Полный текст (3 378 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
من ظلال الصيف في كل مكان. وكانت صلاة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بمكة والمدينة وهما من الإقليم الثانى. ويذكرون أن الظل فيهما في أول الصيف ثلاثة أقدام وشيء ويشبه أن تكون صلاته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا اشتدّ الحرّ متأخرة عن الوقت المعهود قبله فيكون الظل عند ذلك خمسة أقدام. وأما الظل في أول الشتاء فإنه يكون خمسة أقدام أو خمسة أقدام وشيئا وفي شدة الشتاء يكون الظل سبعة أقدام أو سبعة أقدام وشيئا فقول ابن مسعود ينزّل على هذا التقدير في ذلك الإقليم دون سائر الأقاليم والبلدان التى هى خارجية عن الإقليم الثانى اهـ بتصرّف (ويعرف) الزوال بزيادة ظل الشئ على ظله وقت الاستواء أو بحدوثه إن لم يبق وقته ظل. وإذا أردت معرفة ذلك فاغرز خشبة مستوية في أرض مستوية واجعل عند منتهى. ظلها علامة فما دام الظل ينقص فالشمس لم تزل ومتى وقف فهو وقت الاستواء وحينئذ فاجعل علامة على رأس الظل فما بين العلامة وأصل العود هو فئ الزوال. وإذا أخذ الظل في الزيادة علم أن الشمس زالت فإذا لم تجد ما تغرزه فاعتبر قامتك. وقامة كل إنسان سبعة أقدام بقدمه على المشهور (وعن) محمد بن الحسن أن علامة الزوال أن يستقبل القبلة فما دامت الشمس على حاجبه الأيسر فالشمس لم تزل وإن صارت على حاجبه الأيمن فقد زالت، وهذا إذا كان المشرق إلى يساره كمن بالمدينة أما إذا كان إلى يمينه كمن باليمين فبالعكس وإذا كان المشرق أمامه كمن بجدّة فمتى صارت الشمس على القفا فقد زالت وإذا كانت القبلة إلى الغرب كمن بنجد والعراق فمتى صارت الشمس على الوجه فقد زالت (وقد ذكر) السيوطى ضابطا لظل الاستواء في القطر المصرى مراعيا فيه الأشهر القبطية لعدم اختلافها من أول طوبة إلى كيهك ناظما ذلك بقوله
نظمتها بقولى المشروح ... حروفه طزه جبا أبدو حى
٥٧٩ ١٢٣ ١٠٨٦٤٢١
وهذه الحروف إشارة إلى عدد الأقدام التى يعرف بها الزوال في الشهور القبطية فالطاء إلى طوبة والزاى إلى أمشير والهاء إلى برمهات والجيم إلى برمودة والباء إلى بشنس والألفان إلى بؤنة وأبيب والباء إلى مسرى والدال إلى توت والواو إلى بابة والحاء إلى هاتور والياء إلى كيهك (ومن) أراد معرفة دخول وقت العصر يزيد سبعة أقدام على أقدام ظل الزوال. مثلا ظل الزوال في أول طوبة يكون تسعة أقدام فمتى بلغ الظل ستة عشر قدما فقد دخل وقت العصر، ولا بدّ أن يكون الواقف الذى يريد معرفة الظل واقفا على أرض مستوية مكشوف الرأس غير منتعل
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على أن الظل بالنظر لوقت الصلاة لا يلزم حالة واحدة بل يكون في الشتاء. أطول منه في الصيف، وعلى مشروعية ضبط أوقات الصلاة بقياس الظل بالقدم
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه النسائى والحاكم والبيهقي
стр. 982
(ص) حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، نَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ قَالَ: أَبُو دَاوُدَ أَبُو الْحَسَنِ هُوَ مُهَاجِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ الظُّهْرَ فَقَالَ: «أَبْرِدْ». ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ: «أَبْرِدْ» -مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا- حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله أبو الحسن هو مهاجر) التيمى مولى تيم الله الكوفى الصائغ روى عن البراء بن عازب وابن عباس وعمرو بن ميمون وزيد بن وهب وآخرين. وعنه الثورى وشعبة ومسعر وشريك وطائفة. ووقه ابن حبان وأحمد وابن معين والنسائى ويعقوب بن سفيان والعجلى وقال أبو حاتم لا بأس به. روى له البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائى
(معنى الحديث)
(قوله فأراد المؤذن الخ) هو بلال كما صرح به في بعض الروايات. وظاهر هذه الرواية ورواية للبخارى أن المؤذن لم يؤذن. وفى رواية للبخارى ومسلم أذن مؤذن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الظهر. ولا تنافى بينهما لأن قوله أذن أى أراد أن يؤذن أو شرع في الأذان فلما قيل له أبرد تركه
(قوله فقال أبرد الخ) أى أخر الأذان حتى ينكسر حرّ الظهيرة. وكرّرها مرتين أو ثلاثا بالشك فيها. وفي رواية للبخارى ذكر الثلاث بدون شك. وكرّر صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الأمر بالإبراد لتكرّر إرادة المؤذن الأذان مرّتين أو ثلاثا "فإن قيل" الإبراد للصلاة فكيف أمر المؤذن به للأذان "فالجواب" أنه لما جرت عادتهم أنهم لا يتخلفون عند سماع الأذان عن الحضور إلى الجماعة كان الإبراد بالأذان إبرادا بالصلاة. ويحتمل أن المراد بالأذان الإقامة ويؤيده رواية الترمذى عن أبى ذرّ أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان في سفر ومعه بلال فأراد أن يقيم فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أبرد ثم أراد أن يقيم فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أبرد في الظهر
(قوله حتى رأينا فيء التلول) هو غاية للإبراد أى قال له أبرد فأبرد إلى أن أبصرنا فيء التلول. والفيء بفتح الفاء وسكون المثناة التحتية ما بعد الزوال من الظلّ كما تقدّم. والتلول جمع تلّ وهو ما اجتمع على الأرض من نحو تراب أو رمل وهي في الغالب منبطحة غير شاخصة فلا يظهر لها الظلّ إلا إذا ذهب أكثر وقت الظهر (وقال) القاضى عياض التلول لا يظهر ظلها إلا بعد تمكن الظلّ واستطالته بخلاف الأشياء المنتصبة التي يظهر ظلها في أسفلها سريعا لاعتدال أسفلها
стр. 983
وأعلاها اهـ (واختلف) في غاية الإبراد فقيل حتى يصير الظلّ ذراعا بعد ظلّ الزوال. وقيل ربع قامة. وقيل ثلثها. وقيل نصفها (وقال) المازرى هي على اختلاف الأوقات والجارى على القواعد أنه يختلف باختلاف الأحوال لكن يشترط أن لا يمتدّ إلى آخر الوقت. أما ما وقع عند المصنف وكذا البخارى عن مسلم بن إبراهيم بلفظ حتى ساوى الظلّ التلول ظاهره يقتضى أنه أخرها إلى أن صار ظلّ كل شئ مثله فيحتمل أن يراد بهذه المساواة ظهور الظلّ بجنب التلّ بعد أن لم يكن ظاهرا فساواه في الظهور لا في المقدار. أو يقال كان ذلك في السفر فلعله أخرها حتى يجمعها مع العصر اهـ من الفتح
(قوله إن شدة الحرّ من فيح جهنم) تعليل لمشروعية التأخير المذكور. والحكمة فيه دفع المشقة لكونها قد تسلب الخشوع وهذا أظهر. أو أنها الحالة التي ينتشر فيها العذاب. ويؤيده حديث عمرو بن عبسة عند مسلم حيث قال له أقصر عن الصلاة عند استواء الشمس فإنها ساعة تسجر فيها جهنم "وقد استشكل" هذا بأن الصلاة سبب الرحمة ففعلها مظنة لطرد العذاب فكيف أمر بتركها "وأجاب" عنه أبو الفتح اليعمرى بأن التعليل إذا جاء من جهة الشارع وجب قبوله وإن لم يفهم معناه. واستنبط له الزين بن المنير معنى يناسبه فقال وقت ظهور أثر الغضب لا ينجع فيه الطلب إلا ممن أذن له فيه والصلاة لا تنفك عن كونها طلبا ودعاء فناسب الاقتصار عنها حينئذ وظاهره أن مثار وهج الحرّ من فيح جهنم حقيقة لما روى أن الله تعالى أذن لجهنم في نفسين نفس في الصيف ونفس في الشتاء. ويحتمل أن يكون على التشبيه والتقريب أى كأن شدّة الحرّ من نار جهنم فاحذروها واجتنبوا ضررها (قال) النووى الأول هو الصواب لأنه ظاهر الحديث ولا مانع من حمله على حقيقته
(قوله فأبردوا بالصلاة) أى أخروا أداءها عن وقت الهاجرة إلى حين برد النهار وانكسار شدّة الحرّ. ويحتمل أن المعنى ادخلوا الصلاة في وقت البرد. والمراد صلاة الظهر لأنها الصلاة التي يشتدّ فيها الحرّ غالبا (وقال) أشهب المراد بالصلاة الظهر والعصر. ولعلّ وجهه أن وقت هاتين الصلاتين مظنة اشتداد الحرّ دون غيرهما (وظاهر) الحديث يدلّ على وجوب الإبراد وبه قال بعضهم كما حكاه القاضى عياض (وذهب) الجمهور إلى أن الأمر فيه للندب وقيل للإرشاد. والقرينة الصارفة عن الوجوب أنه لما كانت الحكمة في الإبراد دفع المشقة عن المصلى كان ذلك من باب النفع له فلو كان الأمر للوجوب لكان حرجا وتضييقا عليه فيعود الأمر عليه بالمضرّة وهذا خلف (وخصّ) الجمهور ندبية الإبراد بشدّة الحرّ كما يشعر بذلك التعليل ولما رواه النسائى عن أنس قال كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا كان الحرّ أبرد بالصلاة وإذا كان البرد عجل (وظاهر) الأحاديث يدلّ على أنه لا فرق بين الجماعة والمنفرد في الإبراد بالصلاة (وإلى هذا) ذهب أحمد وإسحاق والكوفيون وابن المنذر (وقال) أكثر المالكية الأفضل للمنفرد التعجيل. لكن مقتضى التعليل الذى يتسبب عنه ذهاب
стр. 984
الخشوع أنه لا فرق بين المنفرد وغيره (وخصه) الشافعى بالبلد الحارّ لظاهر التعليل. وقيد الجماعة بما إذا كانوا يأتون المسجد من بعيد وإذا كانوا مجتمعين أو يمشون في ظل فالأفضل التعجيل لكن ظاهر الأحاديث عدم الفرق كما علمت (وذهب) الهادى والقاسم وغيرهما إلى أن تعجيل الظهر أفضل مطلقا متمسكين بما رواه مسلم وابن ماجه والمصنف عن جابر بن سمرة قال كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصلى الظهر إذا دحضت الشمس "أى زالت عن وسط السماء" وبأحاديث أفضلية الوقت كحديث أبى ذرّ قال سألت النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أىّ العمل أحبّ إلى الله تعالى قال الصلاة لوقتها "أى لأول وقتها" وبحديث خباب عند مسلم شكونا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حرّ الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا "أى لم يعذرنا" ولم يجبنا فيما سألنا زاد ابن المنذر والبيهقى وقال إذا زالت الشمس فصلوا (وتأولوا حديث) الإبراد بأن معنى أبردوا صلوا أول الوقت أخذا من برد النهار وهو أوله وهو تأويل بعيد لأن التعليل بشدّة الحرّ يردّه ما رواه البخارى عن أبى ذرّ قال أذن مؤذن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الظهر فقال أبرد أبرد أو قال انتظر انتظر وقال شدّة الحرّ من فيح جهنم حتى رأينا فيء التلول (ويجاب) عما تقدّم بأن الأحاديث الواردة في تعجيل الظهر وأفضلية أول الوقت عامة أو مطلقة وحديث الإبراد خاص أو مقيد ولا تعارض بين عام وخاص ولا بين مطلق ومقيد كما تقدم (ويجاب) أيضا عن حديث خباب بأنه كما قال الأثرم والطحاوى منسوخ (قال) الطحاوى يدلّ على نسخه حديث المغيرة كنا نصلى بالهاجرة فقال لنا أبردوا فبين أن الإبراد كان بعد التهجير. أو يحمل حديث خباب على أن القوم طلبوا تأخيرا زائدا على قدر الإبراد لأن الإبراد أن يؤخر بحيث يصير للحيطان فيء يمشون فيه ويتناقص الحرّ (وبعضهم) حمل حديث الإبراد على ما إذا صار الظل فيئا وحديث خباب على ما إذا كان الحصى لم يبرد لأنه لا يبرد حتى تصفرّ الشمس فلذلك رخص في الإبراد ولم يرخص في التأخير إلى خروج الوقت (وقال) النووى اختلف العلماء في الجمع بين هذين الحديثين فقال بعضهم الإبراد رخصة والتقديم أفضل واعتمدوا حديث خباب وحملوا حديث الإبراد على الترخيص والتخفيف في التأخير (وبهذا قال) بعض أصحابنا وغيرهم (وقال) جماعة حديث خباب منسوخ بأحاديث الإبراد (وقال) آخرون المختار استحباب الإبراد لأحاديثه. وأما حديث خباب فمحمول على أنهم طلبوا تأخيرا زائدا على قدر الإبراد لأن الإبراد أن يؤخر بحيث يحصل للحيطان فيء يمشون فيه ويتناقص الحرّ اهـ (وقال) في النيل وعلى فرض عدم إمكان الجمع فرواية الخلال عن المغيرة بلفظ كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الإبراد. وقد صحح أبو حاتم وأحمد حديث المغيرة وعدّه البخارى محفوظا من أعظم
стр. 985
الأدلة الدالة على النسخ كما قاله الأثرم والطحاوى. ولو سلمنا جهل التاريخ وعدم معرفة المتأخر لكانت أحاديث الإبراد أرجح لأنها في الصحيحين بل في جميع الأمهات بطرق متعدّدة وحديث خباب في مسلم فقط ولا شك أن المتفق عليه يقدّم وكذا ما جاء من طرق اهـ
(فقه الحديث) والحديث يدل على مشروعية تأخير الأذان لصلاة الظهر عن أول الوقت إذا اشتد الحرّ، وعلى أن من أمر بشئ يطلب منه أن يبين حكمته
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم والبيهقى والنسائى وابن ماجه والطبرانى في معجمه وأبو بكر بن أبى شيبة في مصنفه وأحمد والترمذى وقال حديث حسن صحيح
(ص) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ الْهَمْدَانِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ، أَنَّ اللَّيْثَ حَدَّثَهُمْ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ، فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ» قَالَ: ابْنُ مَوْهَبٍ: «بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ»
(ش) (قوله الليث) بن سعد. و (ابن شهاب) هو محمد بن مسلم الزهرى. و (أبو سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن
(قوله فأبردوا عن الصلاة) هذا لفط قتيبة أى أخروا الصلاة فهو على التضمين. وعن قيل زائدة أو بمعنى الباء أو للمجاوزة أى تجاوزوا وقتها المعتاد إلى أن تنكسر شدة الحرّ والمراد بالصلاة الظهر كما تقدم
(قوله قال ابن موهب بالصلاة) أى قال يزيد بن خالد ابن موهب في روايته أبردوا بالصلاة بباء الجرّ. وتقدم بيان الحديث مستوفى
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد والبخارى ومسلم والنسائى وابن ماجه والبيهقي والترمذى وقال حسن صحيح
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، «أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ الظُّهْرَ إِذَا دَحَضَتِ الشَّمْسُ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله حماد) بن سلمة
(قوله جابر بن سمرة) بن جنادة ويقال ابن عمرو بن جندب بن حجير السوائى أبى عبد الله له ولأبيه صحبة. روى له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ستة وأربعون ومائة حديث اتفق الشيخان على حديثين وانفرد مسلم بستة وعشرين. روى عن أبيه وسعد ان أبى وقاص وعمر وعلى وأبى أيوب وغيرهم. وعنه
стр. 986
عبد الملك بن عمير وعامر بن سعد بن أبى وقاص وتميم بن طرفة وعامر الشعبى وسماك بن حرب وآخرون. مات بالكوفة سنة اثنتين أو ثلاث وسبعين. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله إذا دحضت الشمس) أى زالت عن كبد السماء. وأصل الدحض الزلق يقال دحضت رجله أى زلت عن موضعها وأدحضت حجة فلان أى أزلتها وأبطلتها. وفى رواية مسلم كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصلي الظهر إذا دحضت الشمس (قال) النووى فيه دليل على استحباب تقديمها وبه قال الشافعى والجمهور (وقال) العيني لا دليل فيه على ذلك لأن الذى يبرد بها يصدق عليه أنه صلاها بعد أن دحضت الشمس اهـ فلا منافاة بين هذا الحديث والذى قبله
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد ومسلم وابن ماجه
(باب وقت العصر)
أى في بيان وقت صلاة النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم العصر. وفى بعض النسخ باب ما جاء في وقت العصر، وفى بعضها باب في وقت صلاة العصر
(ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ» وَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ.
