْي الدَّهْرِ بَيْنِي وَبَيْنَها ... فَلَمّا انْقضى مَا بَيْنَنا سَكَنَ الدَّهْرُ
مُقيمًا أَنْ لَمْ يُحْدِثِ الْيَوْمَ صَرْفُهُ ... لنَا خُطّة عَوْصَاءَ مِرَّتُهَا شَزْرُ
عَلى رِسْلِه لَمْ يَكْتَرِثْ أَنْ تُصِيبَنا ... نَوائِبُ يَرْمِينا بِهَا مَعَهُ الْقَدْرُ
(هَلِ الْوَجْدُ إِلّا أَنَّ قَلْبِيَ لَوْدَنَا ... مِنَ الْجَمْر قِيدَ الرُّمْحِ لاْحتَرَقَ الْجَمْرُ)
وَيَا حُبَّها زِدْنِي جَوًى كُلَّ لَيْلَةٍ ... وَيَا سَلْوَةَ الأيّامِ مَوْعِدُكِ الْحشْرُ
أَلَيْسَ عَشِيّاتُ الِحْمَى بِرَوَاجِعٍ ... لنَا أبدًا ما أَوْرَقَ السَّلَمُ النَّضرُ
وَلَا عائِذٍ ذَاكَ الزّمانُ الّذي مَضَى ... تَبَارَكْتَ مَا تَقْدِرْ يَقَعْ وَلَكَ الشُّكْرُ
* * *
يُرْوَى أنَّ هِشَامَ بن عَبْدِ المَلِكِ حَجَّ فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ فَلَمَّا دَخَلَ فِي الطَّوَافِ وَأَرَادَ اسْتِلَامَ الحَجَرَ الأَسْوَدَ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ لازْدِحَامِ النَّاسِ عَلَيْهِ فَنُصبَ لَهُ مَنْبَرٌ حِيَالَ الكَعْبَةِ وَجَلَسَ مُنتظِرًا تَصَرُّمَ النَّاسِ إذْ أَقْبَلَ عَلِيُّ بنُ الحُسَيْنِ زَيْنُ العَابِدِيْنَ ﵉ فِي ثَوْبَيْنِ مِصرِيَّيْنِ وَفِي رِجْلِهِ نَعْل فَلَمَّا رَآهُ أَهْلُ الحِجَازِ تَنَحُّوا عَنْهُ حَتَّى اسْتَلَمَ الحَجَرَ.
فَقَالَ هِشَامٌ: مَنْ هَذَا الَّذِي قَدْ هَابَهُ النَّاسُ هَذِهِ الهَيْبَةَ؟
فَقَالَ الفَرَزْدَقُ وَكَانَ قَائِمًا عَلَى رَأْسِهِ: أنَا أَعْرِفُهُ يَا أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ.
فَقَالَ: مَنْ هُوَ؟
فَقَالَ:
هَذَا الّذي تَعْرِفُ الْبَطْحَاءُ وَطْأَتَهُ ... وَالْبَيْتُ يَعْرِفُهُ وَالْحِلُّ والْحَرَمُ
هَذَا ابْنَ خَيْرِ عِبادِ اللَّه كلّهِمُ ... هذا التَّقِيُّ النَّقيُّ الطَّاهِرُ الْعَلَمُ
هَذَا ابْنُ فَاطِمة إِنْ كُنْتَ جَاهِلَهُ ... بِجَدِّهِ أَنْبياءُ اللَّهِ قَدْ خُتْمُوا
إِذَا رَأَتْهُ قُرَيْشٌ قَالَ قَائِلُهَا ... إلى مَكَارِمِ هَذَا يَنتهِي الْكَرَمُ
يَكادُ يُمْسِكُهُ عِرْفَانُ رَاحَتِهِ ... رُكْنُ الْحَطيمِ إِذَا مَا جَاءَ يَسْتَلِمُ
أي القَبائِل لَيْسَتْ في رِقَابِهُمُ ... لأوليّةِ هذا أَوْلَهُ نِعَم
يَنْمِي إلى ذِرْوَةِ العِزِّ الّتي قَصَرَتْ ... عَن نَيْلِهَا عَرَبُ الإِسْلامِ والْعَجَمُ =стр. 92
إلَى مَا تَصَرَّفَتْ فِيْهِ مِنْ مَثَلٍ سَائِرٍ، وَتَشْبِيْهٍ رَائِعٍ، وَاسْتِعَارَةٍ رَائِقَةٍ، وَتَضْمِينٍ وَاقِعٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَمِمَّا قِيْلَ: الأَشْيَاءُ كُلُّهَا ثَلَاثُ طَبَقَاتٍ: جَيِّد وَوَسَطٌ وَرَدِيْءٌ، فَالوَسَطُ مِنْ كُلِّ
الحواشي
(١) .
_________(١) أمالي المرتضى ١/ ٦٧.стр. 93
شَيْءٍ عِنْدَ النَّاسِ أجْوَدُ مِنَ الرَّدِيْءِ إلَّا الشِّعْرَ؛ فَإنَّ وَسَطَهُ كَرَدِيْئِهِ وَمَتَى قِيْلَ: شِعْرٌ وَسَط، فَعِبَارَةٌ عَنِ الرَّدِيْءِ.
وَقِيْلَ:
ضرُوْبِ الشِّعْرِ
أرْبَعَةٌ: ضرْبٌ حَسُنَ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ، وَإذَا نُثِرَ لَمْ يُفْقَد حُسْنُهُ، كَمَا قَالَ الفَرَزْدَقُ (١) : [من البسيط]
فِي كَفِّهِ خَيْزُرَانٌ رِيْحُهُ عَبِقٌ ... بِكَفِّ أرْوَعَ فِي عَرْنِيْنِهِ شَمَمُ (٢) الحواشي
(١) نَسَبَهُ:
هو الفَرَزْدَقُ بن غَالِبِ بن صَعْصَعَةَ بن نَاجِيَةَ بن عقَالِ بن مُحَمَّد بن سُفْيَانَ بن مُجَاشِع بن دارم، وَاسْمُ دَارِمَ بَحْرِ بن مَالِك بن عَوْف بن حَنْظَلَةَ بن تَمِيْمٍ. وَكَانَ أَبُوْهُ شَرِيْفًا شُرَفَاءُ إِلَى حَيْثُ انتهُوا وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قِصَة شَرِيْفَةٌ يَطُوْلُ الكِتَابُ بِذِكْرِهِ.
ويروى: فِي كَفِّهِ جنْهِيُّ رِيْحُهُ عَبَقُ. وَالجنَّةُ الخَيْزَرَانُ وَكَاتِبُ المُلُوْكِ مِنَ العَرَبِ يَتَّخِذُوْنَ مِنْهُ المَخَاصِر قَالَ مَرْوَانُ:
فَطوْرًا يَهُزُّوْنَ الصوَارِمَ وَالقَنَا ... وَطوْرًا بِأَيْدِهِمْ تُهَزُّ المَخَاصِرُ(٢) قَوْلُ الفَرَزْدَقُ: فِي كَفِّهِ خَيْزَرَان رِيْحُهُ عَبِقُ.
