← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 20764

المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 378 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

بأن النهي فيه محمول على التنزيه وإطلاق اسم العتمة عليها في حديث الباب وغيره من الأحاديث الصحيحة كحديث لو يعلمون ما في الصبح والعتمة لأتوهما ولو حبواً لأن اسم العتمة أشهر عند العرب وقد خاطب صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بذاك من لا يعرف العشاء (قوله حتى مضى نحو من شطر الليل الخ) غاية لعدم خروجه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أي لم يخرج إلى أن ذهب من الليل ما يقرب من نصفه فخرج فصلى بهم ثم قال خذوا مقاعدكم أي الزموا مجالسكم حتى أحدّثكم عن ثواب تأخير صلاة العشاء كما في رواية النسائي وابن ماجة فخرج فصلى بهم ثم قال إن الناس قد صلوا. ويحتمل أن قوله خذوا مقاعدكم وقع منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قبل الصلاة أي قال لهم بعد فراغكم من الصلاة خذوا مقاعدكم. وقوله إن الناس قد صلوا المراد بهم المسلمون الذين لم يحضروا صلاة العشاء معه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في تلك الليلة (قوله وإنكم لم تزالوا في صلاة الخ) وفى نسخة لن تزالوا. وهو من باب التشبيه البليغ والواو فيه للاستئناف أي إنكم ما دمتم منتظرين الصلاة فلكم ثواب المتلبسين بها لأن المقصود من الصلاة عبادة الله ومراقبته وانتظار العبادة عبادة (قوله ولولا ضعف الضعيف الخ) أى لولا الضعف والسقم موجودان في الناس لأخرت صلاة العشاء دائما لكن تركت المداومة على تأخيرها لدفع المشقة فبين صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فضيلة التأخير من وجهين (أحدهما) أن الناس في صلاة ما داموا منتظرين لها (ثانيهما) أن تأخيرها إلى نصف الليل أكثر ثوابا لكن لرعاية جانبي أصحاب الأسقام والضعفاء الذين لا يستطيعون التأخير قدّمها صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فإن في إحراز فضيلة التأخير تفويت فضيلة تكثير الجماعة وهي أهمّ منها والضعف بضم الضاد المعجمة لغة قريش وبفتحها لغة تميم خلاف القوّة والصحة. ومنهم من فرق فجعل المضموم في جانب الجسد والمفتوح في جانب الرأى والمضموم مصدر ضعف من باب قرب والمفتوح مصدر ضعف من باب قتل. والسقم بضم السين المهملة وسكون القاف المرض مصدر سقم من باب قرب وبفتحها مصدر سقم من باب تعب والاسم منه سقيم وجمعه سقام. والضعيف أعمّ من السقيم لأنه يتناول من به سقم ومن ذهبت قوّته كالشيخ الهرم وكل عاجز عن الحضور وذكر الثانى بعد الأول لشدّة الاهتمام. والحديث حجة لمن قال بأفضلية تأخير صلاة العشاء إلى نحو ثلث الليل (فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه يطلب من العالم أن يعلم الجاهل، وعلى مشروعية الاستعداد لسماع الموعظة، وعلى أن انتظار الصلاة فيه الثواب للمنتظر كثواب المتلبس بالصلاة وعلى أنه يطلب مراعاة حال الضعيف والرحمة به. وعلى عظم رأفة النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالضعفاء، وعلى أن الدين سهل لا صعوبة فيه

стр. 1017

(من روى الحديث أيضا) رواه أحمد والنسائى وابن ماجه والبيهقى (باب في وقت الصبح) أى في بيان وقت صلاة النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الصبح. وفى نسخة باب في وقت صلاة الصبح (ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا، قَالَتْ: «إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلَسِ» (ش) (قوله إن كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ) إن مخففة واسمها ضمير الشأن أى إنه كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليصلى الصبح فينصرف النساء اللاتى يصلين معه حال كونهنّ متلفعات بالعين المهملة أى مستترات بمروطهنّ. وفي نسخة متلففات بالفاء وهي رواية الترمذى من التلفف بمعنى التلفع. والمروط جمع مرط بكسر الميم كساء من صوف أو خزّ أو كتان يؤتزر به وتتلفع به المرأة. وكنّ في ذلك الزمن على غاية الصيانة فما كان يتطرّق إليهنّ فتنة ولما حدثت الفتنة لهنّ وبهنّ منعهنّ العلماء من ذلك ولقد قالت عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا لو علم النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما أحدث النساء بعده لمنعهنّ المساجد كما منعت نساء بنى إسرائيل (قوله ما يعرفن من الغلس) أى حال الانصراف في الطرقات لا داخل المسجد لأن جملة ما يعرفن حال من فاعل ينصرفن فتجب المقارنة بينهما أى ما يعرفهنّ أحد من أجل ظلمة آخر الليل المختلطة بضوء الصباح. وقيل من أجل ظلمة المسجد وعدم إسفاره لأنه ما كان يظهر النور إلا قريبا من طلوع الشمس لقرب السقف من الأرض وضيق المسجد وعدم السرج. لكن هذا مردود لأن فيه صرف الغلس عن حقيقته اللغوية ولما عرفت من أن قوله ما يعرفن حال من فاعل ينصرفن فتجب مقارنته له "ولا منافاة" بين هذا الحديث وحديث أبى برزة أنه كان ينصرف من الصلاة حين يعرف الرجل جليسه "لأن هذا" إخبار عن رؤية المتلفعة على بعد وذاك إخبار عن رؤية الجليس السافر (والحديث يدلّ) على استحباب المبادرة بصلاة الفجر أول الوقت. وبه قال مالك والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور والأوزاعي وداود بن على والطبرى وهو المروى عن عمر وعثمان وابن الزبير وأنس وأبى موسى وأبى هريرة. وحكى هذا القول الحازمى عن بقية الخلفاء الأربعة

стр. 1018

وأبى مسعود الأنصارى وأهل الحجاز. واحتجوا بحديث الباب وبقوله تعالى "وسارعوا إلى مغفرة من ربكم" والتعجيل من باب المسارعة إلى الخير. وقد ذمّ الله تعالى أقواما على الكسل بقوله "وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى" والتأخير من الكسل. وروى الترمذى من حديث ابن عمر مرفوعا الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، وبقوله تعالى "فاستبقوا الخيرات" وبما رواه البخارى ومسلم عن عائشة قالت كنّ نساء المؤمنات يشهدن مع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلاة الفجر متلفعات بمروطهنّ ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس. وبما رواه أبو برزة قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله ولسلم ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه وكان يقرأ بالستين إلى المائة. وتقدم نحوه للمصنف. وبما تقدم للمصنف عن أبى مسعود أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلى الصبح مرّة بغلس ثم صلى مرّة أخرى فأسفر بها ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات ولم يعد إلى أن يسفر. وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة الصريحة في أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يصلى الصبح بغلس (وذهب) أبو حنيفة وأصحابه والثورى وأكثر العراقيين إلى أن الإسفار بالصبح أفضل. وروى عن على وابن مسعود. واحتجوا بحديث رافع بن خديج أسفروا بالفجر وسيأتى للمصنف نحوه. وبما رواه البخارى ومسلم عن ابن مسعود قال ما رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين جمع بين المغرب والعشاء يجمع "أى المزدلفة" وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها. قالوا ومعلوم أنه لم يصلها قبل طلوع الفجر وإنما صلاها بعد طلوعه مغلسا بها فدلّ على أنه كان يصليها في جميع الأيام غير ذلك مسفرا بها. وقالوا ولأن الإسفار يؤدّي إلى كثرة الجماعة واتصال الصفوف ولأنه يتسع به وقت التنفل قبلها وما أفاد كثرة التنفل كان أفضل "وأجيب" عن حديث رافع بن خديج بأن المراد بالإسفار انكشاف الفجر وظهوره فإنه يقال أسفر الفجر إذا انكشف وأضاء وأسفرت المرأة كشفت وجهها "ولا يشكل" على هذا التأويل قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فإنه أعظم للأجر "ولأن هذا" يدلّ على صحة الصلاة قبل الإسفار لكن الأجر فيها أقل لأنه إذا غلب على الظنّ دخول الوقت ولم يتيقنه جاز له الصلاة وله فيها أجر وإن تيقن طلوع الفجر فهو أفضل وأعظم للأجر. أو أن الأمر بالإسفار خاصّ بالليالي المقمرة لأن أول الصبح لا يتبين فيها فأمروا بالإسفار احتياطيا (وأجيب) أيضا عن قوله في حديث ابن مسعود "وصلى الفجر قبل ميقاتها" بأن معناه أنه صلاها قبل وقتها المعتاد لها في بقية الأيام وقد صلى في هذا اليوم أول طلوع الفجر ليتسع الوقت لمناسك الحج وكان يؤخرها في غير هذا اليوم قدر ما يتوضأ المحدث ويغتسل الجنب. وجمع الطحاوي بين أحاديث التغليس وأحاديث

стр. 1019

الإسفار بأنه يدخل في الصلاة مغلسا ويطوّل القراءة حتى ينصرف منها مسفرا. وقال إن حديث عائشة هذا كان قبل الأمر بطول القراءة فهو منسوخ اهـ لكن دعواه النسخ لحديث عائشة لا دليل عليه. ويقوّى عدم النسخ ما قاله الترمذى من أن حديث عائشة حسن صحيح وهو الذى اختاره غير واحد من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم منهم أبو بكر وعمر ومن بعدهم من التابعين اهـ فلو كان منسوخا لما ذهب إليه هؤلاء الأكابر الذين هم أعلم بالنسخ من غيرهم. ولعلّ حديث عائشة مبنيّ على بعض الأحوال فإن الظاهر من الأدلة أنه كان يبتدئُ بغلس وهو الغالب من أحواله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وينصرف منها تارة بغلس كما في حديث عائشة وتارة بإسفار كما في حديث أبى برزة المتقدم وكان ذلك على حسب طول القراءة وقصرها فقد كان يقرأ فيها من الستين إلى المائة. وروى الطحاوى من طريق شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك قال صلى بنا أبو بكر صلاة الصبح فقرأ بسورة آل عمران فقالوا كادت الشمس تطلع فقال لو طلعت لم تجدنا غافلين. وروى أيضا من طريق عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدى قال صلى بنا أبو بكر صلاة الصبح فقرأ سورة البقرة في الركعتين جميعا فقال له عمر كادت الشمس تطلع فقال لو طلعت لم تجدنا غافلين "قال" أبو جعفر فهذا أبو بكر قد دخل في وقت غير الإسفار ثم مدّ القراءة فيها حتى خيف طلوع الشمس وهذا بحضرة أصحاب ر سول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وبقرب عهدهم من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولا ينكر عليه منهم منكر فدلّ ذلك على متابعتهم له ثم فعل ذلك عمر من بعده فلم ينكره من حضره منهم "إذا" علمت هذا "تبين لك" أن الراجح القول بالتغليس لصحة أدلته وقوّتها (فقه الحديث) دلّ الحديث على طلب المبادرة بصلاة الصبح أول الوقت، وعلى جواز خروج النساء إلى المساجد لشهود الصلاة في الليل ومحلّ ذلك ما لم يخش عليهنّ أو بهنّ فتنة وعلى أنه يطلب من النساء الاستتار التامّ إذا خرجن لأمر مشروع لهنّ (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى والبيهقي وأخرجه ابن ماجه من طريق عروة عن عائشة (ص) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «أَصْبِحُوا بِالصُّبْحِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِأُجُورِكُمْ أَوْ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ»

стр. 1020

(ش) (رجال الحديث) (قوله سفيان) الثوري. و (ابن عجلان) هو محمد (قوله عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان) الظفري الأوسي الأنصاري أبي عمر. روى عن أبيه وجابر ابن عبد الله وأنس وعلى بن الحسين وآخرين. وعنه ابنه الفضل وابن عجلان وزيد بن أسلم ومحمد ابن إسحاق. وثقه ابن معين والنسائى والبزّار وابن القطان وأبو زرعة وابن حبان وقال ابن سعد كان راوية للعلم ثقة كثير الحديث عالما. توفي سنة تسع عشرة أو عشرين ومائة. روى له الجماعة (قوله محمود بن لبيد) بن عقبة بن رافع بن امرئ القيس الأشهلى الأنصارى أبى نعيم. ولد في حياة النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. روى عن عمر وعثمان وأبى سعيد الخدرى وآخرين، وعنه الزهرى وعاصم بن عمر ومحمد بن إبراهيم وبكير بن الأشج. ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين فيمن ولد على عهده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقال كان ثقة قليل الحديث وذكره مسلم في الطبقة الثانية من التابعين ووثقه يعقوب بن سفيان وقال ابن عبد البرّ قول البخارى في إثبات صحبته أولى وذكره ابن حبان في الصحابة وقال الترمذى رأى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو غلام صغير وقال الواقدى مات وهو ابن تسع وتسعين سنة (قال) الحافظ ابن حجر قول الواقدى يقوّى قول من أثبت الصحبة له لأن سنه يوم مات صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان ثلاث عشرة سنة اهـ (قوله رافع بن خديج) ابن رافع بن عدي الخزرجي الأنصاري الحارثي أبي عبد الله أحدا والخندق. روى له عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثمانية وسبعون حديثا اتفق الشيخان على خمسة وانفرد مسلم بثلاثة. وعنه عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والسائب بن يزيد وحنظلة ابن قيس وكثيرون. مات سنة ثلاث أو أربع سبعين (معنى الحديث) (قوله أصبحوا بالصبح) أي صلوها عند طلوع الصبح يقال أصبح الرجل إذا دخل في الصبح (قال) السيوطى بهذا يعرف أن رواية من رواه بلفظ أسفروا بالفجر رواية بمعناه اهـ (قوله فإنه أعظم للأجر) أى أن الإصباح المأخوذ من أصبحوا أكثر ثوابا من تأخيرها عن أول الوقت وهو تعليل للأمر بالإصباح (قال) الخطابي تأولوا حديث رافع بن خديج على أنه أراد بالإصباح والإسفار أن يصليها بعد الفجر الثاني "وزعموا" أنه يحتمل أن يكون أولئك القوم لما أمروا بتعجيل الصلاة جعلوا يصلونها بين الفجر الأول والفجر الثانى طلبا للأجر في تعجيلها ورغبة في الثواب فقيل لهم صلوها بعد الفجر الثانى وأصبحوا بها إذا كنتم تريدون الأجر فإن ذلك أعظم لأجوركم "فإن قيل" كيف يستقيم هذا ومعلوم أن الصلاة إذا لم يكن لها جواز لم يكن فيها أجر "قيل" أما الصلاة فلا جواز لها ولكن أجرهم