(ش) (قوله والشمس بيضاء مرتفعة حية) المراد بحياتها شدّة حرّها
(قوله ويذهب الذاهب إلى العوالى) وفى رواية البخارى ثم يخرج إنسان إلى بنى عمرو بن عوف فيجدهم يصلون العصر. والعوالى هى القرى التى شرق المدينة أبعدها على ثمانية أميال من المدينة وأقربها على ميلين (قال) في الفتح العوالى عبارة عن القرى المجتمعة حول المدينة من جهة نجدها وأما ما كان من جهة تهامتها فيقال لها السافلة اهـ (وفى الحديث) دلالة على استحباب المبادرة بصلاة العصر أول وقتها لأنه لا يمكن أن يذهب الذاهب بعد صلاة العصر ميلين أو ثلاثا والشمس لم تتغير بصفرة إلا إذا صلى العصر حين صار ظل كل شئ مثله. ولا يكاد يحصل هذا إلا في الأيام الطويلة (وفيه) دليل أيضا لمذهب جمهور العلماء على أن وقت العصر يدخل إذا صار ظل الشيء مثله سوى فئ الزوال وبه قال أبو يوسف ومحمد والحسن وزفر والطحاوى وهو رواية الحسن عن أبى حنيفة وهو الأظهر المأخوذ به وبه يفتى ويدلّ عليه أخبار وآثار كثيرة (وقال) أبو حنيفة
стр. 987
في المشهور عنه لا يدخل وقت العصر حتى يصير الظل مثليه كما تقدم واستدلّ على ذلك بقول النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أبردوا بالظهر بمعنى صلوها إذا سكنت شدّة الحرّ واشتداد الحرّ في ديارهم يكون في وقت صيرورة ظل كل شيء مثله ولا يفتر الحرّ إلا بعد المثلين فإذا تعارضت الأخبار يبقى ما كان على ما كان ووقت الظهر ثابت بيقين فلا يزول بالشكّ ووقت العصر ما كان ثابتا فلا يدخل بالشك، وأما حديث ابن عباس وجابر وغيرهما فلا يدل على أن لا يكون ما وراء القامة وقتا للظهر ألا ترى أن جبريل ﵇ أمّ للفجر في اليوم الثانى حين أسفر والوقت يبقى بعده إلى طلوع الشمس وكذلك صلى العشاء حين ذهب ثلث الليل والوقت يبقى بعده إلى طلوع الفجر لكن قوله "إن شدّة الحرّ تكون في وقت صيرورة ظل كل شيء مثله ولا يفتر الحرّ إلا بعد المثلين "غير مسلم" لأن قول أبى ذرّ في روايته المتقدمة للمصنف حتى رأينا فيء التلول يدل على أن نهاية الإبراد مجرّد ظهور الظل لا بصيرورة ظل كل شيء مثله "وقوله" إن حديث ابن عباس ليس فيه ما يدل على أن ما وراء القامة ليس وقتا للظهر "مردود" بقول جبريل فيه والوقت ما بين هذين فإنه صريح في أن ما وراء القامة ليس وقتا للظهر "واستدلاله" بما رواه ابن ماجه وأبو داود عن على بن شيبان قال قدمنا على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم المدينة فكان يؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية. وبما رواه ابن أبى شيبة من حديث جابر قال صلى بنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حين صار ظل كل شئ مثليه "ليس على ما ينبغي" لأنهما إنما يدلان على جواز الصلاة عند المثلين لا على أنه لا يدخل وقت العصر إلا عند ذلك على أن الأحاديث الكثيرة الصحيحة صريحة في أن وقت العصر إذا صار ظل الشيء مثله وأْحاديث المثلين ليست صريحة في أنه لا يدخل وقت العصر إلا إلى المثلين وإنما استنبط منها هذا الأمر. والأمر المستنبط لا يعارض الصريح، على أن جمعا من الفقهاء ذكروا رجوع أبى حنيفه عن قوله بالمثلين إلى المثل
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجه والبيهقي
(ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: وَالْعَوَالِي عَلَى مِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: أَوْ أَرْبَعَةٍ
(ش) غرض المصنف بهذا الأثر بيان المسافة التي بين العوالى والمدينة
(قوله عبد الرزاق)
ابن همام. و (معمر) بن راشد
(قوله والعوالى الخ) أى الأماكن التي بأعلى أراضى المدينة والنسبة إليها علوىّ على غير قياس. وما ذكره المصنف من التحديد بهذا المقدار بالنظر إلى الأماكن القريبة من العوالى إلى المدينة أما البعيدة فبينها وبين المدينة ثمانية أميال كما تقدم (قال) ابن الأثير
стр. 988
أدناها من المدينة على أربعة أميال وأبعدها من جهة نجد ثمانية اهـ
(قوله قال وأحسبه الخ) أى قال معمر وأظن الزهرى قال في الرواية أو أربعة بالشك فيها
(ص) حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، نَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ خَيْثَمَةَ قَالَ: «حَيَاتُهَا أَنْ تَجِدَ حَرَّهَا»
(ش) ساق المصنف هذا الأثر لبيان معنى حياة الشمس التي ذكرت في حديث أنس بن مالك السابق (رجال الأثر)
(قوله جرير) بن عبد الحميد. و (منصور) بن المعتمر
(قوله عن خيثمة) بن عبد الرحمن بن أبي سبرة يزيد بن مالك الجعفى الكوفي. روى عن على وابن عمر وابن عمرو والبراء بن عازب. وعنه أبو إسحاق السبيعى وطلحة بن مصرّف والأعمش وآخرون. قال ابن معين والنسائى والعجلى وابن حبان تابعى ثقة. قيل مات سنة ثمانين. روى له الجماعة
(قوله حياتها أن تجد حرّها) تقدّم أن حياتها مستعارة لبقاء ضوئها وشدة حرارتها وصفاء لونها، وأخرج البيهقى هذا الأثر قال حدثنا أبو صالح بن أبى طاهر ثنا جدّى يحيى بن منصور ثنا أحمد بن سلمة ثنا إسحاق بن إبراهيم أنبأ جرير عن منصور قال تذاكرنا عبد خيثمة والشمس بيضاء حية فقال أن تجد حرّها
(ص) حَدَّثَنَا عَبدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: عُرْوَة، وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ»
(قوله والشمس في حجرتها) أى ضوء الشمس باق في حجرتها فهو على تقدير مضاف. والحجرة بضم الحاء المهملة وسكون الجيم البيت
(قوله قبل أن تظهر) أى قبل أن يرتفع ضوءها من البيت وينبسط الفيء فيه (قال) الخطابى معنى الظهور هنا الصعود والعلوّ يقال ظهرت على الشئ إذا علوته ومنه قوله تعالى "ومعارج عليها يظهرون" والحديث يدل على مشروعية تعجيل صلاة العصر أول وقتها وهو كما تقدّم صيرورة ظلّ كل شيء مثله وهو الذى فهمته عائشة وعروة بن الزبير الراوى عنها ولذا احتج به على عمر بن عبد العزيز في تأخيره صلاة العصر كما تقدّم (وقال) الطحاوى لا دلالة فيه على التعجيل لاحتمال أن الحجرة كانت قصيرة الجدار فلم تكن الشمس تحتجب عنها إلا بقرب غروبها فتدلّ على التأخير لا على التعجيل اهـ لكن الذى ذكره إنما يتصوّر مع اتساع الحجرة وقد عرف بالاستفاضة والمشاهدة أن حجر أزواجه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم تكن متسعة ولا يكون ضوء الشمس باقيا في قعر الحجرة الصغيرة إلا والشمس قائمة مرتفعة وإلا فمتى مالت ميلا تاما ارتفع ضوءها عن قعر الحجرة
стр. 989
(وقال) الشافعى بعد أن ذكر حديث مالك هذا الحديث من أبين ما روى في أول الوقت لأن حجرة أزواج النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في موضع منخفض من المدينة وليست بالواسعة وذلك أقرب لها من أن ترتفع الشمس منها في أول وقت العصر (وقال) النووى كانت الحجرة ضيقة العرصة قصيرة الجدار بحيث كان طول جدارها أقلّ من مسافة العرصة بشئ يسير فإذا صار ظلّ الجدار مثله كانت الشمس أبعد في أواخر العرصة اهـ
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجه والبيهقى والترمذى وقال حسن صحيح
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَنْبَرِيُّ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْوَزِيرِ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْيَمَامِيُّ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ شَيْبَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ شَيْبَانَ قَالَ: «قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعَصْرَ مَا دَامَتِ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله محمد بن عبد الرحمن) بن عبد الصمد أبو عبد الله البصرى. روى عن ابن مهدى وأمية بن خالد وأبى أمامة وآخرين. وعنه أبو داود وأبو زرعة والبزّار وعبد الله بن أحمد. وثقه ابن حبان وعلىّ بن الحسين. توفى سنة أربع وثلاثين ومائتين. و (العنبرى) نسبة إلى العنبرة قرية بسواحل زبيد
(قوله محمد بن يزيد) روى عن يزيد بن عبد الرحمن. وعنه إبراهيم بن أبى الوزير ومحمد بن عبد الرحمن. وهو مجهول كما قاله الذهبي. روى له أبو داود. و (اليمامى) نسبة إلى اليمامة إقليم من بلاد العرب
(قوله يزيد بن عبد الرحمن الخ) اليمامى الحنفى. روى عن أبيه عن جدّه حديث الباب. وعنه محمد بن يزيد قال الحافظ والذهبي مجهول. روى له أبو داود
(قوله عن أبيه) هو عبد الرحمن بن على بن شيبان الحنفى اليمامى. روى عن أبيه. وعنه ابنه محمد وعبد الله بن بدر ووعلة بن عبد الرحمن وثقه العجلى وابن حبان. روى له أبو داود وابن ماجه
(قوله علىّ بن شيبان) بن محرز بن عمرو بن عبد الله الحنفى اليمامى صحابى وفد على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم روى عنه ابنه عبد الرحمن. روى له أبو داود وابن ماجة
(معنى الحديث)
(قوله فكان يؤخر العصر الخ) يدلّ على مشروعية تأخير صلاة العصر ما لم تصفرّ الشمس وهو مذهب أبى حنيفة وأصحابه وعللوا ذلك بأن في تأخيرها تكثير النوافل
стр. 990
لكن ردّه صاحب التعليق الممجد من الحنفية فقال إنه تعليل في مقابلة النصوص الصحيحة الصريحة الدالة على أفضلية التعجيل وهي كثيرة مروية في الصحاح الستة وغيرها "قال" والحديث لا يدلّ إلا على أنه كان يؤخر العصر ما دام كون الشمس بيضاء وهذا أمر غير مستنكر فإنه لم يقل أحد بعدم جواز ذلك. والكلام إنما هو في أفضلية التأخير وهو ليس ثابت منه "ولا يقال" هذا الحديث يدلّ على أن التأخير كان عادته يشهد به لفظ كان "لأنه" لو دلّ على ذلك لعارضه كثير من الأحاديث القوية الدالة على أن عادته ﵌ كانت التعجيل فالأولى أن لا يحمل هذا الحديث على الدوام دفعا للمعارضة واعتبار التقديم الأحاديث القوية. على أن حديث عبد الرحمن بن على بن شيبان ضعيف فإنه رواه عنه يزيد بن عبد الرحمن بن على بن شيبان وهو مجهول كما صرّح به في التقريب والخلاصة والميزان. فهذا الحديث الضعيف لا يصلح للاحتجاح به اهـ ببعض تصرّف "واستدلالهم" بما رواه البيهقى والدارقطني عن عبد الواحد أو عبد الحميد بن نافع بسنده إلى رافع بن خديج أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يأمرهم بتأخير العصر "لا يصلح" للاستدلال به لأنه ضعيف فإن في سنده عبد الله بن رافع قال الدارقطنى ليس بالقوى ولم يرو عنه غير عبد الواحد ولا يصح هذا الحديث عن رافع ولا عن غيره من الصحابة وقد روى الدارقطنى والبيهقى هذا الحديث وقالا إن روايته بهذا اللفظ خطأ وساقه البيهقى بلفظ آخر بسنده إلى الأوزاعي حدثنى أبو النجاشيّ حدثني رافع بن خديج قال كنا نصلى مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلاة العصر ثم تنحر الجزور فتقسم عشر قسم ثم نطبخ فنأكل لحما نضيجا قبل أن تغيب الشمس رواه البخارى في الصحيح عن محمد بن يوسف عن الأوزاعي ورواه مسلم عن محمد بن مهران الرّازى عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي وهذه الرواية الصحيحة عن رافع بن خديج تدل على خطأ ما رواه عبد الواحد أو عبد الحميد بن نافع أو نفيع الكلابى عن ابن رافع بن خديج عن أبيه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يأمرهم بتأخير العصر وهو مختلف في اسمه واسم أبيه واختلف عليه في اسم ابن رافع فقيل فيه عبد الله وقيل عبد الرحمن (قال) البخارى لا يتابع عليه واحتج على خطئه بحديث أبى النجاشي عن رافع وقال أبو الحسن الدارقطني فيما أخبرنا أبو بكر بن الحارث عنه هذا حديث ضعيف الإسناد والصحيح عن رافع وغيره ضدّ هذا "وما رواه" الترمذي عن أيوب عن ابن أبى مليكة عن أم سلمة قالت كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أشدّ تعجيلا للظهر منكم وأنتم تعجيلا للعصر منه "لا يدلّ" على التأخير كما زعموا بل الذى فيه أن الذين خاطبتهم أم سلمة كانوا أشدّ تعجيلا للعصر منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهذا لا يدلّ على أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يؤخر العصر حتى يكون دليلا على الاستحباب (قال) الفاضل اللكنوى الحنفى هذا الحديث إنما يدلّ
стр. 991
على أن التعجيل في الظهر أشدّ من التعجيل في العصر لا على استحباب التأخير اهـ
(باب في الصلاة الوسطى)
أى في بيان أن الصلاة الوسطى ما هي. وفي بعض النسخ إسقاط هذه الترجمة. وعليها فتكون مناسبة الحديث للترجمة الأولى أن فيه الأمر بالمحافظة على صلاة العصر والأمر بالمحافظة يقتضى أنها موقتة بوقت. وإثبات الترجمة هو الأولى
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: «حَبَسُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عبيدة) بفتح العين المهملة وكسر الموحدة ابن عمرو ويقال ابن قيس بن عمرو السلماني المرادى. روى عن على وابن مسعود وابن الزبير. وعنه الشعبى وإبراهيم النخعى وعبد الله بن سلمة وابن سيرين وآخرون. قال ابن عيينة كان يوازى شريحا في العلم والقضاء وقال العجلى تابعى ثقة وقال ابن معين ثقة لا يسأل عن مثله ووثقه ابن حبان توفى سنة اثنتين أو ثلاث وسبعين. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله قال يوم الخندق) وهو يوم الأحزاب وكان في شوّال في السنة الرابعة من الهجرة على ما اختاره البخارى. وقيل في السنة الخامسة. وسميت بالأحزاب لاجتماع طوائف من مشركي قريش وغطفان واليهود ومن على شاكلتهم. على حرب المسلمين وكانوا ثلاثة آلاف وكان عدد المشركين اثني عشر ألفا. وسميت الغزوة بالخندق لحفره في زمانها حول المدينة بإشارة سلمان الفارسى لأنه من مكايد الفرس دون العرب فأمر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بحفره (وسبب) هذه الغزوة على ما ذكره أهل السير أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما أجلى بني النضير جعل حيىّ بن أخطب يسعى بالغوائل وذهب إلى مكة في رجال من قومه ودعوا قريشا إلى حرب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأخبروهم بأنهم أهدى سبيلا منه وفيهم نزل قوله تعالى "ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت" الآية. فلما أجابتهم قريش تقدموا إلى قبائل قيس عيلان فدعوهم إلى مثل ذلك فأجابوهم فسارت تلك القبائل ولما علم بهم النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم شرع
стр. 992
