Полный текст (3 378 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
وعلى آله وسلم يسير حتى ابهارّ الليل وأنا إلى جنبه قال فنعس رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فمال عن راحلته فأتيته فدعمته من غير أن أوقظه حتى اعتدل على راحلته ثم سار حتى تهوّر الليل مال عن راحلته فدعمته من غير أن أوقظه حتى اعتدل على راحلته ثم سار حتى إذا كان من آخر السحر مال ميلة هي أشدّ من الميلتين الأوليين حتى كاد ينجفل فأتيته فدعمته فرفع رأسه فقال من هذا قلت أبو قتادة قال متى كان هذا مسيرك مني قلت مازال هذا مسيرى منذ الليلة قال حفظك الله بما حفظت به نبيه ثم قال هل ترانا نخفى على الناس ثم قال هل ترى من أحد قلت هذا راكب ثم قلت هذا راكب آخر حتى اجتمعنا فكنا سبعة ركب قال فمال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن الطريق ووضع رأسه ثم قال احفظوا علينا صلاتنا "الحديث" أى وقت صلاتنا
(قوله فضرب على آذانهم) أى حجب الصوت والحسّ بسبب النوم عن أن يلج آذانهم فينتبهوا فكأنها قد ضرب عليها حجاب ومن هذا قوله تعالى "فضربنا على آذانهم في الكهف"
(قوله فساروا هنية) أى قليلا من الزمن بأمره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ففى رواية مسلم قال اركبوا فركبوا فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس. وهنية تصغير هنة ويقال هنيهة أيضا
(قوله فصلوا ركعتى الفجر) أى سنة الفجر (وبهذا استدل) أبو حنيفة وأبو يوسف على أن سنة الفجر إذا فاتت مع الفرض تقضى بعد طلوع الشمس قبل الفرض وقال أبو حنيفة إذا فاتت السنة وحدها فلا تقضى خلافا لمحمد فإنه يقيسها على ما إذا فاتت مع الفرض ولأبي حنيفة وأبى يوسف أيضا أن الأصل في السنن أن لا تقضى لكن سنة الفجر إذا فاتت مع الفرض خصت بهذا الحديث (وذهبت) الشافعية إلى أن سنة الفجر تقضى فاتت مع الفرض أو وحدها والأفضل أن تكون قبله وكذا بقية الرواتب (ولا تقضى) في المشهور عن مالك. وعند أصحابه تقضى مطلقا إلى الزوال فاتت مع الفرض أو وحدها ومشهور المذهب أنها تصلى بعد الفرض. وقال ابن زياد وأشهب تقضى قبله وسيأتى هذا مزيد إن شاء الله تعالى في باب قضاء ركعتى الفجر
(قوله قد فرّطنا في صلاتنا) أى قصرنا في صلاتنا حيث أوقعناها في غير وقتها المحدّد لها
(قوله لا تفريط في النوم الخ) أى لا تقصير فيه وإنما التقصير في اليقظة لوجود التقصير حالة التكليف. وفى رواية مسلم إنما التفريط على من لم يصلّ الصلاة حتى يجئ وقت الأخرى فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه وقوله لا تفريط في النوم دليل لمن قال إن النائم ليس مكلفا إنما القضاء بأمر جديد
(قوله ومن الغد للوقت) أى وليصلّ أيضا من الغد في الوقت فظاهره أن الفائتة يصليها مرّة حين ذكرها ومرّة من الغد في وقتها. وبهذا قال بعضهم لكن حملوا الإعادة على الاستحباب. قال الخطابى لا أعلم أحدا من الفقهاء قال به وجوبا. ويشبه أن يكون الأمر به استحبابا ليحرز فضيلة الوقت في القضاء عند مصادقة الوقت اهـ (وقال) جمهور العلماء ليس هذا الظاهر مرادا ولم يقل
стр. 1052
أحد من السلف باستحباب إعادة الصلاة من الغد (قال) النووى معناه أنه إذا فاتته صلاة فقضاها لا يتغير وقتها ولا يتحوّل في المستقبل بل يبقى كما كان فإذا كان الغد صلى صلاة الغد في وقتها المعتاد ولا يتحول وليس معناه أنه يقضى الفائتة مرّتين مرة في الحال ومرّة في الغد وإنما معناه ما قدمناه فهذا هو الصواب اهـ ويؤيد ما ذهب إليه الجمهور قوله في الرواية الآتية لا كفارة لها إلا ذلك فإنه يستفاد من الحصر أنه لا يجب غير إعادتها. وما رواه الدارقطني عن عمران بن حصين وفيه أمر بلالا فأقام فصلى الغداة فقلنا يا نبي الله ألا نقضيها لوقتها من الغد فقال لهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أينهاكم الله عن الربا ويقبله منكم. وقد ترجم البخارى لحديث من نسى صلاة الخ فقال باب منى نسى صلاة فليصلها إذا ذكر ولا يعيد إلا تلك الصلاة. وقال إبراهيم النخعى من ترك صلاة واحدة عشرين سنة لم يعد إلا تلك الصلاة الواحدة (قال) الحافظ يحتمل أن يكون البخارى أشار بقوله ولا يعيد إلا تلك الصلاة إلى تضعيف ما وقع في بعض طرف حديث أبى قتادة عند مسلم في قصة النوم عن الصلاة حيث قال فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها فإن بعضهم زعم أن ظاهره إعادة الصلاة مرّتين عند ذكرها وعند حضور مثلها من الوقت الآتى ولكن اللفظ المذكور ليس نصا في ذلك لأنه يحتمل أن يريد بقوله فليصلها عند وقتها أى الصلاة التى تحضر لا أنه يريد أن يعيد التى صلاها بعد خروج وقتها ولم يقل أحد من السلف باستحباب ذلك، ويؤيد ذلك ما رواه النسائى من حديث عمران ابن حصين أيضا أنهم قالوا يا رسول الله ألا نقضيها لوقتها من الغد فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا ينهاكم الله عن الربا ويقبله منكم اهـ
(فقه الحديث) دلّ الحديث زيادة على ما تقدم على مشروعية الأذان للفائتة وتقدم بيانه وعلى أن ركعتى الفجر تقضى، وعلى أن تأخير الصلاة بسبب النوم لا إثم فيه سواء أكان قبل دخول وقتها أم بعده قبل تضييقه. وقيل إنه إذا تعمد النوم قيل تضييق الوقت واتخذ ذلك ذريعة إلى ترك الصلاة بغلبة ظنه أنه لا يستيقط إلا وقد خرج الوقت كان آثما، لكن الظاهر أنه لا إثم عليه بالنظر إلى النوم لأنه فعله في وقت له فعله فيه فيشمله الحديث. وأما من نام بعد تضييق الوقت فلا شك انه آثم لتعلق الخطاب به والنوم مانع عن الامتثال والواجب إزالة المانع
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم بلفظ أتمّ تقدم بعضه وأخرج النسائى والترمذى وابن ماجه طرفا منه وقال الترمذى حديث حسن صحيح
(ص) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، ثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ، ثَنَا خَالِدُ بْنُ
стр. 1053
سُمَيْرٍ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبَاحٍ الْأَنْصَارِيُّ، مِنَ الْمَدِينَةِ وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ تُفَقِّهُهُ، فَحَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ جَيْشَ الْأُمَرَاءِ -بِهَذِهِ الْقِصَّةِ- قَالَ: فَلَمْ تُوقِظْنَا إِلَّا الشَّمْسُ طَالِعَةً فَقُمْنَا وَهِلِينَ لِصَلَاتِنَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رُوَيْدًا رُوَيْدًا»، حَتَّى إِذَا تَعَالَتِ الشَّمْسُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَرْكَعُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فَلْيَرْكَعْهُمَا»، فَقَامَ مَنْ كَانَ يَرْكَعُهُمَا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ يَرْكَعُهُمَا فَرَكَعَهُمَا ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ أَنْ يُنَادَى بِالصَّلَاةِ فَنُودِيَ بِهَا فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فَصَلَّى بِنَا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «أَلَا إِنَّا نَحْمَدُ اللَّهَ أَنَّا لَمْ نَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا يَشْغَلُنَا عَنْ صَلَاتِنَا وَلَكِنَّ أَرْوَاحَنَا كَانَتْ بِيَدِ اللَّهِ فَأَرْسَلَهَا أَنَّى شَاءَ فَمَنْ أَدْرَكَ مِنْكُمْ صَلَاةَ الْغَدِ مِنْ غَدِهِ صَالِحًا فَلْيَقْضِ مَعَهَا مِثْلَهَا».
(ش) (رجال الحديث)
(قوله على بن نصر) بن عليّ بن نصر بن عليّ بن صهبان أبو الحسن الأزدى الجهضمى البصرى الصغير. روى عن وهب بن جرير وأبى داود الطيالسى وعبد الصمد بن عبد الوارث وعبد الله بن داود وكثيرين. وعنه أبو زرعة وأبو حاتم ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائى وآخرون، وثقة أبو حاتم وأطنب في الثناء عليه وقال صالح بن محمد ثقة صدوق وقال الترمذى كان حافظا صاحب حديث ووثقه النسائى وابن حبان. مات سنة خمسين ومائتين
(قوله الأسود بن شيبان) السدوسى أبو شيبان البصرى مولى أنس بن مالك روى عن الحسن البصرى ويزيد بن عبد الله وموسى بن أنس وخالد بن سمير وغيرهم. وعنه ابن المبارك وابن مهدى ووكيع ووهب بن جرير وآخرون، وثقه العجلى وأحمد والنسائى وابن معين وقال أبو حاتم صالح الحديث. روى له مسلم وأبو داود والنسائى وابن ماجه. مات سنة ستين ومائة
(قوله خالد بن سمير) هكذا في جميع النسخ الموجودة بأيدينا بالسين المهملة
стр. 1054
مصغرا. وفى الخلاصة خالد بن شمير بالشين المعجمة مصغرا، السدوسى البصرى. روى عن عبد الله بن عمر وأنس بن مالك وبشير بن نهيك وعبد الله بن رباح وغيرهم. وعنه الأسود بن شيبان. قال العجلى بصرى ثقة ووثقه ابن حبان والنسائى. روى له أبو داود والنسائى وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله وكانت الأنصار تفقهه) أى تعدّه فقيها
(قوله بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم جيش الأمراء) هو جيش غزوة موتة بضم الميم وسكون الواو بغير همزة وحكى بالهمزة أيضا، وسميت بذلك لكثرة الأمراء فيها. وذكر جيش الأمراء في هذه الرواية غلط لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يكن مع الجيش في غزوة موتة بل كان بالمدينة. ويؤيده ما في البخارى في باب غزوة موتة من أرض الشام عن أنس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذ جعفر فأصيب ثم أخذ ابن رواحة فأصيب وعيناه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تذرفان حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله تعالى حتى فتح الله تعالى عليه. أو أن المراد به من كانوا في غزوة خيبر فإنه قد تولى على الجيش فيها أمراء كثيرة فإن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما نزل خيبر أخذته الشقيقة "وجع في الرأس" فلم يخرج للقتال وإن أبا بكر أخذ راية رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم نهض فقاتل قتالا شديدا ثم رجع فأخذها عمر فقاتل قتالا شديدا هو أشدّ من القتال الأول ثم رجع فأخبر بذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال أما والله لأعطينها غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يأخذها عنوة وليس ثمة عليّ فتطاولت لها قريش ورجا كل واحد منهم أن يكون صاحب ذلك فجاء عليّ على بعير له حتى أناخ قريبا من قباء رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو أرمد فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مالك قال رمدت بعد فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ادن منى فدنا منه فتفل في عينيه فما وجعهما قط ثم أعطاه الراية فنهض بها معه إلى آخر القصة فهذه الغزوة أيضا تستحق أن تسمى بجيش الأمراء لأنها تأمر فيها أميرا بعد أمير وهذا هو الموافق لسياق الحديث وليس المراد بجيش الأمراء غزوة موتة
(قوله بهذه القصة) أى قصة نومهم عن صلاة الصبح التى ذكرها ثابت البنانى عن عبد الله بن رباح في الحديث السابق
(قوله فقمنا وهلين الخ) أي فزعين لأجل فوات صلاتنا. ووهلين جمع وهل بفتح الواو وكسر الهاء صفة مشبهة من وهل يوهل إذا فزع من شيء يصيبه
(قوله رويدا رويدا) أى أمهلوا إمهالا فهو اسم فعل وكرّر للتأكيد والمراد أخروا الصلاة حتى تنتقلوا من هذا المكان كما تقدم
(قوله حتى إذا تعالت الشمس) أى ارتفعت وتكامل ظهورها. وفي نسخة تقالت بالقاف وتشديد اللام وهي بمعنى
стр. 1055
الأولى
(قوله من كان منكم يركع ركعتي الفجر الخ) أى من كان يعتاد صلاة ركعتين سنة الفجر في السفر فليصلهما ومن لا فلا فخيرهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في ذلك من أجل السفر فقاموا جميعا فركعوهما بعد أمره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. ويحتمل أن المراد من كان منكم يصليهما قبل اليوم في الحضر فليصلها الآن فصلاهما بعد أمره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من كان من الصحابة يصليهما قبل ومن لم يكن يصليهما فدلّ على أن بعض الصحابة لم يكن يصلى ركعتى الفجر في الحضر. ولعله لم يبلغه ما ورد فيهما من الفضل فإنه يبعد على الصحابة أن يتركوا ما واظب عليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ورغب فيه فقد روى مسلم عن عائشة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يكن على شيء من النوافل أشدّ معاهدة منه على ركعتين قبل الصبح. وروى أيضا عنها أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها. أو لعل هذا خطأ من خالد بن سمير في أداء العبارة فإن حديث عبد الله ابن رباح عن أبى قتادة رواه ثابت البناني عن عبد الله بن رباح ولم يذكر من كان منكم يركع الخ كما تقدم وثابت البناني أحد الأئمة الأثبات، وإنما تفرّد به خالد بن سمير عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة فوهم فيه. على أن جماعة من الصحابة غير أبى قتادة رووا قصة النوم عن الصلاة مفصلة ومجملة منهم الله بن مسعود وبلال وأبو هريرة وعمران بن حصين وعمرو بن أمية الضمرى وأنس وابن عباس وعبد الله بن عمر وأبو أمامة ولم يذكر أحد منهم في حديثه هذه العبارة وأحاديث هؤلاء مروية في الصحيحين وغيرهما ولم ينقل أحد من الصحابة أنهم كانوا مخيرين في أداء ركعتى الفجر
(قوله أن ينادى بالصلاة) أى يقام لها لقوله فقام فصلى بنا ولأن النداء كان عقب صلاة سنة الفجر
(قوله ألا إنا نحمد الله الخ) ألا بفتح الهمزة وتحفيف اللام حرف تنبيه تدلّ على تحقق ما بعدها أى نحمد الله على عدم كوننا في شيء من أمور الدنيا يلهينا عن صلاتنا ولكن أرواحنا بيد الله فأرسلها متى شاء فإنه يتوفى نفس النائم عند النوم ثم يرسلها عند اليقظة وقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لهم ذلك لما رأى من الصحابة عظم فوات وقت الصبح فسهل عليهم الأمر بهذا القول. والرّوح يذكر ويؤنث وهو جوهر لطيف مشتبك بالجسم اشتباك الماء بالعود الأخضر على هيئة جسد صاحبها كما تقدم "لا يقال" كيف تفسر الروح وقد قال تعالى حكاية عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "قل الروح من أمر ربى" "لأن السؤال" كان عنها من حيث قدمها وحدوثها وليس فيه ما ينافي جواز تفسيرها وأيضا أمر الروح كان مبهما في التوراة فقالت اليهود نسأله عن أصحاب الكهف وعن ذى القرنين وعن الروح فإن أجاب عنه أو سكت فليس بنبيّ وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبى فبين لهم القصتين وأبهم الروح حتى لا يطعنوا في نبوّته
(قوله فليقض معها مثلها) أى يصلى مع صلاة الغداة الحاضرة فائتة
стр. 1056
مثلها فهو صريح في أن الفائتة تصلى مرتين مرة حين ذكرها ومرّة من الغد في وقتها. لكن قال البيهقى في معرفة السنن قد روى الأسود بن شيبان عن خالد بن سمير عن عبد الله بن رباح عن أبى قتادة في قصة نومهم عن الصلاة وقضائهم لها قال فقال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فمن أدركته هذه الصلاة من غد صالحا فليصل معها مثلها ولم يتابعه على هذه الرواية ثقة وإنما الحديث عند سليمان بن المغيرة عن ثابت البناني عن عبد الله بن رباح عن أبى قتادة عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في هذه القصة قال ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصلّ الصلاة حتى يجئ وقت الأخرى فإذا كان ذلك فليصلها حين يستيقظ فإذا كان من الغد فليصلها عند وقتها ورواه مسلم في الصحيح عن شيبان بن فرّوخ عن سليمان وإنما أراد والله تعالى أعلم أن وقتها لم يتحوّل إلى ما بعد طلوع الشمس بنومهم وقضائهم لها بعد الطلوع فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها يعنى صلاة الغد هذا هو اللفظ الصحيح وهذا هو المراد به فحمله خالد بن سمير عن عبد الله بن رباح على الوهم اهـ (والحاصل) أن خالد بن سمير وهم في هذا الحديث في ثلاثة مواضع "الأول" في قوله جيش الأمراء "الثاني" في قوله من كان منكم يركع ركعتي الفجر الخ "الثالث" في قوله فليقض معها مثلها
(ص) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَنَا خَالِدٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، فِي هَذَا الْخَبَرِ قَالَ: فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حَيْثُ شَاءَ وَرَدَّهَا حَيْثُ شَاءَ قُمْ فَأَذِّنْ بِالصَّلَاةِ» فَقَامُوا فَتَطَهَّرُوا، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ.