стр. 1021

فيما نووه ثابت لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر ألا تراه أنه عليه وعلى آله الصلاة والسلام قد أبطل حكمه ولم يبطل أجره اهـ (وقال) في المرقاة حمله بعضهم على الليالى القصيرة لإدراك النوّام الصلاة قال معاذ بعثنى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال إذا كان في الشتاء فغلس بالفجر وأطل القراءة قدر ما يطيق الناس ولا تملهم وإذا كان في الصيف فأسفر بالفجر فإن الليل قصير والناس نيام فأمهلهم حتى يدركوا ذكره في شرح السنة اهـ وتقدم بيان ذلك وافيا وأن المراد بالإصباح والإسفار تحقق طلوع الفجر وظهوره (فقه الحديث) والحديث يدلّ على طلب التغليس بالفجر، وعلى أن المبادرة بها فيها زيادة الأجر (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجه وقال الترمذى حديث رافع بن خديج حسن صحيح (تم الجزء الثالث) (من المنهل العذب المورود شرح سنن الإمام أبي داود) (ويليه الجزء الرابع وأوله) (باب في المحافظة على وقت الصلوات)

стр. 1022

المنهل العذب المورود «شرح سنن الإمام أبي داود» تأليف الإمام الجليل المحقق، والعارف الرباني المدقق، محيي السنة وقامع البدعة صاحب الفضيلة والإرشاد الشيخ/ محمود محمد خطاب السبكي المتوفى في الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ١٣٥٢ هـ عمه الله بالرحمة والرضوان وأسكنه عالي الجنان [الجزء الرابع]

стр. 1023

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (باب في المحافظة على وقت الصلوات) وفي نسخة باب المحافظة على الصلوات، وفي أخرى باب في المحافظة على الصلوات، وفي أخرى باب في المحافظة على الوقت (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ الْوَاسِطِيُّ، نَا يَزِيدُ يَعْنِي ابْنَ هَارُونَ، أنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصُّنَابِحِيِّ، قَالَ: زَعَمَ أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ، فَقَالَ: عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ كَذَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ وَصَلَّاهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ» (ش) (رجال الحديث) (قوله محمد بن حرب الواسطى) روى عن إسماعيل بن علية وأبى معاوية ومحمد بن ربيعة ويزيد بن هارون وكثيرين. وعنه البخارى ومسلم وأبو داود وأبو زرعة وابن خزيمة وأبو حاتم وآخرون. قال الطبرانى كان ثقة وذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو حاتم صدوق. مات سنة خمس وخمسين ومائتين (قوله عبد الله بن الصنابحي) بضم الصاد المهملة نسبة إلى صنابح بن زاهر بطن من مراد. وهو مختلف في صحبته فقال ابن معين وابن السكن أنه صحابى معدود في المدنيين. روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعن عبادة بن الصامت. وعنه عطاء بن يسار حديث الباب، وليس هو عبد الرحمن بن عسيلة بن عسل الصنابحى لأن عبد الرحمن رحل إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم

стр. 1024

فقبض النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو في الطريق فلم يره "وبهذا" تعلم أن من قال إن الصنابحى راوى حديث الباب هو عبد الرحمن بن عسيلة فقد وهم (قوله زعم) أى قال وتأتى أيضا بمعنى ظن واعتقد أو قال قولا لا يدرى أحق هو أم باطل. وعبر الصنابحي. بزعم إشارة إلى ضعف هذا القول، و (أبو محمد) هو مسعود بن أوس بن زيد الأنصارى البدرى شهد بدرا والعقبة، قال ابن حبان له صحبة (قوله عبادة بن الصامت) بن قيس بن أصرم بن فهر بن قيس الأنصارى الخزرجى أبو الوليد أحد النقباء ليلة العقبة، شهد بدرا وأحدا وبيعة الرضوان والمشاهد كلها. روى له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أحد وثمانون ومائة حديث، اتفق الشيخان على ستة وانفرد كل منهما بحديثين. روى عنه أنس وأبو أمامة ومحمود بن الربيع وجابر بن عبد الله وكثيرون، قال ابن سعد آخى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بينه وبين أبى مرثد وروى البخارى في تاريخه الصغير أنه أحد من جمع القرآن في زمن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقال الأوزاعي أول من ولى قضاء فلسطين عبادة بن الصامت. مات بالشام سنة أربع وثلاثين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. روى له الجماعة (معنى الحديث) (قوله كذب أبو محمد) أى أخطأ فيما قاله حيث أخبر بخلاف الواقع ولا إثم عليه في ذلك لأنه لم يتعمد الكذب وهو رجل من الأنصار له صحبة. ويبعد على الصحابة رضوان الله عليهم تعمد الكذب. والعرب تضع الكذب موضع الخطأ فتقول كذب سمعى وكذب بصرى أى أخطأ. والإثم بالكذب منوط بالعمد فيه (قوله أشهد أنى سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ) أى أعترف بذلك وهذه شهادة حسبة. والغرض منها تأكيد خبره عند السامعين وأنه لا شك فيه (وبهذا استدلّ) من قال إن الوتر ليس بواجب. لكن الاستدلال به ضعيف لأن عبادة إنما أنكر أن يكون الوتر كفرض الصلوات الخمس دون أن يكون واجبا. ولذلك استشهد بالصلوات الخمس المفروضة في اليوم والليلة (قوله خمس صلوات الخ) أي في اليوم والليلة كما في رواية للبخارى وخمس مبتدأ وافترضهنّ الله صفة أو خبر وقوله من أحسن وضوءهنّ خبر على الأول أو خبر بعد خبر على الثانى أى من أتم وضوءهنّ بمراعاة فرائضه وشرائطه فالمراد بالإحسان التصحيح لا الأمر الزائد على أصل الفعل "وما قاله" بعضهم من أن المراد بالإحسان مراعاة الفرائض والسنن "غير مسلم" لأن الوعيد المذكور بعد لا يترتب على ترك السنن (قوله وصلاهنّ لوقتهنّ) أى في وقتهنّ فاللام بمعنى في (قال) الطيبى المراد في أول وقتهنّ (قال) ابن حجر لا دليل على ذلك بل الصواب ما أفادته في التى اللام بمعناها من أن الشرط

стр. 1025

لأداء في الوقت وإن لم يكن أوّله اهـ (قوله وأتم ركوعهنّ) بأن اطمأنّ وأتى بتسبيحه المطلوب فيه، ويأتي بيانه في باب مقدار الركوع إن شاء الله تعالى، وخصّ بالذكر دون بقية الأركان إما تغليبا له على ما عداه من الأركان أو لكونه كالمقدّمة والوسيلة لغيره أو لأن الجاهلية كانوا يتساهلون فيه ففيه تنبيه على غيره بطريق المساواة (قوله وخشوعهنّ) الخشوع في الصلاة ظاهرىّ وهو سكون الجوارح عن العبث وجعل بصره موضع سجوده، وباطنيّ وهو حفظ القلب عن الاشتغال بغير ما هو فيه من التأمل في معانى القرآن وفي السبب الذى شرع كل ركن لأجله من القيام بين يدي الرّبّ تعظيما وإجلالا، ومن الركوع وهو الانقياد ظاهرا وباطنا، ومن السجود وهو غاية التذلل والخضوع والانكسار. بجعل أشرف ما فيه من الأعضاء على موطئ الأقدام (قوله كان له على الله عهد أن يغفر له) العهد في الأصل اليمين والأمانة والذمة والحفظ والمراد به الوعد. وسمى الله تعالى وعده عهدا لأنه أوثق من كل وعد وليس هذا على الله بطريق الوجوب لأن العبد لا يجب له على الله شيء وإنما يذكر مثل هذا لبيان أنه متحقق لا محالة، والمراد أنه يغفر الذنوب الصغائر. وغفرها محوها من صحائف الأعمال أو سترها عن أعين الملائكة أما الكبائر فلا يكفرها إلا التوبة أو عفو الله تعالى كما هو مذهب أهل السنة وقال بعضهم يغفر له الكبائر أيضا (قوله ومن لم يفعل الخ) أى من لم يفعل ما ذكر من إحسان الوضوء وغيره فليس له على الله وعد بالغفران وأمره مفوّض لربه إن شاء غفر له تفضلا وإن شاء عذّبه عدلا، وقدّم مشيئة الله تعالى تجويزا للعفو عنه فإن عادة الكرام المحافظة على الوعد والمسامحة في الوعيد وهذا في غير الكافر فإنه مقطوع بتعذيبه (فقه الحديث) دلّ الحديث على أن المفروض من الصلوات خمس، وعلى أن من أدّى الصلوات على وجهها المشروع بوضوئها التامّ مضمون له غفران الذنوب دون من قصر في ذلك وعلى أن عقاب العاصى بغير الكفر وإثابة المطيع غير واجب لأن الله تعالى لا يجب عليه لخلقه شئ وله تعذيب المطيع والأطفال وإثابة الفاسق فهو ردّ على من قال بوجوب الصلاح والأصلح (من روى الحديث أيضا) رواه أحمد وروى مالك والنسائى وابن ماجه وابن حبان نحوه (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَا: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ غَنَّامٍ، عَنْ بَعْضِ أُمَّهَاتِهِ، عَنْ أُمِّ فَرْوَةَ، قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا»، قَالَ: الْخُزَاعِيُّ فِي

стр. 1026

حَدِيثِهِ: عَنْ عَمَّةٍ لَهُ يُقَالُ لَهَا أُمُّ فَرْوَةَ قَدْ بَايَعَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ سُئِلَ (ش) (رجال الحديث) (قوله محمد بن عبد الله) بن عثمان البصرى أبو عبد الله. روى عن عبد الله ابن عمر العمرى وأبى الأشهل وجرير بن حازم وحماد بن سلمة ومالك وآخرين. وعنه أبو داود وأبو زرعة وأبو حاتم وإبراهيم الحربى. وثقه علىّ بن محمد وأبو حاتم وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن قانع صالح. مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين. روى له ابن ماجه، و (الخزاعى) نسبة إلى خزاعة حىّ من الأزد سموا بذلك لأنهم تخزّعوا أى تفرّقوا عن قومهم وأقاموا بمكة (قوله القاسم بن غنام) الأنصارى البياضى. روى عن عمته أم فروة. وعنه الضحاك بن عثمان وعبد الله بن عمر العمرى. ذكره ابن حبان في الثقات وذكره العقيلى في الضعفاء وقال في حديثه اضطراب. روى له أبو داود والترمذى (قوله عن بعض أمهاته) هذا لفظ عبد الله بن مسلمة، ورواية الخزاعى عن عمة كما يأتى ولم يعرف اسمها (قوله عن أم فروة) الأنصارية الصحابية كانت من المبايعات، وقيل إن أم فروة هذه هى أخت أبى بكر الصديق لأبيه ذكره أبن العربى. روى عنها القاسم بن غنام روى لها أبو داود والترمذى (معنى الحديث) (قوله سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم) ظاهره أن السائل غير أم فروة. ويؤيده رواية الدارقطني عن عبد الله بن عمر عن القاسم بن غنام عن جدّته عن أم فروة قالت سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأنا أسمع عن أفضل الأعمال "الحديث" وفى رواية له أيضا عن أم فروة أنها قالت سألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أي العمل أفضل الخ ولا منافاة بين هذه الروايات لجواز أن تكون سألت النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وسمعت غيرها يسأله (قوله أىّ الأعمال أفضل الخ) أى أي الأعمال أحب إلى الله تعالى وأكثر ثوابا فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم الصلاة في أول وقتها أى أداؤها في أول وقتها وهذا يدل على أن إيقاع الصلاة في أول الوقت أفضل من جميع الأعمال حتى من الصلاة في غير الجزء الأول من الوقت ويؤيده ما رواه الترمذى عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الوقت الأول من الصلاة رضوان الله والوقت الآخر عفو الله. وهو لا ينافى قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أحبّ الأعمال إلى الله الصلاة لوقتها أي من بقية الأعمال لأن حديث الباب أفاد ما أفاده هذا الحديث وزيادة "فإن قيل" كيف التوفيق بين حديث الباب وبين قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حين سئل أىّ الأعمال أفضل قال الإيمان بالله "الحديث" رواه الطبرانى عن

стр. 1027

ماعز "قيل" قد دلت القرائن على أن المراد من الأعمال في حديث الباب أعمال الإيمان فكأنه قال أىّ أعمال الإيمان أفضل، وعلى أن المراد بالأعمال في الحديث الثانى الأعمال التى يدخل بها الرجل في دين الإسلام فعلى هذا تكون الصلاة في وقتها أفضل الأعمال بعد الإيمان لأنه أصل كل عبادة ولا اعتبار لجميع العبادات إلا به. وما الأحاديث التى جعل فيها الجهاد أفضل الأعمال وفي بعضها الحج وفي بعضها برّ الوالدين وفي بعضها إطعام الطعام فالتوفيق بينها أن يقال إن التفضيل فيها نسبىّ فلا يراد أن كل واحد منها أفضل جميع الأشياء من جميع الوجوه وفى جميع الأحوال والأشخاص بل في حال دون حال ويختلف ذلك باختلاف الأحوال والأشخاص. أو يكون على تقدير من ويكون التقدير من أفضل الأعمال الجهاد إلى غير ذلك (قوله قال الخزاعي في حديثه الخ) غرض المصنف بهذا الإشارة إلى أن في الحديث اضطرابا فقد رواه عبد الله بن مسلمة عن ابن عمر العمري عن القاسم عن بعض أمهاته عن أم فروة بواسطة بين القاسم وأم فروة ورواه الخزاعي عن ابن عمر العمرى عن القاسم عن عمة له يقال لها أم فروة بدون واسطة بين القاسم وأم فروة وجعلها عمة له وزاد فيه المبايعة. وقد تابع الخزاعيّ في ذلك الفضل بن موسى عند الترمذى ورواه الدارقطنى بسنده إلى القاسم بن غنام عن جدته الدّنيا أم أبيه عن جدّته أم فروة. وفى رواية له أيضا عن القاسم عن امرأة من المبايعات (فقه الحديث) دلّ الحديث على أن الصلاة في أول وقتها أفضل الأعمال لكن قد علمت أن ذلك مخصوص بغير الظهر أيام الجرّ والعشاء، وعلى مشروعية سؤال الجاهل للعالم عما خفى عليه، وعلى أن عظم قدر العالم لا يمنع من السؤال (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الدارقطنى وأحمد والحاكم والبيهقى والترمذى وقال حديث أم فروة لا يروى إلا من حديث عبد الله بن عمر العمرى وهو ليس بالقوى عند أهل الحديث واضطربوا في هذا الحديث اهـ (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ»، قَالَ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْهُ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَ: نَعَمْ، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَأَنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ

