أحمد رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ثمانية وعشرين شهرا وكان فيها يضرب كلّ قليل إلى أن يغمى عليه وينخس بالسيف ويرمى بالأرض ويداس عليه ولم يزل كذلك إلى أن مات المعتصم وتولى بعده الواثق فاشتد الأمر على أحمد حتى مات الواثق وتولى المتوكل فرفع المحنة عن أحمد وأمر بإحضاره وإكرامه وإعزازه وكتب إلى الآفاق برفع المحنة وإظهار السنة وأن القرآن غير مخلوق وخمدت المعتزلة (وبالجملة) ففضائله كثيرة. روى عن إبراهيم بن سعد وعبد الرزاق ووكيع ويحيى بن سعيد القطان وكثيرين. وعنه الشافعى من شيوخه والشيخان وأبو داود وأكثر عنه في كتابه هذا وابن معين وآخرون. ولد ببغداد ونشأ بها ومات فيها ودخل الكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام والجزيرة. ولما مرض رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ اجتمع الناس على بابه لعيادته حتى امتلأت الشوارع. ولما قبض صاح الناس وعلت الأصوات بالبكاء وارتجت الدنيا لموته وخرج أهل بغداد إلى الصحراء يصلون عليه فحزروا من حضر جنازته من الرجال ثمانمائة ألف ومن النساء ستين ألفا سوى من كان في الأطراف والسفن والأسطحة فإنهم بذلك يكونون أكثر من ألف ألف. وأسلم يوم وفاته عشرون ألفا من اليهود والنصارى والمجوس. وكانت وفاته رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ سنة إحدى وأربعين ومائتين وقد استكمل سبعا وسبعين سنة
(قوله الحسن بن علي) بن محمد الهذلى أبو على الخلال المكي الحافظ. روى عن عبد الصمد ووكيع وعبد الرّزاق بن همام وأبى أسامة وآخرين. وعنه إبراهيم الحربى والبخارى ومسلم والترمذى وابن ماجه وكثيرون، قال يعقوب بن شيبة كان ثقة ثبتا متقنا ووثقه النسائى والخطيب وابن حبان وقال الترمذى كان حافظا. مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين
(قوله عبد الرزاق) بن همام ابن نافع أبو بكر الحميرى مولاهم الصنعاني أحد الحفاظ الأثبات صاحب التصانيف. روى عن ابن جريج والأوزاعي ومالك وسعيد بن مسلم وكثيرين. وعنه ابن عيينة وإسحاق وأحمد ابن حنبل وابن معين وغيرهم .. ووثقه الأئمة كلهم إلا العباس بن عبد العظيم العنبرى وحده فتكلم بكلام أفرط فيه ولم يوافقه عليه أحد وقال ابن معين كان عبد الرزّاق أثبت في حديث معمر من هشام بن يوسف وقال هشام بن يوسف كان عبد الرزاق أعلمنا وأحفظنا وقال الذهلى كان أيقظهم في الحديث وكان يحفظ وقال ابن عدىّ رحل إليه ثقات المسلمين وكتبوا عنه إلا أنهم نسبوه إلى التشيع وهو أعظم ما رموه به وقال إبراهيم بن عباد كان يحفظ نحوا من سبعة عشر ألف حديث وقال الأثرم عن أحمد من سمع منه بعد ما عمى فليس بشئ. روى له الجماعة. مات سنة إحدى عشرة ومائتين
(قوله قال أحمد حدثنا معمر الخ) فيه إشارة إلى بيان الاختلاف في السندين بأن رواية أحمد فيها التصريح بتحديث عبد الرزاق عن معمر وبإخبار معمر عن أشعث بخلاف رواية الحسن فإنها بالعنعنة فيهما وبأن الأشعث في رواية الحسن منسوب إلى أبيه بخلاف رواية
стр. 107
أحمد. أما ما في النسائى من قوله عن الأشعث بن عبد الملك فهو خطأ أو سهو من النساخ والصحيح ما في المصنف وكتب الرجال من أنه ابن عبد الله (ومعمر) هو ابن راشد الأزدى أبو عروة البصرى ثم اليماني أحدا الأئمة الأعلام. روى عن الزهرى وهمام بن منبه وقتادة وعمر وبن دينار وغيرهم. وعنه سفيان الثورى من أقرانه وأيوب من شيوخه وشعبة وابن عيينة وآخرون، قال العجلى ثقه صالح وقال النسائى ثقة مأمون وقال أبو حاتم حدّث من حفظه بالبصرة بأحاديث غلط فيها وقال يحيى بن معين حديث معمر عن ثابت البنانى ضعيف. مات سنة ثلاث أو أربع وخمسين ومائة وله ثمان وخمسون سنة. روى له الجماعة
(قوله عن أشعث بن عبد الله) بن جابر الأعمى أبى عبد الله البصرى. روى عن أنس وشهر بن حوشب والحسن بن أبى الحسن ومحمد بن سيرين وغيرهم. وعنه معمر وشعبة ونصر بن على ويحيى القطان وطائفة. روى له أبو داود والترمذى وابن ماجه. وثقه النسائى وابن معين وقال الدارقطنى يعتبر به وقال البزار ليس به بأس مستقيم الحديث وأورده العقيلى في الضعفاء وقال في حديثه وهم لكن قال الذهبى في الميزان قول العقيلى في حديثه وهم ليس بمسلم وأنا أتعجب كيف لم يخرج له الشيخان
(قوله الحسن) بن يسار البصرى
(قوله عبد الله بن مغفل) بضم الميم وفتح الغين المعجمة والفاء المشددة ابن عبد نهم بن عفيف المزنى أبو سعيد كان من أصحاب بيعة الشجرة قال الحسن البصرى كان أحد العشرة الذين بعثهم إلينا عمر يفقهون الناس وكان من البكائين في غزوة تبوك الذين أنزل الله تعالى فيهم، ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم إلى قوله تعالى وأعينهم تفيض من الدمع حزنا. وفضائله كثيرة. روى له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثلاثة وأربعون حديثا اتفق الشيخان منها على أربعة وانفرد البخارى بحديث ومسلم بآخر وروى عن أبى بكر وعثمان وعبد الله بن سالم، وعنع أبو العالية وسعيد بن جبير والحسن البصرى وثابت البنانى وغيرهم. سكن المدينة ثم تحوّل إلى البصرة وابتنى بها دارا ومات بها سنة تسع وخمسين أو ستين. روى له الجماعة
(قوله لا يبولنّ أحدكم) النهى فيه متوجه لجميع الأمة وإن كان ظاهر الخطاب لمن كان حاضرا من الصحابة
(قوله في مستحمه) الإضافة فيه لأدنى ملابسة لأن المراد مكان الاغتسال ولو غير مملوك
(قوله ثم يغتسل فيه) ثم استبعادية يعنى يستبعد من العاقل أن يغتسل أو يتوضأ في محل بال فيه لما يترتب على ذلك من الوسوسة ونظيره قوله تعالى (الحمد لله الذى خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) أى يستبعد كفر من كفر بعد قيام الأدلة على وحدانية الله تعالى ويغتسل الرواية فيه بالرفع فيكون خبرا لمبتدإ محذوف أى ثم هو يغتسل فيه والمعنى عليه لينته أحدكم عن البول في المستحم وله أن يغتسل فيه وإن لم ينته فليس له أن يغتسل فيه، ويجوز نصبه
стр. 108
في جواب النهى على أن ثم بمعنى الواو، وقول النووى لا يجوز النصب لأنه يقتضى أن المنهى عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما وهذا لم يقل به أحد بل البول منهيّ عنه سواء أراد الاغتسال فيه أو منه أم لا غير مسلم فإن النهى عن الجمع بين البول والاغتسال في مكان واحد لا مانع من إرادته في الحديث بدليل التعليل الآتى وكونه يترتب عليه جواز البول في المستحم ولم يقل به أحد هذا وإن كان مسلما إلا أنه جاء من طريق المفهوم وهو معارض بالتعليل المذكور في الحديث فإنه لو بال في المغتسل أحد واغتسل فيه آخر أورثه ذلك الوسوسة ومعارض أيضا بنحو قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا ضرر ولا ضرار رواه أحمد وابن ماجه عن ابن عباس، وقال ابن دقيق العيد النهى عن الجمع بينهما يؤخذ من هذا الحديث إن ثبتت رواية النصب ويؤخذ النهى عن الإفراد من حديث آخر اهـ وأما لو بال في المستحم وهجره من الاغتسال فيه جاز له ذلك، ويجوز جزم يغتسل عطفا على يبولنّ والمعنى عليه النهى عن البول في المستحم وهو ظاهر وعن الاغتسال فيه على معنى الانغماس فيه لما يترتب عليه من قذارة الماء وعليه فالنهى للتنزيه
(قوله قال أحمد ثم يتوضأ) أى قال أحمد بن محمد بن حنبل في روايته ثم يتوضأ بدل يغتسل في رواية الحسن وهذا ظاهر كلام المصنف والذى في رواية البيهقى من طريق أحمد ثم يغتسل فيه ثم يتوضأ
(قوله فإن عامة الوسواس منه) أى من الغسل أو الوضوء في محل البول، وهو علة للنهى وعامة الشئ جميعه أو أكثره وهو المراد هنا والوسواس حديث النفس بما لا خير فيه أو بما فيه شرّ وهو مصدر وسوس يقال وسوس يوسوس وسوسة ووسواسا بكسر الواو ووسواسا بفتحها والوسواس بالفتح اسم للشيطان أيضا وكل منهما يصح إرادته هنا أما الأول ظاهر وأما الثانى فعلى تقدير مضاف أى فإن عامة فعل الوسواس منه والمراد بفعل الوسواس وسوسته. قال العراقى علل النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هذا النهى بأن هذا الفعل يورث الوسواس ومعناه أن المغتسل يتوهم أنه أصابه شئ من رشاشه فيحصل له وسواس. وروى ابن أبى شيبة في مصنفه عن أنس بن مالك رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أنه قال إنما يكره البول في المغتسل مخافة اللمم، وذكر صاحب الصحاح وغيره أن اللمم طرف من الجنون وهذا يقتضى أن العلة في النهى عن البول في المغتسل خشية أن يصيبه شئ من الجن وهو معنى مناسب لأن المغتسل محل حضور الشياطين لما فيه من كشف العورة فهو في معنى البول في الجحر. لكن المعنى الذى علل به النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أولى بالاتباع قال ويمكن جعله موافقا لقول أنس بأن يكون المراد بالوسواس في الحديث الشيطان وفيه حذف تقديره فإن عامة فعل الوسواس أى الشيطان منه وفعل الوسواس هنا اللمم لكنه خلاف ما فهمه العلماء من الحديث ولا مانع من التعليل بهما فكل منهما علة مستقلة اهـ وقال السيوطي هما علة واحدة ولا منافاة فإن اللمم الذى ذكره أنس هو الوسواس بعينه وذلك طرف من الجنون فإنه قد كثر في الحديث والآثار وأشعار العرب إطلاق الوسواس مرادا به الجنون فمن ذلك حديث أحمد عن عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُقال لما توفى النبى صلى
стр. 109
الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حزن أصحابه حتى كاد بعضهم يوسوس أى يجنّ، وقيل لولا مخافة الوسواس لكنت بأرض ليس فيها ناس، فالذى قاله أنس هو عين الذى قاله النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اهـ قال الشيخ العراقى حمل جماعة من العلماء هذا الحديث على ما إذا كان المغتسل لينا وليس فيه منفذ بحيث إذا نزل فيه البول شربته الأرض واستقرّ فيها فإن كان صلبا ببلاط ونحوه بحيث يجرى عليه البول ولا يستقر أو كان فيه منفذ كالبالوعة فلا نهى. فقد روى ابن أبى شيبة عن عطاء قال إذا كان يسيل فلا بأس، وقال ابن المبارك فيما نقله عنه الترمذي قد وسع في البول في المغتسل إذا جرى فيه الماء، وقال النووى إنما نهى عن الاغتسال فيه إذا كان صلبا يخاف منه إصابة رشاشه فإن كان لا يخاف ذلك بأن يكون له منفذ أو غير ذلك فلا كراهة اه ونحوه لابن الأثير والخطابى. قال الشيخ ولى الدين وهو عكس ما ذكره الجماعة فإنهم حملوا النهى على الأرض اللينة وحمله هو على الصلبة وقد لمح هو معنى آخر وهو أنه في الصلبة يخشى عود الرشاش وهم نظروا إلى أنه في الرخوة يستقرّ موضعه وفى الصلبة بحرى ولا يستقرّ فإذا صب عليه الماء ذهب أثره بالكلية، والحديث ليس مقيدا بشئ مما ذكر بل الظاهر إبقاؤه على عمومه ما بقى أثر النجاسة لينقطع سبيل الوسواس فلا فرق في المستحم بين أن يكون صلبا أو رخوا له منفذ أو لا. أما إذا زال أثرها فلا نهى (واعلم) أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان أحرص الناس على هداية الأمة وإرشادهم إلى ما فيه فلاحهم دنيا وأخرى فلم يدع سبيلا يرشد إلى الخير إلا وقد أمر به ولا طريقا يوصل إلى الشرّ إلا وقد نهى عنه كما قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما تركت شيئا يقربكم إلى الله تعالى إلا وقد أمرتكم به ولا شيئا يبعدكم عن الله تعالى إلا وقد نهيتكم عنه رواه الطبرانى في الكبير عن زيد بن أرقم، وقد امتن الله على أمته ببعثته فقال تعالى (لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين) فهو صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رحمة عامة ونعمة تامة فمن هدايته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وشفقته علينا نهيه لنا عن البول في محل الطهارة وإعلامه أن عامة الوسواس منه ذلك الأمر الذى يترتب عليه الخروج عن هدى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم واستحواذ الشيطان على من قام به حتى يوقعه في المشقة والعناء فيخيل لمن رآه أن به جنونا وحسبك أن فحول العلماء المحققين قد ألفوا في ذم الوسواس كتبا مستقلة وأطالوا الكلام بما يشفى ويكفي، فمن ذلك ما ذكره ابن قدامة المقدسى في كتابه ذمّ الموسوسين قال إن طائفة الموسوسين قد تحقق منهم طاعة الشيطان حيث اتصفوا بوسوسته وقبلوا قوله وأطاعوه ورغبوا عن اتباع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وصحابته حتى إن أحدهم ليرى أنه إذا توضأ وضوء رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أو صلى كصلاته فوضوؤه باطل وصلاته غير صحيحة ويرى أنه إذا فعل مثل فعل
стр. 110
رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في مؤاكلة الصبيان وأكل طعام عامة المسلمين أنه قد صار نجسا يجب عليه تسبيع يده وفمه كما لو ولغ فيهما كلب، ثم إنه بلغ من استيلاء إبليس عليهم أنهم أجابوه إلى ما يشبه الجنون ويقارب مذهب السوفسطائية الذين ينكرون حقائق الموجودات والأمور المحسوسات وعلم الإنسان بحال نفسه من الأمور الضروريات اليقينيات وهؤلاء يغسل أحدهم عضوه غسلا يشاهده ببصره ويكبر ويقرأ بلسانه بحيث تسمعه أذناه ويعلمه قلبه بل يعلمه غيره منه ويتيقنه ثم يشك هل فعل ذلك، وكذلك يشككه الشيطان في نيته التى يعلمها من نفسه يقينا بل يعلمها غيره منه بقرائن أحواله ومع هذا يقبل قول إبليس له إنه ما نوى الصلاة ولا أرادها مكابرة منه لعيانه وجحدا ليقين نفسه حتى تراه متردّدا متحيرا كأنه يعالج شيئا يجتذبه أو يجد شيئا في باطنه يستخرجه كل ذلك مبالغة في طاعة إبليس وقبول وسوسته، ومن انتهت طاعته لإبليس إلى هذا الحد فقد بلغ النهاية في طاعته، ثم إنه يقبل قوله في تعذيب نفسه ويطيعه في الإضرار بجسده تارة بالغوص في الماء البارد وتارة بكثرة استعماله وإطالة العرك وربما فتح عينيه في الماء البارد وغسل داخلهما حتى يضرّ ببصره وربما أفضى إلى كشف عورته للناس وربما صار إلى حال يسخر منه الشيطان ويستهزئُ به من يراه (وذكر) أبو الفرج بن الجوزى عن أبي الوفاء بن عقيل أن رجلا قال له أنغمس في الماء مرارا كثيرة وأشك هل صح لى الغسل فما ترى في ذلك فقال له الشيخ اذهب فقد سقطت عنك الصلاة قال وكيف قال لأن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال رفع القلم عن ثلاثة عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ والنائم حتى يستيقظ والصبى حتى يبلغ رواه أحمد وأبو داود عن على وعمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما، ومن ينغمس في الماء مرارا وشك هل أصابه الماء فهو مجنون، قال وربما شغله بوسواسه حتى تفوته الجماعة وربما فاته الوقت ويشغله بوسوسته في النية حتى تفوته التكبيرة الأولى وربما فوّت عليه ركعة أو أكثر، ومنهم من يحلف أنه لا يزيد على هذه ويكذب، وحكى لى من أثق به عن موسوس عظيم رأيته أنا يكرر عقد النية مرارا فيشق على المأمومين مشقة كبيرة فعرض له أن حلف بالطلاق أنه لا يزيد على تلك المرة فلم يدعه إبليس حتى زاد ففرّق بينه وبين امرأته فأصابه لذلك غمّ شديد وأقاما متفرقين دهرا طويلا حتى تزوجت تلك المرأة برجل آخر وجاءه منها ولد ثم إنه حنث في يمين حلفها ففرّق بينهما وردّت إلى الأول بعد أن كاد يتلف لمفارقتها، وبلغنى عن آخر كان شديد التنطع في التلفظ بالنية فاشتدّ به التنطع والتشديد يوما إلى أن قال أصلى أصلى مرارا صلاة كذا وكذا وأراد أن يقول أداء فأعجم الدال وقال أذاء لله فقطع الصلاة رجل إلى جانبه فقال ولرسوله وملائكته وجماعة المصلين. قال ومنهم من يتوسوس في إخراج الحرف حتى يكرّره مرارا قال فرأيت منهم من يقول لله أكككبر. قال