(ش) لعلّ غرض المصنف بسياق رواية حصين بن عبد الرحمن السلمي بيان أن فيها التصريح بالأمر بالأذان بخلاف رواية شيبان السابقة فإن فيها الأمر بالنداء وهو يصدق بالإقامة وأن فيها التصريح بالطهارة
(قوله خالد) بن عبد الله الطحان. و (ابن أبى قتادة) هو عبد الله بن الحارث بن ربعيّ
(قوله في هذا الخبر الخ) متعلق بقال الآتية أى قال أبو قتادة في هذا الخبر فقال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن الله قبض أرواحكم الخ
(قوله فتطهروا الخ) ظاهر هذه الرواية أن الأمر بالأذان وتطهرهم كانا قيل ارتفاع الشمس وما تقدم من الروايات وما سيأتى يفيد أنهما كانا بعد ارتفاع الشمس ولا منافاة بينهما لتعدد القصة. وهذه الرواية أخرجها البيهقى من طريق محمد بن فضيل عن حصين بن عبد الرحمن عن عبد الله بن أبى قتادة عن أبيه قال سرينا مع رسول الله صلى الله تعالى
стр. 1057
عليه وعلى آله وسلم ليلة فقال بعض القوم لو عرّست بنا يا رسول الله فقال إنى أخاف أن تناموا عن الصلاة فقال بلال أنا أوقظكم فنزل القوم فاضطجعوا وأسند بلال ظهره إلى راحلته فغلبته عينه فاستيقظ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقد طلع حاجب الشمس فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يا بلال أين ما قلت قال بلال يا رسول الله ما ألقيت على من نومة مثلها قط فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن الله قبض أرواحكم حين شاء وردّها إليكم حين شاء ثم قال يا بلال قم فأذن الناس بالصلاة فتوضأ فلما ارتفعت الشمس وابيضت قام فصلى
(ص) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، ثَنَا عَبْثَرٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ بِمَعْنَاهُ، قَالَ: فَتَوَضَّأَ حِينَ ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى بِهِمْ
(ش) مقصود المصنف من ذكر هذه الرواية بيان أنه قد اختلف على حصين فروى عنه خالد أن تطهر الصحابة كان قبل ارتفاع الشمس وروى عنه عبثر أن تطهرهم كان بعد ارتفاع الشمس وقد علمت أنه لا منافاة بينهما لتعدد القصة
(رجال الحديث)
(قوله هناد) بن السرىّ
(قوله عبثر) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة ابن القاسم أبو زبيد الزبيدى الكوفي. روى عن أبى إسحاق الشيباني والأعمش وحصين والثورى، وعنه عمرو بن عون ويحيى بن آدم وأبو نعيم وكثيرون. وثقه النسائى وابن معين وأبو داود وابن سعد ويعقوب بن سفيان وابن حبان وقال أبو حاتم صدوق. مات سنة ثمان أو تسع وسبعين ومائه. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله بمعناه) أى حديث عبثر عن حصين بن عبد الرحمن بمعنى حديث خالد عنه. وهذه الرواية أخرج البخارى نحوها مطوّلة من طريق محمد بن فضيل عن حصين
(ص) حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ الْعَنْبَرِيُّ، ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ وَهُوَ الطَّيَالِسِيُّ، ثَنَا سُلَيْمَانُ يَعْنِي ابْنَ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ أَنْ تُؤَخِّرَ صَلَاةً حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ أُخْرَى»
(ش) غرض المصنف من ذكر حديث سليمان بن المغيرة عن ثابت بيان الزيادة في حديثه
стр. 1058
بأن فيه أن التفريط في اليقظة أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى ولم يكن هذا مذكورا في حديث حماد عن ثابت ولا في حديث خالد بن سمير وكان ينبغى للمصنف أن يذكر هذه الرواية عقب رواية حماد المذكورة حيث كان الغرض أن ابن المغيرة عن ثابت زاد على رواية حماد عن ثابت في حديث أبى قتادة زيادة ليست فيها
(رجال الحديث)
(قوله العباس العنبرى) هو ابن عبد العظيم
(قوله سليمان بن المغيرة) أبو سعيد القيسي مولاهم البصرى. روى عن أبيه والحسن البصرى وابن سيرين وثابت البنانى وحميد بن هلال. وعنه الثورى وشعبة وابن مهدى وأبو داود الطيالسى وآخرون. قال أحمد ثبت ثبت وقال ابن سعد كان ثقة ثبتا وقال سليمان بن حرب ثقة مأمون ووثقه ابن معين وابن حبان والنسائى وابن أبى شيبة والعجلى والبزّار. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله ليس في النوم تفريط الخ) أى ليس في حالة النوم تقصير إذ ليس للإنسان اختيار حينئذ وإنما التفريط في اليقظة بأن تؤخر الصلاة إلى أن يدخل وقت التي بعدها وذلك بأن يتركها عامدا كسلا، وفي ذلك دلالة على امتداد وقت كل صلاة إلى وقت الأخرى وهو عامّ في كل صلاة حتى في المغرب على المختار إلا الصبح فإنها لا تمتدّ إلى الظهر بل يخرج وقتها طلوع الشمس لمفهوم قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أن فوات الصلاة بالنوم ومثله النسيان لا يعدّ تقصيرا وأن التقصير والإثم في عدم أدائها في الوقت بدون عذر، وعلى أن وقت كل صلاة يمتدّ إلى الأخرى وتقدّم بيانه
(من أخرج الحديث أيضا) أخرج الطحاوى والترمذى نحوه من طريق أبى عوانة عن قتادة
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ»
(ش) (قوله همام) بن يحيى. و (قتادة) بن دعامة
(قوله لا كفارة له إلا ذلك) أى إلا فعلها وقت تذكرها (وفى هذا) الحصر دلالة على أنه لا يجب غير فعلها مرة خلافا لمن قال إنها تصلى ثانيا في وقتها من اليوم الثاني كما تقدم (قال) الخطابى يريد أنه لا يلزمه في تركها غرم كفارة من صدقة أو نحوها كما تلزمه في ترك الصوم في رمضان من غير عذر الكفارة وكما يلزم المحرم
стр. 1059
إدا ترك شيئا من نسكه كفارة وجبران من دم أو طعام ونحوه. وفيه دليل على أنه لا يجوز لأحد أن يصلى عن أحد كما يحجّ عنه وكما يؤدّى عنه الديون ونحوها. وفيه دليل على أن الصلاة لا تجبر بالمال كما يجبر الصوم وغيره اهـ وبهذا يعلم أن ما يفعله بعض الناس بعد موت تارك الصلاة من إعطاء بعض الناس شيئا من المال ويسمونه إسقاط الصلاة لا دليل عليه
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الشيخان والنسائى وابن ماجه والطحاوى من طريق أبى الوليد وأخرجه الترمذى وقال حديث حسن صحيح
(ص) حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ كَانَ فِي مَسِيرٍ لَهُ فَنَامُوا عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَاسْتَيْقَظُوا بِحَرِّ الشَّمْسِ فَارْتَفَعُوا قَلِيلًا حَتَّى اسْتَقَلَّتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَمَرَ مُؤَذِّنًا فَأَذَّنَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ أَقَامَ، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عمران بن حصين) بن عبيد بن خلف الخزاعى أبى نجيد أسلم عام خيبر. روى له عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثمانون ومائة حديث اتفق الشيخان على ثمانية وانفرد البخارى بأربعة ومسلم بتسعة. روى عنه أبو رجاء العطاردى ومطرّف ابن عبد الله والشعبى وابن سيرين والحسن البصرى. قال ابن سعد كانت الملائكة تصافحه وتسلم عليه وهو ممن اعتزل الفتنة وغزا عدّة غزوات وكان صاحب راية خراعة يوم الفتح وقال ابن عبد البرّ كان من فضلاء الصحابة وفقهائهم يقول عنه أهل البصرة إنه كان يرى الحفظة وكانت تكلمه حتى اكتوى فلما اكتوى احتبست عنه حتى ذهب أثر الكيّ وقال أبو نعيم كان مجاب الدعوة. روى له الجماعة. توفي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بالبصرة سنة اثنتين أو ثلاث وخمسين
(معنى الحديث)
(قوله في مسير له) أى سفر ولعله كان راجعا من خيبر. والمسير مصدر ميمى من سار على غير قياس إذ القياس مسار
(قوله فارتفعوا الخ) أى انتقلوا حتى ارتفعت الشمس. وهذه الرواية تدلُّ على أنه أذن وأقام للفائتة وتقدم بيانه
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الشيخان مطوّلا من طريق أبى رجاء العطاردى وليس فيه ذكر الأذان والإقامة وذكر ابن المديني وأبو حاتم الرّازى وغيرهما أن الحسن لم يسمع من عمران في حصين وأخرجه البيهقى من طريق عبد الوهاب بن عطاء أنبأنا يونس بن عبيد عن الحسن عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان في سفر فنام
стр. 1060
حتى طلعت الشمس قال فأمر بلالا فأذن وصلى ركعتين ثم انتظر حتى استقلت الشمس ثم أمره فأقام فصلى بهم. ورواه أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه والدارقطنى والطحاوى والحاكم في المستدرك وقال صحيح
(ص) حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ، ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ وَهَذَا لَفْظُ عَبَّاسٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ حَدَّثَهُمْ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي الْقِتْبَانِيَّ، أَنَّ كُلَيْبَ بْنَ صُبْحٍ، حَدَّثَهُمْ أَنَّ الزِّبْرِقَانَ حَدَّثَهُ، عَنْ عَمِّهِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَنَامَ، عَنِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فَقَالَ: «تَنَحَّوْا عَنْ هَذَا الْمَكَانِ»، قَالَ: «ثُمَّ أَمَر بِلَالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ تَوَضَّئُوا وَصَلَّوْا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الصُّبْحِ».