في حفر الخندق بمشورة سلمان الفارسي وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا فجهدوا أنفسهم في حفره متنافسين في الثواب لا ينصرف أحد منهم لحاجة إلا بإذن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يكابد معهم "ففى" صحيح البخارى عن البراء "بن عازب" قال كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ينقل التراب يوم الخندق حتى أغمر بطنه أو أغبر بطنه يقول
والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا
ويرفع بها صوته أبينا أبينا. ولما رآهم النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يحملون التراب على متونهم وما بهم من النصب والجزع قال:
اللهمّ إن العيش عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة
فقالوا مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا
وتمام القصة مذكور في كتب أهل السير
(قوله حبسونا الخ) وفي رواية لمسلم شغلونا عن صلاة الوسطى أى منعنا الكفار لاشتغالنا بحفر الخندق عن فعل الصلاة الوسطى ففى الكلام حذف وهذا على رأى البصريين الذين يمنعون إضافة الموصوف إلى الصفة أما على رأى الكوفيين المجيزين لذلك فلا حاجة إلى التقدير. والوسطى تأنيث الأوسط من الوسط بمعنى الخيار لأنه الذى يقبل التفاضل فيبنى منه أفعل التفضيل لا من التوسط لأنه لا يقبل التفاضل. وقوله صلاة العصر بدل من الصلاة الوسطى (وهو حجة) لمن قال إن الصلاة الوسطى هى العصر وبه قال على وابن مسعود وأبو أيوب وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد الخدرى وأبو هريرة وعبيدة السلمانى والحسن البصرى وإبراهيم النخعى وقتادة والضحاك والكلبى ومقاتل وأبو حنيفة وأحمد وداود وابن المنذر وكثيرون وقال الترمذى هو قول أكثر العلماء من الصحابه فمن بعدهم اهـ واستدلوا بحديث الباب وبما رواه مسلم من طريق شتير بن شكل عن على شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر وزاد في آخره ثم صلاها بين المغرب والعشاء ولمسلم عن ابن مسعود نحو حديث على وللترمذى والنسائى من طريق زرّ بن حبيش عن علىّ مثله. ولمسلم أيضا من طريق أبى حسان الأعرج عن عبيدة السلمانى عن على قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يوم الأحزاب شغلونا عن الصلاة الوسطى "الحديث" وروى أحمد والترمذى من حديث سمرة رفعه قال صلاة الوسطى صلاة العصر. وروى ابن جرير من حديث أبى هريرة مرفوعا الصلاة الوسطى صلاة العصر. ومن طريق
стр. 993
كهيل بن حرملة سئل أبو هريرة عن الصلاة الوسطى فقال اختلفنا فيها ونحن بفناء بيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وفينا أبو هاشم بن عتبة فقال أنا أعلم لكم فقام فاستأذن على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم خرج إلينا فقال أخبرنا أنها صلاة العصر. ومن طريق عبد العزيز بن مروان أنه أرسل. إلى رجل فقال أىّ شئ سمعت من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الصلاة الوسطى فقال أرسلنى أبو بكر وعمر أسأله وأنا غلام صغير فقال هى العصر. ومن حديث أبى مالك الأشعرى رفعه الصلاة الوسطى صلاة العصر. وروى الترمذى وابن حبان من حديث ابن مسعود مثله. وروى ابن جرير من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال كان في مصحف عائشة حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر. وروى ابن المنذر من طريق مقسم عن ابن عباس قال شغل الأحزاب النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يوم الخندق عن صلاة العصر حتى غربت الشمس فقال شغلونا عن الصلاة الوسطى. وأخرج أحمد من حديث أم سلمة وأبى أيوب وأبى سعيد وزيد بن ثابت وأبى هريرة وابن عباس من قولهم إنها صلاة العصر (وذهب) عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وابن عباس وابن عمر وجابر وعطاء وعكرمة ومجاهد والربيع بن أنس ومالك والشافعى إلى أنها الصبح واستدلوا بأن الصبح تأتي وقت مشقة البرد في الشتاء وطيب النوم في الصيف وفتور الأعضاء وغفلة الناس. وبورود الأخبار الصحيحة في تأكيد أمرها فخصت بتأكيد الحثّ على المحافظة عليها لكونها معرّضة للضياع بخلاف غيرها. وبما رواه ابن جرير من طريق عوف الأعرابى عن أبى رجاء العطاردى قال صليت خلف ابن عباس الصبح فقنت فيها ورفع يديه ثم قال هذه الصلاة الوسطى التى أمرنا أن نقوم فيها قانتين. وبأنها لا تقصر في السفر. وبأنها بين صلاتي جهر وصلاتي سرّ (أقول) ما ذكروا من الأدلة لا يصلح معارضا لما تقدم من الأحاديث الصحيحة المرفوعة الصريحة في أن المراد بالصلاة الوسطى في الآية صلاة العصر (قال) النووى في شرح المهذب الذى تقتضيه الأحاديث الصحيحة أنها العصر وهو المختار (وقال) صاحب الحاوى نصّ الشافعى رحمه الله تعالى أنها الصبح وصحت الأحاديث أنها العصر ومذهبه اتباع الحديث فصار مذهبه أنها العصر ولا يكون في المسألة قولان كما وهم بعض أصحابنا اهـ وكون الصبح لا تقصر في السفر معارض بأن المغرب كذلك. وكونها بين صلاتي جهر وصلاتي سرّ لا يستلزم أن تكون الآية نازلة فيها وإن اقتضى أنها تسمى وسطى (ونقل) عن زيد بن ثابت وأسامة بن زيد وأبى سعيد الخدرى وعائشة وعبد الله بن شدّاد وهو رواية عن أبى حنيفة أنها الظهر محتجين بأن الظهر متوسطة بين نهاريتين وبأنها في وسط النهار. وبما رواه المصنف والنسائى عن زيد بن ثابت قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصلى الظهر بالهاجرة ولم يكن يصلى صلاة أشدّ على أصحابه
стр. 994
منها فنزلت حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقال إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين، وبما رواه أحمد والنسائى عن أسامة بن زيد قال إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يصلى الظهر بالهجير ولا يكون وراءه إلا الصفّ والصفان والناس في قائلتهم وتجارتهم فأنزل الله تعالى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (وأنت) خبير بأن مجرّد كون صلاة الظهر كانت شديدة على الصحابة لا يستلزم أن تكون الآية نازلة فيها، غاية ما فيه أن المناسب أن تكون الوسطى هي الظهر. ومثل هذا لا يعارض به تلك النصوص الصحيحة الصريحة الثابتة في الصحيحين من طرق متعددة، وعلى فرض أن قول هذين الصحابيين تصريح ببيان سبب النزول لا إبداء مناسبة فلا ينتهض لمعارضة هذه الأحاديث (وقيل) هي المغرب نقله ابن أبى حاتم بإسناد حسن عن ابن عباس قال صلاة الوسطى هي المغرب وبه قال قبيصة بن ذئب (وحجتهم) في ذلك أنها معتدلة في عدد الركعات وأنها لا تقصر في السفر وأن العمل مضى على المبادرة إليها والتعجيل بها في أول غروب الشمس وأن قبلها صلاتى سرّ وبعدها صلاتا جهر. لكن علمت أن ما رواه ابن عباس عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنها العصر والعمل بما رواه لا بما رآه كما تقدم (وذهبت) الإمامية إلى أنها العشاء، واختاره الواحدى. واحتج له بأنها بين صلاتين لا تقصران وبأنها تقع عند النوم فأمر بالمحافظة عليها (وقال) الربيع بن خيثم وسعيد بن جبير وشريح القاضى ونافع واختاره إمام الحرمين من الشافعية إنهما واحدة من الخمس غير معينة (واحتجوا) بما روى أن رجلا سأل زيد بن ثابت عن الصلاة الوسطى فقال حافظ على الصلوات تصبها فهى مخبوءة في جميع الصلوات خبء ساعة الإجابة في ساعات يوم الجمعة وليلة القدر في ليالى شهر رمضان والاسم الأعظم في جميع الأسماء (وقال) ابن عمر ومعاذ بن جبل وابن عبد البر إنها الصلوات الخمس واحتج له بأن قوله تعالى "حافظوا على الصلوات" يتناول الفرائض والنوافل فعطف عليه الوسطى وأريد بها كل الفرائض تأكيدا لها (وقيل) إنها الجمعة ذكره ابن حبيب ورجحه أبو شامة وذلك لما اختصبت به من الاجتماع والخطبة. ولما ورد من الترغيب في المحافظة عليها (وقيل) إنها الجماعة حكاه أبو الحسن الماوردى لأن ذلك أبعث على المحافظة عليها أيضا (وقيل) غير ذلك. وقد جمع الدمياطى جزءا مشهورا سماه كشف الغطاء عن الصلاة الوسطى فبلغ تسعة عشر قولا (وأقوى حجة) لمن قال إنها غير العصر ما رواه مسلم وأحمد والبيهقى من من طريق شقيق بن عقبة عن البراء بن عازب قال نزلت هذه الآية حافظوا على الصلوات وصلاة العصر فقرأناها ما شاء الله ثم نسخها الله فنزلت حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فقال رجل هي إذن صلاة العصر فقال قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها الله. وما رواه مسلم وأحمد من طريق أبى يونس عن عائشة أنها أمرته أن يكتب لها مصحفا فلما بلغت حافظوا على
стр. 995
الصلوات والصلاة الوسطى قال فأملت عليّ وصلاة العصر قالت سمعتها من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وروى مالك والبيهقي وعمرو بن رافع قال كنت أكتب مصحفا لحفصة فقالت إذا بلغت هذه الآية فآذني "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى" فلما بلغتها آذنتها فأملت علىّ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وأخرجه ابن جرير من وجه آخر حسن عن عمرو بن رافع. وروى ابن المنذر من طريق عبد الله بن رافع أمرتنى أم سلمة أن أكتب لها مصحفا فذكر مثل حديث عمرو بن رافع سواء. ومن طريق سالم بن عبد الله ابن عمر أن حفصة أمرت إنسانا أن يكتب لها مصحفا نحوه. ومن طريق نافع أن حفصة أمرت مولى لها أن يكتب لها مصحفا فذكر مثله وزاد كما سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقولها قال نافع فقرأت ذلك المصحف فوجدت فيه الواو. فتمسك قوم أن العطف يقتضى المغايرة فتكون صلاة العصر غير الوسطى (وأجيب) بأن حديث علىّ ومن وافقه أصحّ إسنادا وأصرح. وبأن حديث عائشة قد عورض برواية عروة أنه كان في مصحفها وهى العصر فيحتمل أن تكون الواو زائدة ويؤيده ما رواه أبو عبيد بإسناد صحيح عن أبيّ بن كعب أنه كان يقرؤها حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر بغير واو أو هي عاطفة لكن عطف صفة لا عطف ذات، وبأن قوله والصلاة الوسطى والعصر لم يقرأ بها أحد ولعل أصل ذلك ما في حديث البراء أنها نزلت أولا والعصر ثم نزلت ثانيا بدلها والصلاة الوسطى فجمع الراوى بينهما، ومع وجود الاحتمال لا ينهض الاستدلال فكيف يكون مقدّما على النصّ الصريح بأنها صلاة العصر (قال الحافظ) صلاح الدين العلائى حاصل أدلة من قال إنها غير العصر يرجع إلى ثلاثة أنواع (أحدها) تنصيص بعض الصحابة. وهو معارض بمثله ممن قال منهم إنها العصر ويترجح قول العصر بالنصّ الصريح المرفوع وإذا اختلفت الصحابة لم يكن قول بعضهم حجة على غيره فتبقى حجة المرفوع قائمة (ثانيها) معارضة المرفوع بورود التأكيد على فعل غيرها كالحثّ على المواظبة على الصبح والعشاء. وهو معارض بما هو أقوى منه وهو الوعيد الشديد الوارد في ترك صلاة العصر (ثالثها) ما جاء عن عائشة وحفصة من قراءة حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر فإن العطف يقتضى المغايرة. وهذا يرد عليه إثبات القرآن بخبر الآحاد وهو ممتنع وكونه ينزّل منزلة خبر الواحد مختلف فيه. سلمنا لكن لا يصلح معارضا للمنصوص صريحا. وأيضا فليس العطف صريحا في اقتضاء المغايرة لوروده في نسق الصفات كقوله تعالى "هو الأول والآخر والظاهر والباطن" اهـ
(قوله ملأ الله بيوتهم الخ) وفى رواية البخارى ملأ الله قبورهم وبيوتهم أو أجوافهم، وفى رواية مسلم ملأ الله قبورهم وبيوتهم أو قبورهم وبطونهم، وفى رواية له أيضا ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا أو حشى الله أجوافهم وقبورهم نارا
стр. 996
وهو دعاء عليهم أخرجه في صورة الخبر تأكيدا وإشعارا بأنه من الدعوات المجابة. وعبر بالماضى ثقة بالاستجابة فكأنه أجيب سؤاله فأخبر عن وجود إجابته ووقوعها (وقال) الطيبى أى جعل الله النار ملازمة لهم في الحياة والممات وعذبهم في الدنيا والآخرة. وقيل أراد عذاب الدنيا من تخريب البيوت ونهب الأموال وسبي الأولاد وعذاب الآخرة باشتعال قبورهم نارا. وقيل هو من باب المشاكلة لذكر النار في البيوت أو استعيرت النار للفتنة، وعلى هذا فلا يستشكل أن دعاءه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قد أجيب في أحد الشقين دون الآخر اهـ
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على جواز وقوع إيذاء الكافر للمسلم في الدنيا التي هى دار أكدار، وعلى جواز حصول الأعراض البشرية التى ليس فيها نقص لأفضل المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم وعلى آلهم أجمعين، وعلى جواز الدعاء على الظالم بما يليق بظلمه، وعلى أن الصلاة الوسطى هى صلاة العصر، وعلى أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأصحابه أخروا صلاة العصر عن وقتها لاشتغالهم بالعدوّ لما في رواية أحمد والنسائى عن أبى سعيد أنهم شغلوه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن الظهر والعصر والمغرب وصلوا بعد هوىّ من الليل وذلك قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف فرجالا أو ركبانا. وما رواه الترمذى والنسائى عن ابن مسعود أنهم شغلوه عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله. وفى قوله أربع تجوّز لأن العشاء لم تفت. ومقتضى حديث على وجابر في الصحيحين أنه لم يفت غير العصر فمال ابن العربى إلى الترجح فقال إنه الصحيح، وجمع النووى بأن وقعة الخندق دامت أياما فكان هذا في بعض الأيام وذاك في بعضها الآخر. وتأخيره للصلاة يحتمل أنه كان عمدا لاشتغاله بالعدوّ وكان قبل نزول صلاة الخوف فكان هذا عذرا له, ويحتمل أنه نسيها لاشتغاله بالعدوّ. وتقدم في رواية مسلم أنه صلاها بين المغرب والعشاء. وأما اليوم فلا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها للقتال بل تصلى صلاة الخوف على حسب الحال
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى
(ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهُ قَالَ: أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا وَقَالَتْ: " إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الْآيَةَ فَآذِنِّي: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] «، فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا، فَأَمْلَتْ عَلَيَّ» حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى، وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ "، ثُمَّ قَالَتْ عَائِشَةُ: «سَمِعْتُهَا
стр. 997
مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ».