стр. 1028

(ش) هكذا ذكر هذا الحديث عقب حديث أم فروة في بعض النسخ، وفى بعضها تأخيره عن حديث عمرو بن عون (رجال الحديث) (قوله يحيى) بن سعيد القطان (قوله إسماعيل بن أبي خالد) أبى عبد الله البجلى الكوفى. روى عن أبيه وعبد الله بن أبي أوفى وعمرو بن حريث وقيس بن عائذ والشعبى وغيرهم وعنه الثورى وابن عيينة وشعبة وابن المبارك ووكيع ويحيى القطان وآخرون، قال العجلى تابعى ثقة كان رجلا صالحا ووثقه أبو حاتم ويعقوب بن شيبة وابن معين وابن مهدي والنسائى وقال أحمد أصحّ الناس حديثا عن الشعبى ابن أبى خالد وقال ابن عمار الموصلى هو حجة له نحو ثلثمائة حديث وقال الثورى حفاظ الناس ثلاثة إسماعيل بن أبي خالد ويحيى بن سعيد وعبد الملك بن أبى سليمان. مات سنة ست أو خمس وأربعين ومائة. روى له الجماعة (قوله أبو بكر بن عمارة ابن رؤيبة) بالهمزة مصغرا، وفى نسخة رويبة بالواو الثقفى البصرى. روى عن أبيه. وعنه عبد الملك بن عمير وإسماعيل بن ابى خالد وأبو إسحاق ومسعر، وثقه ابن حبان وقال في التقريب مقبول من الثالثة. روى له مسلم وأبو داود والنسائي (قوله عن أبيه) هو عمارة بضم العين المهملة ابن رؤيبة الثقفى أبو زهيرة الكوفى. روى له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تسعة أحاديث انفرد مسلم بحديثين. روى عنه ابنه أبو بكر وحصين بن عبد الرحمن وأبو إسحاق السبيعى. روى له أبو داود والترمذى والنسائى (معنى الحديث) (قوله لا يلج النار رجل) وفي رواية مسلم لن يلج النار أحد أى لا يدخلها أصلا للتعذيب بل يدخلها أو يمرّ عليها تحلة القسم وهذا إذا وفق لبقية الأعمال أو لا يدخلها على وجه التأبيد وهذا لا ينافى أنه قد يعذّب لما في حديث أبى هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال أتدرون من المفلس قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال إن المفلس من أمتى من يأتى يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتى قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار رواه مسلم (قوله صلى قبل طلوع الشمس الخ) يعنى الفجر والعصر وخصّ هاتين الصلاتين بالذكر لأن وقت الصبح وقت نوم والعصر وقت اشتغال كما تقدم ولأنهما مشهودان تشهدهما ملائكة الليل وملائكة النهار فمن حافظ عليهما كان محافظا على غيرهما بالأولى والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر (قوله قال أنت سمعته الخ) أى قال السائل لعمارة أأنت سمعته على تقدير الاستفهام وقد صرّح به في بعض النسخ. وكرّر الاستفهام ثلاث مرّات (قوله كل ذلك الخ) أى كل مرّة يقول عمارة سمعته أذناى ووعاه قلبى والمقصود من هذا كله زيادة التأكيد والتثبيت وإن كان حافظا لما سأله عنه (قوله وأنا سمعته الخ) وفى رواية

стр. 1029

لمسلم قال الرجل وأنا أشهد أني سمعته من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سمعته أذناى ووعاه قلبي، وفي رواية له وأنا أشهد لقد سمعت النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقوله بالمكان الذى سمعته منه (فقه الحديث) دلّ الحديث على أن المحافظة على أداء الصلوات الخمس في أوقاتها ولا سيما العصر والصبح علامة على عدم دخول النار (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم والنسائى والبيهقى (ص) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَنَا خَالِدٌ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ فِيمَا عَلَّمَنِي «وَحَافِظْ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ»، قَالَ: قُلْتُ: إِنَّ هَذِهِ سَاعَاتٌ لِي فِيهَا أَشْغَالٌ فَمُرْنِي بِأَمْرٍ جَامِعٍ إِذَا أَنَا فَعَلْتُهُ أَجْزَأَ عَنِّي، فَقَالَ: «حَافِظْ عَلَى الْعَصْرَيْنِ» وَمَا كَانَتْ مِنْ لُغَتِنَا، فَقُلْتُ: وَمَا الْعَصْرَانِ؟ ، فَقَالَ: «صَلَاةُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَصَلَاةُ قَبْلَ غُرُوبِهَا» (ش) (رجال الحديث) (قوله خالد) بن عبد الله الواسطي (قوله عن أبي حرب بن أبى الأسود) قيل اسمه كنيته وقيل اسمه محجن (قوله عبد الله بن فضالة) الليثى. روى عن أبيه. وعنه أبو حرب، ذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن منده وأبو نعيم الرازى لم تصحّ له صحبة. روى له أبو داود (قوله عن أبيه) هو فضاله الليثى الصحابى ابن عبد الله وقيل ابن وهب. روى عنه ابنه عبد الله. روى له أبو داود (معنى الحديث) (قوله علمنى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم) يعنى أحكام الإسلام وما يحتاج إليه من أمر دينه فحذف المفعول للتعميم فيه (قوله وحافظ على الصلوات الخمس) أى أول وقتها كما قاله البيهقى. ويحتمل أن المراد حافظ على صلاتها في جماعة. وهي جملة قصد لفظها اسم كان وقوله فيما علمنى خبرها (قوله إن هذه ساعات الخ) أشار بها إلى أوقات الصلوات الخمس المعلومة من السياق وهو اعتذار عن المحافظة على الصلوات في أول وقتها (قوله فمرنى بأمر جامع الخ) وفي نسخة فأمرنى بأمر جامع أى لأشياء كثيرة الخير والثواب لا مشقة فيها إذا فعلت ذلك الأمر الجامع كفانى عن غيره في الثواب (قوله حافظ على العصرين) أى واظب على صلاة الصبح والعصر وأدّهما أول وقتهما مع الجماعة. وهو بيان للأمر الجامع الذى

стр. 1030

سأله فضالة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ (قال) ابن حبان إنما أمره بالمحافظة على العصرين زيادة تأكيد للأمر بالمحافظة على أول وقتهما مع بقاء الأمر بالمحافظة على أوائل الأوقات على حاله اهـ أى أنه إذا واظب على العصرين في وقتهما المستحب مع الجماعة كفر عنه ما يقع منه من التقصير في غير الصلاة من أبواب الفضائل والقربات. ويحتمل أن يكون المراد كفر عنه تقصيره في غير العصرين من الصلوات بأن أدّاهما في غير الجماعة أو في غير أول وقتها بسبب الاشتغال بالأعمال فإن تقصيره في ذلك قد يجبر بما ذكر وليس المراد أنه يجزئُ عنه إقامتهما عن غيرهما فإن ذلك لا يجزئُ إلا عنهما وكذا كل صلاة تؤدّى لا تجزئُ إلا عن تلك الصلاة بعينها وخصّ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هذين الوقتين لكثرة وقوع التوانى والكسل فيهما لأن الصبح تكون عقيب النوم والقيام من الفراش واستعمال الماء البارد ولا سيما في أيام الشتاء والعصر تكون وقت اشتغال الناس بالبيع والشراء والاشتغال بالأعمال ويقوى بيع الناس وشراؤهم وسائر معاملاتهم آخر النهار (قوله وما كانت من لغتنا الخ) أى ما كان إطلاق العصرين على الصبح والعصر معروفا في لغتنا فلذلك قلت وما العصران فأجاب صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بقوله صلاة قبل طلوع الشمس وهى صلاة الصبح وصلاة قبل غروبها وهي صلاة العصر. والعرب قد تحمل أحد الاسمين على الآخر فتجمع بينهما في التسمية طلبا للتخفيف كقولهم سنة العمرين لأبى بكر وعمر والأسودين التمر والماء. والأصل في العصرين عند العرب الليل والنهار فيقال لهاتين الصلاتين العصران لأنهما يقعان في طرفى العصرين وهما الليل والنهار ويكون هذا من قبيل ذكر المحلّ وإرادة الحالّ (فقه الحديث) والحديث يدلّ على أنه يطلب من العالم أن يعلم الجاهل، وعلى طلب المحافظة على أداء الصلوات الخمس أول وقتها ولا سيما الصبح والعصر، وعلى مشروعية مراجعة المتعلم للمعلم في الأمر الذى صعب عليه فهمه، وعلى جواز طلب ما فيه سهولة، وعلى عظيم أخلاقه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وسعة صدره (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم والنسائى والبيهقى. ويوجد في بعض النسخ حديثان من رواية ابن الأعرابى حديث أبى الدرداء وحديث أبى قتادة (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَنْبَرِيُّ، ثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، أَنَا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، ثَنَا قَتَادَةُ، وَأَبَانُ، كِلَاهُمَا، عَنْ خُلَيْدٍ الْعَصَرِيِّ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ, عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: " خَمْسٌ مَنْ جَاءَ بِهِنَّ

стр. 1031

مَعَ إِيمَانٍ دَخَلَ الْجَنَّةَ: مَنْ حَافَظَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ عَلَى وُضُوئِهِنَّ وَرُكُوعِهِنَّ وَسُجُودِهِنَّ وَمَوَاقِيتِهِنَّ، وَصَامَ رَمَضَانَ، وَحَجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَأَعْطَى الزَّكَاةَ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ " قَالُوا: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ، وَمَا أَدَاءُ الْأَمَانَةِ قَالَ: «الْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ» (ش) (رجال الحديث) (قوله عمران القطان) هو ابن داور بفتح الواو بعدها راء أبو العوّام البصرى. روى عن قتادة ومحمد بن سيرين وأبي إسحاق الشيبانى وسليمان التيمى وآخرين. وعنه أبو داود الطيالسي وابن مهدى وسهل بن تمام ومحمد بن بلال ومسلم بن قتيبة وكثيرون. قال ابن معين ليس بالقوى وضعفه النسائى وقال ابن عدى يكتب حديثه. وقال الحاكم والساجى صدوق ووثقه عفان بن مسلم والعجلى وابن حبان وقال البخارى صدوق يهم وقال الدارقطنى كان كثير المخالفة والوهم وقال أبو حاتم شيخ يكتب حديثه ليس بالقوى (قوله وأبان) بن أبى عياش فيروز أبو إسماعيل مولى عبد القيس البصرى. روى عن أنس وسعيد ابن جبير وخلاد العصرى وغيرهم. وعنه عمران القطان ومعمر وأبو إسحاق الفزارى ويزيد ابن هارون وآخرون. قال أحمد بن حنبل والفلاس وابن معين والنسائى والدارقطني وأبو حاتم وابن سعد متروك الحديث وسئل عنه أبو زرعة فقال ترك حديثه ولم يقرأه علينا فقيل له كان يتعمد الكذب قال لا كان يسمع الحديث من أنس ومن شهر ومن الحسن فلا يميز بينهم وقال ابن عدى عامة ما يرويه لا يتابع عليه وهو بين الأمر في الضعف وأرجو أنه لا يتعمد الكذب إلا أنه يشتبه عليه ويغلط وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق وقال ابن المدينى كان ضعيفا وقال الساجى كان رجلا صالحا فيه غفلة يهم في الحديث ويخطئُ فيه. مات سنة ثمان وثلاثين ومائة. روى له أبو داود هذا الحديث لا غير مقرونا بقتادة (قوله خليد) ضبطه في الخلاصة بفتح الخاء المعجمة ابن عبد الله أبو سليمان البصرى. روى عن علىّ وسلمان وأبى الدرداء وأبى ذرّ وغيرهم. وعنه قتادة وأبو الأشهب العطاردى وأبان بن أبى عياش وعوف الأعرابى. وثقه ابن حبان. و (العصرى) بفتح العين والصاد المهملتين نسبة إلى عصر بطن من عبد قيس (قوله أم الدرداء) الصغرى. زوج أبى الدرداء اسمها هجيمة ويقال جهيمة بنت حييّ الأوصابية الدمشقية. ووقع عند البيهقي أن اسمها حمامة. روت عن زوجها وسلمان الفارسي وأبى هريرة وكعب بن عاصم وعائشة وغيرهم. وعنها جبير بن نفير وسالم بن أبي الجعد وزيد بن أسلم ومكحول وكثيرون. ذكرها ابن سميع في الطبقة الثانية من تابعى أهل الشام. يروى عنها الأحاديث الكثيرة وكانت فقيهة عالمة زاهدة فصيحة وهي غير أم الدرداء الكبرى الصحابية (قوله عن

стр. 1032

أبى الدرداء) هو عويمر بن مالك وقيل ابن عامر بن على بن كعب بن الخزرج الأنصارى الخزرجى. روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعن زيد بن ثابت وعائشة وأبى أمامة وفضالة. روى له تسعة وسبعون ومائة حديث اتفق الشيخان على حديثين وانفرد البخارى بثلاثة ومسلم ثمانية. وعنه ابنه بلال وزوجه أم الدرداء وجبير بن نفير وزيد بن وهب وأبو إدريس الخولانى وعلقمة بن قيس وكثيرون. أسلم يوم بدر وشهد أحدا وأبلى فيها وقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يوم أحد نعم الفارس عويمر وقال هو حكيم أمتي (وعن) خيثمة عن أبى الدرداء قال كنت تاجرا قبل البعث تم حاولت التجارة بعد الإسلام فلم يجتمعا (وقال) ابن حبان ولاه معاوية قضاء دمشق بأمر عمر بن الخطاب وقال ابن سعد آخى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بينه وبين عوف بن مالك (وعلى الجملة) فمناقبه وفضائله كثيرة. قيل مات سنة اثنتين وثلاثين (معنى الحديث) (قوله خمس الخ) أى خمس خصال من واظب عليهن مع إذعان وتصديق إذ ذلك أصل لصحة كل عمل دينى دخل الجنة بلا سابقة عذاب (قوله من حافظ على الصلوات الخمس الخ) أى أتى بها مستجمعة للشروط والأركان والآداب على الهيئة التي كان يفعلها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وقوله على وضوئهن الخ بيان لما يحافظ عليه (قوله إن استطاع إليه سبيلا) أى قدر على أداء الحج بطريق مشروع وفسره النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بوجود الزّاد والرّاحلة كما في الحاكم (قوله طيبة بها نفسه) أى حال كونها راضية بأدائها غير كارهة. وإنما قيد بذلك في جانب الزكاة لأن غالب النفوس جبلت على الشح وكراهة أداء ما وجب عليها أداؤه من المال فضلا عن التطوّع (قوله وأدّى الأمانة الخ) هى في الأصل مصدر أمن من باب علم وتقع على ثلاثة أقسام (الأول) عبادة الله تعالى بأن يفعل المأمورات ويجتنب المنهيات (الثانى) نعمه التى أنعم الله بها على عباده كالسمع والبصر والعافية فلا يصرفها العبد فيما يغضب الله تعالى (الثالث) حقوق العباد كالودائع فالواجب على المكلف تأدية الأمانات كلها. وقد بين أبو الدرداء أن المراد منها هنا غسل الجنابة اعتمادا على قرينة فهمها من النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعلى هذا فتكون أل في الأمانة للعهد ويحتمل أن يكون اللفظ باقيا على عمومه وأنه رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال ذلك فهما منه (فقه الحديث) والحديث يدلّ على أن المحافظة على أداء مهمات الدين وسيلة إلى الفلاح ودخول الجنة فنسأل الله أن يوفقنا لذلك (ص) حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ الْمِصْرِيُّ، ثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ ضُبَارَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ