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عياش) بالمثناة التحتية والشين المعجمة (ابن عباس) بالموحدة, و (القتباني) نسبة إلى قتبان بكسر القاف وسكون المثناة الفوقية وبالموحدة موضع من نواحى عدن
(قوله كليب بن صبح) الأصبحى المصرى. روى عن عقبة بن عامر والزبرقان ابن عبد الله. وعنه جعفر بن ربيعة وعياش بن عباس. وثقه ابن معين وابن حبان. روى له أبو داود
(قوله الزّبرقان) بن عبد الله بن أمية
(قوله عمرو بن أمية) بن خويلد بن عبد الله بن إياس أبو أمية. روى له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عشرون حديثا اتفق الشيخان على واحد وانفرد البخارى بآخر. روى عنه عبد الله بن جعفر والشعبى وأبو سلمة والزبرقان وآخرون. قال ابن سعد أسلم حين انصرف المشركون عن أحد وكان شجاعا له إقدام. مات بالمدينة في زمن معاوية. روى له الجماعة. و (الضمرى) بفتح فسكون فكسر نسبة إلى ضمرة موضع
(معنى الحديث)
(قوله تنحوا عن هذا المكان) أى انتقلوا عنه وتقدم أن انتقالهم عن المكان الذى ناموا فيه لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان أو أصابتنا فيه الغفلة. وهذه الرواية حجة لمن قال إنه يؤذن للفائتة ويقام لها
(ص) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، ثَنَا حَجَّاجٌ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ، ثَنَا حَرِيزٌ، ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ
стр. 1061
بْنُ أَبِي الْوَزِيرِ، حَدَّثَنَا مُبَشِّرٌ يَعْنِي الْحَلَبِيَّ، ثَنَا حَرِيزٌ يَعْنِي ابْنَ عُثْمَانَ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ ذِي مِخْبَرٍ الْحَبَشِيِّ، وَكَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فِي هَذَا الْخَبَرِ، قَالَ: فَتَوَضَّأَ -يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ - وُضُوءًا لَمْ يَلُتَّ مِنْهُ التُّرَابُ، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ غَيْرَ عَجِلٍ، ثُمَّ قَالَ لِبِلَالٍ: «أَقِمِ الصَّلَاةَ»، ثُمَّ صَلَّى الْفَرْضَ وَهُوَ غَيْرُ عَجِلٍ. قَالَ عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ صُلَيْحٍ، قَالَ حَدَّثَنِي ذُو مِخْبَرٍ رَجُلٌ مِنَ الْحَبَشَةِ وقَالَ عُبَيْدٌ: يَزِيدُ بْنُ صُلْحٍ
(ش) (رجال الحديث)
(قوله إبراهيم بن الحسن) بن الهيثم الخثعمى المصيصى أبو إسحاق. روى عن مخلد بن يزيد وحجاج بن محمد والحارث بن عطية وآخرين. وعنه أبو داود والنسائى وموسى الحمال وغيرهم. كتب عنه أبو حاتم وقال صدوق وقال النسائى ثقة وذكره ابن حبان في الثقات. روى له أبو داود والنسائى وابن ماجه في التفسير
(قوله عبيد بن أبى الوزير) ويقال ابن أبى الوزر. روى عن مبشر بن إسماعيل. وعنه أبو داود قال الحافظ لا يعرف حاله وقال السيوطى لا يعلم راو عنه سوى أبى داود ولا يعلم فيه توثيق ولا حرج
(قوله مبشر) بن إسماعيل
(قوله يزيد بن صالح) كذا في النسخة الصحيحة وقيل ابن صبح وقيل ابن صليح أو ابن صبيح الرحبي الحمصى. روى عن ذى مخبر. وعنه حريز بن عثمان. وثقه أبو داود وذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو داود شيوخ حريز كلهم ثقات وقال الدارقطنى لا يعتبر به وقال في الميزان يزيد بن صالح أو يزيد بن صبيح تابعى حمصى لا يكاد يعرف
(قوله عن ذى مخبر) بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الموحدة ويقال ذو مخمر بالميم بدل الموحدة (الحبشى) الصحابى كان الأوزاعى لا يقوله إلا بالميم وصححه الترمذى بالموحدة. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعنه جبير بن نفير وخالد بن معدان ويحيى بن أبى عمرو وأبو حيّ المؤذن وعمرو بن عبد الله الحضرمى وآخرون. نزل الشام. ومات به. روى له أبو داود
(معنى الحديث)
(قوله في هذا الخبر الخ) متعلق بقوله حدثني أى قال حريز حدثنى بهذا الخبر يزيد بن صالح ففى بمعنى الياء وقوله وكان يخدم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم معترض بينهما ويحتمل أن يكون متعلقا بقال بعده أى قال ذو مخبر في هذا الخبر فتوضأ النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ
(قوله لم يلت منه التراب) بفتح المثناة التحتية وضم اللام وبمثناة
стр. 1062
فوقية من لتت أى لم يختلط بماء وضوئه التراب يقال لتّ السويق يلته إذا خلطه بالماء ونحوه وفي نسخة لم يلث بالمثلثة وهى بمعنى الأولى وهو كناية عن قلة ماء وضوئه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(قوله غير عجل) أى حال كونه غير مسرع فيما
(قوله قال عن حجاج عن يزيد بن صليح الخ) أى قال إبراهيم بن الحسن في روايته عن حجاج الأعور عن حريز حدثني يزيد بن صليح باللام مصغر صلح. وفي نسخة قال حجاج. فعلى الأول ضمير قال يعود إلى إبراهيم ابن الحسن وعلى الثانى فاعل قال حجاج. وفى نسخة قال غير حجاح
(قوله قال عبيد الخ) أى قال عبيد بن أبى الوزير في روايته عن مبشر عن حريز حدثنى يزيد بن صليح وقد ذكر المصنف بعد ذلك رواية أخرى لحديث ذى مخبر عن مؤمل بن الفضل عن الوليد عن حريز وقال فيهما عن يزيد ابن صليح كما في النسخ الكثيرة (وحاصل) ما ذكره المصنف أنه قد اختلف في اسم والد يزيد فقال المصنف إن شيخى إبراهيم بن الحسن قال عن شيخه حجاج عن حريز قال يزيد بن صليح وقال عبيد بن أبى الوزير بسنده عن حريز قال ابن صالح أو ابن صبح أو ابن صبح فعلى هذا تختلف روايتهما في هذا اللفظ
(ص) حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ، ثَنَا الْوَلِيدُ، عَنْ حَرِيزٍ يَعْنِي ابْنَ عُثْمَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ صُلَيْحٍ، عَنْ ذِي مِخْبَرٍ ابْنِ أَخِي النَّجَاشِيِّ، فِي هَذَا الْخَبَرِ، قَالَ: فَأَذَّنَ وَهُوَ غَيْرُ عَجِلٍ
(ش) لعل غرض المصنف بسياق هذه الرواية تقوية رواية حجاج في أن اسم والد يزيد صليح وأن ذى مخبر ابن أخى النجاشي. وحديث ذى مخبر أخرجه الطحاوى من طريق داود ابن أبي هند عن العباس بن عبد الرحمن مولى بني هاشم عن ذى مخبر بن أخى النجاشي قال كنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في سفر فنمنا فلم نستيقظ إلا بحرّ الشمس فتنحينا من ذلك المكان قالا فصلى بنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلما كان من الغد حين بزغ الشمس أمر بلالا فأذن ثم أمره فأقام فصلى بنا الصلاة فلما قضى الصلاة قال هذه صلاتنا بالأمس
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي عَلْقَمَةَ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ
стр. 1063
وَسَلَّمَ: «مَنْ يَكْلَؤُنَا» فَقَالَ بِلَالٌ: أَنَا، فَنَامُوا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «افْعَلُوا كَمَا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ»، قَالَ: فَفَعَلْنَا، قَالَ: «فَكَذَلِكَ فَافْعَلُوا لِمَنْ نَامَ أَوْ نَسِيَ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عبد الرحمن بن أبى علقمة) ويقال ابن علقمة الثقفى مختلف في صحبته ذكره يعقوب بن سفيان وخليفة وابن منده في الصحابة وقال الدارقطني لا تصحّ له رؤية ولا نعرفه وقال أبو حاتم ليست له صحبة وفرق ابن حبان بين الراوى لحديث إن وفد ثقيف قدموا عليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ومعهم هدية وبين الراوى عن ابن مسعود فذكر الثاني في التابعين والأول في الصحابة وفرق أيضا ابن أبي حاتم بينهما فقال في الأول روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وفي الثاني روى عنه مرسلا. روى عن ابن مسعود وعنه جابر بن شداد وعبد الملك بن محمد وعون بن أبى جحيفة. روى له أبو داود والنسائى
(معنى الحديث)
(قوله زمن الحديبية) أى في زمان غزوها وهو سنة ست من الهجرة والحديبية بتخفيف المثناة التحتية وتشديدها قرية قريبة من مكة سميت ببئر هناك. ثم هو في يحتمل أن يكون إقبالهم من الحديبية نفسها ويؤيده ما في بعض النسخ أقبلنا من الحديبية. ولا منافاة بينه وبين ما تقدم من أنهم كانوا في خيبر لأن القصة متعدّدة على ما هو المختار. ويحتمل أنهم كانوا مقبلين من خيبر كما تقدم لأنها كانت عقب انصرافهم من الحديبية فذكر الحديبية
(قوله افعلوا كما كنتم تفعلون) أى كل يوم من الطهارة والأذان والإقامة والصلاة وفي رواية لمسلم وأحمد فصنع كما كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصنع كل يوم
(قوله قال فكذلك فافعلوا الخ) أى قال فليفعل مثل ذلك من نام عن صلاة أو نسيها فاللام في قوله لمن نام زائدة أو متعلقة بقال ومن بدل من الواو. ويحتمل أن المعنى مروا من نام عن صلاة أو نسيها أن يفعل مثل ذلك
(فقه الحديث) والحديث يدلّ كما تقدم على أن صفة قضاء الصلاة الفائتة كصفة أدائها فيؤخذ منه أنه يجهر في صلاة الصبح المقضية بعد طلوع الشمس وكذلك المغرب والعشاء ويسرّ في صلاة الظهر والعصر إذا قضاهما ليلا
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه النسائى وكذا البيهقى بنحوه
стр. 1064
(باب في بناء المساجد)
وفي بعض النسخ باب ما جاء في بناء المسجد، وفي نسخة تفريع أبواب المساجد، والمساجد جمع مسجد, وهو في اللغة موضع السجود، وفي العرف البقعة المعدّة للعبادة
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ سُفْيَانَ، أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي فَزَارَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ»، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عن أبى فزارة) هو راشد بن كيسان
(قوله يزيد بن الأصم) وفى نسخة يزيد الأصمّ واسمه عمرو بن عبيد بن معاوية بن عبادة أبى عوف الكوفي سكن الرّقة. روى عن سعد بن أبى وقاص وابن عباس وأبى هريرة ومعاوية بن أبى سفيان وخالته ميمونة وغيرهم. وعنه جعفر بن برقان والزهرى وميمون بن مهران وأبو فزارة وطائفة. وثقه أبو زرعة والنسائى والعجلى وابن سعد وابن حبان وذكره ابن منده في الصحابة وقال أبو نعيم وابن حبان وغيرهما لا تصحّ له صحبة. مات سنة ثلاث أو أربع ومائة وهو ابن ثلاث وسبعين سنة
(معنى الحديث)
(قوله ما أمرت بتشييد المساجد) أى ما أذن الله تعالى لى في رفع بنائها وتجصيصها لأن ذلك زائد على قدر الحاجة فالتشييد رفع البناء وتطويله ومنه قوله تعالى "في بروج مشيدة" أى مطوّل بناؤها يقال شدت البيت أشيده من باب باع بنيته بالشيد أى الجصّ وشيدته تشييدا طوّلته ورفعته (قال) ابن رسلان المشهور في الحديث أن المراد بتشييد المساجد رفع البناء وتطويله كما قال البغوى (وفيه ردّ) على من حمل قوله تعالى "في بيوت أذن الله أن ترفع" على رفع بنائها وهو الحقيقة بل المراد أن تعظم فلا يذكر فيها الخنا من الأقوال وتطييبها من الأدناس والأنجاس ولا ترفع فيها الأصوات اهـ
(قوله قال ابن عباس لتزخرفنها) هو موقوف كما رواه ابن حبان لكنه في حكم المرفوع لأن مثل هذا لا يكون من قبل الرأى. واللام في لتزخرفنها لام القسم وهو الذى اعتمده الحافظ خلافا للطينى فإنه ظنّ أنهما حديث واحد فشرحه على أن اللام في لتزخرفنها مكسورة ثم قال هي لام التعليل للمنفى قبله والمعنى ما أمرت
стр. 1065
بالتشييد ليجعل ذريعة إلى الزخرفة اهـ لأنه لا تثبت الرواية به أصلا فلا يعتمد عليه. وكلام ابن عباس مفصول من كلام النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الكتب المشهورة والزخرفة الزينة وأصل الزخرف الذهب ثم استعمل في كل ما يتزين به. وفى النهاية الزخرف النقوش والتصاوير بالذهب ومنه قولهم زخرف الرجل كلامه إذا موّهه وزينه بالباطل
(قوله كما زخرفت اليهود والنصارى) يريد أن اليهود والنصارى زخرفوا معابدهم عندما حرّفوا وبدّلوا وتركوا العمل بما في كتبهم فكأنه يقول أنتم تصيرون إلى مثل حالهم إذا طلبتم الدنيا بالدين وتركتم الإخلاص في العمل وصار أمركم إلى المراءاة بالمساجد والمباهاة بتشييدها وتزيينها (قال) الخطابى إنما زخرفت اليهود والنصارى كنائسهم وبيعهم حين حرّفت الكتب وبدّلتها فضيعوا الدين وعرجوا على الزخارف والتزيين اهـ وأول من زخرف المساجد الوليد ابن عبد الملك بن مروان وذلك في أواخر عصر الصحابة وسكت عليه كثير من أهل العلم خوف الفتنة. وروى ابن ماجه عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أراكم تستشرفون مساجدكم بعدى كما شرّفت اليهود كنائسها وكما شرّفت النصارى بيعها (قال) العينى به استدلّ أصحابنا على أن نقش المسجد وتزيينه مكروه ولا يجوز من مال الوقف ويغرم الذى يخرجه سواء ناظر أو غيره "فإن قيل" ما وجه الكراهة إذا كان من نفس ماله "قلت" إما اشتغال المصلى به أو إخراج المال في غير وجهه اهـ (قال) ابن رسلان هذا الحديث فيه معجزة ظاهرة لإخباره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عما سيقع بعده فإن تزويق المساجد والمباهاة بزخرفتها كثر من الملوك والأمراء في هذا الزمان بالقاهرة والشام وبيت المقدس بأخذهم أموال الناس ظلما وعمارتهم بها المدارس على شكل بديع نسأل الله السلامة والعافية اهـ (وقال) الشوكانى الحديث يدلّ على أن تشييد المساجد بدعة وقد روى عن أبى حنيفة الترخيص في ذلك. وروى عن أبى طالب أنه لا كراهة في تزيين المحراب (وقال) المنصور بالله إنه يجوز في جميع المسجد (وقال) البدر بن المنير لما شيد الناس بيوتهم وزخرفوها ناسب أن يصنع ذلك بالمساجد صونا لها عن الاستهانة (وتعقب) بأن المنع إن كان للحثّ على اتباع السلف في ترك الرفاهية فهو كما قال وإن كان لخشية شغل بال المصلى بالزخرفة فلا لبقاء العلة (ومن جملة) ما عوّل عليه المجوّزون للتزيين أن السلف لم يحصل منهم الإنكار على من فعل ذلك وبأنه بدعة مستحسنة وبأنه مرغب إلى المسجد (وهذه حجج) لا يعوّل عليها من له حظ من التوفيق لا سيما مع مقابلتها للأحاديث الدالة على أن التزيين ليس من أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأنه نوع من المباهاة المحرّمة وأنه من علامات الساعة كما روى عن عليّ ﵇ وأنه من صنع اليهود والنصارى وقد كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يحب مخالفتهم ويرشد إليها عموما وخصوصا "ودعوى"
стр. 1066