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عن أبي يونس مولى عائشة) بنت أبى بكر الصديق رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما. روى عن عائشة. وعنه القعقاع بن حكيم وزيد بن أسلم وأبو طوالة الأنصارى ومحمد بن عتيق. ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية وذكره ابن حبان في الثقات وذكره مسلم في الطبقة الأولى من المدنيين. روى له مسلم وأبو داود والترمذى والنسائى
(معنى الحديث)
(قوله فآذنى) بالمدّ أى أعلمنى. وأمرت أن يعلمها لأنها أرادت أن تملى عليه زيادة لم تكن ثابتة بما كان ينسخ منه
(قوله فأملت علىّ الخ) بتشديد اللام أى ألقت يقال أمللت الكتاب على الكاتب إملالا ألقيته عليه وهي لغة الحجاز وبني أسد وأمليت عليه إملاء بالتخفيف كذلك وهي لغة بنى تميم وقيس وبهما جاء القرآن "وليملل الذى عليه الحق" "فهى تملى عليه" (واستدل) بهذا الحديث من قال إن صلاة العصر ليست هي الوسطى لأن العطف يقتضى المغايرة. لكنه لا يصلح دليلا على ذلك لاحتمال أن يكون العطف للتفسير جمعا بين الأحاديث وهذه القراءة شاذة. ولعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قالها تفسيرا أو كانت قرآنا ثم نسخت وصنيع عائشة هذا يقتضى أن ما وقع كان بعد جمع القرآن في مصحف وقيل أن تجمع المصاحف على المصاحف التى كتبها عثمان وأنفذها إلى الأمصار لأنه لم يكتب بعد ذلك في المصاحف إلا ما أجمع عليه وثبت بالتواتر أنه قرآن
(قوله وقوموا لله قانتين) أى مطيعين لا مكرهين ولا كسالى بل ممتثلين الأمر مجتنبين النهى لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كل قنوت في القرآن فهو طاعة. وقيل ساكتين إلا عن ذكر لحديث زيد بن أرقم كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت هذه الآية فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام رواه الشيخان
(قوله قالت عائشة سمعتها من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم) قال الباجى ذلك يحتمل وجهين "أحدهما" أن تكون هذه اللفظة الزائدة من القرآن ثم نسخت. روى ذلك عن البراء بن عازب فإن صحّ خبر البراء بنسخها فلعل عائشة لم تعلم بنسخها إذا أرادت إثباتها في المصحف. ولعلها اعتقدت أنها مما نسخ حكمها وثبت رسمها فأرادت إثباتها "والوجه الثاني" أن تكون عائشة سمعت اللفظة من النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذكرها على أنها من غير القرآن لتأكيد فضيلة العصر مع الصلاة الوسطى كما روى عنه جرير بن عبد الله البجلى أنه قال إن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فأكد فضيلتها فأرادت عائشة أن تثبتها في المصحف لما ظنت أنها من القرآن أو لأنها اعتقدت جواز إثبات غير القرآن مع القرآن على ما روى عن أبيّ بن كعب وغيره من الصحابة أنهم جوّزوا
стр. 998
إثبات القنوت وبعض التفسير في المصحف وإن لم يعتقدوه قرآنا اهـ
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أن من عرف شيئا خفى على غيره ينبغى له أن ينبه عليه وعلى الاعتناء بالقرآن، وعلى أن صلاة العصر غير الصلاة الوسطى وقد علم ما فيه
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم والتزمذى والنسائى
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، نَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي حَكِيمٍ قَالَ: سَمِعْتُ الزِّبْرِقَانَ يُحَدِّثُ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّي صَلَاةً أَشَدَّ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ مِنْهَا، فَنَزَلَتْ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] وَقَالَ: «إِنَّ قَبْلَهَا صَلَاتَيْنِ، وَبَعْدَهَا صَلَاتَيْنِ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عمرو بن أبى حكيم) أبو سعيد ويقال أبو سهل الواسطى الكردى. روى عن عروة بن الزبير وعكرمة وأبى مجلز وعبد الله بن بريدة وغيرهم. وعنه خالد الحذّاء وداود بن أبى هند وشعبة وعدى بن الفضل وكثيرون. وثقه أبو داود والنسائى وابن معين وابن حبان وابن شاهين وقال أبو حاتم صالح الحديث. روى له أبو داود
(قوله سمعت الزّبرقان) بكسر الزاى وسكون الموحدة وكسر الراء ابن عمرو بن أمية الضمرى. وقيل ابن عبد الله ابن عمرو بن أمية. روى عن عروة بن الزبير وأبى سلمة وأبى رزين وغيرهم. وعنه عمرو بن أبى حكيم وابن أبى ذئب وجعفر بن ربيعة وبكر بن سوادة ويعقوب بن عمرو وآخرون وثقه النسائى ويحيى بن سعيد وابن حبان. روى له أبو داود وابن ماجه
(قوله زيد بن ثابت) ابن الضحاك بن زيد بن لوذان بفتح اللام وسكون الواو ابن عمر الأنصارى أبى سعيد أو أبى خارجة. روى له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اثنان وتسعون حديثا اتفق الشيخان على خمسة وانفرد البخارى بأربعة ومسلم بحديث. روى عن أبى بكر وعمر وعثمان وعنه ابن عمر وأنس وأبو هريرة وأبو سعيد الخدرى ومروان بن الحكم وعطاء بن يسار وكثيرون قدم النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم المدينة وهو ابن إحدى عشرة سنة وكان يكتب الوحى لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وكتب لعمر أيضا وكان يستخلفه إذا حجّ وكان معه حين قدم الشام لفتح بيت المقدس وهو الذى تولى قسمة غنائم اليرموك وقال الشعبى غلب زيد الناس على اثنتين الفرائض والقرآن وقال مسروق إنه كان من أصحاب الفتوى
стр. 999
الراسخين في العلم. وقال ابن عباس وقت إدخال زيد بن ثابت القبر من سرّه أن يعلم كيف ذهاب العلم فهكذا ذهاب العلم والله لقد دفن اليوم علم كثير وقال أبو هريرة يوم مات زيد مات اليوم حبر الأمة وعسى الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفا (وعلى الجملة) فمناقبه كثيرة روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصلى الظهر بالهاجرة الخ) أى في وقت اشتداد الحرّ في نصف النهار ولم يكن يصلى صلاة أشدّ وأشقّ وأصعب على الصحابة من صلاة الظهر وذلك لكونه يصلى وقت شدّة الحرّ ثم أبرد بعد ذلك وأمر بالإبراد أيضا
(قوله فنزلت حافظوا على الصلوات الخ) أى لا يجوز لكم أن تضيعوها لثقلها عليكم فإنها الفضلى
(قوله وقال إن قبلها صلاتين الخ) أى قال زيد بن ثابت على الصواب لما في رواية الطحاوى عنه قال كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصلى الظهر بالهجير وكانت أثقل الصلوات على أصحابه فنزلت حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى لأن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين (وظاهر) الحديث يدلّ على أن الصلاة الوسطى هي الظهر وهو قول جماعة لأن نزول الآية كان لاستثقالهم صلاة الظهر بالهاجرة فبين أن المراد من قوله حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة الظهر لأن قبلها صلاة الصبح والعشاء إحداهما نهارية والأخرى ليلية وبعدها صلاة العصر والمغرب وهما كذلك وتقدم ردّه وأن الأصح أنها صلاة العصر، وذكر هذا الحديث هنا استطرادا لمناسبة ما قيل في الصلاة الوسطى
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على طلب تعجيل صلاة الظهر أول وقتها وقد علمت أنه كان قبل الأمر بالإبراد، ودلّ بظاهره أن الصلاة الوسطى هي الظهر (قال) علىّ القارى الظاهر أن هذا اجتهاد من الصحابى نشأ من ظنه أن الآية نزلت في الظهر فلا يعارض نصه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنها العصر اهـ
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى في التاريخ والبيهقي
(ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْعَصْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ، وَمَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْفَجْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ»
стр. 1000
(ش) هكذا ذكر هذا الحديث في أكثر النسخ تحت ترجمة "باب في وقت العصر" ومناسبته لها أنه يدل على أن وقت العصر ينتهى بغروب الشمس. وفي بعض النسخ ذكر تحت ترجمة "باب من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها" وأل في الصلاة للعهد والمعهود صلاة العصر والفجر
(رجال الحديث)
(قوله الحسن بن الربيع) بن سليمان البجلى القسرى أبو على الكوفي روى عن حماد بن زيد وأبى عوانة وعبد الله بن إدريس وأبى الأحوص وعبد الله بن المبارك وآخرين. وعنه أبو زرعة وأبو حاتم ومسلم وأبو داود والنسائى وابن ماجه وغيرهم. قال العجلى وابن خراش ثقة متعبد وقال أبو حاتم كان من أوثق أصحاب ابن إدريس وقال عثمان بن أبى شيبة صدوق وليس بحجة وذكره ابن حبان في الثقات. روى له الجماعة
(قوله ابن طاوس) هو عبد الله بن طاوس بن كيسان أبو محمد اليمانى الحميرى. روى عن أبيه وعكرمة بن خالد وعطاء وعمرو بن شعيب ووهب بن منبه وغيرهم. وعنه عمرو بن دينار وابن جريج ومعمر ابن راشد والسفيانان وكثيرون. قال أبو حاتم والنسائى والدارقطني والعجلى ثقة وقال معمر قال لى أيوب إن كنت راحلا إلى أحد فعليك بابن طاوس فهذه رحلتي إليه وقال معمر كان من أعلم الناس بالعربية وأحسنهم خلقا. مات سنة إحدى أو اثنتين وثلاثين ومائة روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله من أدرك من العصر ركعة الخ) أى من صلى ركعة من العصر أو الصبح في آخر وقتها ثم خرج وقتها فقد أدّى الصلاة كلها في وقتها لا فرق في ذلك بين معذور وغيره وهو مذهب الجمهور خلافا لأبى حنيفة القائل ببطلان صلاة الصبح ولمن قال إنها تقع كلها قضاء ولمن قال ما وقع في الوقت أداء وما بعده قضاء (قال) النووى في شرح مسلم تظهر فائدة الخلاف في مسافر نوى القصر وصلى ركعة في الوقت. فإن قلنا الجميع أداء فله قصرها وإن قلنا كلها قضاء أو بعضها وجب إتمامها أربعا إن قلنا إن فائتة السفر إذا قضاها في السفر يجب إتمامها هذا كله إن أدرك ركعة في الوقت فإن كان دون ركعة فقال بعض أصحابنا هو كالركعة وقال الجمهور كلها قضاء اهـ ويحتمل أن المعنى من أدرك قدر ركعة من وقت العصر أو الصبح ممن كان معذورا بجنون أو حيض أو نفاس أو إغماء أو صبا وزال عذره وقد بقي من الوقت قدر ذلك لزمته تلك الصلاة وعلى هذا حمل الحديث أبو حنيفة (ويدل) لما ذهب إليه الجمهور من صحة الصلاة ولو صبحا بإدراك ركعة في آخر الوقت ووقوعها أداء ما أخرجه البيهقى عن زيد بن أسلم بلفظ من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس وركعة بعد ما تطلع الشمس فقد أدرك الصلاة. وما رواه أيضا من طريق أبي غسان محمد بن مطرّف عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة بلفظ من صلى ركعة من قبل أن تغرب الشمس ثم صلى ما بقي بعد غروب الشمس
стр. 1001
فلم يفته العصر. وما رواه أيضا من طريق آخر بلفظ من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليصلّ إليها أخرى. وما رواه النسائى من طريق ابن شهاب عن سالم. بلفظ من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة كلها إلا أنه يقضى ما فاته "أى يصلى ما فاته" وما رواه البخارى من طريق أبى سلمة عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتمّ صلاته وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتمّ صلاته. والمراد بالسجدة الركعة بتمامها فهو من إطلاق الجزء وإرادة الكلّ (قال) الحافظ في الفتح يؤخذ من هذا الردّ على الطحاوى حيث خصّ الإدراك باحتلام الصبي وطهر الحائض وإسلام الكافر ونحوها وأراد بذلك نصرة مذهبه في أن من أدرك من الصبح ركعة تفسد صلاته لأنه لا يكملها إلا في وقت الكراهة وهو مبنيّ على أن الكراهة تتناول الفرض والنفل وهي خلافية مشهورة (قال) الترمذى وبهذا يقول الشافعى وأحمد وإسحاق، وخالف أبو حنيفة فقال من طلعت عليه الشمس وهو في صلاة الصبح بطلت صلاته، واحتج لذلك بالأحاديث الواردة في النهى عن الصلاة عند طلوع الشمس، وادعى بعضهم أن أحاديث النهى ناسخة لهذا الحديث، وهي دعوى تحتاج إلى دليل فإنه لا يصار إلى النسخ بالاحتمال، والجمع بين الحديثين ممكن بأن يحمل أحاديث النهى على ما لا سبب له من النوافل، ولا شك أن التخصيص أولى من ادعاء النسخ اهـ (أقول) هذا أيضا جمع بما يوافق مذهب الحافظ. والحق أن أحاديث النهى عامة تشمل كل صلاة ولا يجوز في ذلك الوقت شيء من الصلوات لا فرق بين ذوات الأسباب وغيرها إلا بدليل يخصه وصلاة الصبح ورد فيها ما يخصصها وهو حديث الباب (ومفهوم) الحديث أن من أدرك أقلّ من ركعة لا يكون مدركا للوقت وأن صلاته تكون قضاء وإليه ذهب الجمهور (وذهب) بعضهم إلى أنها تكون أداء لكن مفهوم الحديث يردّه. واختلفوا فيمن زال عذره وأدرك دون ركعة من وقتها أتجب عليه الصلاة أم لا فيه قولان للشافعي "أحدهما" لا تجب وروى عن مالك عملا بمفهوم هذا الحديث "وأصحهما" عند أصحاب الشافعى أنها تلزمه وبه قال أبو حنيفة لأنه أدرك جزءا من الوقت فاستوى قليله وكثيره (وأجابوا) عن مفهوم الحديث بأن التقييد بركعة خرّج مخرج الغالب، ولا يخفى بعده أما إذا أدرك أحد هؤلاء ركعة وجبت عليه الصلاة بالاتفاق (قال) النووى في شرح مسلم هل يشترط مع التكبيرة أو الركعة إمكان الطهارة فيه وجهان لأصحابنا أصحهما أنه لا يشترط اهـ (وعند) المالكية يشترط في حق المعذور غير الكافر أن يدرك من الوقت زمنا يسع الطهر المحتاج إليه وركعة كاملة. أما الكافر فلا يقدّر له الطهر لأن إزالة عذره بإسلامه في وسعه (وعند) الحنفية يشترط في وجوب الصلاة على من طرأ عليه سبب الوجوب أن يدرك في آخر الوقت زمنا