стр. 1033

أَبِي سُلَيْكٍ الْأَلْهَانِيِّ، أَخْبَرَنِي ابْنُ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: إِنَّ أَبَا قَتَادَةَ بْنَ رِبْعِيٍّ أَخْبَرَهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «إِنِّي فَرَضْتُ عَلَى أُمَّتِكَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ وَعَهِدْتُ عِنْدِي عَهْدًا أَنَّهُ مَنْ جَاءَ يُحَافِظُ عَلَيْهِنَّ لِوَقْتِهِنَّ أَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهِنَّ فَلَا عَهْدَ لَهُ عِنْدِي» (ش) (رجال الحديث) (قوله بقية) بن الوليد. وفى بعض النسخ حدثنا محمد بن عبد الملك بن يزيد الرّواس يكنى أبا أسامة قال نا أبو داود نا حيوة الخ (قوله ضبارة) بضم الضاد المعجمة وبالموحدة المخففة (ابن عبد الله) بن مالك (بن أبى سليك) بفتح السين المهملة أبى شريح الحمصى. روى عن أبيه ودويد بن نافع وأبى الصلت. وعنه ابنه محمد وإسماعيل ابن عياش وبقية. وثقه ابن حبان. و (الألهاني) نسبة إلى ألهان موضع قرب المدينة (قوله ابن نافع) هو دويد بضم الدال المهملة وكسر الواو الأموى مولاهم أبو عيسى. روى عن عروة بن الزبير والزهرى وأبى صالح السمان وعطاء بن أبى رباح وآخرين وعنه ابنه عبد الله وأخوه مسلمة وضبارة بن عبد الله والليث. قال ابن حبان مستقيم الحديث إذا كان دونه ثقة ووثقه الذهلى والعجلى وقال أبو حاتم شيخ (معنى الحديث) (قوله إني فرضت على أمتك) أى عليك وعلى أمتك كما يدلّ عليه حديث المعراج (قوله وعهدت عندى عهدا الخ) أى وعدتهم وعدا بأن من جاء يوم القيامة وقد حافظ على تأدية الصلوات الخمس في أوقاتهنّ أدخلته الجنة بلا سابقة عذاب. والمصدر للتأكيد والعندية عندية مكانة وشرف لا مكان (قوله فلا عهد له عندى) أى فليس له وعد عند الله بدخول الجنة بل إن شاء غفر له وإن شاء عذّبه (وليس) فيه دليل على أن تارك الصلاة ليس له حظ في دخول الجنة خلافا لمن ادّعى ذلك مستدلا بما رواه الترمذى عن بريدة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال "العهد الذى بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" فإن الحديث محمول عند الجمهور على من تركها جاحدا (قفه الحديث) دلّ الحديث على أن الصلوات المفروضة خمس. وعلى أن من حافظ عليهنّ في أوقاتهنّ استحقّ دخول الجنة، وعلى أن من لم يحافظ عليهنّ وقع في خطر عظيم فنسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعا لأدائهنّ على الوجه المشروع (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن ماجه قال في الزوائد في إسناده نظر من أجل

стр. 1034

ضبارة ودويد اهـ وهذا الحديث والذى قبله ليسا من رواية اللؤلؤى وإنما هما من رواية ابن الأعرابى وقد أشير إلى ذلك في بعض النسخ وفى بعض النسخ تقديم هذا الحديث على ما قبله (باب إذا أخر الإمام الصلاة عن الوقت) ماذا يصنع الناس أينتظرون صلاة الإمام ويؤخرونها كما يؤخر أم يصلونها أول الوقت ويتركون الجماعة معه، والإمام يطلق على خليفة المسلمين وعلى العالم المقتدى به وعلى من يؤتمّ به في الصلاة والمراد هنا الأول، وفى بعض النسخ باب ما جاء في الإمام إذا أخر الخ (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ يَعْنِي الْجَوْنِيَّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: " يَا أَبَا ذَرٍّ كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ؟ -أَوْ قَالَ: يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ؟ -"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَأْمُرُنِي، قَالَ: «صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّهَا فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ» (ش) (رجال الحديث) (قوله عن أبى عمران) هو عبد الملك بن حبيب الأزدى البصرى. روى عن أنس وجندب بن عبد الله وربيعة بن كعب وعبد الله بن الصامت وكثيرين وعنه شعبة والحمادان والحارث بن عبد الله وهمام بن يحيى وآخرون. وثقه ابن سعد وابن معين وابن حبان وقال أبو حاتم صالح وقال النسائى ليس به بأس. مات سنة ثمان وعشرين ومائة روى له الجماعة. و (الجونى) نسبة إلى الجونة قرية بين مكة والطائف (قوله عبد الله بن الصامت) البصرى الغفاري. روى عن عمه أبى ذرّ وعمر وعثمان وحذيفة وعائشة. وعنه حميد بن هلال وأبو عمران وسوادة بن عاصم ومحمد بن واسع وغيرهم. قال أبو حاتم يكتب حديثه ووثقه النسائى وابن سعد وابن حبان وقال العجلي تابعي ثقة. روى له الجماعة إلا البخارى (قوله عن أبى ذرّ) هو جندب بن جنادة الغفارى (معنى الحديث) (قوله كيف أنت الخ) أى ماذا تصنع إذا تولى عليك أمراء لا يؤدّون الصلاة في أوقاتها ليجعلونها كالميت الذى خرجت روحه (وقال الأبى) لعله كناية عن عدم قبولها لأن ما لا روح له من الأعمال لا أثر له وهذا كنى ابن عطاء الله عن شرطية الإخلاص في الأعمال بقوله الأعمال صور قائمة وروحها الإخلاص اهـ (قوله أو قال يؤخرون الصلاة) شك من الراوى والأقرب أنه عبد الله بن الصامت، وقول ابن حجر شك أبو داود غير مسلم

стр. 1035

والمراد تأخيرها عن وقتها المختار لا عن جميع وقتها فإن المنقول عن الأمراء المتقدمين والمتأخرين إنما هو تأخيرها عن وقتها المختار ولم يؤخرها أحد منهم عن جميع وقتها فوجب حمل الأخبار على ما هو الواقع قاله النووى (قال) العينى لكن لفظ يميتون الصلاة ينافى هذا التأويل لأن معنى إماتة الصلاة ان يصليها خارج الوقت لأن الصلاة ما دامت في وقتها لا توصف بالميتة وكذا قوله ولم يؤخرها أحد منهم عن جميع وقتها غير مسلم فإنه نقل عن كثير من الخلفاء الفسقة والسلاطين الظلمة ترك الصلاة فضلا عن تأخيرها عن وقتها اهـ (قوله فما تأمرنى الخ) أى فأىّ شئ تأمرنى به أن أفعله في ذلك الوقت فقال له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلّ الصلاة لوقتها أى في وقتها المختار فإن حضرت الصلاة مع الأمراء المذكورين فصلها، وفى نسخة فصله أى الفرض أو ما أدركته أو هي هاء السكت. وفى رواية مسلم فصلّ بدون هاء (قوله فإنها لك نافلة) أى الصلاة الثانية لك زيادة خير كما في رواية مسلم، وأمره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالصلاة أول الوقت وإعادتها معهم احتياطا للوقت وتركا للخلاف وافتراق الكلمة ففى رواية لمسلم عن أبى ذرّ إن خليلى أوصانى أن أسمع وأطيع وإن كان عبدا مجدعّ الأطراف وأن أصلى الصلاة لوقتها قال فإن أدركت القوم وقد صلوا كنت أحرزت صلاتك وإلا كانت نافلة، وفى رواية له عن أبى العالية البراء قال أخر ابن زياد الصلاة فجاءني عبد الله بن الصامت فألقيت له كرسيا فجلس عليه فذكرت له صنيع ابن زياد فعضّ على شفته فضرب فخذي وقال إنى سألت أبا ذرّ كما سألتنى فضرب فخذى كما ضربت فخذك وقال إنى سألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كما سألتنى فضرب فخذى كما ضربت فخذك وقال صلّ الصلاة لوقتها فإن أدركت الصلاة معهم فصلّ ولا تقل إنى قد صليت فلا أصلى (وحديث) الباب صريح في أن الصلاة الأولى هي الفريضة وأن الثانية نافلة وإلى ذلك ذهب الجمهور (ومشهور) مذهب المالكيه أنه يدخل في الثانية مفوّضا لله تعالى في قبول أيتهما. وصريح أيضا في أن هذا الحكم عام في جميع الصلوات حتى في الصبح والعصر لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أطلق الأمر بالإعادة ولم يفرق بين صلاة وصلاة فيكون مخصصا لحديث لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس رواه البخارى ومسلم (وخالفت) الحنفية فقالوا بعدم الإعادة فيهما لورود النهى عن الصلاة بعدهما، لكن قد علمت أنه مخصص بحديث الباب وقالوا إن أعاد المغرب يضيف إليها ركعة حتى تصير شفعا لأن التنفل بالبتراء مكروه (وقالت) المالكية في المغرب لا تعاد لأنها تصير مع الأولى شفعا ولأنه يحتمل أن تكون نافلة والنفل لا يكون بثلاث وكذا قالت الحنابلة وسيأتي مزيد لهذا إن شاء الله تعالى في باب من صلى في منزله ثم أدرك الجماعة يصلى معهم (ففه الحديث) دلّ الحديث على أن الإمام إذا أخر الصلاة عن أول وقتها المستحب

стр. 1036

يطلب من المأموم أن يصليها أول الوقت منفردا ثم يصليها مع الإمام إن أدركه فيجمع بين فضيلتي أول الوقت والجماعة فإن أراد الاقتصار على أحدهما فهل الأفضل الاقتصار على فعلها منفردا أول الوقت أم فعلها آخره في جماعة خلاف والمختار استحباب الانتظار إن لم يفحش التأخير، ودلّ أيضا على طلب موافقة الأمراء في غير معصية لئلا تتفرق الكلمة وتقع الفتنة، وعلى الحثّ على الصلاة في جماعة، وعلى رعاية الوقت المستحب للصلاة، وعلى ذمّ من أخر الصلاة عن وقتها، وفيه من دلائل النبوّة أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أخبر عن الأمراء الذين يميتون الصلاة وقد وقع في زمن بنى أمية ومن بعدهم إلى زماننا هذا، ودلّ أيضا على عظيم ملاطفته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لأصحابه، وعلى أن الجاهل بالحكم يطلب منه أن يسأل عنه العالم به (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم والنسائى وابن ماجه والبيهقى والترمذى وقال حديث حسن (ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ دُحَيْمٌ الدِّمَشْقِيُّ، ثَنَا الْوَلِيدُ، ثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي حَسَّانُ يَعْنِي ابْنَ عَطِيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ الْيَمَنَ رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ إِلَيْنَا، قَالَ: فَسَمِعْتُ تَكْبِيرَهُ مَعَ الْفَجْرِ رَجُلٌ أَجَشُّ الصَّوْتِ، قَالَ: فَأُلْقِيَتْ عَلَيْهِ مَحَبَّتِي فَمَا فَارَقْتُهُ حَتَّى دَفَنْتُهُ بِالشَّامِ مَيِّتًا، ثُمَّ نَظَرْتُ إِلَى أَفْقَهِ النَّاسِ بَعْدَهُ فَأَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ فَلَزِمْتُهُ حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «كَيْفَ بِكُمْ إِذَا أَتَتْ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ لِغَيْرِ مِيقَاتِهَا»، قُلْتُ فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «صَلِّ الصَّلَاةَ لِمِيقَاتِهَا وَاجْعَلْ صَلَاتَكَ مَعَهُمْ سُبْحَةً» (ش) (رجال الحديث) (قوله عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو بن ميمون القرشي الأموى أبو سعيد (الدمشقى) المعروف بدحيم قاضى الأردن وفلسطين. روى عن الوليد ابن مسلم وعمر بن عبد الواحد ومحمد بن شعيب ومروان بن معاوية وابن عيينة وكثيرين. وعنه أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان والبخارى ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وجماعة. قال النسائى ثقة مأمون وقال ابن يونس ثقة ثبت وكان أحمد يثنى عليه ووثقه أبو حاتم والعجلى والدارقطني وقال أبو داود حجة لم يكن بدمشق في زمنة مثله وهو ثقة وقال الخليلى كان أحد