قَالَ أَبُو العَبَّاس، يمَال: يَدِىِ مِنَ اللَّحْمِ غَمِزَةُ، وَمِنَ السَّمَكِ صمرةٌ وَصَنِرَةٌ بالنُّوْنِ، وَمِنَ البَيض زَفِرَةٌ ومدرةٌ، وَمِنَ اللبَنِ وَالزُّبْدِ وَضِرَّةٌ وَقِثْمَةٌ وَمِنَ العَسَلِ وَمَا أَشْبَهَهُ سفرة، وَمن لحم الطَّيْر زَهْمَةٌ، وَمِنَ القَدِيْدِ زَرنخَةٌ، وَمِنَ الزَّيْتِ وَسَائِرِ الأَدْهَانِ نَمِسَة وَتهمةٌ، وَمِنَ السَّمْنِ سِنْحُةٌ وَمِنَ الزَّعْفَرَانِ عَتِكَةٌ وَعَطِرَةٌ.
وَمَنْ أَرَادَ اللَّوْنَ قَالَ عاتِة، وَمِنَ الحَدِيْدِ سَهِكَةٌ، وَكَذَلِكَ مِنَ الصُّفْرِ، ومِنَ الشَّهْدِ شَبِرَةٌ ويقال شَهدَةٌ، ومن الحَناءِ قَنِيْئَةٌ، وَمِنْهُ قَنَأتْ أناحله، وَمِنَ القَنْدِ قَنِدَةٌ، وَمِنَ المَاءِ بَلَلَهُ، ويقال لمخة، لَممةٌ وَمِنَ الطِّيْنِ لَثِقَةٌ، وَمِنَ الدَّسَمِ عطلة، وَمِنَ البَزرِ وَالنِّفْطِ نَسِلَةٌ، وَمِنَ القذرِ وَحِرَةٌ وَمِنَ النَّجْوِ قَذِرَةٌ، وَمِنَ المَدْرِ وَسِخَةٌ، وَمِنَ الدَّمِ سَلِطَةٌ، وَمِنَ الخَبِيْصِ دَرِكَةٌ، بِالدَّالِ غَيْرُ المُعْجَمَةِ وَمنَ الفَاكِهَةِ خَنِثَةٌ، وَمِنَ الوَرْدِ =стр. 94
يُغْضِي حَيَاءً وَيُغْضى مِنْ مَهَابَتِهِ ... وَلَا يُكَلَّمُ إلَّا حِيْنَ يَبْتَسِمُ (١)
وَضَرْبٌ حَسُنَ لَفْظُهُ، وَخَلَا مَعْنَاهُ، كَقَوْلِ الآخَرِ (٢) : [من الطويل]
وَلَمَّا قَضيْنَا مِنْ مِنًى كُلَّ حَاجَةٍ ... وَمَسَّحَ بِالأَرْكَانِ مَنْ هُوَ مَاسِحُ
أخَذنَا بِأطْرَافِ الأحَادِيْثِ بَيْنَنَا ... وَسَألَتْ بِأعْنَاقِ المَطِيِّ الأبَاطِحُ
وَضَرْبٌ جَادَ مَعْنَاهُ، وَقَصُرَ لَفْظُهُ كَقَوْلِ النَّابِغَةِ الذُّبْيَانِيّ (٣) : [من الطويل]
خَطَاطِيْفُ حُجْنٍ فِي حِبَالٍ مَتِيْنَةٍ ... تَمُدُّ بِهَا أيْدٍ إِلَيْكَ نَوَازِعُ (٤)
وَضَرْبٌ قَصُرَ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ، كَقَوْلِ الأعْشَى (أعْشَى بَكْرٍ) (٥) : [من المنسرح]
إنَّ مَحَلًّا وَإنَّ مُرْتَحَلًا ... وَإنَّ لِلسَّفرِ مَا [مضى مهلا] (٦) الحواشي
(١) ديوانه ٢/ ١٧٩.(٢) تعليق على البيت قبل الأخير.
- هو ابن الدمينة ورأيته في ديوان كعب.(٣) ديوانه ص ٣٨.(٤) إنَ لنَا مَحَلًا، والمحل: الآخرة، والمرتَحل: الدُّنيا.
وإنَّ في السّفر مَقْدَمًا: مِنْ قَدم شَيْئًا مِنَ الْعَمَلِ الصَّالحِ أَصَابَهُ كَمَا تَقُولُ: خُذْ لِهذَا الأمرِ مُهْلَةُ، ومَهُلْتَهُ: تَقَدّم فيهِ.
ومما لا معنى فيه، ولا فائدة قول القائل:
الليل ليل والنهار نهار ... والأرض فيها الماء والأشجار(٥) ديوانه ٢٨٣.(٦) بياض في الأصل وأكملناه من ديوانه.стр. 95
وَالشِّعْرُ لَهُ أسْبَابٌ:
مَتَى خَلَا مِنْ وَاحِدٍ منها كان كَالحَيَوَانِ الَّذِي عَابَهُ نَقْصٌ فِي خِلْقَتِهِ، وَشَانَهُ فَقْدُ شَيْءٍ مِنْ أَعْضَاءِ صُوْرتهِ. أوَّلُهَا فَصَاحَةُ اللَّفْظِ، وَإِبْدَاعُ المَعْنَى؛ لأنَّ الشِّعْرَ لَفْظٌ وَمَعْنًى، فَاللَّفْظُ جِسْمُ الحَيَوَانِ، وَالمَعْنَى رُوْحُهُ وَنَفْسُهُ، وَفَصَاحَةُ اللَّفظِ نُعُوْمَةُ ذَلِكَ الجِسْمِ، وَحُسْنُ بَشَرَتِهِ، وَصفَاءُ لَؤْبهِ.
وَإِبْدَاعُ المَعْنَى شَرَفُ تِلْكَ النَّفْسُ، وَكَمَالُهُا وَزَهْوُهَا. وَكَمَا أنَّ الجِسْمَ بِغَيْرِ رُوْحٍ لَا يُوْجَدُ بِهِ حَرَكَة وَلَا عَقْلٌ، وَالرُّوْحَ بِغَيْرِ جِسْمٍ لَا يُدْرَكُ لَهَا مَلَكَةُ وَلَا فِعْلٌ، فَكذَلِكَ الشِّعْرُ، لَا يَصحُّ إلَّا بِاجْتِمَاع اللَّفْظِ وَالمَعْنَى فِيْهِ مِنْ غَيْرِ انْفِرَادِ أحَدهُمَا عَنِ الآخَرِ. وَإذَا كَانَتْ الفَصاحَةُ مُسَلَّمَةً إلَى العَرَبِ ---- مِنْ إبْدَاعِ المَعْنَى، وَجَزَالَةِ اللَفْظِ، وَالحِذْقِ بِصنَاعَةِ الشِّعْرِ -- حَقُّهُمْ، وَلَا يُنْكَرُ سَبْقُهُمْ. وَأنَا لَا أُسَلِّمُ إلَى المُتَقَدِّمِ إِذَا جَاءَ بِالرَّدِيْءِ مِن شِعْرِهِ لِتَقَدُّمِهِ، وَلَا أبْخَسُ المُتَأخِّرَ حَقَّ الفَضِيْلَةِ لِتَأخُّرِهِ اقْتِدَاءً بِالمئَلِ السَّائِرِ، المُنْجِدِ الغَائِرِ، المُحْكَمِ الأَوْصَافِ، الكَامِلِ العَدْلِ وَالإنْصَافِ، وَهُوَ قَوْلُ أمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ عَلِيّ بن أبِي طَالِبٍ ﵇: لَا تَنْظُرْ إلَى مَنْ قَالَ، وَانْظُرْ ما قال.