стр. 1002
يسع الطهارة وستر العورة وتكبيرة الإحرام (قال) العينى اعلم أن هذا الحديث دليل صريح في أن من صلى ركعة من العصر ثم خرج الوقت قبل سلامة لا تبطل صلاته بل يتمها وهذا بالإجماع وأما في الصبح فكذلك عند الشافعى ومالك وأحمد لا عند أبى حنيفة فإنه قال تبطل صلاة الصبح بطلوع الشمس فيها (وقالت) الشافعية الحديث حجة على أبى حنيفة (واعلم) أن ها هنا بحثا عظيما إذا وقفت عليه عرفت ما أسس عليه أبو حنيفة وعرفت أن الحديث ليس بحجة على أبى حنيفة وأن غير هذا الحديث من الأحاديث حجة عليهم فنقول لا شك أن الوقت سبب للصلاة وظرف لها ولكن لا يمكن أن يكون كل الوقت سببا لأنه لو كان كذلك يلزم تأخير الأداء عن الوقت فتعين أن يجعل بعض الوقت سببا وهو الجزء الأول لسلامته عن المزاحم فإن اتصل به الأداء تقرّرت السببية وإلا ينتقل إلى الجزء الثانى والثالث والرابع وما بعده إلى أن يتمكن فيه من عقد التحريمة إلى آخر جزء من أجزاء الوقت. ثم هذا الجزء إن كان صحيحا بحيث لم ينسب إلى الشيطان ولم يوصف بالكراهة كما في الفجر وجب عليه كاملا حتى لو اعترض الفساد في الوقت بطلوع الشمس في خلال الفجر فسد خلافا لهم لأن ما وجب كاملا لا يتأدى بالناقص كالصوم المنذور المطلق لا يتأدى في أيام النحر والتشريق وإن كان هذا الجزء ناقصا بأن صار منسوبا إلى الشيطان كالعصر وقت الاحمرار وجب ناقصا لأن نقصان السبب مؤثر في نقصان المسبب فيتأدى بصفة النقصان لأنه أدّى كما لزم كما إذا نذر صوم النحر وأدّاه فيه فإذا غربت الشمس في أثناء الصلاة لم تفسد العصر لأن ما بعد الغروب كامل فيتأدى فيه لأن ما وجب ناقصا يتأدى كاملا بالطريق الأولى "فإن قيل" يلزم أن تفسد العصر إذا شرع فيه من الجزء الصحيح ومدّها إلى أن غربت "قلنا" لما كان الوقت متسعا جاز له شغل كل الوقت فينتفى الفساد الذى يتصل به بالبناء لأن الاحتراز عنه مع الإقبال على الصلاة متعذّر. والجواب عن الحديث ما ذكره الطحاوى في شرح الآثار أن ورود الحديث كان قبل نهيه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن الصلاة في الأوقات المكروهة اهـ كلام العينى (لكن) هذه أبحاث عقلية فلا تقاوم النصوص الصريحة الدالة على صحة صلاة الصبح الذى شرع فيها قبل طلوع الشمس وطلعت عليه في أثنائها (وما ذكره) الطحاوى من أن الحديث منسوخ بأحاديث النهي عن الصلاة في تلك الأوقات (قد علمت) ردّه وإدراك الركعة قبل خروج الوقت لا يخصّ الصبح والعصر كما هو ظاهر الحديث لما ثبت عند الشيخين عن أبى هريرة مرفوعا "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" وهو أعمّ من حديث الباب قال بعضهم إن حديث الباب مقيد بالعصر والصبح وحديث الشيخين مطلق فيحمل المطلق على المقيد أى فيكون المراد بالصلاة في حديثهما الصبح والعصر. ولكن حديث الباب دل بمفهومه على اختصاص الصبح والعصر بهذا الحكم وحديث
стр. 1003
الشيخين دلّ بمنطوقه على أن حكم جميع الصلوات لا يختلف في ذلك، والمنطوق أرجح من المفهوم فيصار إليه ولاشتماله على الزيادة التي ليست منافية للمزيد عليه
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على أن الصلاة تقع أداء بفعل ركعة قبل خروج الوقت (قال) النووى اتفق العلماء على أنه لا يجوز تعمد التأخير إلى هذا الوقت اهـ، ودلّ أيضا على وجوبها على من زال عذره قبل خروج الوقت بما يسع ركعة
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم والنسائي والترمذى وابن ماجه
(باب التشديد في تأخير العصر إلى الاصفرار)
هكذا بالترجمة في بعض النسخ لحديث أنس. وفى بعضها إسقاط الترجمة. والأولى إثباتها
(ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَقَامَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ ذَكَرْنَا تَعْجِيلَ الصَّلَاةِ أَوْ ذَكَرَهَا، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ حَتَّى إِذَا اصْفَرَّتِ الشَّمْسُ فَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، أَوْ عَلَى قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا»
(ش) (قوله القعنبى) هو عبد الله بن مسلمة
(قوله دخلنا على أنس بن مالك بعد الظهر) أى دخلنا عليه في داره بعد أن صلينا الظهر. وفى مسلم عن العلاء بن عبد الرحمن أنه دخل على أنس ابن مالك في داره بالبصرة حين انصرف من الظهر وداره بجنب المسجد فلما دخلنا عليه قال أصليتم العصر فقلنا له إنما انصرفنا الساعة من الظهر قال فصلوا العصر فقمنا فصلينا فلما انصرفنا قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول تلك صلاة المنافقين الخ
(قوله فقام يصلى العصر) يعنى أول وقتها. وصلى في بيته ولم يصلّ مع الإمام لأن الأمراء كانوا يؤخرون الصلاة عن أول وقتها حينئذ وقد أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من يدركهم أن يصلى الصلاة أول وقتها ويجعل صلاته معهم نافلة كما يأتى للمصنف
(قوله ذكرنا تعجيل الصلاة الخ) أى سألناه عن سبب تعجيله صلاة العصر أو ذكره هو فأوفيه للشك من الراوى. ويؤيد الأول ما في رواية لمسلم والنسائى عن أبى بكر بن عثمان بن سهل بن حنيف قال سمعت أبا أمامة
стр. 1004
ابن سهل يقول صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك فوجدناه يصلى العصر فقلنا يا عمّ ما هذه الصلاة التي صليت قال العصر وهذه صلاة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم التى كنا نصلى معه
(قوله تلك صلاة المنافقين الخ) يعنى صلاة العصر التى أخرت إلى الاصفرار فالإشارة عائدة على متقدّم حكما (وقال) الطيبي تلك إشارة إلى ما في الذهن من الصلاة المخصوصة اهـ وإنما كرّرها ثلاثا مبالغة في ذمّ من يؤخر الصلاة إلى هذا الوقت بلا عذر
(قوله يجلس أحدهم الخ) يعنى يؤخر أحدهم صلاة العصر إلى أن تصفرّ الشمس فحتى غائية لا زائدة خلافا لمن زعمه، والمراد بالجلوس التأخير وهذه الجملة لبيان هيئة الصلاة المذمومة الموسومة بأنها صلاة المنافقين
(قوله فكانت بين قرنى شيطان) اختلفوا فيه فقيل هو على حقيقته وظاهر لفظه والمراد أن يحاذيها بقرنيه عند غروبها وكذا عند طلوعها لأن الكفار يسجدون له حينئذ فيقارنها ليكون الساجد لها في صورة الساجد له ويخيل لنفسه ولأعوانه أنهم إنما يسجدون له (وقيل) هو على المجاز والمراد بقرنيه علوّه وارتفاعه وسلطانه وتسلطه وغلبة أعوانه وسجود مطيعيه من الكفار للشمس (وقال) الخطابى اختلفوا في تأويله على وجوه فقال قائل معناه مقارنة الشيطان الشمس عند دنوّها للغروب على معنى ما روى أن الشيطان يقارنها إذا طلعت فإذا ارتفعت فارقها فإذا استوت قارنها فإذا زالت فارقها فإذا دنت للغروب قارنها فإذا غربت فارقها فحرمت الصلاة في هذه الأوقات لذلك. وقيل معنى قرن الشيطان فوّته من قولك أنا مقرن لهذا الأمر أى مطيق له قوىّ عليه قال الله تعالى "وما كنا له مقرنين" أى مطيقين وذلك أن الشيطان إنما يقوى أمره في هذه الأوقات لأنه يسوّل لعبدة الشمس أن يسجدوا لها في هذه الأوقات الثلاثة. وقيل قرنه حزبه وأصحابه الذين يعبدون الشمس وقيل هذا تمثيل وتشبيه وذلك أن تأخير الصلاة إنما هو تسويل الشيطان لهم وتسويفه وتزيينه ذلك في قلوبهم. وذوات القرون إنما تعالج الأشياء وتدفعها بقرونها فكأنهم لما دفعوا الصلاة وأخروها عن أوقاتها بتسويل الشيطان لهم صار ذلك منه بمنزلة ما تعالجه ذوات القرون وتدفعه بقرونها اهـ
(قوله قام فبقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا) هو كناية عن الإسراع بالصلاة وعدم الخشوع والطمأنينة فيها ففيه ذمّ صريح لمن يفعل ذلك في صلاته لأنه قد شبه نفسه بالمنافق فإن المنافق لا يعتقد صحة الصلاة بل إنما يصلى لدفع السيف عنه ولا يبالى بالتأخير إذ لا يطلب فضيلة ولا ثوابا. وتخصيص الأربع بالنقر وفي العصر ثمانى سجدات اعتبار بالركعة أو أن الحديث جاء حين كانت صلاة العصر ركعتين ثم زيدت بعده. وإنما خصّ العصر بالذكر لأنها الصلاة الوسطى ولأنها تأتى في وقت تعب الناس من مقاساة أعمالهم وإلا فتأخير غيرها من المكتوبة إلى آخر وقتها بدون عذر مذموم وفيه الوعيد الشديد
стр. 1005
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على كراهة تأخير صلاة العصر إلى الاصفرار، وعلى التصريح بذمّ من أخرّ صلاة العصر والحكم على صلاته بأنها صلاة المنافق ولا أقبح من هذا الوصف للمخالفين، وعلى التصريح بذمّ من صلى مسرعا بحيث لا يكمل الطمأنينة والخشوع والأذكار ودلّ بمفهومه على أن صلاة المؤمنين إنما تكون بالطمأنينة والخشوع والأذكار على الصفة الواردة عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم المشار إليها بقوله "صلوا كما رأيتموني أصلى" رواه البخارى (وبذلك) تزداد علما أن صلاة غالب أهل هذا الزمان ليست صلاة شرعية وإنما هي صلاة المنافقين نعوذ بالله تعالى من شرور نفوسنا وعمى البصيرة واستحواذ الشياطين
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم والترمذى والنسائى والبيهقي
(باب التشديد في الذى تفوته صلاة العصر)
يعنى بخروج وقتها الجائز، وفي بعض النسخ إسقاط هذه الترجمة. والصواب إثباتها، وقد ترجم لهذا الحديث البخارى فقال باب إثم من فاتته صلاة العصر (قال) الحافظ في الفتح أشار المصنف بذكر الإثم إلى أن المراد بالفوات تأخيرها عن وقت الجواز بغير عذر لأن الإثم إنما يترتب على ذلك
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، قَالَ: «الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ»
(ش) (قوله فكأنما وتر أهله وماله) بنصب الأهل على أنه مفعول ثان لوتر ومفعوله الأول ضمير نائب الفاعل العائد على الذى. ويجوز أن يكون منصوبا على نزع الخافض والمعنى على الأول نقص وسلب أهله وماله فيبقى بلا أهل ولا مال فليحذر من تفويتها كحذره من ذهاب أهله وماله، وعلى الثاني أصيب في أهله وماله ويجوز أن يكون الأهل مرفوعا على أنه نائب فاعل وتر والمعنى فكأنما انتزع منه أهله وماله (قال) في الفتح الموتور من أخذ أهله أو ماله وهو ينظر إليه وذلك أشدّ لغمه فوقع التشبيه بذلك لمن فاتته الصلاة لأنه يجتمع عليه غمان غمّ الإثم وغمّ فقد الثواب كما يجتمع على الموتور غمان غمّ السلب وغمّ الطلب بالثأر (وقال) ابن عبد البر معناه عند أهل اللغة والفقه أنه كالذى يصاب بأهله وماله إصابة يطلب بها وترا والوتر الجناية التى يطلب ثأرها فيجتمع عليه غمان غمّ المصيبة وغم مقاساة طلب الثأر اهـ (وقال) الداودى معناه يتوجه عليه من الاسترجاع ما يتوجه على من فقد أهله وماله فيتوجه عليه الندم والأسف بتفويته الصلاة اهـ (أقول) الكلّ محتمل ولا مانع من إرادة الجميع والمراد بفوات
стр. 1006
العصر إخراجها عن وقتها بغروب الشمس وبه قال سحنون والأصيلى ويدلّ لذلك ما وقع في رواية عبد الرزاق لهذا الحديث عن ابن جريج عن نافع قلت لنافع حين تغيب الشمس قال نعم. وتفسير الراوى إذا كان فقيها أولى من غيره "وما سيأتي" للمصنف عن الأوزاعي من أن فواتها باصفرار الشمس "فلعله مبنىّ" على مذهبه في خروج وقت العصر كما نقله عنه الخطابى (وقال) المهلب ومن تبعه المراد فواتها في الجماعة لا فواتها باصفرار الشمس أو بمغيبها ولو كان بفوات وقتها كله لبطل اختصاصه بالعصر لأن ذهاب الوقت موجود في كل صلاة اهـ لكن نوقض بعين ما ادعاه لأن فوات الجماعة موجود أيضا في كل صلاة "وما قاله" من أن العصر اختصت بذلك لاجتماع المتعاقبين من الملائكة فيها "تعقبه" ابن المنير بأن الفجر كذلك فلا تختص العصر بتعاقب الملائكة قال والحق أن الله تعالى يختص ما شاء من الصلوات بما شاء من الفضيلة (واختلف) أهذا الوعيد فيمن فاتته العصر ناسيا أم عامدا فقال سالم بن عبد الله بن عمر ذلك فيمن فاتته ناسيا (ومال إليه) الترمذى حيث بوّب لهذا الحديث فقال "باب ما جاء في السهو عن وقت العصر" وقال الداودى هذا فيمن فاتته عامدا واختاره النووى وهو الظاهر ويؤيده ما رواه البخارى في صحيحه من ترك صلاة العصر حبط عمله وزاد معمر في روايته متعمدا وكذا أخرجه أحمد من حديث أبى الدرداء (وقد أخذ) بظاهر هذا الحديث الإمام أحمد كما تقدم (وحمله الجمهور) على التغليظ والتنفير من تركها. وقيل معناه كاد أن يحبط عمله أو يحرم من ثواب عمله مدّة حتى يوفقه الله تعالى لعمل يدرك به ما فاته من الثواب (وظاهر) الحديث أن هذا التغليظ فيمن تفوته العصر خاصة (قال النووى) في شرح مسلم قال ابن عبد البر يحتمل أن يلحق بالعصر باقى الصلوات والعصر جاءت في سؤال سائل أو نبه بالعصر على غيرها. وإنما خصها بالذكر لأنها تأتى وقت تعب الناس ومقاساة أعمالهم وحرصهم على أشغالهم وتسويفهم بها إلى انقضاء وظائفهم (وفيما قاله نظر) لأن الشرع ورد في العصر ولم تتحقق العلة في هذا الحكم فلا يلحق بها غيرها بالشك والتوهم وإنما يلحق غير المخصوص بالمنصوص إذا عرفنا العلة واشتركا فيها اهـ (وقد يحتج) للعموم بما رواه ابن أبي شيبة وغيره من طريق أبى قلابة عن أبى الدرداء مرفوعا من ترك صلاة مكتوبة حتى تفوته فكأنما وتر أهله وماله (قال) الحافظ في إسناده انقطاع لأن أبا قلابة لم يسمع من أبى الدرداء وما رواه ابن حبان وغيره من طريق نوفل بن معاوية مرفوعا من فاتته الصلاة فكأنما وتر أهله وماله. وما أخرجه عبد الرزاق من وجه آخر عن نوفل بلفظ لأن يوتر أحدكم أهله وماله خير له من أن يفوته وقت صلاة (فهذه الأحاديث) ظاهرة في العموم. لكن أخرج أحمد حديث أبى الدرداء بلفظ من ترك العصر فكأنما ترك أهله وماله. فتحمل روايته المتقدمة وكذا بقية الروايات المطلقة على الرواية المقيدة. ويؤيد هذا ما رواه الطبرانى بلفظ من الصلاة صلاة من فاتته فكأنما وتر