стр. 111
وقال لى إنسان منهم قد عجزت عن قولى السلام عليكم فقلت له قل مثل ما قد قلت الآن وقد استرحت، وقد بلغ الشيطان منهم أن عذبهم في الدنيا والآخرة وأخرجهم عن اتباع الرسول صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأدخلم في جملة أهل التنطع والغلوّ وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. فمن أراد التخلص من هذه البلية فليستشعر أن الحق في اتباع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في قوله وفعله وليعزم على سلوك طريقته عزيمة من لا يشك أنه على الصراط المستقيم وأن ما سوى ذلك فهو من تسويل إبليس ووسوسته ويوقن أنه عدوّ له لا يدعوه إلى خير إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير وليترك التعرج على كل ما خالف طريقة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كائنا ما كان فإنه لا شك أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان على الصراط المستقيم ومن شك في هذا فليس بمسلم اهـ ملخصا وقد أطال البحث في هذا المقام
(فقه الحديث) دل الحديث على منع البول في محل التطهير، وعلى أنه يطلب ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يبين السبب ليقع كلامه عند المأمور والمنهى موقع القبول وعلى أنه يطلب من الإنسان البعد عما يضرّه، وعلى أنه يطلب إيقاع الغسل والوضوء في محل طاهر، وعلى أنه يطلب من الرئيس أن يرشد رعيته إلى ما فيه صلاحهم وترك ما لا خير فيه (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد والنسائى وابن ماجه وابن حبان والحاكم وعبد الرزاق في الجامع والعقيلى والضياء المقدسى وأخرجه البيهقى من عدّة طرق مرفوعا وموقوفا وأخرجه الترمذى وقال حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث أشعث بن عبد الله، وذكر في العلل أنه سأل عنه البخارى فقال لا أعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه، وقال ابن سيد الناس وهو مع غرابته يحتمل أن يكون من قسم الحسن لأن أشعث مستور اهـ وقال المناوى في شرحه الكبير جزم النووى بأنه حسن وقال المنذرى إسناده صحيح متصل وأشعث بن عبد الله ثقة صدوق وكذا بقية رواته
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حُمَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كُلَّ يَوْمٍ، أَوْ يَبُولَ فِي مُغْتَسَلِهِ»
стр. 112
(ش) (رجال الحديث)
(قوله أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس بن عبد الله بن قيس التميمى الكوفى الحافظ. روى عن ابن أبي ذئب وابن أبى ليلى والثورى وهشام بن عروة وغيرهم وعنه الشيخان وأبو داود وأبو زرعة وابن أبى حاتم الرازى وطائفة، قال أحمد هو شيخ الإسلام وقال الدارقطنى صدوق ثقة وقال عثمان بن أبى شيبة كان ثقة وليس بحجة وقال ابن سعد كان ثقة صدوقا صاحب سنة وذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو حاتم كان ثقة متقنا. مات سنة سبع وعشرين ومائتين
(قوله زهير) بن معاوية بن حديج بالحاء المهملة مصغرا أبو خيثمة الكوفى أحد الحفاظ. روى عن سماك بن حرب والأسود بن قيس وموسى بن عقبة وأبى إسحاق السبيعى وغيرهم. وعنه ابن مهدى وأبو داود الطيالسى ويحيى بن يحيى النيسابورى وعمرو بن خالد وآخرون. قال ابن معين ثقة وقال أبو زرعة ثقة إلا أنه سمع من أبى إسحاق بعد الاختلاط وقال أبو حاتم ثقة متقن صاحب سنة وقال العجلى ثقة مأمون وقال النسائى ثبت وقال ابن سعد كان ثقة ثبتا مأمونا كثير الحديث، روى له الجماعة، مات سنة ثلاث وسبعين ومائة
(قوله داود ابن عبد الله) الأودى بفتح فسكون الزعافرى أبو العلاء الكوفى. ووى عن أبيه وحميد بن عبد الرحمن الحميرى والشعبى وغيرهم. وعنه أبو عوانة ومحمد بن فضيل وأبو خالد الدالانى ووكيع وكثيرون. وثقه أحمد وأبو داود وابن معين وقال مرة ليس بشئ وقال النسائى ليس به بأس
(قوله حميد) بالتصغير ابن عبد الرحمن البصرى الفقيه. روى عن أبى هريرة وأبي بكرة وابن عمر وابن عباس وكثيرين. وعنه ابنه عبيد الله وعبد الله بن بريدة وأبو التياح وابن سيرين وغيرهم وثقه العجلى وابن سعد وقال ابن سيرين هو أفقه أهل البصرة وقال أحمد بن عبد الله تابعى ثقة وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان فقيها عالما روى له الجماعة إلا البخارى، والحميرى بكسر فسكون نسبة إلى حمير قبيلة باليمن
(قوله لقيت رجلا) لم يعرف ذلك الرجل وهذا لا يضرّ لأن الصحابة كلهم عدول لثناء الله تعالى عليهم ورسوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وقيل هو حكم بن عمرو الغفارى وقيل عبد الله بن سرجس وقيل عبد الله ابن مغفل
(قوله كما صحبه أبو هريرة) يعنى صحبه مدّة طويلة، وفى رواية النسائى لقيت رجلا صحب النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أربع سنين
(قوله نهى) النهى ضدّ الأمر وهو الكفّ يقال نهاه ينهاه نهيا أى كفه، وفى العرف اقتضاء كف عن فعل لا بقول كف والأداة الموضوعة له لا الجازمة، والنهى في حديث الباب محمول على الكراهة عند العلماء
(قوله أن يمتشط أحدنا) أى معشر الرجال، والفعل في تأويل مصدر مجرور بعن مقدرة أى نهى عن امتشاط أحدنا، والامتشاط تسريح الشعر بالمشط لتحسينه يقال مشطت الشعر مشطا من بابي قتل وضرب سرحته والتثقيل مبالغة والمشط الذى يمتشط به بضم الميم، وتميم كسرها وهو القياس لأنه آلة
стр. 113
والجمع أمشاط، وإنما نهى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن الامتشاط كل يوم لما يترتب عليه من تساقط شعر اللحية المأمور بإعفائها ولما فيه من الترفه المنافى لشهامة الرجال قال ابن حجر في شرح الشمائل إنما نهى عن الترجل إلا غبا لأن إدمانه يشعر بمزيد الإمعان في الزينة والترفه وذلك إنما يليق بالنساء وهو ينافى شهامة الرجال اهـ. وقال ابن العربى موالاته تصنع وتركه تدليس وإغبابه سنة اهـ، وإغبابه أن يفعله يوما ويتركه يوما، ويؤيده ما روى عن عبد الله بن مغفل قال نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن الترجل إلا غبا رواه أحمد والنسائى والترمذى وسيأتى للمصنف في أول كتاب الترجل وصححه الترمذى وابن حبان، والترجل تسريح الشعر وفي ترك الترجيل أياما نوع من البذاذة التى هي من الإيمان كما جاء عند المصنف في كتاب الترجيل وابن ماجه من حديث أبى أمامة قال ذكر أصحاب رسول الله صلى الله تعالى علية وعلى آله وسلم يوما عنده الدنيا فقال ألا تسمعون ألا تسمعون إن البذاذة من الإيمان إن البذاذة من الإيمان، والبذاذة رثاثة الهيئة، ولا يعارض حديث الباب ما رواه النسائى باسناد رجاله رجال الصحيح عن أبى قتادة أنه كانت له جمة ضخمة فسأل النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأمره أن يحسن إليها وأن يترجل كل يوم، لإمكان الجمع بينهما بأن النهى مخصوص بمن لا يحتاج شعره إلى الترجل كل يوم أما من يحتاج إلى ذلك كل يوم كأبى قتادة فلا يشمله النهى وكذا لا يعارضه حديث أنس الذى أورده الترمذى في الشمائل كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يكثر تسريح لحيته، لأن إكثار التسريح لا يستلزم الفعل كل يوم بل لو فعله يوما وتركه يوما يعدّ مكثرا، وما ذكره الغزالى في الإحياء من أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يسرّح لحيته في اليوم مرتين، لم يرد بهذا اللفظ كما قاله شارحه الزبيدى
(قوله أو يبول في مغتسله) أى ونهى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يبول أحدنا في مغتسله، فأو فيه بمعنى الواو والمغتسل بضم الميم وفتح السين المهملة موضع الاغتسال كما تقدم
(فقه الحديث) دلّ الحديث على كراهة امتشاط الرجال كل يوم لما فيه من المبالغة في الترفه والزينة وكل منهما مناف لشهامة الرجال بخلاف النساء فإنه لا يكره ذلك في حقهن لأنهن محل الزينة والترفه، وعلى أنه يطلب من كل شخص المحافظة على وقته من الضياع فلا يصرفه في غير المطلوب شرعا، وعلى أنه طلب البعد عن تنجيس محل الطهارة وقد تقدم بسط ذلك في الحديث الذى قبله (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقى وكذا أحمد ضمن حديث وأخرجه النسائى في كتاب الزينة بلفظ نهانا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يمتشط أحدنا كل يوم
(باب النهى عن البول في الجحر)
بجيم مضمومة فحاء مهملة ساكنة أى الشق في الأرض أو في الحائط كما يأتي
стр. 114
(ص) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، ثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْجُحْرِ»، قال قَالُوا لِقَتَادَةَ: مَا يُكْرَهُ مِنَ الْبَوْلِ فِي الْجُحْرِ؟ قَالَ: كَانَ يُقَالُ إِنَّهَا مَسَاكِنُ الْجِنِّ
(ش) (رجال الحديث)
(قوله معاذ بن هشام) بن أبى عبد الله الدستوائى البصرى نزيل اليمن. روى عن أبيه وشعبة وابن عون ويحيى بن العلاء وجماعة، وعنه ابن المدينى وعفان ابن مسلم وأحمد بن حنبل ومحمد بن المثنى وغيرهم. روى له الجماعة وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن قانع ثقة مأمون وقال ابن معين صدوق وليس بحجة وقال ابن عدى ربما يغلط في الشئ وأرجو أنه صدوق. مات بالبصرة سنة مائتين
(قوله حدثنى أبى) هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائى أبو بكر البصرى. روى عن قتادة ومطر الورّاق وأبى الزبير ويحيى بن أبى كثير وغيرهم، وعنه شعبة بن الحجاج وابن المبارك وابن مهدى وبشر بن المفضل وجماعة، قال أبو داود الطيالسى كان أمير المؤمنين في الحديث وقال شعبة ما من الناس أحد أقول إنه طلب الحديث يريد به وجه الله تعالى إلا هشام وذكره ابن علية في حفاظ البصرة وقال أحمد بن حنبل ما أرى الناس يروون عن أحد أثبت منه أما مثله فعسى وأما أثبت منه فلا وقال العجلى ثقة ثبت في الحديث حجة إلا أنه يرى القدر وقال ابن سعد حجة لكنه يرى القدر. مات سنة اثنتين أو ثلاث أو أربع وخمسين ومائة. روى له الجماعة
(قوله قتادة) بن دعامة
(قوله عبد الله بن سرجس) بفتح أوله وسكون الراء وكسر الجيم بعدها سين مهملة غير منصرف للعلمية والعجمة المزنى المخزومى البصرى له سبعة عشر حديثا. روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعن عمر وأبى هريرة، وعنه عثمان بن حكيم وعاصم الأحول وقتادة ومسلم بن أبى مريم. روى له مسلم والنسائى والترمذى وأبو داود وابن ماجه، قال أبو عمر بن عبد البرّ صحابى صحيح السماع من حديثه عند مسلم وغيره رأيت النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأكلت معه خبزا ولحما ورأيت الخاتم "الحديث" وفيه فقلت استغفر لى يا رسول الله، وقال البخارى وابن حبان له صحبة
(قوله نهى أن يبال في الجحر) الفعل في تأويل مصدر مجرور بعن مقدّرة أى نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن البول في الجحر ومثل البول الغائط بل هو أولى، والجحر بضم الجيم وسكون الحاء المهملة في الأصل ما تحتفره السباع والهوام لأنفسها والمراد به في الحديث الشق في الحائط أو في الأرض أو غيرهما وجمعه جحرة كعنبة وأجحار كأقفال، ومحل النهى عن البول فيه ما لم يكن معدًّا لقضاء الحاجة
(قوله قال) أى هشام الدستوائى
стр. 115
تلميذ قتادة
(قوله ما يكره من البول) ما استفهامية ويكره بضم أوله مبنى لما لم يسمّ فاعله أى يبغض ومن زائدة والبول نائب فاعل أى قالوا لأى شئ يكره البول في الجحر فالاستفهام إنما هو عن سبب كراهة البول في الجحر
(قوله قال كان يقال الخ) أي قال قتادة يقال في سبب كراهة البول في الجحر إنها مساكن الجن فينبغى اجتناب البول فيها منعا للإيذاء والضرر وفى رواية البيهقى والحاكم فقال إنها مساكن الجن بدون قوله كان يقال. قال المناوى في شرحه الكبير ويؤيده الأثر الصحيح أن سعد بن عبادة الخزرجى بال في جحر ثم خرّ ميتا فسمعت الجن تقول نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة ورميناه بسهم فلم يخطئ فؤاده، قال في المرقاة شرح المشكاة بعد أن ذكر هذا الأثر الله أعلم بصحته اهـ والضمير في أنها يحتمل أن يكون عائدا على الأجحار المفهومة من السياق بدليل الجمع في قوله مساكن، ويحتمل أن يكون عائدا على الجحر بمعنى الفرجة، وجمع الخبر باعتبار الجنس، والمراد بالجن كل ما هو مستور عن أعين الناس لا خصوص أحد الثقلين فيشمل الحشرات والهوام، والجن في الأصل ضدّ الإنس مأخوذ من الاجتنان وهو الاستتار سموا بذلك لاستتارهم عن أعين الناس وهو اسم جنس واحده جنى وهم أجسام يغلب عليها الجزء النارى وقيل الهوائي من شأنهم الخفاء ولهم قدرة على التشكل بالصور الشريفة والخسيسة وتحكم عليهم الصورة بخلاف الملائكة فإنهم أجسام نورانية لهم قدرة على التشكل بالصور الشريفة فقط ولا تحكم عليهم الصورة. قال في آكام المرجان الجنّ ثلاثة أصناف كما جاء في الحديث، روى ابن أبى الدنيا عن أبى الدرداء قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خلق الله تعالى الجن ثلاثة أصناف صنف حيات وعقارب وخشاش الأرض وصنف كالريح في الهواء وصنف عليهم الحساب والعقاب اهـ وهذا القسم الأخير هو المكلف من حين الخلقة فمنهم المؤمن ومنهم الكافر قال تعالى حكاية عنهم (وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا) قال المفسرون أى فرقا مختلفة الأديان يهودا ونصارى وعبدة أوثان، وقال الألوسى في روح المعاني، أخرج البيهقى في الأسماء وأبو نعيم والديلمى وغيرهم بإسناد صحيح كما قاله العراقى عن أبى ثعلبة قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الجن ثلاثة أصناف صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء وصنف حيات وكلاب وصنف يحلون ويظعنون، وقال وهب إن من الجن من يولد له ويأكلون ويشربون بمنزلة الآدميين ومنهم من هو بمنزلة الريح لا يتوالدون ولا يأكلون ولا يشربون وهم الشياطين اهـ واختلف في أصل الجن فقيل هم ذرية إبليس كما قاله الحسن وعليه فالمتمرّد منهم يسمى شيطانا وقيل هم ذرية غيره كما قاله مجاهدا والشياطين ولد إبليس يموتون معه عند النفخة، والراجح الأول فمن آمن من الجن فقد انقطعت نسبته من أبيه والتحق بآدم ومن كفر من