فَالفَصَاحَةُ فِي اللَّفْظِ كَالأَبْيَاتِ الَّتِي يَرْوِيْهَا النَّاسُ لِلفَرَزْدَقِ (١) : [من الطويل] الحواشي
(١) قَدْ قِيْلَ: إنَّ هَذِهِ الأَبْيَاتَ لِلأَخْطَلِ بنِ غَالِبٍ المُجَاشِعِيُّ أَخِي الفَرَزْدَقَ وَهُوَ الأَصَحُّ لأَنَّهُ لَمَّا مَاتَ وَكَانَ الأخْطَلُ هَذَا شَاعِرًا فَحْلًا طَوِيْلَ اللِّسَانِ كثيْرَ المَحَاسِنِ فَكَسَفَهُ الفَرَزْدَقُ فَانْطَوَى فَضْلهُ:
وَمِنْ فَصِيْحِ الشِّعْرِ مِنْ هَذَا البَابِ قَوْلُ الصَّمَّةِ بن عَبْدُ اللَّهِ بن طُفَيْلٍ القُشَيْرِيُّ(١) :
وَبِالأَجْرَعِ الأَقْصَى الَّذِي أَنْبَتَ الغَضَا ... جَاءَ ذِرُّ أَعِيَا صَيْدُهَا كُلُّ صَائِدِ
وَمَرْعًى أَنِيْقٌ غَيْر دَانٍ مرَادُهُ ... وَمَاءٌ نَمِيْرٌ غَيْرُ سَهْلِ المَوَارِدِ
ألا بِأَبِي العَيْشُ الَّذِي كَانَ لِي ... زَمَانَ الصِّبَى لَكِنَّهُ غَيْرُ عَايِدِ
_________(١) لم ترد في ديوانه. =стр. 96
وَرَكْبٍ كَأنَّ الرِّيْحَ تَطْلُبُ عِنْدَهُمْ ... لَهَا تِرَةً مِنْ جذْبِهَا بِالعَصَايِبِ (١)
سَرَوا يَخْبِطُوْنَ اللَّيْلَ وَهْيَ تَلُفُّهُمْ ... إلَى شُعَبِ الأكْوَارِ مِنْ كُلِّ جَانِبِ (٢) الحواشي
(١) :
أَطَاعَ الهَوَى وَاسْتَعْبَدَتْهُ المَطَامِعُ ... وَمَالَتْ بِهِ نَحْوَ الحَبِيْبِ النَّوَازعُ
وَكَانَ تَمَادِي البُعْدِ أنْسَاهُ وَجْدَهُ ... فَهَيَّجَ ذِكْرَاهُ الحَمَامُ السَّوَاجِعُ
نَوَائِح يُبْكِي شَجْوهَا كُلَّ سَامِعٍ ... لَهُنَّ وَإنْ لَمْ تَجْرِ مِنْهَا المَدَامِعُ
كَتَمْتُ الهَوَى مَا اسْطَعْت فَازْدَادَ كثرةً ... عَلَيَّ وَحَتَّى مَ تَسَعْهُ الأَطَالِعُ
فَوَاكَبِدَى مَالِي أَحِنُّ إِلَى الصِّبَى وَ ... هَيْهَاتَ مَا عَهِدَ الصِّبَى لِي رَاجِعُ
وَإنْ أَكُ نَاهَزَ سَبْعِيْنَ حِجَّةٍ ... فَقَلْبِي فِي طَبْعِ الصبَابَةِ يَافِعُ
يُطَيِّرُ مَرَّ الدَّهْرِ أَجْسَام أَهْلِهِ ... وَتَبْقَى عَلَى حَالَاتِهِنَّ الطَّبَائِعُ
وَمِنْ مَحَاسِنِ شِعْرِ أَبِي الطَّيِّبِ فِي النَّسَبِ بِالأَعْرَابِيَّاتِ قَوْلهُ مِنْ قَصِيْدَةٍ(٢) :
دِيَارُ اللَّوَاتِي دَارهنَّ عَزِيْزَةً ... بِطُوْلِ القَنَا يَحْفَظْنَ بِالتَّمَائِمِ
حِسَانُ يَنْقِشُ الوشَى مِثْلهُ ... إِذَا مَسَّ فِي أَجْسَادِهِنَّ النَّوَاعِمِ
وَيَنْسِمْنَ عَنْ دُرٍّ تَقَلَّدْنَ مِثْلَهُ ... كَأنَ التَّرَاقِي وُشِحَتْ بِالمَبَاسِمِ(١) أَلَمَّ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بن المُعْتَزِّ فَقَالَ:
وَالرِّيْحُ تَجْذِبُ أطراف الرداءِ كَمَا ... أَفْضى الشَّفِيْقُ إِلَى تَنْبِيْهِ وَسْنَانِ(٢) وَيُرْوَى: سَرَوا وَسَرَتْ نَكْبَاءُ وَهِيَ تَلُفُّهُمْ.
_________(١) لم ترد في ديوانه.(٢) ديوانه ٤/ ١١.стр. 97
إِذَا مَا اسْتَدَارُوا وِجْهَةَ الرِّيْحِ أعْصَفَتْ ... تَصُكُّ وُجُوْهَ القَوْمِ بَيْنَ الرَّكَائِبِ
إِذَا أنِسُوا نَارًا يَقُوْلُوْنَ لَيْتَهَا ... وَقَدْ خَصرَتْ أيْدِيْهِمْ [نار غالب] (١)
رَأُوا ضَوْءَ نَارٍ في يَفَاعٍ تَألَّفَتْ ... يُؤَدِّي إِلَيْهَا لَيْلُهَا كُلَّ سَاغِبِ (٢)
تُشَبُّ لِمَقْرُوْرِيْنَ طَالَ سُرَاهُمُ ... إِلَيْهَا وَقَدْ أصغَتْ تَوَالِي الكَوَاكِبِ
تَرَى نَسَبًا مِنْ صَادِرِيْنَ وَوُرَّدٍ ... إِذَا رَاكِبٌ وَلَّى أنَاخَتْ بِرَاكِبِ
إلَى نَارِ ضَرَّابِ العَرَاقِيْبِ لَا يَنِي ... لَهُ مِنْ غِرَارَي سَيْفِهِ خَيْرُ طَالِبِ (٣)
تُدَرُّ لَهُ الأنْسَاءُ فِي لَيْلَةِ الصَّبَا ... وَتُمْرَى بِهِ اللَّبَّاتُ عِنْدَ التَّرَائِبِ
وَكَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ (٤) : [من الطويل] الحواشي
(١) يُرْوَى: إِذَا أُوْقِدَتْ نَارٌ يَقُوْلُوْنَ، ما بين المعقوفين بياض في الأصل وأكملناه من الديوان.