стр. 1007
أهله وماله وزاد فيه عن الزهرى قلت لأبي بكر بن عبد الرحمن الذى حدّث به ما هذه الصلاة قال العصر. ورواه ابن أبى خيثمة من وجه آخر فصرّح بأنها العصر كما في رواية المصنف ورواية أحمد المتقدّمة فالظاهر اختصاص العصر بذلك التغليظ كما قاله الحافظ. وهذا لا ينافي أن فوات غير العصر من الصلوات موجب للإثم
(فقه الحديث) دلّ الحديث على الترهيب من تأخير صلاة العصر عن وقتها وقد شبه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من أخرها عن وقتها بمن فقد أهله وهذا تقريب لنا وإلا فما يلحقه من العذاب أشدّ
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم والبيهقى
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: «أُوتِرَ» وَاخْتُلِفَ عَلَى أَيُّوبَ فِيهِ.
(ش) ساق المصنف هذا لبيان أنه قد اختلف على نافع في رواية الحديث عن ابن عمر هل هو بلفظ وتر بالواو أو أتر بالهمزة فروى مالك عن نافع وتر بالواو. وروى عنه عبيد الله بن عمر بن حفص القواريري أحد شيوخ المصنف أتر بالهمزة بدلا من الواو كما في قوله تعالى "وإذا الرسل أقتت" وأن أيوب السختيانى قد اختلف عليه في روايته عن نافع فرواه بعضهم وتر بالواو كما في رواية مالك ورواه بعضهم عنه أتر بالهمزة كما في رواية عبيد الله عن نافع. ورواية عبيد الله وصلها الدارمي كرواية مالك قال أخبرنا محمد بن يوسف ثنا سفيان عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وولده قال أبو محمد أو ماله. وأما رواية أيوب فلم نقف على من أخرجها غير أن الحافظ في الفتح أشار إلى أن أبا مسلم الكجي روى الحديث عن حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع
(ص) وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «وُتِرَ».
(ش) غرض المصنف بسياق هذا التعليق ترجيح رواية وتر بالواو لاتفاق أكثر الحفاظ عليها. وهذا التعليق وصله مسلم والنسائى وابن ماجه والبيهقي
(ص) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، نَا الْوَلِيدُ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَمْرٍو يَعْنِي الْأَوْزَاعِيَّ: وَذَلِكَ أَنْ تَرَى مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الشَّمْسِ صَفْرَاءَ
стр. 1008
(ش) غرض المصنف بهذا الأثر بيان ما به يفوت وقت العصر
(قوله الوليد) بن مسلم
(قوله وذلك أن ترى الخ) أى فوات العصر المفهوم من تفوته يتحقق برؤيتك ضوء الشمس أصفر على وجه الأرض فقوله من الشمس بيان لما. وهذا مذهب الأوزاعي وقد علمت أن المعوّل عليه في الفوات تأخيرها إلى أن تغيب الشمس
(باب في وقت المغرب)
أى في بيان وقت صلاة النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم المغرب، وفى بعض النسخ "باب وقت المغرب"
(ص) حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ شَبِيبٍ، ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ نَرْمِي فَيَرَى أَحَدُنَا مَوْضِعَ نَبْلِهِ»
(ش) (قوله حماد) بن سلمة
(قوله فيرى أحدنا موضع نبله) أى يرى الموضع الذى تصل إليه السهام إذا رمى بها. والمراد أنا نبكر بالمغرب أول وقتها عقب غروب الشمس. والنبل بفتح النون وسكون الموحدة السهام العربية لا واحد لها من لفظها. وقيل واحدها نبلة
(والحديث) يدلّ على أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يعجل صلاة المغرب وأنه كان يقرأ فيها بالسور القصار إذ لا يكون كذلك إلا عند التعجيل وقراءة السور القصار ولعل هذا كان في غالب أحيانه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلا ينافى ما ثبت من أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يقرأ فيها بالأعراف أو الصافات أو بالدخان أو بالطور أو المرسلات ومن أنه كان يؤخرّها إلى قرب مغيب الشفق. وهذا الحديث في حكم المرفوع
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على مشروعية تعجيل صلاة المغرب وهذا مجمع عليه (من أخرج الحديث أيضا) أخرج البخاري ومسلم وابن ماجة والبيهقي نحوه من حديث رافع بن خديج عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وأخرج النسائي نحوه من رواية رجل من أسلم أصحاب النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. ورواه أحمد من طريق عليّ بن بلال عن ناس من الأنصار بلفظ كنا نصلي مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم المغرب ثم نرجع فنترامى حتى نأتى ديارنا فما يخفى علينا مواقع سهامنا
стр. 1009
(ص) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عِيسَى، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ سَاعَةَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ إِذَا غَابَ حَاجِبُهَا»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله يزيد بن أبى عبيد) الأسلمى الحجازى مولى سلمة ابن الأكوع. روى عن مولاه وعمير وهشام بن عروة. وعنه يحيى القطان وحفص بن غياث وصفوان بن عيسى وحاتم بن إسماعيل وآخرون. وثقه أبو داود وابن حبان وابن معين والآجرى وقال العجلى تابعى ثقة وقال ابن سعد ثقة كثير الحديث. مات سنة ست أو سبع وأربعين ومائة روى له الجماعة
(قوله سلمة بن الأكوع) هو سلمة بن عمرو بن الأكوع بن سنان بن عبد الله ابن بشير الأسلمى أبو مسلم فالأكوع لقب لجدّه. شهد بيعة الرضوان وبايع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يومئذ ثلاث مرار أول الناس وأوسطهم وآخرهم. روى له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سبعة وسبعون حديثا اتفق الشيخان على ستة عشر وانفرد البخارى بخمسة ومسلم بسبعة. وعنه ابنه إياس وزيد بن أسلم ومولاه يزيد بن أبى عبيد وأبو سلمة بن عبد الرحمن وكثيرون. كان شجاعا راميا محسنا خيرا يقال كان يسبق الفرس على قدميه. مات بالمدينة سنة أربع وسبعين. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله ساعة تغرب الخ) ساعة ظرف زمان مضاف إلى الجملة أي حين تغرب الشمس. وقوله إذا غاب حاجبها بدل من قوله ساعة تغرب. وحواجب الشمس نواحيها والمراد هنا طرفها الأعلى الذى يبقى بعد مغيب أكثرها. والمعنى أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يصلى المغرب إذا تحقق غروب الشمس في أول وقتها
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم وابن ماجه بألفاظ متقاربة والترمذى وقال حسن صحيح
(ص) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو أَيُّوبَ غَازِيًا وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِر يَوْمَئِذٍ عَلَى مِصْرَ فَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو أَيُّوبَ، فَقَالَ: لَهُ مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ يَا عُقْبَةُ، فَقَالَ: شُغِلْنَا، قَالَ: أَمَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ» - أَوْ قَالَ:
стр. 1010
عَلَى الْفِطْرَةِ - مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إِلَى أَنْ تَشْتَبِكَ النُّجُومُ "
(ش) (رجال الحديث)
(قوله مرثد) بفتح الميم وسكون الراء وفتح المثلثة (ابن عبد الله) أو الخير اليزني المصرى. روى عن سعيد بن زيد وأبى أيوب خالد بن زيد الأنصارى وعمرو ابن العاصى وابنه عبد الله وزيد بن ثابت. وعنه عبد الرحمن بن شماسة وكعب بن علقمة ويزيد ابن أبى حبيب وجعفر بن ربيعة وغيرهم. قال أبو سعيد كان مفتى أهل مصر في زمانه وقال العجلى تابعى ثقة وقال ابن سعد كان ثقة وله فضل وعبادة وقال ابن معين رجل صدق ووثقه ابن حبان وابن شاهين ويعقوب بن سفيان. توفي سنة تسعين. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله قال قدم علينا) وفى نسخة قال لما قدم علينا
(قوله وعقبة بن عامر يومئذ الخ) أى يوم قدم أبو أيوب مصر كان عقبة واليا عليها من قبل معاوية سنة أربع وأربعين
(قوله ما هذه الصلاة) إنكار من أبى أيوب على عقبة بن عامر في تأخيره المغرب إلى اشتباك النجوم
(قوله شغلنا) لعلّ اشتغاله كان بشئ من مصالح المسلمين
(قوله أما سمعت رسول الله صلى في الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ) وفى رواية الحاكم فقال أما والله ما آسى "أى أحزن" إلا أن يظنّ الناس أنك رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصنع هكذا سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول لا تزال أمتي الخ
(قوله أو قال على الفطرة) شك من الراوى وكذا في رواية الحاكم وفى رواية له أيضا وابن خزيمة وابن ماجه عن العباس بن عبد المطلب لا تزال أمتى على الفطرة بدون شك. والمراد من الفطرة السنة والدين الحق كما في قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عشر من الفطرة
(قوله إلى أن تشتبك النجوم) أى إلى اشتباك النجوم. واشتباكها ظهور الكثير منها واختلاط بعضها ببعض، وغرض أبى أيوب من سوق هذا الحديث ذمّ تأخير صلاة المغرب عن أول وقتها
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على استحباب المبادرة بصلاة المغرب وكراهة تأخيرها إلى اشتباك النجوم، وعلى أن تأخيرها سبب لزوال الخير وتعجيلها سبب لاستجلابه وقد عكست الروافض فجعلت تأخير صلاة المغرب إلى اشتباك النجوم مستحبا، والإجماع وأحاديث الباب تردّه
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد والحاكم في المستدرك وأخرج ابن ماجه وابن خزيمة والدارمى عن العباس بن عبد المطلب نحوه (قال) الشيخ زكي الدين في إسناده محمد بن إسحاق بن يسار اهـ وكأنه أشار بهذا إلى ضعف الحديث لأن محمد بن إسحاق متكلم فيه. لكن ليس الأمر كما زعمه فإن محمد بن إسحاق موثق عند الجمهور وقد صرّح هنا بالحديث. ومحلّ التكلم ما لم يصرّح
стр. 1011
بالتحديث وأيضا فإن الحاكم قال صحيح على شرط مسلم
(باب في وقت العشاء الآخرة)
أى في بيان وقت صلاة النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم العشاء الآخرة، وفي بعض النسخ باب وقت العشاء الآخرة، وفى بعضها باب ما جاء في وقت عشاء الآخرة بالإضافة
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِوَقْتِ هَذِهِ الصَّلَاةِ «صَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يُصَلِّيهَا لِسُقُوطِ الْقَمَرِ لِثَالِثَةٍ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله
(قوله عن أبى بشر) هو جعفر ابن أبى وحشية
(قوله بشير) بفتح الموحدة (ابن ثابت) الأنصارى مولى النعمان بن بشير. روى عن حبيب بن سالم. وعنه شعبة وأبو بشر. وثقه ابن معين وابن حبان. روى له أبو داود والترمذى والنسائى
(قوله حبيب بن سالم) الأنصارى مولى النعمان بن بشير وكاتبه. روى عن النعمان وأبى هريرة. وعنه محمد بن المنتشر وأبو بشر وخالد بن عرفطة وغيرهم. وثقه أبو داود وابن حبان وقال البخارى فيه نظر وقال ابن عدى ليس في متون أحاديثه حديث منكر بل قد اضطرب في أسانيد ما يروى عنه. روى له الجماعة إلا البخارى
(قوله النعمان بن بشير) بن سعد بن ثعلبة ابن جلاس بالجيم المضمومة ابن زيد بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصارى الخزرجي أبى عبد الله المدنى له ولأبويه صحبة. وهو أول مولود ولد في الأنصار بعد قدومه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عام اثنتين من الهجرة. روى له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أربعة وعشرون ومائة حديث اتفق الشيخان على خمسة وانفرد البخارى بحديث ومسلم بأربعة. وعنه ابنه محمد والشعبى وسالم بن أبى الجعد وسماك بن حرب وحبيب بن سالم وعروة ابن الزبير وكثيرون. قال عبد الملك بن عمير أتى بشير بن سعد بالنعمان إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال يا رسول الله ادع له فقال أما ترضى أن يبلغ ما بلغت ثم يأتى الشام فيقتله منافق من أهل الشام وقال أبو مسهر كان النعمان بن بشير عاملا على حمص "يعنى من قبل معاوية" فبايع لابن الزبير بعد موت يزيد بن معاوية فلما تمرّد أهل حمص خرج هاربا فأتبعه خالد بن خلى فقتله اهـ وكان ذلك سنة أربع أو ست وستين. روى له الجماعة