ترك إنكار السلف "ممنوعة" لأن التزيين بدعة أحدثها أهل الدّول الجائرة من غير مؤاذنة لأهل العلم والفضل وأحدثوا من البدع ما لا يأتى عليه الحصر ولا ينكره أحد وسكت العلماء عنهم تقية لا رضا بل قام في وجه باطلهم جماعة من علماء الآخرة وصرخوا بين ذلك عليهم "ودعوى" أنه بدعة مستحسنة "باطلة" وقد عرّفناك وجه بطلانها حديث من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ في باب الصلاة في ثوب الحرير والغصب "ودعوى" أنه مرغب إلى المسجد "فاسدة" لأن كونه داعيا إلى المسجد ومرغبا إليه لا يكون إلا غرضه قصده النظر إلى تلك النقوش والزخرفة. فأما من كان غرضه قصد المساجد لعبادة الله التي لا تكون عبادة على الحقيقة إلا مع خشوع وإلا كانت كجسم بلا روح فليست إلا شاغلة عن ذلك كما فعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الإنبجانية التي بعث بها إلى أبي جهم. وكما سيأتى في باب تنزيه قبلة المصلى عما يلهى. وتقويم البدع المعوجة التي يحدثها الملوك توقع أهل العلم في المسالك الضيقة فيتكلفون لذلك من الحجج الواهية ما لا ينفق إلا على بهيمة اهـ ببعض تصرّف (قال) الحافظ في الفتح رخص في ذلك بعضهم وهو قول أبي حنيفة إذا وقع ذلك على سبيل التعظيم للمساجد ولم يقع الصرف على ذلك من بيت المال فها هنا أمور (أولها) أن تزويق المساجد وتحسينها إذا كان يلهى المصلين ويشغل قلوبهم فهو مجمع على كراهته (والأمر) الثاني إذا كان هذا مباهاة ورياء وسمعة فهو أيضا مكروه بل بناء المساجد بهذه النية الفاسدة يكون مكروها أيضا فضلا عن التزيين والتحسين (والأمر) الثالث أن يحكم بناؤها ويبنى بالجصّ وغيرها مما يستحكم به الصنعة فهذا غير مكروه عندنا. والدليل عليه أخرجه الشيخان واللفظ لمسلم عن عثمان بن عفان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول من بنى مسجدا لله بنى الله له بيتا في الجنة مثله. وأيضا يؤيده ما فعل عثمان رضي الله تعالى عنه في خلافته كما في الحديث الذى بعد هذا فإنه فعل ما فعل مستدلا بهذا الحديث وكل ما فعل كان من باب الإحكام لا من باب التزيين المحض. وأما الحجاره المنقوشة فلم ينقشها ولم يأمر بنقشها بل حصل له كذلك منقوشة من بعض ولاياته فركبها في المسجد وقد قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين" والذين أنكروا عليه من الصحابة لم يكن عندهم دليل يوجب المنع إلا الحثّ على اتباع السلف في ترك الرفاهية وهذا كما ترى لا يقتضى التحريم ولا الكراهة. وأما حديث أبي داود هذا فهو أيضا لا يدلّ على المنع ودلالته على المنع ممنوعة فإن فيه ما أمرت بتشييد المساجد. فنفي كون التشييد مأمورا به لا يقتضى الكراهة فإن نفى الوجوب يصدق بجواز الفعل أيضا فلا يستوجب الكراهة. وأما قول ابن عباس لتزخرفنها فلا دليل فيه أيضا لأنه موقوف على ابن عباس ولو سلم رفعه حكما
стр. 1067
فهو محمول على التزيين والزخرفة التي تلهى بال المصلى أو يكون مباهاة ورياء وسمعة كما تفعله اليهود والنصارى (والأمر) الرابع أن يبنى المسجد بالغصب بأخذ أموال الناس ظلما (والخامس) أن يبنيه الواقف بمال الوقف فهذا أيضا حرام لم يرخص فيه أحد من العلماء (ثم اعلم) أنه قد ثبت أن عبد الله بن الزبير رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما قد بنى الكعبة ورفع بناءها على ما كان قبل ذلك من البناء وشيدها والذين خالفوه ما كان عندهم حجة إلا أنهم يقولون لا ينبغي أن تغير عما كانت عليه كما أشار ابن عباس على ابن الزبير لما أراد أن يهدم الكعبة ويجدّد بناءها بأن يرمّ ما وهي منها ولا يتعرّض لها بزيادة ولا نقصان وقال له لا آمن أن يجئ من بعدك أمير فيغير الذى صنعت. وقد حكى عن الرشيد أو المهدى أو المنصور أنه أراد أن يعيد الكعبة على ما فعله ابن الزبير فناشده مالك في ذلك وقال أخشى أن يصير ملعبة للملوك فتركه، فإنكار الشوكانى وغيره على تشييد المساجد مطلقا من غير تفصيل ليس في محله اهـ ببعض تصرّف
(فقه الحديث) والحديث يدل على عدم مشروعية رفع بناء المساجد وتشييدها، وعلى عدم جواز زخرفتها بالنقوش والذهب والفضة ونحو ذلك وأن ذلك من عمل اليهود والنصارى فيطلب البعد عنه
(من أخرج الحديث أيضا) أخرج البخارى قول ابن عباس تعليقا. قال الحافظ ولم يخرج المرفوع للاختلاف على يزيد بن الأصمّ في وصله وإرساله اهـ
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيُّ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، وَقَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ»
(ش) (قوله أيوب) السختيانى
(قوله عن أبى قلابة) هو عبد الله بن زيد الجرمى البصرى
(قوله لا تقوم الساعة الخ) أى لا تقوم القيامة حتى يتفاخروا ببنائها وذلك كأن يقول أحدهم للآخر مسجدى أرفع من مسجدك أو أزين أو أوسع أو أحسن رياء وسمعة وطلبا للمدحة
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على أن زخرفة المساجد والمباهاة بها من علامة القيامة فيطلب البعد عن ذلك (وقد ورد) في ذمّ زخرفة المساجد أحاديث (منها) ما رواه ابن خزيمة وصححه من طريق أبي قلابة أن أنسا قال سمعته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول يأتي على أمتي زمان يتباهون بالمساجد ثم لا يعمرونها إلا قليلا (ومنها) ما رواه الترمذى ابنوا المساجد واتحذوها جما "بضم الجيم وتشديد الميم أى بدون شرف جمع شرفة وهي ما يوضع على أعالى القصور والمدن وبينها فرج
стр. 1068
شبه طاقات الشباك لتطويل البناء والزخرفة" (ومنها) ما رواه البيهقى عن ابن عمر نهانا أو نهينا أن نصلى في مسجد مشرف (ومنها) ما صححه ابن خزيمة أمر عمر ببناء المسجد فقال أكنّ الناس وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس "وأكن بفتح الهمزة من الإكنان أى استرهم" وما رواه ابن ماجه من طريق عمرو بن ميمون عن عمر مرفوعا ما ساء عمل قوم إلا زخرفوا مساجدهم
(وقال) أبو الدرداء إذا حليتم مصاحفكم وزوّقتم مساجدكم فالدّمار عليكم
(من روى الحديث أيضا) رواوه النسائى بلفظ من أشراط الساعة أن يتباهي الناس في المساجد ورواه أحمد وابن ماجه
(ص) حَدَّثَنَا رَجَاءُ بْنُ الْمُرَجَّى، ثَنَا أَبُو هَمَّامٍ الدَّلَّالُ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَسْجِدَ الطَّائِفِ حَيْثُ كَانَ طَوَاغِيتُهُمْ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله رجاء بن المرجى) بضم الميم وفتح الراء وتشديد الجيم ابن رافع الغفارى أبو محمد ويقال أبو أحمد المروزى أو السمرقندى. روى عن أبى نعيم وأبى اليمان وقبيصة والنضر بن شميل وغيرهم. وعنه أبو حاتم الرازى وأبو بكر بن أبي الدنيا وأبو داود وابن ماجه وآخرون. قال أبو حاتم صدوق وقال الخطيب كان ثقة ثبتا إماما في علم الحديث وحفظه والمعرفة به وقال الدارقطنى حافظ ثقة وقال ابن حبان كان متيقظا ممن جمع وصنف. مات ببغداد غرّة جمادى الأولى سنة تسع وأربعين ومائتين
(قوله أبو همام) هو أبو محمد بن محبب وقد صرّح به في بعض النسخ ومحبب بصيغة اسم المفعول بوزن معظم القرشي البصرى. روى عن الثورى وإبراهيم بن طهمان وهشام بن سعد وإسراءيل وسعيد بن السائب وغيرهم. وعنه ابن بشار وابن المثنى والبخارى وأبو داود وابن ماجه وكثيرون. قال أبو حاتم صالح الحديث صدوق ثقة وقال أبو داود ثقة وأثنى عليه وقال الحاكم شيخ ثقة وقال مسلمة بن قاسم ثقة معروف وذكره ابن حبان في الثقات. مات سنة إحدى وعشرين ومائتين
(قوله سعيد بن السائب) ابن يسار الطائفى. روى عن أبيه ونوح في صعصعة وعبد الله بن يزيد. وعنه معن بن عيسى ووكيع وشعيب بن حرب وابن عيينة وابن مهدى. وثقه ابن معين والدارقطنى وابن حبان وقال أبو داود والنسائى لا بأس به. مات سنة إحدى وسبعين ومائة. روى له أبو داود والنسائى وابن ماجه
(قوله محمد بن عبد الله بن عياض) روى عن عثمان بن أبى العاص. وعنه سعيد بن السائب ذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقريب مقبول. روى له أبو داود
(قوله عثمان بن أبى
стр. 1069
العاص) بن بشر أبى عبد الله نزيل البصرة. قدم على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في وفد ثقيف واستعمله على الطائف ثم أقرّه أبو بكر وعمر ثم استعمله عمر على عمان والبحرين روى له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تسعة أحاديث روى عنه سعيد ابن المسيب ونافع بن جبير ويزيد بن عبد الله والحسن بن أبى الحسن. مات سنة إحدى أو خمس وخمسين في خلافة معاوية. روى له الترمذى وأبو داود وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله أمره أن يجعل مسجد الطائف الخ) أى أمره أن يجعل المسجد في المكان الذى كانت فيه أصنامهم. والطائف بلد شرقى مكة على مرحلتين أو ثلاث منها. والطواغيت جمع طاغوت يطلق بالاشتراك على الشيطان وعلى الصنم وهو المراد هنا ويكون جمعا وواحدا ومذكرا ومؤنثا (ومن هذا) الحديث أخذت الأمة أن أىّ بلد يفتحونها يحوّلون كنائسها مساجد ومدارس انتهاكا للكفر ومحوا لأثره وإيذاء للكفار حيث عبدوا غير الله تعالى في هذا المكان
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على طلب جعل أماكن عبادة الكافرين مساجد إذا آل أمرها إلى المسلمين لمحو معالم الكفر وقد فعل ذلك كثير من الصحابة
(من روى الحديث أيضا) رواه ابن ماجه والحاكم
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، وَمُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، وَهُوَ أَتَمُّ، قَالَا: ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، أَخْبَرَهُ، "أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ وسَقْفُهُ بالْجَرِيدِ وعَمَدُهُ قال مجاهد وَعُمُدُهُ مِنْ خَشَبِ النَّخْلِ - فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلَى بِنَائِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ وَأَعَادَ عَمَدَهُ -قَالَ مُجَاهِدٌ: عُمُدَهُ خَشَبًا- وَغَيَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ وَسَقْفَهُ بِالسَّاجِ -قَالَ مُجَاهِدٌ: وَسَقَّفَهُ السَّاجَ-"، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: الْقَصَّةُ: الْجِصُّ
(ش) (قوله وهو أتمّ) أى حديث مجاهد أتم في الرواية من حديث محمد بن يحيى
(قوله حدثنا أبى) هو إبراهيم بن سعد
(قوله صالح) بن كيسان
(قوله مبنيا باللبن الخ) بفتح
стр. 1070
اللام وكسر الموحدة جمع لبنة وهو ما يعمل من الطين مربعا للبناء غير مطبوخ
(قوله وسقفه بالجريد) وفى أكثر النسخ مبنيا باللبن والجريد أى وسقفه الجريد كما صرح به في رواية البخارى والجريد سعف النخل إذا جرّد عن الخوص
(قوله قال مجاهد وعمده الخ) غرض المصنف بهذا بيان الاختلاف بين لفظى شيخيه فإن محمد بن يحيى قال عمده بفتحتين، ومجاهد بن موسى قال عمده بضمتين هكذا ضبطه بعض الشراح. فالخلاف بينهما في ضبط لفظ عمد. ويحتمل أنهما اتفقا على قوله وعمده وزاد مجاهد قوله من خشب النخل. ويؤيده ما في بعض النسخ قال مجاهد من خشب النخل بدون لفظ وعمده، وهذا هو الظاهر. وعمد جمع كثرة لعمود وجمع القلة أعمدة وهو مبتدأ خبره قوله من خشب النخل. وخشب بفتح الخاء والشين المعجمتين ويجوز ضمهما، وفى بعض النسخ وعمده خشب النخل بإسقاط لفظ من
(قوله فلم يزد فيه أبو بكر شيئا الخ) أى لم يغير أبو بكر الصديق رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ في مسجده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم شيئا بالزيادة والنقصان حين بناه بل أعاده على ما كان عليه من القدار وزاد عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُفى طوله وعرضه وبناه بما بنى به زمن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (وروى) أحمد عن نافع أن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ زاد في المسجد من الأسطوانة إلى المقصورة وقال عمر لولا أنى سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول ينبغى أن نزيد في مسجدنا ما زدت (وروى) يحيى أن ابن عمر قال إن الناس كثروا في عهد عمر فقال له قائل يا أمير المؤمنين لو وسعت في المسجد فقال عمر لولا أني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول إنى أريد أن أزيد في قبلة مسجدنا ما زدت فيه (وقال ابن سعد) أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا أبو أمية بن يعلى عن سالم أبى النضر قال لما كثر المسلمون في عهد عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وضاق بهم السجد فاشترى عمر ما حول المسجد من الدور إلا دار العباس بن عبد المطلب وحجر أمهات الؤمنين فقال عمر للعباس يا أبا الفضل إن مسجد المسلمين قد ضاق بهم وقد ابتعت ما حواله من المنازل نوسع به على المسلمين في مسجدهم إلا دارك وحجر أمهات المؤمنين فأما حجر أمهات المؤمنين فلا سبيل إليها وأما دارك فبعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين أوسع بها في مسجدهم فقال العباس ما كنت لأفعل قال فقال له عمر اختر منى إحدى ثلاث إما أن تبيعنيها بما شئت من بيت المال وإما أن أخطك حيث شئت من المدينة وأبنيها لك من بيت مال المسلمين وإما أن تصدّق بها على المسلمين فتوسع في مسجدهم فقال لا ولا واحدة منها فقال عمر اجعل بينى وبينك من شئت فقال أبيّ بن كعب فانطلقا إلى أبيّ فقصا عليه القصة فقال أبىّ إن شئتما حدّثتكما بحديث سمعته من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقالا حدثنا فقال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول إن الله تعالى أوحى إلى داود أن ابن لى بيتا أذكر فيه فخط له هذه الخطة خطة بيت
стр. 1071
المقدس فإذا تربيعها بزاوية بيت رجل من بنى إسراءيل فسأله داود أن يبيعه إياها فأبى فحدّث داود نفسه أن يأخذه منه فأوحى الله إليه أن يا داود أمرتك أن تبني لى بيتا أذكر فيه فأردت أن تدخل في بيتي الغصب وليس من شأنى الغصب وإن عقوبتك أن لا تبنيه قال يا رب فمن ولدي عال فمن ولدك فأخذ عمر بمجامع أبيّ بن كعب فقال جئتك بشيء فجئت بما هو أشدّ منه لتخرجنّ مما قلت فجاء يقوده حتى دخل المسجد فأوقفه على حلقة من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فيهم أبو ذرّ فقال أبيّ نشدت الله رجلا سمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يذكر حديث بيت المقدس حين أمر الله داود أن يبنيه إلا ذكره فقال أبو ذرّ أنا سمعته من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقال آخر أنا سمعته يعني من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال فأرسل أبيا قال فأقبل أبيّ على عمر فقال يا عمر أتتهمنى على حديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال عمر والله يا أبا المنذر ما اتهمتك عليه ولكن أردت أن يكون الحديث عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ظاهرا قال وقال عمر للعباس اذهب فلا أعرض لك في دارك فقال العباس أما إذا قلت ذلك فإنى قد تصدّقت بها على المسلمين أوسع عليهم في مسجدهم فأما وأنت تخاصمنى فلا قال فخط له عمر داره التى هي اليوم وبناها من بيت مال المسلمين ذكره السمهودي في تاريخ المدينة
(قوله وأعاد عمده الخ) أى قال محمد بن يحيى في روايته وأعاد عمر عمده التى كان عليها المسجد في عهد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقال مجاهد بن موسى في روايته أعاد عمده حال كونها خشبا. وهو مع كثرة الفتوحات في أيامه وسعة المال عنده لم يغير المسجد عما كان عليه من هيئة البناء وإنما احتاج إلى تجديده للتوسعة. والقصة بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة الجصّ بلغة أهل الحجاز (وقال) الخطابى تشبه الجصّ وليست به (وقال) العيني الجصّ لغة فارسية معرّبة وأصلها كجّ وفيه لغتان فتح الجيم وكسرها وهو الذي يسميه أهل مصر جيرا وأهل الشام يسمونه كلسا اهـ