* * *
الخَصِرُ الَّذِي يَجِدُ البَرْدَ وَقَوْلُهُ: خَصِرَت أَيْدِيْهِمْ أي مَسَّهَا البَرْدُ. وَالخَرِصُ الَّذِي يجدُ البَرْدَ وَالجُوْعَ مَعًا.(٢) وَيُرْوَى: تَألَّقَتْ بِالقَافِ.(٣) يُرْوَى: لَمْ يَزَلْ لهُ مِنْ غِرَارَي.(٤) وَاسْمُهُ غَيْلَانُ بن عُقْبَةَ بن نَهِيْش بن مَسْعُوْد بن حَارِثةَ بن عُمَرَ بن رَبِيْعَةَ بن سَاعِدَةَ بن كَعْب بن عَوْف بن ثَعْلَبَةَ بن رَبِيْعَةَ بن مَلْكَانَ بن عُدَيِّ بن عَبْدِ مُنَاةَ بن أَدّ بن طَابِخَةَ بن الْيَاسِ بن مُضَرَ بن نزار بن مَعْدِ بن عَدْنَانَ.
وَإنَّمَا سُمِيَّ بِذَلِكَ لَقَوْلهِ فِي أُرْجُوْزَةٍ لَهُ يَصِفُ وَتَدًا:
أبعَثْتَ فِي رُمَّةِ التَّقْلِيْدِ نَعَمْ ... فَأَنْتَ اليَوْمَ كَالمَعْمُوْدِ
وَقِيْلَ إنَّمَا سُمِّيَ بِذِي الرِّمَّةِ لأنَّهُ كَانَ خُشِيَ عَلَيْهِ وَهُوَ غُلَامَ المَسَّ فَأَتَى بِهِ رَجُلٌ مِنَ الحَيِّ فَكَتَبَ لَهُ مُعَاذِةً فَشُدَّتِ بِخَيْطٍ وَعُلِّقَتْ عَلَيْهِ. يَقُوْلُ فِي أُرْجُوْزَتهِ(١) :
_________(١) ديوانه ١/ ٣٥٧ - ٣٥٨. =стр. 98
ألم تعلمي ياميّ أنا وبيننا ... فيافٍ لطرف العين فيهن مطرحُ
ذَكَرْتُكِ إذْ مَرَّتْ بِنَا أُمُّ شَادِنٍ ... أمَامَ المَطَايَا تَشْرَئِبُّ وَتَسْنَحُ
مِنَ المُؤْلفَاتِ الرَّمْلِ أدْمَاءُ حُرَّةٌ ... شُعَاعُ الضُّحَى فِي مَتْنِهَا يَتَوَضَّحُ
. . . . . . . . . . . . صَحْبُهَا ... لنَا وَسَوَادُ اللَّيْلِ قَدْ كَادَ يَجْنَحُ
. . . . . . . . . . . . . . . . ... ندَى الطَّلِّ إلَّا أنَّهُ أَمْلَحُ
كأنَّ خُزَامى عَالجٍ في ثيابها ... بُعَيْدَ الكَرَى أَوْ فَارَ مِسْكٍ تُذْبَّحُ
أبيْتُ على مِثْلِ الأَثَافِي وَبَعْلَهَا ... يَبِيْتُ على مِثْلِ النَّقَا يَتَبَطَّحُ (١) الحواشي
(١) :
لمِيَّةَ أَطْلَالٌ بِذِي الرِّزْقِ أَصْبَحَت ... خَوَالِي مَا فِيْهَا سِوَى الوَحْشِ مِنْ أَهْلِ
وَقَفْتُ بِهَا صحْبِي فَلأَيًا عَرَفْتُهَا ... بِأَشْعَثَ بالٍ فوق رمة الجبل
عَهِدْتُ بِهَا ميًّا مُذِ العَامِ حَوْلَهَا ... نَوَاشِئُ مِنْ جَارَاتِهَا كَمَهْيُ الرَّمْلِ
تُرَى أَنَّها اسْتَحْلَتْ بِعَادِي أَوْ وَشَا ... إِلَيْهَا بِيَ الوَاشُوْنَ أَمْ كَرِهَتْ وَصْلِي
أَيَا مَيَّ عَدْلكِ أَنْ تَبِيْتِي خليَّةً ... وَأُمْسِي حَلِيْفَ الهَمِّ أَمْ لَيْسَ بالعَدْلِ(١) وَكَقَوْلِ كُثَيِّر بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الخُزَاعِيّ(٢) :
_________(١) انظر: ديوانه ١/ ١٣٧.(٢) ديوانه ص ٤٣. =стр. 99
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) :
وَزَائِرَةٍ رُعْتُ الكَرَى بِلِقَائِهَا ... وَنَادَمْتُ فيها كَوْكَبَ الصُّبْحِ وَالفَجْرَا
فَبِتُّ أُسِرُّ النَّجْمِ طَوْرًا حَدِيْثهَا ... وَطَوْرًا أُنَاجِي البَدْرَ أُحْسِبُهَا البَدْرَا
إِلَى أَنْ رَأَيْتُ اللَّيْلَ مُنْفَصِمَ العُرَى ... يُوزعُ فِي ظَلْمَائِهِ الأنْجُمَ الزُّهْرَا
إِذَا مَا مَشَتْ خَافَتْ تَمِيْمَةَ حَلْيهَا ... تُدَارِي عَلَى المَشْي الخَلَاخِلَ وَالعِطْرَا
وَكَقَوْلِ أَبِي حَيَّةَ النُّمَيْرِيّ(٢) :
وَخَبَّرَكِ الوَاشُوْنَ أَنْ لَا أُحِبّكُمْ ... بَلَى وَسُتُوْرِ اللَّهِ ذَاتِ المَحَارِمِ
أَصُدُّ وَمَا الصَّدُّ الَّذِي تَعْلَمِيْنَهُ ... عِزَاءٌ بِكُمْ إِلَّا ابْتِلَاعُ العَلَاقِمِ
وَإِنَّ دَمًا لَوْ تَعْلَمِيْنَ حَنيتِهِ ... عَلَى الحَيِّ جَانِي مِثْلِهِ غَيْرُ سَالِمُ
أَمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ غَيْرُكِ أَرْقَلَتْ ... إِلَيْهِ القَنَا بِالرَّاعِفَاتِ اللهاذِمُ
وَلَكِنَّهُ وَاللَّهِ مَا ظَلَّ مُسَلِّمًا ... كَغِرِّ الثَّنَايَا وَاضِحَاتِ المَلَاغِمِ
إِذَا هُنَّ سَاقَطْنَ الأَحَادِيْثَ لِلفَتَى ... سِقَاطَ حَصَى المَرْجَانِ مِنْ سلكِ نَاظِمِ