стр. 1012
(معنى الحديث)
(قوله أنا أعلم الناس الخ) وفي رواية للنسائي والله إني لأعلم، وفي رواية له أيضا أنا أعلم الناس بميقات هذه الصلاة. وهو من باب التحدّث بنعمة الله تعالى عليه بزيادة العلم مع ما فيه من حمل السامعين على اعتماد مرويه. ولعلّ وقوع هذا القول منه بعد موت غالب أكابر الصحابة وحفاظهم الذين هم أعلم بذلك منه. أو أنه قال ذلك ظنا منه أنه لم يضبط هذه العلامة من الصحابة أحد كما ضبطها هو. وقوله صلاة العشاء الآخرة بدل من الصلاة قبلها (هو دليل) على جواز وصفها بالآخرة وأنه لا كراهة فيه خلافا لما حكى عن الأصمعى من كراهته
(قوله لسقوط القمر لثالثة) أي أي وقت غروبه في ليلة ثالثة. وفى نسخة بعد غروب القمر لثلاث، ويغرب القمر في تلك الليلة بعد مضىّ ثنتين وعشرين درجة من غروب الشمس "وذلك نحو ساعة ونصف"
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يعجل بصلاة العشاء أول وقتها وكان هذا في بعض الأحيان لما تقدم من أنه كان يعجلها تارة ويؤخرها أخرى
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الترمذى والنسائى والدّارمى (قال) النووى إسناده جيد صحيح
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: مَكَثْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ فَخَرَجَ إِلَيْنَا حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا نَدْرِي أَشَيْءٌ شَغَلَهُ أَمْ غَيْرُ ذَلِكَ، فَقَالَ: حِينَ خَرَجَ «أَتَنْتَظِرُونَ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَوْلَا أَنْ تَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِي لَصَلَّيْتُ بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ»، ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ
(ش) (قوله جرير) بن عبد الحميد. و (منصور) بن المعتمر. و (الحكم) بن عتيبة
(قوله مكثنا الخ) بفتح الكاف وضمها أى لبثنا في المسجد ليلة من الليالى منتظرين صلاة العشاء فخرج إلينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حين ذهب ثلث الليل
(قوله أشيء شغله الخ) أى منعه عن الخروج لأدائها أول وقتها المعتاد. وفى رواية مسلم أشيء شغله في أهله أم غير ذلك بأن قصد بتأخيرها إحياء جزء من الليل بالسهر في العبادة. وقوله أتنتظرون
стр. 1013
هذه الصلاة استفهام بمعنى الخبر أى انتظر ثم هذه الصلاة دون غيركم من الأمم. ويؤيده رواية مسلم إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم. والمعنى أن انتظار هذه الصلاة من بين سائر الصلوات من خصوصياتكم التى خصكم الله تعالى بها فكلما زدتم في الانتظار كان الأجر أكمل لأن الوقت وقت راحة ولأن الذاكرين في الغافلين كالصابرين في الفارّين فالمثوبة على قدر المشقة (وبهذا) يندفع قول ابن حجر إنه لا دليل في الحديث على أفضلية تأخير العشاء لأن ثواب انتظار الصلاة يعمّ كل صلاة
(قوله لولا أن تثقل على أمتي الخ) تثقل بالمثناة الفوقية أى هذه الصلاة وهى رواية مسلم، وفى نسخة لولا أن يثقل بالمثناة التحتية أى التأخير وهي رواية النسائى والمعنى لولا أن يشقّ ويصعب على الأمة تأخير صلاة العشاء للازمت وداومت على صلاتها بالقوم في مثل هذه الساعة التي هي في نهاية ثلث الليل الأول أو بعده (والحديث يدلّ) على أفضلية تأخير العشاء عن أول وقتها (وقد) اختلف العلماء أتقديمها أفضل أم تأخيرها وهما مذهبان مشهوران للسلف وقولان لمالك والشافعى (فذهب) فريق إلى تفضيل التأخير محتجا بهذه الأحاديث المذكورة في الباب (وذهب) فريق إلى تفضيل التقديم محتجا بأن العادة الغالبة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هى التقديم وإنما أخرها في أوقات يسيرة لبيان الجواز أو لشغل أو لعذر ولو كان تأخيرها أفضل لواظب عليه وإن كان فيه مشقة (وردّ) بأن هذا إنما يتمّ لو لم يكن منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلا مجرّد الفعل لها في ذلك الوقت وهو ممنوع لورود الأقوال كما في حديث أبى هريرة قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "لولا أن أشقّ على أمتى لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه" رواه ابن ماجه والترمذى وصححه (إلى غير) ذلك من الأحاديث التي فيها تنبيه على أفضلية التأخير وعلى أن ترك المواظبة عليه لما فيه من المشقة. وأفعاله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا تعارض هذه الأقوال وأما ما ورد من أفضلية أول الوقت على العموم فهى مخصوصة بأحاديث هذا الباب
(فقه الحديث) والحديث يدلّ بظاهره على أفضلية تأخير صلاة العشاء إلى نحو ثلث الليل وعلى أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رحيم بالمؤمنين، وعلى أن الدين يسر لا مشقة فيه
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم والنسائى
(ص) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِيُّ، نَا أَبِي، نَا حَرِيزٌ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ السَّكُونِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، يَقُولُ: أَبْقَيْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْعَتَمَةِ فَتَأَخَّرَ حَتَّى ظَنَّ الظَّانُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجٍ وَالْقَائِلُ مِنَّا يَقُولُ: صَلَّى،
стр. 1014
فَإِنَّا لَكَذَلِكَ حَتَّى خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، فَقَالُوا لَهُ كَمَا قَالُوا، فَقَالَ «أَعْتِمُوا بِهَذِهِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّكُمْ قَدْ فُضِّلْتُمْ بِهَا عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ، وَلَمْ تُصَلِّهَا أُمَّةٌ قَبْلَكُمْ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله حدثنا أبى) هو عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصى أبو عمرو القرشى. روى عن حريز بن عثمان وشعيب بن أبى حمزة ومحمد بن مطرف وكثيرين. وعنه ابناه عمرو ويحيى ومؤمل بن شهاب ومحمد بن عوف وطائفة. وثقه أحمد وابن معين وقال في التقريب ثقة عابد من التاسعة. مات سنة تسع ومائتين. روى له أبو داود والنسائى وابن ماجه
(قوله حريز) بالحاء المهملة ابن عثمان
(قوله عاصم بن حميد) الحمصى. روى عن عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وعوف بن مالك الأشجعى وعائشة وكثيرين. وعنه عمرو بن قيس ومالك بن زياد وراشد بن سعد وغيرهم. وثقه أحمد وابن معين والحافظ والدارقطنى وابن حبان وذكره أبو زرعة في الطبقة العليا من تابعى أهل الشام وقال ابن القطان لا يعرف أنه ثقة روى له أبو داود والنسائى وابن ماجه. و (السكونى) نسبة إلى سكون بن أشرس
(معنى الحديث)
(قوله أبقينا النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ) أى انتظرناه في صلاة العشاء الآخرة، وفى بعض النسخ بقينا بلا همز وهو أشهر رواية، وفى نسخة ارتقبنا يقال بقيت الرجل أبقيه وارتقبته إذا انتظرته. ووصفها بالعتمة لأن العرب يطلقون العشاء على المغرب فلو قال في صلاة العشاء لتوهم إن المراد صلاة المغرب. وقوله حتى ظنّ الظانّ الخ غاية لتأخرّه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن صلاة العشاء حتى اضطرب القوم فقال بعضهم إنه ليس بخارج وقال آخرون إنه قد صلى واستمرّوا مضطربين حتى خرج فأخبروه مما قالوه فقال أعتموا بهذه الصلاة فالباء للتعدية أى أدخلوها في العتمة أو للمصاحبة أى ادخلوا في العتمة متلبسين بهذه الصلاة. والعتمة ظلمة الليل من غيبوبة الشفق إلى آخر الثلث الأول. والمراد أخروا صلاة العشاء الآخرة إلى ثلث الليل أو نصفه والأمر في هذا الحديث للندب بدليل قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الحديث السابق لولا أن تثقل على أمتى لصليت بهم هذه الساعة. ولا منافاة بين حديث الباب وما رواه أحمد وابن ماجه والترمذى عن أبي هريرة مرفوعا لولا أن أشقّ على أمتى لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه. لأن الأمر المنفىّ فيه للإيجاب. وحديث الباب حجة لمن قال بأفضلية تأخير صلاة العشاء وتقدم بيانه
(قوله فإنكم قد فضلتم بها الخ) أى خصكم الله تعالى بإيجاب صلاة العشاء عليكم دون سائر الأمم وهو تعليل للأمر بتأخيرها "ولا منافاة" بينه وبين قوله في حديث جبريل المتقدم هذا وقت الأنبياء من قبلك "لأن صلاة" العشاء كانت تصليها الرسل نافلة لهم ولم تكتب على أممهم كالتهجد فإنه وجب على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولم
стр. 1015
يجب علينا أو أن هذا بالنسبة لغير العشاء "فإن قلت" ما المناسبة بين الأمر بتأخير العشاء واختصاصها بالأمة دون سائر الأمم حتى يجعل الثاني علة الأول "قلت" كأن المراد أنهم إذا أخروها منتظرين خروج الإمام كانوا في صلاة وكتب لهم ثواب المصلي فإذا كان الله تعالى شرّفهم بالاختصاص بهذه الصلاة فينبغى أن يطوّلوها ويستعملوا أكثر الوقت فيها فإن عجزوا عن ذلك فعلوا فعلا يحصل لهم به ثواب المصلي
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على مشروعية انتظار الإمام إذا تأخر عن الحضور أول وقت الصلاة، وعلى استحباب تأخير صلاة العشاء عن أول وقتها إلى ثلث الليل أو نصفه لكن محله ما لم يثقل على الحاضرين كما تقدم، وعلى أن الله تعالى خصّ الأمة المحمدية بفضل لم يكن لغيرها وعلى أن من أتى بشئ يخفى على غيره يطلب منه أن بين وجهه، وعلى أن من خفي عليه شئ يطلب منه أن يسأل عنه الخبير به
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقى بسنده إلى عاصم بن حميد السكوني صاحب معاذ بن جبل عن معاذ قال بقينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لصلاة العتمة ليلة فتأخر بها حتى ظنّ الظانّ أن قد صلى أو ليس بخارج ثم إنه خرج بعد فقال له قائل يا نبي الله لقد ظننا أنك قد صليت يا نبي الله أولست بخارج فقال لنا النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أعتموا بهذه الصلاة فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم ولم تصلها أمة قبلكم
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، نَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ صَلَاةَ الْعَتَمَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى مَضَى نَحْوٌ مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ فَقَالَ: «خُذُوا مَقَاعِدَكُمْ» فَأَخَذْنَا مَقَاعِدَنَا فَقَالَ: «إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَأَخَذُوا مَضَاجِعَهُمْ وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ وَلَوْلَا ضَعْفُ الضَّعِيفِ وَسَقَمُ السَّقِيمِ لَأَخَّرْتُ هَذِهِ الصَّلَاةَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ»
(ش) (قوله عن أبى نضرة) هو منذر بن مالك
(قوله صلينا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ) أى أردنا أن نصل معه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في جماعة صلاة العشاء الآخرة "فإن قيل" قد ورد النهى عن إطلاق العتمة على العشاء ففى مسلم لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء فإنها في كتاب الله العشاء وإنها تعتم بحلاب الإبل وفى رواية لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ألا إنها العشاء وهم يعتمون بالإبل "أجيب"
стр. 1016
بأن النهي فيه محمول على التنزيه وإطلاق اسم العتمة عليها في حديث الباب وغيره من الأحاديث الصحيحة كحديث لو يعلمون ما في الصبح والعتمة لأتوهما ولو حبواً لأن اسم العتمة أشهر عند العرب وقد خاطب صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بذاك من لا يعرف العشاء
(قوله حتى مضى نحو من شطر الليل الخ) غاية لعدم خروجه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أي لم يخرج إلى أن ذهب من الليل ما يقرب من نصفه فخرج فصلى بهم ثم قال خذوا مقاعدكم أي الزموا مجالسكم حتى أحدّثكم عن ثواب تأخير صلاة العشاء كما في رواية النسائي وابن ماجة فخرج فصلى بهم ثم قال إن الناس قد صلوا. ويحتمل أن قوله خذوا مقاعدكم وقع منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قبل الصلاة أي قال لهم بعد فراغكم من الصلاة خذوا مقاعدكم. وقوله إن الناس قد صلوا المراد بهم المسلمون الذين لم يحضروا صلاة العشاء معه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في تلك الليلة