стр. 116
الإنس فقد انقطعت نسبته من أبيه والتحق بإبليس، ومن أراد زيادة البيان فعليه بكتاب آكام المرجان في أخبار الجان
(فقه الحديث) دلّ الحديث على كراهة البول في الحفر التى تسكنها السباع والهوام خشية الأذى، ومحل الكراهة ما لم يغلب على الظن أذى له أو لما في الجحر من حيوان محترم وإلا حرم كما هو ظاهر النهى، وعلى أنه يطلب من العاقل البعد عما يخشى منه الضرر، وعلى مزيد رأفة النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالأمة. وعلى أنه يطلب ممن تولى أمر جماعة أن يأمرهم بما فيه نفعهم وينهاهم عما فيه ضررهم
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد والنسائى وكذا الحاكم والبيهقى مطولا بلفظ لا يبولن أحدكم في الجحر وإذا نمتم فأطفئوا السراج فإن الفأرة تأخذ الفتيلة فتحرق على أهل البيت وأوكئوا الأسقية وخمروا الشراب وأغلقوا الأبواب فقيل لقتادة وما يكره من البول في الجحر فقال إنها مساكن الجن، قال الحافظ في التلخيص قيل إن قتادة لم يسمع من عبد الله، ابن سرجس حكاه حرب عن أحمد، وأثبت سماعه منه علي ابن المديني وصححه ابن خزيمة وابن السكن اهـ وقال في البدر المنير ثبت سماع قتادة من ابن سرجس، وقال المنذرى رجال إسناده كلهم ثقات، وقال الطبرانى سمعت محمد بن أحمد بن البراء قال على ابن المدينى سمع قتادة من ابن سرجس، وعن أبى حاتم لم يلق قتادة من الصحابة إلا أنسا وعبد الله بن سرجس، وقال الحاكم إن الحديث صحيح على شرط الشيخين
(باب ما يقول الرجل إذا خرج من الخلاء)
وفى نسخة باب ما يقول إذا خرج من الخلاء، ومثل الرجل في ذلك المرأة، والمراد بالخلاء المكان الذى تقضى فيه الحاجة كما تقدم
(ص) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، ثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، ثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الغَائِطِ قَالَ: «غُفْرَانَكَ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عمرو بن محمد الناقد) ابن بكير بن سابور بالسين المهملة وفى الخلاصة بالشين المعجمة أبو عثمان البغدادى الحافظ. روى عن هشيم وابن عيينة وحاتم ابن إسماعيل وعيسى بن يونس وغيرهم. وعنه أبو زرعة وأبو حاتم والشيخان وأبو داود قال أبو حاتم ثقة صدوق مأمون وقال عبد الله بن أحمد عمرو يتحرّى الصدق وقال ابن
стр. 117
معين لما قيل له إن خلفا يقع فيه فقال ما هو من أهل الكذب بل هو صدوق وقال الحسين ابن فهم ثقة ثبت صاحب حديث وكان من الحفاظ المعدودين. توفى ببغداد في ذى الحجة قيل سنة اثنتين وثلاثين مائتين كما في تهذيب التهذيب وفى الخلاصة سنة اثنتين وعشرين ومائتين
(قوله هاشم بن القاسم) بن مسلم بن مقسم الليثى أبو النضر البغدادى الخراسانى الأصل الحافظ روى عن شعبة جميع ما أملاه ببغداد وهو أربعة آلاف حديث وعن ابن أبى ذئب وشريك ابن عبد الله النخعى وشيبان بن عبد الرحمن وغيرهم. وعنه أحمد وإسحاق وأبو بكر ابن أبى شيبة وأبو خيثمة وكثيرون، قال العجلى ثقة صاحب سنة كان أهل بغداد يفتخرون به وقال ابن عبد البر اتفقوا على أنه صدوق وقال النسائى لا بأس به وقال الحاكم حافظ ثبت في الحديث. ولد سنة أربع وثلاثين ومائتين. ومات ببغداد سنة خمس أو سبع ومائتين. روى له الجماعة
(قوله إسراءيل) بن يونس بن أبى إسحاق السبيعى الهمدانى أبو يوسف الكوفى. روى عن زياد بن علاقة وسماك بن حرب وعبد العزيز بن رفيع وعبد الملك بن عمير وطائفة. وعنه يزيد بن زريع ووكيع وأبو نعيم وأبو داود الطيالسى وغيرهم. روى له الجماعة قال أبو حاتم صدوق من أتقن أصحاب أبى إسحاق وقال أحمد بن حنبل كان شيخا ثقة وجعل يتعجب من حفظه وقال العجلى ثقة وقال يعقوب بن شيبة صالح الحديث وفى حديثه لين وقال في موضع آخر ثقة صدوق وليس في الحديث بالقوى ولا بالساقط وقال ابن عدى هو ممن يحتج به وذكره ابن حبان في الثقات وقال النسائى ليس به بأس وضعفه ابن المدينى وابن حزم وعن عبد الرحمن بن مهدى إسراءيل لص يسرق الحديث. ولد سنة مائة. ومات سنة ستين أو اثنتين وستين ومائة
(قوله يوسف بن أبى بردة) بن أبى موسى الأشعرى الكوفي. روى عن أبيه. وعنه إسراءيل وسعيد بن مسروق وثقه العجلى وابن حبان وقال في التقريب ثقة من السادسة، روى له أبو داود والترمذى وابن ماجه
(قوله عن أبيه) هو أبو بردة ابن أبى موسى اسمه الحارث أو عامر بن عبد الله بن قيس الأشعرى ورجح هذا ابن حبان وقيل اسمه كنيته وهو قاضى الكوفة ومن فقهائها، روى عن علي وعبد الله بن سلام وعروة بن الزبير وحذيفة وطائفة، وعنه الشعبي وثابت البنانى وقتادة وأبو إسحاق السبيعى وغيرهم، وثقه ابن سعد وابن خراش والعجلى وابن حبان، مات سنة ثلاث أو أربع ومائة
(قوله كان إذا خرج إلخ) أى كان من عادته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا فارق محل قضاء الحاجة قال غفرانك وكان تفيد التكرار لغة وبه جزم القاضيان أبو بكر وأبو الطيب، وقيل تفيده عرفا وإليه ذهب ابن الحاجب وابن دقيق العيد، وقيل لا تفيده مطلقا وإليه ذهب الإمام الرازى والأكثر وهي هنا للتكرار لتكرّر خروجه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الخلاء. ولفظ خرج يشعر بأن هذا خاص بالخروج من المكان المعدّ لقضاء الحاجة
стр. 118
وليس مرادا بل المراد منه الانتقال عن محل قضاء الحاجة فيشمل ما لو كان في الصحراء
(قوله غفرانك) مصدر بمعني الستر والتغطية يقال غفر يغفر غفرا وغفرانا ومغفرة والمغفرة العفو عن المذنبين وقال النووى المراد بغفران الذنب إزالته وإسقاطه وهو منصوب إما على أنه مفعول لفعل محذوف تقديره أسألك أو أطلب منك أو على أنه مفعول مطلق أى اغفر غفرانك وعلى كل فالجملة مقول القول وإضافته للضمير من إضافة المصدر لفاعله والمفعول محذوف أى أسألك أن تغفر لى ذنوبى قال المناوى وظاهر الحديث أنه يقوله مرة وقال القاضى وغيره مرتين وقال المحب الطبرى ثلاثا اهـ ولم نقف على ما يدل على التكرار. وفى سبب طلب المغفرة هنا احتمالات (الأول) أنه سأل المغفرة لتركه ذكر الله تعالى في تلك الحالة فإنه كان لا يترك ذكر الله تعالى إلا عند قضاء الحاجة فكأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رأى ذلك تقصيرا فتداركه بالاستغفار. فإن قيل ترك الذكر حال قضاء الحاجة مأمور به فكيف يستغفر الله منه فالجواب أن قضاء الحاجة مسبب عن تناول الغذاء وهو ناشئ عن الشهوة (الثانى) لعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سأل المغفرة لظنه العجز عن القيام بتمام شكر النعمة من تيسير الغذاء وهضمه وإبقاء منفعته وإخراج فضلته على سهولة (الثالث) أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يقول هذا القول تعليما لأمته وهو الأنسب بمقامه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فإن قلبه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما كان يغفل عن مراقبة الله تعالى لا حال قضاء الحاجة ولا غيرها
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه يطلب ممن قضى حاجته أن يقول غفرانك سواء أكان في الصحراء أم البنيان. وعلى أن الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم كانوا حريصين على حفظ آثاره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حتى حين خروجه من الخلاء
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد والنسائى في كتاب عمل اليوم والليلة وابن ماجه والترمذى وقال هذا حديث حسن غريب ولا يعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة اهـ وأخرجه البيهقى بزيادة ربنا وإليك المصير ثم قال الأشبه أنه لا أصل لهذه الزيادة. وأخرجه البخارى في الأدب والضياء المقدسى في المختارة والأصفهانى وابن عبد البر في سننه والطحاوى والدارمى وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وابن الجارود والنووى في مجموعه، وقد جاء في القول بعد قضاء الحاجة أحاديث أخر (منها) ما أخرجه النسائي عن أبي ذرّ وابن ماجه عن أنس ابن مالك عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بلفظ كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا خرج من الخلاء قال الحمد لله الذى أذهب عنى الأذى وعافانى، وهو ضعيف لأن في سنده إسماعيل بن مسلم أجمع على ضعفه وعدم التعويل على حديثه (ومنها) ما أخرجه الطبرانى في الدعاء من طريق سلمة بن وهرام عن طاوس رفعه كان إذا خرج قال الحمد لله الذى أذهب عنى ما يؤذينى وأبقى علىّ ما ينفعنى، وفى نسخة وأبقى فىّ ما ينفعنى قال الطبرانى لم نجد من
стр. 119
وصل هذا الحديث قال الحافظ وفيه مع إرساله ضعف (ومنها) حديث أنس بن مالك بلفظ كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا خرج من الغائط قال الحمد لله الذى أحسن إلىّ في أوله وآخره أخرجه ابن السنى في عمل اليوم والليلة قال الحافظ العراقى فيه عبد الله بن محمد العدوى ضعيف وجزم المنذرى أيضا بضعفه وذكره العقيلي في الضعفاء (ومنها) حديث ابن عمر أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان إذا خرج قال الحمد لله الذى أذاقنى لذته وأبقى على قوّته وأذهب عنى أذاه أخرجه أبو بكر ابن السنى في عمل اليوم والليلة من طريق إسماعيل بن أبي رافع عن دويد بن نافع عن ابن عمر. قال المنذرى هذا حديث ضعيف. وقال العراقى إسماعيل مختلف فيه ورواية دويد بن نافع عن ابن عمر منقطعة. وقال أبو حاتم إسماعيل بن أبي رافع منكر الحديث وقال الترمذى ضعفه بعض أهل العلم وسمعت محمدا يقول هو ثقة مقارب الحديث وقال النسائي والدارقطنى متروك الحديث. وقال ابن عدى أحاديثه كلها مما فيها نظر إلا أنه يكتب حديثه في جملة الضعفاء وهذه الأحاديث وإن كانت ضعيفة يقوى بعضها بعضا، على أن الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال
(باب كراهية مس الذكر باليمين في الاستبراء)
وفى نسخة باب كراهية مس الذكر في الاستبراء باليمين، والمراد بالاستبراء ما يعم الاستنجاء
(ص) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَا: ثَنَا أَبَانُ، ثَنَا يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ نبي اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا أَتَى الْخَلَاءَ فَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلَا يَشْرَبْ نَفَسًا وَاحِدًا»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله أبان) بن يزيد العطار أبو يزيد البصرى أحد الأثبات المشاهير روى عن قتادة ويحيى بن سعيد وهشام بن عروة ويحيى بن أبى كثير وغيرهم. وعنه ابن المبارك ويحيى القطان ويزيد بن هارون وعفان بن مسلم، وثقه ابن المدينى والعجلى وقال كان يرى القدر ولا يتكلم فيه وقال الذهبىّ أبان حافظ صدوق إمام وثقه ابن حبان وابن معين والنسائى وقال ابن عدى هو حسن الحديث متماسك يكتب حديثه وعامتها مستقيمة وأرجو أن يكون من أهل الصدق وقال أحمد بن حنبل كان ثبتا في كل المشايخ. مات في بضع وستين ومائة. روى له الشيخان وأبو داود والنسائى
(قوله عن عبد الله بن أبى قتادة) أبي إبراهيم الأنصارى السلمى، روى عن أبيه وجابر. وعنه عبد العزيز بن رفيع وزيد بن أسلم وحصين بن عبد الرحمن وسعيد بن أبى سعيد المقبرى وجماعة، وثقه النسائى وابن سعد وقال كان قليل الحديث، مات سنة خمس وتسعين، روى
стр. 120
له الجماعة
(قوله عن أبيه) هو أبو قتادة الحارث وقيل النعمان وقيل عمرو بن ربعى بكسر الراء وسكون الموحدة بعدها عين مهملة ابن بلدمة بضم الموحدة والدال المهملة بينهما لام ساكنة الأنصارى الخزرجى السلمى كان يعرف بأنه فارس رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم واختلف في شهوده بدرا واتفقوا على شهوده أحدا وما بعدها وذكر الواقدىّ عنه أنه قال أدركنى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يوم ذى قرد ونظر إلىّ وقال اللهم بارك في شعره وبشره وقال أفلح وجهك فقلت ووجهك يا رسول الله قال ما هذا الذى بوجهك قلت سهم رميت بة قال ادن فدنوت فبصق عليه فما ضرب علىّ وما فاح، وعنه أيضا أنه حرس النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في ليلة فقال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اللهم احفظ أبا قتادة كما حفظ نبيك هذه الليلة، وعنه أيضا قال انحاز المشركون على لقاح رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأدركتهم فقتلت مسعدة فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حين رآنى أفلح الوجه قال الطبرانى لم يروه عن أبى قتادة إلا ولده وعن سلمة بن الأكوع أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال "خير فرساننا أبو قتادة" وفضائله رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كثيرة شهيرة، له مائة وسبعون حديثا اتفق الشيخان علي أحد عشر حديثا وانفرد البخارى بحديثين ومسلم بثمانية، روى عن معاذ وعمر، وعنه أنس بن مالك وجابر وعبد الله بن رباح وعطاء بن يسار وآخرون، مات سنة أربع وخمسين وهو ابن سبعين سنة بالمدينة
(قوله فلا يمس ذكره بيمينه) أى فلا يفض بباطن كفه اليمنى إلى ذكره لظاهر رواية البخارى إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه، فيمس مجزوم بلا الناهية ويجوز رفعه على أنها نافية وكذا الأفعال بعده ومثل الذكر في ذلك فرج المرأة والدبر، وخرج بإضافة الذكر إلى البائل ذكر غيره ممن يشتهى فيحرم مسه إلا لضرورة، قال المناوى والنهى فيه للتنزيه عند الشافعية وللتحريم عند الحنابلة والظاهرية اهـ، وإنما نهى عن مسّ الذكر باليمين حال البول أو بعده لاستبراء أو استنجاء تكريما وتنزيها لها عن مباشرة العضو الذى يكون منه النجاسات ولأنها معدّة لتناول نحو الطعام فإذا مس بها فرجه ربما تذكر عند التناول فتعافه نفسه وقد كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يجعل يمينه لطعامه وشرابه ولباسه ونحوها من الأمور الشريفة ويسراه لما سوى ذلك، قال المناوى وأفهم تقييده المس بحالة البول عدم كراهته في غير تلك الحالة وبه أخذ بعضهم قال ووجه التخصيص أن مجاور الشئ يعطى حكمه فلما منع الاستنجاء باليمين منع مس ذكره في تلك الحالة، ولا ينافيه ما في مسلم والترمذى والنسائى من إطلاق النهى لوجوب حمل المطلق على المقيد فإن الحديث واحد والمخرّج واحد ولا خلاف في حمل المطلق على المقيد عند اتحاد الواقعة اهـ لكن الأصح كما قال النووى أنه لا فرق بين حال الاستنجاء وغيرها ولا يلزم منه ترك حمل العامّ على الخاص إذ لا محذور فيه هنا لأن ذاك محله إذا لم يخرج القيد مخرج الغالب ولم يكن العام أولى بالحكم وإنما