_________(١) ديوانه ص ٤٥.(٢) مجموع شعره ص ٨٤.стр. 100
وَهَذَا النَّمَطُ كَثِيْرٌ في أشْعَارِ الفُصحَاءِ المُجَوِّدِيْنَ مِنَ المُتَقَدِّمِيْنَ وَالمُتَأخِّرِيْنَ، فَلْنَرْجِع الآنَ إلَى مَا كُنَّا اشْتَرَطْنَاهُ مِنَ الاختِصَارِ، وَاجْتِنَابِ الإسْهَابِ وَالإكْثَارِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِبْدَاعُ المَعْنَى ، هُوَ أَنْ يَأْتِي الشَّاعِرُ بِمَعْنًى غَرِيْبٍ لَمْ يُسْبَق إِلَيْهِ، قَدِ اخْتَرَعَتْهُ فِطْنَتُهُ وَابْتَدَعَتْهُ قَرِيْحَتُهُ، يَدْهَشُ لإِنْشَادِهِ السَّامِعُ، وَتَطْرَبُ مِنْ اسْتِطْرَافِهِ المَسَامِعُ، فَيَشْتَرِكُ القَلْبُ وَالسَّمْعُ حِيْنَئِذٍ فِي الالْتِهَاجِ بِهِ. وَأكْثَرُ مَا يُوْجَدُ ذَلِكَ فِي أشْعَارِ المُوَلَّدِيْنَ وَالمُتَأخِّرِيْنَ، لأنَّ أشْعَارَ العَرَبِ المُتَقَدِّمِيْنَ تَعَلَّقَتْ بِالفَصاحَةِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ، وَلَا تَصَنُّعٍ فِي أُسْلُوْبٍ - وَصْفِ المَنَازَلِ وَالرِّيَاحِ، وَالسَّحَابِ وَالنِّيْرَانِ، وَالخَيْلِ وَالافْتِخَارِ، وَمَا نَاسَبَ ذَلِكَ. فَقَلَّ أَنْ يُوْجَدَ فِيْهَا المَعْنَى البَدِيْعُ إلَّا فِي
الحواشي
(١) :
بُثَيْنَةُ إِنْ أَهْجُر هَجَرْتُ وَلَا قِلَى ... لَكُمْ أَوْ أَزُرْكُمْ زُرْتُ غَيْرَ مُرِيْبِ
وَلَكِنْ عَذَابِي عَنْ زِيارَتِكِ العِدَى ... وَخَوْفُ حَسُوْدٍ كَاشِحٍ وَرَقِيْبِ
فَلا تَسْتَمْلِكُ العَاذِلَاتُ بُثَيْنَةٌ ... وَلَا تَسْمَعِي فِيْنَا مَقَالَ كَذُوبِ
وَقَدْ زَعَمَتْ أَنِّي تَدَاوَيْتُ بِالنَّوَى ... وَهَلْ مِنْ دَوَاءٍ غَيْرَهَا وَطَبِيْبِ
وَكَيْفَ يُدَاوَى القَلْبُ مِنْهَا وَإِنَّهَا ... مِنَ الدَّهْرِ حَظِّي كُلّهُ وَنَصِيْبي
سَأَرْعَى عَلَى بُعْدٍ لَهَا عَهْدَ مَجْلِسٍ ... نَعِمْنَاهُ فِي لَهْوٍ هُنَاكَ وَطِيبِ
وَمَا الْتَذَّ لِي عَيْشٌ مُذِ النَّأْي بَعْدَهَا ... وَلا سَرَّنِي يَوْمًا وِصَالُ حَبِيْبِ
وَكَقَوْلِ قَيْسُ بن ذَرِيْحٍ(٢) :
حَلفْتُ لَهَا بِالمَشْعَرَيْنِ وَزَمْزَمٍ ... وَذُو العَرْشِ فَوْقَ المقسمِيْنَ رَقِيْبُ
لَئِنْ كَانَ بَرْدُ المَاءِ حَرَّانَ صَادِيًا ... إِلَيَّ حَبِيْبًا إِنَّهَا لحبِيْبُ
_________(١) لم ترد في ديوانه (صادر).(٢) مجموع شعره ص ٦١ - ٦٢.стр. 101
النَّادِرِ، كَقَوْلِ طَرَفَةَ (١) : [من الطويل]
لَعَمْرُكَ إنَّ المَوْتَ مَا أخْطَأَ الفَتَى ... لَكالطِّوَلِ (٢) المُرْخَى وَثِنْيَاهُ بِاليَدِ (٣)
فَهَذَا مِنَ التَّشْبيْهِ البَدِيْعِ الوَاقِعِ، وَاللَّفْظِ الرَّائِقِ الرَّائِعِ الَّذِي لَا يُدْرِكُ شَأْوَهُ شَاعِرٌ، وَلَمْ يَتَقَدَّمَهُ مَثَلٌ سَائِرٌ.
وَطَرَفَةُ أوَّلُ مَنْ ابْتَكَرَهُ، وَتَبِعَهُ الرَّاعِي، فَقَصَّرَ عَنْهُ، حيثُ قال (٤) : [من الطويل]
لَعَمْرُكِ إنَّ المَوْتَ يا أُمَّ سَالِمٍ ... قَرِيْنٌ مُحِيْطٌ حَبْلُهُ مِنْ وَرَائِيَا
وَالمُوَلَّدُوْنَ مِنَ الشُّعَرَاءِ غَاصُوا عَلَى المَعَانِي البَدِيْعَةِ الدَّقِيْقَةِ، فَزَيَّنُوْهَا أَلْفَاظهمُ السَّهْلَةَ الرَّقِيْقَةَ. فَمِنْهَا مَا قَامَ البَيْتُ الفَرْدُ بِمَعْنَاهُ البَدِيْع كَقَوْلِ سَعِيْدٍ بن هَاشِمٍ الخَالِدِيِّ يَمْدَحُ سَيْفَ الدَّوْلَةِ بن حمدان وَيَذْكُرُ كَثْرَةَ فَتْكِهِ بَأَعْدَائِهِ وَقَطْعَ رُؤُوْسِ --- الأَسِنَّةِ (٥) : [من الطويل]
سَقَيْتَ القَنَا مَاءَ الكلَى سَقْيَ غَارِسٍ ... فقد أَثْمَرَتْ هَام العِدَا في العَوَامِلِ
وَكَقَوْلِ أبِي الطَّيِّبِ أحْمَدَ بنِ الحُسَيْنِ المُتَنَبِّيّ (٦) : [من الطويل] الحواشي
(١) شرح ديوانه ص ١٠٩.(٢) تَفْسِيْرٌ:
يَقْوْلُ أنَّ الإِنْسَانَ فِي قَبْضَةِ المَوْتِ لَكَالفَرَسِ يَكُوْنُ فِي المطَوِّلِ وَهُوَ الحَبْلُ فَيَرْخِي لَهُ صَاحِبُهُ فَيَرْعَى فَإِذَا أَرَادَ جَدَبَهُ إِلَيْهِ. وَيُرْوَى الطِيْلُ وَهُوَ الأَصَحُّ.(٣) قَرِيْبٌ مِنْ هَذَا وَإِنْ كَانَ مَأْخُوْذًا مِنْهُ قَوْلُ السَّيِّدُ الرَّضِيّ ﵀(١) :
يَغرُّ الفَتَى مَا طَالَ مِنْ حَبلِ عُمْرِهِ ... وَتُرْخَى المَنَايَا بُرْهَةً ثُمَّ تَجْذِبُ(٤) للراعي النميري في مجموع شعره ص ١١٥.(٥) لم يرد في ديوان الخالديين.(٦) ديوانه ١/ ١٥٩.