стр. 1037

حفاظ الأئمة متفق عليه ويعتمد عليه في تعديل شيوخ الشام. مات في رمضان سنة خمس وأربعين ومائتين بالرملة. و (الأوزاعي) هو عبد الرحمن بن عمرو (قوله عبد الرحمن ابن سابط) ويقال عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط بن أبى حميضة بن عمرو بن أهيب الجمحى القرشي تابعى أرسل عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. روى عن عباس بن عبد المطلب ومعاذ بن جبل وابن عباس وعائشة وعمرو بن ميمون وغيرهم. وعنه موسى بن مسلم وعلقمة بن مرثد وابن جريج والليث بن سعد وكثيرون، قال أبو زرعة وابن معين ثقة وقال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث وذكره البخارى وأبو حاتم وابن حبان في الثقات. مات سنه ثماني عشرة ومائة. روى له مسلم وأبو داود والترمذى وابن ماجه (قوله عمرو بن ميمون) أبي عبد الله الكوفي. روى عن عمر بن الخطاب وسعد بن أبى وقاص وابن مسعود ومعاذ بن جبل وابن عباس وكثيرين من الصحابة والتابعين. وعنه أبو إسحاق السبيعى وعبد الملك بن عمير والشعبي وسعيد بن جبير وآخرون. وثقه النسائى وابن معين وابن حبان وقال العجلى تابعى ثقة وقال أبو إسحاق كان أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يرتضون به. و (الأودى) نسبة إلى أود بن سعد العشيرة (معنى الحديث) (قوله قدم علينا معاذ بن جبل اليمن) وكان ذلك حين بعثه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أميرا عليها وكتب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى أهل اليمن وقتئذ إنى بعثت إليكم خير أهلى ولما ودعه قال له حفظك الله من بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك ومن فوقك ومن تحتك ودرأ عنك شرور الإنس والجن وكان معه أبو موسى الأشعرى فقد روى النسائى وابن ماجه والترمذى عن أبى موسى الأشعرى قال بعثني رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ومعاذا إلى اليمن فقال ادعوا الناس وبشرا ولا تنفرا ويسرا ولا تعسرا وتطاوعا ولا تختلفا فقدمنا اليمن فكان لكل واحد منا قبة ينزلها على حدة وكانا يتزاوران فأتى معاذ أبا موسى فإذا هو جالس في فناء قبته وإذا يهودى قائم عنده يريد قتله فقال يا أبا موسى ما هذا قال كان يهوديا فأسلم ثم رجع إلى يهوديته فقال ما أنا بجالس حتى تقتله فقتله ثم جلسا يتحدّثان فقال معاذ يا أبا موسى كيف تقرأ القرآن قال أتفوّقه تفوّقا على فراشى وفي صلاتى وعلى راحلتي ثم قال أبو موسى لمعاذ كيف تقرؤه أنت فقال سأنبئك بذلك أما أنا فأنام ثم أقوم فأقرأ وأحتسب ما أحتسب في قومتى اهـ وقوله أتفوّقه تفوّقا أى أقرؤه شيئا بعد شيء ووقتا بعد وقت (قوله أجش الصوت) بفتح الهمزة أى غليظة (قوله فألقىت عليه محبتي) أى جعل الله تعالى في قلبي ميلا إلى معاذ ورغبة فيه. والمحبة مصدر بمعنى الحبّ مضاف إلى الياء من إضافة المصدر إلى فاعله والمفعول محذوف أى محبتي إياه (قوله ميتا) حال من الضمير المنصوب في دفنته وأتى

стр. 1038

به بعد ذكر الدفن لأن الدفن الإخفاء تحت أطباق التراب ولا يلزم منه أن يكون المدفون ذهبت روحه حال الدفن. وميت بالتثقيل والتخفيف أما الحىّ فيقال بالتثقيل لا غير والمعنى أني لازمته طول حياته حتى فارق الدنيا (قوله فأتيت ابن مسعود) مرتب على محذوف أى فوجدت ابن مسعود أفقه الناس فأتيته (قوله كيف بكم الخ) أى كيف حالكم وشأنكم حين يولى عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها المختار أتوافقونهم أم تصلونها أول الوقت (قوله واجعل صلاتك معهم سبحة) بضم السين المهملة أى نافلة يقال فلان يسبح على راحلته أى يصلى النافلة وخصت النافلة بالسبحة وإن شاركتها الفريضة في معنى التسبيح لأن التسبيح في الفرائض نوافل فقيل لصلاة النافلة سبحة لأنها نافلة كالتسبيحات والأذكار غير الواجبة (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقي وأخرج البخارى ومسلم والترمذى نحوه وأخرجه البيهقى من طريق محمد بن أحمد بن الوليد الأزرقى أنبأ داود بن عبد الرحمن عن ابن خثيم عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عن جده أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال ستكون بعدى أمراء يؤخرون الصلاة عن مواقيتها ويحدثون البدعة فقال ابن مسعود وكيف أصنع إن أدركتهم قال تسألنى ابن أم عبد كيف تصنع لا طاعة لمن عصى الله تابعه إسماعيل بن زكريا عن ابن خثيم وزاد فيه ويطفئون السنة (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ بْنِ أَعْيَنَ، ثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ أَبِي الْمُثَنَّى، عَنِ ابْنِ أُخْتِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، ح وَثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَنْبَارِيُّ، ثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ الْمَعْنَى، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ أَبِي الْمُثَنَّى الْحِمْصِيِّ، عَنْ أَبِي أُبَيٍّ ابْنِ امْرَأَةِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّهَا سَتَكُونُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي أُمَرَاءُ تَشْغَلُهُمْ أَشْيَاءُ عَنِ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُهَا فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُصَلِّي مَعَهُمْ؟ ، قَالَ: «نَعَمْ، إِنْ شِئْتَ» -وَقَالَ سُفْيَانُ: إِنْ أَدْرَكْتُهَا مَعَهُمْ أُصَلِّي مَعَهُمْ؟ - قَالَ: «نَعَمْ، إِنْ شِئْتَ» (ش) (رجال الحديث) (قوله محمد بن قدامة بن أعين) بن المسور القرشي الهاشمى مولاهم أبو عبد الله. وأعين كأحمد. روى عن فضيل بن عياض ومنصور بن المعتمر وابن عيينة

стр. 1039

وجرير بن عبد الحميد ووكيع. وعنه النسائى وأبو داود ومحمد بن المسيب وعبد الله بن محمد البغوى وكثيرون. قال النسائى لا بأس به وضعفه أبو داود وقال ابن معين ليس بشئ وقال مسلمة بن قاسم ثقة صدوق ووثقه الدارقطني وابن حبان. مات قريبا من سنة خمسين ومائتين (قوله عن أبى المثني) هو ضمضم الأملوكي الحمصى. روى عن كعب الأحبار وأبيّ بن حرام. وعنه صفوان بن عمرو وهلال بن يساف. وثقه ابن عبد البرّ وابن حبان وقال في التقريب مجهول. روى له أبو داود (قوله عن ابن أخت عبادة) هو المثنى كما قاله ابن حبان. وصحح بعضهم أنه ابن امرأته كما في السند الثاني (قوله الأنبارى) بفتح الهمزة نسبة إلى أنبار مدينة قريبة من دجلة (قوله سفيان) الثورى (قوله المعنى) أى أن الأنبارى حدّث أبا داود هذا الحديث بالمعنى واللفظ المذكور لابن قدامة (قوله عن أبي أبيّ بن امرأة عبادة الخ) هو عبد الله بن عمرو كما اختاره ابن عبد البرّ وقيل ابن كعب المعروف بابن أم حرام صحابى نزل بيت المقدس وهو آخر من مات من الصحابة بها روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعن عبادة بن الصامت. وعنه ضمضم بن المثنى وإبراهيم بن أبى عبلة المقدسى (معنى الحديث) (قوله حتى يذهب وقتها) أى يمضى وقتها المختار (قوله فصلوا الصلاة لوقتها) أى أول وقتها ولو منفردين لكن على وجه لا يترتب عليه فتنة (قوله أصلى الخ) بحذف حرف الاستفهام وقد صرّح به في بعض النسخ أى هل أصلى الصلاة إذا أدركتها معهم فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نعم إن شئت يعنى صلّ معهم لأنها زيادة خير لك إن شئته. وهو صارف للأمر المستفاد من نعم عن الوجوب إلى الاستحباب (قوله وقال سفيان الخ) غرض المصنف بهذا بيان الاختلاف الواقع بين لفظ جرير عن منصور ولفظ سفيان عنه فقال جرير يا رسول الله أصلى معهم قال نعم إن شئت وقال سفيان الثورى يا رسول الله إن أدركتها معهم أأصلى معهم الخ (فقه الحديث) دلّ الحديث زيادة على ما تقدم على إخباره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بوقوع ما سيكون بعده بوحى من الله وهى من معجزاته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وعلى أن الأمراء سيتحولون عن طريق الحق (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن ماجه من طريق سفيان بن عيينة وأحمد في مسنده من طريقين "الأول" عن وكيع عن سفيان عن منصور عن هلال بن يساف عن أبي المثنى الحمصى عن أبى أبيّ ابن امرأة عبادة "الثانى" عن محمد بن جعفر عن شعبة عن هلال بن يساف عن أبى المثنى عن ابن امرأة عبادة

стр. 1040

(ص) حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، ثَنَا أَبُو هَاشِمٍ يَعْنِي الزَّعْفَرَانِيَّ، حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «يَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ مِنْ بَعْدِي يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ فَهِيَ لَكُمْ وَهِيَ عَلَيْهِمْ، فَصَلُّوا مَعَهُمْ مَا صَلَّوُا الْقِبْلَةَ» (ش) (رجال الحديث) (قوله أبو هاشم) هو عمار بن عمارة البصرى. روى عن الحسن وابن سيرين وصالح بن عبيد وآخرين. وعنه أبو الوليد وروح بن عبادة وقرّة ابن حبيب وعبد الصمد بن عبد الوارث وغيرهم. قال أبو الوليد الطيالسى وابن معين ثقة وقال أبو حاتم صالح ما أرى به بأسا وذكره ابن حبان في الثقات وقال البخارى فيه نظر وذكره العقيلى في الضعفاء. روى له أبو داود. و (الزعفرانى) نسبة إلى زعفرانية قرية قريبة من بغداد ينسب إليها كثير من المحدّثين أو هو نسبة إلى بيع الزعفران وليس نسبة إلى القرية المذكورة (قوله صالح بن عبيد) روى عن قبيصة، وعنه أبو هاشم وعمرو بن الحارث. وثقه ابن حبان وقال ابن القطان لا نعرف حاله وقال الحافظ في التقريب هو مقبول (قوله قبيصة بن وقاص) السلمى الصحابى عداده في أهل البصرة، روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حديث الباب فقط، وعنه صالح بن عبيد، روى له أبو داود (معنى الحديث) (قوله يكون عليكم) وفى نسخة تكون عليكم (قوله فهى لكم الخ) أى ثواب الصلاة المؤخرة عن أول الوقت حاصل لكم كصلاتكم أول الوقت لأن تأخيركم تبع لهم وأوزار تأخيرهم الصلاة عليهم لتقصيرهم عن أدائها في وقتها المختار (قوله ما صلوا القبلة) أى مدّة صلاتهم نحو القبلة فما مصدرية والقبلة منصوب على نزعَ الخافض والمراد منه إظهار الطاعة والامتثال للولاة فيما وافق الحق وجواز الصلاة خلفهم وإن كانوا جائرين ما داموا على الإسلام "فقد" روى الدارقطنى بإسناده إلى أبى هريرة مرفوعا سيليكم بعدى ولاة فاسمعوا لهم وأطيعوا فيما وافق الحق وصلوا وراءهم فإن أحسنوا فلهم وإن أساءوا فعليهم فإن خرجوا عن الإسلام فلا يطاعون (واستفيد) من الحديث جواز الصلاة خلف الفاجر إذا كان من الأمراء وورد عن بعض السلف أنهم كانوا يصلون في بيوتهم في الوقت ثم يعيدون مع أمراء الجور وعن بعضهم أنهم كانوا لا يعيدون الصلاة معهم قال النخعى كان عبد الله يصلى معهم إذا أخروا عن الوقت قليلا ويرى أن مأثم ذلك عليهم، وروى ابن ماجه بسند صحيح عن ابن مسعود قال قال

стр. 1041

صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ستدركون أقواما يصلون الصلاة لغير وقتها فإن أدركتموهم فصلوا في بيوتكم الذى تعرفون ثم صلوا معهم واجعلوها سبحة (فقه الحديث) والحديث يدلّ زيادة على ما تقدم على أن الطائع له ثواب طاعته والمخالف عليه وبال مخالفته، ويدلّ بمفهومه على أن الكافر لا يطاع (باب فيمن نام عن صلاة أو نسيها) أى في بيان حكم من نام عن الصلاة أو نسيها، وفي بعض النسخ باب ما جاء فيمن نام عن صلاة أو نسيها (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ حِينَ قَفَلَ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ فَسَارَ لَيْلَةً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَنَا الْكَرَى عَرَّسَ، وَقَال لِبِلَالٍ: «اكْلَأْ لَنَا اللَّيْلَ» قَالَ: فَغَلَبَتْ بِلَالًا عَيْنَاهُ، وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ فَلَمْ يَسْتَيْقِظِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا بِلَالٌ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أَوَّلَهُمُ اسْتِيقَاظًا، فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «يَا بِلَالُ»، فَقَالَ: أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبِي أَنْتَ وَأُمِّي فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ شَيْئًا ثُمَّ تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ لَهُمُ الصَّلَاةَ وَصَلَّى لَهُمُ الصُّبْحَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ، قَالَ: " مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: «أَقِمِ الصَّلَاةَ لِلذِّكْرَى»، قَالَ يُونُسُ: وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ، قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ عَنْبَسَةُ: يَعْنِي عَنْ يُونُسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ «لِذِكْرِي»، قَالَ أَحْمَدُ: الْكَرَى النُّعَاسُ. (ش) (قوله يونس) بن يزيد. و (ابن المسيب) هو سعيد (قوله حين قفل من غزوة خيبر) أى رجع منها إلى المدينة وهكذا رواية مسلم بذكر غزوة خيبر وهو الصواب كما قا له الباجى

стр. 1042

وابن عبد البرّ والنووى (قال) القاضى عياض وهو قول أهل السير وهو الصحيح اهـ خلافا للأصيلى القائل إن ذلك كان في غزوة حنين وكانت تلك الغزوة في المحرم سنة سبع من الهجرة (قوله حتى إذا أدركنا الكرى عرّس) غاية للسير وفي رواية الطبراني عن ابن عمر حتى إذا كان مع السحر. والكرى بفتح الكاف النعاس كما ذكر أحمد بن صالح. وقيل النوم. وقيل أن يكون الإنسان بين النوم واليقظة، وعرّس من التعريس وهو نزول المسافر آخر الليل للنوم والاستراحة كما قاله الخليل والجمهور. وقال أبو زيد هو النزول أىّ وقت كان من ليل أو نهار. وفى البخارى إنهم الذين سألوا التعريس فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أخاف أن تناموا فقال بلال أنا أوقظكم فأخذ لهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ابتداء بالأحوط فلما رأى حاجتهم أباح لهم النزول (قوله اكلأ لنا الليل) أى ارقب لنا آخره واحفظه لإدراك صلاة الصبح. ولعله خصّ بلالا بذلك لأنه كان المؤذن فكان أعرف بالوقت (قوله فغلبت بلالا عيناه) أى غلبه النوم فالمراد بالعينين النوم وعبر بهما عنه لأنه يظهر فيهما فهو مجاز مرسل علاقته المحلية. وفى رواية مسلم قال يا بلال اكلأ لنا الليل فصلى ما قدّر له ونام رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأصحابه فلما تقارب الفجر استند بلال الى راحلته مواجه الفجر فغلبت بلا لا عيناه (قوله وهو مستند إلى راحلته) الجملة حالية تفيد اضطجاع بلال عند غلبة النوم عليه وعدم تفريطه في الحراسة. والراحلة المركب من الإبل ذكرا كان أو أنثى وبعضهم خصها بالأنثى (قوله حتى ضربتهم الشمس) أى أصابهم حرّها وهو غاية لعدم استيقاظهم "فإن قيل" يعارضه قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تنام عيناى ولا ينام قلبي "أجيب" بأن معناه لا يستغرقه النوم حتى يكون منه الحدث أو أنه أخبر أن عينيه تنامان وهما اللتان نامتا لأن طلوع الفجر يدرك بالعين لا بالقلب وهذا أحسن "وما قيل" من أن معناه لا ينام قلبه في أكثر الزمن وقد ينام نادرا "ضعيف أو باطل" لأنه لا يناسب مقام النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (قوله فكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أولهم استيقاظا) وفي رواية مسلم عن عمران بن حصين قال كنت مع نبى الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في مسير له فأدلجنا ليلتنا حتى إذا كان في وجه الصبح عرّسنا فغلبتنا أعيننا حتى بزغت الشمس فكان أول من استيقظ منا أبو بكر وكنا لا نوقظ نبى الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من منامه إذا نام حتى يستيقظ ثم استيقظ عمر فقام عند نبي الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فجعل يكبر ويرفع صوته بالتكبير حتى استيقظ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. ولا تنافى بينهما لتعدّد القصة كما ذهب إليه القاضى عياض وابن حجر "ففى" الصحيحين عن عمران وأبي قتادة كنا في سفر بدون تعيين. وفي مسلم عن ابن مسعود أقبل صلى الله تعالى