стр. 121
ذكر حالة الاستنجاء في الحديث تنبيها على ما سواها لأنه إذا كره المس باليمين حالة الاستنجاء مع مظنة الحاجة فغيره أولى ولأن الغالب أنه لا يحصل مس الذكر إلا في تلك الحالة فخصت بالذكر لغلبة حضورها في الذهن وما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له، والحق أن هذا من ذكر بعض أفراد العام لا من المطلق والمقيد لأن الأفعال في حكم النكرات والنكرة في سياق النفى تعمّ
(قوله وإذا أتى الخلاء فلا يتمسح بيمينه) أى إذا حضر محل قضاء الحاجة فبال أو تغوّط فلا يستنجى بيمينه كما في رواية البخارى والبيهقى بل بيساره، والتمسح في الأصل إمرار اليد ونحوها على الشئ كما في القاموس والمراد به هنا الاستنجاء كما في حديث سلمان السابق نهانا أن نستنجى باليمين، وهذا النهى للتنزيه أو التحريم كما تقدم بيانه وافيا في باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة "فإن قيل" النهى عن مس الذكر والاستنجاء باليمين مشكل لأنه إن استنجى بيساره احتاج إلى مس ذكره بيمينه وإن استنجى بيمينه احتاج إلى مسه بيساره فهو واقع في المنهى عنه بكل حال "أجيب" بأنه يمسك الحجر ونحوه بيمينه والذكر بيساره ويمرّ عليه العضو ولا يحرّك يمينه فلا يعدّ مستجمرا باليمين ولا ماسا بها، قال الحافظ ابن حجر ومن ادّعى أنه مستجمر بمها فقد غلط وإنما هو كمن صب الماء بيمينه على يساره اهـ
(قوله وإذا شرب الخ) أى شرع في الشرب ف لا يشرب نفسا واحدا بل يشرب نفسين أو ثلاثا مع فصل القدح عن فيه مخافة سقوط شئ من الفم أو الأنف فيه وهذا من آداب الشريعة. وذكر هنا أدب الشرب لأن الغالب من أخلاق المؤمنين التأسى بأفعال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقد كان إذا بال توضأ وثبت أنه شرب من فضل وضوئه فالمؤمن بصدد أن يفعل ذلك فعلمه أدب الشرب مطلقا لاستحضاره غالبا عند الوضوء. والنهى في الحديث محمول على الكراهة عند العلماء. ونهى عن الشرب نفسا واحدا لأنه إذا استوفى شربه نفسا واحدا تكاثر الماء في موارد حلقه وأثقل معدته وأضعف الأعصاب فيخشى منه الضرر وهكذا هو العبّ المنهى عنه فقد روى سعيد بن منصور وابن السنى وأبو نعيم والبيهقى عن أبى حسين مرسلا إذا شرب أحدكم فليمص الماء مصا ولا يعبّ عبا فإن الكباد من العبّ. وأبو حسين هو عبد الله ابن عبد الرحمن بن الحارث المكي النوفلى ثقة خرج له الجماعة. وأخرج البيهقى عن ابن شهاب مرسلا أيضا نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن العبّ نفسا واحدا وقال ذلك شرب الشيطان. وفى الاحتجاج بالمرسل خلاف، وفي مسند الفردوس عن على مرفوعا إذا شربتم الماء فاشربوه مصا ولا تشربوه عبا فإن العبّ يورث الكباد. وفيه محمد بن خلف قال الذهبى عن الدارقطنى متروك يتقوّى بما روى عن أبى حسين. وأخرج البيهقى عن أنس بن مالك مصوا الماء مصا ولا تعبوه عبا وفى سنده لين. والكباد بضم الكاف وجع الكبد. والعبّ الشرب
стр. 122
بلا تنفس فإذا جعل شربه على نفسين أو ثلاثة كان أخف على معدته وأنفع لريه وأحسن في الأدب وأقمع للعطش وأقوى في الهضم وأبعد من فعل أرباب الشره. والسنة فيه أن يشرب على نفسين أو ثلاثة يسمى الله تعالى في بداية كل واحدة ويحمده في آخرها. فقد روى الترمذى عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا تشربوا واحدا كشرب البعير ولكن اشربوا مثنى وثلاث وسموا إذا أنتم شبتم واحمدوا إذا أنتم رفعتم قال الترمذى هذا حديث غريب. وورد أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يشرب في ثلاثة أنفاس إذا أدنى الإناء إلى فيه سمى الله تعالى وإذا أخره حمد الله يفعل ذلك ثلاثا قال الحافظ في الفتح أخرجه الطبرانى في الأوسط بسند حسن عن أبى هريرة اهـ قال ابن القيم للتسمية في الأول والحمد في الآخر سرّ عجيب في نفع الطعام والشراب ودفع مضرّته اهـ ويستوى فما ذكر الماء واللبن وجميع المائعات
(فقه الحديث) دلّ الحديث على النهى عن مس الفرج باليمين حال قضاء الحاجة، وعلى النهى عن الاستنجاء بها، وعلى كراهة الشرب في نفس واحد لما فيه من الضرر، وعلى شرف اليمين وطلب صونها عن النجاسات
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجه والبيهقى والترمذى وقال هذا حديث حسن صحيح ورواه أحمد في مسنده وأبو داود الطيالسى وابن حبان وقال ابن منده حديث قتادة مجمع على صحته
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمِصِّيصِيُّ، ثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ يَعْنِي الْإِفْرِيقِيَّ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، وَمَعْبَدٍ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ الْخُزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ كَانَ يَجْعَلُ يَمِينَهُ لِطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَثِيَابِهِ، وَيَجْعَلُ شِمَالَهُ لِمَا سِوَى ذَلِكَ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله محمد بن آدم بن سلمان) الجهنى. روى عن على بن هاشم وابن المبارك وحفص بن غياث ومروان بن معاوية وغيرهم. وعنه الفضل بن العباس وعبد الله ابن محمد بن بشر وأبو داود وأبو حاتم وقال هو صدوق وقال النسائى ثقة صدوق لا بأس به
стр. 123
مات سنة خمس ومائتين
(قوله المصيصي) بكسر الميم وتشديد المهملة الأولى نسبة إلى مصيصة بلد بالشام
(قوله ابن أبي زائدة) هو يحيى بن زكريا (١)
(قوله أبو أيوب) هو عبد الله ابن على الكوفى الأزرق. روى عن صفوان بن سليم والزهرى وأبى إسحاق السبيعى وجماعة وعنه موسى بن عقبة ويحيى بن زكريا ومروان بن معاوية، قال أبو زرعة لين في حديثه إنكار ليس بالمتين وقال ابن معين ليس به بأس. روى له أبو داود والترمذى
(قوله الإفريقي) بكسر الهمزة والراء بينهما فاء ساكنة نسبة إلى إفريقية بلاد واسعة قبالة الأندلس
(قوله عن المسيب ابن رافع) الأسدى أبى العلاء الكوفى. روى عن جابر بن سمرة وأبى سعيد الخدرى وأبى إياس والأسود بن يزيد وجماعة، وعنه منصور والأعمش وأبو إسحاق السبيعى وإسماعيل بن أبى خالد وغيرهم. ذكره ابن حبان في الثقات وقال العجلى تابعى ثقة. روى له الجماعة قال ابن معين لم يسمع من صحابى إلا من البراء وعامر بن عبدة. مات سنة خمس ومائة
(قوله معبد) بن خالد بن مرير بالتصغير ابن حارثة الجدلى القيسى العابد الكوفى. روى عن المستورد بن شدّاد ومسروق وحارثة بن وهب والنعمان بن بشير وغيرهم، وعنه الأعمش وعاصم بن بهدلة وشعبة والثورى وكثيرون. روى له الجماعة وثقه ابن معين ويعقوب بن سفيان والنسائى وابن عدى والعجلى وقالا تابعى وقال أبو حاتم صدوق وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان عابدا صابرا على التهجد يصلى الغداة والعشاء بوضوء واحد مات في ولاية خالد على العراق سنة ثمانى عشرة ومائة
(قوله حارثة بن وهب الخزاعي) هو أخو عبيد الله بن عمر بن الخطاب لأمه صحابى نزل الكوفة له ستة أحاديث اتفق البخارى ومسلم على أربعة. روى عن جندب الخيرى وحفصة بنت عمر، وعنه أبو إسحاق السبيعى ومعبد بن خالد الجدلى الكوفى والمسيب بن رافع. روى له الجماعة
(قوله حفصة) بنت عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما من المهاجرات كانت قبل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تحت خنيس بالتصغير ابن حذافة السهمى فقد أخرج الشيخان عن ابن عمر قال تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمى وكان من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قد شهد بدرا وتوفى بالمدينة قال عمر فلقيت عثمان فقلت إن شئت أنكحتك حفصة قال سأنظر في أمرى فلبث ليالى ثم لقينى فقال قد بدا لى أن لا أتزوج في يومى هذا قال عمر فلقيت أبا بكر فقلت إن شئت أنكحتك حفصة فصمت فلم يرجع إلى شيئا فكنت عليه أوجد منى على عثمان فلبثت ليالى ثم خطبها رسول الله على الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأنكحتها إياه فلقينى أبو بكر فقال لعلك وجدت علىّ حين عرضت عليّ حفصة فلم أرجع إليك شيئا فقلت نعم قال فإنه لم يمنعنى أن أرجع عليك فيما عرضت عليّ إلا أنى قد علمت أن رسول الله صلى الله تعالى عليه
стр. 124
وعلى آله وسلم قد ذكرها فلم أكن لأفشى سرّه ولو تركها لقبلتها، تزوجها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعد عائشة واختلف في طلاقها فقد أخرج النسائى عن ابن عباس والمصنف عن ابن عمر أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان طلق حفصة ثم راجعها وأخرج أبو يعلى عن ابن عمر قال دخل عمر على حفصة وهى تبكي فقال لعلّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قد طلقك إنه كان قد طلقك ثم راجعك من أجلى فإن كان قد طلقك مرة أخرى لا أكلمك أبدا، وذكر البغوى في تفسيره عن مقاتل بن حيان أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يطلقها وإنما همّ بطلاقها فأتاه جبريل ﵇ وقال لا تطلقها فإنها صوّامة قوامة وإنها من جملة نسائك في الجنة فلم يطلقها. روت عن النبى صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعن أبيها ولها ستون حديثا اتفق البخارى ومسلم على ثلاثة وانفرد مسلم بستة وروى عنها أخوها عبد الله وحارثة بن وهب وأم مبشر الأنصارية وعبد الرحمن بن الحارث والمطلب بن أبى وداعة وآخرون، ولدت قبل البعثة بخمس سنين وماتت في شعبان سنة إحدى أو خمس وأربعين في خلافة معاوية وصلى عليها مروان بن الحكم أمير المدينة وحمل سريرها بعض الطريق ثم حمله أبو هريرة إلى قبرها
(قوله يجعل يمينه لطعامه الخ) يعنى أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يتناول بيمينه المطعوم والمشروب والملبوس ونحوها من كل ما هو من باب التكريم والتشريف ويجعل شماله لغير ذلك من الأمور الخسيسة كالاستنجاء والامتخاط. والطعام في الأصل يطلق على كل ما يساغ حتى الماء وعلى ذوق الشئ، وفى العرف اسم لما يؤكل وجمعه أطعمة والشراب ما يشرب من المائعات
(قوله وثيابه) جمع ثوب وهو مذكر ويجمع أيضا على أثواب وهو ما يلبسه الناس من كتان وصوف وقطن ونحو ذك
(قوله وشماله) بكسر الشين خلاف اليمين وهى مؤنثة وجمعها أشمل مثل ذراع وأذرع وشمائل أيضا
(قوله لما سوى ذلك) كالاستنجاء والامتخاط وذكر الثلاثة في الحديث لا يفيد الحصر فإن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يحب التيمن في الأمور الشريفة كلها فقد روى الشيخان عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يعجبه التيمن في ترجله وتنعله وطهوره في شأنه كله كذا في أكثر الروايات بغير واو وفى بعضها وفى شأنه كله بإثبات الواو واعتمد عليها صاحب العمدة وسيأتى الكلام على هذا الحديث في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى. وروى النسائى عن عائشة أيضا كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يحب التيامن يأخذ بيمينه ويعطى بيمينه ويحب التيمن في جميع أموره. قال النووى هذه قاعدة مستمرّة في الشرع وهي أن ما كان من باب التكريم والتشريف كلبس الثوب والسراويل والخف ودخول المسجد والسواك والاكتحال وتقليم الأظفار وقص الشارب وترجيل الشعر ونتف الإبط وحلق الرأس والسلام من الصلاة
стр. 125
وغسل أعضاء الطهارة والخروج من الخلاء والمصافحة والأكل والشرب واستلام الحجر الأسود وغير ذلك مما هو في معناه يستحب التيامن فيه وأما ما كان بضدّه كدخول الخلاء والخروج من المسجد والامتخاط والاستنجاء وخلع الثوب والسراويل والخف وما أشبه ذلك فيستحب التياسر فيه وذلك كله لكرامة اليمين وشرفها اهـ
(فقه الحديث) دلّ الحديث على طلب التيامن في كل ما كان من باب التكريم والتشريف والتياسر فيما سوى ذلك وهذا لكرامة اليمين وشرفها والله يفضل ما شاء على ما شاء ويؤخذ من نقل أم المؤمنين حفصة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا الحديث عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه يطلب من أهل العلم والفضل نقل آثار الرسول صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى الناس للتأسى به صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(من روى الحديث أيضا) رواه ابن حبان والحاكم والبيهقى والإمام أحمد بلفظ كان يجعل يمينه لأكله وشربة وثيابه وأخذه وعطائه وشماله لما سوى ذلك. قال ابن محمود شارح أبى داود هو حسن لا صحيح لأن فيه أبا أيوب الإفريقى لينه أبو زرعة ووثقه ابن حبان. وقال ابن سيد الناس هو معلل وقال النووى إسناده جيد
(ص) حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ الْيُمْنَى لِطُهُورِهِ وَطَعَامِهِ، وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله أبو توبة الربيع بن نافع) الحلبى الطرسوسى. روى عن يزيد بن المقدام ومحمد بن مهاجر وهشام بن يحيى وإبراهيم بن سعد وغيرهم. وعنه أبو داود وأحمد ابن حنبل والبخارى ومسلم والنسائى وابن ماجه وكثيرون. قال أبو حاتم ثقة صدوق حجة وذكره ابن حبان في الثقات وقال أحمد ويعقوب بن سفيان ليس به بأس وقال يعقوب بن شيبة ثقة صدوق. مات سنة إحدى وأربعين ومائتين
(قوله ابن أبى عروبة) هو سعيد
(قوله عن أبي معشر) هو زياد بن كليب التميمى الحنظلى الكوفى. روى عن سعيد بن جبير والنخعى وفضيل ابن عمرو والشعبى. وعنه المغيرة وخالد الحذاء وقتادة وأيوب السختيانى وغيرهم. روى له مسلم وأبو داود والترمذى والنسائى ووثقه وقال العجلى وابن المدينى ثقة وقال ابن حبان ثقة كان من الحفاظ المتقنين وقال أبو حاتم صالح ليس بالمتين في حفظه. مات سنة تسع عشرة أو عشرين ومائة
(قوله إبراهيم) النخعى
(قوله كانت يد رسول الله الخ) أى كان النبى صلى الله تعالى
стр. 126
عليه وعلى آله وسلم يستعمل يده اليمنى في الأمور الشريفة من الطهور والطعام والشراب وغيرها واليد مؤنثة وهي من المنكب إلى أطراف الأصابع ولامها محذوفة وأصلها يدى بفتح الدال وقيل بسكونها وجمع القلة أيد وجمع الكثرة أيادى