(قوله وسقفه بالساج الخ) أى قال محمد في روايته وسقف عثمان المسجد بالساج فهى جملة فعلية معطوفة على قوله وجعل عمده. وقال مجاهد في روايته وسقفه الساج فهى جملة اسمية. والساج خشب يجلب من الهند واحدته ساجة وهو من شجر يعظم جدّا ويذهب طولا وعرضا وله ورق عريض يتغطى الرجل بورقة منه فتكنه من المطر اهـ من اللسان (وروى) يحيى عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال لما ولى عثمان كلمه الناس أن يزيد في مسجدهم وشكوا إليه ضيقه يوم الجمعة حتى إنهم ليصلون في الرحاب فشاور فيه عثمان أهل الرأى من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأجمعوا على أن يهدمه ويزيد فيه فصلى الظهر بالناس ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إنى قد أردت أن أهدم مسجد رسول الله
стр. 1072
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأزيد فيه وأشهد أنى سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة وقد كان لى سلف وإمام سبقنى وتقدّمنى عمر بن الخطاب كان قد زاد فيه وبناه وقد شاورت أهل الرأى من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأجمعوا على هدمه وبنائه وتوسيعه فحسن الناس يومئذ ذلك ودعوا له فأصبح فدعا العمال وباشر ذلك بنفسه. وكان ذلك في شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين وفرغ منه حين دخلت سنة ثلاثين اهـ (قال) ابن بطال الحديث يدلّ على أن السنة في بنيان المساجد القصد وترك الغلوّ في تحسينها وتشييدها والمباهاة ببنيانها خشية الفتنة فقد كان عمر مع كثرة الفتوح في أيامه وسعة المال عنده لم يغير المسجد عما كان عليه في عهده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وإنما احتاج إلى تجديده لأن جريد النخل قد نخر في أيامه ثم كان عثمان والمال في زمانه أكثر ولم يزد على أن يجعل مكان اللبن حجارة وقصة سقفه بالساج مكان الجريد فحسنه بما لا يقتضى الزخرفة ومع ذلك فقد أنكر بعض الصحابة عليه فلم يقتصر هو وعمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما عن البلوغ في تشييده إلى أبلغ الغايات إلا عن علمهما بكراهة النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذلك وليقتدى بهما بالأخذ من الدنيا بالقصد والزهد والكفاية في معالى أمورها وإيثار البلغة منها اهـ
(فقه الحديث) دلّ الحديث على بيان هيئة بناء مسجد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعلى أنه حصل فيه تغيير في زمان عمر وعثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما لكنه لم يكن بالزخرفة المكروهة
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ «إِنَّ مَسْجِدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ كَانَتْ سَوَارِيهِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ مِنْ جُذُوعِ النَّخْلِ أَعْلَاهُ مُظَلَّلٌ بِجَرِيدِ النَّخْلِ، ثُمَّ إِنَّهَا نَخِرَتْ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ فَبَنَاهَا بِجُذُوعِ النَّخْلِ وَبِجَرِيدِ النَّخْلِ، ثُمَّ إِنَّهَا نَخِرَتْ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ فَبَنَاهَا بِالْآجُرِّ فَلَمْ تَزَلْ ثَابِتَةً حَتَّى الْآنَ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله شيبان) بن عبد الرحمن أبو معاوية التميمي البصرى سكن الكوفة ثم انتقل إلى بغداد ومات بها. روى عن الحسن البصري وقتادة والأعمش وعبد الملك بن عمير وسماك بن حرب وغيرهم. وعنه عبد الرحمن بن مهدى وأبو داود الطيالسى
стр. 1073
ومعاذ بن معاذ وعبيد الله بن موسى وآخرون. قال أبو حاتم حسن الحديث صالحه يكتب حديثه ووثقه العجلى والنسائي والترمذى والبزّار وابن سعد وابن شاهين وابن حبان وابن معين وقال ابن خراش كان صدوقا وأثنى عليه أحمد وقال الساجى صدوق وعنده مناكير وأحاديث عن الأعمش تفرّد بها. مات سنة أربع وستين ومائة. روى له الجماعة
(قوله عن عطية) ابن سعد بن جنادة العوفى أبى الحسن الكوفى. روى عن أبي سعيد الخدرى وابن عباس وأبى هريرة وابن عمر وزيد بن أرقم وآخرين. وعنه فراس بن يحيى والأعمش وحجاج بن أرطاة وفضيل بن مرزوق وغيرهم. قال ابن معين صالح وقال أبو داود ليس بالذى يعتمد عليه وقال أبو زرعة لين وقال فضيل كان ثقة وله أحاديث صالحة وقال أحمد والنسائى والثورى وابن عدى ضعيف زاد ابن عدى يكتب حديثه وكان يعدّ مع شيعة أهل الكوفة وقال أبن سعد كان ثقة إن شاء الله تعالى وله أحاديث صالحة ومن الناس من لا يحتج به وقال أبو حاتم ضعيف يكتب حديثه وحسن له الترمذى أحاديث. قيل توفى سنة إحدى عشرة ومائة وقيل سنة سبع وعشرين ومائة. روى له أبو داود والترمذى وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله كانت سواريه الخ) أى كانت أعمدته في زمن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من جذوع النخل وسقفه من جريد النخل ثم بليت الأعمدة في زمن أبى بكر رضي الله تعالى عنه فأعادها كما كانت ثم بليت زمن عثمان فبناها بالطوب المحروق فلم يزل كذلك حتى حدّث ابن عمر بهذا الحديث. فالسوارى جمع سارية وهى الأعمدة. والآجر بمدّ الهمزة وضم الجيم وتشديد الراء واحده آجرة فارسى معرّب وهو الطوب المحروق (وظاهره ينافى) ما تقدم من أن عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ جعل عمده من حجارة منقوشة. ويمكن الجمع بأنه جعل بعض الأعمدة من حجارة منقوشة وبعضها من الآجرّ. وقيل إن هذه الرواية ضعيفة لأن فيها عطية ابن سعد العوفى وقد ضعفه غير واحد. ولم يذكر ابن عمر بناء عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لأن بناءه كان كبناء أبى بكر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فكان فعله كفعله فلذا ذكره مرّة حيث أراد ذكر الزيادة وتركه مرّة حيث لم يرد ذكرها وأما بناء عثمان فكان مغايرا لبنائهم لاعتبار تغيير الآلات والزيادة فاحتاج إلى ذكره
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ فِي عُلُوِّ الْمَدِينَةِ فِي حَيٍّ يُقَالُ: لَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِينَ
стр. 1074
سُيُوفَهُمْ، فَقَالَ أَنَسٌ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ، وَمَلَأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ حَتَّى أَلْقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي، حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ، وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَإِنَّهُ أَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَأَرْسَلَ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ فَقَالَ: «يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا» فَقَالُوا: وَاللَّهِ، لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ ، قَالَ أَنَسٌ: وَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ، كَانَتْ فِيهِ قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ فِيهِ خِرَبٌ، وَكَانَت فِيهِ نَخْلٌ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ، فَنُبِشَتْ وَبِالْخِرَبِ فَسُوِّيَتْ وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ حِجَارَةً، وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ، وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ مَعَهُمْ، وَيَقُولُ:
«اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الْآخِرَهْ ... فَانْصُرِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ»
(ش) (قوله عبد الوارث) بن سعيد
(قوله عن أبى التياح) هو يزيد بن حميد
(قوله قدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم المدينة) أى أول هجرته إليها لما همّ كفار مكة بقتله وكان قدومه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لثمان خلون من ربيع الأول كما قاله الحاكم، ويقال لاثنتى عشرة خلت من ربيع الأول كما جزم به الكلبي والنووى وابن النجار. وفى نسخة لما قدم
(قوله فنزل في علو المدينة) بضم العين المهملة وكسرها لغتان مشهورتان وهى العالية التى من جهة نجد وما كان دون ذلك من جهة تهامة فهى السافلة. وأخذ من نزوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ بأعلى المدينة التفاؤل له ولدينه بالرفعة وعلوّ الشأن
(قوله في حىّ الخ) بتشديد المثناة التحتية القبيلة وجمعها أحياء (ولما نزل) رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ببنى عمرو بن عوف وكان بين الأوس والخزرج ما كان من العداوة وكانت الخزرج تخاف أن يدخل دار الأوس والأوس تخاف أن يدخل دار الخزرج وكان أبو أمامة أسعد بن زرارة قتل ابنا للحارث يوم بعاث فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أين أسعد بن زرارة فقال سعد بن خيثمة ومبشر ابن عبد المنذر ورفاعة بن عبد المنذر كان يا رسول الله أصاب منا رجلا يوم بعاث فلما كانت ليلة
стр. 1075
الأربعاء جاء أسعد إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم متقنعا بين المغرب والعشاء فلما رآه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال يا أبا أمامة جئت من منزلك إلى هنا وبينك وبين القوم ما بينك قال أبو أمامة لا والذى بعثك بالحق ما كنت لأسمع بك في مكان إلا جئت ثم بات عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حتى أصبح ثم غدا فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لسعد بن خيثمة ورفاعة ومبشر ابنى عبد المنذر أجيروه قالوا أنت يا رسول الله أجره فجوارنا في جوارك فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يجيره بعضكم فقال سعد بن خيثمة هو في جوارى ثم قالت الأوس يا رسول الله كلنا له جار فكان أسعد بن زرارة بعد يغدو ويروح إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(قوله فأقام فيهم أربع عشرة ليلة) وعن عويمر بن ساعدة لبث فيهم ثمانى عشرة ليلة وفى رواية للبخارى فلبث رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في بنى عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة وأسس المسجد الذى أسس على التقوى وصلى فيه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وروى يونس بن بكير عن المسعودى عن الحكم بن عتيبة قال لما قدم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فنزل بقباء قال عمار بن ياسر ما لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بدّ من أن يجعل له مكانا يستظل به إذا استيقظ ويصلى فيه فجمع حجارة فبنى مسجد قباء فهو أول مسجد بنى بالمدينة وهو في أول مسجد صلى فيه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأصحابه جماعة ظاهرا وأول مسجد بنى لجماعة المسلمين عامة وإن كان قد تقدم بناء غيره من المساجد (وروى) ابن أبى شيبة عن جابر قال لقد لبثنا بالمدينة قبل أن يقدم علينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بسنين نعمر المساجد ونقييم الصلاة. فهذه الرواية تدلّ على أن المسجد الذى أسس على التقوى هو مسجد قباء (وروى) مسلم من طريق عبد الرحمن ابن أبي سعيد عن أبيه سألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن المسجد الذى أسس على التقوى فقال هو مسجدكم هذا (ولأحمد) والترمذى من وجه آخر عن أبى سعيد اختلف رجلان في المسجد الذى أسس على التقوى فقال أحدهما هو مسجد النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقال آخر هو مسجد قباء فأتيا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فسألاه عن ذلك فقال هو هذا وفى ذلك "يعنى مسجد قباء" خير كثير. وهذا السؤال صدر ممن ظهرت له المساواة بين المسجدين في اشتراكهما في أن كلا منهما بناه النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلذلك سئل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عنه فأجاب بأن المراد مسجده (قال) في الفتح يحتمل أن تكون المزية لما اتفق من طول إقامته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بمسجد المدينة بخلاف مسجد قباء فما أقام به إلا أياما قلائل وكفى بهذا مزية والحق
стр. 1076
أن كلا منهما أسس على التقوى وقوله تعالى في بقية الآية "فيه رجال يحبون أن يتطهروا" يؤيد كون المراد مسجد قباء. وعند أبى داود بإسناد صحيح عن أبى هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال نزلت هذه الآية في أهل قباء فيه رجال يحبون أن يتطهروا. وعلى هذا فالسرّ في جوابه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأن المسجد الذى أسس على التقوى مسجده دفع توهم أن ذلك خاصّ بمسجد قباء اهـ
(قوله ثم أرسل إلى بني النجار) هم قبيلة كبيرة من الأنصار والنجار أبو هذه القبيلة واسمه تيم اللات ولقب بالنجار لأنه كما قيل اختتن بالقدوم وإنما دعا بني النجار لأنهم كانوا أخوال عبد المطلب
(قوله متقلدين سيوفهم) كذا في رواية الأكثر بثبوت النون ونصب السيوف. وفي رواية متقلدى سيوفهم بالإضافة. والتقليد جعل نجاد السيف على المنكب
(قوله فقال أنس الخ) مرتب على محذوف أى جاء بنو النجار متقلدين سيوفهم وسار بهم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من بني عمرو بن عوف إلى المدينة فقال أنس فكأني أنظر إلى أبي بكر وهو خلفه. وأردفه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تشريفا له وإشارة إلى عظيم قدره وإلا فقد كان لأبى بكر ناقة أخرى هاجر عليها
(قوله وملأ بني النجار حوله الخ) أي أشراف بني النجار ورؤساؤهم سائرون حوله. وسموا بذلك لأنهم ملأى بالرأى والغنى وكأنهم مشوا معه ﵌ متقلدين بسيوفهم أدبا وتشريفا حتى ألقي بفناء أى نزل في فناء دار أبى أيوب خالد بن زيد الأنصارى. والفناء بكسر الفاء فضاء أمام الدار وجمعه أفنية
(وروى) أن الناقة لما بركت عند باب أبى أيوب جعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يريد أن ينزل عنها فتحلحل فطاف بها أبو أيوب فوجد جبار بن صخر ينخسها برجله فقال له أبو أيوب يا جبار عن منزلى تنخسها أما والذى بعثه بالحق لولا الإسلام لضربتك بالسيف فنزل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم منزل أبى أيوب وقرّ قراره واطمأنت داره (وعن) عمارة بن خزيمة أنه قال لما كان يوم الجمعة وارتفع النهار دعا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم براحلته وحشد المسلمون ولبسوا السلاح وركب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ناقته القصوى والناس معه عن يمينه وعن شماله وخلفه منهم الراكب والماشي فاعترضنا الأنصار فما مرّ بدار من دورهم إلا قالوا هلمّ يا رسول الله إلى العزّة والمنعة والثروة فيقول لهم خيرا ويدعو ويقول صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خلوا سبيلها فإنها مأمورة وقد أرخى لها زمامها وما يحركها وهى تنظر يمينا وشمالا والناس كنفيها حتى بركت على باب مسجده ثم ثارت وهو عليها فسارت حتى بركت على باب أبى أيوب الأنصارى ثم التفتت يمينا وشمالا ثم ثارت وبركت في مبركها الأول وألقت جرانها "أى مقدّم عنقها" بالأرض فنزل عنها وقال هذا المنزل إن شاء الله تعالى فاحتمل أبو أيوب رحله وأدخله بيته فاختار الله لنبيه صلى الله