стр. 1043

عليه وعلى آله وسلم من الحديبية ليلا. وفي البيهقى عن عقبة بن عامر والطبراني عن ابن عمر بطريق تبوك. ويؤيده أيضا ما في هذه الرواية من أن الذى أمر بالحفظ بلال. وفى رواية الطبرانى أن الذى أمر بالحفظ ذو مخبر. وفى صحيح ابن حبان أن الذى كلأ عبد الله بن مسعود قال الحافظ فهذا كله يدل على تعدد القصة اهـ وهو يردّ ما قاله الأصيلى من أن القصة واحدة (قوله ففزع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم) أى هبّ وانتبه مذعورا لما رأى من فوات الوقت "وما قاله" الأصيلى من أن فزعه كان لأجل المشركين الذين رجع من غزوهم لئلا يتبعوه ويطلبوا أثره فيجدوه وجميع أصحابه نياما "غير مسلم" لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يتبعه عدوّ حين انصرف من خيبر وحنين ولا ذكر ذلك أحد من أهل المغازى بل انصرف منهما ظافرا (قوله يا بلال) أى لم نمت حتى خرج وقت الصلاة. وفى رواية ابن إسحاق ماذا صنعت بنا يا بلال وفى حديث أبى قتادة قال النبى ﵌ يا بلال أين ما قلت قال ما ألقيت على نومة مثلها قط، وإنما قال له ﵌ ذلك تنبيها له على اجتناب الدّعوى والثقة بالنفس وحسن الظن بها ولا سيما في مظانّ الغلبة وسلب الاختيار فإن بلالا قد ألزم نفسه بحفظ الوقت بقوله أنا أوقظكم كما تقدم في رواية البخارى (قوله أخذ بنفسى الذى أخذ بنفسك) أى قبض نفسى الذى قبض نفسك وهو اعتذار من بلال حيث لم يقم بما أمر به. ومراده أن الله استولى علىّ بقدرته كما استولى عليك مع منزلتك (واختلف) هل النفس والروح شئ واحد وهو التحقيق أم شيئان "فعلى" الأول تعرّف النفس بأنها جسم لطيف مشتبك بالأجسام الكثيفة اشتباك الماء بالعود الأخضر على هيئة جسد صاحبها، وعلى الثانى تعرّف بأنها جسم لطيف مودع في الجسم محلا للأخلاق المذمومة كما أن الروح محلّ للأخلاق المحمودة (واختلف) أيضا هل في الإنسان روح واحدة والتعدّد باعتبار أوصافها وهو الراجح أم روحان أحدهما روح اليقظة التى أجرى الله تعالى العادة بأنها إذا كانت في الجسد كان الإنسان متيقظا فإذا خرجت منه نام ورأت المنامات والأخرى روح الحياة التي أجرى الله تعالى العادة بأنها إذا كانت في الجسد كان حيا فإذا فارقته مات (قوله بأبى أنت وأمى) الجار متعلق بمحذوف خبر أى أنت مفدى بأبى وأمى أو متعلق بفعل محذوف أى فديتك بأبى وأمى وحذف المتعلق تخفيفا لكثرة الاستعمال (قوله فاقتادوا رواحلهم) أى قادوها وساقوها شيئا يسيرا من الزمن أو اقتيادا قليلا بعد أن أمرهم النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بذلك ففى الرواية الآتية تحولوا عن مكانكم الذى أصابتكم فيه الغفلة. وفى رواية لمسلم ليأخذ كل رجل برأس راحلته فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان "وقول بعضهم" إنما أمر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالاقتياد لأنه انتبه حين طلوع الشمس والصلاة منهىّ عنها وفي هذا الوقت فأمر بالاقتياد حتى ترتفع الشمس "يردّه" قوله في الحديث حتى ضربتهم الشمس

стр. 1044

فإنه يدلّ على أنها قد ارتفعت كثيرا فكيف يكون انتقالهم لارتفاعها. ويرده أيضا قوله في حديث عمران بن حصين فما أيقظنا إلا حرّ الشمس ولا يكون ذلك إلا بعد ارتفاعها. ومما يبين فساد هذا التأويل قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن هذا واد به شيطان فجعل ذلك علة في خروجهم عن الوادى واقتيادهم رواحلهم شيئا ولو كان طلوع الشمس مانعا من الصلاة وموجبا للاقتياد لعلل به (قوله فأقام لهم الصلاة) فيه دلالة على أن الفائتة يقام لها وليس لها أذان وبه أخذ مالك والشافعى في الجديد والأوزاعي مستدلين أيضا بما رواه الشافعى وأحمد عن أبى سعيد الخدرى قال حبسنا يوم الخندق حتى ذهب هويّ من الليل فدعا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بلالا فأقام الظهر فصلاها كما كان يصلى في وقتها ثم أقام العصر فصلاها كذلك ثم أقام المغرب فصلاها كذلك ثم أقام العشاء فصلاها كذلك. وقالوا إن الأذان إنما هو إعلام بدخول الوقت ودعاء للناس إلى الجماعة ووقت القضاء ليس وقت إعلام بدخول الوقت ولا دعاء للجماعة ولأن في الأذان في غير أوقات الصلاة تخليطا على الناس وإذا اختصّ بأوقات الصلاة لم يكن مشروعا في الفوائت لأنها لا تختصّ بوقت كالنوافل "وما ورد" في بعض الروايات من أنه أذن فهو محمول على الإعلام بالصلاة لا الألفاظ المخصوصة في الإعلام بدخول الوقت (وذهب) أبو حنيفة وأحمد وأبو ثور والشافعى في القديم وعليه عمل أصحابه إلى أنه يؤذن للفائتة ويقام لها مستدلين بما في الصحيحين في هذه القصة من قوله ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ركعتين ثم صلى صلاة الغدوة فصنع كما كان يصنع كل يوم. وقالوا إن قوله في الحديث ثم صلى ركعتين الخ يفيد أن المراد بالأذان حقيقته لا الإقامة. واستدلوا أيضا بما سيأتى عن عمران بن حصين وعمرو بن أمية من أنه جمع بين الأذان والإقامة (وأجابوا) عن حديث الباب ونحوه مما لم يذكر فيه الأذان بأنه أقام الصلاة بعد أن أذن. أو أنه ترك الأذان لبيان الجواز. وعن حديث الخندق بأنه لا يعارض الأحاديث التى جمع فيها بين الأذان والإقامة لأنها أصح منه ومتأخرة عنه. على أنه قد جاء في بعض الروايات في قصة الخندق أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمر بلالا فأذن ثم أقام (أقول) دعوى أن الأذان حقّ للوقت ودعاء للناس إلى الجماعة غير مسلمة فقد نص الكتاب على أن الأذان للصلاة قال الله تعالى "إذا نودى للصلاة" وقال تعالى "وإذا ناديتم إلى الصلاة" ولذا أمر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالأذان للفائتة كما تقدم وقد أمر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم المنفرد بالأذان "فعن" عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أن أبا سعيد الخدرى قال له إنى أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك أو باديتك فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جنّ ولا إنس ولا شيء إلا يشهد له يوم القيامة قال أبو سعيد سمعته من

стр. 1045

رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رواه أحمد والبخاري والنسائى وابن ماجه ومالك في الموطأ والشافعى "وقولهم" إن في الأذان للفائتة تخليطا "مردود" بأنه إنما يؤذن لها على وجه لا يشوش "وحملهم" الأذان الوارد في الأحاديث على مجرد الإعلام ولو بالإقامة "لا دليل عليه" ولا سيما وقد صرّح في الأحاديث بالجمع بين الأذان والإقامة (وذهب) سفيان الثورى إلى أنه لا يؤذن ولا يقام للفائتة "وهو مردود" بما تقدم من الأحاديث (واختلف من قال) بالأذان للفائتة إذا تعدّدت (فذهبت) الشافعية ومحمد من الحنفية إلى أنه يؤذن ويقام للأولى فقط ويقام وكل صلاة من البقية (وقال) أبو حنيفة يخير في الباقى إن شاء أذن وأقام وإن شاء اقتصر على الإقامة (قوله من نسي صلاة) أى أو نام عنها كما ذكر في ترجمة الباب وقد صرّح به في رواية الترمذى عن أبى قتادة ورواية لمسلم عن أنس. واكتفى بالنسيان عن النوم هنا لأنه مثله. بجامع عدم الشعور وعدم التقصير في كلّ (قوله فليصلها إذا ذكرها) أى وقت تذكره لها (وفيه دلالة) على وجوب قضاء الفائتة على الناسى والنائم فورا وإليه ذهب الهادى والمؤيد بالله والناصر وأبو حنيفة وأبو يوسف والمزنى والكرخى مستدلين بأحاديث الباب وبما رواه النسائى والترمذى وصححه وسيأتى للمصنف عن أبى قتادة قال ذكروا للنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نومهم عن الصلاة فقال إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها. وبما رواه مسلم عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله تعالى يقول "أقم الصلاة لذكرى" (وذهب) القاسم ومالك والشافعى إلى أنه يجب القضاء على التراخى (مستدلين) بما في حديث الباب وغيره من أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمرهم بالارتحال من المكان الذى أصابهم فيه النوم عن الصلاة. وقالوا إن الأمر في قوله فليصلها إذا ذكرها محمول على الاستحباب. وقالوا أيضا إن وقت التذكر متسع فإنه لو تذكرها ودام ذلك التذكر مدّة وصلى أثناء تلك المدّة صدق عليه أنه صلاها حين التذكر وليس بلازم أن يكون أوّل حال التذكر وقالوا أيضا إن الجزاء لا يلزم أن يترتب على الشرط في الحال بل يترتب عليه في الجملة (وفى الحديث) دلالة أيضا على وجوب القضاء على من فاتته الصلاة عامدا وإلى ذلك ذهب الجمهور وقالوا إن التقييد في الأحاديث بالنسيان أو النوم لا للاحتراز بل من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى لأنه إذا وجب القضاء على الناسى والنائم مع سقوط الإثم عنهما فيجب على العامد بالأولى (وذهب) جماعة من الصحابة منهم عمر وابنه عبد الله وسعد بن أبى وقاص وابن مسعود وسلمان إلى عدم وجوب القضاء على العامد وهو رواية عن القاسم والناصر وبه قال داود وعمر بن عبد العزيز وسالم بن أبى الجعد ومحمد بن سيرين ومطرّف بن عبد الله أخذا بمفهوم قوله من نسى

стр. 1046

لأن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط فيلزم منه أن من لم ينس لا يصلى (وردّ) بأن قوله من نسى يدل بفحوى الخطاب وقياس الأولى على وجوب القضاء على من تعمد ترك الصلاة. فهو مفهوم موافقة لا مفهوم مخالفة كما ادّعوا فهو نظير تحريم ضرب الوالدين بحرمة التأفيف المنصوص عليها بقوله تعالى "ولا تقل لهما أفّ" وقد اتفقت الأئمة على أن هذا من فحوى الخطاب فإن كل واحد يفهم بمجرّد سماع قوله تعالى "ولا تقل لهما أف" لا تضربهما ولا تشتمهما ولا تؤذهما بأيّ نوع من أنواع الإيذاء. وعلى فرض أنه مفهوم مخالفة فإنما يعمل به إذا لم يكن الشرط خرّج على الغالب كما هنا أو لم يكن ورد على سبب خاصّ كأن يكون جوابا لمن سأل عن فضاء الصلاة المنسية (قال) الشوكانى لم أقف مع البحث الشديد للموجبين للقضاء على العامد على دليل ينفق في سوق المناظرة ويصلح للتعويل عليه في مثل هذا الأصل العظيم إلا حديث "فدين الله أحقّ أن يقضى" باعتبار ما يقتضيه اسم الجنس المضاف من العموم ولكنهم لم يرفعوا إليه رأسا. وأنهض ما جاءوا به في هذا المقام قولهم إن الأحاديث الواردة بوجوب القضاء على الناسى يستفاد من مفهوم خطابها وجوب القضاء على العامد لأنها من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى فتدلّ بفحوى الخطاب وقياس الأولى على المطلوب. وهذا مردود لأن القائل بأن العامد لا يقضى لم يرد أنه أخص حالا من الناسى بل صرّح بأن المانع من وجوب القضاء على العامد أنه لا يسقط الإثم عنه فلا فائدة فيه فيكون إثباته مع عدم النصّ عبثا بخلاف الناسى والنائم فقد أمرهما الشارع بذلك وصرّح بأن القضاء كفارة لهما ولا كفارة لهما سواه. ومن جملة حججهم أن قوله في الحديث لا كفارة لها إلا ذلك يدلّ على أن العامد مراد بالحديث لأن النائم والناسى لا إثم عليهما قالوا فالمراد بالناسى التارك سواء أكان عن ذهول أم لا ومنه قوله تعالى "نسوا الله فنسيهم" وقوله تعالى "نسوا الله فأنساهم أنفسهم" ولا يخفى عليك أن هذا يستلزم عدم وجوب القضاء على الناسى والنائم لعدم الإثم الذى جعلوا الكفارة منوطة به والأحاديث الصحيحة قد صرّحت بوجوب ذلك عليهما. وقد استضعف الحافظ في الفتح هذا الاستدلال وقال الكفارة قد تكون عن الخطأ كما تكون عن العمد. على أنه قد قيل إن المراد بالكفارة هي الإتيان بها تنبيها على أنه لا يكفى مجرّد التوبة والاستغفار من دون فعل لها. وقد أنصف ابن دقيق العيد فردّ جميع ما تشبثوا به والمحتاج إلى إمعان النظر ما ذكرنا لك سابقا من عموم حديث "فدين الله أحقّ أن يقضى" لا سيما على قول من قال إن وجوب القضاء بدليل هو الخطاب الأول الدالّ على وجوب الأداء فليس عنده في وجوب القضاء على العامد فيما نحن بصدده تردّد لأنه يقول المتعمد للترك قد خوطب بالصلاة ووجب عليه تأديتها فصارت دينا عليه والدين لا يسقط إلا بأدائه أو قضائه اهـ كلام الشوكاني (أقول) قد ثبت في حق تارك الصلاة أمران (أحدهما) ثبوت الإثم على تركها عمدا. والإثم