_________(١) ديوانه ١/ ٨١.стр. 102
أَزَالَتْ بِكَ الأَيَّامُ عَتْبِي كَأنَّمَا ... بَنُوْهَا لَهَا ذَنْبٌ وَأنتَ لَهَا عُذْرُ
وَمِنهُ مَا جَاءَ بِالمَعْنَى البَدِيْعِ البَيْتُ وَأخُوْهُ كَقَوْلِ أبِي تَمَّامٍ (١) : [من الكامل]
وَإذَا أرَادَ اللَّهُ نَشْرَ فَضيْلَةٍ ... طُوِيَتْ أتَاحَ لَهَا لِسَانَ حَسُوْدِ
لَوْلَا اشْتِعَالُ النَّارِ فِيْمَا جَاوَرَتْ ... مَا كَانَ يُعْرَفُ طِيْبُ عَرْفِ العُوْدِ (٢) الحواشي
(١) ديوانه ١/ ٣٩٧.(٢) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أبُو العَتَاهِيَةِ(١) :
يَبْقَى الثَّرَاءُ لَوْ أُرْثِيْكَ وَمَا خَلَّفْت ... مِنْ أُكْرُوْمَةِ فَلَكَا
وَكَقَوْلِ ابنُ الرُّوْمِيّ(٢) :
يَا دَهْرُ صَاحَبْتَ اللِّئَامَ مُصَافِيًا ... لَهُمُ وَجَانَبْتَ الكِرَامَ مُعَانِدَا
فَغَدَوْتَ كَالمِيْزَانِ تَرْفَعُ نَاقِصًا ... أبَدًا وَتَخْفِضُ لَا مَحَالَةَ زَائِدَا
وَمِثْلهُ قَوْلُ الآخَرِ:
دَهْرٌ عَلَا قَدرُ الوَضِيْعِ بِهِ ... وَغَدَا الشَّرِيْفُ يُحِطُّهُ شَرَفُه
كَالبَحْرِ يَرْسُبُ فِيْهِ لُؤْلُؤُهُ ... سُفْلًا وَيَعْلُو فَوْقَهُ جِيَفُه
وَمِنْ بَدِيْعِ المَعْنَى قَوْلُ أَبِي الفَضْلِ المِيْكَالِيِّ(٣) : [من الخفيف]
وَغَزَالٍ مَنَحْتُهُ خَالِصَ الوُدِّ ... فَجَازَني بِالصَّدِّ وَالاجتِنَابِ
لَمْ أَلُمْهُ إِذَا اتَّقَى بِحِجَابٍ ... وُدّ وَالِهَ الفُؤَادِ لِمَا بِي
هُوَ رُوْحِي وَلَيْسَ يُنْكَرُ لِلرُّوْحِ ... تَوَارٍ عَنِ الوَرَى بِحِجَابِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ جَعْفَرُ بنُ شَمْسِ الخِلَافَةِ مَنْقُولٌ مِنْ خَطِّهِ ﵀:
هِيَ شِدَّةٌ يَأتِي الرَّخَاءُ عَقِيْبَهَا ... يُبَشِّرُ بِالسُّرُوْرِ العَاجِلِ
_________(١) لم يرد في ديوانه.(٢) لم يرد في ديوانه.(٣) ديوانه (العطية) ٤٠.стр. 103
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) :
أُطَاعِنُ خَيْلًا مِنْ فَوَارِسِهَا الدَّهْرُ ... وَحِيْدًا وَمَا قَوْلِي كَذَا وَمَعِي الصَّبْرُ
وَأَشْجَعُ مِنِّي كُلَّ يَوْمٍ سَلَامَتِي ... وَمَا ثَبَتُّ إلَّا وَفِي نَفْسِهَا أَمْرُ
تَمَرَّسْتُ بِالآفَاقِ حَتَّى تَرَكْتُهَا تقول ... أَمَاتَ المَوْتُ أَم ذُعِرَ الذُّعْرُ
وَأَقْدَمْتُ إِقْدَامَ الآتِيَّ كَأَنَّ لِي ... سِوَى مُهْجَتِي أَوْ كَان لِي عِنْدَهَا وتْرُ
ذَرِ النَّفْسَ تَأْخذُ وُسْعَهَا قَبْلَ بَيْنِهَا ... فَمُفْتَرِقٌ جَارَانِي دَارُهُمَا عُمْرُ
وَلَا تَحْسِبَنَّ المَجْدَ زِقًّا وَقِيْنَةً ... فَمَا المَجْدُ إلَّا السَّيْفُ وَالفتْكَةُ البِكْرُ
إِذَا الفَضْلُ لَمْ يَرْفَعْكَ عَنْ شُكْرِ نَاقِصٍ ... عَلَى هِبَةٍ فَالفَضْلُ فِيْمَنْ لَهُ الشُّكْرُ
وَمَنْ يُنْفِقِ السَّاعَاتِ فِي جَمْعِ مَالِهِ ... مَخَافَةَ فَقْرٍ فَالَّذِي فَعَلَ الفَقْرُ
وَكَمْ مِنْ جِبَالٍ جُبْتُ تَشْهَدُ أَنَّنِي ... الجَّبَانُ وَبَحْرٍ شَاهِدٍ أَنَّنِي البَحْرُ
يَقُوْلُ مِنْهَا فِي المَدْحِ:
وَمَا زِلْتُ حَتَّى قَادَنِي الشَّوْقُ نَحْوَهُ ... يُسَايِرُني فِي كُلِّ رَكْبٍ لَهُ ذِكْرُ
_________(١) للمتنبي في ديوانه ١/ ١٤٨.стр. 104
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) :
وَأَحِسَنُ مِنْ رَوْضٍ تُفتِّحُهُ الصّبَا ... بَيَاضُ العَطَايَا فِي سَوَادِ المَطَالِبِ
وَكَقَوْلهِ أَيْضًا مِنْ مَرْثِيَةٍ(٢) :
بَنِي مَالِكٍ قَدْ نَبَّهَتْ خَامِلَ الثَّرَى ... قُبُوْرٌ لَكُمْ مُسْتَشْرِقَاتُ المَعَالِمِ
غَوَامِضُ قَيْدَ الكَفِّ مِنْ مُتَنَاوِلٍ ... وَفِيْهَا عُلَالًا لَا يُرْتَقَى بِالسَّلَالِمِ
وَكَقَوْلهِ أَيْضًا يَمْدَحُ أَبَا المُغِيْثِ(٣) :
لَمْ أُبْقِ حَلْبَةَ مَنْطِقٍ إِلَّا وَقَدْ ... سَبَقَتْ سَوَابِقَهَا إِلَيْكَ جِيَادِي
أَبْقَيْنَ فِي أَعْمَاقِ جُوْدكَ جَوْهَرًا ... أَبْقَى مِنَ الأَطْوَاقِ فِي الأَجْيَادِ