(قوله لطهوره) بضم الطاء المهملة وفتحها روايتان بمعنى وهو مصدر مضاف إلى الفاعل وقيل بالضم الفعل وبالفتح اسم لما يتطهر به وعليه فيقدّر مضاف أى لاستعمال طهوره وقال سيبويه الطهور بالفتح يقع على الماء والمصدر معا
(قوله وكانت يده اليسرى لخلائه) أى كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يجعل يده اليسرى لاستنجائه وغيره مما يستقذره الطبع وتكرهه النفس كالمخاط والرعاف. والأذى ما يستقذر من النجاسة ونحوها يقال أذى الشئ أذى من باب تعب بمعنى قذر. ومما يطلب استعمال اليد اليسرى فيه حمل النعل فما يقع من بعض أهل العلم وغيرهم من حملهم كتبهم بشمائلهم ونعالهم بأيمانهم مخالف للسنة المطهرة، قال في شرح المشكاة وكثيرا ما رأينا عوام طلبة العلم يأخذون الكتاب باليسار والنعال باليمين إما لجهلهم أو غفلتهم اهـ
(من روى الحديث أيضا) رواه أحمد والطبرانى عن إبراهيم عن عائشة وهو منقطع فإن إبراهيم لم يسمع من عائشة كما قال المنذرى فهو ضعيف لكن يقوّيه حديث حفصة الذي قبله وحديث عائشة الآتى بعده فما يوجد في بعض النسخ من ذكر الأسود في هذا السند بين إبراهيم وعائشة غلط من الناسخ
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بُزَيْعٍ، ثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ بِمَعْنَاهُ
(ش) (رجال الحديث)
(قوله محمد بن حاتم بن بزيع) بفتح فكسر البصرى أبو بكر ويقال أبو سعيد نزيل بغداد. روى عن قبيصة والأسود بن عامر ويحيى بن بكير وجعفر بن عون وغيرهم. وعنه البخارى ومسلم وأبو داود والنسائى وقال ثقة وذكره ابن حبان في الثقات. مات في رمضان سنة تسع وأربعين ومائتين
(قوله عبد الوهاب بن عطاء) الخفاف أبو نصر البصرى العجلى مولاهم نزيل بغداد. روى عن حميد الطويل وابن جريج وشعبة ومالك ابن أنس وغيرهم. وعنه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعمرو بن زرارة النيسابورى وطائفة وثقه ابن معين وقال مرة لا بأس به وقال النسائي ليس بالقوى وقال الساجى صدوق ليس بالقوى وقال ابن العلاء يكتب حديثه وقال أبو حاتم يكتب حديثه محله الصدق ووثقه الدارقطنى ومحمد ابن سعد والحسن بن سفيان وابن حبان وقال البخارى يكتب حديثه قيل له يحتج به قال أرجو أنه كان يدلس عن ثور وأقوام أحاديث مناكير وضعفه أحمد بن حنبل وقال صالح بن محمد
стр. 127
الأسدى أنكروا على الخفاف حديثا في فضل القتلى وما أنكروا عليه غيره. مات سنة أربع أو ست ومائتين .. روى له الجماعة إلا البخارى
(قوله سعيد) بن أبى عروبة
(قوله عن أبي معشر) هو زياد بن كليب
(قوله الأسود) بن يزيد بن قيس النخعى الكوفى أبو عمرو ويقال أبو عبد الرحمن الفقيه. روى عن عائشة وأبى بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب وغيرهم. وعنه ابنه عبد الرحمن وإبرهيم النخعى وأبو إسحاق السبيعى وطائفة، وثقه ابن معين وأحمد بن حنبل وقال هو من أهل الخير وقال ابن سعد كان ثقة وله أحاديث صالحة وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان فقيها زاهدا وقال العجلى ثقة صالح وذكره إبراهيم النخعى فيمن كان يفتى من أصحاب ابن مسعود. مات سنة أربع أو خمس وسبعين. روى له الجماعة
(قوله بمعناه) أى بمعنى الحديث الذى قبله، ولفظه عند البيهقى عن عائشة قالت كانت يد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اليمنى لطهوره وطعامه وشرابه وكانت اليسرى لخلائه وما كان من أذى
(باب الاستتار في الخلاء)
الاستتار في الأصل مصدر استتر يستتر بمعنى احتجب، والمراد بالخلاء هنا موضع قضاء الحاجة والمقصود من هذا الباب بيان طلب الاستتار عن أعين الناس عند قضاء الحاجة ومن باب التخلى عند قضاء الحاجة المتقدم بيان طلب التفرّد عن الناس عند قضائها فهما متغايران ويؤخذ منهما طلب التفرّد عن الناس عند قضاء الحاجة والاستتار عن أعينهم
(ص) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى عَنْ ثَوْرٍ، عَنِ الْحُصَيْنِ الْحُبْرَانِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ: «مَنِ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقْدَ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنْ أَكَلَ فَمَا تَخَلَّلَ فَلْيَلْفِظْ، وَمَا لَاكَ بِلِسَانِهِ فَلْيَبْتَلِعْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا أَنْ يَجْمَعَ كَثِيبًا مِنْ رَمْلٍ فَلْيَسْتَدْبِرْهُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَلْعَبُ بِمَقَاعِدِ بَنِي آدَمَ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله إبراهيم بن موسى) بن يزيد بن زاذان التميمى أبو إسحاق الفرّاء يعرف بالصغير، روى عن أبى الأحوص ويحيى بن زكريا وخالد بن عبد الله الواسطى والوليد بن مسلم وغيرهم. وعنه الشيخان وروى له بقية الجماعة بواسطة والذهلى وأبو حاتم وأبو زرعة وقال كتبت عنه مائة ألف حديث وهو أتقن وأحفظ من أبى بكر
стр. 128
ابن أبى شيبة وأصح حديثا منه لا يحدّث إلا من كتابه وهو أتقن من صفوان بن صالح وقال أبو حاتم والنسائى من الثقات وقال الحافظ كان أحمد ينكر على من يقول له الصغير ويقول هو كبير في العلم والجلالة وقال الخليلى ومن الحفاظ الكبار الذين يقرنون بأحمد إبراهيم بن موسى الصغير ثقة إمام. مات بعد العشرين ومائتين
(قوله الرازى) نسبة إلى الرّى على غير قياس
(قوله عيسى) بن يونس
(قوله عن ثور) بن يزيد بن زياد الكلاعي أبي خالد الحمصى أحد الحفاظ الأثبات. روى عن خالد بن معدان وعطاء والزهرى وابن جريج وغيرهم. وعنه الثورى ومالك وابن عيينة ويحيى القطان وجماعة. قال ابن معين ما رأيت شاميا أوثق منه وقال ابن سعد ثقة في الحديث وقال ابن عدىّ لا أرى في حديثه بأسا إذا روى عنه ثقة أو صدوق وقال دحيم ثقة وما رأيت أحدا يشك أنه قدرىّ وهو صحيح الحديث وقال وكيع كان صحيح الحديت وقال النسائى ومحمد بن عوف ثقة وقال أبو حاتم صدوق حافظ وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان قدريا وقال العجلى كان شاميا ثقة وكان يرى القدر وقال الساجى صدوق قدري قال فيه أحمد ليس به بأس قدم المدينة فنهى مالك عن مجالسته وليس لمالك عنه رواية
(قوله عن الحصين الخ) يقال إنه ابن عبد الرحمن. روى عن أبى سعيد الحبرانى. وعنة ثور ابن يزيد. قال الذهبى لا يعرف وذكره ابن حبان في الثقات. روى له أبو داود وابن ماجه هذا الحديث فقط. والحبرانى نسبة إلى حبران بضم فسكون بطن من حمير
(قوله عن أبى سعيد) يعنى الحبرانى الحميرى الحمصى قيل اسمه زياد ويقال عامر ويقال عمر بن سعد. روى عن أبى هريرة وعنه حصين الحبرانى. قال عبد الرحمن بن أبى حاتم سألت أبا زرعة عن أبى سعيد الحبرانى فقال لا أعرفه وذكره ابن حبان في الثقات. وما يقال من أنه أبو سعيد أو أبو سعد الخير فخطأ فقد قال الحافظ الصواب التفريق بينهما فقد نص على كون أبى سعد الخير صحابيا البخارى وأبو حاتم وابن حبان والبغوى وابن قانع وجماعة وأما أبو سعيد الحبرانى فتابعى قطعا وإنما وهم بعض الرواة فقال في حديثه عن أبى سعد الخير ولعله تصحيف
(قوله من اكتحل) أى أراد الاكتحال والاكتحال وضع الشخص الكحل في عينه بنفسه يقال كحلت الرجل كحلا من باب قتل واكتحلت فعلت ذلك بنفسى والمراد هنا ما هو أعمّ سواء أفعل ذلك بنفسه أم فعله غيره به
(قوله فليوتر) أى ثلاثا متوالية في كل عين وقيل ثلاثا في اليمنى واثنتين في اليسرى ليكون المجموع وترا، ففى شمائل الترمذى أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كانت له مكحلة يكتحل منها كل ليلة ثلاثة في هذه وثلاثة في هذه. وروى الطبراني عن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا اكتحل يجعل في اليمنى ثلاثة مراود وفى الأخرى مرودين، فالتثليث علم من فعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وإلا فالوتر
стр. 129
صادق بمرّة. وقال العينى قوله من اكتحل فليوتر أى فليجعل الاكتحال فردا إما واحدة أو ثلاثا أو خمسا، وإنما أمر بالإيتار لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن الله وتر يحب الوتر وهذا الأمر من الأمور الندبية كقوله تعالى فكتبوهم، والأولى أن يكون للإرشاد، والفرق بينهما أن الندب لثواب الآخرة والإرشاد لمنافع الدنيا غير مشتمل على ثواب الآخرة فافهم اهـ وقوله فليجعل الاكتحال فردا إما واحدة الخ بيان للوتر في الأصل فلا ينافى ما قدّمناه عن صاحب الشمائل والطبرانى، وفيما قاله من الأولوية وقصر الثواب على الندب دون الإرشاد نظر لأنه لا مانع من ترتب الثواب على الفعل المرشد إلية إذا قصد المرشد "بصيغة المفعول" الامتثال لإرشاد الشارع
(قوله من فعل فقد أحسن) أى فعل فعلا حسنا يثاب عليه لأنه سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولتضمن من معنى الشرط دخل في جوابها الفاء
(قوله ومن لا فلا حرج) أى من لم يوتر فلا إثم عليه وقد دلّ نفى الحرج علي أن الإيتار ليس بواجب وعلى أن أصل الأمر للوجوب وإلا لما احتاج إلى بيان سقوط وجوبه بقوله ومن لا فلا حرج قال ابن العربى الكحل يشتمل على منفعتين إحداهما زينة والثانية تطبب فإذا استعمل للزينة فهو مستثنى من التصنع الذى يلبس الصنعة بالخلقة كالوصل والوشم رحمة من الله تعالى لخلقه ورخصة منه لعباده وإذا استعمل بنية التطبب فهو لتقوية البصر من ضعف يعتوره واستنبات الشعر الذى يجمع النور للإدراك ويصدّ الأشعة الغالبة له، ثم إن كحل الزينة لا حدّ له شرعا وإنما هو بقدر الحاجة في بدوّه وخفائه وأما كحل المنفعة (أى التطبب) فقد وقته صاحب الشرع كل ليلة كما تقرّر، وفائدته أن الكحل عند النوم يلتقى عليه الجفن يسكن حرارة العين ويتمكن من السراية في تجاويف العين ويظهر تأثيره في المقصود منه اهـ. وقال ابن القيم في الكحل حفظ لصحة العين وتقوية للنور الباصر وجلاء لها وتلطيف للمادّة الرديّة واستخراج لها مع الزينة في بعض أنواعه وله عند النوم مزيد فضل لاشتمالها على الكحل وسكونها عقيبه عن الحركة المضرّة بها وخدمة الطبيعة لها وللإثمد من ذلك خاصية ففى سنن ابن ماجه عن سالم عن أبيه يرفعه "عليكم بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر" وفيها أيضا عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما يرفعه "خير أكحالكم الإثمد يجلو البصر وينبت الشعر" وفى كتاب أبى نعيم "فإنه منبتة للشعر مذهبة للقذى مصفاة للبصر" اهـ
(قوله ومن استجمر) أى استنجى بالحجر مأخوذ من الاستجمار وهو قلع النجاسة بالجمار وهي الأحجار الصغار، قال العينى في شرح البخارى الاستجمار هو مسح محل البول والغائط بالجمار وهي الأحجار الصغار ويقال الاستطابة والاستنجاء والاستجمار لتطهير محل البول والغائط والاستجمار مختص بالمسح بالأحجار والاستنجاء والاستطابة يكونان بالماء والأحجار، وقال ابن حبيب وكان ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما يتأول الاستجمار
стр. 130
هنا على إجمال الثياب بالمجمر ونحن نستحب الوتر في الوجهين جميعا وحكى عن مالك أيضا والأظهر الأول، ويقال إنما سمى به التمسح بالجمار التى هى الحجارة الصغار لأنه يطيب المحل كما يطيبه الاستجمار بالبخور اهـ
(قوله فليوتر) أى فليجعل الحجارة التى يستنجى بها وترا واحدا أو ثلاثا أو خمسا، وقال الكرمانى المراد بالإيتار أن يكون عدّة المسحات ثلاثا أو خمسا أو فوق ذلك من الأوتار
(قوله ومن لا فلا حرج) أى من لم يوتر في الاستجمار فلا إثم عليه لأن المقصود الإنقاء، وهو دليل لأبى حنيفة وأصحابه ومالك فيما ذهبوا إلية من أن الاستنجاء يجوز بأقلّ من ثلاثة أحجار إذا حصل الإنقاء به وأن الاستجمار لا يشترط فيه عدد مخصوص لأن الإيتار يقع على الواحد كما يقع على الثلاث وإنما يدل على مجرّد الإيتار فقط وسيأتى تمام الكلام على هذا في باب الاستنجاء بالأحجار إن شاء الله تعالى
(قوله ومن أكل فما تخلل فليلفظ) الفاء في قوله فما تخلل للترتيب واقعة في جواب من والتخلل إخراج ما بين أسنانه بالخلال وهو العود، يقال خلل الشخص أسنانه تخليلا إذا أخرج ما يبقى من المأكول بينها واسم الخارج خلالة بالضم، وقوله فليلفظ بكسر الفاء أى فليرم ما يخرجه الخلال من بين أسنانه والفاء فاء الجزاء على أن ما شرطية أو واقعة في خبرها على أنها موصولة، وإنما أمر برمى الخلالة لأنها تتغير بين الأسنان فتصير مستقذرة وربما خرج بها دم، وعن ابن عمر أن تركها يوهن الأضراس
(قوله ومالاك بلسانه الخ) عطف على تخلل يعنى ما أخرجه بلسانه من بين أسنانه ولحمها وسقف حلقه فليبتلعه ويحتمل أن يكون المعنى إن ما أخرجه من بين أسنانه يرميه مطلقا سواء أخرجه بلسان أو خلال وما بقى من أثر الطعام على لحم الأسنان وسقف الحلق إذا أخرجه بلسانه ينبغى أن يبتلعه ولا يرميه والفرق بينه وبين ما استقرّ بين أسنانه أن هذا يتغير باستقراره بينها بخلاف ما كان عليها وعلى سقف الحلق. واللوك في الأصل إدارة الشئ بلسانه في الفم يقال لاك اللقمة يلوكها لوكا من باب قتل مضغها
(قوله من فعل الخ) أى من رمى ما أخرجه بالعود من الأسنان وابتلع ما أداره بلسانه فقد أحسن إلى نفسه حيث امتثل أمر الشارع
(قوله ومن لا فلا حرج) أى من لم يلفظ ما أخرجه بالعود من بين أسنانه بل أكله ومن لم يبتلع ما أخرجه بلسانه بل طرحه فلا إثم عليه ونفى الحرج بالنسبة إلى الأول إذا لم يتيقن خروج الدّم معه وإلا حرم
(قوله فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبا) أى إن لم يجد شيئا يستتر به إلا رملا مجتمعا ليستتر به فليفعل. فالكثيب المجتمع من الرمل. وفي رواية ابن ماجه فإن لم يجد إلا كثيبا
(قوله فليستدبره) أى فليجعله خلفه لئلا يراه أحد. وفى رواية ابن ماجه فليمدده عليه
(قوله فإن الشيطان يلعب بمقاعد بنى آدم) أى يقصد أسافل بدن بنى آدم بالشرّ إن لم يستتر وقت قضاء الحاجة أو يوسوس له في موضع قضاء الحاجة لخلوّه عن الذكر والشيطان فيعال من شطن أى
стр. 131
بعد عن الرحمة والحق أو فعلان من شاط إذا احترق وأل فيه للجنس. والمقاعد جمع مقعد يطلق على أسفل البدن وعلى موضع القعود لقضاء الحاجة وكلاهما تصح إرادته هنا وعلى الأول الباء في قوله بمقاعد للإلصاق ويحتاج إلى قيد أى يلعب بمقاعد الإنسان إذا وجدها مكشوفة وعلى الثانى تكون للظرفية أى يلعب في مواضع قضاء الحاجة لخلوّها عن ذكر الله تعالى فلذا أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالتستر ما أمكن وأن لا يكون قعود الإنسان لقضاء حاجته في براح من الأرض يقع عليه أعين الناظرين فيتعرض لانتهاك الستر أو تهبّ الرياح عليه فيصيبه البول فيلوّث بدنه أو ثيابه وكل ذلك من لعب الشيطان به وقصده إياه بالأذى والفساد