стр. 1077
تعالى عليه وعلى آله وسلم ما كان يحبه فقد كان يحب النزول على بني النجار لنسبه فيهم. وقد صحّ عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه قال خير دور الأنصار دار بنى النجار فهم أوسط دور الأنصار وأخوال عبد المطلب. واستمرّ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في منزل أبى أيوب حتى بنى فسجده ومساكنه. قيل كانت إقامته عنده شهرا
(قوله يصلى حيث أدركته الصلاة) أى في المكان الذى أدركه فيه وقت الصلاة، وفي رواية البخارى وكان يحب أن يصلى حيث أدركته الصلاة
(قوله وإنه أمر ببناء المسجد) أى أمره الله تعالى ببناء مسجد المدينة. وإن بكسر الهمزة لأنه كلام مستقل. وأمر بالبناء للمجهول. ويحتمل أن يكون مبنيا للمعلوم والضمير في إنه للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. والمسجد بكسر الجيم وفتحها الموضع الذى يسجد فيه. وفي الصحاح المسجد بفتح الجيم موضع السجود وبكسرها البيت الذى يصلى فيه
(قوله فأرسل إلى بني النجار الخ) وفى رواية الشيخين فأرسل إلى ملأ بنى النجار فقال يا بني النجار فهو عطف على محذوف أى فجاءوا فقال يا بنى النجار وقد صرح به في رواية مسلم. وقوله ثامنوني بحائطكم هذا أى قدّروا ثمنه وبيعونيه بالثمن يقال ثامنت الرجل في البيع أثامنه إذا قاولته في ثمنه وساومته على بيعه واشترائه اهـ نهاية. والحائط البستان فيه النخيل إذا كان عليه جدار
(قوله لا نطلب ثمنه لا إلى الله) أى لا نطلب ثمنه إلا من الله فإلى بمعنى من كما عند الإسماعيلى ويجوز أن تكون لانتهاء الغاية ويكون التقدير ننهى طلب الثمن إلى الله تعالى والمعنى لا نطلب منك الثمن بل نتبرّع به ونطلب الأجر من الله تعالى. وهذا هو المشهور في الصحيحين (وظاهر الحديث) أنهم لم يأخذوا ثمنه منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لكن روى عن الزهرى أن المربد الذى بني فيه المسجد كان لسهل وسهيل ابنى عمرو وأنهما كان في حجر أبى أمامة أسعد بن زرارة وأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال حين بركت ناقته هذا المنزل إن شاء الله تعالى ثم دعا اليتيمين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا فقالا بل نهبه لك يا رسول الله فأبى أن يقبله هبة حتى ابتاعه منهما ثم بناه مسجدا (وروى) الواقدى أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اشتراه من بنى عفراء بعشرة دنانير ذهبا دفعها أبو بكر (وروى) أن أسعد بن زرارة عوّض الغلامين نخلا له في بني بياضة (وروى) أيضا أن أبا أيوب قال هو ليتيمين وأنا أرضهيما فأرضاهما (وروى) مثله أيضا عن معاذ بن عفراء (وطريق) الجمع بين رواية الباب ورواية الزهرى أنهم لما قالوا لا نطلب ثمنه إلا إلى الله تعالى سأل صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عمن يختص بملكه منهم فعينوا له الغلامين فابتاعه منهما (ويجمع) بين رواية الواقدى وما بعدها بأن أبا بكر رغب في الخير كما رغب فيه أسعد وأبو أيوب ومعاذ بن عفراء فدفع أبو بكر العشرة ودفع كل من أولئك ما دفع فاشتركوا في الثمن
(قوله وكان فيه الخ) أى كان في الحائط الذى بنى في مكانه المسجد خرب
стр. 1078
بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء جمع خربة ككلم وكلمة كما قاله ابن الجوزى وهو مضبوط في بعض النسخ كذلك. ويجوز أن يكون بكسر الخاء وفتح الراء جمع خربة كعنب وعنبة وهو ما يهدم من البناء (وقال) الخطابى لعلّ صوابه خرب بضم الخاء جمع خربة بضمها أيضا وهي الخروق في الأرض إلا أنهم يقولونها في كل ثقبة مستديرة في أرض أو جدار. أو لعل الرواية جرف جمع جرفة. وأبين منه إن ساعدته الرواية حدب جمع حدبة لقوله فسوّيت وإنما يسوى المحدودب أو الخروق في الأرض وأما الخرب فإنها تعمر ولا تسوى اهـ (قال القاضى) عياض هذا التكلف لا حاجة إليه فإن الذى في الرواية صحيح المعنى لأنه كما أمر بقطع النخل لتسوية الأرض أمر بالخرب فرفعت رسومها وسوّيت مواضعها لتصير جميع الأرض مبسوطة مستوية للمصلين. وفي مصنف ابن أبى شيبة فأمر بالحرث فحرث. وهو الذى قاله ابن الأثير إنه روى بالحاء المهملة وبالثاء المثلثة يريد الموضع المحروث للزراعة
(قوله فنبشت) أى كشفت وأخرج ما فيها من العظام والصديد. وأمر بنبشها لأنهم لا حرمة لهم "فإن قيل" كيف اشترى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قبور المشركين وأمر بنبشها والقبر مختص بمن دفن فيه فلا يجوز بيعه ولا نقله عنه "قيل" إن ذلك مختص بقبور المسلمين لا الكفار. أو يقال إنه دعت الضرورة والحاجة إلى نبش قبورهم فأمر به لذلك. والأول أظهر (وبهذا الحديث) احتج من أجاز نبش قبور الكفار لتتخذ مكانها مساجد. وبما سيأتى للمصنف عن عبد الله بن عمرو قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هذا قبر أبي رغال وكان بهذا الحرم يدفع عنه فلما خرج أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه فابتدره الناس فاستخرجوا الغصن. وقالوا إذا جاز نبشها لطلب المال فنبشها للانتفاع بمواضعها في المساجد أولى وليس حرمتهم موتى بأعظم منها أحياء بل هو مأجور في مثل ذلك (وقال) الأوزاعي لا يفعل لأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما مرّ بالحجر قال لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا أن تكونوا باكين فنهى أن ندخل عليهم بيوتهم فكيف قبورهم اهـ (وردّ بأن) ما قاله قياس معارض للنصّ فلا يعوّل عليه (وأما بناء المساجد) في مقابر المسلمين فلا يجوز ما لم تندرس فإذا اندرست جاز ذلك (قال) ابن القاسم من المالكية لو أن مقبرة من مقابر المسلمين عفت فبنى قوم عليها مسجدا لم أر بذلك بأسا وذلك لأن المقابر وقف من أوقاف المسلمين لدفن موتاهم لا يجوز لأحد أن يملكها فإذا درست واستغنى عن الدفن فيها جاز صرفها إلى المسجد لأن المسجد أيضا وقف من أوقاف المسلمين لا يجوز تمليكه لأحد وما هو لله فلا بأس أن يستعان ببعضه في بعض (وقال) ابن وهب منهم أيضا إن المقبرة إذا ضاقت عن الدفن تحرث "أى تزرع" بعد عشر سنين (وقال) ابن الماجشون
стр. 1079
منهم أيضا المقبرة إذا ضاقت عن الدفن وبجانبها مسجد ضاق بأهله لا بأس أن يوسع المسجد ببعضها والمقبرة والمسجد حبس على المسلمين (وقالت) الحنابلة إذا صار الميت رميما جازت زراعة المقبرة وحرثها والبناء عليها وإلا فلا يجوز (وقال) العينى من الخنفية ذكر أصحابنا أن المسجد إذا خرب ودثر ولم يبق حوله جماعة والمقبرة إذا عفت ودثرت تعود ملكا لأربابها فإذا عادت ملكا يجوز أن يبنى موضع المسجد دار وموضع المقبرة مسجد وغير ذلك فإن لم يكن لها أرباب تكون لبيت المال اهـ (وقالت) الشافعية يكره البناء في مقبرة غير مسبلة ويحرم في المسبلة سواء أكان البناء فوق الأرض أم في باطنها فيجب على الحاكم هدم جميع الأبنية التى في القرافة المسبلة للدفن فيها وهي التى جرت عادة أهل البلد بالدفن فيها لأنه يضيق على الناس ولا فرق بين أن يكون البناء قبة أو بيتا أو مسجدا أو غير ذلك
(قوله وبالنخل فقطع) أى أمر بالنخل فقطع. وهو محمول على غير المثمر فإن قطعه جائز مطلقا أو على المثمر لأجل الحاجة
(قوله فصفوا النخل قبلة المسجد) وفي نسخة فصفف النخل الخ أى جعلوه سوارى جهة القبلة ليسقف عليها (وعن) الحسن لما أخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في بناء المسجد قال ابنوا لى عريشا كعريش موسى ثمامات وخشبات وظلة كظلة موسى والأمر أعجل من ذلك قيل له وما ظلة موسى قال كان إذا قام أصاب رأسه السقف "والثمامات جمع ثمامة وهو نبت يسدّ به خصاص البيوت" (وروى) أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلى فيه وهو عريش اثنى عشر يوما ثم بناه باللبن وسقفه (وروى) أن جبريل ﵇ أتى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقال له يا محمد إن الله تعالى يأمرك أن تبنى له بيتا وأن ترفع بنيانه بالرهص والحجارة فقال كم أرفعه يا جبريل قال سبعة أذرع. وقيل خمسة أذرع ولما ابتدأ في بنائه أمر بالحجارة وأخذ حجرا فوضعه بيده أوّلا ثم أمر أبا بكر فجاء بحجر فوضعه إلى جنب حجر النبي ﵌ ثم عمر كذلك ثم عثمان كذلك ثم عليا نقله السمهودى عن الأقشهرى (وروى) البيهقي وأبو يعلى نحوه وزاد فيه قال رسول الله ﵌ هؤلاء الخلفاء من بعدى "والرهص الطين الذى يتخذ منه الجدار" ولما أسسوه جعلوا قبلته إلى بيت المقدس وجعلوا طوله مما يلى القبلة إلى مؤخره مائة ذراع وفى الجانبين الآخرين مثل ذلك فهو مربع وقيل كان أولا سبعين ذراعا في ستين ثم لما فتح ﵌ خيبر زاد عليه مثله وجعل له ثلاثة أبواب باب في مؤخره وباب عاتكة المسمى بباب الرحمة والباب الذى كان يدخل منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم المسمى بباب آل عثمان اليوم وهذان البابان لم يغيرا بعد أن صرفت القبلة ولما صرفت القبلة عن بيت المقدس سدّ النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الباب الذى كان خلفه وفتح بابا حذاءه
(قوله وجعلوا عضادتيه حجارة) أى بنوا جانبى الباب بحجارة. والعضادة بكسر العين المهملة الخشبة التي على كتف الباب (وقال)
стр. 1080
الأزهرى عضادتا الباب الخشبتان المنصوبتان عن يمين الداخل منه وشماله فوقهما العارضة
(قوله وجعلوا ينقلون الصخر) أى صاروا ينقلون الحجارة لأجل تأسيس المسجد (فقد) روى أنهم أسسوه إلى ثلاثة أذرع بالحجارة وكملوه باللبن (وعن) أم سلمة قالت كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأصحابه يبنون المسجد فجعل أصحاب النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يحمل كل رجل منهم لبنة وعمار بن ياسر لبنتين لبنة عنه ولبنة عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقام إليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فمسح ظهره وقال يا ابن سمية لك أجران وللناس أجر وآخر زادك من الدنيا شربة من لبن وتقتلك الفئة الباغية
(وما رواه) أحمد عن أبى هريرة أنهم كانوا يحملون اللبن إلى بناء المسجد ورسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم معهم قال فاستقبلت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو عارض لبنة على بطنه فظننت أنها شقت عليه فقلت: ناولنيها يا رسول الله قال خذ غيرها يا أبا هريرة فإنه لا عيش إلا عيش الآخرة (فكاد) في البناء الثانى لأن أبا هريرة لم يحضر البناء الأول لأن قدومه كان عام خيبر فلا منافاة بينه وبين حديث أم سلمة
(قوله وهم يرتجزون) جملة حالية من الضمير في ينقلون أى يقولون رجزا. والرجز بحر من بحور الشعر معروف يكون كل مصراع منه مفردا تسمى قصائده أراجيز واحدها أرجوزة فهو كهيئة السجع إلا أنه في وزن الشعر ويسمى قائله راجزا كما يسمى قائل الشعر شاعرا يقال رجز الرجل يرجز من باب قتل قال شعرا رجز وارتجز مثله
(قوله ويقول اللهم) أى وهم يقولون معه ذلك كما في رواية الشيخين فكانوا يرتجزون ورسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم معهم وهم يقولون اللهم لا خير الخ وفى رواية للبخارى اللهم لا أجر إلا أجر الآخره "ولا يقال" كيف يقول ذلك والشعر محرّم عليه لقوله تعالى "وما علمناه الشعر وما ينبغى له" "لأن ما هنا" سجع لا شعر لأنه غير موزون، وعلى فرض أنه موزون فهو إنشاد من كلام الغير "ففى" رواية للبخارى بعد البيت فتمثل بشعر رجل من المسلمين لم يسمّ لى. والمحرّم عليه إنشاؤه لا إنشاده. على أنهم اتفقوا على أن الشعر ما قصد وزنه فإن جرى الموزون على اللسان من غير قصد فليس بشعر وعليه يحمل ما جاء من ذلك عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كقوله: هل أنت إلا أصبع دميت ... وفى سبيل الله ما لقيت وقوله: أنا النبى لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب
(قوله فانصر الأنصار والمهاجره) الأنصار جمع نصير كأشراف جمع شريف وناصر كصاحب وأصحاب والاسم النصرة بالضم وسموا بذلك لأنهم أعانوه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على أعدائه. والمهاجره الجماعة المهاجرة الذين هاجروا من مكة إلى المدينة محبة فيه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وطلبا للآخرة والهجرة في الأصل اسم من الهجر ضدّ الوصل ثم غلب على الخروج من أرض إلى أرض وترك الأولى
стр. 1081
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على مشروعية الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام وعلى جواز الإرداف، وعلى مشروعية التفاف المرءوسين حول الرئيس، وعلى مشروعية الصلاة في أىّ مكان حضرت الصلاة فيه، وعلى جواز الصلاة في مرابض الغنم، وعلى طلب المبادرة ببناء المساجد، وعلى مشروعية البيع والشراء ومنع الغضب، وعلى مشروعية التبرّع لله وعلى جواز نبش قبور المشركين الدراسة وبيعها، وعلى جواز قطع الأشجار المثمرة لأجل الحاجة، وعلى جواز الصلاة في مقابر المشركين بعد نبشها وإخراج ما فيها (قال) الخطابى إن المقابر إذا نبشت ونقل ترابها ولم يبق هناك نجاسة تخالط أرضها فإن الصلاة فيها جائزة وإنما نهى عن الصلاة في المقبرة إذا كان قد خالط ترابها صديد الموتى ودماؤهم فإذا نقلت عنها زال ذلك الاسم وعاد حكم الأرض إلى الطهارة اهـ، ودلّ الحديث أيضا على جواز بناء المساجد موضع قبور المشركين (قال) الخطابى فيه دليل على أن من لا حرمة لدمه في حياته لا حرمة لعظامه بعد مماته اهـ ودلّ أيضا على جواز قول الشعر ولا سيما الرجز للتعاون على الأعمال الشاقة لما فيه من تحريك الهمة وتشجيع النفوس على معالجة الأمور الصعبة، وعلى تواضعه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وكمال أخلاقه، وعلى أن خير الآخرة هو الخير الدائم دون غيره، وعلى مشروعية الدعاء بالنصر للمسلمين
(من روى الحديث أيضا) رواه البخارى ومسلم والنسائى
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ مَوْضِعُ الْمَسْجِدِ حَائِطًا لِبَنِي النَّجَّارِ فِيهِ حَرْثٌ وَنَخْلٌ، وَقُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ «ثَامِنُونِي بِهِ» فَقَالُوا: لَا نَبْغِي، فَقُطِعَ النَّخْلُ وَسَوَّى الْحَرْثَ وَنُبَشَ قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ: «فَاغْفِرْ» مَكَانَ «فَانْصُرْ».