(قوله وإنكم لم تزالوا في صلاة الخ) وفى نسخة لن تزالوا. وهو من باب التشبيه البليغ والواو فيه للاستئناف أي إنكم ما دمتم منتظرين الصلاة فلكم ثواب المتلبسين بها لأن المقصود من الصلاة عبادة الله ومراقبته وانتظار العبادة عبادة
(قوله ولولا ضعف الضعيف الخ) أى لولا الضعف والسقم موجودان في الناس لأخرت صلاة العشاء دائما لكن تركت المداومة على تأخيرها لدفع المشقة فبين صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فضيلة التأخير من وجهين (أحدهما) أن الناس في صلاة ما داموا منتظرين لها (ثانيهما) أن تأخيرها إلى نصف الليل أكثر ثوابا لكن لرعاية جانبي أصحاب الأسقام والضعفاء الذين لا يستطيعون التأخير قدّمها صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فإن في إحراز فضيلة التأخير تفويت فضيلة تكثير الجماعة وهي أهمّ منها والضعف بضم الضاد المعجمة لغة قريش وبفتحها لغة تميم خلاف القوّة والصحة. ومنهم من فرق فجعل المضموم في جانب الجسد والمفتوح في جانب الرأى والمضموم مصدر ضعف من باب قرب والمفتوح مصدر ضعف من باب قتل. والسقم بضم السين المهملة وسكون القاف المرض مصدر سقم من باب قرب وبفتحها مصدر سقم من باب تعب والاسم منه سقيم وجمعه سقام. والضعيف أعمّ من السقيم لأنه يتناول من به سقم ومن ذهبت قوّته كالشيخ الهرم وكل عاجز عن الحضور وذكر الثانى بعد الأول لشدّة الاهتمام. والحديث حجة لمن قال بأفضلية تأخير صلاة العشاء إلى نحو ثلث الليل
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه يطلب من العالم أن يعلم الجاهل، وعلى مشروعية الاستعداد لسماع الموعظة، وعلى أن انتظار الصلاة فيه الثواب للمنتظر كثواب المتلبس بالصلاة وعلى أنه يطلب مراعاة حال الضعيف والرحمة به. وعلى عظم رأفة النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالضعفاء، وعلى أن الدين سهل لا صعوبة فيه
стр. 1017
(من روى الحديث أيضا) رواه أحمد والنسائى وابن ماجه والبيهقى
(باب في وقت الصبح)
أى في بيان وقت صلاة النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الصبح. وفى نسخة باب في وقت صلاة الصبح
(ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا، قَالَتْ: «إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلَسِ»
(ش) (قوله إن كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ) إن مخففة واسمها ضمير الشأن أى إنه كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليصلى الصبح فينصرف النساء اللاتى يصلين معه حال كونهنّ متلفعات بالعين المهملة أى مستترات بمروطهنّ. وفي نسخة متلففات بالفاء وهي رواية الترمذى من التلفف بمعنى التلفع. والمروط جمع مرط بكسر الميم كساء من صوف أو خزّ أو كتان يؤتزر به وتتلفع به المرأة. وكنّ في ذلك الزمن على غاية الصيانة فما كان يتطرّق إليهنّ فتنة ولما حدثت الفتنة لهنّ وبهنّ منعهنّ العلماء من ذلك ولقد قالت عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا لو علم النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما أحدث النساء بعده لمنعهنّ المساجد كما منعت نساء بنى إسرائيل
(قوله ما يعرفن من الغلس) أى حال الانصراف في الطرقات لا داخل المسجد لأن جملة ما يعرفن حال من فاعل ينصرفن فتجب المقارنة بينهما أى ما يعرفهنّ أحد من أجل ظلمة آخر الليل المختلطة بضوء الصباح. وقيل من أجل ظلمة المسجد وعدم إسفاره لأنه ما كان يظهر النور إلا قريبا من طلوع الشمس لقرب السقف من الأرض وضيق المسجد وعدم السرج. لكن هذا مردود لأن فيه صرف الغلس عن حقيقته اللغوية ولما عرفت من أن قوله ما يعرفن حال من فاعل ينصرفن فتجب مقارنته له "ولا منافاة" بين هذا الحديث وحديث أبى برزة أنه كان ينصرف من الصلاة حين يعرف الرجل جليسه "لأن هذا" إخبار عن رؤية المتلفعة على بعد وذاك إخبار عن رؤية الجليس السافر (والحديث يدلّ) على استحباب المبادرة بصلاة الفجر أول الوقت. وبه قال مالك والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور والأوزاعي وداود بن على والطبرى وهو المروى عن عمر وعثمان وابن الزبير وأنس وأبى موسى وأبى هريرة. وحكى هذا القول الحازمى عن بقية الخلفاء الأربعة
стр. 1018
وأبى مسعود الأنصارى وأهل الحجاز. واحتجوا بحديث الباب وبقوله تعالى "وسارعوا إلى مغفرة من ربكم" والتعجيل من باب المسارعة إلى الخير. وقد ذمّ الله تعالى أقواما على الكسل بقوله "وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى" والتأخير من الكسل. وروى الترمذى من حديث ابن عمر مرفوعا الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، وبقوله تعالى "فاستبقوا الخيرات" وبما رواه البخارى ومسلم عن عائشة قالت كنّ نساء المؤمنات يشهدن مع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلاة الفجر متلفعات بمروطهنّ ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس. وبما رواه أبو برزة قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله ولسلم ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه وكان يقرأ بالستين إلى المائة. وتقدم نحوه للمصنف. وبما تقدم للمصنف عن أبى مسعود أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلى الصبح مرّة بغلس ثم صلى مرّة أخرى فأسفر بها ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات ولم يعد إلى أن يسفر. وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة الصريحة في أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يصلى الصبح بغلس (وذهب) أبو حنيفة وأصحابه والثورى وأكثر العراقيين إلى أن الإسفار بالصبح أفضل. وروى عن على وابن مسعود. واحتجوا بحديث رافع بن خديج أسفروا بالفجر وسيأتى للمصنف نحوه. وبما رواه البخارى ومسلم عن ابن مسعود قال ما رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين جمع بين المغرب والعشاء يجمع "أى المزدلفة" وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها. قالوا ومعلوم أنه لم يصلها قبل طلوع الفجر وإنما صلاها بعد طلوعه مغلسا بها فدلّ على أنه كان يصليها في جميع الأيام غير ذلك مسفرا بها. وقالوا ولأن الإسفار يؤدّي إلى كثرة الجماعة واتصال الصفوف ولأنه يتسع به وقت التنفل قبلها وما أفاد كثرة التنفل كان أفضل
"وأجيب" عن حديث رافع بن خديج بأن المراد بالإسفار انكشاف الفجر وظهوره فإنه يقال أسفر الفجر إذا انكشف وأضاء وأسفرت المرأة كشفت وجهها "ولا يشكل" على هذا التأويل قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فإنه أعظم للأجر "ولأن هذا" يدلّ على صحة الصلاة قبل الإسفار لكن الأجر فيها أقل لأنه إذا غلب على الظنّ دخول الوقت ولم يتيقنه جاز له الصلاة وله فيها أجر وإن تيقن طلوع الفجر فهو أفضل وأعظم للأجر. أو أن الأمر بالإسفار خاصّ بالليالي المقمرة لأن أول الصبح لا يتبين فيها فأمروا بالإسفار احتياطيا (وأجيب) أيضا عن قوله في حديث ابن مسعود "وصلى الفجر قبل ميقاتها" بأن معناه أنه صلاها قبل وقتها المعتاد لها في بقية الأيام وقد صلى في هذا اليوم أول طلوع الفجر ليتسع الوقت لمناسك الحج وكان يؤخرها في غير هذا اليوم قدر ما يتوضأ المحدث ويغتسل الجنب. وجمع الطحاوي بين أحاديث التغليس وأحاديث
стр. 1019
الإسفار بأنه يدخل في الصلاة مغلسا ويطوّل القراءة حتى ينصرف منها مسفرا. وقال إن حديث عائشة هذا كان قبل الأمر بطول القراءة فهو منسوخ اهـ لكن دعواه النسخ لحديث عائشة لا دليل عليه. ويقوّى عدم النسخ ما قاله الترمذى من أن حديث عائشة حسن صحيح وهو الذى اختاره غير واحد من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم منهم أبو بكر وعمر ومن بعدهم من التابعين اهـ فلو كان منسوخا لما ذهب إليه هؤلاء الأكابر الذين هم أعلم بالنسخ من غيرهم. ولعلّ حديث عائشة مبنيّ على بعض الأحوال فإن الظاهر من الأدلة أنه كان يبتدئُ بغلس وهو الغالب من أحواله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وينصرف منها تارة بغلس كما في حديث عائشة وتارة بإسفار كما في حديث أبى برزة المتقدم وكان ذلك على حسب طول القراءة وقصرها فقد كان يقرأ فيها من الستين إلى المائة. وروى الطحاوى من طريق شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك قال صلى بنا أبو بكر صلاة الصبح فقرأ بسورة آل عمران فقالوا كادت الشمس تطلع فقال لو طلعت لم تجدنا غافلين. وروى أيضا من طريق عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدى قال صلى بنا أبو بكر صلاة الصبح فقرأ سورة البقرة في الركعتين جميعا فقال له عمر كادت الشمس تطلع فقال لو طلعت لم تجدنا غافلين "قال" أبو جعفر فهذا أبو بكر قد دخل في وقت غير الإسفار ثم مدّ القراءة فيها حتى خيف طلوع الشمس وهذا بحضرة أصحاب ر سول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وبقرب عهدهم من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولا ينكر عليه منهم منكر فدلّ ذلك على متابعتهم له ثم فعل ذلك عمر من بعده فلم ينكره من حضره منهم "إذا" علمت هذا "تبين لك" أن الراجح القول بالتغليس لصحة أدلته وقوّتها
(فقه الحديث) دلّ الحديث على طلب المبادرة بصلاة الصبح أول الوقت، وعلى جواز خروج النساء إلى المساجد لشهود الصلاة في الليل ومحلّ ذلك ما لم يخش عليهنّ أو بهنّ فتنة وعلى أنه يطلب من النساء الاستتار التامّ إذا خرجن لأمر مشروع لهنّ
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى والبيهقي وأخرجه ابن ماجه من طريق عروة عن عائشة
(ص) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «أَصْبِحُوا بِالصُّبْحِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِأُجُورِكُمْ أَوْ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ»
стр. 1020
(ش) (رجال الحديث)
(قوله سفيان) الثوري. و (ابن عجلان) هو محمد
(قوله عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان) الظفري الأوسي الأنصاري أبي عمر. روى عن أبيه وجابر ابن عبد الله وأنس وعلى بن الحسين وآخرين. وعنه ابنه الفضل وابن عجلان وزيد بن أسلم ومحمد ابن إسحاق. وثقه ابن معين والنسائى والبزّار وابن القطان وأبو زرعة وابن حبان وقال ابن سعد كان راوية للعلم ثقة كثير الحديث عالما. توفي سنة تسع عشرة أو عشرين ومائة. روى له الجماعة
(قوله محمود بن لبيد) بن عقبة بن رافع بن امرئ القيس الأشهلى الأنصارى أبى نعيم. ولد في حياة النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. روى عن عمر وعثمان وأبى سعيد الخدرى وآخرين، وعنه الزهرى وعاصم بن عمر ومحمد بن إبراهيم وبكير بن الأشج. ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين فيمن ولد على عهده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقال كان ثقة قليل الحديث وذكره مسلم في الطبقة الثانية من التابعين ووثقه يعقوب بن سفيان وقال ابن عبد البرّ قول البخارى في إثبات صحبته أولى وذكره ابن حبان في الصحابة وقال الترمذى رأى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو غلام صغير وقال الواقدى مات وهو ابن تسع وتسعين سنة (قال) الحافظ ابن حجر قول الواقدى يقوّى قول من أثبت الصحبة له لأن سنه يوم مات صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان ثلاث عشرة سنة اهـ
(قوله رافع بن خديج) ابن رافع بن عدي الخزرجي الأنصاري الحارثي أبي عبد الله أحدا والخندق. روى له عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثمانية وسبعون حديثا اتفق الشيخان على خمسة وانفرد مسلم بثلاثة. وعنه عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والسائب بن يزيد وحنظلة ابن قيس وكثيرون. مات سنة ثلاث أو أربع سبعين
(معنى الحديث)
(قوله أصبحوا بالصبح) أي صلوها عند طلوع الصبح يقال أصبح الرجل إذا دخل في الصبح (قال) السيوطى بهذا يعرف أن رواية من رواه بلفظ أسفروا بالفجر رواية بمعناه اهـ
(قوله فإنه أعظم للأجر) أى أن الإصباح المأخوذ من أصبحوا أكثر ثوابا من تأخيرها عن أول الوقت وهو تعليل للأمر بالإصباح (قال) الخطابي تأولوا حديث رافع بن خديج على أنه أراد بالإصباح والإسفار أن يصليها بعد الفجر الثاني "وزعموا" أنه يحتمل أن يكون أولئك القوم لما أمروا بتعجيل الصلاة جعلوا يصلونها بين الفجر الأول والفجر الثانى طلبا للأجر في تعجيلها ورغبة في الثواب فقيل لهم صلوها بعد الفجر الثانى وأصبحوا بها إذا كنتم تريدون الأجر فإن ذلك أعظم لأجوركم "فإن قيل" كيف يستقيم هذا ومعلوم أن الصلاة إذا لم يكن لها جواز لم يكن فيها أجر "قيل" أما الصلاة فلا جواز لها ولكن أجرهم
следующие страницы →