(قوله من فعل فقد أحسن) أى من جمع كثيبا ليستتر به فقد أحسن بإتيان السنة المأمور بها وإساءته للشيطان ودفع وسوسته ومن لم يجمع الكثيب فلا إثم عليه في عدم استدباره الكثيب ونحوه وأما ستر العورة عن الناس فواجب وفى تركه الحرج اللهم إلا إذا كان في حالة لا يقدر فيها على التستر أصلا فيكون حينئذ لا حرج عليه ويكون المعنى على هذا ومن لم يفعل ذك لأجل الضرورة فلا حرج عليه بل الحرج على من نظر إليه حينئذ
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أن الاكتحال مندوب. وعلى ندب إيتاره، وعلى أن الاستجمار مشروع ويطلب أن يكون وترا، وعلى ندب تخليل الأسنان وطرح ما خرج بالخلال وبلع ما خرج من الأسنان إذا كان خروجه بدون خلال على ما تقدم تفصيله، وعلى أن الاستتار وقت قضاء الحاجة مطلوب، وعلى أن الشياطين تحضر أمكنة قضاء الحاجة وترصدها بالأذى والفساد لأنها مواضع يهجر فيها ذكر الله تعالى وتكشف فيها العورات كما يدل عليه ما تقدم من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن هذه الحشوش محتضرة
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن ماجه والدارمى وأحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه والحاكم والبيهقى والطحاوى وهو حديث صحيح رجاله ثقات ولا عبرة بقول ابن حزم والبيهقى ليس إسناده بالقائم لأن فيه مجهولين (يقصدان حصينا الحبرانى وأبا سعيد لما تقدم في ترجمتهما)
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ ثَوْرٍ، قَالَ: حُصَيْنٌ الْحِمْيَرِيُّ
(ش) هذا تعليق وصله الدارمى قال أخبرنا أبو عاصم ثنا ثور بن يزيد ثنا حصين الحميرى أخبرنا أبو سعيد الخير عن أبى هريرة وذكر الحديث. وغرض المصنف بذكره بيان أن أبا عاصم في روايته عن ثور وصف حصينا بالحميرى وعيسى بن يونس وصفه بالحبرانى ولا منافاة بينهما فإن حبران بطن من حمير كما تقدم، والحميرى بكسر الحاء المهملة وسكون الميم نسبة إلى حمير بن سبأ قبيلة يمانية وموضع قريب من صنعاء اليمن (وأبو عاصم) هو الضحاك بن مخلد بن الضحاك النبيل
стр. 132
البصرى الحافظ. روى عن يزيد بن أبى عبيد وبهز بن حكيم والأوزاعي وعبد الله بن عون وغيرهم. وعنه البخارى وإسحاق بن راهويه ومحمد بن المثنى وأحمد بن حنبل وطائفة، وثقه ابن معين والعجلى وقال كثير الحديث وكان له فقه وقال أبو حاتم صدوق وقال ابن سعد كان ثقة فقيها وقال ابن خراش لم ير في يده كتاب قط وقال أبو داود كان يحفظ قدر ألف حديث من جيد حديثه وقال ابن قانع ثقة مأمون وقال الخليلى متفق عليه زهدا وعلما وديانة وإتقانا. ولد سنة اثنتين وعشرين ومائة. ومات سنة اثنتى عشرة ومائتين بالبصرة وهو ابن تسعين سنة احتج به الأئمة الستة
(ص) وَرَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ، عَنْ ثَوْرٍ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخَيْرُ
(ش) هذا التعليق وصله ابن ماجه قال حدثنا محمد بن بشار ثنا عبد الملك بن الصباح ثنا ثور ابن يزيد عن حصين الحميرى عن أبى سعيد الخير عن أبى هريرة عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال من استجمر فليوتر من فعل ذلك فقد أحسن ومن لا فلا حرج ومن تخلل فليلفظ ومن لاك فليبتلع من فعل ذاك فقد أحسن ومن لا فلا حرج ومن أتى الخلاء فليستتر فإن لم بجد إلا كثيبا من رمل فليمدده عليه فإن الشيطان يلعب بمقاعد ابن آدم من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج. وغرض المصنف بهذا بيان أن عبد الملك بن الصباح خالف عيسى بن يونس وأبا عاصم في روايته عن ثور حيث وصف أبا سعيد بالخير وهما لم يصفاه به وهذا هو الحق كما تقدم
(قوله عبد الملك بن الصباح) المسمعى بكسر الميم الأولى أبو محمد الصنعانى نزيل البصرة. روى عن أبيه وابن عون وشعبة وهشام بن حسان وآخرين. وعنه إسحاق ومحمد بن بشار ومحمد بن المثنى ونعيم بن حماد وغيرهم. روى له البخارى ومسلم وابن ماجه وذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو حاتم صالح ووثقه ابن قانع. مات سنة تسع وتسعين ومائة
(قوله فقال أبو سعيد الخير) أى قال عبد الملك بن الصباح في روايته عن ثور عن أبى سعيد الخير بزيادة لفظ الخير. وأبو سعيد يقال السمه عمرو وقال أبو أحمد الحاكم لا أعرف السمه ولا نسبه وذكر أنه أبو سعيد الأنماري قال في الإصابة وليس كذلك فإن لهذا حديثين غير الحديث الذى اختلف فيه في الأنمارى بل هو أبو سعد أو أبو سعيد
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «أَبُو سَعِيدٍ الْخَيْرُ هُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ»
(ش) غرض المصنف بهذا بيان أن عبد الملك بن الصباح قد أخطأ في وصف أبى سعيد بالخير وذلك أنه صحابى كما تقدم وأن الذى روى الحديث عن أبى هريرة هو أبو سعيد الحبرانى الحميرى الحمصى وهو تابعى اتفاقا قال الحافظ في التقريب بعد ذكر أبى سعيد الحبرانى ما نصه أبو سعيد الخير بفتح المعجمة وسكون التحتانية الأنمارى صحابى له حديث ووهم من خلطه بالذى
стр. 133
قبله اهـ وأيضا فإن من كتب في معرفة الصحابة لم يخرج حديث الباب من طريق أبى سعيد الخير بل أخرجوا عنه أحاديث أخر فعلم أن المحفوظ هو رواية عيسى بن يونس وأبى عاصم. ولا يقال إن الحديث قد أخرجه أحمد والطحاوى في الآثار من طريق عيسى بن يونس عن ثور عن الحصين عن أبي سعيد الخير لأن هذا تحريف كما علمت. وقد أخرج البيهقى الحديث في سننه من طريق عيسى بن يونس وعمرو بن الوليد قالا ثنا ثور بن يزيد عن حصين الحبرانى عن أبى سعيد الخير عن أبى هريرة عن النبى صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال من أتى الغائط فليستتر فإن لم يجد إلا كثيبا من رمل يجمعه تم يستدبره فإن الشياطين يلعبون بمقاعد بنى آدم من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج، وفى سنده تصحيف وحذف إذ أصله عن أبى سعيد الحبرانى فحذفت الياء من سعيد وجعلت الحاء المهملة خاء والموحدة مثناة تحتية وحذفت الألف والنون والياء التحتية، ومما تقدم تعلم أنه وقع هنا اختلافات ثلاثة. الأول أهو أبو سعيد بالياء أو أبو سعد بحذفها. الثانى أهو صحابى أم تابعى. الثالث أهو ملقب بالخير أم لا. وقد علمت أن الذى في سند الحديث إنما هو أبو سعيد الحبرانى التابعى فأما أبو سعد أو أبو سعيد الخير الأنمارى فصحابى
(باب ما ينهى عنه أن يستنجى به)
أى في بيان الأشياء التى نهى الشارع عن الاستنجاء بها، وفى نسخة ما ينهى أن يستنجى به
(ص) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ الْهَمْدَانِيُّ، ثَنَا الْمُفَضَّلُ يَعْنِي ابْنَ فَضَالَةَ الْمِصْرِيَّ، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ الْقِتْبَانِيِّ، أَنَّ شِيَيْمَ بْنَ بَيْتَانَ، أَخْبَرَهُ عَنْ شَيْبَانَ الْقِتْبَانِيِّ، أنَّ مَسْلَمَةَ بْنَ مُخَلَّدٍ اسْتَعْمَلَ رُوَيْفِعَ بْنَ ثَابِتٍ عَلَى أَسْفَلِ الْأَرْضِ، قَالَ شَيْبَانُ: فَسِرْنَا مَعَهُ مِنْ كَوْمِ شَرِيكٍ، إِلَى عَلْقَمَاءَ أَوْ مِنْ عَلْقَمَاءَ إِلَى كَوْمِ شَرِيكٍ يُرِيدُ عَلْقَامَ فَقَالَ رُوَيْفِعٌ: «إِنْ كَانَ أَحَدُنَا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ لَيَأْخُذُ نِضْوَ أَخِيهِ عَلَى أَنَّ لَهُ النِّصْفَ مِمَّا يَغْنَمُ، وَلَنَا النِّصْفُ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَطِيرُ لَهُ النَّصْلُ وَالرِّيشُ، وَلِلْآخَرِ الْقِدْحُ» ثُمَّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «يَا رُوَيْفِعُ لَعَلَّ الْحَيَاةَ سَتَطُولُ بِكَ بَعْدِي، فَأَخْبِرِ النَّاسَ أَنَّهُ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ، أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا، أَوْ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ،
стр. 134
أَوْ عَظْمٍ فَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ مِنْهُ بَرِيءٌ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله يزيد الخ) هو أبو طالب الرملى عابد زاهد. روى عن الليث بن سعد ويحيى بن حمزة وعبد الله بن وهب ويحيى بن زكريا وغيرهم. وعنه أبو داود وأحمد ابن إبراهيم وأبو زرعة وجعفر بن محمد الفريابى وآخرون، ذكره ابن حبان في الثقات قال أحمد ابن محمد بن السجزى ما رأيت أحدا من أهل الحديث أخشع لله من يزيد بن موهب وقال ابن قانع صالح وقال بقى بن مخلد كان ثقة جدا. مات سنة اثنتين وثلاثين ومائتين. روى له أبو داود والنسائى وابن ماجه
(قوله الهمدانى) نسبة إلى همدان بوزن سكران قبيلة من حمير من عرب اليمن
(قوله المفضل الخ) بن عبيد بن ثمامة بن مرثد الرعينى ثم القتبانى قاضى مصر. روى عن يزيد بن أبى حبيب ومحمد بن عجلان وعقيل بن خالد وعبد الله بن عياش وغيرهم. وعنه الوليد ابن مسلم وحسان بن عبد الله الواسطى وزكرياء بن يحيى وقتيبة بن سعيد وجماعة، قال ابن سعد منكر الحديث وقال أبو زرعة لا بأس به وقال ابن معين ثقة صدوق وقال أبو حاتم وابن خراش صدوق في الحديث قال ابن يونس ولى القضاء بمصر مرتين وكان من أهل الفضل والدين والورع ثقة في الحديث ذكره أحمد بن شعيب يوما وأنا حاضر فأحسن الثناء عليه ووثقه وقال أبو داود كان مجاب الدعوة. ولد سنة سبع ومائة، ومات في شوال سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومائة وصلى عليه إسماعيل بن صالح أمير البلد، روى له الجماعة
(قوله عياش بن عباس) بن جابر بن يس أبو عبد الرحيم أو أبو عبد الرحمن الحميرى المصرى. روى عن أبى سلمة وأبى الخير اليزنى وأبى عبد الرحمن الحبلى والضحاك وغيرهم. وعنه سعيد بن أبى أيوب والليث بن سعد وحيوة ابن شريح وآخرون، وثقه أبو داود وابن معين وقال أبو حاتم صالح وذكره ابن حبان في الثقات وقال النسائى ليس به بأس وقال أبو بكر البزار مشهور. توفى سنة ثلاث وثلاثين ومائة. روى له الجماعة إلا البخارى، والقتبانى نسبة إلى قتبان بكسر فسكون بطن من رعين قبيلة باليمن
(قوله شييم) مصغر بياءين وفي التقريب بكسر الشين المعجمة وفتح التحتانية وسكون مثلها بعدها هو ابن بيتان مثنى بيت سمى به القتبانى المصرى. روى عن جنادة بن أبى أمية ورويفع بن ثابت وأبى سالم الجيشانى وغيرهم. وعنه خير بن نعيم وعياش بن عباس القتبانى، وثقه ابن معين وذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو بكر البزار شييم غير مشهور وقال في التقريب ثقة من الثالثة. روى له أبو داود والترمذى والنسائى
(قوله أخبره) أى أخبر شييم عياش بن عباس
(قوله شيبان) هو ابن أمية ويقال ابن قيس القتبانى أبو حذيفة المصرى. روى عن رويفع بن ثابت ومسلمة بن مخلد الزرقى. وعنه بكر بن سوادة وشييم القتبانى قال في التقريب مجهول من الثالثة. روى له أبو داود هذا الحديث فقط
стр. 135
(قوله
(ص) مسلمة بن مخلد) بفتح المعجمة على وزن محمد الأنصارى الزرقى، ولد حين قدم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آلة وسلم المدينة مهاجرا وقيل كان له لما قدم النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم المدينة أربع سنين وشهد فتح مصر وكان واليا عليها من قبل معاوية ثم تحوّل إلى المدينة، روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وعنه على بن رباح ومجاهد وشيبان بن أمية وعبد الرحمن بن شماسة قال أحمد وأبو حاتم ليست له صحبة وقال البخارى والذهبى له صحبة وقال العسكرى له رؤية وليست له صحبة. مات في ذى القعدة سنة اثنتين وستين بالمدينة وله ستون سنة وقيل مات بمصر
(قوله استعمل رويفع الخ) أى جعل مسلمة رويفعا عاملا، ورويفع بن ثابت بن السكن بن عدى ابن حارثة بن النجار الأنصارى صحابى يعدّ في المصريين أمره معاوية سنة ست وأربعين على طرابلس فغزا منها إفريقية سنة سبع وأربعين، له ثمانية أحاديث. روى عنه حنش الصنعانى ووفاء بن شريح وشيبان بن أمية القتبانى ومرثد بن عبد الله. قال ابن يونس توفى ببرقة سنة ست وخمسين وهو أمير عليها من قبل مسلمة بن مخلد. روى له أبو داود والترمذى والنسائى
(قوله على أسفل الأرض) يعنى به الوجه البحرى من أرض مصر، وقيل الغربى والمعنى أن مسلمة كان أميرا على بلاد مصر من جهة معاوية فاستعمل رويفعا على الجهة المذكورة
(قوله من كوم شريك) قال العراقى هو بضم الكاف على المشهور وقيل بفتحها وأصل الكوم الرمل المرتفع، وقال ابن شميل الكومة الرمل المجتمع ارتفاعه ذراعان ويكون من الحجارة والرمل والجمع كوم وهو اسم لمواضع بمصر تضاف إلى أربابها أو إلى ما عرفت به، منها كوم شريك قرب الاسكندرية كان عمرو بن العاص أنفذ فيه شريك بن سمى الغطيفى المرادى الصحابى علي مقدمة جيشه في فتح مصر فكثرت عليه الروم بهذا الموضع فخافهم على أصحابه فلجأ إلى هذا الكوم واعتصم به ودافعهم حتى أدركه عمرو بن العاص فاستنقذهم فسمى كوم شريك لذلك
(قوله إلى علقماء) بفتح العين المهملة وسكون اللام وفتح القاف والميم بعدها ألف ممدودة وقد تقصر بلدة في طريق الإسكندرية
(قوله أو من علقماء إلى كوم شريك) شك من شيبان أى من أى موضع كان ابتداء السير من الكوم أو من علقماء وعلى كلّ فمن أحد الموضعين كان ابتداء السير وإلى الآخر انتهاؤه
(قوله يريد علقام) أى يريد رويفع بسيره الذهاب إلى علقام، فعلقام غير علقماء كما يفهم من قوله يريد علقام وعلى أنهما موضعان جرى العينى، وفى النهاية كوم علقام وفى رواية كوم علقماء بضم الكاف موضع بأسفل ديار مصر اهـ ويؤخذ منه أن علقام وعلقماء موضع واحد
(قوله إن كان أحدنا الخ) إن مخففة من الثقيلة واجبة الإهمال لدخولها على الفعل بخلاف ما لو دخلت على الجملة الإسمية فيقلّ عملها
(قوله نضو أخيه) النضو بكسر النون وسكون المعجمة البعير المهزول يقال بعير نضو وناقة نضو ونضوة كذا في المصباح، وقال
стр. 136
في النهاية النضو الدابة التى أهزلتها الأسفار وأذهبت لحمها اهـ
(قوله مما يغنم) أى يصيبه في الجهاد، يقال غنمت الشئ أغنمه غنما من باب شرب أصبته غنيما والغنيمة ما نيل من أهل الشرك عنوة والحرب قائمة بخلاف الفئ فإنه ما أخذ منهم بعد أن تضع الحرب أوزارها
(قوله ولنا النصف) أى للآخذ والمستأجر النصف. قال العينى وفى هذا حجة لمن أجاز أن يعطى الرجل فرسه أو بعيره على شطر ما يصيبه المستأجر من الغنيمة وهو قول أحمد والأوزاعى ولم يجوّز ذلك أكثر العلماء وأوجبوا مثل هذا أجرة المثل اهـ ومثله للخطابى في معالم السنن