(ش) ساق المصنف هذه الرواية لبيان أنه قد اختلف على أبى التياح في بعض ألفاظه فرواه عنه عبد الوارث باللفظ المتقدم ورواه عنه حماد بن سلمة وقال فيه حرث مكان كانت فيه خرب في رواية عبد الوارث، وفيه فاغفر للأنصار بدل فانصر الأنصار. وأخرج هذه الرواية ابن ماجه من طريق وكيع عن حماد بن سلمة بلفظ كان موضع مسجد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لبنى النجار وكان فيه نخل ومقابر للمشركين فقال لهم النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثامنونى به قالوا لا نأخذ له ثمنا أبدا قال فكان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يبنيه وهم يناولونه والنبى صلى الله تعالى عليه على آله وسلم يقول ألا إن العيش عيش
стр. 1082
الآخره فاغفر للأنصار والمهاجره قال وكان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصلى قبل أن يبنى المسجد حيث أدركته الصلاة
(ص) قَالَ مُوسَى: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، بِنَحْوِهِ، وَكَانَ عَبْدُ الْوَارِثِ، يَقُولُ: خِرَبٌ، وَزَعَمَ عَبْدُ الْوَارِثِ، أَنَّهُ أَفَادَ حَمَّادًا هَذَا الْحَدِيثَ
(ش) غرضه من هذا بيان أن شيخه موسى بن إسماعيل رواه من طريق عبد الوارث بن سعيد كما رواه من طريق حماد غير أنه قال فيه خرب كما رواه عنه مسدد وبيان أن حمادا أخذ هذا الحديث عن عبد الوارث كما أخذه عن أبى التياح وهذا هو المراد بقوله وزعم عبد الوارث أنه أفاد حمادا هذا الحديث
(باب اتخاذ المساجد في الدور)
أى في بيان حكم اتخاذ المساجد في الدور، وفي بعض النسخ باب في المساجد تبنى في الدور وفي بعضها باب ما جاء في المساجد تبنى في الدور
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، ثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ»
(ش) (قوله زائدة) بن قدامة الثقفى
(قوله أمر ببناء المساجد في الدور) جمع دار وهو اسم جامع للبناء والعرصة والمحلة فإنهم كانوا يسمون المحلة التي اجتمعت فيها قبيلة دارا، وعلى هذا فالمساجد جمع مسجد بكسر الجيم. أو هو محمول على اتخاذ بيت في الدار للصلاة كالمسجد يصلى فيه أهل البيت قاله ابن الملك وعليه فالمساجد جمع مسجد بفتح الجيم قال في المرقاة والأول هو المعوّل عليه وعليه العمل "وحكمة" أمره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أهل كل محلة ببناء مسجد فيها أنه قد يتعذر أو يشق على أهل محلة الذهاب إلى الأخرى فيحرمون فضل المسجد وفضل إقامة الجماعة فيه فأمر بذلك ليتيسر لأهل كل محلة العبادة في مسجدهم من غير مشقة تلحقهم (وذكر) الخطابى أنها البيوت وحكى أيضا أنه يراد بها المحالّ التي فيها الدور (قال) العينى الظاهر أن المراد بها ما قاله الخطابى لورود النهى عن اتخاذ البيوت مثل المقابر (وفيه حجة) لأصحابنا أن المكان لا يكون مسجدا حتى يسبله صاحبه وحتى يصلي الناس فيه جماعة ولو كان
стр. 1083
الأمر يتمّ فيه بأن يجعله مسجدا بالتسمية فقط لكانت مواضع تلك المساجد في بيوتهم خارجة عن أملاكهم فدلّ أنه لا يصح أن يكون مسجدا بنفس التسمية ولذلك قال صاحب الهداية إن اتخذ وسط داره مسجدا وأذن للناس بالدخول فيه له أن يبيعه ويورث عنه لأن المسجد ما لا يكون لأحد فيه حق المنع وإذا كان ملكة محيطا بجوانبه كان له حق المنع فلم يصر مسجدا اهـ
(قوله وأن تنظف وتطيب) أى أمر أيضا صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بإزالة النتن والأقذار. وأمر بتطييبها بالروائح الطيبة لأن لها حرمة لإقامة الصلاة فيها ولتشبهها بالمساجد المطلقة (قال) ابن رسلان تطيب المساجد بطيب الرجال وهو ما خفي لونه وظهر ريحه فإن اللون ربما شغل بصر المصلى. والأولى في تطييب المسجد مواضع المصلين ومواضع سجودهم اهـ ويجوز أن يحتمل التطييب على التجمير ولهذا قال ابن حجر يعلم من الحديث أنه يستحب تجمير المسجد بالبخور خلافا لمالك حيث كرهه فقد كان عبد الله يجمر المسجد إذا قعد عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ على المنبر. واستحب بعض السلف تخليق المسجد بالزعفران والطيب. وروى عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فعله اهـ (وقال) الشعبي هو سنة. وأخرج ابن أبى شيبة أن ابن الزبير لما بنى الكعبة طلى حيطانها بالمسك اهـ
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على مشروعية اتخاذ المساجد في البيوت للصلاة والعبادة وقد ثبت أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اتخذ لبعض أصحابه مسجدا في بيته "فقد" روى البخارى من طريق ابن شهاب قال أخبرني محمود بن الربيع الأنصارى أن عتبان بن مالك وهو من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ممن شهد بدرا من الأنصار أنه أتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال يا رسول الله قد أنكرت بصرى وأنا أصلى لقومى فإذا كانت الأمطار سال الوادى الذى بينى وبينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلى بهم ووددت يا رسول الله أنك تأتينى فتصلى في بيتي فأتخذه مصلى فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سأفعل إن شاء الله تعالى قال عتبان فغدا عليّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأبو بكر حين ارتفع النهار فاستأذن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأذنت له فلم يجلس حين دخل البيت ثم قال أين تحب أن أصلى من بيتك قال فأشرت له إلى ناحية من البيت فقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فكبر فقمنا فصففنا فصلى ركعتين ثم سلم "الحديث" ودلّ الحديث على طلب تنظيفها من الأقذار ونحوها، وعلى طلب تعطيرها بما يناسب من أنواع الطيب
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه وأحمد والترمذى مسندا ومرسلا وقال المرسل أصح
стр. 1084
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُفْيَانَ، ثَنَا يَحْيَى يَعْنِي ابْنَ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى، ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ سَمُرَةَ، ثَنِي خُبَيْبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ أَبِيهِ سَمُرَةَ، أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى بَنِيهِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ «كَانَ يَأْمُرُنَا بِالْمَسَاجِدِ أَنْ نَصْنَعَهَا فِي دَوْرِنَا، وَنُصْلِحَ صَنْعَتَهَا وَنُطَهِّرَهَا»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله محمد بن داود بن سفيان) روى عن عبد الرزاق ويحيى بن حسان وعنه أبو داود. قال في التقريب مقبول من الحادية عشرة
(قوله يحيى يعنى ابن حسان) بن حيان أبو زكرياء البصرى. روى عن الليث بن سعد ومعاوية بن سلام ووهيب بن خالد والحمادين وغيرهم وعنه الشافعى ودحيم وأحمد بن صالح ومحمد بن مسكين وكثيرون. وثقه أحمد والعجلى والنسائى وابن يونس وابن حبان والبزّار وقال أبو حاتم صالح الحديث. توفى بمصر سنة ثمان ومائتين عن أربع وستين سنة. روى له البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائى
(قوله سليمان بن موسى) أبو داود الزهرى الخراسانى الأصل سكن الكوفة ثم تحوّل إلى دمشق. روى عن موسى بن عبيدة ودلهم بن صالح ومسعر بن كدام وجعفر بن سعد وغيرهم. وعنه الوليد بن مسلم وهشام بن عمار ويحيى بن حسان. قال أبو حاتم محله الصدق صالح الحديث وقال، مروان بن محمد كان ثقة وقال أبو داود ليس به بأس وذكره ابن حبان في الثقات وذكر العقيلى عن البخارى أنه قال منكر الحديث وحكى ابن عساكر أن أبا زرعة ذكره في الضعفاء
(قوله جعفر بن سعد بن سمرة) ابن جندب الفزارى أبو محمد. روى عن ابن عمه خبيب بن سليمان وسليمان بن موسى وعبد الجبار ابن العباس وصالح بن أبى عنيقة. ذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن حزم مجهول وقال عبد الحق في الأحكام ليس ممن يعتمد عليه وقال ابن عبد البرّ ليس بالقوى. روى له أبو داود
(قوله خبيب) بالتصغير (ابن سليمان) بن سمرة بن جندب الفزارى أبو سليمان الكوفى. روى عن أبيه عن جده. وعنه ابن عمه جعفر بن سعد. ذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن حزم مجهول وقال عبد الحق ليس بقوى وقال الذهبى لا يعرف. روى له أبو داود
(قوله عن أبيه سليمان بن سمرة) بن جندب الفزارى. روى عن أبيه. وعنه ابنه خبيب وعلى بن ربيعة. وثقه ابن حبان وقال ابن القطان حاله مجهول. روى له أبو داود
(قوله عن أبيه سمرة) هو ابن جندب الصحابى الفزارى
(معنى الحديث)
(قوله كان يأمرنا بالمساجد أن نصنعها الخ) أى كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يأمرنا باتخاذ المساجد في بيوتنا أو في المحالّ التى فيها دورنا وأن نصلح صنعتها
стр. 1085
ونتقنها ونجعل لها ما يميزها عن غيرها من البيوت وننظفها عن الأقذار ونحوها. والأمر ليس للوجوب بل بمعنى الإذن لأن مبناه دفع المشقة عنهم إذا ذهبوا إلى جهة أخرى للصلاة فيها
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد والترمذى وصححه بلفظ أمرنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن نتخذ المساجد في ديارنا وأمرنا أن ننظفها
(باب في السرج في المساجد)
أى في بيان مشروعية اتخاذ السرج في المساجد، وفى بعض النسخ باب ما جاء في السرج في المساجد. والسُّرُج بضمتين جمع سراج وهو المصباح
(ص) حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، ثَنَا مِسْكِينٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ، عَنْ مَيْمُونَةَ، مَوْلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفْتِنَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَالَ: «ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ» وَكَانَتِ الْبِلَادُ إِذْ ذَاكَ حَرْبًا، «فَإِنْ لَمْ تَأْتُوهُ وَتُصَلُّوا فِيهِ، فَابْعَثُوا بِزَيْتٍ يُسْرَجُ فِي قَنَادِيلِهِ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله النفيلى) هو عبد الله بن محمد. و (مسكين) بن بكير أبو عبد الرحمن الحرّانى الحذّاء. روى عن جعفر بن برقان وثابت بن عجلان ومالك والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز. وعنه أحمد والنفيلى ونصر بن عاصم وعمرو بن خالد وغيرهم. قال أحمد لا بأس به لكن في حديثه خطأ، وقال ابن معين وأبو حاتم لا بأس به زاد أبو حاتم كان صالح الحديث يحفظه. وقال ابن عمار يقولون إنه ثقة ولم أسمع منه شيئا وذكره ابن حبان وابن شاهين في الثقات وقال أبو أحمد الحاكم له مناكير كثيرة. مات سنة ثمان وتسعين ومائة. روى له الجماعة إلا ابن ماجه
(قوله زياد بن أبى سودة) أبى المنهال أو أبى نصر المقدسى. روى عن أبي هريرة وأبى الدرداء وميمونة وغيرهم. وعنه ثور بن يزيد وشبيب بن أبى شيبة والأوزاعي وآخرون. قال مروان بن محمد ثقة ثبت وذكره ابن حبان في الثقات روى له أبو داود والترمذى وابن ماجه
(قوله ميمونة) هي بنت سعد كانت خادمة له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. روت عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في فضل بيت المقدس وقيل إن التي روت في فضل بيت المقدس ميمونة أخرى غير بنت سعد والأول أصح. روى عنها زياد بن أبى سودة وأخوه عثمان وأبو زيد الضبي وهلال بن أبى هلال وأيوب بن خالد الأنصارى وغيرهم. روى لها أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه
стр. 1086
(معنى الحديث)
(قوله أفتنا في بيت المقدس) لعل مرادها بين لنا هل تحلّ الصلاة فيه بعد أن نسخ التوجه إليه. والمقدس بفتح الميم وكسر الدال مخففة أو بضم الميم وفتح الدال مشددة
(قوله ائتوه فصلوا فيه) وفى رواية ابن ماجه قال أرض المحشر والمنشر ائتوه فصلوا فيه فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره. والأمر بالإتيان والصلاة فيه للندب
(قوله وكانت البلاد الخ) أى بلاد بيت المقدس وقت السؤال كانت دار حرب بين المسلمين والمشركين فلا يستطيع أحد من المسلمين دخوله ولم تفتح إلا في زمن عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ سنة خمس عشرة من الهجرة
(قوله فإن لم تأتوه الخ) أى إن لم يسهل عليكم الإتيان إليه فابعثوا إليه زيتا يوقد فيه. وفي رواية ابن ماجه قلت أرأيت إن لم أستطع أن أتحمل إليه قال فتهدى له زيتا يسرج فيه فمن فعل ذلك فهو كمن أتاه