стр. 1047

سواء أكان صغيرا أم كبيرا يرتفع بالتوبة وهي لا تتحقق إلا بقضاء ما عليه، ولا نزاع في أن تارك الصلاة عمدا إذا قضاها لا يسقط عنه إثم التأخير. ولا يلزم من عدم سقوطه أنه لا فائدة في القضاء فقد سقط به الطلب الثابت بطريق الأولى من أمر الناسى والنائم بالقضاء ومن عموم حديث "فدين الله أحقّ أن يقضى" ومنه تعلم ردّ قول الشوكاني إن قضاء العامد لا فائدة فيه فيكون إثباته مع عدم النصّ عبثا، على أن قول الشوكانى قد أنصف ابن دقيق العيد فردّ جميع ما تشبثوا به الخ يشعر بأنه قد رجع عما ذهب إليه من عدم وجوب القضاء على تارك الصلاة عمدا (الثانى) شغل ذمة التارك بوجوب الصلاة عليه إذا دخل وقتها وبراءة ذمته تكون إما بالأداء ولم يوجد في وقتها وإما بالعجز ولم يتحقق فإنه قادر على أصل العبادة وإن عجز عن إدراك فضيلة الوقت لخروجه وإما بإسقاط صاحب الحق لحقه وهذا لم يوجد لا صراحة ولا ضمنا إنما الذى وجد خروج الوقت وهو لا يصلح مسقطا لما تقرّر في ذمته أوّلا. ولما لم توجد براءة الذمة. بأىّ نوع من تلك الأنواع كان ما ترتب في ذمته باقيا يطلب منه أداؤه فيجب الإتيان به لأجل براءة الذمة فلو لم يصح إتيان القضاء من العامد لكان طلب الشارع منه طلبا للمحال (وما تقدم) في باب وقت صلاة العصر من أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأصحابه شغلوا يوم الخندق عن صلاة العصر فلم يصلوها إلا بعد المغرب كما في رواية مسلم. وفي رواية الترمذى والنسائى عن ابن مسعود أنهم شغلوا عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله. وما ثبت من أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمر مناديا بعد غزوة الخندق أن ينادى لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فأدركتهم صلاة العصر في الطريق فصلاها قوم وامتنع آخرون فلم يصلوها إلا في بني قريظة ليلا آخذين بظاهر اللفظ فلم يعنف النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أحدا منهم (لا دليل فيهما) للجمهور على وجوب قضاء الصلاة على من تركها عامدا لأن تأخير الصلاة يوم الخندق كان لاشتغالهم بالعدوّ ولم تكن شرعت صلاة الخوف فقد روى أحمد والنسائى عن أبى سعيد أنهم شغلوه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن الظهر والعصر والمغرب وصلوا بعد هوى من الليل وذلك قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف "فرجالا أو ركبانا" ومن أخرها يوم بني قريظة فهو متأوّل آخذ بظاهر اللفظ فهو في حكم الناسى (قال) القاضى عياض لم يختلف في أن الناسى يقضى. وشذّ بعض الناس وقال لا يقضى ما كثر كالستّ ولعله لمشقة قضاء الكثير كوجه الفرق في أن الحائض تقضى الصوم ولا تقضى الصلاة لمشقتها لتكرّرها. وكذلك لم يختلف في أن المتعمد يقضى (وحكى) عن مالك أنه لا يقضى ولا يصحّ عنه ولا عن أحد ممن ينتسب إلى العلم إلا عن داود وأبى عبد الرحمن الشافعى ولا حجة لهما في الحديث لأنا إن لم نقل بدليل الخطاب فواضح وإن قلنا به فالحديث ليس منه بل من التنبيه بالأدنى على

стр. 1048

الأعلى لأنه إذا قضى الناسى مع عدم الإثم فأحرى المتعمد فالخلاف في قضاء المتعمد كالخلاف في الكفارة في قتل العمد. وينبنى الخلاف في الآية وفى الحديث على الخلاف هل هما من دليل الخطاب أو مفهومه (وأخذ) بعضهم قضاء العامد من الحديث من قوله فليصلها إذا ذكرها لأنه بغفلته عنها بجهله وعمده كالناسى ومتى ذكر تركه لها لزمه قضاؤها ومن قوله لا كفارة لها إلا ذلك لأن الكفارة إنما هي مع الذنب والذنب إنما يكون في العمد اهـ من الأبىّ شرح مسلم (قوله أقم الصلاة للذكرى) بلامين وفتح الراء بعدها ألف مقصورة أى لذكراها (قال) القاضى عياض فيه أن شرع من قبلنا شرع لنا لأن الحكم أخذ من الآية وهي إنما خوطب بها موسى ﵊ اهـ (قال) الأبىّ ليس فيه ذلك لأن ذلك إنما يكون في احتجاج غير المشرّع به أما المشرّع فاحتجاجه به إدخال له في شريعته اهـ (قوله قال يونس وكان ابن شهاب الخ) أىَ قال يونس بن يزيد وكان محمد بن شهاب الزهرى يقرؤها في تلاوته للقرآن للذكرى كما في الرواية وهي قراءة شاذة أو أن المراد كان يقرؤها في روايته للحديث (قوله قال أحمد الخ) أى قال أحمد بن صالح قال عنبسة بن خالد عن يونس بن يزيد أقم الصلاة لذكرى بلام واحدة وكسر الراء وهى القراءة المشهورة وهي رواية للبخارى ومسلم وابن ماجه أى لتذكرني فيها بلا رياء فهو من إضافة المصدر لمفعوله وقيل إنه مضاف للفاعل والمعنى لأذكرك بالثاء أو لأني ذكرتها في الكتاب وأمرت بها، وفى بعض النسخ للذكرى ولعلها خطأ من النساخ. والغرض من هذا بيان تعدّد الطرق عن يونس (فقه الحديث) دلّ الحديث على مشروعية النوم وأخذ الراحة عند الجاجة، وعلى طلب اتخاذ الحارس للأمور المهمة، وعلى أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تجوز عليه الأعراض البشرية التي لا نقص فيها، وعلى مشروعية قبول عذر من لم يف بما وعد به لعذر طرأ عليه، وعلى مشروعية التحوّل عن المكان الذى يظنّ أنه مأوى للشيطان، وعلى طلب قضاء الصلاة الفائتة، وعلى مشروعية الإقامة لها، وعلى مشروعية الجماعة فيها، وعلى أنه يطلب من ذوى العلم أن يعلموا غيرهم أحكام الدين، وعلى أن وقت صلاة الفائتة وقت ذكرها (من روى الحديث أيضا) رواه مسلم وابن ماجه والبيهقى (ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا أَبَانُ، نَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فِي هَذَا الْخَبَرِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَحَوَّلُوا عَنْ مَكَانِكُمُ الَّذِي أَصَابَتْكُمْ فِيهِ الْغَفْلَةُ»، قَالَ فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ وَصَلَّى،

стр. 1049

(ش) غرض المصنف بسياق هذا بيان أن الزهرى قد اختلف عليه في رواية الحديث فرواه عنه يونس ولم يذكر فيه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمر بلالا بالأذان عند الصلاة إنما الذى فيه أنه أمره بالإقامة وتقدم بيانه. ورواه معمر عن الزهرى بذكر الأذان والإقامة. وقد أخرج البيهقي رواية معمر عن الزهرى عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال عرّس بنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مرجعه من خيبر قال من يحفظ علينا الصلاة فقال بلال أنا فناموا حتى طلعت الشمس فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تحوّلوا عن مكانكم الذى أصابتكم فيه الغفلة فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يا بلال نمت فقال أخذ بنفسى الذى أخذ بأنفاسكم فأمر بلالا فأذن وأقام وقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من نسى صلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال "أقم الصلاة لذكرى" وقال والأذان في هذه القصة صحيح ثابت قد رواه غير أبى هريرة (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ مَالِكٌ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَابْنِ إِسْحَاقَ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمُ الْأَذَانَ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ هَذَا، وَلَمْ يُسْنِدْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا الْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبَانُ الْعَطَّارُ، عَنْ مَعْمَرٍ (ش) ساق المصنف هذه التعاليق (أولا) لتقوية رواية يونس بعدم ذكر الأذان فيها وللإشارة إلى أن زيادة الأذان في حديث أبى هريرة ضعيفة لأنها لم ترو عن الزهرى إلا من طريق أبان عن معمر. لكن يعضدها ما سيأتى للمصنف عن عمران بن حصين وأبى قتادة وفيه ذكر الأذان. والزيادة إذا صحت لزم قبولها والعمل بها (وثانيا) أنه قد اختلف على الزهرى في رفع الحديث فرواه مالك في الموطأ وسفيان بن عيينة وعبد الرزاق بن همام مرسلا لم يذكروا فيه أبا هريرة. ورواه الأوزاعي وأبان ويونس متصلا بذكر أبى هريرة (قال) الزرقاني رواية الإرسال لا تضرّ في رواية من وصله لأن يونس من الثقات الحفاظ احتج به الأئمة وتابعه الأوزاعي وابن إسحاق في رواية ابن عبد البرّ اهـ ورواية مالك أخرجها في الموطأ عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حين قفل من خيبر أسرى حتى إذا كان من آخر الليل عرّس وقال لبلال اكلأ لنا الصبح ونام رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأصحابه وكلأ بلال ما قدّر له ثم استند إلى راحلته وهو مقابل الفجر فغلبته عيناه فلم يستيقظ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولا بلال ولا أحد من الركب حتى ضربتهم الشمس ففزع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال بلال يا رسول الله

стр. 1050

أخذ بنفسى الذى أخذ بنفسك فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اقتادوا فبعثوا رواحلهم واقتادوا شيئا ثم أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بلالا فأقام الصلاة فصلى بهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الصبح ثم قال حين قضى الصلاة من نسى الصلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله تعالى يقول في كتابه "أقم الصلاة لذكرى" اهـ ولم نقف على من أخرج بقية التعاليق (ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ الْأَنْصَارِيِّ، ثَنَا أَبُو قَتَادَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ كَانَ فِي سَفَرٍ لَهُ فَمَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ وَمِلْتُ مَعَهُ، قَالَ: «انْظُرْ»، فَقُلْتُ: هَذَا رَاكِبٌ، هَذَانِ رَاكِبَانِ، هَؤُلَاءِ ثَلَاثَةٌ، حَتَّى صِرْنَا سَبْعَةً، فَقَالَ: «احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلَاتَنَا» -يَعْنِي صَلَاةَ الْفَجْرِ- فَضُرِبَ عَلَى آذَانِهِمْ فَمَا أَيْقَظَهُمْ إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ فَقَامُوا فَسَارُوا هُنَيَّةً ثُمَّ نَزَلُوا فَتَوَضَّئُوا وَأَذَّنَ بِلَالٌ فَصَلَّوْا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، ثُمَّ صَلَّوُا الْفَجْرَ وَرَكِبُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: قَدْ فَرَّطْنَا فِي صَلَاتِنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «إِنَّهُ لَا تَفْرِيطَ فِي النَّوْمِ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ فَإِذَا سَهَا أَحَدُكُمْ عَنْ صَلَاةٍ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَذْكُرُهَا وَمِنَ الْغَدِ لِلْوَقْتِ» (ش) (رجال الحديث) (قوله حماد) بن سلمة (قوله عبد الله بن رباح) أبو خالد (الأنصارى) سكن البصرة. روى عن أبيّ بن كعب وعمار بن ياسر وأبى قتادة وأبى هريرة وعائشة وآخرين. وعنه ثابت البناني وقتادة وعاصم الأحول وأبو عمران الجونى وكثيرون وثقه النسائى وابن سعد وقال العجلى تابعى ثقة. روى له الجماعة إلا البخارى. و (أبو قتادة) هو الحارث بن ربعى (معنى الحديث) (قوله فمال) أى تحوّل عن الطريق (قوله فقال انظر) أى هل ترى أحدا من السائرين فإنهم كانوا متفرّقين في سيرهم "ففى" مسلم عن أبى قتادة قال خطبنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم وتأتون الماء إن شاء الله غدا فانطلق الناس لا يلوى أحد على أحد قال أبو قتادة فبينما رسول الله صلى الله تعالى عليه