(قوله ليطير له) أى يحصل له في القسمة يقال طار لفلان النصف ولفلان الثلث إذا وقع له ذلك في القسمة
(قوله النصل) بفتح فسكون حديدة السهم والرمح والسيف ما لم يكن له مقبض وجمعه أنصل ونصال ونصول اهـ قاموس (قو له والريش) بكسر الراء سن السهم يركب في النصل يقال راش السهم يريشه ريشا إذا ركب عليه الريش وريشت السهم ألزقت عليه الريش فهو مريش كمبيع ومريش
(قوله وللآخر القدح) بكسر القاف وسكون الدال المهملة خشب السهم ويقال للسهم أول ما يقطع قطع بكسر القاف ثم ينحت ويبرى فيسمى بريا ثم يقوّم فيسمى قدحا ثم يراش ويركب نصله فيسمى سهما (وحاصل) الحديث أنه كان يقتسم الرجلان السهم فيقع لأحدهما نصله وريشه وللآخر قدحه قال الخطابى في هذا دليل على أن الشئ المشترك بين الجماعة إذا احتمل القسمة فطلب أحد الشركاء مقاسمته كان له ذلك ما دام ينتفع بالشئ الذى يخصه منه وإن قلّ وذلك أن القدح قد ينتفع به عريانا من الريش والنصل وكذلك قد ينتفع بالريش والنصل وإن لم يكونا مركبين في قدح فأما ما لا ينتفع بقسمته أحد من الشركاء وكان في ذلك الضرر والإفساد للمال كاللؤلؤة تكون بين الشركاء فإن المقاسمة تمنع فيه لأنها حينئذ من باب إضاعة المال فيبيعون الشئ ويقتسمون الثمن بينهم على قدر حقوقهم منه اهـ
(قوله لعلّ الحياة الخ) لعلّ للترجى والمعنى أرجو أن تطول بك الحياة بعدى فإذا طالت ورأيت الناس قد ارتكبوا أمورا من المخالفات فأخبرهم الخ وقد حقق الله تعالى رجائه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فطالت به الحياة حتى مات سنة ست وخمسين بإفريقية وهو آخر من مات بها من الصحابة، ويحتمل أن تكون لعل للتحقق ففيه إخبار بالغيب معجزة له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقد طالت به الحياة وما مات حتى رأى كثيرا من المخالفات
(قوله أنه من عقد لحيته) الضمير في أنه للشأن والعقد في الأصل الربط يقال عقدت الحبل عقدا فانعقد يعنى ربطته من باب ضرب، واللحية بكسر اللام شعر الخدين والذقن وتجمع على لحى بكسر اللام مثل سدرة وسدر وبضمها أيضا مثل حلية وحلى واللحى عظم الحنك الذى عليه الأسنان وهو من الإنسان حيث ينبت الشعر وهو أعلى وأسفل والمعنى كما قاله في النهاية من عالج
стр. 137
لحيته حتى تتعقد وتتجعد وقال في المرقاة قال الأكثرون هو معالجتها حتى تتعقد وتتجعد وهذا مخالف للسنة التى هي تسريح اللحية، وقيل كانوا يعقدونها في الحرب زمن الجاهلية فأمرهم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بإرسالها لما في عقدها من التشبه بالنساء، وقيل كان ذلك من دأب العجم أيضا فنهوا عنه لأنه تغيير لخلق الله ، وقال الأبهرى كان من عادة العرب أن من له زوجة واحدة عقد عقدة واحدة صغيرة ومن كان له زوجتان عقد عقدتين اهـ
(قوله أو تقلد وترا) أى جعل الوتر في عنقه كالقلادة، والوتر بفتحتين ما يشدّ به القوس أو مطلق الحبل، وقيل المراد به الخيط الذى يعلق فيه التمائم أو خرزات لدفع العين والحفظ من الآفات كانوا يعلقونها في رقاب الأولاد والخيل، وفى شرح العينى هي التمائم التى يشدّونها بالأوتار وكانوا يرون أنها تعصمهم من الآفات وتدفع عنهم المكاره فأبطل النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذلك اهـ وقال أبو عبيدة الأشبه أنه نهى عن تقليد الخيل أوتار القسىّ نهوا عن ذلك إما لاعتقادهم أن تقليدها بذلك يدفع عنها العين وإما لمخافة اختناقها به لا سيما عند شدة الركض بدليل ما روى أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمر بقطع الأوتار عن أعناق الخيل تنبيها على أنها لا تردّ القدر اهـ ملخصا
(قوله أو استنجى برجيع دابة) الرجيع الروث والعذرة سمى رجيعا لأنه رجع عن حالته الأولى من كونه طعاما أو علفا، ونهى عن الاستنجاء بروث الدابة لأنه نجس ولأنه طعام دواب الجن
(قوله أو عظم) عطف على رجيع، ونهى عنه لأنه زاد الجن والتنكير فيه للعموم فيشمل عظم الميتة والمذكى
(قوله فإن محمدا صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم منه برئ) خبر من في قوله من عقد لحيته إن كانت موصولة أو جواب إن كانت شرطية. وهو وعيد شديد على فعل أىّ واحد مما ذكر نعوذ بالله تعالى من كل ما لا يرضى الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وإنما قال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فإن محمدا دون فأنا أو فإنى لئلا يتوهم أن البراءة من الراوى المخبر مع الإشارة إلى أن المسمى بهذا الاسم المعظم الذى حمده الأولون والآخرون منه برئ فيكون دلالة على غاية ذمه وأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يتبرأ إلا من مذموم
(فقه الحديث) دلّ الحديث على جواز الاستعانة بالغير عند الحاجة لا سيما في مهمات الأعمال، وعلى جواز إجارة الدابة بجزء مما ينتج من عملها، وعلى أن الشئ المشترك المحتمل للقسمة يصح قسمته بطلب أحد الشركاء، وعلى أن الله تعالى يكرم نبيه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بتحقيق رجائه، وعلى منع عقد اللحية والتقلد بالوتر، وعلى منع الاستنجاء بالرجيع والعظم، وعلى أن ارتكاب الجرائم سبب في هلاك مركبها وبراءة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم منه
стр. 138
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه النسائى والبيهقى، قال في المرقاة سنده حسن
(ص) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ، ثَنَا مُفَضَّلٌ، عَنْ عَيَّاشٍ، أَنَّ شُيَيْمَ بْنَ بَيْتَانَ، أَخْبَرَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي سَالِمٍ الْجَيْشَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، يَذْكُرُ ذَلِكَ وَهُوَ مَعَهُ مُرَابِطٌ بِحِصْنِ بَابِ أَلْيُونَ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «حِصْنُ أَلْيُونَ بِالْفسْطَاطِ عَلَى جَبَلٍ»
(ش) (قوله أخبره بهذا الحديث إلخ) أى أخبر شييم عياشا بالحديث عن أبى سالم الجيشانى عن عبد الله بن عمرو كما أخبره به عن شيبان القتبانى عن مسلمه بن مخلد عن رويفع بن ثابت (وأبو سالم) هو سفيان بن هانئ بن جبر بن عمرو بن سعد المصرى تابعى شهد فتح مصر ووفد على علىّ بن أبى طالب وروى عنه وعن عقبة بن عامر وزيد بن خالد وأبى ذرّ وغيرهم. وعنه الحارث بن يزيد ووهب بن عبد الله وبكر بن سوادة وعبيد الله بن جعفر وكثيرون، ذكره ابن حبان في الثقات وقال العجلى تابعى ثقة وذكره ابن منده في الصحابة وقال اختلف في صحبته. مات بالإسكندرية زمن عبد العزيز بن مروان (والجيشانى) بفتح الجيم وسكون المثناة التحتية منسوب إلى جيشان ابن عبدان أبى قبيلة باليمن
(قوله عبد الله بن عمرو) بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمر وأبو محمد وقيل أبو عبد الرحمن صحابى جليل أسلم قبل أبيه ولم يكن بينه وبين أبيه في السن إلا إحدى عشرة سنة شهد فتح مصر روى له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سبعمائة حديث اتفق الشيخان على سبعة عشر حديثا وانفرد البخارى بثمانية ومسلم بعشرين. روى عن أبى بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبى الدرداء وسراقة بن مالك، وعنه أنس بن مالك وعبد الله بن الحارث وجبير بن نفير وثابت بن عياض وغيرهم، كان من أكثر الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم حديثا عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وممن يقرأ التوراة والقرآن، فعنه قال رأيت فيما يرى النائم كأن في إحدى يدىّ عسلا وفي الأخرى سمنا وأنا ألعقهما فذكرت ذلك للنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال تقرأ الكتابين التوراة والقرآن وكان يقرؤهما رواه أحمد والبغوى، وأمره في انقطاعه للعبادة وتشديده على نفسه فيها ونهى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم له عن ذلك مشهور فعن مجاهد عن عبد الله بن عمرو قال زوّجنى أبى امرأة فجاء يزورها فقال كيف ترين بعلك فقالت نعم الرجل من رجل لا ينام الليل ولا يفطر النهار فوقع بى وقال زوّجتك امرأة من المسلمين فعضلتها قال فجعلت لا ألتفت إلى قوله مما عندى من القوّة والاجتهاد فبلغ ذلك النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال لكنى أنا أقوم وأنام وأصوم وأفطر فقم ونم وصم وأفطر قال صم من كل شهر
стр. 139
ثلاثة أيام فقلت إنى أقوى من ذلك قال صم صوم داود ﵇ صم يوما وأفطر يوما قلت أنا أقوى من ذلك قال اقرأ القرآن في كل شهر ثم انتهى إلى خمس عشرة وأنا أقول أنا أقوى من ذلك، رواه النسائى، وعن عبد الله بن عمرو رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما قال قال لى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل فقلت بلى يا رسول الله قال فلا تفعل صم وأفطر وقم ونم فإن لجسدك عليك حقا وإن لعينك عليك حقا وإن لزوجك عليك حقا وإن لزورك عليك حقا وإن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام فإن لك بكل حسنة عشرة أمثالها فإذاً ذلك صيام الدهر كله فشدّدت فشدّد علىّ قلت يا رسول الله إنى أجد قوّة قال فصم صيام نبى الله داود ﵇ ولا تزد عليه قلت وما كان صيام نبي الله داود ﵇ قال نصف الدهر، وكان يقول بعد ما كبر يا ليتنى قبلت رخصة النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رواه البخارى، وقال ابن عبد البر نازل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في ختم القرآن فقال اختمه في شهر فقال إنى أطيق أفضل من ذك فلم يزل يراجعه حتى قال لا تقرأه في أقل من سبع. واعتذر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عن شهوده صفين وأقسم أنه لم يرم فيها برمح ولا سهم وأنه إنما شهدها لعزمة أبيه عليه في ذلك وأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال له أطع أباك. فعن ابن أبى مليكة عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان يقول مالى ولصفين مالى ولقتال المسلمين والله لوددت أن مت قبل هذا بعشر سنين ثم يقول أما والله ما ضربت فيها بسيف ولا طعنت برمح ولا رميت بسهم ولوددت أنى لم أحضر شيئًا منها وأستغفر الله من ذلك وأتوب إليه، مات رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بمكة وقيل بالطائف وقيل بمصر سنة خمس وستين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، روى له الجماعة
(قوله يذكر ذلك وهو معه الخ) أى يذكر عبد الله بن عمرو الحديث لأبى سالم حال كونه معه مرابطا بحصن باب أليون، ومرابط اسم فاعل من رابط مرابطة إذا أقام في ثغر العدوّ وفى النهاية المرابطة أن يربط الفريقان خيولهم في ثغر كل منهما معدّ لصاحبه اهـ. والحصن المكان الذى لا يقدر على الارتقاء عليه لارتفاعه وجمعه حصون. والمراد به هنا الحصن الذى أقامه الفرس على ضفة النيل الشرقية مقابل الأهرام وفى مكانه الآن دير النصارى ويقال له قصر الشمع أو دير مارى جرجس. ومن حديثه أن الفرس لما اشتد ملكها وقويت على الروم حتى تملكت الشام ومصر أخذت في بناء هذا القصر وجعلت فيه هيكل لبيت النار ولكن لم يتمموا بناءه فلما ظهرت الروم تممت بناءه وحصنته فلم يزالوا فيه إلى أن نازلهم المسلمون مع عمرو بن العاص ففتحه وأليون بفتح الهمزة وسكون اللام وضم الياء اسم مدينة مصر قديما فتحها المسلمون وسموه الفسطاط بضم الفاء وكسرها وسكون السين المهملة وهو في الأصل المدينة التى فيها مجتمع الناس وكل مدينة
стр. 140
فسطاط، وقال الزمخشرى هو ضرب من الأبنية وبه سميت المدينة ويقال لمصر والبصرة الفسطاط اهـ وقول أبى داود حصن أليون بالفسطاط على جبل لا ينافى ما ذكر لأن الذى على جبل هو الحصن لا نفس أليون. وفى شرح العينى قوله حصن أليون بالفسطاط الفسطاط مدينة مصر وفى الأصل الفسطاط بيت من شعر ولكن سميت بها مدينة مصر لأن عمرو بن العاص لما فتحها ضرب فسطاطه على موضع الجامع المعروف باسمه فبنى الجامع وبنى المسلمون حواليه دورا ومساجد وأسواقا ولم تزل مصر وهي الفسطاط كرسى المملكة حتى تولى مصر أحمد بن طولون من جهة المعتز بالله سنة أربع وخمسين ومائتين فبنى له ولعسكره القطائع في شمالى مصر وبنى عند القطائع جامعه المعروف به سنة تسع وخمسين ومائتين ثم لم يزل الأمر كذلك حتى بنيت القاهرة سنة ثمان وخمسين وثلثمائة على يد جوهر القائد المعزى اهـ. والذى يؤخذ من كتب التاريخ أنه لم يزل الفسطاط مقرّ الولاة حتى تولى مصر صالح بن على من قبل ابن أخيه أبى العباس سنة ثلاث وثلاثين ومائة هجرية فأقام بالفسطاط سبعة أشهر ثم انتقل إلى مدينة بناها شمال الفسطاط سماها العسكر ومحلها الآن أبنية خط فم الخليج وأبى السعود والماوردى وزينهم والبغالة إلى طولون تجاه جبل قلعة الكبش فكانت العسكر مقراً لولاة العباسيين حتى بنى أحمد بن طولون القطائع شرقى العسكر سنة ثمان وخمسين ومائتين وهي تمتدّ من قلعة الكبش إلى المقطم وبنى مسجده المشهور سنة أربع وستين ومائتين فصارت القطائع مقراً للمملكة حتى بنى جوهر الصقلى القائد لجيوش المعز لدين الله الفاطمى القاهرة سنة ثمان وخمسين وثلثمائة وبنى بها الأزهر سنة تسع وخمسين وثلثمائة
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «وَهُوَ شَيْبَانُ بْنُ أُمَيَّةَ يُكْنَى أَبَا حُذَيْفَةَ»
(ش) أى أن شيبان المذكور في السند السابق هو ابن أمية وكنيته أبو حذيفة. وغرض المصنف بهذا بيان كنيته واسم أبيه وكان المناسب ذكر هذه العبارة عقب الحديث السابق
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، ثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، ثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ، ثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَتَمَسَّحَ بِعَظْمٍ أَوْ بَعْرٍ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله روح بن عبادة) بن العلاء بن حسان بن عمرو ابن مرثد القيسى أبو محمد البصرى الحافظ أحد الرؤساء الأشراف روى عن حسين المعلم وشعبة والأوزاعي ومالك بن أنس وجماعة. وعنه أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وأحمد بن منيع
стр. 141
وعبد بن حميد، وثقه الخطيب وقال يعقوب بن شيبة كان كثير الحديث صدوقا وقال ابن معين ليس به بأس صدوق وقال أبو مسعر الرازى طعن على روح بن عبادة ثلاثة عشر أو اثنا عشر فلم ينفذ قولهم فيه. مات سنة خمس أو سبع ومائتين. روى له الجماعة