وَمِنَ العَجَائِبِ شَاعِرٌ قَعَدَتْ بِهِ ... هِمَّاتُهُ أوضَاعَ عِنْدَ جَوَادِ
وَكَقَوْلهِ أَبِي نَصْر بن نُبَاتَةَ السَّعْدِيّ(٤) :
وَإِذَا عَجِزْتَ عَنِ العَدُوِّ فَدَارِهِ ... وَامْزَحْ لَهُ إنَّ المِزَاحَ وِفَاقُ
_________(١) ديوانه ١/ ٢١٢.(٢) ديوانه ٤/ ١٣٤.(٣) ديوانه ٢/ ١٣١.(٤) ديوانه ص ٢٧٢.стр. 105
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) :
إِذَا اعْتَقَلُوْهَا لِلطِّعَانِ وَأَرْقَلُوا ... وَمَالَتْ عَلَيْهِمْ كَالقُدُوْدِ المَوَائِسِ
جَرَى مِنْ أَعَالِيْهَا دَمًا ضِعْفَ مَا جَرَى ... مِنَ المَاءِ فِي أَعْقَابِهَا بِالمَغَارِسِ
وَكَقَوْلِ البُحْتُرِيّ فِي المَدْحِ(٢) :
تَوَاضَعَ فِي مَجْدٍ فَإِنْ هُوَ لَمْ يَكُنْ ... لَهُ الكِبْرُ فِي أَكْفَائِهِ فَلَهُ الكُبْرُ
الكِبْرُ: بِالكَسْرِ التَّعْظِيْمُ فِي المَحَلِّ والكُبْرُ بِالضَّمِّ العِظَمُ فِي المَجْدِ.
وَكَقَوْلِ ابن أَبِي زَرْعَةَ:
وَأَرَانِي فِي خَلْوَتِى لَا أُسَمِّيْكَ ... كَأَنِّي مِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَا
وَكَقَوْلِ الأَدِيْبِ الغَزِيّ فِي الهِجَاءِ:
تَحَلَّى بِأَسْمَاءِ الشُّهُوْرِ فَكَفُّهُ ... جُمَادَى وَمَا ضمَّتْ عَلَيْهِ المُحَرَّمُ
وَكَقَوْلِ الحِصْنِيّ فِي الغَزَلِ:
تُحْيِي النُّفُوْسَ بِرِيْحِهَا فَكَأَنَّهَا ... قَبْلَ الوِصالِ يَنَالُهَا المَهْجُوْرُ
وَكَقَوْلِ بَشَّارُ بن بُرْدٍ فِي الغَزَلِ أَيْضًا(٣) :
تَلْقَى بِتَسْبِيْحَةٍ مِنْ حُسْنِ مَا خُلِقَتْ ... وَتَسْتَفِزُّ حَشَى الرَّائِي بِإِرْعَادِ
كَأَنَّمَا أُفْرِغَتْ مِنْ قشرِ لُؤْلُؤَةٍ ... فَكُلّ أَكْنَافِهَا وَجْهٌ بِمِرْصَادِ
وَكَقَوْلِ ابنُ الرُّوْمِيّ فِي الذَّمِّ(٤) :
_________(١) لم يرد في ديوانه.(٢) ديوانه ٢/ ٨٤٥.(٣) ديوانه ٢/ ٢٢٣.(٤) لم يردا في ديوانه.стр. 106
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) :
إِذَا كَشَفْنَ شُفُوْفَ الرَّيْطِ آوِنَةً ... كَشَطْنَ عَنْ لُؤْلُؤِ البَحْرَيْنِ أَصْدَافَا
وَكَأَنَّ قَوْلُ أَبِي نُوَّاسٍ مَأْخُوْذٌ أَيْضًا مِنْ قَوْلِ بَشَّارٍ حيث قال:
ظَبْيٌ كَأَنَّ اللَّهَ أَلْبَسَهُ ... قشُوْرَ الدُّرِّ جِلْدَا
----- جَنَاتِهِ فِي ... أَيِّ حِيْنٍ شِئْتَ ---
وَأَخَذَ هَذَا المَعْنَى وَاللَّفْظَ ابنُ الرُّوْمِيّ وَزَادَ نَادِرَةً لَطيْفَةً
تَوَاضَعَ الدّرّ إِذْ لَبِسْنَ فَاخِرهُ ... فَكُنَّ دُرًّا وَكَانَ الدُّرُّ أَصْدَافَا
* * *
هَذَا البَيْتَانِ يُنْظَرَانِ إِلَى قَوْلِ ابن حَازِمٍ يَصِفُ شِعْرهُ وَهُمَا(٢) :
فَأَبْعَثُهُنَّ أَرْبَعَةً وَخَمْسًا ... بِأَلْفَاظٍ مُثَقَّفَةٍ عِذَابِ
وَكُنَّ إِذَا وَسَمْتَ بِهِنَّ قَوْمًا ... كَأَطْوَاقِ الحَمَائِمِ فِي الرِّقَابِ
* * *
_________(١) ديوانه ٣/ ١٣٧٦.(٢) انظر: الرسالة الموضحة ص ١٢٥، والأشباه والنظائر ص ٢٢٧.стр. 107
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) :
وَلَمْ يَسْتَبِيْنَ الدَّهْرُ مَوْضِعَ نِعْمَةٍ ... إِذَا أَنْتَ لَمْ تَدْلُلْ عَلَيْنَا بِحَاسِدِ
عَلَى أنَّ بَشَّارٌ بن بُرْدٍ قَدْ قَالَ(٢) :
كَحَاوِي المِسْكِ دَلَّ عَلَيْهِ نَفْحُ
وَقَرِيْبٌ مِنْهُ قَوْلُ أَبِي الفَتْحِ البُسْتِي(٣) :
ذُو الفَضْلِ فِي دُنْيَاهُ مَحْسُوْدُ ... وَكُلُّ مَنْ يُحْسدُ مَقْصُوْدُ
وَالعُوْدُ لَا يَعْبَقُ مِنْ طِيْبِهِ ... إِلَّا إِذَا مَا أُحْرِقَ العُوْدُ
_________(١) ديوانه ١/ ٦٢٥.(٢) لم يرد في ديوانه.(٣) ديوانه ص ٢٤٣.стр. 108
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) :
فَضْلُ الفَتَى يُغْرِي الحَسُوْدَ بِسَبِّهِ ... وَالعُوْدُ لَوْلَا طِيْبُهِ مَا أُحْرِقَا
* * *
أَسْمَاءُ العُوْدِ هُوَ: العُوْدُ وَالقَطرُ وَالمَنْدَلِيُّ وَالشَّذَا وَالأَلُوَّةُ وَالألَنْجُوْجُ وَاليَلَنْجُوْجُ وَالكِبَاءُ وَالمجْمَرُ وَالبخُوْرُ وَالغَارُ وَالهَضْمِيَّةُ وَالوَقْصُ.