стр. 1051

وعلى آله وسلم يسير حتى ابهارّ الليل وأنا إلى جنبه قال فنعس رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فمال عن راحلته فأتيته فدعمته من غير أن أوقظه حتى اعتدل على راحلته ثم سار حتى تهوّر الليل مال عن راحلته فدعمته من غير أن أوقظه حتى اعتدل على راحلته ثم سار حتى إذا كان من آخر السحر مال ميلة هي أشدّ من الميلتين الأوليين حتى كاد ينجفل فأتيته فدعمته فرفع رأسه فقال من هذا قلت أبو قتادة قال متى كان هذا مسيرك مني قلت مازال هذا مسيرى منذ الليلة قال حفظك الله بما حفظت به نبيه ثم قال هل ترانا نخفى على الناس ثم قال هل ترى من أحد قلت هذا راكب ثم قلت هذا راكب آخر حتى اجتمعنا فكنا سبعة ركب قال فمال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن الطريق ووضع رأسه ثم قال احفظوا علينا صلاتنا "الحديث" أى وقت صلاتنا (قوله فضرب على آذانهم) أى حجب الصوت والحسّ بسبب النوم عن أن يلج آذانهم فينتبهوا فكأنها قد ضرب عليها حجاب ومن هذا قوله تعالى "فضربنا على آذانهم في الكهف" (قوله فساروا هنية) أى قليلا من الزمن بأمره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ففى رواية مسلم قال اركبوا فركبوا فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس. وهنية تصغير هنة ويقال هنيهة أيضا (قوله فصلوا ركعتى الفجر) أى سنة الفجر (وبهذا استدل) أبو حنيفة وأبو يوسف على أن سنة الفجر إذا فاتت مع الفرض تقضى بعد طلوع الشمس قبل الفرض وقال أبو حنيفة إذا فاتت السنة وحدها فلا تقضى خلافا لمحمد فإنه يقيسها على ما إذا فاتت مع الفرض ولأبي حنيفة وأبى يوسف أيضا أن الأصل في السنن أن لا تقضى لكن سنة الفجر إذا فاتت مع الفرض خصت بهذا الحديث (وذهبت) الشافعية إلى أن سنة الفجر تقضى فاتت مع الفرض أو وحدها والأفضل أن تكون قبله وكذا بقية الرواتب (ولا تقضى) في المشهور عن مالك. وعند أصحابه تقضى مطلقا إلى الزوال فاتت مع الفرض أو وحدها ومشهور المذهب أنها تصلى بعد الفرض. وقال ابن زياد وأشهب تقضى قبله وسيأتى هذا مزيد إن شاء الله تعالى في باب قضاء ركعتى الفجر (قوله قد فرّطنا في صلاتنا) أى قصرنا في صلاتنا حيث أوقعناها في غير وقتها المحدّد لها (قوله لا تفريط في النوم الخ) أى لا تقصير فيه وإنما التقصير في اليقظة لوجود التقصير حالة التكليف. وفى رواية مسلم إنما التفريط على من لم يصلّ الصلاة حتى يجئ وقت الأخرى فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه وقوله لا تفريط في النوم دليل لمن قال إن النائم ليس مكلفا إنما القضاء بأمر جديد (قوله ومن الغد للوقت) أى وليصلّ أيضا من الغد في الوقت فظاهره أن الفائتة يصليها مرّة حين ذكرها ومرّة من الغد في وقتها. وبهذا قال بعضهم لكن حملوا الإعادة على الاستحباب. قال الخطابى لا أعلم أحدا من الفقهاء قال به وجوبا. ويشبه أن يكون الأمر به استحبابا ليحرز فضيلة الوقت في القضاء عند مصادقة الوقت اهـ (وقال) جمهور العلماء ليس هذا الظاهر مرادا ولم يقل

стр. 1052

أحد من السلف باستحباب إعادة الصلاة من الغد (قال) النووى معناه أنه إذا فاتته صلاة فقضاها لا يتغير وقتها ولا يتحوّل في المستقبل بل يبقى كما كان فإذا كان الغد صلى صلاة الغد في وقتها المعتاد ولا يتحول وليس معناه أنه يقضى الفائتة مرّتين مرة في الحال ومرّة في الغد وإنما معناه ما قدمناه فهذا هو الصواب اهـ ويؤيد ما ذهب إليه الجمهور قوله في الرواية الآتية لا كفارة لها إلا ذلك فإنه يستفاد من الحصر أنه لا يجب غير إعادتها. وما رواه الدارقطني عن عمران بن حصين وفيه أمر بلالا فأقام فصلى الغداة فقلنا يا نبي الله ألا نقضيها لوقتها من الغد فقال لهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أينهاكم الله عن الربا ويقبله منكم. وقد ترجم البخارى لحديث من نسى صلاة الخ فقال باب منى نسى صلاة فليصلها إذا ذكر ولا يعيد إلا تلك الصلاة. وقال إبراهيم النخعى من ترك صلاة واحدة عشرين سنة لم يعد إلا تلك الصلاة الواحدة (قال) الحافظ يحتمل أن يكون البخارى أشار بقوله ولا يعيد إلا تلك الصلاة إلى تضعيف ما وقع في بعض طرف حديث أبى قتادة عند مسلم في قصة النوم عن الصلاة حيث قال فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها فإن بعضهم زعم أن ظاهره إعادة الصلاة مرّتين عند ذكرها وعند حضور مثلها من الوقت الآتى ولكن اللفظ المذكور ليس نصا في ذلك لأنه يحتمل أن يريد بقوله فليصلها عند وقتها أى الصلاة التى تحضر لا أنه يريد أن يعيد التى صلاها بعد خروج وقتها ولم يقل أحد من السلف باستحباب ذلك، ويؤيد ذلك ما رواه النسائى من حديث عمران ابن حصين أيضا أنهم قالوا يا رسول الله ألا نقضيها لوقتها من الغد فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا ينهاكم الله عن الربا ويقبله منكم اهـ (فقه الحديث) دلّ الحديث زيادة على ما تقدم على مشروعية الأذان للفائتة وتقدم بيانه وعلى أن ركعتى الفجر تقضى، وعلى أن تأخير الصلاة بسبب النوم لا إثم فيه سواء أكان قبل دخول وقتها أم بعده قبل تضييقه. وقيل إنه إذا تعمد النوم قيل تضييق الوقت واتخذ ذلك ذريعة إلى ترك الصلاة بغلبة ظنه أنه لا يستيقط إلا وقد خرج الوقت كان آثما، لكن الظاهر أنه لا إثم عليه بالنظر إلى النوم لأنه فعله في وقت له فعله فيه فيشمله الحديث. وأما من نام بعد تضييق الوقت فلا شك انه آثم لتعلق الخطاب به والنوم مانع عن الامتثال والواجب إزالة المانع (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم بلفظ أتمّ تقدم بعضه وأخرج النسائى والترمذى وابن ماجه طرفا منه وقال الترمذى حديث حسن صحيح (ص) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، ثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ، ثَنَا خَالِدُ بْنُ

стр. 1053

سُمَيْرٍ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبَاحٍ الْأَنْصَارِيُّ، مِنَ الْمَدِينَةِ وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ تُفَقِّهُهُ، فَحَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ جَيْشَ الْأُمَرَاءِ -بِهَذِهِ الْقِصَّةِ- قَالَ: فَلَمْ تُوقِظْنَا إِلَّا الشَّمْسُ طَالِعَةً فَقُمْنَا وَهِلِينَ لِصَلَاتِنَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رُوَيْدًا رُوَيْدًا»، حَتَّى إِذَا تَعَالَتِ الشَّمْسُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَرْكَعُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فَلْيَرْكَعْهُمَا»، فَقَامَ مَنْ كَانَ يَرْكَعُهُمَا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ يَرْكَعُهُمَا فَرَكَعَهُمَا ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ أَنْ يُنَادَى بِالصَّلَاةِ فَنُودِيَ بِهَا فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فَصَلَّى بِنَا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «أَلَا إِنَّا نَحْمَدُ اللَّهَ أَنَّا لَمْ نَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا يَشْغَلُنَا عَنْ صَلَاتِنَا وَلَكِنَّ أَرْوَاحَنَا كَانَتْ بِيَدِ اللَّهِ فَأَرْسَلَهَا أَنَّى شَاءَ فَمَنْ أَدْرَكَ مِنْكُمْ صَلَاةَ الْغَدِ مِنْ غَدِهِ صَالِحًا فَلْيَقْضِ مَعَهَا مِثْلَهَا». (ش) (رجال الحديث) (قوله على بن نصر) بن عليّ بن نصر بن عليّ بن صهبان أبو الحسن الأزدى الجهضمى البصرى الصغير. روى عن وهب بن جرير وأبى داود الطيالسى وعبد الصمد بن عبد الوارث وعبد الله بن داود وكثيرين. وعنه أبو زرعة وأبو حاتم ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائى وآخرون، وثقة أبو حاتم وأطنب في الثناء عليه وقال صالح بن محمد ثقة صدوق وقال الترمذى كان حافظا صاحب حديث ووثقه النسائى وابن حبان. مات سنة خمسين ومائتين (قوله الأسود بن شيبان) السدوسى أبو شيبان البصرى مولى أنس بن مالك روى عن الحسن البصرى ويزيد بن عبد الله وموسى بن أنس وخالد بن سمير وغيرهم. وعنه ابن المبارك وابن مهدى ووكيع ووهب بن جرير وآخرون، وثقه العجلى وأحمد والنسائى وابن معين وقال أبو حاتم صالح الحديث. روى له مسلم وأبو داود والنسائى وابن ماجه. مات سنة ستين ومائة (قوله خالد بن سمير) هكذا في جميع النسخ الموجودة بأيدينا بالسين المهملة

стр. 1054

مصغرا. وفى الخلاصة خالد بن شمير بالشين المعجمة مصغرا، السدوسى البصرى. روى عن عبد الله بن عمر وأنس بن مالك وبشير بن نهيك وعبد الله بن رباح وغيرهم. وعنه الأسود بن شيبان. قال العجلى بصرى ثقة ووثقه ابن حبان والنسائى. روى له أبو داود والنسائى وابن ماجه (معنى الحديث) (قوله وكانت الأنصار تفقهه) أى تعدّه فقيها (قوله بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم جيش الأمراء) هو جيش غزوة موتة بضم الميم وسكون الواو بغير همزة وحكى بالهمزة أيضا، وسميت بذلك لكثرة الأمراء فيها. وذكر جيش الأمراء في هذه الرواية غلط لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يكن مع الجيش في غزوة موتة بل كان بالمدينة. ويؤيده ما في البخارى في باب غزوة موتة من أرض الشام عن أنس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذ جعفر فأصيب ثم أخذ ابن رواحة فأصيب وعيناه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تذرفان حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله تعالى حتى فتح الله تعالى عليه. أو أن المراد به من كانوا في غزوة خيبر فإنه قد تولى على الجيش فيها أمراء كثيرة فإن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما نزل خيبر أخذته الشقيقة "وجع في الرأس" فلم يخرج للقتال وإن أبا بكر أخذ راية رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم نهض فقاتل قتالا شديدا ثم رجع فأخذها عمر فقاتل قتالا شديدا هو أشدّ من القتال الأول ثم رجع فأخبر بذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال أما والله لأعطينها غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يأخذها عنوة وليس ثمة عليّ فتطاولت لها قريش ورجا كل واحد منهم أن يكون صاحب ذلك فجاء عليّ على بعير له حتى أناخ قريبا من قباء رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو أرمد فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مالك قال رمدت بعد فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ادن منى فدنا منه فتفل في عينيه فما وجعهما قط ثم أعطاه الراية فنهض بها معه إلى آخر القصة فهذه الغزوة أيضا تستحق أن تسمى بجيش الأمراء لأنها تأمر فيها أميرا بعد أمير وهذا هو الموافق لسياق الحديث وليس المراد بجيش الأمراء غزوة موتة (قوله بهذه القصة) أى قصة نومهم عن صلاة الصبح التى ذكرها ثابت البنانى عن عبد الله بن رباح في الحديث السابق (قوله فقمنا وهلين الخ) أي فزعين لأجل فوات صلاتنا. ووهلين جمع وهل بفتح الواو وكسر الهاء صفة مشبهة من وهل يوهل إذا فزع من شيء يصيبه (قوله رويدا رويدا) أى أمهلوا إمهالا فهو اسم فعل وكرّر للتأكيد والمراد أخروا الصلاة حتى تنتقلوا من هذا المكان كما تقدم (قوله حتى إذا تعالت الشمس) أى ارتفعت وتكامل ظهورها. وفي نسخة تقالت بالقاف وتشديد اللام وهي بمعنى

стр. 1055

الأولى (قوله من كان منكم يركع ركعتي الفجر الخ) أى من كان يعتاد صلاة ركعتين سنة الفجر في السفر فليصلهما ومن لا فلا فخيرهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في ذلك من أجل السفر فقاموا جميعا فركعوهما بعد أمره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. ويحتمل أن المراد من كان منكم يصليهما قبل اليوم في الحضر فليصلها الآن فصلاهما بعد أمره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من كان من الصحابة يصليهما قبل ومن لم يكن يصليهما فدلّ على أن بعض الصحابة لم يكن يصلى ركعتى الفجر في الحضر. ولعله لم يبلغه ما ورد فيهما من الفضل فإنه يبعد على الصحابة أن يتركوا ما واظب عليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ورغب فيه فقد روى مسلم عن عائشة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يكن على شيء من النوافل أشدّ معاهدة منه على ركعتين قبل الصبح. وروى أيضا عنها أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها. أو لعل هذا خطأ من خالد بن سمير في أداء العبارة فإن حديث عبد الله ابن رباح عن أبى قتادة رواه ثابت البناني عن عبد الله بن رباح ولم يذكر من كان منكم يركع الخ كما تقدم وثابت البناني أحد الأئمة الأثبات، وإنما تفرّد به خالد بن سمير عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة فوهم فيه. على أن جماعة من الصحابة غير أبى قتادة رووا قصة النوم عن الصلاة مفصلة ومجملة منهم الله بن مسعود وبلال وأبو هريرة وعمران بن حصين وعمرو بن أمية الضمرى وأنس وابن عباس وعبد الله بن عمر وأبو أمامة ولم يذكر أحد منهم في حديثه هذه العبارة وأحاديث هؤلاء مروية في الصحيحين وغيرهما ولم ينقل أحد من الصحابة أنهم كانوا مخيرين في أداء ركعتى الفجر (قوله أن ينادى بالصلاة) أى يقام لها لقوله فقام فصلى بنا ولأن النداء كان عقب صلاة سنة الفجر (قوله ألا إنا نحمد الله الخ) ألا بفتح الهمزة وتحفيف اللام حرف تنبيه تدلّ على تحقق ما بعدها أى نحمد الله على عدم كوننا في شيء من أمور الدنيا يلهينا عن صلاتنا ولكن أرواحنا بيد الله فأرسلها متى شاء فإنه يتوفى نفس النائم عند النوم ثم يرسلها عند اليقظة وقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لهم ذلك لما رأى من الصحابة عظم فوات وقت الصبح فسهل عليهم الأمر بهذا القول. والرّوح يذكر ويؤنث وهو جوهر لطيف مشتبك بالجسم اشتباك الماء بالعود الأخضر على هيئة جسد صاحبها كما تقدم "لا يقال" كيف تفسر الروح وقد قال تعالى حكاية عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "قل الروح من أمر ربى" "لأن السؤال" كان عنها من حيث قدمها وحدوثها وليس فيه ما ينافي جواز تفسيرها وأيضا أمر الروح كان مبهما في التوراة فقالت اليهود نسأله عن أصحاب الكهف وعن ذى القرنين وعن الروح فإن أجاب عنه أو سكت فليس بنبيّ وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبى فبين لهم القصتين وأبهم الروح حتى لا يطعنوا في نبوّته (قوله فليقض معها مثلها) أى يصلى مع صلاة الغداة الحاضرة فائتة
следующие страницы →