(قوله زكريا بن إسحاق) المكي. روى عن عمرو بن دينار وعطاء بن أبى رباح ويحيى بن عبد الله وعنه وكيع وأبو عاصم النبيل وابن المبارك وجماعة، وثقه أحمد والبخارى ومسلم وأبو داود وابن معين وقال كان يرى القدر وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث، روى له الجماعة
(قوله أبو الزبير) محمد بن مسلم
(قوله أن نتمسح) التمسح إمرار اليد على الشيء والمراد به هنا الاستنجاء كما تقدم، وجاء من باب التفعل إشارة إلى أن لا نتكلف المسح بالعظم والبعر، وإيماء إلى أن ارتكاب غير المشروع طريق شاق لا يسهل سلوكه عند العقلاء
(قوله أو بعر) بفتحتين معروف والسكون لغة، واحده بعرة وهو من كل ذى ظلف وخف وجمعه أبعار مثل سبب وأسباب
(فقه الحديث) فيه دليل على حرمة الاستنجاء بالعظم والبعر
(من روى الحديث أيضا) رواه أحمد ومسلم والبيهقى
(ص) حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ الْحِمْصِيُّ، ثَنَا ابْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ الْجِنِّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ: انْهَ أُمَّتَكَ أَنْ يَسْتَنْجُوا بِعَظْمٍ أَوْ رَوْثَةٍ أَوْ حُمَمَةٍ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لَنَا فِيهَا رِزْقًا، قَالَ: «فَنَهَى النبي صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله الحمصى) نسبة إلى حمص بلد بالشام
(قوله ابن عياش) هو إسماعيل بن عياش بن سليم أبو عتبة الحمصى عالم الشام وأحد مشايخ الإسلام. روى عن ثور بن يزيد والأوزاعى وهشام بن عروة ويحيى بن سعيد وآخرين. وعنه الثورى والأعمش من شيوخه وأبو اليمان ويحيى بن معين وكثيرون، وثقه أحمد وابن معين ودحيم والبخارى وابن عدى في أهل الشام وضعفوه في الحجازيين قال يزيد بن هارون ما رأيت أحفظ من إسماعيل وقال أحمد ليس أحد أروى لحديث الشاميين من إسماعيل بن عياش والوليد بن مسلم وقال يعقوب ابن سفيان تكلم قوم في إسماعيل وهو ثقة عدل أعلم الناس بحديث الشاميين وقال على ابن المدينى كان يوثق فيما روى عن أصحابه أهل الشام فأما ما رواه عن غيرهم ففيه ضعف وهو في الجملة
стр. 142
ممن يكتب حديثه ويحتج به في حديث الشاميين خاصة وقال أبو حاتم لين يكتب حديثه وقال الجوزجانى فما أشبه حديثه بثياب نيسابور يرقم على الثوب المائة وأقلّ وشراؤه دون عشرة وكان أروى الناس عن الكذابين وهو في حديث الثقات من الشاميين أحمد منه في حديث غيرهم. روى له الترمذى والنسائى وابن ماجه. مات سنة إحدى وثمانين ومائة
(قوله يحيى بن أبى عمرو) أبو زرعة الحمصى. روى عن عبد الله بن الديلمى وعبد الرحمن بن خالد والوليد بن سفيان وغيرهم، وعنه الأوزاعي وضمرة بن ربيعة وعاصم بن حكيم وابن المبارك وطائفة، وثقه أحمد ودحيم وابن خراش والعجلى. توفى سنة ثمان وأربعين أو خمسين ومائة، روى له أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه
(قوله السيبانى) بفتح السين المهملة والموحدة بينهما مثناة تحتية ساكنة نسبة إلى سيبان بن الغوث بن سعد الشامى أو إلى سيبان بطن من حمير
(قوله عبد الله بن الديلمي) بن فيروز المقدسى أبو بسر بسين مهملة أو شين معجمة. روى عن حذيفة وعبد الله بن مسعود وأبى سعيد الخدرى وأبىّ بن كعب ومعاذ بن جبل وغيرهم وعنه أبو إدريس الخولانى وربيعة بن يزيد ومحمد بن سيرين وعروة بن رويم وجماعة. وثقه ابن معين والعجلى وابن حبان. روى له أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه، والديلمى نسبة إلى ديلم اسم ماء لبنى عبس وقيل اسم جبل سموا باسم أرضهم
(قوله عبد الله بن مسعود) ابن غافل، بن حبيب بن شمخ بن مخزوم أبو عبد الرحمن الهذلى أحد السابقين في الإسلام، فعنه قال لقد رأيتنى سادس ستة وما على الأرض مسلم غيرنا رواه الحاكم والبغوى، شهد بدرا والمشاهد بعدها وهاجر الهجرتين. روى ثمانية وأربعين وثمانمائة حديث اتفق البخارى ومسلم منها على أربعة وستين وانفرد البخارى بأحد وعشرين ومسلم بخمسة وثلاثين. روى عنه من الصحابة. أبو موسى وأبو رافع وجابر وأنس وأبو سعيد وغيرهم، ومن التابعين علقمة ومسروق والأسود وقيس بن أبى حازم، تلقن من النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سبعين سورة وهو أول من جهر بالقرآن بمكة وفى الحديث من أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد رواه الحاكم عن عليّ. قال علقمة كان يشبه النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في هديه ودله وسمته، فعن حذيفة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال ما نعلم أحدا أقرب سمتا ولا هديا ولا دلا من النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من ابن أم عبد رواه البخارى والترمذى، وكان أعلم الصحابة بكتاب الله تعالى، فعنه والذى لا إله غيره ما نزلت سورة من كتاب الله تعالى إلا وأنا أعلم أين أنزلت وما أنزلت آية من كتاب الله تعالى إلا وأنا أعلم فيم أنزلت ولو أعلم أحداً أعلم منى بكتاب الله تعالى تبلغه الإبل لركبت إليه رواه الشيخان والنسائى وكان من الملازمين لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وخادم نعله. فعن أبي موسى
стр. 143
رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال قدمت أنا وأخى من اليمن فمكثنا حينا وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من كثرة دخولهم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولزومهم له رواه الشيخان والترمذى، شهد له النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالإيمان والتقوى. فعنه قال لما نزل قوله تعالى "ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا" الآية قال لى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنت منهم رواه مسلم والترمذى. توفي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين وصلى عليه عثمان بن عفان ودفن بالبقيع، وقيل نزل الكوفة ومات بها سنة ثلاث وثلاثين، روى له الجماعة
(قوله قدم وفد الجن) الوفد قوم يجتمعون ويردون البلاد، الواحد وافد وكذا من يقصد الأمراء لزيارة أو طلب عطاء وانتجاع أى طلب الكلأ في موضعه أو غير ذلك، يقال وفد يفد فهو وافد وأوفدته فوفد وأوفد على الشئ فهو موفد إذا أشرف، والجن خلاف الإنس الواحد جني سموا بذلك لاستتارهم عن أعين الناس وتجوز رؤيتهم يثاب الطائع منهم ويعذب العاصى وهم مكلفون من حين الخلقة، وقد تقدم الكلام عليهم والخلاف فيهم، وهذا الوفد تسع أو سبع من جن نصيبين مدينة في الشمال الغربى للموصل على منبع نهر الفرات جنها سادات الجن وأكثرهم عددا وهم أول بعث بعثه إبليس حين بعث جنوده ليتعرفوا له الأخبار عن سبب منعهم من استراق السمع فلما سمعوا قراءة النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم آمنوا وولوا إلى قومهم منذرين فقص الله تعالى على نبيه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خبرهم فقال "وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن" الآية وكان حضورهم بوادى نخلة على نحو ليلة من مكة، فعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما قال ما قرأ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على الجن ولا رآهم انطلق رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسل عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا ما لكم قالوا حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب قالوا ما ذاك إلا من شئ حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فمرّ النفر الذين أخذوا نحو تهامة بالنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو يصلى بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا هذا الذى حال بيننا وبين خبر السماء فرجعوا إلى قومهم وقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدى إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا، فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، قل أوحى إلىّ أنه استمع نفر من الجن، أخرجه الشيخان والترمذى، وقد وردت أحاديث أخر تدلّ على تكرر اجتماعهم بالنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. فعن علقمة قلت لابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ هل صحب النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم منكم أحد ليلة الجن قال ما صحبه أحد منا ولكنا كنا معه
стр. 144
ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب فقلنا استطير أو اغتيل فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم فلما أصبحنا فإذا هو جاء من قبل حراء فقلنا يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم فقال أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن قال فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم وسألوه الزاد فقال لكم كل عظم ذكر اسم الله تعالى عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما وكل بعرة علف لدوابكم فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم أخرجه مسلم والمصنف والترمذى، ورواية ابن مسعود مثبتة قراءته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على الجن فهى مقدّمة على رواية ابن عباس السابقة النافية لها لأن المثبت مقدّم على النافى
(قوله انه أمتك إلخ) بفتح الهاء أمر من النهى يقال نهيته عن الشئ أنهاه نهيا فانتهى ونهوته نهوا لغة ونهى الله تعالى أى حرّم، أى امنع أتباعك من الإنس من الاستنجاء بعظم أو روث أو لحم. والأمة جمعها أمم كغرفة وغرف، والحممة بضم الحاء المهملة وميمين مفتوحتين على وزن رطبة ما أحرق من خشب ونحوه والجمع حمم كرطب قال الخطابى الحمم والفحم ما أحرق من الخشب والعظام ونحوهما والاستنجاء به منهىّ عنه لأنه رزق الجن فلا يجوز إفساده عليهم اهـ
(قوله جعل لنا فيها) أى في العظم وما بعده. وظاهره أنهم يرزقون من هذه الأشياء فلذلك منع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الاستنجاء بها ولا ينحصر الرزق في الأكل فلعلهم ينتفعون بالحممة ونحوها بوجه آخر
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه يسوغ للشخص أن يسعى إلى تحصيل ما ينفعه ودفع ما يضره، وعلى أنه يجوز لمن هضم حقه أن يسعى لدى الولاة للحصول على حقه، وعلى أنه يطلب من الرئيس مساعدة المظلوم حتى يحصل على حقه. وعلى أن للجن حقوقا يقضى بها كالإنس، وعلى أنه يطلب البعد عما يؤذيهم كغيرهم، ودلت أحاديث الباب على منع الاستنجاء بالنجاسات والعظم ومثل العظم ما في معناه من المطعومات ومثل الفحم غيره مما يلوّث ولا ينقى (واختلف) العلماء في ذلك فقال الثورى والشافعى وأحمد وإسحاق والظاهرية لا يصح الاستنجاء بها، واستدلوا بظاهر أحاديث الباب وحديث سلمان المتقدم في باب كراهية استقبال القبلة عند الحاجة، وبما رواه البخارى عن أبى هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال اتبعت النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وخرج لحاجته فكان لا يلتفت فدنوت منه فقال له ابغنى أحجارا أستنفض بها ولا تأتنى بعظم ولا روث "الحديث" وأستنفض بالنون والفاء المكسورة يعنى أنظف بها نفسى من الحدث، وفى رواية رزين عن أبى هريرة قلت ما بال العظم والروثة قال هما من طعام الجن وإنه أتانى وفد جن نصيبين ونعم الجن فسألونى عن الزاد فدعوت الله تعالى لهم أن لا يمرّوا بعظم ولا بروث إلا وجدوا عليها طعاما، وبما رواه البخارى أيضا عن ابن مسعود
стр. 145
قال أتى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الغائط فأمرنى أن آتيه بثلاثة أحجار فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجد فأخذت روثة فأتيته بها فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال هذا ركس. يعنى نجسا كما فسره الترمذى. قال النووى في شرح مسلم نبه النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالرجيع على جنس النجس فإن الرجيع هو الروث، وأما العظم فلكونه طعاما للجن فنبه به على جميع المطعومات وتلحق به المحترمات كأجزاء الحيوان وأوراق كتب العلم ولا فرق في النجس بين المائع والجامد فإن استنجى بنجس لم يصح استنجاؤه ووجب عليه بعد ذلك الاستنجاء بالماء ولا يجزئه الحجر لأن الموضع صار نجسا بنجاسة أجنبية ولو استنجى بمطعوم أو غيره من المحترمات الطاهرات فالأصح أنه لا يصح استنجاؤه ولكن يجزئه الحجر بعد ذلك إن لم يكن نقل النجاسة من موضعها، وقيل إن استنجاءه الأول يجزئُ مع المعصية اهـ وقالت المالكية لا يجوز الاستنجاء بالنجس كأرواث الخيل والحمير وعظم الميتة والعذرة ولا بمحترم لكونه مطعوما لآدمى كخبز أو مكتوبا لحرمة الحروف ولو بخط غير عربى أو مشرّفا لذاته كذهب وفضة أو حقا للغير كجدار مملوك للغير ولو وقفا، وأجزأ الاستنجاء بما ذكر مع الحرمة إن حصل الإنقاء قالوا ويكره الاستنجاء بعظم وروث طاهرين. قال العينى وذهب بعض البغداديين إلى جواز ذلك وهو قول أبى حنيفة، وفى البدائع فإن فعل ذلك يعنى الاستنجاء بالعظم يعتدّ به عندنا فيكون مقيما سنة ومرتكبا كراهية، وشذ ابن جرير فأجاز الاستنجاء بكل طاهر ونجس اهـ ويكره بالذهب والفضة عند أبى حنيفة، وقال في الهداية ولا يستنجى بعظم ولا بروث لأن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نهى عن ذلك ولو فعل يجزئه لحصول المقصود ومعنى النهى في الروث النجاسة وفى العظم كونه زاد الجن، ولا يستنجى بطعام لأنه إسراف وإهانة اهـ وقال في فتح القدير واذا كرهوا وضع المملحة على الخبز للإهانة فهذا أولى فلو فعل فأنقى أثم وطهر المحل على إحدى الروايتين اهـ وقال الحافظ في الفتح من قال علة النهى عن الروث كونه نجسا الحق به كل نجس ومتنجس وعن العظم كونه لزجا فلا يزيل إزالة تامة ألحق به ما في معناه كالزجاج الأملس، ويؤيده ما رواه الدارقطنى وصححه من حديث أبى هريرة أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نهى أن يستنجى بروث أو بعظم وقال إنهما لا يطهران، وفى هذا ردّ على من زعم أن الاستنجاء بهما يجزئُ وإن كان منهيا عنه اهـ وفى سبل السلام شرح بلوغ المرام في الكلام على حديث أبى هريرة قال إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نهى أن يستنجى بعظم أو روث وقال إنهما لا يطهران رواه الدارقطنى وصححه ما نصه وعلل هنا بأنهما لا يطهران وعلل بأنهما طعام الجن وعللت الروثة بأنها ركس والتعليل بعدم التطهير فيها عائد إلى كونها ركسا وأما عدم تطهير العظم فلأنه لزج لا يكاد يتماسك فلا ينشف النجاسة ولا يقطع البلة، ولما علل صلى