قَالَ حَسَّانُ بن ثَابِتٍ ﵀(٢) :
هَلَّا دَفَنْتُمْ رَسُوْلَ اللَّهِ فِي سَفَطٍ ... مِنَ الأَلُوَّةِ وَالكَافُوْرِ منضودِ
المَنْدَلِيُّ مَنْسُوْبٌ إِلَى مَنْدَلِ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الهِنْدِ. وَيُرْوَى أنَّ أَعْرَابِيًّا مَرَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُدْفَنُ فَقَالَ:
أَلَا دَفَنتُمْ رَسُوْلَ اللَّهِ فِي سَفَطٍ ... مِنَ الأَلُوَّةِ أحوى ملبسًا ذَهَبا
خَيرُ البَرِيَةِ أَتْقَاهَا وَأَفْضَلُهَا ... عِنْدَ الإِلهِ إِذَا مَا يَنْسِبُوْنَ. . .
فَيُقَالُ أَنَّهُ رُؤِيَ فِي المَنَامِ أنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِلأَعْرَابِيِّ بشِعْرهِ هَذَا.
الأَلُوَّةُ العُوْدُ الَّذِي يُتَبَخَّرُ بِهِ فَارِسِيٌّ مُعْرَبٌ
_________(١) ديوانه ٢/ ٤٦٥.(٢) ديوانه ص ٣٨٠.стр. 109
وَيَتْلُوْهُمَا أصْنَافُ البَدِيْعِ:
كَصِدْقِ التَّشْبِيْهِ (١) . الحواشي
(١) قَالَ أَبُو العَبَّاس المُبَرَّدِ(١) :
العَرَبُ تُشَبِّهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ فَتَشْبِيْهٌ مُفْرِطٌ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
لَهُ هِمَمٌ لَا مُنْتَهَى لِكِبَارِهَا ... وَهِمَّتُهُ الصُّغْرَى مِنَ الدَّهْرِ
وَلَهُ رَاحَةٌ لَوْ أنَّ مِعْشَارَ جُوْدِهَا ... عَلَى البَرِّ صَارَ البَرُّ أَنْدَى مِنَ البَحْرِ
وَتَشْبِيْهٌ مُصِيْبٌ كَقَوْلِ أَبِي العَتَاهِيَةِ لِلرَّشِيْدِ(٢) :
أَمِينَ اللَّهِ أَمْنُكَ خَيْرُ أَمْنٍ ... عَلَيْكَ مِنَ التُّقَى فِيْهِ لِبَاسُ
تُقَاسُ مِنَ السَّمَاءِ بِكُلِّ بِرٍّ ... فَأَنْتَ بِهِ تَسُوْسُ كَمَا تُسَاسُ
كَأَنَّ الخَلْقَ رُكِّب فِيْهِ رَوْحٌ ... لَهُ جَسَدٌ وَأَنْتَ عَلَيْهِ رَاسُ
وَتَشْبِيْهٌ مُتَقَارِبٌ كَقَوْلِ أَبُو نُوَّاسٍ يَصِفُ سَفِيْنَةً:
فَكَأَنَّهَا وَالمَاءُ يَنْطَحُ صَدْرَهَا ... وَالخَيْزُرَانَةُ فِي يَدِ المَلَّاحِ
جَوْنٌ مِنَ العِقْبَانِ مُبْتَدِرُ الدُّجَى ... يَهْوِي بِصَوْتٍ وَاصْطِفَاقِ جَنَاحِ
أخَذَ هَذَا عَلِيّ بن جَبَلَةَ فَقَالَ فِي حَمِيْدِ بن عَبْدِ الحَمِيْدِ(٣) :
يَرْتُقُ مَا يَفْتِقُ أَعْدَاؤُهُ ... وَلَيْسَ يَأْسُو فَتْقَهُ آسِي
فَالنَّاسُ جِسْمٌ وَإِمَامُ الهُدَى ... رَاسٌ وَأَنْتَ العَيْنِ فِي الرَّاسِ
_________(١) الكامل ١/ ١١٣.(٢) ديوانه.(٣) ديوانه ص ٧٤.стр. 110
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) :
يَا مُطْمِئَ الخَيْلِ أَوْ تَرْوِي ذَوَائِلَهُ ... وَالخَيْلُ تَشْرَبُ مِنْ أَشْدَاقِهَا اللُّجُمُ
لَا يَكْتُمُ النَّصْرُ يَوْمًا أَنْتَ شَاهِدُهُ ... وَاليَوْمُ فِي نَقْعِهِ قَدْ كَادَ يَنْكَتِمُ
قَالَ النَّهَارُ لَهُ الشَّمْسُ مُغْمِدَةً ... وَلِلْمَنَايَا سُيُوْفٌ غِمْدُهَا القِمَمُ
هَذَا عَجَاجٌ فَأَيْنَ الأُفْقُ وَهُوَ قَنًا ... وَتِلْكَ خَيْلٌ فَأَيْنَ الأَرْضُ وَهِيَ دَمُ
البَيْتُ
* * *
وَكَقَوْلِ المُرَقِّشِ فِي وَصْفِ الثُّرَيَّا:
فِي الشَّرْقِ كَأْسٌ وَعِنْدَ الغَرْبِ تَحِسَبُهَا ... عَنْقُوْدَ كَرْمٍ وَفِي وَسْطِ السَّمَاءِ قَدَم
قَالَ أبُو عَمْرُو بنُ العَلَاءِ وَالأَصْمَعِيّ وَغَيْرهُمَا مِنْ عُلَمَاءِ الشِّعْرِ: إنَّ أَحْسَنَ التَّشْبِيْهِ مَا يُقَابلُ فِيْهِ تَشْبِيْهَانِ بِمُشَبَّهَيْنِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أنَّ أحَدًا لَمْ يَقُلْ أَحْسَنَ مِنْ قَوْلِ امْرِئِ
_________(١) ديوان النامي ص ٧٣. =следующие страницы →