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على فضيلة بيت المقدس، وعلى مشروعية شدّ الرّحال إليه وأداء الصلاة فيه، وعلى مشروعية إرسال الزيت إلى المساجد للإصباح وإن كانت في غير بلده، وعلى مشروعية إرسال المسلمين زيتا إلى المساجد التي في دار الحرب لينتفع به كل من أراد أداء الصلاة فيه من المسلمين، ومثل الزيت غيره من كل ما فيه منفعة للمساجد، وعلى أنه يطلب من غير العالم بالحكم أن يسأل. عنه من هو عالم به
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن ماجه
(باب في حصى المسجد)
أى في بيان ما يدلّ على إباحة إدخال الحصى في المسجد وعدم إخراجه منه. وفي بعض النسخ باب ما جاء في حصى المسجد
(ص) حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ تَمَّامِ بْنِ بَزِيعٍ، ثَنَا عُمَرُ بْنُ سُلَيْمٍ الْبَاهِلِيُّ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ قال، سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، عَنِ الْحَصَى الَّذِي فِي الْمَسْجِدِ؟ فَقَالَ: مُطِرْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ فَأَصْبَحَتِ الْأَرْضُ مُبْتَلَّةً، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَأْتِي بِالْحَصَى فِي ثَوْبِهِ، فَيَبْسُطُهُ تَحْتَهُ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ، قَالَ: «مَا أَحْسَنَ هَذَا»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله سهل بن تمام بن بزيع) بفتح الموحدة وكسر الزاى وسكون المثناة التحتية آخره عين مهملة أبو عمرو البصرى. روى عن أبيه والمبارك بن فضالة وصالح بن أبي الجوزاء وقرّة بن خالد وعطية بن بهرام وآخرين. وعنه أبو داود وأبو قلابة وأبو زرعة وأبو حاتم
стр. 1087
وغيرهم. قال أبو زرعة لم يكن بكذّاب وكان ربما وهم في الشئ وقال أبو حاتم شيخ وذكره ابن حبان في الثقات وقال يخطئُ
(قوله عمر بن سليم الباهلى) البصري. روى عن أبى غالب والحسن وقتادة وأبى الوليد وغيرهم. وعنه سهل بن تمام وزيد بن الحباب وعبد الوارث وابنه عبد الصمد. قال أبو زرعة صدوق وقال أبو حاتم شيخ وذكره ابن حبان في الثقات وقال العقيلى غير مشهور يحدّث بمناكير. روى له ابن خزيمة في صحيحه وأبو داود وابن ماجه
(قوله عن أبي الوليد) هو عبد الله بن الحارث البصرى التابعى. روى عن ابن عباس وابن عمر وزيد بن أرقم وأبى هريرة وعائشة. وعنه ابنه يوسف وأيوب السختياني وعاصم الأحول وخالد الحذّاء. وثقه النسائى وسليمان بن حرب وابن حبان وأبو زرعة وقال أبو حاتم يكتب حديثه روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله سألت ابن عمر عن الحصى الذى في المسجد الخ) أى عن الحصى الذى هو مفروش في المسجد أهو جائز أم لا فأجابه ابن عمر بما وقع في عهده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأقرّ الصحابة عليه بقوله مطرنا ذات ليلة فجعل الرجل يأتي بالحصى في طرف ثوبه فيفرشه تحته ليصلى عليه احترازا عن التلوّث بالطين وليتمكن من السجود على الوجه الأكمل فلما رأى ذلك صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال ما أحسن هذا. والغرض منه مدح فاعليه ولم يكن تعجبا حقيقة لأنه لم يخف بسببه
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على مشروعية الصلاة على الحصى في المسجد، وعلى أنه لم يكن في المسجد إذ ذاك فراش من حصير ونحوه، وعلى مشروعية مدح الرئيس المرءوس إذا فعل ما هو موافق. وعلى جواز فعل المرءوس ما هو حسن بدون إذن خاصّ من الرئيس
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، قَالَا: نَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، قَالَ: " كَانَ يُقَالُ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَخْرَجَ الْحَصَى مِنَ الْمَسْجِدِ يُنَاشِدُهُ "
(ش) (قوله أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير. و (أبو صالح) ذكوان السمان
(قوله كان يقال إن الرجل الخ) أى كانت الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم يتحدثون فيما بينهم بأن الرجل كان إذا أخرج الحصاة من المسجد تسأله بالله وتقسم عليه أن لا يخرجها منه يقال نشدتك الله وأنشدك الله وبالله وناشدتك الله وبالله أى سألتك وأقسمت عليك به (ولعل) الحكمة في مناشدة الحصاة أنها مادامت في المسجد يصلى عليها وتبعد عن القاذورات فإذا أخرجت منه بعدت عن هذا. ومناشدتها يحتمل أن تكون حقيقة بلسان المقال بكيفية لا نعلمها وهو الذى اختاره جمهور السلف في تسبيح الجمادات والحيوانات غير العاقلة. ويحتمل أن تكون بلسان الحال فيكون مجازا تشبيها لها بمن يناشد صاحبه لأمر
стр. 1088
عرض له. وظاهر المصنف أن الصحابة كانوا يقولون ذلك ولا يروونه مسندا إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. لكن لما كان هذا الأمر لا مدخل للعقل فيه والقائلون به هم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كان مرفوعا حكما
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَدْرٍ شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ، ثَنَا شَرِيكٌ، ثَنَا أَبُو حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ أَبُو بَدْرٍ: أُرَاهُ قَدْ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الْحَصَاةَ لَتُنَاشِدُ الَّذِي يُخْرِجُهَا مِنَ الْمَسْجِدِ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله محمد بن إسحاق) بن جعفر (أبو بكر) الصاغاني خراساني الأصل سكن بغداد. روى عن أبى عامر العقدى وروح بن عبادة وأبى مسهر والفضل بن دكين وشجاع ابن الوليد وكثيرين. وعنه الجماعة إلا البخارى وأبو بكر بن خزيمة وجماعة. قال الدارقطني ثقة فوق الثقة وقال مسلمة وابن خراش ثقة مأمون وقال الخطيب كان أحد الأثبات المتقنين مع صلابة في الدين واشتهار بالسنة واتساع في الرواية ووثقه أبو حاتم والنسائى وابن حبان وقال ابن أبي حاتم هو ثبت صدوق. مات يوم الخميس لسبع خلون من صفر سنة سبعين ومائتين
(قوله أبو بدر شجاع بن الوليد) بن قيس السكوني الكوفى سكن بغداد. روى عن عطاء بن السائب والأعمش وموسى بن عقبة وهشام بن عروة وغيرهم. وعنه ابنه الوليد وبقية بن الوليد وأحمد وابن معين وإسحاق بن راهويه وكثيرون. وثقه ابن معين وابن حبان وابن نمير وقال العجلى وأبو زرعة لا بأس به وقال أبو حاتم شيخ ليس بالمتين لا يحتج بحديثه. مات ببغداد سنة أربع أو خمس ومائتين
(قوله شريك) هكذا وقع في جميع النسخ شريك بدون ذكر نسبه ولعله شريك بن عبد الله بن أبى شريك النمرى القرشي المدني. قال ابن معين والنسائى ليس به بأس وقال مرّة ليس بالقوى وقال ابن سعد ثقة كثير الحديث وقال أبو داود ثقة وقال ابن الجارود ليس به بأس وليس بالقوى وكان يحيى بن سعيد لا يحدّث عنه وقال الساجى كان يرى القدر وذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقريب صدوق يخطئ من الخامسة. مات في حدود الأربعين ومائة
(قوله أبو حصين) بفتح الحاء المهملة هو عثمان بن عاصم بن حصين ويقال ابن عاصم بن زيد بن كثير ابن زيد بن مرّة الأسدى الكوفى. روى عن ابن عباس وأنس وابن الزبير وجابر بن سمرة وأبى سعيد الخدرى وكثيرين. وعنه سعد بن طارق وشعبة والسفيانان وقيس بن الربيع وطائفة وثقه ابن معين وأبو حاتم ويعقوب بن شيبة والنسائى وابن خراش وابن حبان وقال ابن عبد البرّ أجمعوا على أنه ثقة حافظ وعدّه ابن مهديّ في أثبات أهل الكوفة الذين من اختلف عليهم يكون
стр. 1089
مخطئا وقال أحمد كان صحيح الحديث، وقال العجلى كان شيخا عاليا صاحب سنة. قيل مات سنة ثمان وعشرين ومائة. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله قال أبو بدر أراه الخ) بضم الهمزة أى قال أبو بدر أظنّ أن شريكا حدثنى بهذا الحديث بسنده إلى أبى هريرة وقد رفع الحديث إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(قوله إن الحصاة لتناشد الخ) أى لتسأل وتقسم على الذى يخرجها من المسجد بالله أن لا يخرجها منه. وروى ابن أبى شيبة عن سعيد بن جبير قال الحصاة تسبّ وتلعن من يخرجها من المسجد وروى أيضا عن سليمان بن يسار قال الحصاة إذا أخرجت من المسجد تصيح حتى تردّ إلى موضعها وعن ابن سيرين أنه كان يقول لغلام له أو لخادمه إن وجدت في خفى حصاة فردّها إلى المسجد
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على أن الحصاة لا تحبّ أن تفارق المسجد الذى هو محلّ العبادة وتستجير بالله أن لا تخرج منه (فانظر) إلى هذه الجمادات وإلى حال غالبنا يضيق ذرعا من بقائه في المسجد وقت الصلاة لا سيما إن صلى مع إمام صلاة صحيحة وربما قطع الصلاة وخرج من المسجد ساخطا على هذا الإمام الذى صلى صلاة موافقة للوارد عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ويقول من أمّ بالناس فليخفف لزعمه أن التخفيف هو نقر الغراب الذى يفعله أمثاله وهو لا يسمى صلاة بالإجماع. نعوذ بالله تعالى من غضبه ومقته. ويدلّ الحديث أيضا على التنفير من إخراج الحصى من المسجد. ولعل محله في المساجد غير المفروشة. أما المفروشة فيطلب إخراج الحصى ونحوه منها لما يترتب على بقائه فيها من تعفيش المسجد وضرر المصلى بالسجود عليها
(باب في كنس المساجد)
وفى نسخة باب فضل كسح المسجد. وفي أخرى باب كنس المسجد
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الْخَزَّازُ، ثَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي، فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيَهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا»
стр. 1090
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عبد الوهاب بن عبد الحكم الخرّاز) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الزاى الأولى ويقال ابن الحكم بن نافع أبو الحسن الورّاق البغدادى نسائى الأصل روى عن معاذ بن معاذ وحجاج بن محمد ويزيد بن هارون وعبد المجيد بن عبد العزيز. وعنه ابنه الحسن وأبو داود والترمذى. والنسائى وابن ماجه وأبو بكر بن أبى الدنيا وغيرهم. وثقه النسائى وابن حبان والدارقطنى والخطيب وقال أحمد قلّ أن يرى مثله. مات سنة خمسين أو إحدى وخمسين ومائتين
(قوله عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبى روّاد) بفتح الراء وتشديد الواو المكي مولى المهلب. روى عن أبيه وأيمن بن نابل ومعمر بن راشد وابن جريج والليث بن سعد. وعنه شريح بن يونس والشافعى وأحمد والزبير بن بكار وموسى بن طارق وكثيرون. قال ابن معين ثقة كان يروى عن قوم ضعفاء وكان يعلن بالإرجاء وقال أبو حاتم ليس بالقوى يكتب حديثه وقال الدارقطنى لا يحتج به وقال أحمد ثقة وكان فيه غلوّ في الإرجاء وقال أبو داود ثقة وكان مرجئا داعية في الإرجاء وأهل خراسان لا يحدّثون عنه وقال أبو أحمد الحاكم ليس بالمتين عندهم وقال الخليل ثقة ولكنه أخطأ في أحاديث وقال ابن حبان كان يقلب الأخبار ويروى المناكير عن المشاهير فاستحقّ الترك. روى له مسلم مقرونا بهشام بن سليمان. مات سنة ست ومائتين. روى له أبو داود والترمذى والنسائى. و (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز
(قوله المطلب بن عبد الله ابن حنطب) بن الحارث بن عبيد أبى الحكم القرشي المخزومى المدنى. روى عن أبيه وعمر بن الخطاب وابنه عبد الله وابن عباس وأنس وأبى هريرة وأبى موسى. وعنه ابنه عبد العزيز ومحمد بن عباد وابن جريج والأوزاعي. قال ابن سعد كان كثير الحديث ولا يحتج بحديثه لأنه يرسل عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كثيرا وليس له لقىّ وعامة أصحابه يدلسون وقال الدارقطنى وأبو زرعة ويعقوب بن سفيان ثقة. روى له أبو داود والتزمذى والنسائى وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله عرضت عليّ أجور أمتى) أى أطلعنى الله على ثواب أمتي وفى رواية مسلم عرضت عليّ أعمال أمتى حسنها وسيئها الخ ولا منافاة بينهما لأن كلا من الأعمال وجزائها يعرض عليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعرض الأعمال كناية عن إحاطة علمه بها. ويجوز أن يكون على وجه الحقيقة بأن تكون عرضت عليه الأعمال الحسنة في صور حسان والأعمال السيئة في صور رديئة كما توزن الأعمال يوم القيامة
(قوله حتى القذاة الخ) أى حتى أجر إخراج القذاة من المسجد. وحتى عاطفة والقذاة مبتدأ وجملة يخرجها خبر. والقذاة ما يقع في العين والماء والشراب من تراب أو تبن أو وسخ. وهذا مبالغة في الحثّ على تنظيف المساجد لأنه إذا حصل الأجر لمن يخرج القذاة منه فالذى يكنسه ويزيل ترابه وغباره وينظفه عن الأقذار والأوساخ الكثيرة بالطريق الأولى أن يكون له أجور كثيرة (قال) ابن رسلان فيه
следующие страницы →